← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

• قوله: ١٠٦ - «ودخل مدخلها لحوم الخيل والبغال لقول الله ﵎: «لتركبوها وزينة، ولا ذكاة في شيء منها إلا في الحمر الوحشية». يريد أن الخيل والبغال مثل الحمير في التحريم، فأما البغال فقد جاء في تحريمها حديث جابر عند أحمد والترمذي وقد تقدم، وهي متولدة من الأتن بعد نزو الخيل عليها، وفي الموطإ عن مالك أن أحسن ما سمع في الخيل والبغال والحمير أنها لا تؤكل، لأن الله ﵎ قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (٨)﴾ [النحل: ٨]، وقال ﵎ في الأنعام: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩)﴾ [غافر: ٧٩]، وقال ﵎: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (٣٤)﴾ [الحج: ٣٤]،،، إلى أن قال: «فذكر الله الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة، وذكر الأنعام للركوب والأكل»، انتهى، وهذا منه ﵀ احتجاج بأن الله تعالى ذكر ما خلق هذه الثلاثة له من المنافع، والأكل من أعظم المنافع ولم ينص عليه، لكن يقال إن التنصيص على بعض المنافع لا يدل على امتناع غيرها، واعتبر الباجي أن اللام في قوله تعالى ﴿لِتَرْكَبُوا﴾ وهي لام كي بمعنى الحصر، فدل ذلك على أن ما ذكر هو جميع ما أباحه الله لنا منها، ولو كانت ثمة منفعة غيرها لذكرها»، انتهى، وهذا كما ترى ليس بشيء، فهل يقال إن البقر والإبل والخيل والبغال لا يحرث عليها لأن ذلك لم يذكر، أو ليست البغال أقدر على حمل الأثقال من بعض الأنعام ولم يذكر ذلك من منافعها؟، وقد أجاد ابن العربي ﵀ في المسالك الرد على هذا الاحتجاج فانظره، كما أجاد ذلك القرطبي في تفسيره وابن عبد البر الرد على من اعتمد على آية سورة الأنعام في القول بإباحة ما لم يذكر فيها، وفي المقابل جود الزرقاني في شرحه على الموطإ الاستدلال لمذهب مالك، فانظره في كتاب الصيد.

стр. 2487

واحتج بعضهم بذكر الخيل مقترنة بالحمير والبغال، وهما محرمان، وهذه دلالة اقتران وهي ضعيفة، ولو لم يوجد غيرها لأمكن الاعتماد عليها كما في قضاء الحامل والمرضع حيث قرنتا بالمسافر، أما هنا فقد جاء التنصيص على الحل، وهو حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «ذبحنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا ونحن بالمدينة فأكلناه»، رواه الشيخان، والتفصي من الاستدلال به بالقول إنه واقعة عين فيمكن أن يكون ذلك عن ضرورة بعيد، فإن الأمر جرى بالمدينة، وكيف لا تذكر أسماء ما دفعهم إلى أكله لو كان حال ضرورة وذكره أولى من ذكر مجرد الأكل؟، فالظاهر أنها ذكرته مستدلة على الحل، وما يجري في بيت أبي بكر لا يخفى عن النبي ﷺ ، بل الغالب أن يهدى له منه، فكيف إذا جاء في رواية أحمد لهذا الحديث أن أهل بيت النبي ﷺ أكلوا منه أيضا؟، وقد روى الترمذي عن جابر قال: «أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر»، وهو في صحيح مسلم نحوه. وقول المصنف: «ولا ذكاة في شيء منها إلا في الحمر الوحشية»، يريد أن الذكاة في الخيل والبغال والحمير لا تنفع، فلا يحل بذلك أكلها، ولا تطهر بالذكاة جلودها، وقد تقدم قولهم بطهارة جلود السباع إذا ذكيت لذلك، وهذا بخلاف الحمر الوحشية فإنها إذا ذكيت حل أكلها وطهرت جلودها، فإن استؤنست مدة ثم عادت إلى التوحش كانت حلالا أيضا بالنظر إلى أصلها، والله أعلم.

стр. 2488

• قوله: ١٠٧ - «ولا بأس بأكل سباع الطير وكل ذي مخلب منها». سباع الطير هي نفسها ذوات المخالب، ومفردها مخلب بكسر الميم وفتح اللام وهو للطير بمنزلة الظفر للإنسان، قال الباجي: «وأجاز مالك أكل الطير كله ما كان له مخلب، وما لم يكن له مخلب، قال مالك: لا بأس بأكل الصرد والهدهد ولا أعلم شيئا من الطير يكره أكله»، انتهى، الصرد كرطب طائر فوق العصفور يصيد العصافير، أبقع ضخم الرأس، غذاؤه اللحم»، قاله الدميري في حياة الحيوان باخنصار، وقد تقدم الحديث الوارد في النهي عن ذوات المخالب من الطيور وقد جمعت مع ذوات الأنياب من السباع، والمناسبة بينهما واضحة، فما قيل في واحد منهما يقال في الآخر، وقد تقدم الكلام على احتجاجهم بآية سورة الأنعام، واحتجوا أيضا بعموم قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (٤)﴾ [المائدة: ٤]، قال الباجي بعد ذكره هذه الآية محتجا بما فيها من العموم على جواز أكل ذوات المخالب من الطيور: «ولم يفرق بين ذي مخلب وغيره، ودليلنا من جهة القياس أن هذا طائر فلم يكن حراما كالدجاج والإوز» (؟؟)، وهو قياس كما ترى فاسد الاعتبار، والذي قبله عام وتخصيصه بالنهي عن ذوات المخالب لا إشكال فيه، هذا بعد التسليم أن المراد من الآية ما ذكره الباجي، وإلا فإن معنى قوله تعالى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ كما عليه جمهور المفسرين أن الله تعالى أحل لنا الطيبات وصيد ما علمنا من الجوارح التي نعلمها وندربها عليه.

стр. 2489

• قوله: ١٠٨ - «ومن الفرائض بر الوالدين وإن كانا فاسقين وإن كانا مشركين فليقل لهما قولا لينا وليعاشرهما بالمعروف». بر الوالدين هو الإحسان إليهما بالقول والفعل والسلوك، وقد أمر الله تعالى بذلك في مواضع من كتابه، وقرن برهما بتوحيده وعبادته، وأمر بالشكر له ولهما، فكان أصلا ثانيا من أصول الشريعة، تحفظ به العاطفة، ويستمسك به ويسلم المجتمع، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا (٨٣)﴾ [البقرة: ٨٣]، بدأ بالإحسان إليهما ثم من بعدهم من الأقارب واليتامى والمساكين، ثم أمر بالإحسان إلى سائر الناس بالقول لأنه هو الممكن المتيسر، وقال تعالى ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤]، وقضى ربك أي حكم وأوجب، وبالوالدين إحسانا، إي أحسنوا بهم إحسانا، وتقديم المتعلق يشير إلى الاهتمام بالمأمور به، والإحسان يعم كل مراحل عمر الوالدين، لكنه خص بالذكر حالة الكِبَر لما يكون فيها من العجز والضعف، وازدياد حاجة الوالد إلى البر، وقد يطرأ على الوالدين فيها سوء الخلق، فيكون ذلك مدعاة للتبرم والضجر، ولذلك قال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، وهو اسم فعل معناه أتضجر، والمقصود النهي عن كل أذى ولو كان قليلا في أوجز كلمة هي أف، ولو لم تكن موجهة إليهما، ثم نهى عن انتهارهما لأن المرء قد يفعل ذلك وهو لا يريد إلا الخير لهما بكفهما عما يبدو له من سوء

стр. 2490

خلقهما، ثم أرشد إلى ما يقال لهما في كل حال ولو حال إرادة الخير لهما، فقال: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، ثم ذكر معاملتهما بالفعل بعد القول: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، أي كن معهما متذللا كمن يكون مع من هو أقوى منه كالطائر الضعيف مع القوي، وافتقار المرء إلى من كان مفتقرا إليه فيه على النفس شدة: يا من أتى يسأل عن فاقتي … ما حال من يسأل من سائله؟ ما ذلة السلطان إلا إذا … أصبح محتاجا إلى عامله ثم إن الإحسان إلى الوالدين لا ينبغي أن يكون مجرد مظهر يخالفه المخبر، فليصدر عن رحمة بهما، وإشفاق عليهما، فلهذا قيد خفض الجناح بقوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، ثم ختم بالأمر بالدعاء لهما بالرحمة وقرن به ذكر تربيتهما له صغيرا، والجزاء من جنس العمل، قال الزمخشري: «لا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها، وادع الله أن يرحمهما رحمته الباقية»، انتهى. وفي حديث ابن مسعود قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أحب إلى الله؟، قال: «الصلاة على وقتها»، قلت: «ثم أي»؟، قال: «ثم بر الوالدين»، قلت: «ثم أي»؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني»، رواه الشيخان وغيرهما، وقد قال ابن عيينة في تفسيره: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه عقبها فقد شكر لهما»، كذا في الفتح، وقد قال ﷺ : «أنت ومالُكَ لأبيك» وقيد ذلك بالحاجة في حديث آخر. وقد قام الدليل على جواز الإحسان إلى الكافر غير الحربي، فالوالدان أولى أن يشرع الإحسان إليهما، فعن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟، قال: «نعم، صِلِي أمك»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود، وأم أسماء هي قتيلة كما جاء ذلك في مسند أحمد عن عبد الله بن الزبير قال: «قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا: ضباب، وقرظ، وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، وتدخلها بيتها،

стр. 2491

فسألت عائشة النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]، فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها»، والضباب جمع ضب وهو معروف، والقرظ بمفتوحتين ورق شجر السلم يدبغ به.

стр. 2492

• قوله: ١٠٩ - «ولا يطعهما في معصية كما قال الله ». قالوا لا يطيع الولد المؤمن والديه الكافرين إذا تعلقت المعصية به، أما إن كانت المعصية متعلقة بهما فلا، فإن الكافر يقر على معصيته، ومن هنا ذكر بعضهم جواز توفير الولد لوالده ما هو محرم في الإسلام، حتى ذكر بعضهم إيصاله إلى الكنيسة وشراء الخمر له، وهذا ليس على إطلاقه، لأن الكفار مكلفون بفروع الشريعة على الصحيح، والمصنف يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا (١٥)﴾ [لقمان: ١٥]، فلم يستثن الله تعالى من طاعتهما إلا هذه الحال، لكن قال النبي ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، رواه أحمد والحاكم عن عمران، وقال أيضا: «لا طاعة لأحد في معصية الله إنما الطاعة في المعروف»، رواه الشيخان والنسائي عن علي، أما قوله ﷺ : «لا طاعة لمن لم يطع الله»، رواه أحمد عن أنس، فالمراد ليس منع الطاعة لمن لم يستكمل طاعة الله، بل المقصود من لم يكن فيما أمر به مطيعا لله بأن أمر بمعصية، فيلتقي في المعنى مع الحديث الذي قبله، ومعصية الله تكون بأن يأمراه بترك الواجب العيني أو فعل المحرم، ولذلك كان مطلوبا استئذان الوالدين في الجهاد الكفائي كما تقدم ولو كافرين، إلا إذا استيقن في حالة الكفر أنه ليس للإشفاق عليه، قالوا وكذلك يترك المستحب إذا طالباه بتركه، لكن هذا مع الوالدين المسلمين.

стр. 2493

• قوله: ١١٠ - «وعلى المؤمن أن يستغفر لأبويه المؤمنين». من صفات المؤمن أن يستغفر لعموم المؤمنين اقتداء بالنبي ﷺ إذ قال الله تعالى له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]، وأخبر عن الملائكة بقوله ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧]، وقال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ (٥)﴾ [الشورى: ٥]، وهذا استغفار ينصرف لكل من الناس بما يليق به، وقال عن الذين جاءوا بعد المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، فكيف لا يستغفر المؤمن لوالديه؟، وقد صح أن الله تعالى يرفع درجة عبده في الجنة، فإذا سأل عن ذلك قيل باستغفار ولدك لك، وقال النبي ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، رواه مسلم وبعض أصحاب السنن عن أبي هريرة. وقيد المؤمنين في كلام المؤلف معتبر، فقد نهانا الله أن نستغفر للمشركين من غير فرق بين قريب منهم أو بعيد، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٤]، فإبراهيم ﵇ إنما دفعه إلى الاستغفار لأبيه فرط رحمته به، وشدة عطفه عليه، أو أنه كان قد وعده بما أطمعه في إيمانه كما هو ظاهر القرآن، وقيل كان قد وعده بالاستغفار له، ومع هذا فلما تبين له كفر أبيه وعداوته لربه بموته تبرأ منه، وقد استثنى ربنا هذا الأمر من اقتدائنا بإبراهيم عليه

стр. 2494

الصلاة والسلام في كتابه. وإبقاء المسلم على صلته بأقاربه الكفار لا تنافي براءته منهم، والصلة التي أبقى عليها الشرع لمعاملتهم لا تصل إلى الاستغفار لهم لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]، وروى أحمد وهذا لفظه ومسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة قال: «زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى، وبكى من حوله، فقال رسول الله ﷺ : «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت»، قال الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا ﵀: «ولعله لم يؤذن للنبي ﷺ في الاستغفار لأمه لأنه فرع المؤاخذة على الذنب، ومن لم تبلغه الدعوة لا يؤاخذ على ذنبه، فلا حاجة إلى الاستغفار لها، لأن عدم الإذن بالاستغفار لا يستلزم أن تكون كافرة لجواز أن يكون الله تعالى منعه من الاستغفار لها لمعنى آخر كما كان النبي ﷺ ممنوعا في أول الإسلام من الصلاة على من عليه دَيْنٌ لم يترك له وفاء، ومن الاستغفار له مع أنه من المسلمين، وعلل ذلك بأن استغفاره ﷺ مجاب على الفور، فمن استغفر له وصل ثواب دعائه إلى منزله في الجنة وانتفع به فورا، والمدين محبوس عن مقامه الكريم حتى يقضى دينه، فقول من قال: إن عدم الإذن في الاستغفار لكفرها، والاستغفار للكافر لا يجوز غير سديد والله أعلم»، انتهى، وهو كلام طيب جزى الله قائله خيرا لولا ما جاء من النص على ذلك في صحيح مسلم، بحيث لا يتأتى تأويل الحديث، وقد أول بعضهم الأب فيه بالجد، وقد أدى هذا الأمر بالناس إلى أن يقولوا إن آزر ليس هو أبا إبراهيم ﵊، بل هو عمه، وما بي من رغبة في الخوض في هذه المسألة لولا أن لها تعلقا بما أشرحه، وقد امتحنت فيها منذ عقدين من الزمان فكان بعضهم يدس من يسألني عنها ليشيع في الناس أني أقول كذا وكذا، وليست الجنة ملكا لأحد حتى يدخل فيها من يشاء إدخاله، أو يمنع دخوله، ولو اتبع المرء عاطفته وهو يسعى في بيان الحق ما استقام شيء، ولوقف مع من اخترعوا أحاديث ينصرون بها ما ذهبوا إليه، وردوا أخرى صحيحة، أو امتنعوا من إثباتها فيما جمعوه، ليجتنبوا ما ظنوه حرجا، ومرد الأمر إلى صحة النقل وصحة الفهم عن الله ورسوله، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الفهم وأن يجنبنا الزيغان والوهم، قد قال ابن

стр. 2495

كثير ﵀ بعد أورد في تفسيره ما رواه الخطيب البغدادي بسند مجهول عن عائشة، وفيه أن الله أحيا أمه فآمنت ثم عادت، وما رواه السهيلي في الروض بسند فيه مجهولون: «إن الله أحيا له أباه وأمه فآمنا به، واستبعاد من استبعد ذلك، قال: «وهذا كله متوقف على صحة الحديث، فإذا صح فلا مانع منه»، انتهى، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

стр. 2496

• قوله: ١١١ - «وعليه موالاة المؤمنين والنصيحة لهم». الموالاة الواجبة للمؤمن لأخيه باطنة وظاهرة، فأما الباطنة فهي محبته ومواداته لإيمانه، وأما الظاهرة فنصرته وعونه وما إلى ذلك مما يجب له من الحقوق عليه، قال الراغب: الولاء والتوالي أن يحصل شيآن فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد، والولاية النصرة،،،»، انتهى، وتعريفه ﵀ دقيق، فإن موالاة المؤمن للمؤمن ليس فيها ما ليس منهما، لأن الذي يجمع بينهما رابط الإيمان، والإيمان قول وفعل واعتقاد، فمحبة كل منهما للآخر إنما هي لأجل ذلك، وكذا لغيره مما لا يتنافى معه، وكذلك موالاة الكافر للكافر، فإنهما ليس فيهما ما ليس منهما، بخلاف موالاة المؤمن للكافر فإن بينهما تنافرا بسبب الكفر والإيمان، ومحبة المؤمن للكافر الراجعة إلى النسب من أبوة وأمومة وبنوة وزوجية لا تناقض البراء الواجب، ولا تنقض الولاء المطلوب، وكراهية المؤمن للمؤمن لشيء غير الإيمان لا تنافي الولاء القائم بينهما، لكن بعضها يشرع وبعضها لا يشرع، والحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. وقوله: «والنصيحة لهم»، أي كما تجب موالاتهم تجب النصيحة لهم، وفي الحديث الذي رواه مسلم عن تميم الداري، والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «الدين النصيحة»، قلنا لمن يا رسول الله»؟، قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم»، وقد قال أبو داود عن هذا الحديث إنه أحد الأحاديث التي يدور عليها الفقه، ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم. وروى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله قال: «بايعت النبي ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم»، وأحاديث النصح للمسلم متواترة كما ذكر

стр. 2497

الإمام الشوكاني في بعض كتبه، قال الخطابي في معالم السنن: «النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تحصرها وتجمع معناها غيرها، وأصل النصح في اللغة الخلوص، يقال نصحت العسل إذا خلصته من الشمع»، إلى أن قال: «والنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم»، قال ابن الصلاح: «النصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم وستر عوراتهم وسد خلاتهم ونصرتهم على أعدائهم والذب عنهم ومجانبة الغش والحسد لهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكرهه لنفسه»، انتهى. أقول إن النصيحة إما أن ترجع إلى الخلوص والصفاء والنقاء، وهذا المعنى هو اللائق بالنصح لله ولرسوله ولكتابه، فتدل على الإخلاص لله تعالى والاتباع والتسليم، وإما إلى أن ترجع إلى الإصلاح بالملاءمة وجبر الخلل وترك الغش وهو اللائق بأئمة المسلمين وعامتهم، فإن الناصح هو الخياط، والنِّصاح الخيط يخاط به. وأولى الناس بأن ينصح غيره العالم بالشرع، وطالب علم الشرع، ينصح لعامة المسلمين، وينصح لأئمتهم، وينصح لمثله من أهل العلم، وينصح لطلاب العلم، ويتصل بهم، وينبههم إلى أخطائهم في تكتم ورفق، ويلتمس لهم العذر، ويحمل كلامهم على الخير، ولا يلزمهم بالآراء والاجتهادات منه أو من غيره. وما أقل هذا اليوم عند الدعاة اليوم كاتب هذا الشرح لم يتصل به أحد ليناقشه مناقشة علمية، أو ينصحه في كل ما نسب إليه، ولو افترضنا أنه نصح، فإن الآخذ لذلك غير لازم، ومعظمه متقول مكذوب، وقليله آراء واجتهادات يصيب فيها الناس ويخطئون، وله في بعضها رسائل كان على المخالف أن يناقشها ويرد ما ذكره فيها بالحجة والبرهان، لا بالتقول والبهتان، ومع ذلك كثرت الشتائم والتقولات والدعاوى، تأتي من الرؤوس تارة، أو يوعز بها الكبار إلى الغوغاء من طرف خفي تارة أخرى، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وقد يحيل هذا على غيره بدعوى أنه لا يعرف المتكلم فيه، يحيله على من ليس في العير ولا في النفير، وربما سكت بعضهم عن السابين والشاتمين، حتى إذا لقوك تبرؤوا مما نُشِرَ وأعلن، وقد تفهم أن دافعهم إلى ترك التبرؤ علنا مما نسب إليهم حرصُهم

стр. 2498

على وحدة الجماعة، فهل يخرجون بذلك من التعاون على الإثم والعدوان؟، هذه القاعدة التي هي من أعظم قواعد دين المسلمين، إذ منع الله ذلك التعاون ولو على الكافرين، إن الذي نراه اليوم بين بعض الدعاة هو حرب خاسرة، والخاسرون هم كل المشاركين فيها، لكن منهم من خسر صدقه في الدعوة إلى جانب صده الناس عن الحق بسلوكه وتشويهه للدعوة السنية السلفية، وقد خسر الجميع صرف كثير من جهودهم في هذه الحرب الكلامية الضروس التي لا هدف لها ولا طائل من ورائها، والاشتغال بها ينبئ عن هوس وقلة اهتمام بحال المسلمين في حياتهم الناكبة عن الصراط المستقيم، إنه قتال كلامي مرير ساحاته الأوهام، وهو شبيه بقتال دونكشوت الإسباني الرجل الذي كان يحمل سيفه ليحارب به الظلام حتى يظهر شجاعته للأنام، وقد كان هذا في العرب، إذا فقدوا من يغيرون عليه من الأباعد هاجموا بَكْرًا أخاهم، فهل رد هؤلاء المتقاتلون على خصوم الحق على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وفرغوا منهم؟، وصف السلفية عظيم عندي، هواي مع ذلك الموكب العظيم: ما لي أكتم حبا قد برى جسدي … وتدعي حب سيف الدولة الأمم؟ ولكني أنعى على إخواني هذه الحمأة التي ارتكسوا فيها بلوك الأعراض المحرمة، وتنفير الناس بذلك مما إليه يدعون، لا أُصَدِّقُ أن يختلف أصحاب الحق هذا الاختلاف الذي بلغ أن لا يجد من رأى نفسه مظلوما غير طلب المباهلة، لا بد أن أحد الأطراف ظالم، كل نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخذ الله عليه الميثاق أن يصدق وينصر من يبعثه الله من أمثاله، وهل أهل العلم إلا ورثة لهم، وهم لهم قدوة، فكيف يحصل هذا بينهم؟، ألم يجدوا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسير الصالحين من سلفهم ما يفك اشتباكهم، وينهي نزاعهم؟، ألا يسع طرفا منهم أن يسكت عَلَّ في سكوته تقليلا للشر؟، ألا يكون صنيعهم هذا فتنة لضعاف الإيمان من المسلمين فيما يدعونهم إليه من الرد إلى الله ورسوله عند التنازع؟، كيف يكون هم المنسوب إلى الدعوة رصدَ النقائص وتتبعَ العثرات وتكبيرها، وتجاهل الحسنات والمبرات وتهوينها، واستباحة الأعراض من غير تثبت تحت غطاء حماية السنة، ومقاومة البدعة، وزعم تنقية الصفوف، من غير استغلال لما يسره الله في

стр. 2499

هذا العصر من وسائل الاتصال، التي قرب الله بها البعيد، ويسر بها العسير، فَلِمَ تُجْعَلُ عَوْنًا لِنَشْرِ ما يُظَنُّ مثالب، والتشهير بالمخالف، ووجدت لها محاضن في بعض المواقع التي تلقى فيها نفايات النفوس، وأمراض القلوب، ويُنشر فيها هذا العفن الأخلاقي، ويتضح فيها الجهل العريض بمنهج السلف من أدعيائه وبعض أوصيائه، إن هذا الذي أشرت إلى بعضه لدليل على أن المتهوكين فيه أبعد الناس عن معنى حديث النصيحة الذي قد يكتب بعضهم له شرحا، أو يقدم فيه درسا، أو ينمق فيه خطبة، أو يذكر له تخريجا، ما فائدة ذلك والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل؟، مما يخشى أن يقال لكثير ممن يفعل ذلك يوم القيامة: ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر، إن مرض النفوس وظلام القلوب، والتهافت على المكانة المزعومة، والمنزلة الموهومة، والزعامة البائسة، هو الذي أعمي بعض البصائر، وإن لم تعم الأبصار، فصار كثير منهم يقولون ما لا يفعلون، وقد يفعلون ما لا يؤمرون، أفلا تتقون يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون؟. والنصيحة كما ترى يبتدئ المسلم أخاه بها، أما إن طلب نصحه فإن الأمر يكون أوكد، وينبغي أن تكون نصيحة المسلم لأخيه سرا قال الفضيل بن عياض: «المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير»، وإذا كان هذا مع عامة الناس فكيف بالسلطان؟، سئل ابن عباس عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر، فقال: «إن كنت فاعلا ولا بد ففيما بينك وبينه»، قلت: هذا هو الأصل متى كان ذلك ممكنا كما كان عليه الأمر في العصور المفضلة، فإذا اختلف الوضع كما عليه أمر المسلمين اليوم فقد جد من الوسائل ما ينبغي استعماله لتحقيق هذا المطلب الذي يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يجوز أن يتحول موقف الحريصين على سد أبواب الفتنة - وأخوكم منهم - إلى النقيض، وهو السكوت المطبق فلا أمر ولا نهي ولا نصح للحاكم، ولا كلام على ما يجري من المنكرات تحت هذا الزعم، فالحاكم يسكت على اجتهاده، وينصح في السر متى أسر المنكر، فإذا أعلن به وصار عاما فاشيا تعين نصحه سرا إن أمكن وإلا ففي العلن. وكما تجب موالاة المؤمنين يجب البراء من الكافرين، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ

стр. 2500

كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال: ٧٣]، ومعنى إلا تفعلوه إلا توالوا المؤمنين، وتتركوا موالاة الكافرين، فمرجع الضمير مفهوم من الإخبار بمن يُوَالَى ومن لا يُوَالَى، فتبين بهذا أن موالاة المؤمنين لا تتم إلا بترك موالاة الكافرين، وأصل موالاة المؤمنين دينهم، فمن والى الكافرين لدينهم فذلك ناقض لموالاة المؤمنين، قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ [النساء: ١٤٤]، وقيد ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ معناه النهي عن موالاتهم التي تنافي ولاية المؤمنين، ودونها التي تضر بالمؤمنين، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ [التوبة: ٢٣]، ولها نظير في سورة الحشر، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ (١)﴾ [الممتحنة: ١]. وصلة المؤمن بالكافر أقسام بعضها كفر من غير خلاف، وبعضها معاص متفاوتة في الإثم، وقد وصل بها الشيخ الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير إلى ثمانية، وعنه أخذت الأصل عنه وأدخلت عليه ما رأيته مناسبا من الحذف والزيادة، ومرد كل هذه الأقسام إلى حب الكفار لأجل دينهم، أو لغير ذلك، وعلى الثاني إما أن يترتب على هذا الحب والميل أذى للمسلمين أو لا: وأول الأقسام: أن يتخذ المسلم الكفار أو طائفة منهم أولياء له في باطن أمره ميلا منه إلى كفرهم، لا فرق بين مناوأة أهل الإسلام أو عدمها، والمناوأة دليل ظاهر على ذلك وهذه حالة كفر بلا ريب، وهي عمل المنافقين. قال السيد ابن المرتضى اليماني في كتابه إيثار الحق نقلا عن غيره: «إن الموالاة

стр. 2501

المحرمة بالإجماع هي أن تحب الكافر لكفره، والعاصي لمعصيته، لا لسبب آخر من جلب نفع أو دفع ضر أو خصلة خير فيه». والثاني: أن يركن المسلم إلى الكفار ويظاهرهم لأجل تحصيل منفعة أو دفع ضرر عن نفسه أو عن أهله الذين يكونون بينهم من غير ميل إلى دينهم، مع كونهم مجاهرين بالعداوة للمسلمين ساعين في إيذائهم، مع أنه لم ينقطع عن محبة المسلمين وموالاتهم، وإثم هذا العمل عظيم، وإن كان لا يوجب كفر صاحبه، لكن من وقع فيه يوشك أن يواليهم على مضرة الإسلام نفسه. ويذكر هنا ما حصل لحاطب بن أبي بلتعة ﵁ حين أخبر المشركين بمقدم النبي ﷺ لفتح مكة، ومما قاله للنبي ﷺ بعد أن كشف أمره: «لا تعجل عَلَيَّ يا رسول الله، إني كنت امرأ من قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذا فاتني من النسب فيهم أن اصطنع إليهم يدا يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني، فقال النبي ﷺ : «إنه قد صدقكم»، رواه البخاري عن علي. والثالث: أن يميل إلى الكفار الذين لا يجاهرون بالعداوة للمسلمين ولا يؤذونهم من غير اضطرار إلى ذلك، وقد كان نصارى العرب على هذا لتحو عند ظهور الإسلام، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)﴾ [المائدة: ٨٢]. والرابع: وهو مثل السابق لكن مع الحاجة إلى الكفار، كما كان حال نصارى الحبشة وملكهم مع المؤمنين، إذ هاجر بعض المسلمين إلى أرضهم فرارا بدينهم، فآووهم ولم يستجيبوا لكفار قريش حين طالبوهم بطردهم، وهذه لا توجب كفرا، ولكن ينهى عنها إلا عند الاضطرار بحيث لم يجد بلدا مسلما يفر إليه، لأنها قد تجر إلى استحسان ما هم عليه وانطلاء مكايدهم على المسلمين. ويشبهها اليوم طلب اللجوء السياسي من بلدان الكفر والتمتع عندهم بالحقوق

стр. 2502

المزعومة، وأكبر من ذلك التجنس بجنسيتهم. والخامس: هو إظهار الموالاة للكفار لأجل الإضرار بطائفة معينة من المسلمين بأن يستعين بهم عليهم في القتال، ويدخل في القسم الجاسوس الذي ينقل أخبار المسلمين للكفار، وقد اختلف الفقهاء في حكمه لكون الباعث له على ذلك قد يكون مصالح الدنيا والحصول على المال، وقد حصل هذا في عصور مختلفة من تاريخ المسلمين منها استعانة المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية بالجلالقة على المرابطين اللمتونيين، وقد قيل إن فقهاء الأندلس أفتوا بكفره فاعتقله يوسف بن تاشفين ولم يقتله. وحصلت هذه الاستعانة في هذا العصر مرات كاستعانة بعض الدول المسلمة بأمريكا وغيرها لمقاتلة صدام حسين ومحاصرته في العراق بعد غزوه للكويت، ثم استعانة المعارضين العراقيين ولاسيما الشيعة بالحلف الأطلسي وغيره على غزو العراق، فتسبب ذلك في مفاسد على جميع الصعد لا تبلغ عشر معشار المفاسد التي نسبت لصدام حسين ﵀. وقد اختلف أهل العلم المعاصرون في هذه الاستعانة والصواب أنها معصية كبيرة، وقد ترتب عليها من المفاسد ما هو معروف، وشرها ما زال باقيا إلى اليوم، ومن هذا القسم هذه التي تسمى بالثورات وبالربيع العربي حتى إذا قمع الحاكم القائمين بها دعوا الدول الكافرة إلى إعانتهم، بل حصل هذا من بعض الهيآت كالجامعة العربية التي دعت الأمم المتحدة إلى التدخل في ليبيا، فقتل عشرات الآلاف في الجهاد المزعوم، ودمر البلد بحيث قدرت الخسائر التي لحقته بنحو مائتي مليار دولار على مختلف الصعد، والمستفيد الأول منها هو الغرب الكافر بشركاته، ولئن ذهب نظام مستبد ظالم فإنه لم يخلفه من يقيم الإسلام، وهل تُصَدِّقُ أن الحلف الأطلسي يقف إلى جانب من يقيم الشرع؟، وقد كنت أتوقع من الأيام الأولى لتلك الحرب أن تنقسم ليبيا فكان ما توقعته، فإنها يحكمها اليوم ثلاث حكومات، مما يسهل تعدد الولاءات فيها لدول الكفر كي تحقق مصالحها فيها ونفوذها، ولسنا ندري ما الذي ستسفر عنه الأحداث في سورية، وقد ينتهي نظام الأسد الظالم النصيري، لكن ما وجهة النظام الذي سيخلفه؟، وأي الجهات ستحتضنه؟.

стр. 2503

ومن هذا القسم هذا التحالف الدولي لمحاربة ما يسمى بداعش، والدولة الإسلامية، التي أعلنت في بعض جهات العراق، وفي سورية، فإن الله قد أمر المسلمين أنفسهم بمقاتلة البغاة في قوله تعالى: «وإن طائقتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله … »، الآية، وهذا التحالف كيفما كانت مبرراته فإنه حرام، وهو مما يضعف الولاء بين المسلمين، ويعطي المشروعية للخارجين، ويمكن للكافرين في أرض المؤمنين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فإنه إذا كانت الاستعانة بالمشركين على المشركين منهيا عنها فمن باب أولى أن يكون النهي عن الاستعانة بالمشركين على المسلمين، ولا ينبغي هنا الاحتجاج بالأنظمة التي لا نختلف في كونها ظالمة جائرة أو كون بعض أفرادها كفارا، فإن القتال يجري في بلد مسلم، والقتلى مسلمون، وهذا لو كان من يستعين بهم يريد أن يقيم الشرع، فكيف والسابق لا يختلف عن اللاحق؟. والسادس: أن يستعين المسلمون بالكفار الذين يظهرون محبتهم لهم ويعرضون عليهم نصرتهم يستعينون بهم على أعدائهم الكفار، وهذا أدنى مما قبله شرا، وقد اختلف فيه أهل العلم، والصواب منعه لما جاء في ذلك من النصوص، ولأنه وسيلة إلى تسلط الكفار على المسلمين ونهب خيرات بلدانهم وفرض أنظمتهم عليهم، لاسيما والأمر ليس مجرد استعانة بل الذي يتولى القيادة هم الكفار، وفي الغالب يدفع المسلمون الكلفة مباشرة أو بالطرق الخفية الملتوية. والسابع: أن يتخذ واحد من المسلمين واحدا من المشركين أو أكثر وليا له لما هو عليه من حسن المعاملة أو لقرابة أو نحو ذلك، لا لكفره، من غير أن يترتب على ذلك إضرار بالمسلمين، فهذا لا شيء فيه، ويستدل له في الجملة بإحسان الولد إلى والديه الكافرين، وما سبق ذكره في الآيات من سورة الممتحنة، فقد أخبرنا ربنا أنه لم ينهنا عن بر غير من قاتلنا، والإقساط إليه، وقصة أسماء مع أمها. والثامن: هو ما يرجع إلى معاملات الكفار المرتبطة بالمصالح الدنيوية كالبيوع

стр. 2504

والإجارات وعقود الهدنة ونحوها، ونكاح نسائهم الكتابيات، والأصل فيها الجواز وتفاصيلها في كتب الفقه. والتاسع: هو إظهار الموالاة لهم اتقاء الضرر الذي يلحق المؤمن أو الجماعة أو الدولة بسبب تركه ذلك، وهي التي استثناها الله تعالى في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾، والمراد ما تفعلونه من ذلك لتجنب المكروه، وهذا الذي رخص فيه ينبغي أن لا يتجاوز فيه ما لا حاجة إليه، ولذلك حذر الله تعالى بعده بقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. والعاشر: هو التشبه بهم كالتحدث بلغتهم من غير حاجة، واصطناع لباسهم وأزيائهم، وإحياء الذكريات في المواليد والوفيات والمناسبات الأخرى كاليوم العالمي للمرأة والطفل والعمال ويوم العلم وغيرها، ونصب الصور والتماثيل للزعماء وذوات الأرواح، ووضع الزهور على القبور، وفيه تفصيل، وقد بلغ النهي عن التشبه بهم مبلغ التواتر المعنوي كالأمر بقص الشوارب وإعفاء اللحى، والنهي عن رد السلام بالإشارة من غير حاجة، وصوم النبي ﷺ يومي السبت والأحد لكونهما يومي عيد عند اليهود والنصارى، ونهيه عن صور من الجلوس لكونها جلسة المغضوب عليهم، ورغبته ﷺ في صوم التاسع من المحرم لمخالفتهم، والأمر بتغيير الشيب بالخضاب، وتغييره طريقة الامتشاط، وغير ذلك، وقد جمع الحافظ منها ما يزيد على ثلاثين حكما، ولابن تيمية كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، فترك التشبه بهم أصل مقطوع به، لكنه متفاوت في الحكم، فمنه المكروه، ومنه المحرم، ومنه ما قد يرتد فاعله كما قال العلماء عن لبس الزُّنَّار.

стр. 2505

• قوله: ١١٢ - «ولا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه كذلك روي عن رسول الله ﵌». المراد بحقيقة الإيمان كماله لا أصله، ومنه قوله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، وكلام المؤلف قريب من لفظ حديث مرفوع: «لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير»، رواه أحمد عن أنس ولفظه في الصحيحين، وسنن الترمذي، والنسائي، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وكثير من أهل العلم لم يكونوا يراعون الصيغ في ذكر الحديث فلا يفرقون بين صيغة التمريض وغيرها، وكما يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه فإنه يكره له ما يكره لها، وهو لازم للأول، والأخ هنا هو المسلم، لكنه مستعمل في الغالب، فإن المسلم يحب للكافر أن يؤمن، ولهذا يقدم دعوته إلى الإسلام قبل قتاله ثم يدعوه إلى دفع الجزية، ويدخل فيما يحب المسلم للمسلم فعل الواجبات والمستحبات، والحصول على المباحات، وترك المحرمات والمكروهات، وقد قيل إن هذه المحبة عقلية لا تكليفية لأن الإنسان مجبول على حب الخير لنفسه، فلو كلف ما في الحديث ما كمل إيمان أحد إلا النادر، وقد رد هذا الأمر في فيض القدير بقوله: «المراد أن يحب حصول ذلك له من جهة لا يزاحمه فيها»، انتهى، ويدل على أن ذلك تكليف الإيثار الذي وصف الله تعالى به الأنصار فإنه أعلى درجة من أن يحب لغيره ما يحب لنفسه، قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (٩)﴾ [الحشر: ٩]، قال ابن كثير: «وهذا المقام أعلى من حال الذين وصف الله بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ (٨)﴾ [الإنسان: ٨] وقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]، فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة به، ولا ضرورة إليه، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما

стр. 2506

أنفقوه، ومن هذا المقام تصدق الصِّدِّيق بجميع ماله، فقال له رسول الله ﷺ : «ما أبقيت لأهلك»؟، قال: «أبقيت لهم الله ورسوله»، وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثالث فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم، ولم يشربه أحد منهم ﵃ وأرضاهم»، انتهى.

стр. 2507

• قوله: ١١٣ - «وعليه أن يصل رحمه». أي على المسلم أن يصل قرابته المؤمنين وإن بعدوا لا فرق بين من كان منهم وارثا، ومن لم يكن كذلك، ولا بين من كان من المحارم ومن ليس كذلك، مع مراعاة ما ينبغي مع غير المحارم بين الرجل والمرأة، وقيل الصلة مطلوبة نحو الوارثين منهم فحسب، والأول هو المشهور، والصلة مطلوبة، وصله رحمه أو قطعه كما قال النبي ﷺ : «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا انقطعت رحمه وصلها»، رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عمرو، وقوله انقطعت يشمل ما إذا كان ذلك من غير قصد إلى القطع، وما إذا كان مقصودا، ولهذا الأمر وسائل بحسب الحال من الزيارة وتقديمهم في الصدقة، والإهداء، وبذل المال، والقول الحسن، والمكاتبة، والاتصال بالهاتف، والاستضافة، وسؤال الغير عنهم، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، وقال النبي ﷺ : «صلة القرابة مثراة في المال محبة في الأهل منسأة في الأجل»، رواه الطبراني في الأوسط عن عمرو بن سهيل، ومعنى مثراة أنها تثري المال وتكثره، ومنسأة من النسء وهو التأخير، أي أن صلة الرحم مظنة للمد في الأجل، وجاء هذا المعنى في قوله ﷺ : «صلة الرحم تزيد في العمر وصدقة السر تطفئ غضب الرب»، وقال ﷺ : «صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن في الأعمار»، رواه أحمد عن عائشة، وقال أيضا: «من أحب أن يُبْسط له في رزقه ويُنْسَأ له في أجله فليصل رحمه»، رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن أنس، وقال النبي ﷺ : «أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله ثم صلة الرحم، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأبغض الأعمال إلى الله الإشراك بالله وقطيعة الرحم»، رواه أبو يعلى عن رجل

стр. 2508

من خثعم كما في صحيح الجامع للألباني. قالوا ولا يشرع صلة غير المؤمنين من الأقارب فإن الله تعالى إنما أمر ببر الوالدين ولو كافرين، وقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢٢]، قلت في هذا نظر فإن الظاهر من الآية المتقدمة نفي اجتماع الإيمان مع موادة من حاد الله ورسوله، والمحادة وإن كانت صادقة بمطلق الكفر إلا أن المراد بها هنا المحاربون لله ولرسوله المجاهرون بالعداوة والبغضاء بدليل النصوص الأخرى، أما أهل الذمة من الكفار فيختلفون عن ذلك، والله إنما نهانا عن صلة المحاربين ولم ينهنا عن البر والإقساط إلى من ليسوا كذلك من الكفار، وقد كان المسلمون جارين على اليسر والسهولة وحمل الأقوال على الصدق في معاملة غيرهم من الكفار، فأرشدهم الله تعالى إلى الحدود التي ينبغي أن يقفوا عندها حتى لا يضر ذلك بمصالح أمتهم وبَيَّنَ لهم الله تعالى موجب ذلك التحفظ من الصفات التي كان عليها أعداؤهم، ولهذا فإذا لم يوجد شيء من تلك الصفات التي جاءت كالتعليل للنهي فالأصل المعاملة بالحسنى، قال الله تعال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١١٨ - ١٢٠]، وقد جوز الشرع الزواج من الكفار الكتابيات من غير فرق بين قريب وبعيد وشرع التعامل معهم، وعاد النبي ﷺ غلاما يهوديا وعرض عليه الإسلام فأسلم، فكيف بمن كان منهم من الأقارب؟، قال ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان: «وشرط عمر ﵁ ضيافة من مر بهم من المسلمين، وقال: أطعموهم مما تأكلون، وقد أحل الله ذلك في كتابه، ولما قدم عمر ﵁ الشام صنع له أهل الكتاب طعاما فدعوه فقال: «أين هو»؟، قالوا: «في الكنيسة»، فكره دخولها، وقال لعلي ﵁: «اذهب بالناس»، فذهب علي بالمسلمين، فدخلوا وأكلوا،

стр. 2509

وجعل علي ﵁ ينظر إلى الصورة وقال: «ما على أمير المؤمنين لو دخل وأكل»؟، انتهى، وقال ابن جرير الطبري يرد على من ذهب إلى أن آية سورة الممتحنة خاصة بأهل مكة غير المحاربين: «والصواب قول من قال إنه تعالى عنى جميع الأصناف والأديان، فإن الله عم بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]، جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضا دون بعض، ولا معنى لقول من قال ذلك منسوخ، لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة ونسب غير محرم ولا منهي عنه إن لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح، وقد بَيَّنَ صحة ما قلناه الخبر في قصة أسماء وأمها»، انتهى.

стр. 2510

• قوله: ١١٤ - «ومن حق المؤمن على المؤمن أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشمته إذا عطس ويشهد جنازته إذا مات ويحفظه إذا غاب في السر والعلانية». جاء معظم هذه الحقوق في قول رسول الله ﷺ : «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه»، رواه مسلم والبخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة ﵁، وفي الصحيحين عنه مرفوعا: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس»، وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦]. قال الراغب أصل التحية من الحياة، ثم جعل ذلك دعاء تحية لكون جميعه غير خارج عن حصول الحياة، أو سبب حياة، إما في الدنيا وإما في الآخرة،،،»، انتهى، وقال القاسمي في محاسن التأويل: «وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضا يقول حياك الله، ثم استعملها الشرع في السلام وهي تحية الإسلام»، انتهى، والتسليم على المسلم مسنون مؤكد قال القرطبي: «أجمع العلماء على أن البدء بالسلام سنة مرغب فيها، ورده فريضة لقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، وسيأتي الكلام على لفظ التسليم والرد وعيادة المريض وغيرها فإن المؤلف كثيرا ما يعود فيذكر الشيء ويكرره. فأما اتباع جنازة المسلم وكذا الصلاة عليه فلأن الله تعالى إنما نهى عن الصلاة على غير المسلمين في قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]، فيكون المسلمون بخلافهم يصلى عليهم ويقام على قبورهم وتتبع جنائزهم.

стр. 2511

ولم يذكر المؤلف النصح لأنه ذكره مع الموالاة، كما لم يذكر إجابة الدعوة هنا، لكنه ذكر بعد ما يمنع لزومها، وقد قيل إن إجابتها واجبة، وقيل إن ذلك خاص بالنكاح، ومطلوبيتها على كل حال مقيدة بما إذا لم يكن ثمة منكر كالغناء والاختلاط ونحو ذلك، ولم يذهب لينهى عنه، وهو مقيد أيضا بما إذا لم يكن في الاستجابة ما يعرض المرء للابتذال كطول الانتظار وطول وقت الوليمة، ويدخل فيه في عصرنا الدعوة إلى ولائم النكاح فيما يسمى بقاعات الأفراح، وسيشير المؤلف في خاتمة باب الطعام والشراب إلى شيء من هذا. وقوله «ويشمته إذا عطس» تشميت العاطس الدعاء له، يقال شمته بالشين المعجمة وبالمهملة أيضا مشددا، إذا دعا له أن لا يكون في حال يشمت به فيها، والتشميت والتسميت الدعاء بالخير والبركة، كذا في لسان العرب، وقال بعضهم معنى شمته بالشين دعا له بأن يبعد الله عنه الشماتة، وبالسين بأن يجعله الله على سمت حسن، وعطس من بابي ذهب ونصر، وقد قال لنا شيخنا هلالي الأزهري ﵀ وهو الذي كان يدرسنا الحديث بالمعهد الإسلامي ببلعباس: «العطاس اندفاع أبخرة فاسدة من الرأس»، فهو من وسائل خفة المرء ونشاطه، وهذه صفات محمودة مطلوبة، بخلاف التثاؤب فإنه ينبئ عن التثاقل والكسل والضعف وهي خصال مذمومة، وقد قال النبي ﷺ : «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم فحمد الله تعالى كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له يرحمك الله، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان»، رواه البخاري عن أبي هريرة. ولا يشمت العاطس حتى يحمد الله تعالى بأن يقول الحمد لله، فإذا قال ذلك قال له يرحمك الله فيرد بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم»، جاء هذا في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، فإذا قال فليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له يرحمك الله فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم»، رواه أحمد والبخاري وابن ماجة، وفي حديث آخر «فليقل الحمد لله رب العالمين»، وفي آخر «الحمد لله على كل حال»، وجاء أيضا: «يغفر الله لنا ولكم»؛ بدل «يهديكم الله ويصلح بالكم»،

стр. 2512

والتشميت فرض على الكفاية، وقيل على الأعيان وهو الظاهر، لقوله في الحديث المتقدم: « … كان حقا على كل مسلم … »، وفروض الكفاية وسننها إذا ضاق وقتها حملت على الأصل وهو فروض الأعيان، وسيأتي مزيد بيان. وإذا لم يحمد العاطس الله فلا يشمته للشرط الذي في الحديث المتقدم، ولقول رسول الله ﷺ في حديث أبي موسى عند مسلم: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه»، لكن هل ينبه من ترك حمد الله برفق لأنه أمر بمعروف، فإذا حمد شمته، قد يقال هذا، لكن الظاهر خلافه، فليعلمه بعد ذلك، ثم وقفت على ما هو نص من فعل النبي ﷺ حيث لم يشمت من لم يحمد الله تعالى. وينبغي أن يشمته ولو تكرر عطاسه ما لم يجاوز المرة الثالثة، فقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : «شمت أخاك ثلاثا فما زاد فهو زكام»، وروى ذلك من فعل النبي ﷺ الترمذي وابن ماجة عن سلمة بن الأكوع، وجاء في حديث التخيير في التشميت بعد الثلاث وهو ضعيف. وقوله: «ويحفظه إذا غاب في السر والعلانية»، من حفظه في السر أن لا يسيء الظن به، ولا يحقد عليه، ولا يحسده، ومن حفظه في العلانية أن لا يغتابه ولا يستنقصه، وأن يدفع عن عرضه بنهي من اغتابه أو فعل غير ذلك مما يلحق به أذى، وقد قال النبي ﷺ : «من ذب عن عرض أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار»، رواه أحمد والطبراني عن أسماء بنت يزيد، وقال ﵊ وعلى أله: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة»، رواه أحمد والترمذي عن أبي الدرداء، ومنه أن يحفظ له ماله ويصلح ما فيه من خلل، ويكون ذلك عليه، قال الله تعالى: «هل جزاء الإحسان إلا الإحسان».

стр. 2513

• قوله: ١١٥ - «ولا يهجر أخاه فوق ثلاث ليال والسلام يخرجه من الهجران ولا ينبغي له أن يترك كلامه بعد السلام». لما ذكر ما للمسلم على أخيه من الحقوق ومنها التسليم عليه إذا لقيه ذكر هنا ما يجوز له من هجرانه مؤقتا، بحيث لا يكلمه ولا يسلم عليه، وبين أن السلام يخرجه من الهجران يعني إذا قصد به ذلك، وإلا كان نفاقا كما قال بعضهم، فإذا خرج من السلام بالهجران فلا ينبغي له ترك مكالمته بعد ذلك لأنه يشعر باستمراره على مقاطعته، فالخروج من الهجران يكون بحسب صلة الهاجر بالمهجور من قبل، وقد جوز الشرع هذا الهجران مراعاة لحال الناس وطبائعهم وإلا فإن من غالَب طبعه وقاومه فتركه أصلا كان خيرا له، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي أيوب، وهذا نص في التحريم بقيده، وقال ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار»، رواه أبو داود عن أبي هريرة، ومعناه أن من فعل ذلك ومات على تلك الحال استوجب النار، لكن لا يلزم منه دخولها بالفعل لما قد يحصل له مما يغفر به ذنبه من الابتلاء والشفاعة وغير ذلك من المكفرات التي تقدم ذكرها في قسم العقيدة، ومع ذلك فحسب الفاعل هذا وعيدا، وقال النبي ﷺ : «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه»، رواه أبو داود عن أبي خراش السلمي، وجاء أنه إن سلم عليه ثلاث مرار ولم يرد عليه فقد باء بإثمه»، وروى مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «تفتح أبواب الجنة كل يوم اثنين وخميس، فيغفر في ذينك اليومين لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا من بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا».

стр. 2514

• قوله: ١١٦ - «والهجران الجائز هجران ذي البدعة أو متجاهر بالكبائر لا يصل إلى عقوبته ولا يقدر على موعظته أو لا يقبلها». قال أبو داود بعد روايته حديث أبي هريرة المتقدم: «النبي ﷺ هجر بعض نسائه أربعين يوما، وابن عمر هجر ابنه إلى أن مات، وقال: «إذا كانت الهجرة لله فليس من هذا في شيء، وإن عمر بن عبد العزيز غطى وجهه عن رجل»، انتهى، يريد ﵀ أن الهجران المؤقت بثلاثة أيام هو ما كان لحظ دنيوي، أما ما كان لحق الله تعالى فالأمر فيه مختلف، وقد بين المؤلف ما يشرع معه ذلك، لكونه يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو شيآن: فعل البدعة والمجاهرة بالمعصية الكبيرة، ويبدو أن الإصرار على الصغيرة مع المجاهرة مسوغ للهجران، فهذا لا يتقيد بثلاثة أيام، لأن الهجران حينئذ وسيلة من وسائل إصلاح الفرد، والمحافظة على الفرائض والفضائل. وقوله: «والهجران الجائز»، يعني المأذون فيه، فقد يكون واجبا، أو دونه، وقد ذكر هجران ذي البدعة، والبدعة هي أن يحدث في الدين ما ليس منه عينا أو وصفا، وقد تكون مكفرة فلا إشكال في هجران مرتكبها، وتكون محرمة فيجب هجرانه متى تحقق الشرط، وتكون مكروهة وقد اختلف في هجران مرتكبها. والأمر الثاني المجاهرة بالمعصية الكبيرة كشرب الخمر والسرقة والزنا وشهادة الزور، ولما كان الهجران غير مراد لذاته، وإنما لإصلاح المهجور قيده بقيود هي أن لا يقدر على عقوبة المخالف، فإن كان حاكما أو نائبا عنه أو والدا عاقبه بما يستحق من حد أو تعزير، أو غير ذلك مما يناسب، وهكذا إذا أمكنه أن يبلغ عنه الحاكم، وأين الحاكم؟، فلا يكفي في هذه الحالة الهجران. والكلام في المجاهر بما ذكر، فإن لم يكن كذلك وقدر على وعظه بأمره ونهيه

стр. 2515

وتخويفه من عقاب الله تعالى فلا يهجره، فإن لم يقدر على شيء من ذلك لشدة تجبره أو لخوفه منه اكتفى بهجرانه. لقد علمت أن الهجران ليس مقصودا لذاته، وإنما يقدم عليه لمصلحة الهاجر أو المهجور أو غيرهما، أما مصلحة الهاجر فكأن يلحقه بمخالطة غيره في دينه أو دنياه ضرر، بأن يتأثر بالشبهات التي يلقيها عليه، أو يستميله بالشهوات التي يزينها له، وأما مصلحة المهجور فبأن يكون في الهجران زجر وتأديب له حتى يكف عما هو فيه، فإذا لم تتحقق هذه المصلحة بالهجران وتحققت بالاتصال كان هو المطلوب. وأما مصبحة غير الهاجر والمهجور فلما في الهجران من التنبيه إلى عدم الوقوع في المحذور، ولأن مخالطة المطيع للعاصي يزول معها الفارق بين المحق والمبطل والبر والفاجر، ولاسيما إذا كان الذي يخالطه معروفا بالعلم وبالسنة، ولهذا كان مشروعا أن يترك الفاضل الصلاة على تاركها عند من لم يكفره، وعلى قاتل نفسه وعلى المحدود، ومنه ترك النبي ﷺ الصلاة على المدين. قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، إلا أن يكون يخاف من مكالمته وصلته ما يفسد عليه دينه أو يولد به على نفسه مضرة في دينه أو دنياه فإن كان ذلك فقد رخص له في مجانبته وبعده، ورب صرم جميل خير من مخالطة مؤذية: إذا ما تقضى الود إلا تكاشرا … فهجر جميل للفريقين صالح قلت: الصواب أن الإبقاء على الصلة ولو بتكلف خير من الهجران وإن كان جميلا إذا لم تكن فيه مصلحة، فكثيرا ما يكون ذلك سببا في العودة إلى الأصل، وقد قال أبو الدرداء: «إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم»، ذكره البخاري بصيغة التمريض. والهجران الذي ينفع هو الذي يكون من الزوج لزوجته، ومن الوالد لولده، ومن الشيخ لتلميذه، ومن ذي المكانة لغيره، أما هجران الصغير للكبير، والتلميذ للشيخ، والوضيع لذي المكانة فلا يراد به الإصلاح، ولا يتحقق به، فإن كان لمصلحة الهاجر فذاك، وإلا فلا يشرع.

стр. 2516

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٠٦): «وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت مصلحة ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفته كان مشروعا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر والمهاجر ضعيف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوما ويهجر آخرين»، انتهى وقال في الفتاوى (١٥/ ٢٨٦): «لهذا كان مستحقا الهجر إذا أعلن بدعة أو فجورا أو تهتكا أو مخالطة لمن هذا حاله بحيث لا يبالي بطعن الناس فيه، فإن هجره نوع تعزير له، فإذا أعلن السيآت أعلن هجره، وإذا أسر السيآت أسر هجره»، انتهى. وقال عن هجران أهل الأهواء والفجور في أوائل الجزء الأول من كتابه منهاج السنة النبوية: «ومن هذا الباب ترك عيادتهم وتشييع جنائزهم كل هذا من باب الهجر المشروع في إنكار المنكر للنهي عنه، وإذا عرف أن هذا هو من باب العقوبات الشرعية علم أنه يختلف باختلاف الأحوال من قلة البدعة وكثرتها، وظهور السنة وخفائها، وأن المشروع هو التأليف تارة، والهجران أخرى»، انتهى.

стр. 2517

• قوله: ١١٧ - «ولا غيبة في هذين في ذكر حالهما ولا فيما يشاور فيه لنكاح أو مخالطة ونحوه ولا في تجريح شاهد ونحوه». الأصل في عرض المسلم الصيانة فلا يجوز الوقوع فيه لا بحضرته فيكون شتما ولا في غيابه فيكون غيبة، لا يجوز شيء من ذلك لا تصريحا ولا تلويحا، ولا يجوز استنقاصه ولا همزه ولا لمزه ولا السخرية منه ولا الاستهزاء به ولا نبزه بلقب، كل ذلك يدخل في تحريم عرضه، وقد شرع الله تعالى لبعض ما تقدم عقوبة القذف كما سبق في الحدود، واستثنى العلماء مما تقدم أمورا مردها إما للحفاظ على الدين بتغيير المنكر، أو صونه عن أن يدخله الباطل، وإما لاندراجه في النصيحة للمسلمين، وإما للتظلم ودفع الظلم والجور، وإما لكون الكلمة زال عنها وصف الذم، وهي أمور ستة: - أولها: أن يذكر من ظلمه بوصفه للسلطان أو القاضي أو غيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه منه، وكذا القصد إلى مجرد كشف مظلمته واشتهارها بين الناس. - وثانيها: أن يستعين بذكر ذلك على تغيير المنكر وعلى رد العاصي إلى الصواب فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر فلان يفعل كذا وكذا فازجره عنه، على أن يكون مقصوده تغيير المنكر. - والثالثة: حالة الاستفتاء كأن يقول للمفتي فلان ظلمني بكذا وكذا، فهل هذا مشروع أو لا؟، وما ذا أفعل؟، والأحوط عدم تسمية الشخص الذي يتعلق به الاستفتاء، بل يقال ما حكم الشرع فيمن يفعل كذا وكذا؟ - والرابعة: المجاهر بفسقه أو ببدعته فيجوز ذكره بما يجاهر به، لأنه نزع ستر الله عنه، ولو كان يكره أن يذكر به لما جاهر به، لكن يحرم ذكره بغيره - والخامسة: التعريف بالشخص إذا توقف ذلك على كلمة تستعمل عادة في الذم

стр. 2518

كالأعمش والأعرج والأفطس والطويل وذي اليدين وذي الشمالين وقد استدل البخاري على جوازه بحديث ذي اليدين. - والسادسة: ما يحتاج إليه لحفظ الشريعة ورعاية حقوق الناس ويدخل تحته جرح الرواة والمصنفين والشهود ونصح المستنصح، وقد أدخل بعضهم هذه الفروع تحت عنوان واحد هو التحذير من الشر. وقد قيد الشوكاني ﵀ معظم هذه الاستثناءات بقيود وأبى أن تكون مطلقة في رسالة له سماها «رفع الريبة عما يجوز وما لا يجوز من الغيبة». وقد جمع هذه الأمور بعضهم في قوله: القدح ليس بغيبة في ستة … متظلم وَمُعَرِّفٍ ومُحَذِّر ومجاهر فسقا ومستفت ومن … طلب الإعانة في إزالة منكر وقال آخر: ليست غيبة كرر وخذها … منظمة كأمثال الجواهر تظلم واستغث واستفت حذر … وعرف واذكرن فسق المجاهر وقد شاع في زماننا ما يسميه بعض المبتدئين المتعجلين، ومعظمهم من الرعاع الجاهلين، يسمونه جرحا، ثم يرتبون عليه الهجر، وما هو إلا الغيبة المحرمة التي) يترقون (منها إلى السباب والشتم، يتدثرون بدثار الجرح الذي سامه كل مفلس، يغطي به جهله، ومرض قلبه، ويخرج به ضغنه وحسده، ويرفع به خسيسته، ويستر به غرضه، وما أوكل إليه ممن يعرفه، وممن لا يعرفه. ومن القرائن على ما أقول أنه لا اهتمام لهؤلاء إلا بمن يشتغل بالتعليم والدعوة والإصلاح بين الناس، هم موكلون منتدبون من الشيطان بتتبع أهل الخير والصلاح، مغرمون بصرف الناس عن طلب العلم والانتفاع بمن يعقدون حلقاته، يفرحهم أن يركن الناس إلى البطالة، والاشتغال بالقيل والقال، وكثرة السؤال، حتى يسهل احتواؤهم، ويتيسر اصطيادهم، فيستدرجون إلى هذه المتاهة، ويزينون لهم هذه السفاهة، ويتركون

стр. 2519

الحياة تزداد فسادا وتنكبا، فلا هم أهل لما تكلموا فيه، ولا تكلموا بالحق لو قدرنا أنهم أهل. وقد كنت كتبت شيئا عن هذا في كتابي المخرج من تحريف المنهج غداة ظهور نابتة هذه التي أساءت إلى منهج السلف، وهو بريء مما أحدثوه فيه، نبهت على ذلك والأمر ما يزال في المهد، وصرحت فيه أن الذي نعيشه هو ملمح فرقة جديدة من الفرق، أما الآن فقد اتضحت معالمها، وارتفعت رايات فلولها، وجد أفرادها في محاربة السنة بدعوى الحفاظ عليها، وتفريق الأمة بزعم تنقية صفوفها، فوسموا كل من خالفهم من أهل السنة بما سموه بالتمييع، وصاروا يأمرون أتباعهم بهجران غيرهم ممن لم ينخرط في جماعتهم، ويعقد لها ولزعمائها الولاء من دوئ بقية المؤمنين، وينتدبون وكلاء عنهم يبلغونهم الأخبار، ويجمعون لهم والله الأسرار، ويأمرون بقطع المسافات الطوال، وصرف الأموال ليمنعوا الناس من حضور مجلس فلان، أو درس فلان، لأنه غير مزكى في زعمهم، أو لأنه من الجماعة الفلانية، أو لأنه مشارك في جمعية، أولا يأتي لزيارة فلان، أعطوا لأنفسهم منزلة فوق منزلة الحاكم، مع زعمهم أنهم يسلمون له، ولا يفتاتون عليه، يحرص بعضهم والله على وحدة الجماعة المتحزبة أكثر من حرصه على الحق، وأعظم من حرصه على جماعة المسلمين، يأخذون على غيرهم أن يؤسس جمعية لخدمة غرض مشروع، تمنعه الدولة إلا من هذا الطريق، بزعم أن ذلك حزبية، وهم والله حزب إلا أنه غير معتمد، ثم هم يمارسون هذا الغرض من غير إذن الحاكم، ومن غير جمعية، وقد يتسترون وراء جمعيات مشبوهة، فهم في أمر مريج، والله يرد كيدهم ويبطل مكرهم. بلغ بهم الأمر أن لا يقولوا كلمة ينصحون بها، أو يبينون بها حقا في شأن الأمة، لا في كبير المنكر ولا في صغيره، يسكتون عما تتعرض له في دينها ولغتها وسائر مقومات شخصيتها، لا ينبسون ببنت شفة، حتى صارت هذه الأمور نهبا للمفسدين الماكرين، والعلمانيين المارقين، والمبتدعة الضالين، يسكتون عن هؤلاء أفرادا وهيآت، فلا تحس منهم من أحد، ولا تسمع لهم ركزا، كل هذا يبرره زعم أن ذلك طريق إلى الخروج على الحاكم، عطلوا كل نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جانبه، ولم يفرقوا بين

стр. 2520

من جاهر بالمنكر، ومن أسر به، ومن ارتكب منكرا في خاصة نفسه، ومن جعله شرعة للناس، ومن تيسرت مناصحته سرا ومن لم يمكن معه ذلك، لكنهم يثأرون ويثورون بشكل جماعي متى تعرض أحدهم لشيء يصدرون البيانات المستنكرة، وترتب على هذا أن تركوا الساحة للغوغاء والدهماء تسب وتشتم وترد على الفساد بفساد آخر يقوي منهج الخوارج ويدعمه، فهم يلتفون مع من خرج على الأمة بالسلاح في صفات عدة، وقد صار لهم اليوم رؤوس في هذا المنحى يقلدونهم ويعاملونهم كأنهم معصومون، وهو فعل المتصوفة بأشياخهم، والشيعة بأئمتهم، فالخلاف بينهم وبين غيرهم من المسلمين خلاف تضاد لا خلاف تنوع، بالغلو في الجرح، والمسارعة إلى التبديع، والطعن في الناس بما تابوا منه وأقلعوا عنه، وعدم قبول أي كلام من مخالفيهم، مما ينفي التهمة، أو يرد الظنة، لا حلم ولا وقار ولا تدرج ولا وموازنة بين المصالح والمفاسد، فتعذر والله أن يحكم للمختلفين بأنهم على الحق جميعا، فإما أنهم مبطلون جميعا فيما اختلفوا فيه، وإما أن طرفا منهم هو الظالم وأنا اجزم بأنهم هم الظالمون.

стр. 2521

• قوله: ١١٨ - «ومن مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك» الخصال الثلاثة رويت مرفوعة عن عدد من الصحابة بألفاظ متقاربة، منها قوله لعقبة بن عامر: «صِل مَنْ قطعك، وأعط مَنْ حرمك، واعفُ عمّن ظلمك» رواه أحمد، وهو في الصحيحة برقم (٨٩١). وقد نظم هذه الأمور بعضهم فقال: مكارم الأخلاق في ثلاثة … من كملت فيه فذلك الفتى إعطاء من تحرمه ووصل من … تقطعه والعفو عمن اعتدى وقال آخر: خذ العفو وامر بعرف كما … أمرت وأعرض عن الجاهلين ولِنْ في الكلام لكل الأنام … فمستحسن من ذوي الجاه لين وقد دلّ على هذه الخلال ما في كتاب الله تعالى من الانتداب إلى العفو والصفح والصلة عموما وخصوصا، قال الله تعالى في بيان صفات المتقين: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فذكر كظم الغيظ، لكن قد تبقى مع الكظم موجدة فأضاف إليه ما هو أعلى منه وهو العفو، ثم ذكر ما هو أعظم منهما بهذه الصيغة المميزة: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقد روي أن بعض السلف أغاظه غلام له فَهَمَّ بِهِ، فقال له: «والكاظمين الغيظ»، فقال: «كظمتُ غيظي»، فقال له: «والعافين عن الناس»، فقال: «عفوتُ عنك»، فقال: «والله يحب المحسنين»، فقال: «أنت حر لوجه الله»، وروى أحمد عن ابن عباس ﵄ قال، قال

стр. 2522

رسول الله ﷺ : «من أنظر معسرا أو وضع له وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حَزَنٌ بربوة - ثلاثا - ألا إن عمل النار سهل بسهوة والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانا». وروى أحمد وابن ماجة عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ : «ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله»، وقال رسول الله ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه»، رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة، وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وهذه من أجمع الآيات في أصول الفضائل الأدبية، ومن أسس التشريع في هذه السمحة الحنيفية، جاءت عقب بيان التوحيد الذي هو أصل كل العقائد والمقدم عليها، فانتظم بها وبما قبلها الدين بمعالمه الثلاثة. وقد روي عن جعفر الصادق أنه قال: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها. وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن عيينة بن حصن قال لعمر بن الخطاب: «هِيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل»، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر بن قيس: «يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، وإن هذا من الجاهلين»، قال ابن عباس: «والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله »، قال القرطبي: «هذه الآية من ثلاث كلمات تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات، فقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين، ودخل في قوله ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار، وفي قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة، والأفعال الرشيدة»، انتهى، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]، ذكر ربنا مقام العدل والانتصار للنفس، ثم ثنى بمقام الإحسان وهو العفو عمن ظلم،

стр. 2523

وجعل أجر العافي على الله، وحسبك بذلك فضلا، وقال رسول الله ﷺ : «ليس الواصل بالمكافئ،،،»، الحديث، وقد تقدم، والمعنى أن الصلة التي يتشوف إليها الشرع ليست هذه المنزلة التي تظل في حيز التبادل والمكافأة، وفي المقابل فإن الشرع وإن أجاز رد الظلم فإنه ندب إلى العفو. وقد كان مسطح بن أثاثة من الخائضين في حديث الإفك المفترى على أم المؤمنين فتغيظ عليه أبو بكر الصديق ﵁ وهو ابن خالته، فقطع عنه النفقة، فلما تاب مما بدر منه وأقيم الحد على من أقيم عليه، أنزل الله في ذلك قوله ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢]، فقال أبو بكر: «بلى والله، إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا»، وعاد إلى ما كان عليه من نفعه. وقد كتب ابن القاضي شرف الدين ابن المقري صاحب الروض إلى أبيه وقد قطع نفقته يحتج عليه برجوع أبي بكر الصديق للإنفاق على مسطح، فرد عليه أبوه بأن مسطحا قد تاب، ذكر هذه القصة القاسمي في تفسيره، وهذا ما تبادلاه من الأشعار: لا تقطعن عادة بر ولا … تجعل عتاب المرء في رزقه فإن أمر الإفك من مسطح … يحط قدر النجم من أفقه وقد جرى منه الذي قد جرى … وعوتب الصديق في حقه فأجابه أبوه شرف الدين بقوله: قد يُمنع المضطر من ميتة … إذا عصى بالسير في طرقه لأنه يقوى على توبة … توجب إيصالا إلى رزقه لو لم يتب من ذنبه مسطح … ما عوتب الصديق في حقه

стр. 2524

• قوله: ١١٩ - «وجماع آداب الخير وأزمته تتفرع عن أربعة أحاديث: قول النبي ﵇: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، وقوله ﵇: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وقوله ﵇ للذي اختصر له في الوصية: «لا تغضب»، وقوله ﵇: «المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه». جماع الخير بكسر الجيم معناه جملته وما يحيط به ويجمعه، والأزمة جمع زمام بكسر الزاي هو ما يقاد به البعير، والمقصود ما يضبط تصرفات المرء بحيث لا يخرج عن الجادة التي في التزامها الخير له ولغيره، وما في هذه الأحاديث خصال منها الظاهر والباطن، وتشمل القول والفعل والقصد، وفيها حرص المرء على صلاح نفسه، وحسن صلته بغيره، فهو في الكلام بين أن يقول خيرا أو يصمت، وقول الخير منه الواجب ومنه المندوب ومنه المباح، وهو فيما يفعله أو يقوله بين أمرين ما يهمه ويعنيه لتوقف مصلحته المشروعة عليه، وبين ما ليس كذلك فيفعل الأول ويترك الثاني، وهو في مزاجه بين غضب ورضا، فليجتهد أن لا يغضب لما في ذلك من الإضرار بجسمه وخروجه في كلامه وتصرفاته عن حال اعتداله، فقد يقول ما لا يريد، ويفعل ما لا يرضى، أما فيما يحصل عليه من المنافع فإنه يحب لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه، وبهذا يكون بعيدا عن الحسد والبغضاء والشحناء ويسلم له قلبه ويرضى بما قدر له، فيكون ذا نفس رضية حتى ترجع إلى الله وهي مرضية. وهذه الخصال كما ترى يقترب فيها أو يلتقي الظاهر بالباطن، أما التلون بحسب الحال واختيار اللبوس المناسب لكل موقع فليس مما نحن فيه بسبيل، وهكذا التظاهر بالصلاح والورع والتخفي بالفساد والإفساد، وقد قال بعضهم عن امرأة تُدْعَى مَيَا ظاهرها

стр. 2525

غير باطنها فأحسن: على وجه مي مَسحة من مَلاحة … وتحت الثياب الخزيُ لو كان باديا ألم تر أن الماء يخلف طعمه … وإن كان لون الماء أبيض صافيا؟ إذا ما أتاه وارد من ضرورة … تولى بأضعاف الذي جاء ضاميا كذلك مي في الثياب إذا بدت … وأثوابها يخفين منها المخازيا فلو أن غيلان الشقي بدت له … مجردة يوما لما قال ذا ليا أما ألأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ فأولها قول النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت»، رواه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة. وثانيها: قول النبي ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁. قال الحميدي ﵀: لقاء الناس ليس يفيد شيئا … سوى الإكثار من قيل وقال فقلل من لقاء الناس إلا … لأخذ علم أو إصلاح حال وثالثها: ما رواه أحمد والبخاري والترمذي عن أبي هريرة أن رجلا قال للنبي ﷺ : «أوصني»، قال: «لا تغضب»، فردد مرارا قال: «لا تغضب»، وروى مالك في الموطإ عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال يا ر سول الله علمني كليمات أعيش بهن ولا تكثر علي فأنسى، فقال رسول الله ﷺ : «لا تغضب». فإن غضب المؤمن كان مطالبا أن يجتهد في كفّ غضبه، وليتعوذ بالله، وإن كان قائما فليجلس، وإلا فليضطجع، وليسكت، وقد قال رسول الله ﷺ : «من كف غضبه كف الله عنه عذابه ومن خزن لسانه ستر الله عورته ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره»، رواه أبو يعلى في
следующие страницы →