Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
• قوله:
٨١ - «ولا يحل دم امرئ مسلم إلا أن يكفر بعد إيمانه أو يزني بعد إحصانه أو يقتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض أو يمرق من الدين».
وقد جاء في هذا قول رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن ابن مسعود، ومثله جاء عن عثمان، لكن لفظه بعد الاستثناء هو: «رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدا فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل»، والقَوَدُ القصاص، والقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق عليه بين المسلمين، قاله ابن رجب، والنفس بالنفس ليس على عمومه كما تقدم في الحدود والدماء، فيستثنى الوالد لا يقتل بولده، ويقتل به في المذهب إذا كان غيلة، ولا يقتل المسلم بالكافر، وفي قتل الحر بالعبد خلاف، ويقتل به في المذهب إذا كان غيلة، والتارك لدينه المرتد عن الإسلام، وسماه مسلما باعتبار ما كان عليه قبل الردة، ويستتاب، فإن ترك الوصف الذي لأجله استحق القتل ترك، وكفر المرتد أغلظ من كفر غيره، أما الثيب الزاني والقاتل فقتلهما عقوبة فلا تنفع فيها التوبة، وينفع عفو الأولياء أو بعضهم في القتل، أما الزنا فهو حق الله تعالى فلا بد من إقامته، وقيل تنفع فيه التوبة.
стр. 2452
• قوله:
٨٢ - «ولتكف يدك عما لا يحل لك من مال أو جسد أو دم».
ذكر حرمة الدم أَوَّلاً لعظم شأنه، ثم عَمَّ بذكر لزوم إمساك أداة البطش وهي اليد وغيرها مثلها عن كل محرم من مال الغير المحترم وهو المسلم والذمي، إذ لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس، إما بمعاوضة كالبيع والإجارة والشركة، أو بدونها كالهدية والصدقة، وليمسك يده عن لمس الجسد المحرم يتلذذ به، فإن زنا اليدين البطش كما تقدم في الحديث الصحيح، وقال النبي ﷺ : «لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يلمس امرأة لا تحل له»، رواه الطبراني عن معقل بن يسار، وليمسك يده عن الدم الحرام قتلا أو جرحا، أو إعانة.
стр. 2453
• قوله:
٨٣ - «ولا تَسْعَ بقدميك فيما لا يحل لك».
تقدم أن زنا الرجلين المشي، أي أنهما وسيلة إلى ذلك، وهكذا كل سعي بالرجلين إلى ما لا يحل فعله كالسرقة والغصب وقطع الطريق وشرب الخمر والزنا، أو حضور مجالس اللهو والغناء، وما يسمى عندنا بالوعدة، وشد الرحال للقبور، ولغير المساجد الثلاثة مما تقصد فيه البقعة رجاء بركتها، كما يحرم السعي لقول الباطل وسب المسلم والشهادة له أو عليه بغير حق.
стр. 2454
• قوله:
٨٤ - «ولا تباشر بفرجك أو بشيء من جسدك ما لا يحل لك، قال الله سبحانه: «والذين هم لفروجهم حافظون إلى قوله: فأولئك هم العادون».
بعد ذكره النهي عن السعي إلى الحرام ذكر النهي عن أن يباشر بفرجه أو بشيء من جسده ما لا يحل له ولو من غير سعي، وقد نهى الله عن الاقتراب من الفواحش عموما إذ قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ (١٥١)﴾ [الأنعام: ١٥١]، ونهي عن الاقتراب من حدوده فضلا عن تعديها في قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧]، وخص الزنا بالنهي عن الاقتراب منه فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، والنهي عن الاقتراب من حدود الله أبلغ لأنه ينبغي معه ترك ما يشتبه، فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، كما أن النهي عن الاقتراب من الشيء أبلغ من النهي عنه لأنه يشمل الوسائل المؤدية إليه، ومن الوسائل إلى الزنا النظر والخلوة والدخول على المغيبة والكلام لغير حاجة والإفضاء والاختلاط المقصود واللمس والمصافحة والخضوع بالقول وإبداء الزينة وتعطر المرأة عند الخروج فكيف بالعري والسفور؟، وحفظ الفرج يشمل ستره وعدم فعل ما لا يحل له من وطء وما دونه أو إيلاج في دبر من تحل له، أو لواط أو سحاق، وترك الاستمناء، لما في الآية من الاستثناء، ولأن الله تعالى اعتبر من تجاوز ما ذكره من الحلال عاديا.
стр. 2455
• قوله:
٨٥ - «وحرم الله الفواحش ما ظهر منها وما بطن».
الفواحش جمع فاحشة ما عظم قبحه من قول أو فعل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ (١٢٠)﴾ [الأنعام: ١٢٠] وظاهر الفواحش ما كان بالجوارح، وباطنها ما كان بالقلب كالكبر والحسد والتفكير في طرق المكر والخداع والاحتيال، أو الظاهر ما فعل علنا، والباطن ما فعل سرا، والإثم قيل كل محرم، وقيل الخمر بخاصة، والعرب سمت الخمر إثما، لكنه هنا غير مراد لأن الخمر حرمت في المدينة وهذه السورة مكية، والبغي مجاوزة الحق، وقد يراد به الزيادة في الخير، لكن أكثر إطلاقه في المجاوزة إلى الباطل، ولذلك ذكر الإشراك بعده لأنه منتهى مجاوزة الحق، وذكر بعده القول على الله بغير علم لأن الإشراك فرد من أفراده.
стр. 2456
• قوله:
٨٦ - «وأن يقرب النساء في دم حيضهن أو نفاسهن».
المصدر المسبوك من أن والفعل معطوف على الفواحش في الفقرة قبله، والمراد بقربان النساء الجماع فإن تحريمه مجمع عليه بين المسلمين، لكن اختلف في جواز ذلك بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، والصواب المنع، والمسلمة والكافرة في التحريم قبل الاغتسال سواء، ويجبرها الزوج عليه، ولا تحتاج الكتابية إلى النية، لأنها إنما تجب للغسل الذي هو شرط في العبادة، وهي ليست من أهلها، ودليل التحريم من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، والنفاس مثل الحيض، ومن السنة قول النبي ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أنس، وقد دل الحديث على تحريم الجماع، أما غيره من اللمس والمباشرة وأنواع التلذذ المباح فيما فوق السرة وتحت الركبة فجائز باتفاق، وأما فيما بينهما في غير الفرج فالمشهور منعه، ولعله لسد الذريعة، وفيه أقوال لأهل العلم، قال خليل ذاكرا ممنوعات الحيض: «ومنع صحة صلاة وصوم ووجوبهما وطلاقا وبدء عدة ووطء فرج وتحت إزار،،،»، انتهى.
стр. 2457
• قوله:
٨٧ - «وحرم من النساء ما تقدم ذكرنا إياه».
يريد ما تقدم ذكره في باب النكاح من المحرمات بالنسب والرضاع والمصاهرة ومن الجمع بين الأختين والزائدة على أربع في النكاح والملاعنة والمدخول بها في العدة والتي تنكح بغير ولي أو بغير صداق والكافرة غير الكتابية والمرتدة والجمع بين الأختين، بنكاح أو يمين، والجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها.
стр. 2458
• قوله:
٨٨ - «وأمر بأكل الطيب وهو الحلال فلا يحل لك أن تأكل إلا طيبا ولا تلبس إلا طيبا ولا تركب إلا طيبا ولا تسكن إلا طيبا وتستعمل سائر ما تنتفع به طيبا».
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقال النبي ﷺ : «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك»؟، رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة، فقوله ﷺ : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا»، يشمل ذلك كله، فلا يقبل الله من الصدقات إلا ما كان من حلال، إذا لا يقبل صدقة من غلول، وإذا كان لا يقبل ما يعطى للغير من الحرام فأولى أن لا يقبل ما يأكله المرء أو يشربه أو يلبسه أو يركبه منه، وهذا وجه ذكر النبي ﷺ بعد ذلك أمره المؤمنين وهو أكل الحلال والشكر لله بما أمر به المرسلين من أكل الحلال وعمل الصالحات، وشكر الله عمل صالح أيضا، ولكنه ذكر في جانب المؤمنين لأنه قيد للنعم ومن أسباب بقائها وزيادتها، وتمسك عموم الناس بالنعم عظيم، فدلوا على ما يثبتها، أما الرسل فيقينهم يكفيهم عن التشوف إلى ذلك، والمقصود أن في هذا الربط إشارة إلى أن قبول العمل الصالح متوقف على التزام الحلال في المآكل والمشارب والملابس، ولهذا جاء ذكر هذا الذي يدعو وظاهره على حال يظن أن دعاءه يقبل فهو قد أطال السفر،
стр. 2459
والمسافر يقبل دعاؤه، وهو أشعث أغبر، وذلك مظنة الضعف والانكسار، والضعيف المنكسر القلب أقرب إلى الإجابة، وفي الحديث: «ابغوني الضعفاء فإنما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم»، لكن هذا الداعي استبعد قبول دعائه، وإنما ذكر حالة اجتماع الحرام على الأكل والشرب واللباس والتغذية لكونها أحاطت بكل شيء، ولا يعني ذلك أن يكون الحرام في بعضها يقبل معه الدعاء، وأكد خطورة الطعام لأنه الذي به يتحرك الجسم، وينطق اللسان، وترتفع اليدان، وقد خص بالذكر فيما روي من قوله ﷺ : «أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة»، ولهذا ذكر حرمة المطعم وأردفه بالتغذية وهي من جملته، ولعل المقصود بيان أن الطعام الذي هو حديث عهد به حرام كذلك، فكان ذلك أدعى إلى أن لا تقبل دعوته.
وقال أيضا: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟، قال: غشه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفقه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث»، رواه أحمد والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود ﵁، ووافقه الذهبي، والبوائق واحدتها بائقة وقد فسرها النبي ﷺ ، وهي في اللغة الغوائل والشرور.
стр. 2460
• قوله:
٨٩ - «ومن وراء ذلك مشتبهات من تركها سلم ومن أخذها كان كالراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه».
جاء في هذا حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الحلال بَيِّنٌ، وإن الحرام بَيِّنٌ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، ألا وهي القلب»، رواه الشيخان وأصحاب السنن، والمشتبهات من الاشتباه هو الالتباس والاختلاط، فهي ما ليس حلالا محضا ولا حراما محضا عند من اشتبهت عليه، لا أنها كذلك في نفس الأمر، فإن ذلك لا يتساوى الناس فيه، فقد يشتبه الأمر على أحد ولا يشتبه على آخر، فمن اشتبهت عليه؛ فليبتعد عنها، كما ينبغي أن يبتعد عنها من تابعه ممن لا علم عنده، وهذا نظير المتشابه من الآيات فإنه أمر إضافي، قال السيوطي في شرحه لسنن النسائي: «قد تكون أصول الشرع المختلفة تتجاذب فرعا واحدا تجاذبا متساويا في حق بعض العلماء، ولا يمكنه تصوير ترجيح، ورده لبعض الأصول يوجب تحريمه، ورده لبعضها يوجب حله، فلا شك أن الأحوط هنا تجنب هذا، ومن تجنبه وُصِفَ بالورع والتحفظ في الدين»، انتهى.
وقد اختلف في المراد من المشتبهات، فقيل هي ما تعارضت في حكمها الأدلة، وللتعارض قانون أصولي يرجع إليه، وقيل ما اختلف فيه أهل العلم، وهذا قد يلتقي مع الأول في بعض الصور، لأن من جملة أسباب الاختلاف التعارض، وقيل ما لا دليل على حله ولا على حرمته، وهذا يرجح بعضهم فيه الحل لأنه الأصل في الأشياء، ويرى بعضهم أنه حرام لظنه أنه الأصل، والأول هو الأقوى، وقيل إن المشتبهات هي المكروهات، وقيل
стр. 2461
المباحات، ومرادهم الاستكثار منها، وقوله لا يعلمهن كثير من الناس»، يدل على أن بعضهم القليل يعلمون من أي القسمين هي، قال ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم: «،،، وأما الراسخون في العلم فلا يشتبه عليهم ذلك، ويعلمون من أي القسمين هي،،،»، انتهى، وقوله: «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام»، أي أن إقدام المرء على فعل ما يشتبه عليه من أي القسمين هو يجرئه على الارتقاء إلى ما فوقه مما هو خالص الحرمة فيقع فيه، تدل عليه رواية: «ومن يخالط الريبة يوشك أن يجسر»، أو أنه إذا أقدم على المشتبه فقد يكون حراما في نفس الأمر فيقع في الحرام، كما في رواية: «أوشك أن يخالط ما استبان»، قال نحوه ابن رجب، والحمى الموضع المحمي بحيث لا يدخله غير صاحبه، والمراد أن ما حرمه الله لا ينبغي أن يقترب منه المسلم بفعل ما اشتبه عليه من الأمور فيوقعه في الحرام المحض، ولذكر القلب هنا صلة بما قبله ياصاحبي، فإن فعل المشتبهات ناتج عن عدم سلامة القلب وصدقه في تطلب الحق، فلو كان كذلك لما أقدم صاحبه على ذلك، فإنه بمقدار صلاح القلب تصلح الأعمال مع العلم، وبمقدار فساده تفسد الأعمال ولو مع العلم، والعلم عند الله.
стр. 2462
• قوله:
٩٠ - «وحرم الله سبحانه أكل المال بالباطل ومن الباطل الغصب والتعدي والخيانة والربا والسحت والقمار والغرر والغش والخديعة والخلابة».
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨]، نسبت الأموال إلى مجموع الأمة، لأن من أكل مال غيره بالباطل فقد فتح الباب لأن يؤكل ماله، أو لأن السكوت على ذلك ينتج ما ذكرنا، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، ولأن الأمة متضامنة متعاضدة فيما هي عليه فينسب إلى المجموع ما ينسب إلى البعض، والنهي في الآية وإن كان عاما إلا أنه ألصق بما يترافع فيه الناس إلى الحكام فيقضون به للمبطل على المحق، فإن ذلك لا يخرجه عن أكل أموال الناس بالباطل، فإن حكم الحاكم على الظاهر ولو كان نبيا، وقد قال النبي ﷺ : «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إِلَيَّ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي بقطعة من النار فليأخذها أو ليتركها»، رواه مالك وأحمد والشيخان وأصحاب السن عن أم سلمة، فحكم الحاكم لا يحل الحرام ولا يحرم الحلال، وهكذا فتوى المفتي كما في قوله ﷺ : «البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك»، رواه أحمد والدارمي عن وابصة بن معبد قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: «جئت تسأل عن البر»؟ فذكره، وهو في مسند أحمد وصحيح مسلم وسنن الترمذي عن النواس بن سمعان نحوه، فإذا كان ما يقع في قلب المؤمن من الحرج في الشيء كافيا في اعتباره من الإثم لا من البر ولو أفتاه الناس، فكيف بما يعلم أنه حرام؟، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، وهذا ظاهر في
стр. 2463
النهي عن تعاطي الأسباب غير المشروعة في تحصيل الأموال بدلالة استثناء التجارة التي تكون بالتراضي، وقال النبي ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»، رواه أبو داود عن حنيفة الرقاشي، لكن هذا والله أعلم لا يراد عمومه، لأن من مال المسلم ما قد تطيب به نفسه في الظاهر للاضطرار أو غيره لكن الله حرمه فلا عبرة بطيب نفسه إن حصل، فإن ربه أعلم بمصلحته منه بها، وقد ذكر المؤلف أنواعا من أكل أموال الناس بالباطل، فالقمار قد تطيب فيه نفس المقامر بماله، ولكنه ينشر العداوة والبغضاء بين الناس، فأي طيب هذا؟، والربا كذلك ينقطع به التراحم بين الناس وهو استغلال حاجة الضعيف، أما باقي ما ذكره فلا طيب معه، وكلها مشمولة بالأدلة السابقة.
فالغصب أخذ الشيء ظلما، وقيل هو استيلاء يد عادية على مال الغير على وجه يمكن معه الغوث، أرادوا بذلك إخراج السرقة والاختلاس والحرابة، والتعدي مثلُ الغصب، غير أنه التصرف في ملك الغير من غير قصد أخذه، فهو غصب المنفعة لا الذات، وهذا اصطلاح فلا تقلق، كما يشمل مجاوزة القدر في استيفاء الحق كالزيادة على المسافة في كراء الدابة والسيارة، أو في مقدار الحمل، والخروج عن العارية فيما تستعمل فيه، ولفظ الخيانة يشمل الخيانة في المال وفي العرض والنفس، لكن المراد هنا المال كأن يجحد ما اؤتمن عليه من الودائع والعواري، والربا بأخذ الزيادة في الدين ابتداء، أو نظير التأخير بعد انعقاد الصفقة، وغير ذلك من صور ربا الفضل والنسيئة، والسحت هو ما خبث من المكاسب، كمهر البغي وحلوان الكاهن والرشوة، وهي ما يعطى لإحقاق باطل أو إبطال حق، ويلحق به هدايا العمال، ومن السحت ما يؤخذ نظير الشهادة، ونظير بذل الجاه بالشفاعة الحسنة، أما الشفاعة السيئة فمحرمة لذاتها، وأخذ المال عليها حرام آخر، والضمان، فإنه هو والشفاعة والقرض لا يجوز أخذ العوض عنها، ومنه السؤال من غير حاجة، والقمارُ من قامرته وقمرته إذا غلبته، والمقصود أخذ مال الغير متى غلبه في لهو، أو هو كل لعب يشترط فيه أن يأخذ الغالب من المغلوب شيئا، وهو الميسر في القرآن، وسيأتي في السبق بيان ما يجوز منه، والغرر ومنه أن يأخذ مال غيره نظير عوض مجهول، ولذلك منعت في البيع الجهالة في الثمن والمثمن والأجل، أما الغرر اليسير فمغتفر لعسر اجتنابه،
стр. 2464
وإلا عطلت معظم المعاملات، والغش هو خلط الجنس بغير جنسه، كاللبن بالماء لغير جمع السمن بالقدر اللازم كما يفعله بعض سكان البادية فيما أرى، فإن استغني عنه ترك، والغش أيضا خلط الجنس الجيد بالرديء من جنسه قصدا، ومنه رش الخضراوات بالماء لزيادة وزنها، والخديعة تكون بالكلام نحو امتداح السلعة بغير حق، ويرغب عن كثير ذلك ولو مع الصدق، أو بالفعل كإظهار جيدها في الواجهة وستر رديئها ثم إدخاله في الميزان والكيل ليتوصل بذلك إلى ترويج السلع، والخلابة هي الخديعة اختلف اللفظ وتقارب المعنى.
стр. 2465
• قوله:
٩١ - «وحرم الله سبحانه أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وما ذبح لغير الله».
هذا مما أجمعت عليه الأمة، وقال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ (٣)﴾ [المائدة: ٣]، والمحرم من الدم إنما هو المسفوح لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وأحل الله تعالى ميتة البحر بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٦]، وخصصت السنة أيضا عموم الدم والميتة بقوله ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال»، رواه أحمد وابن ماجة عن ابن عمر، فأما ما أهل لغير الله به فهو ما سمي عليه غير الله تعالى أو ما تقرب به إلى غيره، ومنه ما ذبح لتعظيم الجن، ومنه ما يذبح فيما سمى عندنا بالوعدات، وقد كانوا في وقت مضى يقولون هذه نعجة فلان لولي من الأولياء ثم يذبحونها في الطعام المنسوب إليه، وقد قل هذا اليوم ولكنه لم ينعدم.
стр. 2466
• قوله:
٩٢ - «وما أعان على موته ترد من جبل أو وقذة بعصا أو غيرها والمنخنقة بحبل أو غيره إلا أن يضطر إلى ذلك كالميتة وذلك إذا صارت بذلك إلى حال لا حياة بعده فلا ذكاة فيها».
هذا جاء في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، فالميتة ما مات من الحيوان حتف أنفه، أعني من غير ذكاة وما يقوم مقامها، لا فرق بين أن يعلم سبب موته أو لا، وقد ذكر هنا أمثلة مما عرف سبب موته واعتبر ميتة في مشهور المذهب، ولو أدركت الحياة فيه متى نفذت مقاتله، أما إن لم تنفذ مقاتله ولو أيس من حياته فإن الذكاة تنفع فيه، ولهذا شبه ما نَفَذَت مقاتله بالميتة فقال كالميتة، وفسر مراده بقوله «إذا صارت بذلك إلى حال لا حياة بعده»، وقد سبق ذكر المقاتل في الجزء الثاني، والعلماء مختلفون في اعتبار ما نفذت مقاتله ميتة ولو أدركت الحياة فيه لاختلافهم في الاستثناء وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، هل هو متصل وهو قول الجمهور، وعليه قول مالك في الموطإ، أو منفصل وهو عمدة مشهور المذهب، والظاهر أن الذكاة تنفع متى أدركت الحياة في الحيوان بتحريكه شيئا من بدنه لأن الأصل في الاستثناء الاتصال، وما ذكر من المحرمات قسمان منه المحرم لما فيه من الإضرار بالجسم، فخبثه حسي، وقف الناس على ذلك أو لم يقفوا عليه، ومنه ما حرم لإضراره بنفس المرء وروحه، ولأنه حماية للتوحيد، فخبثه معنوي، وهو ما أهل لغير الله به، أي سمي عليه غير الله، أو جمع مع اسمه اسم غيره، أو تقرب به لغير الله سبحانه، قال النووي في شرح حديث لعن الله من ذبح لغير الله في شرح صحيح مسلم: «فإن قصد الذابح مع ذلك تعظيم المذبوح له، وكان غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرا، فإن كان الذابح مسلما قبل ذلك صار بالذبح مرتدا»، انتهى، ونقل ابن عطية عن الحسن البصري أنه سئل عن امرأة عَمِلَتْ عرسا لِلُعَبِهَا فنحرت
стр. 2467
فيه جزورا فقال لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم»، ذكره القرطبي في تفسيره، فإذا كان الأمر هكذا في اللُّعَبِ فكيف بالجد فيما يسمى عندنا بالوعدات التي يصنع فيها الطعام وتذبح الذبائح باسم الموتى، وتشد الرحال إليهم، ويعمل ذلك استرضاء لهم كي ينزل المطر، فإذا لم يكن هذا شركا فما هو الشرك؟، ولما بَيَّنَ المؤلف استثناء المضطر من تحريم الميتة بَيَّنَ حدود ما يجوز له منها فقال:
стр. 2468
• قوله:
٩٣ - «ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود فإن استغنى عنها طرحها».
قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣]، والمضطر هو الذي بلغ الجوع به مبلغا يخاف معه على نفسه الهلاك، وظاهر ما ذكره المؤلف أن أكل الميتة وسائر النجاسات غير الآدمي والخمر إلا لغصة ممن صار إلى هذه الحال مباح فحسب، والظاهر أنه إذا صار إلى تلك الحال كان الأكل واجبا عليه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، وأكل المضطر حتى الشبع وتزوده هو أحد القولين، والآخر إنما يأكل ما يسد به رمقه ويدعمه قاعدة الضرورة تقدر بقدرها، والظاهر أن من كان على يقين بأن الطعام أمامه فحكمه ما ذكر، وقد يقال إنه مع ذلك يتزود للاحتياط، ومن لم يكن كذلك فليفعل ما ذكره المؤلف، ويأكل االمضطر الميتة في السفر والحضر من غير فرق بين سفر المعصية وسفر الطاعة، بخلاف قصر الصلاة والفطر في رمضان، وضابط ما ذكر عندهم أن كل رخصة جازت في الحضر كمسح الخف والتيمم وأكل الميتة تفعل في السفر وإن من عاص به، وكل رخصة مختصة بالسفر كقصر الصلاة والفطر في رمضان فلا تفعل إلا من غير العاصي بسفره، وانظر شرح الدردير على المختصر.
стр. 2469
• قوله:
٩٤ - «ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ ولا يصلى عليه ولا يباع».
جلد الميتة في مشهور المذهب ولو بعد دبغه ليس طاهرا، وإنما يجوز الانتفاع به باستعماله في اليابس والماء والجلوس عليه، لكن لا يصلى عليه، ولا يباع، ويستثنى من ذلك جلد الخنزير لقذارته وجلد الآدمي لشرفه، ولمالك قول آخر بطهارته وهو الذي عليه البغداديون من أصحابه، ويدل عليه عموم قول النبي ﷺ : «ايما إهاب دبغ فقد طهر»، رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس، وهو في صحيح مسلم عنه بلفظ: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر»، وروى أبو داود والنسائي عن سلمة بن المحبق أن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أتى على بيت فإذا قربة معلقة، فسأل الماء، فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة، فقال: «دباغها طهورها»، وقد حمل بعض علماء المذهب الطهارة على اللغوية، وهو خلاف الأصل، فإن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية، أما معارضة ما تقدم بما رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عكيم قال: «قرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ بأرض جهينة، وأنا غلام شاب: «أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، فلا تستقيم، بعد تجاوز ما قيل في الحديث من الإرسال والانقطاع والاضطراب، إذ المحكوم بطهارته هو الإهاب بعد دبغه، والذي منعه الحديث هنا هو الإهاب ذاته، ولو تجاوزنا هذا لم يصح لأهل المذهب الاحتجاج به لأنهم يرون جواز الانتفاع بالجلد بالقيود التي تقدم ذكرها، والله أعلم.
стр. 2470
• قوله:
٩٥ - «ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها».
السباع هنا كل ما له جراءة على الافتراس والعداء، وهذا من الأقوال الضعيفة في المذهب، وعمدتهم فيه أن السباع مكروهة كراهة تنزيه كما سيأتي، فإذا ذكيت ولو بقصد أخذ جلدها فقط طهرت بذلك فجاز بيعها والصلاة عليها، بل ويجوز عندهم أكلها ولو ذبحت لأجل جلودها على القول بعدم تبعض القصد، ومن حججهم على طهارة جلودها حتى على القول بالحرمة حديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعا: «أكل كل ذي ناب من السباع حرام»، وهو في الموطإ وغيره، قال الباجي في المنتقى: «قال القاضي أبو إسحاق في مبسوطه أحسب أن مالكا حمل النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع على أكلها خاصة،،، فذهب إلى أن النهي مختص بالأكل، وأن التذكية طهر لغير الآكل، فقال لا بأس بجلود السباع المذكاة أن يصلى عليها»، انتهى. وحجتهم على عدم حرمة أكلها ما جاء في كتاب الله من حصر المحرمات في مكي السور ومدنيها في أربعة مواضع من سور الأنعام والنحل والبقرة والمائدة وهي من آخر السور نزولا، وقد احتج عبد الله بن عباس ﵄ على عدم تحريم الحمر الإنسية بقوله تعال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ (١٤٥)﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وهو في صحيح البخاري من حديث جابر بن زيد، وقد ذكر ابن العربي في كتبه الثلاثة أحكام القرآن وشرحي الموطإ القبس والمسالك أن آية سورة الأنعام متأخرة، بل صرح أنها نزلت في حجة الوداع كما ذكره القرطبي في تفسيره، وهذا يخالف ما ذكره ابن عبد البر من الإجماع على أنها مكية إلا آيات ليست المذكورة منها، وهو الظاهر.
وحمل بعضهم قول النبي ﷺ : «أكل كل ذي ناب من السباع حرام»، وهو في الموطإ وغيره عن أبي ثعلبة الخشني على أن المصدر مضاف لفاعله لا إلى مفعوله، أي أن ما أكله السبع حرام، فهو في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾، وهذا لا يمضي لعدة أوجه منها
стр. 2471
أن مالكا ترجم عليه بقوله (تحريم أكل كل ذي ناب من السباع)، ومنها أن اعتبار المصدر بمعنى المفعول خلاف الأصل، ومنها حديث أبي هريرة الذي رواه مالك بعد حديث أبي ثعلبة الخشني فإنه نص في التحريم، ومنها أن مالكا قال: «وهو الأمر عندنا»، فهل تحريم أكيلة السبع يحتاج فيه مالك إلى أن يحيل على عمل أهل المدينة وهو منصوص كتاب الله تعالى؟، ومنها أن المذهب حرمة الحمر الإنسية، وليست في تلك الآيات، بل هي محرمة بالسنة، وقد حاء تحريم أكل ذي الناب من السباع مقترنا بالحمر الإنسية، ومنها تحريم مالك أكل الخيل، وهي غير مذكورة في تلك الآيات، ومنها مجيء روايات غير تلك الرواية ترفع ما فيها من الاحتمال المرجوح، أقواها: «ألا لا يحل ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي، ولا اللقطة من مال معاهد، إلا أن يستغني عنها، وأيما رجل ضاف قوما فلم يقروه فإن له أن يعقبهم بمثل قراه»، فلم يَقروه فلم يقدموا له القرى بكسر القاف أي الضيافة، يعقبهم رباعي يتبعهم.
стр. 2472
• قوله:
٩٦ - «وينتفع بصوف الميتة وشعرها وما ينزع منها في الحياة وأحب إلينا أن يغسل».
إذا جز الصوف والشعر والوبر من الحيوان سواء في حال حياته أو بعد موته فإنه يكون طاهرا، لأن الحياة لا تحله، ولا يعترض على ذلك بأنه ينمو بحياة الحيوان لأن النمو ليس دليلا على حلول الحياة فيه، بخلاف ما إذا نتف فإنه يكون نجسا لنجاسة ما اتصل منه بالجلد، وقد ذكر ذلك خليل في مختصره بقوله: «وشعر ولو من خنزير إن جزت»، أما قول رسول الله ﷺ : «ما قطع من البهيمة وهو حية فهو ميتة»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن أبي واقد الليثي، فإنه مخصوص بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل: ٨٠]، مع أن التعبير بالقطع يشير إلى هذا المعنى.
стр. 2473
• قوله:
٩٧ - «ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها وأظلافها وأنيابها وكره الانتفاع بأنياب الفيل».
الريش كالشعر متى جز كان طاهرا، والأظلاف جمع ظلف بكسر الظاء هو الخف، والمراد بالأنياب الأسنان مطلقا، وإنما منع ما ذكر لنجاسته، وأنياب الفيل يحرم الانتفاع بها على المعتمد، قال خليل: «وما أبين من حي وميت من قرن وعظم وظلف وعاج وظفر وقصبة ريش وجلد ولو دبغ» انتهى، ولما كان الانتفاع بأنياب الفيل فيه خلاف ذكر أنه مكروه يعني إذا لم يذك.
стр. 2474
• قوله:
٩٨ - «وكل شيء من الخنزير حرام وقد أرخص في الانتفاع بشعره».
الخنزير كله محرم لحمه وشحمه وعظمه، قال الله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، والمذهب أن جلده لا ينتفع به ولو بعد الدبغ، كما لا ينتفع بشيء منه عدا شعره إن جز بناء على طهارته حيا، أما لو قيل بنجاسة عينه فلا يقال بطهارة شعره لا حيا ولا ميتا، قال خليل: «ورخص فيه إلا من خنزير بعد دبغه في يابس وماء»، انتهى، والعموم الذي في حديث ابن عباس المتقدم يدل على تطهير الدباغ لكل جلد.
стр. 2475
• قوله:
٩٩ - «وحرم الله سبحانه شرب الخمر قليلها وكثيرها، وشراب العرب يومئذ فضيخ التمر، وبَيَّنَ الرسول ﵇ أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام».
تحريم شرب الخمر مما علم من دين الإسلام بالضرورة، لا فرق بين القليل والكثير في التحريم، فقد قال النبي ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر، وقال أيضا: «ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام»، رواه أحمد عن عائشة، والفرق بفتح الراء ويجوز تسكينها مكيال يسع ستة عشر رطلا، وهي اثنا عشر مدا، أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز»، كذا في النهاية لابن الأثير، والمراد من ذكر الفرق الكثرة، فلا مفهوم له، وإنما ذكر ملء الكف لأنه الذي يشرب عادة بالاغتراف فلا مفهوم له أيضا، بل القطرة محرمة كذلك، والعموم الذي في قوله ﷺ «ما أسكر كثيره حجة على أن المحرم ليس خصوص ما تخمر من ماء العنب، بل يشمل كل ما كان كذلك، وهذا مذهب جمهور أهل العلم، فإن علة تحريم الخمر الإسكار، ولازم مذهب الحنفية أن عصير العنب محرم لذاته، وغيره لسكره، ولذا لم يمنعوا إلا ما أسكر منه، والعجب أن يأتي هذا الموقف من الذين برزوا في القياس ﵏، وفضيخ التمر هو ما يهرس منه ويجعل في إناء ويصب عليه الماء ويترك حتى يتخمر، وإنما نص المؤلف على ذلك ليرد على من قصر الخمر على عصير العنب، أما غيره فما لا يسكر منه لا يكون محرما، ومن أين يعرف حد المسكر والناس فيه متفاوتون؟، وقد تقدم بحث ذلك في كتاب الحدود، لكن ينبغي أن يعلم أن شراب العرب لم يكن مقصورا على عصير العنب المتخمر بل زاد على ذلك، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس قال: «كنت أسقي أبا عبيدة وأُبَيَّ بن كعب من فضيخ زهو وتمر فجاءهم آت فقال: «إن الخمر حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها،
стр. 2476
فأهرقتها»، وروى مالك في الموطإ ومن طريقه الشيخان عن عائشة أنها قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع فقال: «كل شراب أسكر حرام»، والبتع بكسر الباء هو الخمر من العسل، نعم إن عامة ما كان يصنع منه الخمر هوالتمر والعنب كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [النحل: ٦٧]، السكَر مصدر بمعنى السكر سمي به الخمر كالرشد بمعنى الرشد هكذا في تفسير القاسمي ﵀، وهذه أول إشارة إلى تحريم الخمر لأنها جاءت في مقابل الرزق الحسن، ونظيره عندي الإشارة إلى الربا في سورة الروم، وحملها على هدية الثواب فيه شيء.
стр. 2477
• قوله:
١٠٠ - «وكل ما خامر العقل فأسكره من كل شراب فهو خمر».
قال في مقاييس اللغة: «الخاء والميم والراء أصل واحد يدل على التغطية والمخالطة في ستر»، وقال: «ويقال خامره الداء إذا خالط جوفه»، انتهى، ومعنى مخامرة العقل مخالطته بالتأثير عليه، فيزول الإدراك الذي خلق الله عباده ليقوموا بحقوقه، قد يزول بعضه بإحداث خفة في العقل، وقد يزول كله، فتكون الخمر هنا مخمرة للعقل ومغطية، والتخمير التغطية، والمعنى الثالث أنها سميت كذلك لأنها تخمر أي تغطى حتى تشتد، ولا تنافي بينها فالكل موجود، وما ذكره المؤلف هو من كلام عمر، وهو من أهل اللغة قد جاء عنه في صحيح البخاري أنه خطب فقال: «ألا إن الخمر قد حرمت وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل، وثلاث وددت أن رسول الله ﷺ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا عهدا: الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا، قال: قلت يا أبا عمرو فشيء يصنع بالسند من الأرز؟، قال: ذاك لم يكن على عهد النبي ﷺ ، أو قال على عهد عمر»، قال الحافظ: «في رواية الإسماعيلي: «ولو كان لنهى عنه، ألا ترى أنه قد عم فقال: «الخمر ما خامر العقل»، ونقل عن الإسماعيلي أن الكلام الأخير فيه دلالة على أن قوله: «الخمر ما خامر العقل من كلام النبي ﷺ »، انتهى.
стр. 2478
• قوله:
١٠١ - «وقال الرسول ﵇ إن الذي حرم شربها حرم بيعها».
روى مالك وأحمد ومسلم والنسائي عن ابن عباس قال: «أهدى رجل إلى النبي ﷺ راوية خمر فقال له رسول الله ﷺ : «أما علمت أن الله حرمها»؟، قال: لا، فساره رجل إلى جنبه فقال رسول الله ﷺ : «بم ساررته»؟، فقال: «أمرته أن يبيعها»، فقال له رسول الله ﷺ : «إن الذي حرم شربها حرم بيعها»، ففتح الرجل المزادتين حتى ذهب ما فيهما، والراوية مفرد روايا هي المزادة وعاء من الجلد، وقد لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة، وقد تقدم الحديث الوارد في ذلك في الحدود، وكما يحرم بيع الخمر يحرم بيع العنب ممن يعلم أنه يعصره خمرا، لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، ويفسخ إذا وقع ويرد لبائعه، ومثل هذا كل ما يعلم أن المشتري يفعل به ما لا يحل له، لكن لا ينبغي أن يؤخذ من هذا أن كل ما منع أكله أو لبسه منع تملكه أو بيعه كالحرير وأواني الذهب واالحمير والبغال والخيل وكلب الصيد والماشية والزرع على أحد القولين في بيع الكلب.
стр. 2479
• قوله:
١٠٢ - «ونهي عن الخليطين من الأشربة وذلك أن يخلطا عند الانتباذ وعند الشرب».
أي نهى عن شربهما، وهذا النهي يقتضي عدم الخلط بينهما ولو من غير شرب، لأن فيه إضاعة للمال، وقيد الأشربة يخرج غيرها من المأكولات فإنه لا دليل على المنع من خلطها أو أكلها على تلك الصفة، فإن الأصل الحل، وقد جاء أن النبي ﷺ كان يأكل البطيخ بالرطب، ويقول: يكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا»، وهو في سنن أبي داود والترمذي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وقد روى مسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي قتادة قال، قال سول الله ﷺ : «لا تنتبذوا الزهو والرطب جميعا، ولا تنتبذوا الزبيب والتمر جميعا، وانتبذوا كل واحد منهما على حدته»، وهو في الموطإ نحوه، وعن عطاء بن يسار مرسلا، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد ومسلم والترمذي أن النبي ﷺ نهى عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما، وعن التمر والبسر أن يخلط بينهما، يعني في الانتباذ»، البسر بضم الباء التمر قبل أن يُرطب، من البسر بفتح الباء وهو الإعجال، والزهو البسر الملون فيه حمرة وصفرة، والانتباذ وضع التمر والزبيب ونحوهما في الإناء وصب الماء عليهما وتركه مدة يحلو خلالها الماء، ويقال لهذا الماء نبيذ، سواء أكان مسكرا أو غير مسكر، وقد جاء ما يدل على ترك شربه بعد ثلاثة أيام لكونه مظنة لأن يشتد فيكون مسكرا، ففي مسند أحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود عن ابن عباس قال: كان ينقع للنبي ﷺ الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يأمر به فيسقى الخادم أو يهراق»، وقد يختلف الأمر في ذلك بحسب درجة الحرارة، وإنما أمر أن يسقى الخادم ليبادر به قبل إدراك وقت تخمره واشتداده فيراق، لا أن الخادم يجوز له شرب ما لم يجز للنبي ﷺ ، وقول المؤلف: «عند الانتباذ وعند الشرب»، أي أنه لا فرق أن ينبذ كل منهما على حدة ثم يخلطا عند الشرب، أو
стр. 2480
ينبذا معا ويشربا.
وقد اختلف أهل العلم في علة النهي عن شرب الخليطين، فقيل لأن الإسكار يسرع إلى الشيء بسبب الخلط، فيظن الشارب أنه ليس بمسكر مع أنه مسكر، قال المازري في شرح مسلم: «وهذا إذا كان الخليطان كل واحد منهما لو انفرد صار نبيذا، فأما إذا كان أحدهما لو انفرد لم يصر منه نبيذ فاضطرب المذهب في ذلك في مسائل ذكروها»، انتهى، وقال النفراوي: «ومحل النهي حيث طال زمن الانتباذ، لا إن قصر بحيث يقطع بعدم توقع الإسكار منهما، وإلا جاز»، انتهى، وعلى هذا فالذي لا يسكر لا بأس بخلطه كاللبن بالعسل، واللبن (الحليب) بالقهوة، وقيل إن العلة ما فيه من السرف، وعليه يعم النهي إلا ما كان مثل الماء باللبن لتخفيفه وإذهاب حرارته، وهذا بعيد لأنه إذا أبيح شربهما منفردين كان فيه سرف أيضا، وإباحة شربهما منفصلين لا خلاف فيها، وينقض بالجمع بين أكثر من طعام، ولا خلاف في جوازه، والسرف هنا أشد لو كان الأمر كما قالوا، وقيل إنه تعبدي، وهو مشهور المذهب، وهو الأقوى عندي، وقد حام ابن العربي حول هذا المعنى فانظر كلامه في كتابه المسالك (٣/ ٣٦٢).
لكن ليس معنى هذا أنه لا تعرف له علة أبدا فقد عرف الآن عن التفاعلات التي تجري بسبب الخلط ما لم يكن معروفا من قبل، فإذا وجدت قولا للقدماء عن شيء إنه تعبدي فليس معناه أن علته تظل سرا مكتما أبدا، وعلى هذا يدخل ما خيف إسكاره وغيره، وبعض الأشربة قد يحدث فيها شيء مضر بعد الخلط بسبب التفاعل الكيماوي بين مكوناتها، وقد ذكر بعض الأطباء عن خلط اللبن (الحليب) بالقهوة أنه يتعب الكبد، بخلاف ما لو شرب كل منهما على حدة، ولو حصل ذلك على الفور، والأصوليون يقولون إن العلة قد تكون مركبة، فعدم الخلط مطلقا هو الذي ترتاح إليه النفس، قال الخطابي في معالم السنن: «قد ذهب غير واحد من أهل العلم إلى تحريم الخليطين وإن لم يكن الشراب المتخذ منهما مسكرا قولا بظاهر الحديث، ولمْ يجعلوه معلولا بالإسكار، وإليه ذهب عطاء وطاوس، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث، وهو غالب مذهب الشافعي، وقالوا إن من شرب الخليطين قبل حدوث الشدة فهو آثم من جهة
стр. 2481
واحدة، وإذا شرب بعد حدوث الشدة كان آثما من جهتين،،،»، انتهى، وأبعد الناس عن الحق في هذه المسألة من قالوا بجواز الخلط قائلين حيث جاز شربهما منفصلين جاز شربهما مجتمعين، وهو دفع في صدر الدليل بالهوى، مع أنه منقوض بالجمع بين الأختين.
واختلف في النهي هل هو للتحريم أو الكراهة، والأخير هو الذي في المختصر، قال خليل عاطفا على المكروهات: «وشراب خليطين»، انتهى، وقد نسب الخطابي لمالك خلاف هذا، وكراهة الخلط هذا عندهم إنما تكون إذا كان ذلك لأجل الشرب، فأما للتخليل فلا كراهة، وهو مفتقر إلى الدليل.
стр. 2482
• قوله:
١٠٣ - «ونهى عن الانتباذ في الدباء والمزفت».
النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت جاء في حديث أبي هريرة عند مالك وأحمد ومسلم، وفي الموطإ عن ابن عمر، ولهذا اقتصر المؤلف على ذكرهما، وعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن وفد عبد القيس قدموا على النبي ﷺ فسألوه عن النبيذ، فنهاهم أن ينبذوا في الدباء والنقير والمزفت والحنتم»، رواه الشيخان، والدباء بضم الدال والباء المشددة؛ هو القرع يجفف حتى يصلح لأن يكون وعاء وظرفا، والنقير فعيل بمعنى مفعول، هو أصل النخلة ينقر ويجعل إناء، والمزفت بصيغة اسم المفعول، المدهون باطنه بالزفت، ويقال له المقير لأنه مدهون بالقار وهو الزفت، وجاء لفظه عند مسلم في رواية لحديث أبي هريرة، والحنتم بفتح الحاء واحدته حنتمة جرار خضر مدهونة، كانت تحمل فيها الخمر إلى المدينة، ولذلك جاء النهي عن الانتباذ فيها بخصوصها، ثم أطلق اللفظ على كل خزف لأنه مشارك للجرار الخضر في المعنى، والنهي إنما جاء عن الانتباذ في هذه الأوعية لأنها من الأواني التي كانت تستعمل في الخمر فمنعه الشرع الانتباذ فيها أولا قطعا للصلة والتشبه بما كان، أو لأن الشدة تسرع إلى ما يوضع فيها، فلما اشتهر تحريم الخمر نسخ الحكم، كما رواه مسلم عن بريدة عن النبي ﷺ قال: «كنت نهيتكم عن الشرب إلا في ظروف الأَدَمِ، فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرا»، والأدم بفتح الهمزة والدال، والقياس ضمهما جمع أديم، وهو الجلد المدبوغ، ومشهور مذهب مالك أن النهي عن الانتباذ في تلك الأوعية باق، وكلام المؤلف واضح الدلالة على ذلك.
стр. 2483
• قوله:
١٠٤ - «ونهى ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع».
الناب السن الذي خلف الرباعية جمعه أنياب، والسبع هو المفترس من الحيوان، وذو الناب منه ما له ناب يتقوى به على الافتراس، قال بعضهم: «لا يجتمع في حيوان واحد ناب وقرن»، انتهى، وقد ذكر الباجي أن في المسألة ثلاثة أقوال، الأول قول العراقيين أنها كلها عند مالك على الكراهية من غير تمييز ولا تفصيل، وهو ظاهر ما في المدونة، والثاني قول ابن كنانة وهو أن كل ما يفترس من السباع ويأكل اللحم فهو مما لا يؤكل، وما كان سوى ذلك من دواب الأرض مما يعيش من نبات الأرض فلم يأت فيه نهي، والثالث قول المدنيين أن عاديها كالأسد والنمر والفهد والذئب محرم، وغيره كالدب والثعلب والضبع والهر مطلقا مكروه، والمغاربة مثل العراقيين في هذا، ففي كتاب ابن المواز عن مالك السبع والنمر والفهد محرمة بالسنة، والذئب والثعلب والهر مكروهة، وقد يوجد من قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن ذلك كله على الكراهية مثل رواية العراقيين»، انتهى بتصرف واختصار.
والنهي عندهم في المشهور محمول على الكراهة التنزيهية، قال خليل: «والمكروه سبع وضبع وثعلب وذئب وهر وإن وحشيا»، انتهى، وهو يريد بالسبع خصوص الأسد والنمر، لعطفه الذئب والهر وهما سبعان، وقد تقدم بعض الكلام في هذه المسألة، وفي حمل النهي على الكراهة شيء، فإنه إن كان الحامل على ذلك التوفيق بين آية سورة الأنعام والحديث الذي جاء في النهي عن أكل ذوات الأنياب من السباع فإنه قد ورد بلفظ التحريم وهو نص، فلا يصح حمله على الكراهة، وقد تقدم أن بعضهم أوَّلَهُ على معنى أن المحرم مأكول السبع، لا السبع، وذكرت الجواب عنه، وما ذا يقال في الحديث الذي جمع فيه بين تحريم الحمر الإنسية وتحريم ذي الناب من السباع، وهو حديث جابر قال: «حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الإنسية، ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير»، رواه أحمد والترمذي، وروى أحمد ومسلم وبعض أصحاب السنن عن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله ﷺ قال: «كل ذي ناب من
стр. 2484
السباع فأكله حرام»، أما آية سورة المائدة فتخصص بسياقها، وسياقها الرد على من كانوا يحرمون أشياء من بهيمة الأنعام وهي الأزواج الثمانية المذكورة قبلها، وقد يقال إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا حق، لكن التخصيص بالسياق حق أيضا، وقد قال به أهل العلم المحققون، وسبق ذكر شيء منه في باب الصوم، وفي البيوع عند ذكر اختلاف أهل العلم في علة الربا، يضاف إلى هذا أن الآية فيها عموم التحليل والنص على تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير وغيرهما مقدم عليه، ثم إن حديث التحريم متأخر عن آية سورة الأنعام، لأنها مكية بالإجماع، والسنة تنفرد بالتشريع، فما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله كما جاء في ذلك في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره عن المقدام، وقد أشار مالك إلى ذلك في قوله الذي في كتاب ابن المواز وقد ذكرته من قبل: «السبع والنمر والفهد محرمة بالسنة،،،»، انتهى، وقد حاول الباجي الجمع بين الآية والحديث بتأويله على أوجه، منها أنه لما كان قتل السباع غير محرم على المحرم بحج أو عمرة فربما ظن أنها يجوز أكلها فخصت بنهي المحرم عنها، ومنها حمل الحديث على الأغلب من أحوال هذه السباع وهو الميتة منها، لأنها في الغالب لا يتمكن منها إلا ميتة، وليس هذا إلا تعسفا في التأويل، لكنه ﵀ بعد كل هذا قال: «ورواية من روى عن مالك التحريم أظهر لحديث أبي هريرة، فإنه نص في التحريم، ف ﵀ وسائر علماء المسلمين الناصحين.
وعلى القول بالتحريم وهو الحق فإن الضبع مستثنى من ذلك لورود النص بحله، فقد روى الترمذي عن ابن أبي عمار قال: قلت لجابر: «الضبع أصيد هي»؟، قال: «نعم»، قال: «قلت آكلها»؟، قال: «نعم»، قال: «قلت أقاله رسول الله ﷺ »؟، قال: «نعم»، ورواه ابن ماجة عنه قال، قال رسول الله ﷺ : «في الضبع يصيبه المحرم كبش، وجعله من الصيد»، وهذا من المشكلات عندي، ولكن حيث ثبت النص لزم التسليم والأخذ به، فإن الذكر فوق الفكر، أما ذو المخلب من الطير فسيأتي الحديث عليه.
стр. 2485
• قوله:
١٠٥ - «وعن أكل لحوم الحمر الأهلية».
المراد بالحمر الأهلية الإنسية بكسر الهمزة نسبة إلى الإنس، أي المستأنسة، وقد صح نهي النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية كما في حديث أبي ثعلبة الخشني عند الشيخين، وعن البراء بن عازب قال: نهانا رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية نضيجا ونيا»، رواه الشيخان، ورويا ذلك أيضا عن ابن عمر، والنضيج المطهو والني خلافه.
стр. 2486
• قوله:
١٠٦ - «ودخل مدخلها لحوم الخيل والبغال لقول الله ﵎: «لتركبوها وزينة، ولا ذكاة في شيء منها إلا في الحمر الوحشية».
يريد أن الخيل والبغال مثل الحمير في التحريم، فأما البغال فقد جاء في تحريمها حديث جابر عند أحمد والترمذي وقد تقدم، وهي متولدة من الأتن بعد نزو الخيل عليها، وفي الموطإ عن مالك أن أحسن ما سمع في الخيل والبغال والحمير أنها لا تؤكل، لأن الله ﵎ قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (٨)﴾ [النحل: ٨]، وقال ﵎ في الأنعام: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩)﴾ [غافر: ٧٩]، وقال ﵎: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (٣٤)﴾ [الحج: ٣٤]،،، إلى أن قال: «فذكر الله الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة، وذكر الأنعام للركوب والأكل»، انتهى، وهذا منه ﵀ احتجاج بأن الله تعالى ذكر ما خلق هذه الثلاثة له من المنافع، والأكل من أعظم المنافع ولم ينص عليه، لكن يقال إن التنصيص على بعض المنافع لا يدل على امتناع غيرها، واعتبر الباجي أن اللام في قوله تعالى ﴿لِتَرْكَبُوا﴾ وهي لام كي بمعنى الحصر، فدل ذلك على أن ما ذكر هو جميع ما أباحه الله لنا منها، ولو كانت ثمة منفعة غيرها لذكرها»، انتهى، وهذا كما ترى ليس بشيء، فهل يقال إن البقر والإبل والخيل والبغال لا يحرث عليها لأن ذلك لم يذكر، أو ليست البغال أقدر على حمل الأثقال من بعض الأنعام ولم يذكر ذلك من منافعها؟، وقد أجاد ابن العربي ﵀ في المسالك الرد على هذا الاحتجاج فانظره، كما أجاد ذلك القرطبي في تفسيره وابن عبد البر الرد على من اعتمد على آية سورة الأنعام في القول بإباحة ما لم يذكر فيها، وفي المقابل جود الزرقاني في شرحه على الموطإ الاستدلال لمذهب مالك، فانظره في كتاب الصيد.
стр. 2487
واحتج بعضهم بذكر الخيل مقترنة بالحمير والبغال، وهما محرمان، وهذه دلالة اقتران وهي ضعيفة، ولو لم يوجد غيرها لأمكن الاعتماد عليها كما في قضاء الحامل والمرضع حيث قرنتا بالمسافر، أما هنا فقد جاء التنصيص على الحل، وهو حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «ذبحنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا ونحن بالمدينة فأكلناه»، رواه الشيخان، والتفصي من الاستدلال به بالقول إنه واقعة عين فيمكن أن يكون ذلك عن ضرورة بعيد، فإن الأمر جرى بالمدينة، وكيف لا تذكر أسماء ما دفعهم إلى أكله لو كان حال ضرورة وذكره أولى من ذكر مجرد الأكل؟، فالظاهر أنها ذكرته مستدلة على الحل، وما يجري في بيت أبي بكر لا يخفى عن النبي ﷺ ، بل الغالب أن يهدى له منه، فكيف إذا جاء في رواية أحمد لهذا الحديث أن أهل بيت النبي ﷺ أكلوا منه أيضا؟، وقد روى الترمذي عن جابر قال: «أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر»، وهو في صحيح مسلم نحوه.
وقول المصنف: «ولا ذكاة في شيء منها إلا في الحمر الوحشية»، يريد أن الذكاة في الخيل والبغال والحمير لا تنفع، فلا يحل بذلك أكلها، ولا تطهر بالذكاة جلودها، وقد تقدم قولهم بطهارة جلود السباع إذا ذكيت لذلك، وهذا بخلاف الحمر الوحشية فإنها إذا ذكيت حل أكلها وطهرت جلودها، فإن استؤنست مدة ثم عادت إلى التوحش كانت حلالا أيضا بالنظر إلى أصلها، والله أعلم.
стр. 2488
• قوله:
١٠٧ - «ولا بأس بأكل سباع الطير وكل ذي مخلب منها».
سباع الطير هي نفسها ذوات المخالب، ومفردها مخلب بكسر الميم وفتح اللام وهو للطير بمنزلة الظفر للإنسان، قال الباجي: «وأجاز مالك أكل الطير كله ما كان له مخلب، وما لم يكن له مخلب، قال مالك: لا بأس بأكل الصرد والهدهد ولا أعلم شيئا من الطير يكره أكله»، انتهى، الصرد كرطب طائر فوق العصفور يصيد العصافير، أبقع ضخم الرأس، غذاؤه اللحم»، قاله الدميري في حياة الحيوان باخنصار، وقد تقدم الحديث الوارد في النهي عن ذوات المخالب من الطيور وقد جمعت مع ذوات الأنياب من السباع، والمناسبة بينهما واضحة، فما قيل في واحد منهما يقال في الآخر، وقد تقدم الكلام على احتجاجهم بآية سورة الأنعام، واحتجوا أيضا بعموم قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (٤)﴾ [المائدة: ٤]، قال الباجي بعد ذكره هذه الآية محتجا بما فيها من العموم على جواز أكل ذوات المخالب من الطيور: «ولم يفرق بين ذي مخلب وغيره، ودليلنا من جهة القياس أن هذا طائر فلم يكن حراما كالدجاج والإوز» (؟؟)، وهو قياس كما ترى فاسد الاعتبار، والذي قبله عام وتخصيصه بالنهي عن ذوات المخالب لا إشكال فيه، هذا بعد التسليم أن المراد من الآية ما ذكره الباجي، وإلا فإن معنى قوله تعالى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ كما عليه جمهور المفسرين أن الله تعالى أحل لنا الطيبات وصيد ما علمنا من الجوارح التي نعلمها وندربها عليه.
стр. 2489
• قوله:
١٠٨ - «ومن الفرائض بر الوالدين وإن كانا فاسقين وإن كانا مشركين فليقل لهما قولا لينا وليعاشرهما بالمعروف».
بر الوالدين هو الإحسان إليهما بالقول والفعل والسلوك، وقد أمر الله تعالى بذلك في مواضع من كتابه، وقرن برهما بتوحيده وعبادته، وأمر بالشكر له ولهما، فكان أصلا ثانيا من أصول الشريعة، تحفظ به العاطفة، ويستمسك به ويسلم المجتمع، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا (٨٣)﴾ [البقرة: ٨٣]، بدأ بالإحسان إليهما ثم من بعدهم من الأقارب واليتامى والمساكين، ثم أمر بالإحسان إلى سائر الناس بالقول لأنه هو الممكن المتيسر، وقال تعالى ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]، وقضى ربك أي حكم وأوجب، وبالوالدين إحسانا، إي أحسنوا بهم إحسانا، وتقديم المتعلق يشير إلى الاهتمام بالمأمور به، والإحسان يعم كل مراحل عمر الوالدين، لكنه خص بالذكر حالة الكِبَر لما يكون فيها من العجز والضعف، وازدياد حاجة الوالد إلى البر، وقد يطرأ على الوالدين فيها سوء الخلق، فيكون ذلك مدعاة للتبرم والضجر، ولذلك قال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، وهو اسم فعل معناه أتضجر، والمقصود النهي عن كل أذى ولو كان قليلا في أوجز كلمة هي أف، ولو لم تكن موجهة إليهما، ثم نهى عن انتهارهما لأن المرء قد يفعل ذلك وهو لا يريد إلا الخير لهما بكفهما عما يبدو له من سوء
стр. 2490
خلقهما، ثم أرشد إلى ما يقال لهما في كل حال ولو حال إرادة الخير لهما، فقال: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، ثم ذكر معاملتهما بالفعل بعد القول: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، أي كن معهما متذللا كمن يكون مع من هو أقوى منه كالطائر الضعيف مع القوي، وافتقار المرء إلى من كان مفتقرا إليه فيه على النفس شدة:
يا من أتى يسأل عن فاقتي … ما حال من يسأل من سائله؟
ما ذلة السلطان إلا إذا … أصبح محتاجا إلى عامله
ثم إن الإحسان إلى الوالدين لا ينبغي أن يكون مجرد مظهر يخالفه المخبر، فليصدر عن رحمة بهما، وإشفاق عليهما، فلهذا قيد خفض الجناح بقوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، ثم ختم بالأمر بالدعاء لهما بالرحمة وقرن به ذكر تربيتهما له صغيرا، والجزاء من جنس العمل، قال الزمخشري: «لا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها، وادع الله أن يرحمهما رحمته الباقية»، انتهى.
وفي حديث ابن مسعود قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله؟، قال: «الصلاة على وقتها»، قلت: «ثم أي»؟، قال: «ثم بر الوالدين»، قلت: «ثم أي»؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني»، رواه الشيخان وغيرهما، وقد قال ابن عيينة في تفسيره: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه عقبها فقد شكر لهما»، كذا في الفتح، وقد قال ﷺ : «أنت ومالُكَ لأبيك» وقيد ذلك بالحاجة في حديث آخر.
وقد قام الدليل على جواز الإحسان إلى الكافر غير الحربي، فالوالدان أولى أن يشرع الإحسان إليهما، فعن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟، قال: «نعم، صِلِي أمك»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود، وأم أسماء هي قتيلة كما جاء ذلك في مسند أحمد عن عبد الله بن الزبير قال: «قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا: ضباب، وقرظ، وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، وتدخلها بيتها،
следующие страницы →