← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فقد غفرت لكم» (١)، ومعنى هذا أن الله تعالى علم أنهم لا يقعون في الشرك الذي لا يغفره، أما ما دون ذلك فقابل للمغفرة فأعلم بمغفرته لهم، لكن العقوبات النيوية تقام على من حصل منهم ما يستوجبها. ثم أهل أحد، الذين نزل فيهم أو في بعضهم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٢ - ١٧٣]. ثم من بايع تحت الشجرة، وقد قال الله تعالى فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨]، وقال فيهم رسول الله ﷺ «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» (٢)، ثم بقية الصحابة، وقد جمع بعضهم ذلك في أبيات، فقال: فالستة الباقون ثم أهل … بدر فأهل أحد فكل من بايع النبي تحت الشجره … فسائر الصحابة المفتخره فمن بقي من أمة النبي … على اختلاف وصفه الجلي قال عبد الله بن مسعود ﵁: «من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم».

стр. 282

(الثناء على الصحابة والإمساك عما شجر بينهم) • قوله: ٣٣ - «وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر، والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب». هذا هو الأمر الثاني الذي نحن مطالبون به في علاقتنا بالصحابة، فإنهم إذا كان لهم من الفضل ما تقدم من ثناء الله تعالى وثناء رسوله ﷺ عليهم، ووصاته بهم؛ فإن الواجب على المسلم أن لا يذكرهم إلا بخير، وأن ينظر فيما نسب إليهم من الأمور فيتأكد من ثبوتها عنهم أولا، ثم يفهمها الفهم الصحيح، ثم يحملها على ما تحتمله من الحسن متى وجد لذلك مخرجا، وينظر إلى ما بدر منهم بعد ذلك باعتباره اجتهادا في الحق، والمصيب فيه مأجور أجرين، والمخطئ مأجور أجرا واحدا، ولأن فضيلة الصحبة عظيمة فتغمر ما يكون لبعضهم من الأمور غير المرتضاة، فإننا إذا كنا مأمورين بذلك حيال المسلمين عموما وفيهم العصاة والفساق فكيف بالصحابة وقد ثبتت لهم العدالة على وجه العموم؟، وقد جاء في الحديث: «لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (١)، بل روي الأمر بذكر محاسن الموتى، والكف عن ذكر مساوئهم مرفوعا. واعلم أن الطعن في الصحابة يلزم منه التشكيك في الدين لأنه إنما وصل إلينا عن طريقهم، وقد أخبر الله تعالى بحفظه، فمن لم يعدلهم أو عدل بعضهم دون سائرهم فقد ذم

стр. 283

من مدحه الله تعالى ورسوله، واعتبر أن الله تعالى أوكل حفظ دينه لمن ليس أهلا له، وإنما شأن المؤمن مع من تقدمه من أهل الإيمان ما حكاه الله تعالى في قوله الذي تضمن جميع المسلمين الذين لهم حق في الفيء: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ٨ - ١٠]. هذا شأن المؤمن إزاء من سبقه من المسلمين وهو الاستغفار لهم، والترحم عليهم، قال ابن كثير ﵀: «وما أحسن ما استنبط مالك ﵀ من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب، لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء بقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [آخر سورة الفتح]، ومن في قوله تعالى منهم ليس للتبعيض، بل لبيان الجنس، على غرار قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. قال القرطبي: «قال أبو عروة الزبيري: كنا عند مالك بن أنس فذكروا عنده رجلا ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ ، فقرأ مالك هذه الآية: «محمد رسول الله»، إلى أن بلغ: «ليغيظ بهم الكفار»، فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية». وقال ابن كثير: ومن هذه الآية انتزع مالك رحمة الله عليه في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ﵃، قال لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة ﵃

стр. 284

فهو كافر لهذه الآية، ووافقه طائفة من العلماء». وقال الشيخ زروق: قال أبو القاسم الحكيم: «اليهود والنصارى أحسن حالا من الروافض وإن كانوا مسلمين، لأنه لو قيل ليهودي: من أفضل الناس؟، قال: موسى، فإذا قيل: من أفضل الناس بعده؟، قال: نقباؤه، ولو قيل للنصراني: من أفضل الناس؟، قال عيسى، فإذا قيل له من بعده في الفضل؟، قال: حواريوه، ولو قيل لرافضي: من أفضل الناس؟، قال: محمد ﷺ ، فإذا قيل له: من شر الناس بعده؟، قال: أصحابه، فقبح الله رأيهم فيما أتوا من ذلك». واعلم أن الناس إزاء ما شَجَرَ بين الصحابة أحد رجلين: رجل من العامة فالمطلوب منه أن لا يخوض في شيء من ذلك، بل يحب الصحابة كلهم، ويثني عليهم، وإن قام بنفسه حب بعضهم أكثر من الآخر فلا حرج عليه، لكن ينبغي أن يجاهد نفسه بحيث يكون هذا الحب متفاوتا بحسب المنزلة التي عرفها لهم اعتمادا على ما جاء في الأخبار يطوع نفسه لذلك كي يخرج من هواه، وهذا ما ينزل عليه قول المصنف: «والإمساك عما شجر بينهم». أما الثاني فرجل من أهل العلم فهذا إن احتاج إلى الكلام في شيء من ذلك كمحاجة مخالف، أو رد شبهة، فعليه أن يتثبت مما ينسب إليهم أولا، وأن لا يظن بأحد منهم سوءا، فإن ما قد يصدر عن الواحد منهم مغمور في فضل الصحبة، فكيف إذا وجد لما صدر عنهم مخرجا في الحق، وعلى هذا ينزل قول المصنف: «وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر»، والخير في الإمساك عن ذلك، كيف وقد قال رسول الله ﷺ : «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا» (١). وقال الشيخ زروق: «وقد سئل ميمون بن مهران عن أهل صفين، فقال: «تلك دماء طهر الله منها أيدينا، فلا نخضب بها ألسنتنا».

стр. 285

(طاعة العلماء والأمراء) • قوله: ٣٤ - «والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم، وعلمائهم». توسع المؤلف في الجامع فيما أجمله هنا فقال: «والسمع والطاعة لأئمة المسلمين، وكل من ولي أمر المسلمين عن رضا أو عن غلبة فاشتدت وطأته من بر أو فاجر فلا يخرج عليه جار أو عدل، ويغزى معه العدو، ويحج معه البيت، ودفع الصدقات إليهم مجزية إذا طلبوها ونصلي خلفهم الجمعة والعيدان (كذا)، قال غير واحد من العلماء وقاله مالك: «لا يصلى خلف المبتدع منهم إلا أن يخافه فيصلي، واختلف في الإعادة»، انتهى، ويلاحظ أنه لم يذكر هنا العلماء. ومعنى قوله في الرسالة أن من الواجب طاعة ولاة أمور المسلمين وعلمائهم، إذ إن هؤلاء هم الذين يؤتم بهم، ويتبعون كل في مجاله، أما العلماء فإن الناس مطالبون بسؤالهم كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، وقال النبي ﷺ : «ألا سألوا إذ لم يعلموا؟، فإنما شفاء العي السؤال» (١)، كما أن العالم مطالب إذا سئل أن لا يكتم، بل هو مطالب بعدم الكتمان متى قامت الحاجة إلى ما عنده ولو لم يسأل، وقد تقدم شيء من هذا. وأما الأمراء فإن العقد الذي على أساسه يبايع المسلم غيره ليسوسه هو التزام ما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا يكون الأمر كذلك إلا إذا كان عالما بهما، وحصول الحاكم على الشرعية متوقف على أمور منها: كونه في نفسه أهلا لأن يتولى الحكم ذاتا وصفة،

стр. 286

ومنها رضا الأمة به بأن تبايعه مبايعة عامة، أو ما يقوم مقامها، أو ما اعتبره العلماء كما في حالة المتغلب، ولم يلزم الشرع الناس بطريقة محددة في تولي الحاكم، ثم سياسة الأمة بشرع الله تعالى. ودليل وجوب طاعة الأمراء والعلماء قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وقد اختلف في أولي الامر من هم؟، فقيل العلماء، وقيل الأمراء، والمؤلف يرى أنهم الفريقان معا، فكل منهما إمام أي قائد في ميدانه، فإنهما إذا صلحا صلح الناس، والظاهر أن المقصود خصوص الأمراء فإنهم هم الذين تجب طاعتهم لزاما فيما ليس فيه نص ولا إجماع من الأمور التي لهم أن يجتهدوا فيها ليحققوا مصالح المسلمين، أما العلماء فإن فتاواهم غير ملزمة بنفسها كما هو شأن الأمراء، ولأن المفروض في الأمراء أن يكونوا علماء، وهذا القول هو الذي رجحه الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره. وقوله تعالى منكم يعني من المسلمين، فإن الإجماع منعقد على عدم طاعة الكافر، وجاء ذلك في قول رسول الله ﷺ : «،،، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان» (١)، وقال النبي ﷺ : «لا طاعة لمن لم يطع الله» (٢)، وهو صالح لأن يراد به الكافر، لكونه لم يطع الله أصلا، ولأن يراد به من أمر بالمعصية لكونه غير مطيع لله فيما أمر به، وإن كان مسلما، وجاء ذلك مصرحا به في قول النبي ﷺ : «لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف» (٣)، وقال ﷺ : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٤). واعلم أن أهل السنة على عدم منابذة الإمام الجائر والفاسق والخروج عليه، كما أنهم على وجوب مناصحة الحكام وقول الحق لهم ممن هو أهل لذلك بالطرق التي لا تثير الفتن، ولا نتشر القلاقل والتهييج، وقد يسر الله تعالى في هذا العصر من الوسائل ما ينبغي

стр. 287

أن ينظر فيه ليستعان به على تحقيق هذا المقصد العظيم الذي يندرج فيما خصت به هذه الأمة المرحومة، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس منه هذا الذي قلد فيه كثير من المسلمين الكفار وتشبهوا بهم فيه في جملة ما تشبهوا بهم وهو كثير، من ذلك الكلام العنيف الموجه إلى الحكام بأسمائهم والإضرابات والمظاهرات وما يسمى بالاعتصامات والعصيان المدني، فهذا من التشبه بالكفار وقد نهينا عن ذلك، قال النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» (١)، وأقل ما يدل عليه هذا الحديث حرمة ذلك كما قال ابن تيمية ﵀، والنهي عن التشبه بهم من المتواتر المعنوي في السنة، والفعل المذكور فوق ذلك من الذرائع إلى الفساد، وهو تعطيل المصالح وإتلاف الأموال وإزهاق الأرواح وانتهاك الأعراض وذهاب ريح الأمة وافتقارها إلى مساعدة الكفار كما عشناه ونعيشه. والاحتجاج بما حصل في الصدر الأول من خروج بعض السلف على الحكام لا ينهض دليلا على مشروعية هذا الخروج، فإننا مطالبون بإرجاع ما تنازعنا فيه إلى الكتاب والسنة، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]، وقد استثني في حديث عبادة بن الصامت المتقدم الكفر البواح، وفي رواية: «ما أقاموا الصلاة» (٢)، ثم إن السلف لم يتفقوا عليه، بل كان معظمهم على خلافه، وقد اعتزل القتال بين علي ومعاوية كثير من خيارهم مع أمر الله تعالى بقتال الئة الباغية، وقد هلمت بخبر النبي ﷺ . أقول هذا مع أن البَوْن واسع والفرق شاسع بين فسق الأمس وفسق اليوم، فقد وقع معظم حكام المسلمين في البلية العظمى، والرزية الكبرى، التي هي من أكبر الكبائر، وهي تبديل الشرع بتقنين المحرمات، أو تحريم المباحات، وجعل ذلك شريعة للناس، ومن لم يفعل الكثير فعل القليل، كالربا، والزنا، وشرب الخمر، والميسر، والغناء، والاختلاط، والعري، ومنع تعدد الزوجات، وتزويج المرأة بغير وليها، وإسناد وظائف لها لا يصح أن

стр. 288

تتولاها، وهم في هذا وغيره مفتونون بالكفار متبعون سننهم، وقد تسبب ذلك في قول بعض الناس بتكفيرهم، ثم كفروا أعوانهم، ثم قالوا بأن الدار ليست دار إسلام، ووجدوا في فتاوى بعض أهل العلم متمسكا تراجع بعضهم عنها، مما أحدث فتنة عظمى في هذا العصر لا تخفى آثارها على أحد، مع كل هذا فإن الخروج عليهم لا يجوز لأنهم ليسوا كفاراً، ومن كفرهم فإن خروجه عليهم لا طائل من ورائه، والمفاسد المترتبة عليه أعظم من المفاسد الموجودة بكثير، والواجب على الحكام أن يفيقوا من غفلتهم، فإنهم على شفا جرف هار، فإن لم يقيموا شريعة الإسلام كما هو المطلوب منهم، فلم لا يكفون عن تبديلها بحيث لا يقننون ما يناقضها؟، وعلى من اقتحموا دائرة التكفير أن يراجعوا أنفسهم، وأن يعلموا أنهم وإن أصروا على ما هم عليه اعتقادا فإن ذلك لا يبيح لهم أن يرتكبوا هذه المنكرات، وأن يتسببوا في هذه الفتن والحروب التي لا طائل من ورائها عدا مزيد من التضييق على الدعاة واللجاج في الشر، وإعطاء الكفار الذريعة لاحتلال بلاد المسلمين بطرقة تختلف عن ذي قبل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأقول لحكام المسلمين ولغيرهم ممن لهم صلة بهم ويمكنهم التأثير عليهم إن أفضل ما يقاوم به التكفير وتنهى به إراقة دماء المسلمين وتخريب ممتلكاتهم وتهجيرهم من أوطانهم وفتح الباب بذلك لاستيلاء الكفار عليهم بوسائل خبيثة، وطرق فيها كثير من المكر والخداع هو الرجوع إلى الشرع والكف عن مظاهر الكفر العملي من الحكم بغير ما أنزل الله، ومجاوزة الحد المشروع في علاقتكم بالكفار، و (الترخيص) في شرب الخمور والزنا والعري وأكل الربا والقمار والاختلاط المقصود المبرمج، ونشر صنوف من الرذائل عن طريق وسائل الإعلام وغيرها من المخالفات، هذا أقرب طريق يوصل إلى المقصود وأنفعه لكم عند الله، والكاتب يجزم بأنكم قادرون على فعل الكثير مما فيه مرضاة ربكم، ولكنكم مقصرون أو قاصرون، فإن قلتم إن ذلك يثير علينا القلاقل، فالجواب أن القلاقل مثارة عليكم باستمرار، فلأن تثار من أجل ما نيط بكم من الواجبات فهو أهون، وإن حوربتم من أجلها من داخل بلدانكم أو من خارجها أو عوديتم فأنتم المحقون، والله ناصركم، أما من حاربكم اعتمادا على أنكم تخالفون الشرع - والأمر كذلك - فالشبهة

стр. 289

بأيديهم، وكثير ممن يخطئونهم ويرون فساد مسلكهم إنما يفعلون ذلك لأنه لا شوكة له، ولما يترتب على فعله من الفساد الذي يفوق ما يروم إزالته منه، أما مجرد التجسس وتتبع العورات واستعمال القوة والتعذيب والحبس والتضييق على الناس وأهل الصلاح منهم بالخصوص واللجوء إلى أهل العلم لبيان الحق في مسألة الخروج هذه كلما استدعى الأمر ذلك وإن كنتم لا ترجعون إليهم في غير هذا الأمر، كل ذلك لا ينفعكم شيئا والله، بل ربما كان فيه إغراء بهذا الذي نتفق معكم على بطلانه، وعدم مشروعيته، وإن كنا نرى تقصيركم بل نفريطكم فيما أوجبه الله عليكم، والله هو الهادي.

стр. 290

(اتباع السلف الصالح) • قوله: ٣٥ - «واتباع السلف الصالح، واقتفاء آثارهم، والاستغفار لهم». اختار المؤلف ﵀ كلمة الاتباع لخلوها عن شائبة الخلاف، عكس التقليد، فإن من العلماء من رأى التقليد والاتباع شيئا واحدا، ومنهم من فرق بينهما، فإن الوارد في القرآن والسنة إنما هو الاتباع كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ولو افترضنا تساويهما فإن استعمال الألفاظ الواردة في النصوص المعصومة مقدم، فالرجل من العامة إذا سأل من كلفه الله سؤاله وعمل بقوله فقد قام بما عليه فيكون متبعا له، وهكذا إذا كان للمرء نوع قدرة على الموازنة بين الأقوال، واطمأن إلى قول عالم فأخذ به فإنه متبع له أيضا، بخلاف ما إذا تعصب له أو علم أنه غير محق وعمل بما قال. والتفريق بين التقليد والاتباع هو ظاهر صنيع أبي عمر بن عبد البر، فإنه قال في الجامع: «باب فساد التقليد ونفيه، والفرق بينه وبين الاتباع»، ثم بين ﵀ أن الله ﵎ ذم التقليد في غير موضع من كتابه، وساق نصوصا للتدليل على ذلك، لكنه استدرك فقال: «وهذا كله لغير العامة، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها، لأنها لا تتبين موقع الحجة،،،»، انتهى. قلت: لكننا نسمي هذا منهم اتباعا لهم لا تقليدا على الشرط السابق. ثم نقل عن ابن خويز منداد أن التقليد معناه في الشرع الرجوع لقول لا حجة لقائله

стр. 291

عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة، كما نقل قوله: «كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع»، انتهى، فالتقليد ليس بعلم، وهو مذموم على العموم، إلا إذا استثني. وقد ذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- (١) تفصيلا حسنا للتقليد حيث قسّمه إلى ثلاثة أقسام: قِسم يحرم القول به والمصير إليه، وقِسم يجب القول به والمصير إليه، وقِسم يسوغ المصير إليه من غير إيجاب، وهو كلام قيّم من ابن القيم، فليرجع إليه من أراد البصيرة، وقال عن اتباع السابقين الأولين: «ولو كان اتباعهم تقليدا محضا كتقليد بعض المفتين ما استحق من اتبعهم الرضوان إلا أن يكون عاميا، فأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم اتباعهم حينئذ» (٢). وقال الشافعي ﵀: «أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لا يجوز له أن يدعها لقول أحد من الناس»، وقال أبو عمر وغيره من العلماء: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله،،،»، قال ابن القيم بعد ذكر هذا: «فقد تضمن هذان الإجماعان إخراج المتعصب بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء وسقوطهما باستكمال من فوقهما الفروض من وراثة الأنبياء،،، إلى أن قال: «وكيف يكون من ورثة الرسول ﷺ من يجهد ويكدح في رد ما جاء به إلى قول مقلده ومتبوعه، ويُضيع ساعات عمره في التعصب والهوى ولا يشعر بتضييعه،،،» (٣)، انتهى. وقوله: «واقتفاء آثارهم»، القفو الاتباع، يقال قفاه يقفوه إذا اتبعه، وهو من القفا،

стр. 292

والقفا ما وراء العنق، والآثار جمع أثر، وهو في الأصل ما يخلفه الشيء من علامات تدل عليه، والمراد هنا ما بلغنا عن السلف من الأقوال والأعمال في مجال العبادات والمعاملات وفهم نصوص الكتاب والسنة ونحو ذلك، والاقتفاء من حيث اللغة أخص من الاتباع، فهو يدل على مزيد من التمسك بآثار السلف، ولعل هذا هو وجه ذكر المؤلف له بعد الاتباع. والذي ذكر هنا هو الأمر الثالث والرابع مما نحن مطالبون به إزاء السلف الصالح، وهو مرتب على ما تقدم من اعتقاد أفضليتهم، والكف عما شجر بينهم، والتماس أحسن المخارج لما نقل إلينا عنهم، فإن من اعتقدت أفضليته أحببته، وإذا أحببته اتبعته، وإذا ذكرته ترحمت عليه واستغفرت له. واتباع السلف فيه تفصيل، فإنهم إذا أجمعوا على شيء فلا تحل مخالفتهم، فإن العلماء قد اختلفوا في حصول الإجماع، لكنهم اتفقوا على وقوع إجماع الصحابة ولزومه، وإذا قال الواحد منهم قولا فإن كان مرفوعا تصريحا فهو سنة وحكمها معروف، وإن كان موقوفا فإما أن يكون مما لا يقال بالرأي فحكمه حكم المرفوع، إلا أن يكون ممن علم أخذه عن أهل الكتاب فيتوقف فيه لا فرق بين ما ارتبط يتفسبر وغيره، وإما أن يكون موقوفا فإن اشتهر ولم يعلم له مخالف من الصحابة اتبع ولا بد، وإن لم يشتهر ولم يعلم له مخالف، فالراجح القول به، وإن علم له مخالف فموضع نظر وترجيح، لكن لا يجوز في حالة اختلافهم إحداث قول زائد في مسألة لهم فيها قولان أو أكثر كما عليه جمهور أهل الأصول. وكان بعض أئمة الهدى يتخير من مذاهب الصحابة ولا يرى لزوم واحد بعينه، وينسب هذا لأحمد بن حنبل ﵁، وبعضهم يرى الاجتهاد حينئذ وهو المنقول عن مالك بن أنس ﵁، وقد فصل ابن القيم في إعلام الموقعين الكلام في هذا الموضوع فارجع إليه إن شئت. وما ذكره المؤلف ﵀ في هذه الفقرة بعضه إنما يخاطب به أهل العلم إذ العامة لا

стр. 293

قدرة لهم على معرفة ما كان عليه السلف، ومن ثم لا قدرة لهم على اقتفاء آثارهم، إلا بدلالة أهل العلم لهم عليه، أما الاستغفار لهم فيشمل الجميع فقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، ولأنه من جملة دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب، فيعطيه الله مثله كما جاء في قول النبي ﷺ : «إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قال الملائكة: آمين، ولك بمثل» (١)، والله أعلم. قال الحميدي في عقيدته: «فلم نؤمر إلا بالاستغفار لهم، فمن سبهم أو استنقصهم، أو أحدا منهم؛ فليس على السنة، وليس له في الفيء حق، أخبر بذلك غير واحد عن مالك أنه قال:،،،»، وذكر نحو قوله السابق.

стр. 294

(ترك الجدال والمحدثات في الدين) • قوله: ٣٦ - «وترك المراء والجدال في الدين، وترك كل ما أحدثه المحدثون». هذه العبارة كان علماء الأمة كثيرا ما يذكرونها، منهم الإمام أحمد بن حنبل إذ قال في مقدمة كتابه أصول السنة: «أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والاقتداء بهم، وترك البدع كلها، فهي ضلالة، وترك الخصومات في الدين»، انتهى. ومراد المؤلف أن مما هو مطلوب من المؤمن ترك هذه الأمور الثلاثة، أولها الجدال، يقال جادله إذا خاصمه. وقال الراغب: «الجدال المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة»، وثانيها المراء، وهو المحاجة فيما فيه مرية أي شك، فكأن كل واحد من المتمارين يريد إيقاع غيره فيه، قال النبي ﷺ : «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا،،، الحديث» (١)، والزعيم هنا الضامن والكفيل، والأمر الثالث اجتناب البدع. والمصنف لم يفصل في حكم الجدال والمراء، بل بين مطلوبية تركه بإطلاق، وقد أدى ذلك ببعض الشراح إلى حمل الجدال المنهي عنه هنا على مجادلة أهل البدع والأهواء، واتبعوا في ذلك القاضي عبد الوهاب ﵀ حيث قال: «اعلم أن مراده في هذا الفصل كراهة مناظرة أهل الأهواء ومجادلتهم، والندب إلى ترك ذلك، وذلك مكروه لما (خرم) وتأنيسهم إلى إعلان بدعتهم وإظهار ضلالتهم»، انتهى. وقال أبو الحسن: «والجدال مناظرة أهل البدع، وإنما منع من ذلك لأنه يؤدي إلى

стр. 295

البسط معهم، والطعن في الصحابة، وإيقاع الشبهة في القلب، قال مالك ﵁: إن الجدال ليس من الدين في شيء». فتعليلهم ترك الجدال بما ذكر ينبغي أن يراعى في الحديث عن حكمه، حتى تنزل فتاوى العلماء منازلها ويتحقق من مناطاتها، وعلى هذا المعنى يحمل جواب مالك بن أنس، فإنه قيل له: «يا أبا عبد الله، الرجل يكون عالما بالسنة أيجادل عنها؟، قال: لا، ولكن يخبر بالسنة، فإن قبلت منه وإلا سكت» (١). وقال الشافعي: «كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أما أنا فعلى بينة من ربي وديني، وأما أنت فشاك، فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه»، ذكره الشيخ عيسى بن مسعود في مناقب مالك، وهذا لعلمه ﵀ أن الحق إذا كان واضحا، وعرض عرضا ملائما؛ فإن الذي لم يفتح الله قلبه لقبوله يسهل عليه أن يتفصى منه، فما جدوى اللجوء إلى الجدال؟، ويدلك هذا على أن الجدال لم يكن يقدم عليه في عصرهم إلا أهل الأهواء. لكن الجدال من القادر عليه إن احتيج إليه فهو مشروع، وقد يجب إن تعين دفاعا عن الحق بالحق، فإنه من جملة الجهاد. وقد جاء في الحديث: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (٢)، بل جاء ذكر الجهاد بالقلب أيضا في الحديث الصحيح، وهو على كل حال من درجات تغيير المنكر، وحكى الله تعالى جدال خليله إبراهيم وكليمه موسى وخطيب الأنبياء شعيب وغيرهم لقومهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فالأمر متوقف على الحاجة، وهي تختلف بحسب الزمان والمكان، يدلك على هذا قول الليث بن سعد ﵀: «بلغت الثمانين، وما نازعت صاحب هوى قط»، انتهى، قال الذهبي في السير في ترجمته معلقا: «كانت الأهواء والبدع خاملة في زمن الليث، ومالك والأوزاعي، والسنن ظاهرة عزيزة، فأما في زمن أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي عبيد؛

стр. 296

فظهرت البدعة، وامتحن أهل الأثر، ورفع أهل الأهواء رؤوسهم بدخول الدولة معهم، فاحتاج العلماء إلى مجادلتهم بالكتاب والسنة، ثم كثر ذلك، واحتج عليهم العلماء أيضا بالمعقول، فطال الجدال، واشتد النزاع، وتولدت الشبه»، انتهى. وما نهى عنه السلف كما علمت من كلام مالك وغيره، وما علل به ذلك القاضي عبد الوهاب وغيره قد وقع فيه بعضهم في هذا الزمان الذي كثرت فيه المساجلات والمناقشات في القنوات الفضائية بين أهل السنة والشيعة وغيرهم، ولاحظت أن ذلك أورث بعض المستمعين غبشا في الرؤية، وتمكينا لبعض الشبهات في أنفسهم، وأصحاب الأهواء يسرهم أن يجادلهم أهل الحق لأن الجدال وسيلتهم إلى إشاعة باطلهم في الناس، ولاسيما إذا كان الذين يجادلونهم من أهل العلم المعروفين، ويكفيهم أن يحصلوا على أقل القليل من تنازلهم كما يظنون، فالخير كله في الحد من هذه المجادلات، والاكتفاء بتعليم الناس العقائد الصحيحة، والمناهج السديدة، لتحصينهم مما يراد بهم، ولا بأس بالتعرض للنصوص التي يتكئ عليها أهل الأهواء لبيان معانيها الصحيحة ومحاملها المقبولة، وهكذا بيان الوقائع التاريخية وتقريب حقائقها إلى الناس حتى لا يكونوا فريسة التزيد والافتراء، وقد ذكر القرطبي في تفسيره (٧/ ١٣٩) عن سهل قال: «إنما ظهرت البدعة على يد أهل السنة لأنهم ظاهروهم وقاولوهم، فظهرت أقاويلهم وفشت في العامة، فسمعه من لم يكن يسمعه، فلو تركوهم ولم يكلموهم لمات كل واحد منهم على ما في صدره، ولم يظهر منه شيء وحمله معه إلى قبره»، انتهى، لكن هذا في ذلك الوقت الذي لم تكن فيه هذه الوسائل التي غزت البيوت. ومن دعاء النبي ﷺ : «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت،،، الحديث» (١)، في هذه المقاطع كلها قدمت حروف الجر ومجروراتها على متعلقاتها، مما يشعر بإرادة التخصيص، وإفادة الحصر، أي لا أخاصم إلا فيك، ومن أجلك، أو إنما أخاصم بما أعطيتني من البرهان، ولقنتني من الحجة.

стр. 297

وإذا رجعت إلى كتاب الله ألفيت الجدال منهيا عنه، أو مأذونا فيه بقيد التي هي أحسن، والشيء إذا أذن فيه مقيدا دل ذلك والله أعلم على أن الأصل فيه عدم المشروعية، وإنما أجيز للحاجة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢]، فالجدال وإن احتيج إليه أحيانا؛ فليس عليه المعول، ومن تفقه في الأحكام نفر من الخصام ومسبباته، وتشوف إلى الوفاق ومقتضياته، فإن اضطر إليه خاصم في الله، ولا يكون ذلك إلا بعد العلم بأحكام الله، وحسبك أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «أكره الخلاف»، ووصف الله تعالى الكفار بقوله: «بل هم قوم خصمون»، أي شديدو التمسك بالخصومة واللجاج مع ظهور الحق. وقد رُويَ من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أورثوا الجدل» (١)، ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، قيل إنه الشديد الخصومة، قال القرطبي: والمعنى أشد المخاصمين خصومة، أي هو ذو جدال إذا كلمك وراجعك رأيت لكلامه طلاوة وباطنه باطل، وهذا يدل على أن الجدال لا يجوز إلا بما ظاهره وباطنه سواء»، انتهى. وقال ﵊: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (٢)، قال ابن كثير: الألد في اللغة الأعوج: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾، أي عوجا، وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب ويَزوَر (يميل) عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، ثم ذكر الحديث المعروف في خصال المنافق. قال أبو مصعب بن عبد الله الزبيري: أأقعد بعدما رجفت عظامي … وكان الموت أقرب ما يليني؟

стр. 298

أجادل كل معترض خصيم … وأجعل دينه غرضا لديني؟ فأترك ما علمت لرأي غيري … وليس الرأي كالعلم اليقين! وقد قضى بعض أرباب الكلام شطرا كبيرا من نشاطهم في التنظير والتقعيد للجدال، فلم يرجعوا منه بطائل، ولا حصلوا منه على نائل، فكان أن تخلى بعضهم في أخريات حياتهم عن ظلام الجدال، وحصيلة القيل والقال، وزبالة الآراء، وزيف الأفكار، إلى نور النصوص وهديها، أو تفطنوا لذلك بعد فوات الأوان، وإنما أثبت هاهنا شيئا مما قالوه عن علم الكلام حتى يكون في ذلك مقنع لمن يظن أن إنكار الكلام ممن أنكره إنما كان لأنه جهله. قال ابن رشد الحفيد وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم، في كتابه تهافت التهافت: «ومن الذي قال في الإلهيات شيء يعتد به؟»، يقصد من الفلاسفة، وحسبك أن تعلم أن أبا حامد الغزالي وهو من هو في هذا الأمر قد انتهى إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية، ثم أعرض عن تلك الطرق، وأقبل على أحاديث الرسول ﷺ ، حتى قيل إنه مات وصحيح البخاري على صدره، ومما قاله في كتابه إحياء علوم الدين، وهو من جملة ما فيه من الحق قال: «وأما منفعته (يقصد الكلام) فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه وهيئتها فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل أكثر من الكشف والتعريف، قال: وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي (!!) ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثم قاله بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في أمور أخرى سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود، ولعمري لا بنفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على الندور. وقال أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في الكتاب الذي صنّفه وهو أقسام الذات: نهاية إقدام العقوق عقال … وأكثر سعي العالمين ضلال

стр. 299

وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، واقرأ في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، ثم قال: «ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي». وقال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: لعمري لقد طفت المعاهد كلها … وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر … على ذقن أو قارعا سن نادم وقال الحافظ في الفتح، في شرح باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ : «وقد توسع من تأخر من القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرها، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه هو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف، وإن لم يكن له منه بد؛ فليكتف منه بقدر الحاجة، ويجعل الأول المقصود بالأصالة، والله الموفق»، انتهى. وما أحسن ما ختم به الإمام أبو محمد بن أبي زيد ﵀ هذه العقيدة وهو ذكره أن ترك المبتدعات واجب على العموم من غير استثناء، ذلك أن إقامة السنة لا يتم إلا بترك البدعة، كما أن التوحيد لا يكون إلا بترك التنديد، وقد وافق في هذا الختام ما في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره عن العرباض بن سارية وقد تقدم، فإنه ﷺ بعد أن أوصاهم بتقوى الله والسمع والطاعة لأولياء الأمور، وأخبرهم بوقوع الخلاف الكثير، بين لهم ما

стр. 300

يلجأون إليه لينجو، وهو التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وختم بقوله «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». والإحداث هو الابتداع، والمحدثات جمع محدثة هي البدعة، وقد قال ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وقال أيضا: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد»، والإحداث في العبادة أن يحدث عينها أو وصف لها أو قيد بما أطلق منها، والإحداث في المعاملة أن يخالف المنهي عنه منها، فشملهما الحديث. والبدعة في اللغة ما فعل على غير مثال، واختلف العلماء في تعريفها، فعرفت بأنها ما أحدث وليس له أصل في الشرع»، وهو ما اختاره الحافظ، وهو كما ترى جيد، لكن إذا أتى وقت النظر في الأصل الذي له في الشرع تباعدت أنظار الناس، فضيق فريق، وتوسع آخر، وليس بالعسير أن يجد أصحاب الأهواء أصلا في الدين لما يختلقون، وقد فعلوا، وأنت تعلم من له الحق في معرفة ما له أصل، فإن ذلك ليس إلا للمجتهدين، وما أقلهم، وما زللهم ببعيد. وقيل: «ما لم يقع في زمن النبي ﷺ ، ودل الشرع على حرمته»، والجمع بين عدم الوقوع والحرمة فيه شيء، فإن كل ما يعبد به الله تعالى قد وقع في حياته، إذ إن الله تعالى قد أكمل الدين، فلا حاجة إلى قيد التحريم لمعرفة ما ابتدع من العبادات ابتداعا حقيقيا أو إضافيا، وإلا كان كل من ابتدع قال هذا ليس محرما. وقيل: هي ما لم يقع في زمانه ﷺ ، ودل الشرع على حرمته أو وجوبه أو ندبه أو كراهته أو إباحته، وهذا تعريف للبدعة قي اللغة، يناسب قول من ذهب إلى أنها تعتريها الأحكام الخمسة، وفي كلام الشافعي -رحمه الله تعالى- ما يجري على هذا النسق، بل وفي كلام الإمام ابن تيمية نفسه ما قد يؤخذ منه هذا. قال الشافعي كما في الفتح: «البدعة بدعتان محمودة ومذمومة، فما وافق السنة، فهو محمود، وما خالفها فهو مذموم»، انتهى، وللشاطبي -رحمه الله تعالى- تعريف جامع مانع للبدعة وهو أنها طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يُقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية»، انتهى، وللناس في هذا المقام كلام كثير، واختلاف عظيم هو كما ترى في أمر عظيم الخطر في

стр. 301

الدين، بل إنه من أعظم الأمور بعد الشرك، بل إنه كثيرا ما أدى إلى الشرك. ومهما يكن فإن الذي نعلمه أن المؤمن لا ينبغي له أن يقدم العمل على العلم بالحكم، فإنه إن فعل ما لايعلم أثم، ولو وافق السنة فيه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، ولهذا كان من احتاط لدينه بالاقتصار على الواضحات التي لا شبهة فيها مما يرجع لعهد السلف فهو أقرب للسلامة ممن تخوض فيما لا علم له به، أو اتبع بنيات الطريق. ولما كان رسول الله ﷺ قد قال: «وكل بدعة ضلالة»، فلا ينبغي أن يأتي من يقول إن البدعة التي وصفها االنبي ﷺ أقسام بحسب الأحكام الشرعية، إلا إذا قيد كلامه بأنه يريد البدعة في اللغة، لأن أقل ما في هذا القول أنه استعمال لفظ مقته الشرع؛ بجعله وصفا لبعض الشرع، وحاشا أن يقصد أئمة الإسلام الذين ذهبوا إلى ذلك التقسيم هذا المعنى، علما بأن الشرع لم يأت ليحد لنا الحقائق في اللغة، ومن ثم فالبدعة المتحدث عنها هنا هي البدعة في الدين. أما أن عمر ﵁ قال عن صلاة التراويح التي جمع الناس عليها «نعمت البدعة هذه»، فلا يخالف ما قلته، فإن الجميع متفقون على أن صلاة التراويح قد صلاها رسول الله ﷺ في حياته عدة ليال ثم تركها خشية الافتراض، وقال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (١)، وكان الناس في حياته يصلون، وقد جرى قدر الله أن يعاد بعث هذه السنة على يد عمر ﵁، فيتعذر حمل البدعة في قوله على إحداث شيء في الدين، فإن المشار إليه وهو صلاة التراويح لا يستقيم وصفه بالبدعة إلا بحمل الوصف على البدعة في اللغة، وقد يحمل كلامه على تقديم التراويح على النوم كما يظهر من قوله: «والتي ينامون عنها أفضل»، لأنه قابل بين ما يفعل قبل النوم وما يفعل بعده، فإن تنازلنا قلنا تعالوا نفهم كلام عمر على أنه وصف يقتصر في إطلاقه على الأحكام الشرعية التي حصل لها ما حصل لصلاة التراويح بحيث تكون مشروعة ثم تترك لسبب ما، ثم يقيض الله لها من يحييها، وقريب من هذا أن ياتي اليوم من يقيم الكعبة على قواعد إبراهيم ﷺ فيقال فيها نعمت

стр. 302

البدعة هذه، أو يؤخر صلاة العشاء في الجماعة الخاصة لانتفاء المانع الذي منع النبي ﷺ من تأخيرها وهو كراهته أن يشق على أمته، ثم إننا مأمورون باتباع سنة الخلفاء الراشدين، وقد أجمعوا على صلاة التراويح، فلا يكون ما سنوه بدعة بحال، فكيف وقد أجمع عليها الصحابة، فضلا عن ثبوتها بالقول وبالفعل؟. وقد جاء الحديث بأقوى ألفاظ العموم في الحكم على المحدثات ووصفها بالبدعة، وهو لفظ كل، وما استدل به المخالفون من النصوص كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]؛ لا يروج، فإن قوله بأمر ربها قيد كل شيء، فأين قيد «وكل بدعة ضلالة»؟، وقد كان النبي ﷺ يكرر هذه الكلية في خطبة الحاجة التي دأب على ذكرها بين يدي كلامه، ولم يلحق بها استثناء، فدل هذا على أن العموم فيه محفوظ، أما أنه مخصص بحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها،،، الحديث» (١)، فهذا ليس عاما فيمن يسن، ولا فيما يسن، ولا يخالف في هذا أحد، وإلا ما بقي دين. والعلماء الذين قاموا مقام تقسيم البدع إلى أقسام الأحكام الشرعية كثيرون، ولهم مهابة في النفوس، ولهم علينا واجب التوقير، وأن نظن بهم النصح والخير، فإن منهم ابن عبد السلام، والنووي، والقرافي، والسيوطي، والحافظ ابن حجر، وغيرهم، ومع ذلك فإن النفس أميل إلى ما ذكرت، فإن من اقتصر على ما اتضح دليله، ووضح سبيله، لا تثريب عليه، بل هو ناج إن شاء الله، بخلاف من أرخى العنان، فإنه لا يكاد يسلم من الوقوع في الحمى، وما ذكروه من الأمثلة لا يخرج عن كونه مما لا يتم الواجب إلا به، فيكون واجبان أو ما هو من المصالح المرسلة التي لم يشهد لها دليل بالاعتبار ولا بالإلغاء، أو مما هو منصوص عليه لم يعرف المتكلم دليله، وحال المسلمين الذين استندوا إلى ذلك التقسيم شاهد صدق، وليس الخبر كالعيان، فاللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

стр. 303

• قوله: ٣٧ - «وصلى الله على سيدنا محمد نبيه، وعلى آله وأزواجه وذريته، وسلم تسليما كثيرا». ختم المؤلف هذه العقيدة كما بدأها بالصلاة والتسليم على النبي ﷺ ، وختم بذلك كتابه أيضا، وقد جرى على ذلك بعض أهل العلم في مؤلفاتهم وفتاويهم، وقد أخبر الله تعالى أنه هو وملائكته يصلون على النبي، وأمر بالصلاة والتسليم عليه، فيجتمع الثناء عليه والدعاء، من أهل الأرض وأهل السماء، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وهذا الأمر مطلق، وأقل أحواله أن يكون مستحبا، وقد قال رسول الله ﷺ : «من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرا» (١)، فهذا على الإطلاق. وقد شرعت الصلاة عليه في بعض المواطن بالنص كما في التشهد وجوبا عند بعض، وندبا عند جهمور العلماء، والظاهر الأول، وكما في الدعاء، فقد قال رسول الله ﷺ : «كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي ﷺ » (٢)، ومثله دخول المسجد والخروج منه فقد روى ذلك مسلم (٣) عن أبي حميد أو أبي أسيد عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أحدكم المسجد؛ فليسلم على النبي ﷺ ، ثم ليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك»، ومن ذلك الصلاة عليه عقب الأذان، وسؤال الله تعالى له الوسيلة، واستحباب الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة، وما جاء في ذم المجلس الذي لا يصلى فيه عليه.

стр. 304

ووقد توقف الصحابة وهم أهل العربية في كيفية الصلاة عليه من غير أن يرجعوا إليه ليعلموا منه ذلك لأن معنى الصلاة الدعاء وفيه إجمال، وكان قد علمهم كيف يسلمون عليه، فأخبرهم بما يصلون به عليه أيضا، ففيه دليل على أن طرق تعظيمه ﷺ توقيفية لا دخل للعقل فيها، فلا يصح أن يقال اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، وهذا دعاء، لكن الله اختار له منه هذا اللفظ الذي لا يدعى به إلا للأنبياء ولغيرهم بالتبع لهم، أو ما ورد فيه بخصوصه كما في صلاته على آل أبي أوفى. والصلاة من الله تعالى قيل إنها الرحمة، وقيل هي الثناء عليه في الملائكة، فعن أبي العالية كما في صحيح البخاري من كتاب التفسير (١): «صلاة الله على رسوله ثناؤه عليه عند الملائكة»، أما الصلاة من الملائكة، فقيل الاستغفار، وفيه شيء، فإن هذا يلتقي فيه مع غيره من المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، وقال عن حملة العرش: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، والذي يظهر أن صلاتهم طلب زيادة ذلك من الله تعالى على رسوله ﷺ ، وكذلك صلاة غيرهم، فإنها دعاء بزيادة التشريف، وقيل التبريك، وقد علقه البخاري عن ابن عباس، وهو لا ينافي طلب الزيادة، لأن البركة الزيادة. والمراد بالآل أتباعه، وهو قول مالك وغيره، فيكون ذكر الأزواج والذرية بعده في كلام المؤلف من ذكر الخاص بعد العام، وقيل إن الآل من تحرم عليهم الصدقة، وقيل أهل بيته، وقد جاء ذكر الأزواج والذرية في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي حميد الساعدي: «أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟، قال: قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (٢)، وهذا الحديث بلفظه يطعن به في نحور الروافض المبتدعة بل الكفار كثير من علمائهم ودهمائهم الذين يقعون في الصحابة

стр. 305

وفي أمهات المؤمنين، وفي عائشة -رضي الله تعالى عنها- بخاصة، وتفضيل المهدي على الأنبياء، والقول بنقص القرآن والتلبيس والتحريف في تفسيره، وغير ذلك. وقد اعتبر ابن عبد البر حديث أبي حميد مفسرا لآل النبي ﷺ في حديث أبي مسعود الأنصاري، والظاهر أن حديث أبي مسعود أعم منه فتفضل صيغته لعمومها، على أن لا يغفل المرء الصيغة التي فيها ذكر الأزواج والذرية لطمس مكر الروافض وكيدهم ودفع تلبيسهم على العامة. ويذكر هنا قول رسول الله ﷺ : «صلوا على النبيين إذا ذكرتموني فإنهم قد بعثوا كما بعثت» (١)، وقوله ﷺ : «صلوا على أنبياء الله ورسله فإن الله قد بعثهم كما بعثني» (٢)، وفيهما دليل على مطلوبية الصلاة عليهم متى صلي عليه، وعدم الاكتفاء بالسلام عليهم كما هي عادة معظم الناس، والله أعلم. وينبغي ترك ما أحدثه المحدثون من الألفاظ المبتدعة في الصلاة عليه بأبي هو وأمي، فإن في بعضها شركا، وفي بعضها غلوا، وفي بعضها تكلفا، وكل ذلك مذموم، ومن ذلك وصف النبي ﷺ بأنه الذي تنحل به العقد، وتنفرج به الكرب، وتقضى به الحوائج، فهذا غلو فيه ووصف له بما لا يشرع، لكن ذلك يحصل إن شاء الله بالدعاء الذي يتوسل فيه بالعمل الصالح، ومن العمل الصالح طاعته والصلاة عليه، أما ذلك الذي يقولونه فليس مما يعظم به ولا مما يتقرب به إلى الله، وفي بعض صيغ الصلاة عليه التي تقال ما هو حق، لكن هذا قد يسكت عنه فيما ليس شأنه التوقيف، وإن لم يكن في هذه الألفاظ المخترعة شيء من ذلك، وكانت كلها مشروعة، ومما يصح أن يوصف به رسول الله ﷺ ، فإن الأولى تركها إلى الألفاظ التي وردت في السنة، فإن خير الهدي هدي سيدنا محمد، فلم يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟. قال ابن العربي: «كان أصحابه إذا كلموه أو نادوه: يارسول الله، لا يقول أحد منهم

стр. 306

صلى الله عليك، وصار الناس اليوم لا يذكرونه إلا قالوا ﷺ ، والسر فيه أن أولئك كانت صلاتهم عليه ومحبتهم اتباعهم له، وعدم مخالفته، ولما لم يتبعه اليوم أحد من الناس، وخالفه جميعهم في الأقوال والأفعال خدعهم الشيطان بأن يصلوا عليه في كل ذكر، وأن يكتبوه في كل كتاب ورسالة، ولو أنهم يتبعونه ويقتدون به ولا يصلون عليه في ذكره ولا في رسالة، إلا حال الصلاة لكانوا على سيرة السلف»، انتهى. والحامل له ﵀ على هذا ما رآه من التفريط في متابعة النبي ﷺ ، والتمسك بسنته، ثم الظهور بمظهر المعظم له المحب له، وهذا شأن الناس متى ساء عملهم لجأوا إلى المظاهر يغطون بها النقص، ومما يفعل في بلدنا وضع اليد على الصدر إذا ذكر النبي ﷺ بأبي هو وأمي، وهو ديدن كثير من أهل الابتداع أو الجهلة اليوم، ووصفه بما لم يأذن الله فيه، وإطراؤه وقد نهانا عن ذلك، والزعم بأن من تعظيمه إحياء يوم مولده، وهو أمر لا يذهب إليه إلا جاهل أو ممار، ومن قال بمشروعيته من أهل العلم فهو متأول يرجى له مغفرة الله تعالى، وقد ربط النبي ﷺ بين العناية بالمظهر في بعض المسائل وسوء العمل والمخبر، وذلك أن المرء إذا شعر بالتقصير في جانب أو التفريط غطى ذلك وعوضه بما يسهل عليه كما في قول النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» (١). وقال بعضهم في هذا المعنى: وما الحلي إلا زينة من نقيصة … يتمم من حسن إذا الحسن قصرا فأما إذا كان الجمال موفرا … كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا والمقصود أن كلام ابن العربي حق من حيث مراده منه كما تبين لك، أما أن يصلي المسلم على نبينا ﷺ كلما ذكر؛ فهذا منصوص عليه، بل ذهب بعض العلماء إلى وجوبه أخذا بظواهر عدة أحاديث، فمن فعل فهو مأجور إن شاء الله، لأنه أصاب شيئا من سنته، وعظمه بما شرع له تعظيمه به، وعليه مع ذلك وزر تفريطه فيما عدا ذلك مما خالف من

стр. 307

شرعه، وقد قال ﵊: «البخيل الذي من ذكرت عنده فلم يصل علي» (١)، وقال النبي ﷺ «رغم أنف رجل ذكرت عنده، فلم يصل علي» (٢). وقد قال الحافظ ابن كثير بعد ذكر هذين الحديثين في تفسير من سورة الأحزاب: «فيهما دليل على وجوب الصلاة على النبي ﷺ كلما ذكر، وهو مذهب طائفة من العلماء» … ، انتهى. وإذا كان المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب فتقول الملائكة ولك مثله، وتؤمن عليه، فكيف بالصلاة على النبي ﷺ وهو سيد ولد آدم المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟، لا شك أن المثلية هنا أعظم من المثلية هناك، والعلم عند الله. الخاتمة: وبهذا ينتهي هذا التعليق على عقيدة ابن أبي زيد ﵀، وقد فرغ من تنقيحه وإعداده للطبعة الرابعة يوم الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة والف، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى ييوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وكتبه بن حنفية العابدين بن محي الدين.

стр. 308

٢ - باب ما يجب منه الوضوء والغسل الوضوء بضم الواو؛ مصدر وضؤ يوضؤ، وهو مشتق من الوضاءة، وهي النظافة والحسن، ويطلق في اللغة على غسل عضو أو أكثر، وقد ورد إطلاقه بهذا المعنى في حديث سلمان عن النبي ﷺ قال: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده» (١). أما الوضوء في الشرع فهو «تطهير أعضاء مخصوصة على وجه مخصوص لرفع المنع المرتب عليها لاستباحة العبادة»، والوَضوء بفتح الواو اسم للماء المعد لتلك العبادة، وقد أطلق على التيمم لأنه بدل عنه كما في الحديث الذي رواه النسائي عن أبي ذر مرفوعا: «الصعيد الطيب وضوء المسلم،،،» (٢)، وروى نحوه البزار من حديث أبي هريرة، وسُمِّيَ التيمم طهورا كما في حديث أبي ذر قال، قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر، إن الصعيد الطيب طهور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» (٣). والغسل في الشرع عند أهل المذهب تعميم الجسد بالماء مع الدلك بنية، وفي اللغة بضم الغين وسكون السين وضمها اسم للاغتسال، وبكسرها ما يغسل به، وبفتحها هو الفعل، مصدر غسل يغسل، والذي قلته بخصوص الغسل بفتح الغين وضمها؛ لم يذكر صاحب الصحاح غيره، ومعلوم أن قياس مصدر الفعل الثلاثي المتعدي هو فَعل بسكون العين، كما قال ابن مالك: فصل قياس مصدر المعدى … من ذي ثلاثة كرد ردا

стр. 309

• قوله: ١ - «الوضوء يجب لما يخرج من أحد المخرجين». موجبات الوضوء عند أهل المذهب ثلاثة أقسام: أحداث، وأسباب، وغيرهما، وقد ابتدأ بالأحداث لأنها هي الأصل، فأجمل فيها ثم فصل، أما الإجمال فقد بين أن الحدث هو الخارج المعتاد من أحد المخرجين، فالمذهب في نقض الوضوء بالأحداث اعتبار الخارج والمخرج وصفة الخروج، فاحترز بأحد المخرجين عن الخارج من الفم كالقيء، أو من ثقب أسفل المعدة إذا لم ينسد المخرجان، واحتُرز بالمعتاد عن خروج الدم والحصى والدود من أحد المخرجين، وفيه خلاف، وبالخارج على وجه السلس من بول ومذي وودي ومني وغائط وريح ودم استحاضة، فهذا كله إذا خرج على وجه السلس غير ناقض، وطريقة المالكية العراقيين عدم النقض مطلقا، وهي أولى، بخلاف المغاربة فإنه ينقض إلا إذا فارق أكثر الوقت، قال مالك في الموطإ: «الأمر عندنا أنه لا يتوضا من رعاف ولا من دم، ولا من قيح يسيل من الجسد، ولا يتوضا إلا من حدث يخرج من ذكر، أو دبر، أو نوم» (١).

стр. 310

• قوله: ٢ - «من بول أو غائط أو ريح، أو لما يخرج من الذكر من مذي، مع غسل الذكر كله منه، وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالإنعاض عند الملاعبة أو التذكار، وأما الودي فهو ماء أبيض خاثر، يخرج بإثر البول، يجب منه ما يجب من البول». هذا شروع في بيان مجمل ما تقدم، ومجموع الأحداث ثمانية هي: البول، والغائط، والريح، والمني، والمذي، والودي، ودم الاستحاضة، والهادي، وقد ذكرها المؤلف جميعا عدا الأخير، والهادي ماء أبيض يخرج بقرب الولادة، وقد اختلف في وجوب الوضوء منه. قال خليل في مختصره: «ووجب وضوء بهاد والأظهر نفيه»، يعني أن ابن رشد استظهر نفي الوضوء من الهادي لكونه خارجا غير معتاد وإذا خرج من جميع النساء قرب الولادة كان معتادا. قال في النوادر: «قال ابن حبيب ينقض الوضوء لتسعة أوجه: من الغائط والبول والمذي والودي والريح والصوت ومس الذكر والملامسة والنوم»، يريد البين. وقال غيره لثلاثة أوجه: لما يخرج من المخرجين من المعتادات عدا المني ودم الحيض والنفاس، ولزوال العقل بنوم أو سكر أو إغماء أو جنون ونحوه، والملامسة للذة، ويدخل في ذلك مس الذكر، انتهى. ولخص القرطبي ذلك بقوله في تفسيره: «وأنبل ما قيل في ذلك أنها ثلاثة أنواع، لا خلاف فيها في مذهبنا: زوال العقل، خارج معتاد، ملامسة». والدليل على وجوب الوضوء للصلاة مما ذكره؛ بعضه في الكتاب وبعضه في السنة، وبعضه بالقياس، فأما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ

стр. 311

سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣] وفيه اثنتان من موجبات الوضوء هما الغائط، وملامسة النساء، أي اللمس في بعض صوره كما عليه أهل المذهب، وقال بعضهم إن البول مذكور أيضا باللزوم، قال القرطبي: «لفظ الغائط يجمع بالمعنى جميع الأحداث الناقضة للطهارة الصغرى». ومن السنّة قول رسول الله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ»، قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟، قال: «فساء أو ضراط» (١)، ونفي القبول هنا هو نفي الصحة والإجزاء، وثمرة صحة العبادة الإثابة عليها من الله إن لم يمنع من ذلك مانع، فعبر بالسبب عن المسبب، وقوله «أحدث» معناه حصل منه الحدث، وهو ما ينقض الوضوء، وقوله «حتى يتوضأ»؛ ذكر الأصل في رفع الحدث، وهو الوضوء، ويقوم بدلُه وهو التيمم مقامه، و «الفساء» بضم الفاء خروج الريح من الدبر بلا صوت، و «الضراط» مثله لكن بصوت، وإنما اقتصر أبو هريرة على ما ذكر لينبه بالأدنى على الأعلى. وروى مسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور» (٢)، والغلول بضم الغين؛ الأخذ من الغنيمة قبل القسمة، وهو هنا يشمل كل مال أخذ بغير حق، والطهور بضم الطاء الطهارة. - والنقض بالبول جاء في حديث صفوان بن عسال، وهو قوله: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سَفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم» (٣)، والسفر بفتح السين وسكون الفاء جمع سافر، كشَرب وصَحب جمع شارب وصاحب، أما المسافر فجمعه مسافرون، فدل قوله لكن،،، الخ دلالة إشارة على أن الثلاثة ناقضة للوضوء، لكن لا يلزم نزع الخف لها، لأنه استدركها من إيجاب، فالمقصود نفي

стр. 312

لزوم نزع الخف من الأمور الثلاثة، والتبع نقض الوضوء بها. - والغائط؛ دل على انتقاض الوضوء به الإجماع، وذكر في القرآن في موضعين، وقد ذكر في حديث صفوان بن عسال المتقدم. - والريح؛ دليله دليل الغائط، وقال عبد الله بن زيد: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» (١)، وقوله «يخيل إليه» معناه يظن، ومعنى «يجد» يشَم وقد جاء التصريح بالنقص في حديث عبد الله بن عمر عند الطبراني في الاوسط مرفوعا: «إذا وجد أحدكم وهو في صلاته ريحا فلينصرف فليتوضأ، وفيه دليل بين على أن مجرد الشك في الحدث لا ينقض الوضوء، ومشهور مذهب مالك النقض، وهو احتياط للمقاصد قدم على الاحتياط للوسائل، وهو ما عليه الجمهور، وقد نصر مذهب مالك القرافي ﵀، وهو منصور لولا النص، وفرق بعضهم بين الشك في الصلاة فلا ينقض، وخارجها فينقض. وذكر الحافظ في (الفتح ١/ ٣١٣) أن ابن نافع روى عن مالك عدم النقض بالشك مطلقا، والذي علمته هو قول ابن نافع عن مالك: «من وجد بللا في الصلاة؛ فلا ينصرف حتى يوقن به فينصرف، وإنما يتمادى المستنكح»، فإن كان معتمد الحافظ هذه الرواية فإن أخذ الإطلاق منها فيه شيء، لكن قد ذكر هذه الرواية الشنقيطي في نثر الورود، وقال عليه ابن عرفة. - والمذي، بسكون الذال، أو بكسرها مع تشديد الياء، أو بتخفيفها؛ هو ماء رقيق أبيض لزج يخرج عند الشهوة غير مصحوب بلذة ولا دفق، وقد لا يحس المرء بخروجه، ودليل نقضه ما جاء في الحديث عن علي بن أبي طالب قال: «كنت رجلا مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد فسأله فقال: «يغسل ذكره ويتوضأ» (٢)، والمذاء صيغة مبالغة أي كثير المذي، يقال مذى يمذي كمضى يمضي،

стр. 313

ويقال أمذى يمذي رباعيا، وفي الحديث لزوم غسل المذي بالماء بحيث لا يكفي فيه ما يكفي في البول والغائط من الاستجمار، وظاهره وجوب غسل الذكر كله كما أشار إليه المؤلف، فيكون الغسل أمرا تعبديا لكونه لا يقتصر فيه على محل النجاسة، وعلى هذا القول؛ يلزم لغسله النية، لكن ورد ما يدل على غسل محل الأذى فقط، وهو قول النبي ﷺ في رواية: «توضأ واغسله»، فإن الضمير فيه عائد على المذي، ويتأيد هذا بأن الأصل في النجاسات غسل محلها فحسب، أما ما ورد من الأمر بغسل الأنثيين فيحمل على احتمال وصول شيء إليهما من الأذى، وقد وجدته للخطابي في المعالم. وقال مالك: «ليس على الرجل غسل أنثييه من المذي عند وضوئه منه، إلا أن يخشى أن يكون قد أصاب أنثييه منه شيء». - والودي بالدال؛ مثل المذي في الضبط المتقدم، وهو مقيس على البول بجامع خروجهما من القبل على وجه معتاد، وقد روى عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس قال في المذي والودي والمني: «في المني الغسل، وفي المذي والودي الوضوء، يغسل حشفته ويتوضا» (١). وقال مالك في المدونة: «المذي عندنا أشد من الودي، لأن المخرج يغسل عندنا من المذي، والودي عندنا بمنزلة البول».

стр. 314

• قوله: ٣ - «وأما المني فهو الماء الدافق الذي يخرج عند اللذة الكبرى بالجماع، رائحته كرائحة الطلع، وماء المرأة ماء رقيق أصفر يجب منه الطهر، فيجب من هذا طهر جميع الجسد، كما يجب من طهر الحيضة». لما تكلم على ما يوجب الوضوء من الأحداث، وهو الخارج المعتاد، وكان المني من جملتها؛ ذكره معها، مع أن خروجه موجب للغسل، وستعلم أن المني قد لا يجب منه إلا الوضوء إذا خرج على وجه السلس وغيره مما سيذكر، ومني الرجل ثخين أبيض، ومني المرأة أصفر رقيق، وقد ورد ذلك في حديث أنس أن أم سليم حدثت أنها سألت نبي الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال رسول الله ﷺ : «إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل»، فقالت أم سليم واستحييت من ذلك: «وهل يكون هذا»؟، فقال نبي الله ﷺ : «نعم، فمن أين يكون الشبه؟، إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق؛ يكون منه الشبه» (١)، وقوله «من أيهما علا»؛ أي من أيهما غلب، وقوله «أو سبق»؛ أو هنا للتقسيم، فإذا فسر السبق بظاهره؛ كان مخالفا لما تقدم، لأن السابق لا يعلو عادة إلا باختلاف الكثافة، فيقال أراد بالسبق ما فسر به العلو وهو الغلبة، لأن السابق غالب، أما لو قيل إن «أو» للشك من الراوي؛ فلا إشكال في الظاهر، وإنما بين النبي ﷺ وصف كل منهما لاقتضاء المقام ذلك، فإن أم سليم استغربت أن يكون للمرأة ماء، فبين لها أن الشبه مرجعه لذلك، وفي حديث ثوبان سأله حبر من أحبار اليهود عن ذلك في جملة ما سأله عنه، ولم يكن النبي ﷺ يعلم ما سأله عنه، فأوحاه الله إليه، فأخبره. ومن صفات المني المشتركة إذا كان رطبا أن رائحته كرائحة الطلع، وهو أول حمل

стр. 315

النخل، ويخرج بتدفق يدفع بعضه بعضا، كما قال الله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: ٥ - ٦] أي مدفوق، ويخرج مصحوبا باللذة، والمني مختلف في نجاسته، والمذهب أنه نجس لا يجزئ في تطهيره غير الماء، والظاهر من النصوص أنه يزال بالفرك أو بالسلت أو بالحك، وما ورد من غسله فللتنظيف. ويجب الوضوء من المني في بعض الحالات، وهو ما إذا خرج على وجه السلس، وفارق أكثر الزمن عند المغاربة، والملازمة معتبرة بأوقات الصلاة، لأنه الزمان الذي يخاطب فيه المكلف بالوضوء، وقيل غير ذلك، وهذا من المفروض النادر، كما ينقض الوضوء بالمني إذا خرج بلذة غير معتادة، أو بلا لذة في اليقظة، أما من وجد منيا في جسده أو في ثوبه بعد نوم؛ فالغسل واجب عليه، فقوله «عند اللذة الكبرى بالجماع»؛ إنما اقتصر على ذكره لأنه الغالب، والمني من موجبات الطهارة الكبرى في أصله، فأحرى أن ينقض بخروجه الوضوء، وقد ذكره هنا استكمالا للخارج من أحد المخرجين. وقول المؤلف «يجب منه الطهر»؛ الضمير فيه يرجع إلى ماء المرأة، وقوله «فيجب من هذا طهر جميع الجسد كما يجب من طهر الحيضة»؛ يريد به ماء الرجل والمرأة، وبهذا لا يكون في كلامه تكرار، وإن كان فيه شيء.

стр. 316

• قوله: ٤ - «وأما دم الاستحاضة فيجب منه الوضوء، ويستحب لها ولسلس البول أن يتوضأ لكل صلاة». دم الاستحاضة هو الدم الذي يخرج من قبل المرأة على وجه العلة والفساد، يقال استحيضت المرأة فهي مستحاضة، فهذه يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة على ظاهر قول المصنف أولا. وقد روى مالك في الموطإ (١٣٦) عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: «ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة»، وقال بعده: «الأمر عندنا في المستحاضة على حديث هشام بن عروة عن أبيه، وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك» انتهى، وهذا الاغتسال إنما يجب عليها أول ما يحكم بأنها مستحاضة، إما بانتهاء عدد أيامها، أو بتمييز الدم، أو غير ذلك مما سيأتي، فإن الغسل في هذه الحالة هو كالغسل عند انقطاع الحيض، أما إن كان الذي انقطع إنما هو دم الاستحاضة؛ فالمشهور في المذهب استحباب الاغتسال، وقد قال مالك فيما روي عن سعيد ابن المسيب من اغتسال المستحاضة من ظهر إلى ظهر بالظاء المعجمة: «إني لأظن حديث ابن المسيب من طهر إلى طهر، فقلبها الناس من «ظهر إلى ظهر» (١). ورد ظن مالك ابن عبد البر في الاستذكار وهو قول أنس والحسن وليس الغرض استيعاب الأقوال في هذه العجالة، فإن كلام أهل العلم في اغتسال المستحاضة كثير مختلف. وقد عدوا كلام المصنف هنا من مشكلات الرسالة، لكونه ذكر إيجاب الوضوء واستحبابه معا، ومما حمل عليه قوله السابق؛ أنه يجب الوضوء إذا انقطع دم الاستحاضة،

стр. 317

وأنه يستحب إذا كان مستمرا، وقيل بالإيجاب إذا كان نزوله أقل من انقطاعه، والاستحباب في خلاف ذلك، و المشهورأنه يجب منه الوضوء إذا فارق أكثر الزمن، او قدرت على رفعه. والذي يظهر وجوب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، وإنما لم يقل به مالك لعدم صحة تلك الزيادة عنده، إذ لم يروها في الموطإ، ولأنه خارج غير معتاد، وإن كان أثر عروة السابق محتملا للوجوب، ودليل توضؤ المستحاضة لكل صلاة هو قول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي» (١)، وأقوى منه في الدلالة أمر النبي ﷺ إياها بالوضوء لكل صلاة، وهو في صحيح البخاري في باب غسل الدم (الفتح: ١/ ٤٣٢ و ٥٣٠) إذ قال لها: «وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» (٢)، وقوله يعرف بالبناء للمجهول أي يعرف بلونه أو ثخانته أو رائحته، أو يعرف بالبناء للمعلوم، أي له عرف ورائحة ويقاس على المستحاضة في وجوب الوضوء لكل صلاة من به سلس من بول أو غائط أو ريح.

стр. 318

• قوله: ٥ - «ويجب الوضوء من زوال العقل بنوم مستثقل، أو إغماء، أو سكر، أو تخبط جنون، ويجب الوضوء من الملامسة للذة، والمباشرة بالجسد للذة، والقبلة للذة، ومن مس الذكر، واختلف في مس المرأة فرجها في إيجاب الوضوء بذلك». لما أنهى الكلام على ما ينقض الوضوء بنفسه؛ ذكر بعده ما يكون سببا في حدوث الناقض، وهو ثلاثة أشياء: زوال العقل، وملامسة المرأة، والقبلة. فأما زوال العقل؛ فيكون بالنوم الثقيل، والإغماء، والسكر، والجنون، ونقض الوضوء بالنوم ثابت بالنص، ونقضه بغيره ثابت بالقياس الأولوي، لأن النائم إذا نودي أجاب، بخلاف غيره من المجنون والمغمى عليه والسكران الطافح، ودليل الأصل حديث صفوان ابن عسال، وهو عند أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقد سبق ذكره. وقد بين النبي ﷺ أن النوم سبب في النقض لاحتمال خروج الناقض أثناءه في قوله: «العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ» (١)، والوكاء الرباط، يعني أن اليقظة رباط ينحل بالنوم، والسه بفتح السين، وعينه تاء محذوفة، هو اسم للدبر، والمعنى أن من كان مستيقظا أمسك ما في بطنه، فإذا نام لم يمكنه الإمساك، جعل اليقظة رباطا ينحل بسبب النوم، وفي معناه الحديث المرفوع: «العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء» (٢). واحترز بثقيل النوم عن خفيفه؛ فإنه لا ينقض الوضوء، لأنه لا يتوفر على علة النقض كما علمت، ولورود آثار بعدم نقضه، الظاهر أن النوم فيها خفيف، أو لأنه نوم الجالس،

стр. 319

منها ما جاء عن أنس: «كان أصحاب النبي ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون» (١). وفي الموطإ عن نافع «أن عبد الله ابن عمر كان ينام جالسا، ثم يصلي ولا يتوضأ» (٢)، وقوله تخفق، يقال خفق برأسه يخفق من باب ضرب؛ إذا أخذته سنة، فمال برأسه دون جسده. وأما الملامسة فالمراد بها لمس المرأة غير المحرم متى تم ذلك بقصد، أو بدون قصد مع حصول الالتذاذ، ولذلك قيدها المؤلف هي والمباشرة بالجسد والقبلة؛ بالالتذاذ، وحمَل الملامسة على المس باليد، فعطف عليها المباشرة بالجسد. قال خليل مبيِّنا قيد النقض بالملامسة: «إن قصد اللذة أو وجدها لا انتفيا»، فالصور عندهم أربع باعتبار وجود اللذة وقصدها، فمتى وجدها أو قصدها؛ انتقض الوضوء، فإن انتفيا فلا وضوء. ومذهب مالك هنا وسط بين من اعتبر اللمس ناقضا بإطلاق كالشافعي، وبين من لم يعتبره ناقضا بإطلاق. وقد قال ابن عبد البر: «الذي ذهب إليه مالك وأصحابه في اشتراط اللذة ووجود الشهوة عند الملامسة أصح إن شاء الله، لأن الصحابة لم يأت عنهم في الملامسة إلا قولان: أحدهما: الجماع نفسه، والآخر: ما دون الجماع من دواعي الجماع وما يشبهه، ومعلوم في قول القائلين هو ما دون الجماع؛ أنهم أرادوا ما ليس بجماع، ولم يريدوا اللطمة ولا قبلة الرجل ابنته رحمة، ولا اللمس لغير اللذة،،،» (٣). وقال ابن العربي مبينا وجه تفسير الملامسة بالمس: «إن الله تعالى أنزل اللمس المفضي إلى خروج المذي منزلة التقاء الختانين المفضي إلى خروج المني، فأما اللمس

стр. 320

المطلق فلا معنى له» (١). وهذا الذي استنبطه ابن عبد البر وابن العربي من أقوال الصحابة في معنى ملامسة النساء غير الجماع. قال عنه ابن رشد في بداية المجتهد بعد أن بين مآخذ أقوال أهل العلم في المسألة: «ولكل سلف من الصحابة إلا اشتراط اللذة؛ فإني لا أذكر أحدا من الصحابة اشترطها»، وقد فرق ابن رشد في مقدماته لما اقتضته المدونة من الأحكام؛ بين المس واللمس في اللغة، وبين أن الأخير يكون مع الطلب والقصد بخلاف المس. ومن العجب ما تأوله ابن حزم وهو من القائلين بأن اللمس ينقض مطلقا في حديث حمل النبي ﷺ أمامة بنت أبي العاص، وهي بنت ابنته زينب ﵍ على عاتقه في الصلاة، والحديث في الموطإ والصحيحين عن أبي قتادة، حيث قال: «لأنه ليس فيه أن يديها ورجليها لمست شيئا من بشرته ﵇!!، إذ قد تكون موشحة برداء أو بقفازين أو جوربين!!، أو يكون ثوبها سابغا يواري يديها ورجليها وهذا الأولى أن يظن بمثلها بحضرة الرجال!!،،،»، انتهى، إذ كيف يقال عن صبية حملت على العاتق تأنيسا لها ومراعاة لطفولتها أن تسترها هو اللائق بها بمحضر الرجال؟. ويذكر استطرادا أن أشهب روى عن مالك أنه سئل عن حمل النبي ﷺ أمامة في الصلاة، ووضعها إذا سجد؛ هل ذلك للناس؟، فقال: «نعم، إن لم يجد من يكفيه»، وهو في النوادر: ذكر ما يستخف من العمل في الصلاة. وذكروا من مرجحات تفسير الملامسة بالمس في قول الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، أن هذا التفسير لا يكون معه تكرار في الاية، لأن الإجناب ذكر قبلها، وللتوفيق بين قراءة لمستم ولامستم، ولأن هذه هي حقيقة اللمس، والجماع مجاز، فلا يعدل عن الحقيقة إليه، وقد فسرها بذلك عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وجعله بعضهم لازم قول عمر ﵁، لأنه يرى عدم تيمم الجنب، مما يعني أن الملامسة عنده ليست الجماع، فلما جاءت نصوص السنة على خلاف ظاهر الآية؛ قيد اللمس الناقض بالقصد واللذة، في
следующие страницы →