← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

• قوله: ١١٨ - «ومن مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك» الخصال الثلاثة رويت مرفوعة عن عدد من الصحابة بألفاظ متقاربة، منها قوله لعقبة بن عامر: «صِل مَنْ قطعك، وأعط مَنْ حرمك، واعفُ عمّن ظلمك» رواه أحمد، وهو في الصحيحة برقم (٨٩١). وقد نظم هذه الأمور بعضهم فقال: مكارم الأخلاق في ثلاثة … من كملت فيه فذلك الفتى إعطاء من تحرمه ووصل من … تقطعه والعفو عمن اعتدى وقال آخر: خذ العفو وامر بعرف كما … أمرت وأعرض عن الجاهلين ولِنْ في الكلام لكل الأنام … فمستحسن من ذوي الجاه لين وقد دلّ على هذه الخلال ما في كتاب الله تعالى من الانتداب إلى العفو والصفح والصلة عموما وخصوصا، قال الله تعالى في بيان صفات المتقين: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فذكر كظم الغيظ، لكن قد تبقى مع الكظم موجدة فأضاف إليه ما هو أعلى منه وهو العفو، ثم ذكر ما هو أعظم منهما بهذه الصيغة المميزة: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقد روي أن بعض السلف أغاظه غلام له فَهَمَّ بِهِ، فقال له: «والكاظمين الغيظ»، فقال: «كظمتُ غيظي»، فقال له: «والعافين عن الناس»، فقال: «عفوتُ عنك»، فقال: «والله يحب المحسنين»، فقال: «أنت حر لوجه الله»، وروى أحمد عن ابن عباس ﵄ قال، قال

стр. 2522

رسول الله ﷺ : «من أنظر معسرا أو وضع له وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حَزَنٌ بربوة - ثلاثا - ألا إن عمل النار سهل بسهوة والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانا». وروى أحمد وابن ماجة عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ : «ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله»، وقال رسول الله ﷺ : «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه»، رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة، وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وهذه من أجمع الآيات في أصول الفضائل الأدبية، ومن أسس التشريع في هذه السمحة الحنيفية، جاءت عقب بيان التوحيد الذي هو أصل كل العقائد والمقدم عليها، فانتظم بها وبما قبلها الدين بمعالمه الثلاثة. وقد روي عن جعفر الصادق أنه قال: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها. وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن عيينة بن حصن قال لعمر بن الخطاب: «هِيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل»، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر بن قيس: «يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، وإن هذا من الجاهلين»، قال ابن عباس: «والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله »، قال القرطبي: «هذه الآية من ثلاث كلمات تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات، فقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين، ودخل في قوله ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار، وفي قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة، والأفعال الرشيدة»، انتهى، وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]، ذكر ربنا مقام العدل والانتصار للنفس، ثم ثنى بمقام الإحسان وهو العفو عمن ظلم،

стр. 2523

وجعل أجر العافي على الله، وحسبك بذلك فضلا، وقال رسول الله ﷺ : «ليس الواصل بالمكافئ،،،»، الحديث، وقد تقدم، والمعنى أن الصلة التي يتشوف إليها الشرع ليست هذه المنزلة التي تظل في حيز التبادل والمكافأة، وفي المقابل فإن الشرع وإن أجاز رد الظلم فإنه ندب إلى العفو. وقد كان مسطح بن أثاثة من الخائضين في حديث الإفك المفترى على أم المؤمنين فتغيظ عليه أبو بكر الصديق ﵁ وهو ابن خالته، فقطع عنه النفقة، فلما تاب مما بدر منه وأقيم الحد على من أقيم عليه، أنزل الله في ذلك قوله ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢]، فقال أبو بكر: «بلى والله، إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا»، وعاد إلى ما كان عليه من نفعه. وقد كتب ابن القاضي شرف الدين ابن المقري صاحب الروض إلى أبيه وقد قطع نفقته يحتج عليه برجوع أبي بكر الصديق للإنفاق على مسطح، فرد عليه أبوه بأن مسطحا قد تاب، ذكر هذه القصة القاسمي في تفسيره، وهذا ما تبادلاه من الأشعار: لا تقطعن عادة بر ولا … تجعل عتاب المرء في رزقه فإن أمر الإفك من مسطح … يحط قدر النجم من أفقه وقد جرى منه الذي قد جرى … وعوتب الصديق في حقه فأجابه أبوه شرف الدين بقوله: قد يُمنع المضطر من ميتة … إذا عصى بالسير في طرقه لأنه يقوى على توبة … توجب إيصالا إلى رزقه لو لم يتب من ذنبه مسطح … ما عوتب الصديق في حقه

стр. 2524

• قوله: ١١٩ - «وجماع آداب الخير وأزمته تتفرع عن أربعة أحاديث: قول النبي ﵇: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، وقوله ﵇: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وقوله ﵇ للذي اختصر له في الوصية: «لا تغضب»، وقوله ﵇: «المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه». جماع الخير بكسر الجيم معناه جملته وما يحيط به ويجمعه، والأزمة جمع زمام بكسر الزاي هو ما يقاد به البعير، والمقصود ما يضبط تصرفات المرء بحيث لا يخرج عن الجادة التي في التزامها الخير له ولغيره، وما في هذه الأحاديث خصال منها الظاهر والباطن، وتشمل القول والفعل والقصد، وفيها حرص المرء على صلاح نفسه، وحسن صلته بغيره، فهو في الكلام بين أن يقول خيرا أو يصمت، وقول الخير منه الواجب ومنه المندوب ومنه المباح، وهو فيما يفعله أو يقوله بين أمرين ما يهمه ويعنيه لتوقف مصلحته المشروعة عليه، وبين ما ليس كذلك فيفعل الأول ويترك الثاني، وهو في مزاجه بين غضب ورضا، فليجتهد أن لا يغضب لما في ذلك من الإضرار بجسمه وخروجه في كلامه وتصرفاته عن حال اعتداله، فقد يقول ما لا يريد، ويفعل ما لا يرضى، أما فيما يحصل عليه من المنافع فإنه يحب لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه، وبهذا يكون بعيدا عن الحسد والبغضاء والشحناء ويسلم له قلبه ويرضى بما قدر له، فيكون ذا نفس رضية حتى ترجع إلى الله وهي مرضية. وهذه الخصال كما ترى يقترب فيها أو يلتقي الظاهر بالباطن، أما التلون بحسب الحال واختيار اللبوس المناسب لكل موقع فليس مما نحن فيه بسبيل، وهكذا التظاهر بالصلاح والورع والتخفي بالفساد والإفساد، وقد قال بعضهم عن امرأة تُدْعَى مَيَا ظاهرها

стр. 2525

غير باطنها فأحسن: على وجه مي مَسحة من مَلاحة … وتحت الثياب الخزيُ لو كان باديا ألم تر أن الماء يخلف طعمه … وإن كان لون الماء أبيض صافيا؟ إذا ما أتاه وارد من ضرورة … تولى بأضعاف الذي جاء ضاميا كذلك مي في الثياب إذا بدت … وأثوابها يخفين منها المخازيا فلو أن غيلان الشقي بدت له … مجردة يوما لما قال ذا ليا أما ألأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ فأولها قول النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت»، رواه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة. وثانيها: قول النبي ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁. قال الحميدي ﵀: لقاء الناس ليس يفيد شيئا … سوى الإكثار من قيل وقال فقلل من لقاء الناس إلا … لأخذ علم أو إصلاح حال وثالثها: ما رواه أحمد والبخاري والترمذي عن أبي هريرة أن رجلا قال للنبي ﷺ : «أوصني»، قال: «لا تغضب»، فردد مرارا قال: «لا تغضب»، وروى مالك في الموطإ عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال يا ر سول الله علمني كليمات أعيش بهن ولا تكثر علي فأنسى، فقال رسول الله ﷺ : «لا تغضب». فإن غضب المؤمن كان مطالبا أن يجتهد في كفّ غضبه، وليتعوذ بالله، وإن كان قائما فليجلس، وإلا فليضطجع، وليسكت، وقد قال رسول الله ﷺ : «من كف غضبه كف الله عنه عذابه ومن خزن لسانه ستر الله عورته ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره»، رواه أبو يعلى في

стр. 2526

مسنده والضياء في المختارة عن أنس، وهو في الصحيحة برقم (٢٣٦٠)، وعن عبد الله بن عمرو قال: قلت يا رسول الله، ما يمنعني من غضب الله تعالى؟، قال: «لا تغضب»، رواه ابن حبان وأحمد، وقال النبي ﷺ : «إذا غضب الرجل فقال: أعوذ بالله سكن غضبه»، وقال: «إذا غضبت أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع»، وقال: «إذا غضب أحدكم فليسكت». ورابعها: ما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أنس عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وإذا غضبت فكن وقورا كاظما … للغيظ تُبصر ما تقول وتَسمع فكفى به شرفا تَصَبرُ ساعة … يَرضى بها عنك الإله وتُرفع لن يبلغ المجدَ أقوام وإن شرفوا … حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويُشتموا فتَرى الألوانَ مشرقة … لا عفوَ ذل ولكن عفوُ إكرام وإن سيادة الأقوام فاعلم … لها صعداء مطلبها طويل أترجو أن تسود ولن تعنى … وكيف يسود ذو الدعة البخيل؟.

стр. 2527

• قوله: ١٢٠ - «ولا يحل لك أن تتعمد سماع الباطل كله». سماع الباطل جنس تحته أفراد سيشير المؤلف إلى بعضها، قال زروق ﵀ «والباطل كل ما لا يفيد أمرا دينيا ولا دنيويا ضروريا ولا حاجيا ولا تكميليا يرجع إلى المعروف، كالترهات والأباطيل والأضحوكات التي تحتها محرم وكذب يتوهم أنه حق وصدق»، انتهى. والمؤمن إذا سمع الباطل عرضا وأمكنه النهي عنه فعل، وإلا ابتعد أو قام أو أعرض عنه بحسب ما يتيسر له، والمستمع شريك القائل إن أصغى إليه اختيارا، ومن سماع الباطل سماع اغتياب الناس واستنقاصهم والمكر بهم والكيد لهم وتدبير الغش والخيانة لهم ونحو ذلك، كل هذا لا يجوز لمؤمن أن يتعمد الاستماع إليه، وقد قال رسول الله ﷺ : «من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرون منه صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة عذب، وكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ»، رواه البخاري عن ابن عباس، وقوله من «تحلم بحلم» أي من ادعى أنه رأى حلما بضم الحاء وسكون اللام وهو الرؤيا، وقوله كلف أن يعقد بين شعيرتين المراد أنه يعذب ولا بد، والكذب في الرؤيا أعظم من الكذب في غيرها لأن الأول كذب على الله فإن الرؤيا جزء من الوحي، والآنك بالمد وضم النون هو الرصاص المذاب، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [المؤمنون: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، واللغو من الكلام ما لا يعتد به وهو الذي يورد لا عن روية وفكر، فيجري مجرى اللغا وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور»، انتهى، قاله الراغب، وإذا كان اللغو الذي يمدح المعرض عنه هو ما لا يعتد به، فكيف بما يعتد به لكونه منهيا عنه فيتحمل قائله وسامعه المختار وزره؟، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، نهى الله

стр. 2528

تعالى عن القول بلا علم، وبين أن المرء سيسأل عما سمع وأبصر واعتقد، وروى أحمد والترمذي والحاكم عن ابن مسعود ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «استحيوا من الله حق الحياء»، قال قلنا: «إنا لنستحي من الله والحمد لله»، قال: «ليس ذلك، من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء»، وقوله وما حوى أي ما اشتمل عليه من الحواس الظاهرة والباطنة من السمع والبصر والعقل، والبطن وما وعى أي ما جمعه من القلب والفرج، وما اتصل بهما من اليدين والرجلين، فلا تطعم إلا حلالا، ولا تستعمل شيئا من ذلك في غير المشروع، والبلى بكسر الباء مصدر بلي الثوب يبلى إذا خلق، والمعنى أن تذكر صيرورتك في القبر عظاما نخرة، ومن أحسن ما قيل في مقام الإعراض عن سماع الباطل مع سلامة الصدر على الناس والعفو عمن أساء والقناعة بالقليل: أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه … كأن به عن كل فاحشة وقرا سليم دواعي الصدر لا باسطا أذى … ولا مانعا خيرا ولا قائلا هجرا إذا شئت أن تدعى كريما مكرما … أديبا ظريفا عاقلا ماجدا حرا إذا ما أتت من صاحب لك زلة … فكن أنت محتالا لزلته عذرا غنى النفس ما يكفيك من سد خلة … فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا

стр. 2529

• قوله: ١٢١ - «ولا أن تتلذذ بسماع كلام امرأة لا تحل لك». وهذا من الباطل لأنه من جملة الاستمتاع، فيحرم كالنظر واللمس، وقد قال رسول الله ﷺ : «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليدان زناهما البطش، والرجل زناها الخُطَا، والقلب يهوى ويتمنى، ويُصَدِّقُ ذلك الفَرْجُ ويُكَذِّبُهُ»، رواه مسلم عن أبي هريرة، والمنهي عنه كما ترى هو التلذذ بسماع الكلام لا مجرد السماع، ويفرق فيه بين الحاجة إليه وعدمها، وعند قيام الحاجة كالشهادة والاستفتاء ونحوهما ينبغي للسامع مقاومة نزوع نفسه إلى ما ذكر، ويتعين على المرأة في المخاطبة أن لا تخضع بالقول، ومعناه ترقيقه وتكسيره وترخيمه، قال الله تعالى لأزواج النبي ﷺ : ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ [الأحزاب: ٣٢]، والمؤمنون في مثل هذا موكولون إلى إيمانهم، والله يعلم ما في أنفسهم كما قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]

стр. 2530

• قوله: ١٢٢ - «ولا سماع شيء من الملاهي والغناء». يريد حرمة سماع آلات اللهو والغناء، فالملاهي كالعود والطنبور والمزمار وسائر أصوات آلات الموسيقى مسجلة كانت، أو مسموعة مباشرة من الفاعل، فالملاهي في كلام المؤلف هي المعازف، وسيأتي ذكرها بعد. وقد استثني الدف - بضم الدال وفتحها - في النكاح، ويسمى الغربال للنص عليه، فقد روي في ذلك قول النبي ﷺ : «أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف»، رواه الترمذي وابن ماجة عن عائشة، وسنده ضعيف، لكن إعلان النكاح ثابت مطلوب، فقد روى أحمد وابن حبان والحاكم الجملة الأولى عن عبد الله بن الزبير، وروى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن محمد ابن حاطب مرفوعا: «فصل ما بين الحرام والحلال ضرب الدف، والصوت في النكاح»، وروى البخاري عن خالد بن ذكوان قال: قالت الربيع بنت معوذ بن عفراء: «جاء النبي ﷺ يدخل حين بُنِيَ علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن مَنْ قُتِلَ مِنْ آبائي يوم بدر، ثم قالت إحداهن: «وفينا نبي يعلم ما في غد»، فقال: «دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين»، يندبن؛ أي يذكرن محاسن الموتى ويثنين عليهم، دعي هذه، أي اتركي مدحي لما فيه من الإطراء المنهي عنه، لاسيما علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ولا يُطلع عليه الله إلا من ارتضى من رسول. فضرب الدف إنما يرخص فيه في النكاح، والغناء في العيد إن كان فهو للجواري وهن لسن مكلفات، فيجوز الضرب بالدف للنساء في النكاح لمصلحة إظهاره وإفشائه، ومشهور المذهب الضرب به في النكاح ولو من الرجال، قال خليل عاطفا على المكروهات بالنفي: «لا الغربال ولو لرجل، وفي الكَبَر والمزهر ثالثها يجوز في الكبر، ابن كنانة: وتجوز الزمارة والبوق»، انتهى، يعني لا يكره الضرب بالغربال وهو الدف المعروف بالطار، وهو المغشى

стр. 2531

بجلد من جهة واحدة، والكبر بمفتوحتين الطبل الكبير المربع المغشى من الجهتين، وقيل غير ذلك، وتجوز الزمارة والبوق عند ابن كنانة في النكاح يسيرا بغرض الإعلان، لا في غيره فحرام يسيرا كان أو كثيرا، قال الدسوقي: «والحاصل أن الطبل بجميع أنواعه يجوز في النكاح ما لم يكن فيه صراصر، أو ولو كان فيه على ما مر من الخلاف، وأما في غير النكاح فلا يجوز شيء منه اتفاقا في غير الدف، وعلى المشهور بالنسبة للدف». قلت: والظاهر أنه إنما يجوز الضرب بالدف للنساء بخاصة، لضعف حديث عائشة المتقدم، وهو قول أصبغ، ولعموم النهي عن تشبه الرجال بالنساء كما قال الحافظ، وإليه ذهب أصبغ ﵀. أما الغناء فلنحدد المراد منه قبل الكلام على حكمه، قال في لسان العرب: «الغناء من الصوت ما طرب به، قال حميد بن ثور: عجبت لها أنى يكون غناؤها … فصيحا ولم تَفغَر بمنطقها فما؟ ويقال غنى بالشعر وتغنى به، قال: تغن بالشعر إما كنت قائله … إن الغناء بهذا الشعر مضمار وقال أبو الحسن شارح الرسالة: «الغناء بالمد هو مد ما يقصر، وقصر ما يمد لتحسين الصوت من كلام طيب مفهوم المعنى محركا للقلب طلبا للإطراب، سواء أكان بآلة أم بغيرها على المذهب»، انتهى، وقال النفراوي: «هو الصوت المتقطع الذي فيه ترنم لتحريك القلب، والمحرم سماعه ما كان بآلة، وممن يلتذ بصوته، وإلا كان مكروها»، انتهى. قلت: تعليق التحريم على ما كان من الغناء بآلة لا يتجه، فإن المعازف جاء النص بتحريمها على انفراد، وفسر الصحابة بعض آي القرآن بأن المراد منها الغناء كما سيأتي، فلا وجه لتعليق التحريم على الجمع بينهما، ونظيره تعليق التحريم على جر الثوب للمخيلة، وقد دل الدليل على منع ذلك مطلقا، والمخيلة قدر زائد، وهكذا تعليق

стр. 2532

تحريم البناء على القبر بإرادة المباهاة، لا يستقيم شيء من هذا، فإنه تقييد لما أطلقه الشرع، وهكذا تعليق تحريم الغناء على من يُلتذ بصوته، فإنه مما لا دليل عليه، ولأن التلذذ بصوت غير من يباح التلذذ به حرام مستقل، وقد تقدم الكلام عليه، ولأن التفريق بين من يتلذذ بصوته ومن لا يتلذذ به لا ينضبط، فهو قيد نظري غير عملي لأن ما يثير الغريزة كما قال الألباني ﵀ يختلف باختلاف الأمزجة ذكورة وأنوثة، شيخوخة وفتوة، وحرارة وبرودة»، انتهى، فكيف يعلق الحكم على مثل هذا فيصير ممنوعا منه هذا حلالا للآخر، بل قد يكون ممنوعا على الشخص ذاته في وقت، وجائز له في وقت آخر، وهذا ليس شأن عموم الأحكام. وإنما ذكرت معنى الغناء في لغة العرب لأن كثيرا من الناس يظنون أن الغناء الذي فيه بعض الخلاف بين أهل العلم يشمل ما يظنونه هم غناء، لا يفرقون بين ما كان منه محرما لذاته، وما كان جائزا باعتبار مضمونه، وإنما أتاه المنع من التطريب، وإخراج أدائه عن الوضع العربي، والأمر ليس كذلك، فإن الغناء الذي فيه الخلاف ليس إلا الكلام الذي لا ذكر فيه للباطل، ولا حض فيه على المعصية، ولا تمجيد فيه للمنكرات من الخمر والزنا والعري وغيرها، والغالب على الغناء اليوم هو هذا، والمختلف فيه إنما هو الكلام الصالح في نفسه لكنه يمطط ويطرب، أما إن كان الكلام في نفسه محرما فما فائدة الحديث عن كونه مطربا أو غير مطرب؟. وقد جاء عن مالك النهي عن الغناء وعن استماعه، ومما يدل على ذلك قوله: «إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له أن يردها بالعيب»، فجعل كونها مغنية عيبا ترد به، مع أن لمالكها أن يمنعها من أن تغني لغيره، ولما كان الغناء فاشيا في المدينة فقد سئل عما يرخص فيه أهل المدينة منه، فقال: «إنما يفعله عندنا الفساق»، فهذا هو مذهبه ومذهب بقية الأئمة الأربعة. وقال الفاكهاني: «لا أعلم في كتاب الله آية صريحة ولا في السنة حديثا صحيحا صريحا في تحريم الملاهي، وإنما هي ظواهر وعمومات توهم الحرمة لا أدلة قطعية»، انتهى، وقد نقل كلامه ابن ناجي في شرحه على الرسالة مؤيدا له، فإن كان مراده من قوله الملاهي؛ آلات اللهو فهو مردود كما سترى، وإن كان في الغناء من غير آلة فإن فيه تفصيلا ستقف عليه إن شاء الله، ومهما يكن ففي دعواه نظر، فقوله: «ظواهر وعمومات توهم

стр. 2533

الحرمة لا أدلة قطعية»، انتهى، ليس كما ينبغي لأوجه: منها أن أخبار الآحاد الصحيحة من الأدلة الظنية عند الجمهور، لكنهم أطبقوا على أخذ الأحكام منها، مع ذهاب بعض أهل العلم إلى إفادتها القطع، وجمهورهم على أن أخبار الصحيحين تفيد العلم لتلقي الأمة لهما بالقبول إلا ما انتقد عليهما، فإنه وإن نزل في الدرجة فهو أيضا مفيد للعلم، ثم يقال إن الغالب عند شارحي المصنفات والفاكهاني ﵀ منهم التقيد بالمذهب، وقد علمت ما ذهب إليه مالك ﵀ وبقية الأئمة. فأما المعازف وهي آلات اللهو فقد جاء في تحريمها ما رواه البخاري في صحيحه من قول رسول الله ﷺ : «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف،،، الحديث، والحر بكسر الحاء والراء المخففة هو الفَرْج، واعتبار المستحل من جملة الأمة قد يكون بحسب ما سبق الاستحلال، إن كان عالما يتحريمه، وهو من مباحث الأصول، وقد يكون المراد الاسترسال فيه والمداومة عليه، وهذا شأن المستحل في الظاهر، والمراد كثرة الزنا، والمعازف جمع معزفة ومعزف هي آلات الملاهي، وقد رواه البخاري في صورة التعليق عن شيخه هشام بن عمار فرده بذلك ابن حزم ﵁، ومن ثم أجاز المعازف، والصواب كما بَيَّنَ أهل الصناعة الحديثية أنه موصول عنه، لأنه شيخه، وقد لقيه وسمع منه، وإنما يتوقف في هذا ونحوه إذا جاء من مدلس، وأين البخاري ﵀ من التدليس؟، ولو سلمنا أنه معلق فإنه بصيغة الجزم، ثم إنه أودعه صحيحه محتجا به، على أنه قد وصله عن هشام بن عمار من أصحاب المستخرجات الإسماعيلي، كما رواه الطبراني في معجمه الكبير، وفي مسند الشاميين، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح. وقد تبع ابن حزم ﵀ على ما ذهب إليه كثير من الناس من المعاصرين وممن تقدمهم، وبعضهم يعلم أن من حكم بصحة الحديث أعظم حفظا وأكثر عددا من ابن حزم، وحسبك أن منهم ابن تيمية وابن قيم الجوزية، والحافظ العسقلاني، وشيخه العراقي، وغيرهم. ثم ليعلم أن المنع من الغناء ليس مقصورا على هذا الحديث، فقد روى أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : «إن الله حرم عَلَيَّ أو حرم الخمر

стр. 2534

والميسر والكوبة وكل مسكر حرام»، والكوبة كما قال الخطابي في معالم السنن: «تفسر بالطبل، ويقال هو النرد ويدخل في معناه كل وتر ومزهر ونحو ذلك من الملاهي والغناء»، انتهى، وروى الترمذي عن عمران بن حصين قال، قال رسول الله ﷺ : «في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، فقال رجل من المسلمين يا رسول الله ومتى ذاك»؟، قال: «إذا ظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور»، قال الترمذي: «وهذا حديث غريب»، وحسنه الألباني وهو في الصحيحة، ومن الخسف الزلازل، ومن القذف البراكين، والمسخ تحويل الصورة، والقيْنات بفتح القاف جمع قينة، وتجمع على قِيان بكسر القاف، هن الإماء المغنيات، وقد عم استعمال المعازف والغناء والاستماع إليهما عموم المسلمين إلا من رحم الله، وغدونا نسمع التداوي بالموسيقى، وتهدئة الأعصاب بها، والاستماع إليها في عموم الفنادق والاستراحات، وهي زينة الولائم بمناسبات الأفراح والاجتماعات العامة، وهي شعار الفجار الذين يجوبون الشوارع يقتنصون الفرائس ويغرون النساء، وغزت أجهزة الهاتف المحمول وترى الشاب يستغرق وقتا طويلا في الاستماع عن طريق الأجهزة المحمولة، ونسمع بالأعراس التي تدعى إسلامية يحصرها الشبان المردان بألبسة خاصة ينشدون ويطربون ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد ذهب الناس في الغناء مذاهب، منهم من رأى إباحته، ومنهم من رأى منعه، ومنهم من رأى التقرب به إلى الله تعالى، ومنهم من فصل فلم يمنع بإطلاق، ولا جوز بإطلاق، وهذا هو الحق للجمع بين الأدلة القولية والفعلية، فإن النبي ﷺ قال: «إن من الشعر حكمة»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجة عن أُبَيّ بن كعب، وقال النبي ﷺ لما سئل عن الشعر: «الشعر بمنزلة الكلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام»، رواه البخاري في الأدب المفرد والدارقطني عن عبد الله بن عمرو، وهو حديث ضعيف له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن كما في الصحيحة برقم (٤٤٧)، وقد تمثل النبي ﷺ ببعض الشعر أحيانا، ومما جاء في النكاح قوله ﷺ لعائشة -رضي الله تعالى عنها-: «إن الأنصار أناس فيهم غزل، فما قلت»؟، قالت: «دعونا بالبركة»، قال: «أفلا قلتم: أتيناكم أتيناكم … فحيونا نحييكم

стр. 2535

ولولا الذهب الأحمر … ما حلت بواديكم ولولا الحبة السمرا ء … لم تسمن عذاريكم وجاء أيضا في التقوي على الأعمال والتنشيط لها، فقد كان الأنصار يقولون عند حفر الخندق: نحن الذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما حيينا أبدا فيجيبهم النبي ﷺ بقوله: اللهم لا خير إلا خير الآخرة … فاغفر للأنصار والمهاجرة وقال في غزوة حنين وهو على بغلته يقدم بها في نحور العدو: أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب وكان بعض أصحابه ينشدون الشعر بحضرته ولم ينكر عليهم، ومنهم حسان ابن ثابت وعبد الله بن رواحة وغيرهم، ولما ذم الله تعالى الشعراء استثنى منهم المؤمنين فقال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]، أما قول الله تعالى عن نبينه محمد ﷺ : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ (٦٩)﴾ [يس: ٦٩]، فإن المراد به أنه لم يكن شاعرا حتى يقال إنه جاء بهذا القرآن من عنده، ولأن الشعر يقصد نظمه، وما جاء اتفاقا من غير قصد لا يدعى شعرا، ونبينا ﷺ لم يتعلم الشعر ولا عرف أوزانه، وما قاله جاء اتفاقا أو هو قول غيره فأما قوله ﷺ : «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا»، رواه أحمد والشيخان وبعض أصحاب السنن عن أبي هريرة، فإنه في غلبة الشعر على المرء بحيث يصير هجيراه وديدنه، فيصده عن قراءة القرآن وذكر الله، فكيف إذا كان الشعر ممنوعا لذاته؟، وقوله حتى يريه قال الجوهري: «ورى القيح جوفه يريه وريا أكله»، انتهى.

стр. 2536

وعرف في السنة الحُدَاء بضم الحاء وهو الإنشاد لدفع الإبل إلى الإسراع في السير، وقد كان له ﷺ حاد يقال له أنجشة فَتَعْنَقُ الإبل إذا حَدَا، فقال له: «رويدك يا أنجشة سوقك بالقوارير»، وهو في الصحيح عن أنس، وفيه أيضا أن الشاعر عامر بن الأكوع حدا بالقوم في سيرهم إلى غزوة تبوك بقوله: اللهم لولا أنت ما اهتدينا … ولا صمنا ولا صلينا فألقين سكينة علينا … وثَبِّتِ الأقدام إن لاقينا قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٣٨): «ويلتحق بالحداء هنا الحجيج المشتمل على التشوق إلى الحج بذكر الكعبة وغيرها من المشاهد، ونظيره ما يحرض أهل الجهاد على القتال، ومنه غناء المرأة لتسكين الولد في المهد»، انتهى. ومما جاء فيه أيضا قول أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «دخل عَلَيَّ النبي ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، وحَوَّلَ وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند النبي ﷺ »؟، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: «دعهما»، فلما غفل غمزتهما فخرجتا»، رواه الشيخان، لم ينكر النبي ﷺ تسمية الغناء مزمار الشيطان، وإنما أقرهما لأنهما جاريتان ليستا مكلفتين، مع أنه أعرض عنهما، وكان اليوم يوم عيد، والكلام فيما جرى يوم بعاث، وهو موضع حصلت فيه آخر الحروب بين الأوس والخزرج، فهذه أمثلة تدل على الجواز وهي كما ترى محدودة صادرة في الغالب عن أفراد غالبا، مربوطة بأغراض معينة، فمن فعلها فلا حرج عليه. وإنما تعتمد تلك القيود التي مرت بك؛ لما جاء مما يدل على المنع، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ (٦٤)﴾ [الإسراء: ٦٤]، وقد روى ابن جرير وغيره عن مجاهد قوله في تفسير الآية: «استنزل من استطعت منهم بالغناء والمزامير واللهو والباطل، ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، قال: «كل راكب وماش في معاصي الله، ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ كل مال أخذ بغير طاعة الله تعالى، وأنفق في غير حقه، والأولاد أولاد الزنا»، انتهى، قال القرطبي: «في الآية ما يدل على تحريم المزامير والغناء واللهو لقوله:

стр. 2537

﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾، على قول مجاهد، وما كان من صوت الشيطان وفعله وما يستحسنه فواجب التنزه عنه»، انتهى، وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ [لقمان: ٦]، وقد صح عن كل من ابن عباس وابن عمر وابن مسعود تفسير لهو الحديث في الآية بالغناء، وتفسير الصحابة للقرآن وإن اختلف في اعتباره مرفوعا فلا أقل من أن يقدم على تفسير غيرهم لكونهم كما قال ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان: «أعلم من غيرهم بمراد الله من كتابه فعليهم نزل، وهم أول من خوطب به من الأمة، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول ﷺ علما وعملا، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل»، انتهى، وقد جاء تفسير اللهو بالغناء في قول رسول الله ﷺ : «لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام، في مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، رواه أحمد والترمذي وهذا لفظه، قال ابن القيم بعد أن بين ضعف سنده: «إلا أن للحديث شواهد ومتابعات،،، ويكفي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث بأنه الغناء»، وقال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ [النجم: ٦١]، فسر بالإعراض وبالغفلة، وهما من مسببات الغناء، فإن السمود هو اللهو والغناء.

стр. 2538

• قوله: ١٢٣ - «ولا قراءة القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه مع إحضار الفهم لذلك». رحم الله ابن أبي زيد حيث جمع بين ذكر تحريم الغناء والملاهي، والمنع من قراءة القرآن باللحون المرجعة، ولا ريب أن من اشتغل بالغناء لم يشتغل بالقرآن، فإن الغناء يصد عن القرآن، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وكيف يجتمع في قلب واحد داعي الرحمن، وداعي الشيطان، ولهذا جمع الله الكلام عليهما في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ [لقمان: ٦ - ٧]، وقوله ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وقوله: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)﴾ [النجم: ٥٩ - ٦١]، أي فرحون بأنفسكم تتغنون بالأغاني لقلة الاكتراث بما تسمعون من القرآن. فقراءة القرآن باللحون المرجعة وكذلك سماعه من المحرمات، واللحون والألحان جمع لحن؛ هو الصوت المطرب، قال في القاموس: «اللحن من الأصوات المصوغة الموضوعة، جمعه ألحان ولحون، ولَحَّن في قراءته طرب فيها»، انتهى، والترجيع الترديد في الصوت، وتكرير الحرف في النطق لتحسينه، قال في لسان العرب: «رجع الرجل وترجع؛ ردد صوته في قراءة أو أذان أو غناء أو زمر أو غير ذلك مما يترنم به»، انتهى، والترجيع الوارد في قراءة النبي ﷺ يوم الفتح قال عنه ابن الأثير ﵀: «وقد حكى عبد الله بن مغفل ترجيعه بمد الصوت في القراءة نحو آء آء آء، وهذا إنما حصل منه والله أعلم يوم الفتح لأنه

стр. 2539

كان راكبا، فجعلت الناقة تحركه وتُنَزيه فحدث الترجيع في صوته»، انتهى. وقول المؤلف: «كترجيع الغناء»، كأن فيه إشارة إلى الفرق بين الترجيع الذي جاء عن النبي ﷺ في حديث عبد الله بن مغفل في صحيح البخاري، والذي أوله ابن الأثير بما رأيت، وترجيع الغناء المذموم، فالأول معناه قدر زائد على الترتيل، والثاني التمطيط والزيادة في الحرف وتكريره، قال ابن أبي جمرة: «معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة»، انتهى بالنقل عن فتح الباري. وقوله: «وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار»، أي ينزهه أن يتلى في حالة غير مرضية كالاضطراب والاهتزاز حال تلاوته كما يفعل بعض الذين يحفظون، ومن ذلك تلاوته على من لا يستمع إليه كما يجري عندنا في الجنائز، وإن كانت قراءة القرآن فيها مخالفة أخرى، وأخذ الأجرة عليها مخالفة ثالثة، والاجتماع في الجنائز مخالفة رابعة، وقراءة القرآن جماعة مخالفة خامسة، ومن ذلك أن تذاع تلاوة القرآن بمكبرات الصوت من المساجد فتزول بذلك هيبته من النفوس إذ لا يتمكن الناس في أسواقهم وخلال معاملاتهم من الاستماع إليه فيفوت الغرض من قراءته، وقد قال الله تعالى عنها: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ويحصل به التشويش على المصلين، والحال أن المصلي يناجي ربه. وقوله: «وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه»، هذا يستدعي ترك قراءة القرآن بالتطريب المختلف فيه لأن القارئ غير موقن بمشروعيته، وكذا قراءته على الأموات، لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ من فعله، وخير الهدي هديه، وحديث قراءة يس على الموتى مختلف في صحته، ودلالته لا تتعدى وقت الاحتضار لو قيل بثبوته، ومن اللازم أن لا يقرأ القرآن إلا طاهرا من الحدث الأكبر، ويفضل تحصيل الطهارة الصغرى، واستقبال القبلة، وجمع الذهن وتفريغ البال للتفهم والتدبر والاتعاظ. وقوله ﵀: «مع إحضار الفهم لذلك»، هذا هو المقصود من التلاوة وهو تدبر القارئ ما يقرأ وتمعنه فيه، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا

стр. 2540

فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ [الفرقان: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. وأثبت هنا بعض ما كتبته في مقدمة الطبعة الثالثة لرسالتي التي موضوعها القراءة جماعة لكون قراءة القرآن قد اعتني بها في هذه الأعوام عناية كبيرة فنحمد الله على ما هدى ووفق، لكن صحبها ما لا ينبغي السكوت عنه كما ستراه، فلعل فيما كتبته ما يجنب مريد الخير ما لا ينبغي له الوقوع فيه. إن قراءة القرآن من خير ما يتقرب به العبد إلى ربه، أمر الله بذلك نبيه في قوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال تعالى ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ [الكهف: ٢٧]، وأخبر عن أمر الله له في قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٩١]، وقال النبي ﷺ : «اقرؤوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول (آلم) حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر، فتلك ثلاثون»، رواه أبو جعفر النحاس في كتابه الوقف والابتداء، وهو في صحيح الجامع للألباني، وقال: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لصاحبه،،،»، الحديث، رواه أحمد ومسلم عن أبي أمامة، وقال: «إن لله تعالى أهلين من الناس: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته»، رواه أحمد والنسائي والبيهقي والحاكم عن أنس، خص حفظة القرآن العاملين به بنسبتهم لله تعالى كاختصاص الإنسان بأهله، فهم أولياؤه على الحقيقة، وقال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، رواه البخاري والترمذي عن عثمان ﵁، وروى الترمذي عن جبير بن نفير مرفوعا: «إنكم لا ترجعون إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه» يعني: القرآن، وهو مرسل. لكن هذا إنما ينطبق على من التزم الشرع والسنة في تلاوة القرآن، فإن الله تعالى أمر بترتيله في قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزَّمل: ٤]، وأخبر أنه أنزله مرتلا في قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾ [الفرقان: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وكذلك كان يقرؤه رسول الله ﷺ ، فعن أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أن

стр. 2541

النبي ﷺ كان يقطع قراءته آية، آية: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، رواه الترمذي والحاكم، وتقطيع القراءة عند أبي داود أيضا، وروى البخاري عن قتادة قال: «سألت أنسا عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: «كان يمد مدا، إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم»، انتهى. والمرغوب شرعا أن يحسن القارئ صوته في القراءة من غير تكلف كما قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، رواه البخاري عن أبي هريرة، وقد اختلف في المراد بالتغني، فقيل إنه على ظاهره، يحسن به صوته، قالوا لأن التطريب به أوقع في النفوس، وأدعى للاستماع والإصغاء، وهو كالحلاوة التي تجعل في الدواء لتنفيذه إلى أمكنة الداء، وكالأفاويه التي يطيب بها الطعام ليكون الطبع أدعى قبولا له، لكن شرطه أن لا يغير اللفظ، ولا يخل بالنظم، ولا يخفي حرفا، ولا يزيد حرفا، وإلا حرم إجماعا»، قاله في فيض القدير (٥/ ٣٨٧)، وبهذا تعلم تحريم طريقة قراءة القرآن التي تسمى في جهتنا بالشرقي متى كان ثقيلا كما يسميه أصحابه، فإن كان خفيفا فهو خلاف السنة لما فيه من ترك الوقف البتة مع المخالفات الأخرى. وقيل إن معنى حديث ليس منا من يتغن بالقرآن ليس منا من لم يحسن صوته به، كما سيأتي في الحديث، وقد تأوله على هذا المعنى عبد الله بن أبي مليكة، قال عبد الجبار بن الورد سمعت ابن أبي مليكة، قال عبد الله بن أبي يزيد مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته، فإذا رجل رث الهيئة، فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟، قال: «يحسنه ما استطاع»، قال القرطبي: «وإليه يرجع قول أبي موسى للنبي ﷺ : «إني لو علمت أنك تستمع لقراءتي لحسنت صوتي بالقرآن وزينته ورتلته»، وهذا يدل على أنه كان يهذ في قراءته مع حسن الصوت الذي جبل عليه، والتحبير التزيين والتحسين، فلو علم أن النبي ﷺ كان يسمعه لمد في قراءته ورتلها، كما كان يقرأ على النبي ﷺ ، فيكون ذلك زيادة في حسن صوته بالقراءة، ومعاذ الله أن يتأول على رسول الله ﷺ أنه يقول: إن القرآن يزين بالأصوات أو بغيرها، فمن تأول هذا فقد واقع أمرا عظيما أن يحوج القرآن إلى

стр. 2542

ما يزينه، وهو النور والضياء والزين الأعلى لمن ألبس بهجته واستنار بضيائه»، انتهى. ومما فيل في معنى يتغنى به أنه يستغني به من الاستغناء الذي هو ضد الافتقار، قال في النهاية: «أي لم يستغن به عن غيره، يقال تغنيت وتغانيت واستغنيت، كما قيل: كلانا عني عن أخيه بنفسه … ونحن إذا متنا أشد تغانيا وقيل المراد أن من لم يجهر بالقرآن فليس منا، وقد جاء مفسرا في حديث: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن يجهر به»، قيل إن قوله: يجهر به تفسير لقوله يتغنى به، وقال الشافعي: معناه تحسين القراءة وترقيقها، ويشهد له الحديث الآخر: «زينوا القرآن بأصواتكم»، وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب غناء. قلت: قد ذكر صاحب الصحاح أن تغنى الرجل يكون بمعنى استغنى. وقيل معناه يستغني به عما سواه من الأحاديث، وهو الذي مال إليه البخاري إذ ترجم على الحديث المتقدم بقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١]، وقال النبي ﷺ : «زينوا القرآن بأصواتكم»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي عن البراء، ورواه أبو داود بلفظ: «زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا»، وقد علمت ما قاله القرطبي ﵀ من استنكار ظاهره، وهو ما ذهب إليه الخطابي في معالم السنن وذكر من أهل العلم من كان ينهى عن التحديث به باللفظ المتقدم، ورواه بسنده بلفظ: «زينوا أصواتكم بالقرآن»، ومعناه أشغلوا أصواتكم بالقرآن والهجوا بقراءته، واتخذوه شعارا وزينة»، انتهى، لكن قيل إن المراد زينوا القراءة، وأحسب أنه جاء مرفوعا بهذا اللفظ، ويدل عليه قوله تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨]. ومهما يكن فكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ينبغي أن يضم بعضه إلى بعض، وأن يؤخذ الحكم من مجموعه لا أن يضرب بعضه ببعض، فإنه لا اختلاف فيه، ومن ثم فلا يسوغ بحال أن يستدل بهذه الأحاديث على ما أحدث في هذا الزمان من التكلف في الأداء، والغلو في إخراج الحروف حتى بلغ الأمر أن المرء وهو يقرأ القرآن يتشوه خلقه، وتعوج شفته، وقد يضع يديه قريبا من أذنيه يتقوى بذلك على مد الصوت والتنغيم والترجيع، كما

стр. 2543

لا يصح أن يبنى على القول بجواز التطريب الذي قال به بعض أهل العلم هذا الذي ذهب إليه فريق من الناس في هذا العصر، حيث أصبحنا نسمع بالمقامات التي ينبغي أن يتعلمها قارئ القرآن، ثم سميت هذه المقامات بأسماء يعرفها محدثوها، وأصبح القارئون يمتحنون فيها، وتجرى المسابقات على أساسها، بل غدونا نسمع من يترنم لتكون القراءة على وقع ترنمه، ويذكرون وهم يجرون في حلبة التكلف هذه دليلا على مشروعية ما يذهبون إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾ [سبأ: ١٠]، وقد رأيت القوم لا يقرؤون الآية من أولها، بل يقتصرون على موضع الدليل منها كما يطنون، وقد أنصت إلى أحدهم يرددها أزيد من عشر مرات يقرؤها كل مرة بطبقة من صوته، والمستمعون إليه يتعجبون من ذلك، بل ويضحك بعضهم، ولا يخفى عنك أن تأويب الجبال مع داود ﵇ هو فضل خصه الله به، وقد اختلف العلماء في تحديده كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)﴾ [ص: ١٨ - ١٩]، قال القرطبي ﵀: «وكان داود ﵇ ذا صوت حسن ووجه حسن، وحسن الصوت هبة من الله تعالى وتفضل منه، وهو المراد بقوله ﵎: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ (١)﴾ [فاطر: ١]، انتهى. قلت: يدخل ذلك في الآية، لكنه ليس خاصا به لأنه وارد في سياق ما خلق الله عليه الملائكة، قال الزمخشري: «والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجرأة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأت في مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به وصف»، انتهى. ومما ذكروه قول النبي ﷺ عن أبي موسى: «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود»، وكلمة مزمار مذمومة في أصلها شرعا، فلا يصح الترويج لها بهذا الحجم اعتمادا على وصف نبينا محمد ﷺ لصوت صاحبه، ولهذا لا يستقيم أن يطلق على من يحسنون أصواتهم مزامير القرآن، فإن هذا لا داعي له غير الترويج وجلب الأنظار واستهواء الناس بهذه الأمور الغريبة، فكيف إذا صحب ذلك أن يقرأ القرآن في جلسات يلتقي فيها الرجال

стр. 2544

بالنساء ويتم التصفيق بعد انتهاء المتكلم من كلمته، والقارئ من قراءته، مع أن النبي ﷺ قد أمر أن يُبَادَرَ بالأعمال خصالا ستًّا، فذكر منها: ونشوا يتخذون القرآن مزاميرًا، يقدِّمون الرَّجُلَ ليسَ بأفقههم، ولا أعلَمهم، ما يقدِّمونه إلا ليُغَنِّيَهُم» رواه أحمد عن عابس الغفاري، وقد قيل لمالك بن أنس ليس في موطئك غريب، فقال: «سررتني»، وقال: «من الغريب نفر»، إن جلب الناس للحق ينبغي أن يكون بالحق، ومن الشعارات التي ترفعها بعض القنوات الفضائية التي تبذل جهدا مشكورا في الحض على حفظ القرآن الكريم بإجراء المسابقات، واكتشاف الكفاءات: «اطرب تؤجر»، وهذا موهم أن مجرد الطرب يؤجر عليه المرء، وخير لهم ولمن يستمع إليهم أن يقولوا «تدبر تؤجر»، أو «رتل تؤجر»، ومما يقولونه «اجمع تسد»، أي اجمع القراءات تسد الناس، ولا يصح أن نربط في أذهان الناس بين طلب العلم وابتغاء السيادة به، بل ينبغي أن نجتهد في دعوتهم إلى أن يطلبوا العلم ابتغاء مرضاة الله، فإن هم طلبوه لغيره فما الحيلة؟، على أنه كثيرا ما يرد طالبه إلى الله، وقد قال رسول الله ﷺ : «من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار»، رواه الترمذي عن كعب بن مالك، وجاء نحوه عن عبد الله بن عمر عند البيهقي، وقال النبي ﷺ : «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عوضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة»، روا هـ أحمد وأبو داود وغيرهما، فكيف ندفعهم إلى هذا الأمر المذموم وطباع الناس تتقاضاه وقل أن يخلو منه امرؤ، وقال الشوكاني ﵀: وطالب الدنيا بعلم الدين أي بائس … كمن غدا لنعله يمسح بالقلانس لما رأيت منظري قناة الفجر قد اجترؤوا على كتاب الله هذه الجرأة التي انبهر الناس بها لما فيها من الشبهات والشهوات توقعت أن لا يقفوا عند حد لأن من اجترأ على أن يحدث في تلاوة كتاب الله هذا الحدث فلا يبعد أن يحدث غيره وقد كان الذي توقعته، إذ سايرت هذه القناة موجة الدعوة إلى الخروج على الحكام فانتهى أمرها وفرغ الناس منها، ولله عاقبة الأمور. ومن ضاق ذرعا بهذا الذي التبس فيه واختلط الحق بشائبة من الباطل فلا ضير عليه

стр. 2545

إن شاء الله، وقد ضاق به من أئمة المسلمين أمثال مالك وغيره، وقال القرطبي ﵀ بعد أن حكى خلاف أهل العلم في مشروعية التطريب: «وهذا الخلاف إنما هو ما لم يفهم معنى القرآن بترديد الأصوات وكثرة الترجيعات، فإذا زاد الأمر على ذلك حتى لا يفهم معناه فذلك حرام باتفاق كما يفعل القراء بالديار المصرية الذين يقرءون أمام الملوك والجنائز، ويأخذون على ذلك الأجور والجوائز، ضل سعيهم، وخاب عملهم، فيستحلون بذلك تغيير كتاب الله، ويهونون على أنفسهم الاجتراء على الله، بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه، جهلا بدينهم ومروقا عن سنة نبيهم، ورفضا لسير الصالحين فيه من سلفهم، ونزوعا إلى ما يزين لهم الشيطان من أعمالهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فَهُمْ في غيهم يترددون، وبكتاب الله يتلاعبون، فإنا له وإنا إليه راجعون، لكن قد أخبر الصادق أن ذلك يكون، فكان كما أخبر ﷺ »، انتهى. ومن الأخبار التي جاءت في هذا المعنى قول النبي ﷺ : «اقرؤوا القرآن وابتغوا به الله تعالى، من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه»، رواه أحمد وأبو داود، والقدح بكسر القاف هو السهم، وهو كناية عن العناية الشديدة بألفاظه وأدائه، وهذا أمر محمود إذا كان من غير تكلف، وأريد به وجه الله، أما الجمع بين المبالغة في العناية بألفاظه وبين ابتغاء مصلحة الدنيا فهذا أوغل في الذم، قال المناوي: «فمن أراد به الدنيا فهو متعجل، وإن ترسل في قراءته، ومن أراد به الآخرة فهو متأجل وإن أسرع في قراءته بعد إعطاء الحروف حقها»، انتهى، وقال النبي ﷺ : «اقرؤوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به»، رواه أحمد والطبراني عن عبد الرحمن بن شبل، قال في النهاية: «أي تعاهدوه، ولا تبتعدوا عن تلاوته»، انتهى، والغلو التشدد ومجاوزة الحد، والنهي عن الغلو فيه يشمل التقعر في أداء ألفاظه كما نراه اليوم، وكذا تحميل لفظه ما لا يحتمله من المعاني ولو كانت صحيحة في نفسها، وجاء في هذا المعنى قول رسول الله ﷺ : «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمرو، والباقرة هي البقرة، ومعناه كما قال في النهاية: «هو الذي يتشدق بالكلام ويفخم به لسانه، ويلفه كما تلف البقرة الكلأ

стр. 2546

بلسانها لفا»، انتهى، ومن الغلو فيه ختمه في غير المدة التي شرعها رسول الله ﷺ كما جاء في حديث ابن عمرو من قول النبي ﷺ : «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث»، رواه أبو داود والترمذي والبيهقي، وقد روى عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه السنة (النص: ٨٨) عن أبيه عن ابن عباس قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: «يا أمير المؤمنين قد قرأ منهم القرآن كذا وكذا»، قال ابن عباس، فقلت: «والله ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا هذه المسارعة»، قال: فزبرني عمر، ثم قال: مه، فانطلقت إلى منزلي كئيبا حزينا، فبينا أنا كذلك إذ أتاني رجل فقال: أجب أمير المؤمنين، فخرجت فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذ بيدي فخلا بي، فقال: «ما الذي كرهتَ مما قال الرجل آنفا»؟، فقلت: «يا أمير المؤمنين متى تسارعوا هذه المسارعة يحتقوا، ومتى ما يحتقوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا»، قال: «لله أبوك، إن كنتُ لأكاتمها الناس حتى جئت بها»، انتهى، ومعنى الاحتقاق ادعاء كل منهم أن الحق معه، وقد لا يكون هذا الذي خشيه ابن عباس ومثله عمر ﵃ من المسارعة في حفظ القرآن الكريم متوقعا اليوم، لكن العبرة منه بينة لمن وفقه الله، وهي أن كثيرا من الأمور الظاهرة الصلاح لا تكون كذلك في حقيقة الحال، فكيف إذا صحبتها المخالفات المغمورة بالمظاهر التي تغطي عليها؟، وقد كان الواحد من الصحابة كابن عمر يعكف على حفظ سورة البقرة سنين، وعن عمران بن حصين قال، قال رسول الله ﷺ : «اقرؤوا القرآن وسلوا الله به، قبل أن يأتي قوم يقرؤون القرآن فيسألون به الناس»، رواه أحمد والطبراني. وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية،،،»، الحديث، وفي الصحيح أيضا عن علي ﵁ قال، سمعت النبي ﷺ يقول: «يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم،،، الحديث، فانظر كيف جمع النبي ﷺ في وصفه لهؤلاء بين سفه العقل، وهو طيشه وخفته، وبين إحكام صورة

стр. 2547

الطاعة وإتقانها، والإتقان مطلوب على كل حال، لكنه ليس دليلا كما نرى على استقامة الحال، وإذا كان الخروج من الدين والمروق منه متوقعا بل واقعا كما أخبر الصادق مع ذلك الحرص؛ فكيف بما دونه من سوء الخلق وظلم العباد، ونشر الفساد تحت ستار خادع تعمد الفاعل ذلك أو جهله، فالتزام الطاعات عموما والعبادات خصوصا في الصورة لا يغني وحده إذا لم يترتب عليه أثره، وإن كنا ندعو إليه، ونحرص عليه، وهذا إذا كانت الصورة صحيحة لقوله ﷺ : «يحقر أحدكم،،، الخ، والمخاطبون خير من عرف صورة العبادة وجمع إليها مقصد الشارع منها، وهو لبها وروحها، فكيف إذا كانت الصورة فيها ما رأيت؟، ولهذا فلا تعجب إذا سمعت قول النبي ﷺ : «أكثر منافقي أمتي قراؤها»، رواه أحمد وغيره عن ابن عمرو، وقد روى أحمد والبزار وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله إن فلانة تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها»، قال: «هي في النار»، قال: «يا رسول الله فإن فلانة يُذكر من قلة صيامها وصلاتها وأنها تتصدق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها»، قال: «هي في الجنة»، وهو في صحيح الترغيب للألباني ﵀، والأثوار هي قطع الأقط جمع ثور، والأقط بفتح الهمزة وكسر القاف هو اللبن المجفف، ولا ريب أن هذا في الصلاة والصيام والصدقة المتطوع بها، لا في المفروض منها، والمكثر من النوافل غالبا يحافظ على الفرائض، ومع ذلك ما أغنت عنه الكثرة في النجاة من العذاب. وروى مالك عن يحي بن سعيد أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان: «إنك في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه، تُحفظ فيه حدود القرآن وتُضَيَّعُ حروفه، قليل من يسأل كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويقصرون الخطبة، يبدون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تُحفظ فيه حروف القرآن وتُضَيَّعُ حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم»، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٣٦٣): «قد روي عن ابن مسعود من وجوه متصلة حسان متواترة»، انتهى، وفيه كما ترى أن كثرة قارئي القرآن دليل على تغير الزمان، لكن لا ينبغي أن ندعو إلى خلاف ذلك، لأن هناك فرقا بين كون الشيء علامة على التغير

стр. 2548

وبين حكمه، ولكن الذي ينبغي الدعوة إليه هو الاهتمام بتدبر القرآن وإقامة معانيه وأحكامه، وفيه دليل على أن العناية ينبغي أن تنصرف أكثر إلى التفقه فيه، أما ما أخذه ابن عبد البر ﵀ من هذا الأثر وهو أن تضييع حروف القرآن ليس به بأس، فلا أحسبه مرادا لابن مسعود إن كان الأثر قد نقل بلفظه، بل المقصود أن عنايتهم كانت مصروفة إلى التفقه والعمل بالقرآن أكثر من صرفها إلى مجرد الحفظ كما عليه الأمر في هذا الزمان، قال ابن عبد البر: «قال مالك: قد يقرا القرآن من لا خير فيه، والعيان على صحة هذا الحديث كالبرهان»، انتهى. وقال ابن حبيب: «كره مالك النبر والتحقيق في القراءة وغيرها، وقال: «ليس ذلك من شأن الفقهاء والفصحاء»، وفي المدونة (١/ ١٩٤): سئل مالك عن الألحان، فقال: لا يعجبني، وأعظم القول فيه، وقال: إنما هو غناء يتغنون به، ليأخذوا عليه الدراهم»، انتهى، وفي المدونة أيضا (١/ ١٩٤): «سئل مالك عن القراءة في رمضان يقرأ كل رجل من موضع سوى موضع صاحبه فأنكر ذلك وقال: «لا يعجبني، لم يكن ذلك من عمل الناس، وإنما اتبع فيه هؤلاء ما خف عليهم ليوافق ذلك ألحان ما يريدون، وأصواتهم»، انتهى، وقد تطور هذا الأمر فأصبحت لا تكاد ترى من يقرأ سورة بتمامها في الصلاة، بل الغالب أن يقرأ سياقا لا يراعي فيه من أين يبدأ ولا إلى أين ينتهي، وأئمة الهدى يبصرهم الله تعالى ويهديهم إلى إنكار المخالفات ولما تزل في بداياتها بحيث لا يتفطن لها إلا أولو الأبصار، وما أقلهم في هذه الأعصار، وكثيرة هي الكبائر التي ابتدأت خفيفة يسيرة مقاربة للحق، ثم انتهت إلى ما انتهت إليه، لكن أهل العلم والإيمان يتفطنون لها في بداية ظهورها بما أعطاهم الله من الفراسة، فانظر كيف بدأ التشيع، وإلى أين انتهى، وانظر إلى التواجد والرقص عند المتصوفة فقد ابتدأ بالتغبير، وقد قال الشافعي عن فاعليه إنهم زنادقة يصرفون الناس عن الاستماع للقرآن، وما رأينا من أهل الأهواء من يدعو إلى الباطل المحض، واذكر قول النبيد لعثمان بن مظعون وقد فعل ما ظن أنه سنة: «أرغبت عن سنتي»؟، فقال: لا، والله يا رسول الله، ولكن سنتك أطلب». ما زلت أعتقد أن مذهب مالك في القراءة الجماعية هو الحق، لكونها ليست من

стр. 2549

عمل السلف، وما زلت أقول بأن أئمة الهدى قد تبدو مواقفهم للمتعجلين فيها شيء من التشدد لكن بمرور الزمن نقف على ما وهبهم الله من النصح لدينه وما أكرمهم به من الفراسة التي تجاوزوا بها اللحظة التي كانوا فيها إلى ما يمكن أن تؤول إليه تلك الأمور التي تبتدئ سهلة مقاربة ثم تنتهي بعيدة عن الحق كبيرة، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2550

• قوله: ١٢٤ - «ومن الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من بسطت يده في الأرض وعلى كل من تصل يده إلى ذلك فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه». هذا من أفرض الفرائض في هذا الدين، ومن خصائص هذه الأمة المرحومة، وبدونه لا يستقيم لها حال، وهو يعم كل أفراد الأمة على الصحيح، كل بحسبه، وهو غير تغيير المنكر الذي سيأتي الكلام عليه، فإن هذا لم تشترط فيه الاستطاعة، لأن جميع المسلمين يستطيعونه كل بحسب ما يعلم من الدين، وجهل المعلوم من الدين بالضرورة ليس عذرا، فما علمه المسلم من دينه وجب أن يدعو إليه غيره، إن كان فعلا أمره به، وإن كان تركا نهاه عنه، ولم يستثن الله تعالى من جنس الإنسان الذي هو في خسر إلا المؤمنين العاملين للصالحات المتواصين بالحق المتواصين بالصبر، وقال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]، ومن فيه لبيان الجنس كقول الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ (٣٠)﴾، وتأمل كيف ابتدأ بالدعوة إلى الخير وهو أعم مما بعده، أما التفرغ للدعوة بما هو أوسع من هذا فهو فرض كفاية يقوم به المؤهلون، وعلى غيرهم إعانتهم وقد ذكر المؤلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في خصوص من بسطت يده، وهو الحاكم ومن دونه من ولاته ونوابه، فهؤلاء يأمرون بالقول ويهددون، وإلا ألزموا المخالف وعاقبوه العقاب المشروع، ولا ينتقل من منزلة إلى التي تليها إلا بعد عدم جدواها، وقوله: «وعلى كل من تصل يده إلى ذلك»، يريد كالأب مع أولاده، والزوج مع زوجته، والسيد مع مملوكه، وقوله: «فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه»، هذا يشمل

стр. 2551

عموم الناس لكن بحسب الاستطاعة، فإن المسلم إذا لم يقدر على تغيير المنكر بالفعل كما هو الحال اليوم غالبا، فليكتف بالقول، فإن عجز عن القول فبقلبه، كأن يحدث نفسه بأنه لو كان قادرا على ذلك لفعل، ويكره الفعل والفاعل، وقد أشار المؤلف بقوله هذا إلى قول رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي سعيد الخدري ﷺ ، ومن لم ينكر بقلبه ورضي بما يعلم أنه منكر؛ فهو كافر لقوله ﷺ : «وذلك أضعف الإيمان»، قال في الاختيارات الفقهية: «والمرتد من أشرك بالله تعالى، أو كان مبغضا للرسول ﷺ ، أو ترك إنكار المنكر بقلبه … »، انتهى. ويشترط في الإنكار العلم بأنه منكر، وأن لا يؤدي تغييره إلى منكر أعظم منه، وهذان الشرطان لا بد منهما، وإلا كان التغيير محرما، والثالث أن يظن أن إنكاره مزيل له أو مخفف منه، أو مؤد إلى تحصيله، فإذا لم يتوفر هذا الشرط سقط الإيجاب، ويبقى ما دونه كما قال ابن شاس ﵀ في الجواهر، ولا يشترط ائتمار الآمر بما يأمر ولا انتهاؤه عما عنه ينهى، فإن العدالة إنما تشترط في نقل الأخبار والشهادات، ولأن المؤمن وإن عصى بترك المأمور أو بفعل المحظور فهو على إقراره بأن ما يصنعه معصية، إذ المستحل مرتد، وعن سعيد بن جبير قال: «لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر، قال مالك وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء»؟، انتهى، وهو في تفسير القرطبي. وقد بين الله ما استحق به بنو إسرائيل اللعن بقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]، لكن ائتمار الآمر وانتهاءه شرط كمال، ويشتد الأمر بالنسبة لمن انتصبوا للدعوة إلى الله تعالى، قال الله تعالى حكاية عن نبيه شعيب ﷺ : ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]، وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا

стр. 2552

تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣]، وقال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤]، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر الذي هو جماع الخير، بل لعدم فعلهم ما يأمرون به، ولأن المرء قد لا يفعل شيئا لعدم توجه الخطاب إليه ومع ذلك يأمر به، وقد يفعل الشيء لعذر قام به، أو رخصة شرعت له، ومع ذلك ينهى عنه، وروى الشيخان عن أسامة بن زيد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان مالك؟، ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟، فيقول: «كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه»، تندلق تخرج بسرعة، والأقتاب جمع قتب بكسر القاف هي الأمعاء، وقد قال أبو الأسود الدؤلي: يا أيها الرجل المعلم غيره … هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى … كيما يصح به وأنت سقيم وأراك تلقح بالرشاد عقولنا … جهلا وأنت من الرشاد عديم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يسمع إذ تقول ويقتدى … بالقول منك وينفع التعليم لا تنه عن خُلُق وتأني مثله … عار عليك إذا فعلتَ عظيم

стр. 2553

• قوله: ١٢٥ - «وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من البر وجه الله الكريم ومن أراد بذلك غير الله لم يقبل عمله والرياء الشرك الأصغر». الإخلاص من خلص الشيء يخلص خلوصا وخلاصا إذا كان قد نشب ثم نجا وسلم، وخلصه وأخلصه وأخلص لله دينه أمحضه، انتهى كذا في اللسان، فالإخلاص يدل على صفاء الشيء وعدم اختلاط غيره به، وهذا موجود في الإخلاص بمعنى التوحيد، لأنه يقتضي أن لا يشرك بالله غيره في إلهيته أو في ربوبيته، وهو في الإخلاص في العمل بحيث يريد الفاعل به وجه الله وحده، والإخلاص بمعنييه مناط اعتبار الأعمال وقبولها، وانتفاع أصحابها بها إذا أفضوا إلى ما قدموا، فإن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامنا ولا إلى صورنا لكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، قد يظهر من أعمال المرء الكثير الذي يملأ السجلات، ثم يكون خالي الوفاض إذا قَدِمَ على ربه يوم تبلى السرائر وتفضح الضمائر، قليل العمل مع الإخلاص يكفي، وكثيره مع انتفائه لا يغني، العمل المقبول هو ما حاز شرطين أن يكون صوابا وأن يكون خالصا، فإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، والصواب ما وافق السنة، والخالص ما ابتغي به وجه الله تعالى، وموافقة السنة تكون بالتعلم، لكن الإخلاص لا يكفي فيه التعلم، لا بد فيه من المجاهدة الدائمة للنفس، والمقاومة الطويلة للميول والرغبات في حب الظهور، وتطلب المحامد، وسماع الثناء، وذيوع الصيت، ومما أثر من دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قوله: «اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا»، انتهى، والعلم بالله تعالى وبأسمائه وصفاته ويقينُ المرء بأنه يعلم سره ونجواه وأن المظاهر لا تنفعه لأنه واقف بين يديه معروضة أعماله عليه، كل هذا مما يقود إلى الإخلاص، فلا ينخدعن أحد بأن عمله قد استوفى كافة أركانه وشروطه متى لم يحقق فيه الإخلاص لربه،

стр. 2554

فإن القبول يراد به أحيانا صحة العمل في الظاهر، ولا يلزم منه أن صاحبه يؤجر عليه، ويراد به عدم الأجر عليه وإن كان مجزئا عند أهل الفقه، فنفي القبول في مثل قول النبي ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»، وقوله: «لا يقبل الله صلاة من غير طهور ولا صدقة من غلول»، وكذا ما جاء في شارب الخمر من أنه لا تقبل له صلاة أربعين صباحا،،، الحديث»، رواه أحمد والنسائي عن عبد الله بن عمرو، المراد منه ما ينبغي أن يتوفر في العمل في الظاهر مما يعرفه الناس، وما كل من صلى وقد ستر ما يلزم ستره، وصلى متطهرا، واستكمل ما ينبغي في صورة الصلاة بمأجور عليها، ولا كل من تصدق من ماله الحلال بمقبول عمله بحيث يؤجر عليه، واعتبر بقول النبي ﷺ الذي فيه أنه يؤتى بالمجاهد وقارئ القرآن وغيرهما فيدخلون النار لأنهم فعلوا ما فعلوا ليقال ذلك وقد قيل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البيِّنة: ٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ [الزُّمَر: ١١]، وقال النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى … »، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن عمر ﵁. قال أبو الحسن في شرحه: «فدخل في وجه الله الكريم مرتبتان: الكاملة، بأن لا يقصد جنة ولا نارا، والناقصة بالنسبة لها، بأن يقصد دخول الجنة، والبعد عن دخول النار»، انتهى، وبيس هذا بصحيح، فإن الأمرين غير متنافيين، وحول الجنة يدندن كل الناس حتى الأنبياء والمرسلون، والمؤمن عليه أن يوطن نفسه على طاعة الله، وأن يعتقد أن في ذلك مصلحته، علمها أو جهلها، وأن يتشوف إلى دخول الجنة بفضل الله، وأن يخاف دخول النار، فما قاله غير لازم وقد لا يمكن، وإن قالت رابعة العدوية رحمها الله فيما نسب لها: كلهم يعبدون من خوف نار … ويرون النجاة حظا جزيلا أو لأن يسكنوا الجنان فيحظوا … بقصور ويشربوا سلسبيلا ليس لي في الجنان والنار حظ … أنا لا أبتغي سواك بديلا ويقابل الإخلاص الرياء بالعمل والتسميع به، وهو أن يعمل ليراه الناس، أو

стр. 2555

ليسمعوا به، وقد قال رسول الله ﷺ : «من سَمَّعَ؛ سَمَّعَ الله به، ومن راءى؛ راءى الله به»، رواه أحمد ومسلم عن ابن عباس، ورواه أحمد والبخاري عن جندب بزيادة: «ومن شاق شق الله عليه يوم القيامة»، قال في النهاية ما معناه: سَمَّعَ فلان بعمله إذا أظهره ليسمع، وسمع الله به أراه ثوابه من غير أن يعطيه، أو أسمعه الناس، فكان ذلك ثوابه، انتهى، وهذا إن كان قد عمله، وإلا أظهر الله كذبه، وقس على ذلك الجملة الثانية. وقوله: «والرياء الشرك الأصغر»، قالوا إذا كان العمل كله للناس فهو الرياء الخالص، وإن اجتمع فيه قصد التقرب لله مع مراعاة الناس فهو دونه، وقد دل على ذلك قول النبي ﷺ : «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: «وما الشرك الأصغر»؟، قال: «الرياء، يقول الله إذا جزى الناس بأعمالهم: إذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء»؟، رواه أحمد عن محمود بن لبيد ﵁، وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»، وروى ابن ماجة عن أبي سعيد ﵁ قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال»؟، قال: قلنا: «بلى»، فقال: «الشرك الخفي: أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل».

стр. 2556

• قوله: ١٢٦ - «والتوبة فريضة من كل ذنب من غير إصرار والإصرار المقام على الذنب واعتقاد العود إليه». التوبة في اللغة الرجوع، وفي الشرع الرجوع عن أمر مذموم إلى أمر محمود شرعا، والمرجوع عنه ثلاثة أقسام: كفر، والتوبة منه إلى الإيمان، ومعصية، والتوبة منها إلى الطاعة، وبدعة، والتوبة منها إلى السنة، والتوبة واجبة من كل ذنب كبيرا كان أو صغيرا، وهذا لا يتنافى مع كون صغائر الذنوب تغفر باجتناب كبائرها، بشرط أن لا يصر على الصغائر، فإنها تصير بذلك كبائر، وتكون التوبة من الذنب المعلوم تفصيلا، ومن المجهول إجمالا، ولا تصح إلا بالندم على ما بدر من المرء من المخالفة، بشرط الإقلاع، والعزم على عدم العود إليه، وفي الحديث: «الندم توبة»، وفي الحديث: «التوبة من الذنب: الندم والاستغفار»، أما قوله من غير إصرار، فلأن الإصرار وهو الاستمرار على المعصية ينافى التوبة منها، وهكذا إضمار العود إليها لا تتحقق معه ماهيتها، وقد جاء في المرفوع من حديث عبد الله بن عمرو: «وويل للمصرِّين الذين يُصرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون» وهو في مسند أحمد، والأدب المفرد. والمقام على الذنب هو بضم الميم الإقامة عليه والاستمرار، قال سهل بن عبد الله: «الجاهل ميت، والناسي نائم، والعاصي سكران، والمصر هالك، والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقول: أتوب غدا، وهذا دعوى النفس، كيف يتوب غدا، وغدا لا يملكه»؟، انتهى، وقال صاحب المرشد المعين: وتوبة من كل ذنب يجترم … تجب فورا مطلقا وهي الندم بشرط الإقلاع ونفي الإصرار … في ظاهر وباطن ذا استغفار وقد تكرم الله تعالى بقبول التوبة ولو تكرر الذنب، فإنه سبحانه هو التواب الرحيم، وهو يحب التوابين، ووصف سبحانه من لم يتب بالظالم، وعلق الفلاح سبحانه على

стр. 2557

التوبة، وهي تقبل من العبد ما لم يغرغر، روى ذلك الترمذي عن عبد الله بن عمر، وهو في سنن ابن ماجة عن ابن عمرو، وقد نبه ابن كثير في تفسيره على أنه وهم. وقوله: «ما لم يغرغر»، أي ما لم تبلغ روحه حلقومه بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض، وهو أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى أصل الحلق ولا يبلع، قال نحوه في النهاية، وقال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ومن تلك الآيات طلوع الشمس من مغربها كما هو عند الشيخين وأبي داود وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾، قال ابن كثير: «إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لم يقبل منه، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك فإن كان مصلحا في عمله فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحا فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته، كما دلت عليه الأحاديث، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، أي لا يقبل منها كسب عمل صالح، إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك»، انتهى، وقال الشيخ علي العدوي في حاشيته على شرح أبي الحسن: «وتقبل توبة المؤمن ولو بعد الغرغرة، ولو بعد طلوع الشمس من مغربها، بخلاف الكافر فيهما إلا أن يكون معذورا لصباه، أو جنونه فيقبل منه إسلامه على ما ارتضاه علي الأجهوري»، انتهى، وقد أثبته النفراوي في شرحه أيضا وهو مردود بالأحاديث الواردة في قبولها بما قبل الغرغرة، وظاهر الآية المتقدمة، ونص عليه قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٨]، وإنما لم تقبل حينئذ لأن الكافر يستيقن فيكون كالمكره على الإيمان، إذ لا اختيار له، وكذلك العاصي، فلا يعتد بأعمال هؤلاء، لأن زمان التكليف انقضى، وشرط صحة العمل الاختيار، أما القول بصحة من أكره على الإيمان إذا أذعن فيما بعد لقول النبي ﷺ : «عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل»، رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة، فلأنه ممن يستقبلون الحياة فيكون لهم الاختيار بعد، وربما استثنيت بعض الذنوب من هذا الأصل، أعني قبول التوبة، كقاتل المؤمن متعمدا، وقد

стр. 2558

تقدم في جزء العقيدة، وشارب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن تاب؛ تاب الله عليه، وقال في الرابعة: «فإن عاد كان على الله حقا أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة: عصارة أهل النار»، جاء ذلك في حديث ابن عمرو عند أحمد وغيره، وقال الشيخ البنا في الفتح الرباني: «هذه مبالغة في الزجر والوعيد الشديد، وإلا فقد ورد: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة»، رواه أبو داود والترمذي عن أبي بكر الصديق، انتهى. قلت: الحديث استغربه الترمذي، وفيه أبو نصيرة مولى أبي بكر، وهو ضعيف، ولو صلح للاحتجاج لكان عاما فيبنى العام على الخاص، ولا يجوز أبدا أن يستحضر المرء وهو منهمك في المعاصي هذا الحديث لو صح لأن المراد منه أن من حصل ذلك منه فباب التوبة مفتوح أمامه، وما أعظم الفرق بين الأمرين، وقد روى الترمذي عن معاوية مرفوعا: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه»، والحكمة في ذلك والله أعلم أن حد الجلد لم يعد نافعا له في تكفير الذنب، لكن جمهور أهل العلم على أن هذا الحديث منسوخ لأن النبي ﷺ أُتِيَ بمن شرب الخمر في الرابعة فلم يقتله. واعلم أيها المؤمن أن جعل الغرغرة حَدًّا لقبول التوبة لا يعني أنها مثل توبة من يتوب وهو صحيح شحيح، ولذلك أخبر الله تعالى أنه يتوب على من يتوب من قريب، أي قرب حصول التوبة من وقوع الذنب، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٧]، أما إن عاود الذنب واستمر عليه وأصر فإن نفسه تتسخ وتتدسى فيصعب أن تتطهر، ولهذا سكت عنه، أما من تأخرت توبته إلى حضور موته فقد دل كتاب الله تعالى على عدم قبولها، وجاء في حديث النبي ﷺ ما علمته، فينبغي وضع كل شيء في موضعه، بحيث يوسع ما وسعه الله ورسوله، ويضيق ما ضيقاه، ولا يذكر مثل حديث الغرغرة إلا ليبين به سعة فضل الله، ويستعمل في ميدان الدعوة إلى المبادرة بالتوبة، لأن المرء لا يدري متى يأتيه الموت، ولكل مقام مقال.

стр. 2559

• قوله: ١٢٧ - «ومن التوبة رد المظالم واجتناب المحارم والنية أن لا يعود». المظالم جمع مظلمة، يريد أن على التائب أن يرد إلى الناس ما أخذه منهم ظلما إن كان مالا، فإن مات المظلوم رده إلى وارثه، فإن لم يجد وارثه أو جهل المظلوم تصدق به عليه، وكذلك إذا كان المال المأخوذ من المال العام فإنه يتصدق به، إذ لا يتأتى رده، بخلاف مال نحو الجمعية والجماعة الخاصة، وإن كانت أعراضا كأن اغتاب أحدا أو قذفه أو شتمه أو كذب عليه أو فوت عليه حقه بشهادة زور استحله، فإن خشي من ذلك فتنة وضررا عظيما، أو لم يجده أو مات استغفر له، ولجأ إلى الله أن يرضيه حتى يسامحه، أما اجتناب المحارم أي المحرمات فقد تقدم أن من شرط التوبة الإقلاع عن الذنب المتوب منه، أما غيره من الذنوب فليس الإقلاع عنه شرطا، وإن كان واجبا ولما كان رجوع المرء عن الذنب وتوبته منه قد تورثه زهوا واغترارا بما هو عليه من الطاعة واعتدادا بها، وكان قضاء ما فوته من الفرائض لا بد منه، وربما عسر عليه قياد نفسه إلى ما يريد من خير؛ ذكر هذه الجمل التي ينبغي للمرء أن يتمثلها وأن يحرص على اصطحاب معانيها فما أعظمها من كلمات.

стр. 2560

• قوله: ١٢٨ - «وليستغفر ربه ويرجو رحمته ويخاف عذابه ويتذكر نعمته لديه ويشكر فضله عليه بالأعمال بفرائضه وترك ما يكره فعله ويتقرب إليه بما تيسر له من نوافل الخير». ذكر هنا أمورا يتعين على التائب أن يلاحظها ويعمل على وفقها، بل ينبغي أن يراعيها كل مؤمن لأنه لا ينفك عن تقصير، وهي الاستغفار والرجاء والخوف وتذكر النعمة والشكر عليها بفعل الفرائض وترك المحرمات والتقرب إلى الله بنوافل الخير على اختلافها، الاستغفار هو طلب مغفرة الذنوب، أي سترها هذا أصله، والمراد عدم المؤاخذة عليها أو محوها والتجاوز عنها، وهو مما أمر الله به نبيه ﷺ فكيف بغيره: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]، وقد امتثل رسول الله ذلك فكان يقول: «اللهم اغفر لي خطئي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي»، رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري، وقال النبي ﷺ : «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»، رواه البخاري عن أبي هريرة، ومن أدعيته في آخر صلاته: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت»، فهذا تعليم لنا وتوجيه، وعلى القول بأنه يجوز على الرسل صغائر الذنوب فلا إشكال في هذه النصوص، والصواب أنها لا تجوز عليهم، فإن أفعالهم الأصل فيها الاقتداء، فيلزم الاقتداء بهم في غير الحق، واللازم باطل فالملزوم مثله، وقد اختلف في معنى استغفاره وما نسب إليه من الذنب، والظاهر أنه من الفتور عن ذكر الله بالاشتغال بغيره من المباحات، ومن التقصير عما هو فوق ما كان عليه بالنظر إلى كثرة نعم
следующие страницы →