← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

• قوله: ١٢٦ - «والتوبة فريضة من كل ذنب من غير إصرار والإصرار المقام على الذنب واعتقاد العود إليه». التوبة في اللغة الرجوع، وفي الشرع الرجوع عن أمر مذموم إلى أمر محمود شرعا، والمرجوع عنه ثلاثة أقسام: كفر، والتوبة منه إلى الإيمان، ومعصية، والتوبة منها إلى الطاعة، وبدعة، والتوبة منها إلى السنة، والتوبة واجبة من كل ذنب كبيرا كان أو صغيرا، وهذا لا يتنافى مع كون صغائر الذنوب تغفر باجتناب كبائرها، بشرط أن لا يصر على الصغائر، فإنها تصير بذلك كبائر، وتكون التوبة من الذنب المعلوم تفصيلا، ومن المجهول إجمالا، ولا تصح إلا بالندم على ما بدر من المرء من المخالفة، بشرط الإقلاع، والعزم على عدم العود إليه، وفي الحديث: «الندم توبة»، وفي الحديث: «التوبة من الذنب: الندم والاستغفار»، أما قوله من غير إصرار، فلأن الإصرار وهو الاستمرار على المعصية ينافى التوبة منها، وهكذا إضمار العود إليها لا تتحقق معه ماهيتها، وقد جاء في المرفوع من حديث عبد الله بن عمرو: «وويل للمصرِّين الذين يُصرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون» وهو في مسند أحمد، والأدب المفرد. والمقام على الذنب هو بضم الميم الإقامة عليه والاستمرار، قال سهل بن عبد الله: «الجاهل ميت، والناسي نائم، والعاصي سكران، والمصر هالك، والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقول: أتوب غدا، وهذا دعوى النفس، كيف يتوب غدا، وغدا لا يملكه»؟، انتهى، وقال صاحب المرشد المعين: وتوبة من كل ذنب يجترم … تجب فورا مطلقا وهي الندم بشرط الإقلاع ونفي الإصرار … في ظاهر وباطن ذا استغفار وقد تكرم الله تعالى بقبول التوبة ولو تكرر الذنب، فإنه سبحانه هو التواب الرحيم، وهو يحب التوابين، ووصف سبحانه من لم يتب بالظالم، وعلق الفلاح سبحانه على

стр. 2557

التوبة، وهي تقبل من العبد ما لم يغرغر، روى ذلك الترمذي عن عبد الله بن عمر، وهو في سنن ابن ماجة عن ابن عمرو، وقد نبه ابن كثير في تفسيره على أنه وهم. وقوله: «ما لم يغرغر»، أي ما لم تبلغ روحه حلقومه بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض، وهو أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى أصل الحلق ولا يبلع، قال نحوه في النهاية، وقال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ومن تلك الآيات طلوع الشمس من مغربها كما هو عند الشيخين وأبي داود وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾، قال ابن كثير: «إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لم يقبل منه، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك فإن كان مصلحا في عمله فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحا فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته، كما دلت عليه الأحاديث، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، أي لا يقبل منها كسب عمل صالح، إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك»، انتهى، وقال الشيخ علي العدوي في حاشيته على شرح أبي الحسن: «وتقبل توبة المؤمن ولو بعد الغرغرة، ولو بعد طلوع الشمس من مغربها، بخلاف الكافر فيهما إلا أن يكون معذورا لصباه، أو جنونه فيقبل منه إسلامه على ما ارتضاه علي الأجهوري»، انتهى، وقد أثبته النفراوي في شرحه أيضا وهو مردود بالأحاديث الواردة في قبولها بما قبل الغرغرة، وظاهر الآية المتقدمة، ونص عليه قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٨]، وإنما لم تقبل حينئذ لأن الكافر يستيقن فيكون كالمكره على الإيمان، إذ لا اختيار له، وكذلك العاصي، فلا يعتد بأعمال هؤلاء، لأن زمان التكليف انقضى، وشرط صحة العمل الاختيار، أما القول بصحة من أكره على الإيمان إذا أذعن فيما بعد لقول النبي ﷺ : «عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل»، رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة، فلأنه ممن يستقبلون الحياة فيكون لهم الاختيار بعد، وربما استثنيت بعض الذنوب من هذا الأصل، أعني قبول التوبة، كقاتل المؤمن متعمدا، وقد

стр. 2558

تقدم في جزء العقيدة، وشارب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن تاب؛ تاب الله عليه، وقال في الرابعة: «فإن عاد كان على الله حقا أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة: عصارة أهل النار»، جاء ذلك في حديث ابن عمرو عند أحمد وغيره، وقال الشيخ البنا في الفتح الرباني: «هذه مبالغة في الزجر والوعيد الشديد، وإلا فقد ورد: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة»، رواه أبو داود والترمذي عن أبي بكر الصديق، انتهى. قلت: الحديث استغربه الترمذي، وفيه أبو نصيرة مولى أبي بكر، وهو ضعيف، ولو صلح للاحتجاج لكان عاما فيبنى العام على الخاص، ولا يجوز أبدا أن يستحضر المرء وهو منهمك في المعاصي هذا الحديث لو صح لأن المراد منه أن من حصل ذلك منه فباب التوبة مفتوح أمامه، وما أعظم الفرق بين الأمرين، وقد روى الترمذي عن معاوية مرفوعا: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه»، والحكمة في ذلك والله أعلم أن حد الجلد لم يعد نافعا له في تكفير الذنب، لكن جمهور أهل العلم على أن هذا الحديث منسوخ لأن النبي ﷺ أُتِيَ بمن شرب الخمر في الرابعة فلم يقتله. واعلم أيها المؤمن أن جعل الغرغرة حَدًّا لقبول التوبة لا يعني أنها مثل توبة من يتوب وهو صحيح شحيح، ولذلك أخبر الله تعالى أنه يتوب على من يتوب من قريب، أي قرب حصول التوبة من وقوع الذنب، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٧]، أما إن عاود الذنب واستمر عليه وأصر فإن نفسه تتسخ وتتدسى فيصعب أن تتطهر، ولهذا سكت عنه، أما من تأخرت توبته إلى حضور موته فقد دل كتاب الله تعالى على عدم قبولها، وجاء في حديث النبي ﷺ ما علمته، فينبغي وضع كل شيء في موضعه، بحيث يوسع ما وسعه الله ورسوله، ويضيق ما ضيقاه، ولا يذكر مثل حديث الغرغرة إلا ليبين به سعة فضل الله، ويستعمل في ميدان الدعوة إلى المبادرة بالتوبة، لأن المرء لا يدري متى يأتيه الموت، ولكل مقام مقال.

стр. 2559

• قوله: ١٢٧ - «ومن التوبة رد المظالم واجتناب المحارم والنية أن لا يعود». المظالم جمع مظلمة، يريد أن على التائب أن يرد إلى الناس ما أخذه منهم ظلما إن كان مالا، فإن مات المظلوم رده إلى وارثه، فإن لم يجد وارثه أو جهل المظلوم تصدق به عليه، وكذلك إذا كان المال المأخوذ من المال العام فإنه يتصدق به، إذ لا يتأتى رده، بخلاف مال نحو الجمعية والجماعة الخاصة، وإن كانت أعراضا كأن اغتاب أحدا أو قذفه أو شتمه أو كذب عليه أو فوت عليه حقه بشهادة زور استحله، فإن خشي من ذلك فتنة وضررا عظيما، أو لم يجده أو مات استغفر له، ولجأ إلى الله أن يرضيه حتى يسامحه، أما اجتناب المحارم أي المحرمات فقد تقدم أن من شرط التوبة الإقلاع عن الذنب المتوب منه، أما غيره من الذنوب فليس الإقلاع عنه شرطا، وإن كان واجبا ولما كان رجوع المرء عن الذنب وتوبته منه قد تورثه زهوا واغترارا بما هو عليه من الطاعة واعتدادا بها، وكان قضاء ما فوته من الفرائض لا بد منه، وربما عسر عليه قياد نفسه إلى ما يريد من خير؛ ذكر هذه الجمل التي ينبغي للمرء أن يتمثلها وأن يحرص على اصطحاب معانيها فما أعظمها من كلمات.

стр. 2560

• قوله: ١٢٨ - «وليستغفر ربه ويرجو رحمته ويخاف عذابه ويتذكر نعمته لديه ويشكر فضله عليه بالأعمال بفرائضه وترك ما يكره فعله ويتقرب إليه بما تيسر له من نوافل الخير». ذكر هنا أمورا يتعين على التائب أن يلاحظها ويعمل على وفقها، بل ينبغي أن يراعيها كل مؤمن لأنه لا ينفك عن تقصير، وهي الاستغفار والرجاء والخوف وتذكر النعمة والشكر عليها بفعل الفرائض وترك المحرمات والتقرب إلى الله بنوافل الخير على اختلافها، الاستغفار هو طلب مغفرة الذنوب، أي سترها هذا أصله، والمراد عدم المؤاخذة عليها أو محوها والتجاوز عنها، وهو مما أمر الله به نبيه ﷺ فكيف بغيره: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]، وقد امتثل رسول الله ذلك فكان يقول: «اللهم اغفر لي خطئي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي»، رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري، وقال النبي ﷺ : «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»، رواه البخاري عن أبي هريرة، ومن أدعيته في آخر صلاته: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت»، فهذا تعليم لنا وتوجيه، وعلى القول بأنه يجوز على الرسل صغائر الذنوب فلا إشكال في هذه النصوص، والصواب أنها لا تجوز عليهم، فإن أفعالهم الأصل فيها الاقتداء، فيلزم الاقتداء بهم في غير الحق، واللازم باطل فالملزوم مثله، وقد اختلف في معنى استغفاره وما نسب إليه من الذنب، والظاهر أنه من الفتور عن ذكر الله بالاشتغال بغيره من المباحات، ومن التقصير عما هو فوق ما كان عليه بالنظر إلى كثرة نعم

стр. 2561

الله على العبد، والذنب أعم من أن يكون معصية، وقد قيل حسنات الأبرار سيآت المقربين، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ (٣)﴾ [هود: ٣]، وقال النبي ﷺ : «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟، من يسألني فأعطيه؟، من يستغفرني فأغفر له»؟، رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة، وألفاظهم متفاوتة، وقال النبي ﷺ لعائشة -رضي الله تعالى عنها-: «إن كنت قد ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه، فإن التوبة من الذنب الندم والاستغفار»، رواه البيهقي، وقال النبي ﷺ : «إن ربك ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، وهو يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري»، رواه أبو داود والترمذي عن علي. والرجاء هو الطمع في رحمة الله من المطيع، أما المتمادي في المعصية فرجاؤه مذموم، لأنه يزداد به اطمئنانا إلى ما هو فيه، والخوف هو الألم الذي يحسه المرء لتوقع مكروه مستقبلا، ولا بد من الخوف والرجاء معا حتى يستقيم حال الإنسان، فبالخوف يكف عن المعاصي، وينقبض عن الشبهات، ويتقال العمل، ويخشى عدم القبول، وبالرجاء ينشط للعمل فتزداد رغبته فيه فيكثر من الطاعات وينتظر رحمة الله، فالخوف من الله في الدنيا نيل الأمن في الآخرة، وعكسه كذلك، فلا يجمع الله تعالى على عبده أمنين، ولا خوفين، قال الشاطبي ﵀: «الخوف سوط سائق، والرجاء حاد قائد، والمحبة تيار حامل»، انتهى، والمطلوب تقديم الخوف في حال الصحة، والرجاء في حال المرض والضعف، ولا يجمع الله تعالى على عبده خوفين، فمن خافه في الدنيا أمنه في الآخرة، وقد جمع الله بينهما في كتابه قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقد جاء في كلام لأبي بكر الصديق قوله: «أوصيكم بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، فإن الله أثنى على زكريا

стр. 2562

وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، رواه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن حكيم كما هو في تفسير ابن كثير، وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحِجر: ٤٩ - ٥٠]، وقال تعالى: «﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قال الحسن البصري: «المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمنا»، انتهى، وقال تعالى مخبرا عما يقوله أهل الجنة وهم يحدث بعضهم بعضا، ويذكرون أحوالهم في الدنيا: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور: ٢٧ - ٢٦]، وأخبر عن غير المؤمنين أنهم يعصون ولا يبالون: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)﴾ [القيامة: ٣٣ - ٣١]، يتمطى يتمدد ويفتخر بذلك. أما تذكر نعمة الله فلأنه سبحانه هو الموفق للتوبة، إذ لولاه سبحانه ما كان ذلك، ولأن ذكر النعمة يقود إلى الشكر، ويستقل العبد به عمله كيفما كان، والإنسان كثيرا ما ينسى النعمة إذا والاها الله عليه، ولم يعان حرمانها، حتى إذا فقدها تفطن إلى ما كان فيه، فتحسر وتأسف، ومما يعين على تذكرها أن ينظر المرء إلى سابق أمره إن كان متدنيا عما هو فيه، وأن ينظر إلى من دونه في الصحة والمال وغيرهما كما قال النبي ﷺ : «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه»، رواه أحمد والشيخان عن أبي هريرة، فهذا من وسائل تذكر النعمة التي هو فيها كيفما كان قدرها مع أنه وسيلة إلى القناعة بما هو فيه أيضا، وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث زيادة: «فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم»، أي أن هذا الذي وجهتم إليه يقودكم إلى أن لا تتنقصوا نعمة الله عليكم كيفما كانت، وإذا ذكر النعمة قاده ذلك إلى مزيد الشكر قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]، هذا هو الغالب على الإنسان، لكن الله تعالى يغفر لعباده ما هم

стр. 2563

عليه من التقصير في شكره على نعمه إن هم أنابوا وأصلحوا لأنهم عاجزون عن إحصائها، فمن أين لهم الوفاء بشكرها، والحمد لله الذي وعد بالغفران كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨]، والله تعالى يقبل من عبده شكره ويغفر له، ومن ذا الذي يفي بشكر نعم الله؟، ولعله لذلك جاء وصفه الغفور في قوله تعالى: «كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور».

стр. 2564

• قوله: ١٢٩ - «وكل ما ضيع من فرائضه فليفعله الآن وليرغب إلى الله في تقبله ويتوب إليه من تضييعه». الأصل في ذلك قول النبي ﷺ : «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها»، رواه أحمد والشيخان والترمذي عن أنس، وهو في الموطإ نحوه مرسلا عن سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، ولحديث ابن عباس ﵄، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: «نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى»، وهو عموم ليس فيه فرق بين منسي ومتروك، ويدخل فيما يقضيه زكاة المال وزكاة الفطر، والكفارات المختلفة، والصلوات التي نسيها، أو تركها عمدا عند الجمهور بناء على أن التارك غير كافر، وكذلك صيام رمضان، وهكذا من أخر الحج بناء على أنه واجب على الفور كما هو الحق، فليفعل ذلك كله ويتوب إلى الله من تأخيره أو تركه، فإن كان عاجزا عن الحج مثلا، أناب من يحج عنه، يقضي ذلك كله متى علم المتروك، فإن لم يستيقن عدده أو مقداره تحرى، وقد روي عن مالك أن تارك الصلوات عمدا لا يقضيها، وأنكره عياض، قال ابن ناجي: «وإنكار عياض لا ينفيه، لأن من حفظ مقدم على من لم يحفظ لقلة الناقلين، ولاطلاع بعضهم على ما لم يطلع عليه الآخر، قال سند: يتخرج على قول ابن حبيب لأنه مرتد تاب»، انتهى. ومن الفرائض التي ينبغي أن يتداركها حقوق الناس كالذي أخذه على وجه الربا ورد الدين ولينب من المماطلة، وكذا ما سرقه أو غش فيه أو غصبه أو أخذه بالقمار وما إلى ذلك.

стр. 2565

• قوله: ١٣٠ - وليلجأ إلى الله فيما عسر عليه من قياد نفسه ومحاولة أمره موقنا أنه المالك لصلاح شأنه وتوفيقه وتسديده لا يفارق ذلك على ما فيه من حسن أو قبيح ولا ييأس من رحمة الله». روى الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة؟، تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيقول الله: «أسلم عبدي واستسلم»، وقد شرع للعبد إذا قال المؤذن حي على الصلاة أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنه هو الذي يقدره على أن يستجيب للنداء فيذهب إلى المسجد، فالمرء وإن كان مطلوبا منه الالتزام بما كلف به، ومؤاخذ على التفريط فيه؛ فإنه مفتقر إلى الله في كل حركة من حركاته، وكل تحول بمعنييه، وتقلبه في أمره كله، فافتقاره إلى الله قائم ودائم في كل شؤون حياته، إذ لا حول له ولا قوة إلا بالله، والحول الحركة وهي حسية ومعنوية، فلا تحول من معصية إلى طاعة، ولا من طاعة إلى معصية، ولا في تحصيل خير، أو دفع ضر، إلا بمشيئة الله وإقداره، فإنه هو الميسر، فلا سهل إلا ما جعله الله سهلا، وهو إذا شاء جعل الحزن سهلا، والعبد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، وقد كان أكثر دعاء النبي ﷺ أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، رواه أحمد والترمذي عن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها-، وقد فرض الله علينا الدعاء بالهداية في كل صلاة، بل في كل ركعة من ركعات الصلاة، لم يختر لنا دعاء غير هذا، ولم يستثن منه صالحا ولا وليا ولا نبيا، قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [فاطر: ٢] فعلى العبد أن لا يفارق ذهنه هذا الأمر كيفما كان حاله من حسن أو من قبح، ولا ينبغي أن يمنعه الذنب من استحضار هذه المعاني شرط أن لا تقوده إلى التسويف والاحتجاج بها على الاستمرار على المعصية، ولا أن ييأس من روح

стр. 2566

الله قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧]، فيا ويح من وكله الله إلى نفسه، وقد علم النبي ﷺ فاطمة -رضي الله تعالى عنها- قولا تقوله إذا أمست وأصبحت، قال لها: «ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به؟، أن تقولي إذا أصبحت، وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، رواه النسائي والحاكم عن أنس ﵁، بل جاء عنه ﷺ أنه كان إذا كربه أمر قال: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث»، رواه الترمذي عن أنس.

стр. 2567

• قوله: ١٣١ - «والفكرة في أمر الله مفتاح العبادة». الفكرة بمعنى التفكر هي عبادة بذاتها ومراده التفكر في مخلوقاته، ومنها نفس الإنسان بالنظر فيها نظر اعتبار وتأمل، وفيما هي عليه من بديع الصنع وجمال المظهر والإتقان والانتظام، كل ذلك يقود إلى العلم بأن لها خالقا ومدبرا حكيما كامل القدرة، نافذ المشيئة، هو المستحق وحده لأن يعبد، ويخص بالخضوع والإجلال، وطلب النفع، ودفع الضر، فيقبل المرء على عبادته، ويرغب في الازدياد منها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وقد جاء مرفوعا: «ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها»، وقال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ [الذاريات: ١٩ - ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل: ٨٨]، وكذلك التفكر في انقضاء الحياة، والانتقال إلى عالم الأموات، والقبر وما فيه من الفتن، والبعث والنشور، والحساب والعرض، والصراط، والحوض، ونعيم الجنة، وعذاب النار، مع الجهل بموعد انقضاء الأجل، كل ذلك يقود إلى التخفف من الدنيا، والزهد فيها، وإيثار الآخرة عليها، وترك الأسى على ما يفوت من أعراضها، واليقين بعدل الله متى فات المرء أن ينصفه الناس فيها، وأن ينال ما نالوه منها، فيكون هذا مقويا له وحافزا على الصبر والاحتمال والمضي في طريق الخير، ليقينه أن شيئا من حقه لا يفوته الفوات المطلق، بل ما عند الله خير للأبرار.

стр. 2568

• قوله: ١٣٢ - «فاستعن بذكر الموت والفكرة فيما بعده وفي نعمة ربك عليك وإمهاله لك وأخذه لغيرك بذنبه وفي سالف ذنبك وعاقبة أمرك ومبادرة ما عسى أن يكون قد اقترب من أجلك». أما ذكر الموت فقد أمر به النبي ﷺ إذ قال: «أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت»، رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة، وعزاه في صحيح الجامع إلى ابن عمر سهوا، أو متابعة لما في الأصل كما في المتن الذي مع فيض القدير، وإن صححه الشارح، وفي رواية للبيهقي وابن حبان زيادة: «فإنه لم يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه»، وروى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر مرفوعا: «أكثروا ذكر هاذم اللذات، فإنه لا يكون في كثير إلا قلله، ولا قليل إلا أجزله»، والهاذم القاطع، وقال النبي ﷺ : «اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته فحري أن يحسن صلاته، وصل صلاة رجل لا يظن أن يصلي صلاة غيرها، وإياك وكل أمر يعتذر منه»، رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس كما في الصحيحة للألباني ﵀، وقال النبي ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرا»، رواه الحاكم عن أنس، وروى أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنه تذكر الموت»، والذي بعد الموت في كلام المؤلف هو عالم البرزخ ابتداء من سؤال منكر ونكير فضغطة القبر وفتنته وعذابه لمن كان مستحقا له، والتمتع أو العذاب برؤية المرء مقامه في الجنة أو في النار ثم الحشر والعرض والحساب وأخذ الصحف والصراط، ثم دخول الجنة للمؤمنين أو النار إما دواما للكفار وإما مؤقتا بحسب الجرم للموحدين إذا لم تُكَفَّرْ سيآتهم

стр. 2569

بِمُكَفِّرْ. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وكونها في إنذار الكفار أن يموتوا على الكفر لا يمنع أن ينذر بها العصاة أن يموتوا على المعصية، وليحذر المرء أن يوالي الله تعالى عليه نعمه مع استمراره هو على المخالفة، فإنما هو استدراج، وقد جاء معناه مرفوعا. وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر: ٣٧]، قال قتادة: «اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نغتر بطول العمر، قد نزلت هذه الآية وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة»، انتهى، وقد قيل النذير في الآية هو الشيب، والصواب أنه الرسول، لكن الشيب نذير أيضا، وقد قال رسول الله ﷺ : «أعذر الله إلى امرئ عمره حتى بلغه ستين سنة»، وقال الآخر: فإن أمارتي بالسوء ما اتعظت … من جهلها بنذير الشيب والهرم وقال غيره وهو منسوب للبخاري، وقد قيل لم يقل شعرا غيرهما: اغتنم في الفراغ فضل ركوع … فعسى أن يكون موتك بغتة كم صحيح قد مات قبل سقيم … ذهبت نفسه النفيسة فلته

стр. 2570

٤١ - باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلك قال ابن الأثير: الفَطر الابتداء والاختراع، والفطرة الحالة منه كالجلسة والركبة، وقال عن الفطرة في الحديث: «أي من السنة، يعني سنن الأنبياء ﵈ التي أمرنا أن نقتدي بهم فيها»، انتهى، وقد يقال لم خصت هذه باسم الفطرة مع أن كل الأحكام الشرعية تشاركها في مطلوبية الاقتداء؟، فيقال إنها مختصة بأن الطباع السليمة تميل إليها وتقتضيها، فيكمل بها الإنسان ويتطهر ويتنظف، وبعد كتابة هذا عثرت على كلام البيضاوي الذي قال فيه: «هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع وكأنها أمر جبلي فطروا عليها»، انتهى بالنقل عن الفتح، وقال الحافظ: «ويتعلق بهذه الخصال مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبع، منها تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلا، والاحتياط للطهارتين، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وعباد الأوثان، وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة، وعلى التآلف المطلوب، لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى إلى انبساط النفس إليه، فيقبل قوله، ويحمد رأيه، والعكس بالعكس»، انتهى كلامه ﵀، وقال ابن العربي في كتابه القبس عن حكم خصال الفطرة العشرة بعد بيان اختلاف العلماء فيه: «والذي عندي أن جميعها واجب، وأن من تركها لم يكن من جملة الآدميين، فكيف بجماعة المسلمين»؟، انتهى، وهي بهذا المعنى يدخل فيها الختان وستر العورة وغيرهما مما ذكره لكن المؤلف عم ثم خص في الترجمة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤]، والكلمات هنا هي الأوامر والنواهي، وقد روي عن ابن عباس أن الله تعالى ابتلاه بالطهارة

стр. 2571

خمس في الرأس وخمس في الجسد، وهي نحو مما في حديث أم المؤمنين عائشة الآتي، وعن ابن عباس أيضا أنه قال ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم»، انتهى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧]، ولا يستخفن أحد بهذه الخصال، فإن إبراهيم ﷺ قد قام بهذا كما أطاع ربه في ذبح ابنه، وألقي في النار فصبر على الأذى، فاستحق الإمامة، وكان أهلا لأن يوصف بالوفاء حيث لم تشغله عظائم التكاليف عما دونها من المبار.

стр. 2572

• قوله: ٠١ - «ومن الفطرة خمس: قص الشارب وهو الإطار وهو طرف الشعر المستدير على الشفة لا إحفاؤه والله أعلم وقص الأظفار ونتف الجناحين وحلق العانة ولا بأس بحلاق غيرها من شعر الجسد، والختان للرجال سنة والخفاض للنساء مكرمة». روى أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خمس من الفطرة: قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، والاستحداد، والختان»، ورواه مالك في الموطإ موقوفا، وفي رواية: «الفطرة خمس»، وهو مشعر بالحصر، والرواية المتقدمة أولى، أو أن الحصر غير مراد لكون أفراد الفطرة لا تنحصر فيما ذكر، ولينظر كلام ابن دقيق العيد والحافظ ابن حجر في ذلك، والاستحداد هو حلق شعر العانة كما جاء مفسرا في حديث عائشة الآتي، سمي كذلك لاستعمال الحديدة في إزالته، وقال بعضهم إن العانة هو الشعر النابت حول حلقة الدبر، ولهذا قال النووي: «فيحصل من مجموع هذا استحباب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما»، انتهى. قلت: وقيل بيس ذلك سنة لعدم الدليل؛ قاله الشوكاني في النيل، ومهما يكن فعدم الدليل بعد التسيلم لا ينقل الفعل إلى حيز المنع إن احتيج إليه للنظافة، إذ لا أقل من أن يكون من جملة شعر الجسد الذي تباح إزالته، وروى أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- عن النبي ﷺ قال: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء»، قال: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة»، والبراجم جمع بُرجمة بضم الباء موضع الثني في الأصابع، يجتمع فيها الوسخ، ولا يصل الماء إليها بسهولة كبقية أجزاء الأصابع، وانتقاص الماء هو الاستنجاء به لأنه يلزم من استعماله

стр. 2573

نقصه، وقد تقدم الكلام على السواك غير مرة، وآخرها أوائل الباب الذي قبل هذا، فأما قص الشارب فقد بين المؤلف أن المراد به إزالة «طرف الشعر المستدير على الشفة»، يعني العليا، والإطار هو ما يحدق بالشيء أي يحيط به، فإذا فعل ذلك ظهر شيء من طرف الشفة، وقد فسر بعضهم الإحفاء بمعنى الاستئصال بهذا، وقد جاء الأمر بقص الشارب كما سيأتي عند الكلام على إعفاء اللحية فيكون واجبا، لاسيما وقد قال النبي ﷺ : «من لم يأخذ من شاربه فليس منا»، رواه أحمد والترمذي والنسائي عن زيد ابن أرقم ﵁، وفيه تقوية لمذهب من رأى أن الشارب لا يستأصل كما هو مذهب مالك وسيأتي، وهكذا ما جاء من ربط ذلك بمخالفة أهل الكتاب والمجوس والمشركين، والظاهر أنه لا يشرع استئصال الشارب اعتمادا على ما جاء من الأمر بالإحفاء، فهذا وإن كان محتملا إذا نظر إلى اللفظ بمفرده؛ فإن الصواب هو الجمع بين الألفاظ الواردة في الأحاديث ورد بعضها إلى بعض، كما يجمع بين الأدلة المتعارضة، لاسيما إذا كان مخرج الحديث واحدا، وقد جاءت فيه ألفاظ مختلفة منها أنهكوا وأحفوا عن ابن عمر، وقصوا وجزوا عن أبي هريرة، وستراه في الفقرة الآتية، فتحمل على التقليل من الشوارب على الصفة المتقدمة، والجز والإنهاك قابلان للمعنى الذي تجتمع عليه هذه الألفاظ، فإن الجز هو قص الشعر والصوف، والإنهاك هو الإجهاد، ثلاثيه نهك، يقال نهكته الحمى جهدته وأضنته ونقصت لحمه، هذا معنى ما في لسان العرب، والإحفاء وإن كان معناه الاستئصال، فإن من معناه أيضا الانتقاص على وجه المبالغة، قال ابن الأثير: «ومنه الحديث أمر أن تحفى الشوارب أي يبالغ في قصها»، انتهى، ولأن حلق الشوارب يؤدي إلى اتساع المساحة التي يغطيها الشعر، فإن الزغب إذا حلق اشتد واسود، ومالك وهو راوي الحديث الذي فيه الإحفاء لم يفهم منه الحلق، وهذا هو الذي ينبغي عمله مع جميع النصوص التي جاءت بألفاظ مختلفة، فلا يصح أن يتعلق كل فريق بلفظ منها ويأخذ منه الحكم، ومن ذلك لفظا الإتمام والقضاء فيما على المسبوق أن يفعله بعد سلام إمامه، قال مالك: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وهو الإطار، ولا يجزه فيمثل بنفسه»، انتهى، وقد قال ابن القاسم عن مالك إحفاء الشارب عندي مثلة، وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه، ويقول تفسير حديث النبي ﷺ إحفاء

стр. 2574

الشارب إنما هو الإطار»، انتهى. قلت: هذا بناء على أن الإحفاء ليس من معانيه المبالغة في القص، وقال أشهب عن مالك في حلق الشارب: هذه بدع، وأرى أن يوجع ضربا من فعله»، انتهى، وهي في الاستذكار من كتاب الشعَر، ومن المصلحة الصحية في ذلك أن لا يطول الشعر، فيعوق المرء عن إدخال الطعام إلى فمه، مع ما في ذلك من تلويث الشعر بالطعام، ولأنه تحت المنخرين فيجري عليه ما قد ينزل من الأنف من المخاط والرطوبات. فأما قص الأظفار فلأن اليدين يتناول بهما المرء أغراضه، بل إنهما أكثر الجوارح استعمالا، فيجتمع تحت الأظفار الأوساخ، وربما ظهر ذلك للناس فيتقذرون، زيادة على ما فيها من الضرر، وبستحب البدء باليمنى ثم اليسرى، فأما الجناحان فالمراد بهما الإبطان وهما من الأرفاغ أي المواضع الخفية في الجسد فيسرع إليهما النتن بسبب العرق، ووجود الشعر يزيد به ذلك، فشرع نتفهما لأن شعرهما خفيف لا يتضرر المرء بنتفه، والنتف لا تتسع به المساحة المكسوة بالشعر كما هو الشأن في الحلق، بخلاف العانة التي هي الشعر الواقع بمحاذاة الفرج من الذكر والأنثى فإن حلقها أولى لأن النتف يسبب ألما، وقد يؤذي الفرج ويرخيه، وبقاء الشعر بها يتسبب في تجمع الأوساخ والروائح لكونها بإزاء مخرج البول، وقد يسهل بذلك حصول الأمراض أو انتقالها عند الوقاع، قال ابن العربي: «وأهل مصر ينتفون شعر العانة وهو من التنميص ويرخى المحل ويؤذيه ويبطل كثيرا من منافعه»، انتهى، أما حلق بقية شعر الجسد من المرأة فإنه مشروع إن احتيج إليه لدفع الأذى إلا رأسها فلا يشرع حلقه لأنه مثلة، أما الرجل فقد اختلف في حلقه رأسه في غير الحج والعمرة، والظاهر أن حلقه لغير الحاجة مرغوب عنه، ولاسيما ممن لا يتعمم أما حديث لا توضع اللمم إلا في حج أو عمرة فلم يصح، قال ابن حزم في مراتب الإجماع: «واتفقوا أن حبس الشعر إلى الأذنين وتفريقه في الجبهة حسن … »، انتهى، قلت: تبرجت النساء في هذه الزمن وهن يقصرن شعورهن أو يرسلنها ويلبسن لباس الرجال وتشبه كل من الجنسين بالآخر محرم فلا يجوز أن يطال الشعر من غير علامة تميز، كما هو الحاصل أحيانا. أما الختان فالظاهر تدني حكم خفاض النساء عن ختان الرجال كما نص عليه

стр. 2575

المؤلف، وقد نقل عن مالك المساواة بينهما في الحكم كما هو في الكافي لابن عبد البر، والمنتقى للباجي. وقد جاء في السنة ما يدل على أن المطلوب أن لا يتجاوز في قص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقص الأظافر أربعين يوما، وهذه هي المدة القصوى، وفعل ذلك في أقل منها لا بأس به، لكنه غير لازم، روى مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجة عن أنس قال: «وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين يوما»، وقوله «وُقِّت لنا»، بالبناء للمجهول؛ هو من المرفوع حكما لأن الذي له التوقيت هو رسول الله ﷺ ، وهو ما جاء مصرحا به في رواية بعض من ذكروا: «وقت لنا رسول الله ﷺ »، لكن فيها صدقة الدقيقي، ويمكن اعتبار رواية مسلم شاهدا لها على قول الجمهور في معناها، ومهما يكن فإنها مستغنى عنها.

стр. 2576

• قوله: ٠٢ - «وأمر النبي أن تعفى اللحية وتوفر ولا تقص قال مالك: «ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت كثيرا وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين». روى مالك في الموطإ عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى»، وإعفاء اللحى ترك التعرض لها بالقص منها، وقد جاء هذا في أحاديث عدة، منها قول النبي ﷺ : «قصوا الشوارب وأعفوا اللحى»، رواه أحمد عن أبي هريرة ﵁، وقوله: «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى»، رواه مسلم والترمذي والنسائي عن ابن عمر ﵁، وقوله: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس»، رواه مسلم عن أبي هريرة، وقوله: «أعفوا اللحى، وجزوا الشوارب، وغيروا شيبكم، ولا تشبهوا باليهود والنصارى»، رواه أحمد عن أبي هريرة، وروى البخاري عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى»، وقال النبي ﷺ : «إنهم يوفرون سِبَالهم، ويحلقون لحاهم فخالِفوهم» أخرجه ابن حبان والبيهقي عن ابن عمر، والسِبال مفرده السَّبَلة، وهي الشارب، قال الدسوقي في حاشيته على شرح الدردير: «يحرم على الرجل حلق لحيته أو شاربه ويؤدب فاعل ذلك، ويجب على المرأة حلقهما على المعتمد، وحلق الرأس لا ينبغي تركه الآن لمن عادتهم الحلق»، انتهى، وفي كلامه ما يتعقب في خصوص حلق الرجل رأسه، قال ابن حزم في مراتب الإجماع: «واتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تحوز»، انتهى، وإنما أثبت كلام الدسوقي في شأن حلق اللحية وإن كان الاحتكام في هذه الأمور إنما يكون إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين، لأن فريقا من الناس عندنا إذا ذكرت لهم شيئا لم يألفوه وصفوه بأنه وافد، وقد مر علينا زمان صار فيه توفير اللحية علامة على الانتماء إلى الجماعة الفلانية، أو هو قرينة على أن فاعله يساند الخارجين على الدولة، وهكذا لبس القميص، وتقصير الثوب، بل والبدء بإلقاء السلام في

стр. 2577

الهاتف، حتى قال أحد رؤساء الحكومات وهو المسمى مقداد سيفي منذ أزيد من عقدين غلب البرنس القميص!!، وصدر بذلك تقنين ضيق على الناس بموجبه من قِبَلِ من يتبجحون بانتصارهم لحرية الناس في أزيائهم وما يتقلدون من الأفكار والميول، وأن الناس كما يعلنون يتساوون بمقتضى وصف المواطنة، ثم صاروا يشترطون حلق اللحية وتعرية المرأة رأسها في الحصول على جواز السفر، والبطاقة الشخصية، في الوقت الذي يعم السفور والعري شوارعنا ومدارسنا وإداراتنا، فكل الناس أحرار فيما يفعلون إلا من أراد أن يتسنن أو من أرادت أن تتستر، ومع ذلك يقال إن وصف المواطنة هو الذي يخول للمرء حقوقه من غير التفات إلى غيره، وإن كنا لا نقر أن هذا الوصف هو الذي يرجع إليه في مثل هذه الأمور، فالله حسبنا وهو ولينا وناصرنا ولا حول ولا قوة إلا به. وقوله عن اللحية: قال مالك ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت كثيرا»، جاء في ذلك ما رواه الترمذي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها»، قال الترمذي غريب، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث، لا أعرف له حديثا ليس له أصل أو قال ينفرد به إلا هذا الحديث»، انتهى، وقال في التقريب عن عمربن هارون متروك»، انتهى. وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه»، وفي صحيح البخاري معلقا: «وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه»، لكن تفصيل الأمر هو ما رواه مالك عن نافع؛ أن عبد الله بن عمر كان إذا أفطر من رمضان، وهو يريد الحج، لم يأخذ من رأسه، ولا من لحيته شيئا، حتى يحج، فهذا يدل على أنه كان يأخذ من لحيته في غير نهاية الحج، وظاهر الأول أنه كان خاصا بحالة الحج والعمرة. قال الحافظ: «الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه»، انتهى، قال ابن عبد البر في الاستذكار: «قد صح عن ابن عمر ما ذكرناه عنه في الأخذ من اللحية، وهو الذي روى عن النبي ﷺ أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى،

стр. 2578

وهو أعلم بما روى»، انتهى، وهذا فيه شيء من حيث الأصل فإن العبرة بالرواية لا برأي الراوي أو فعله، ويبدو لي والله أعلم أن حالة التشوه ينبغي أن تدفع. وقد روى أبو داود عن جابر قال: «كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة»، والسبال بكسر السين جمع سَبَلة بمفتوحتين ما طال من شعر اللحية.

стр. 2579

• قوله: ٠٣ - «ويكره صباغ الشعر بالسواد من غير تحريم ولا بأس به بالحناء والكتم». روى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا، فقال رسول الله ﷺ : «غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد»، الثغامة واحدة الثغام، قال في النهاية: «هو نبت أبيض الزهر والثمر يشبه به الشيب، وقيل هي شجرة تبيض كأنها الثلج. وقد تعقب الاستدلال بهذا الحديث على المنع بأنه واقعة عين يتطرق إليها الاحتمال، فلا عموم فيها، فيقال: قد روى أحمد وأبو داود والنسائي عن ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يَريحون رائحة الجنة»، يقال خضب الشيء يخضبه إذا غير لونه بحمرة أو صفرة، والحواصل مفردها حوصلة، وهي للطائر بمثابة المعدة للإنسان، والمراد صدورها لأنها غالبا سوداء، فهي من التعبير بالحال عن المحل كما يقول أصحاب البلاغة، وقوله ﷺ لا يريحون هو ثلاثي، أي لا يشمون ولا يجدون رائحة الجنة، وهو تهديد شديد لا يكون على المكروه. وقال مالك في الموطإ عن صبغ الشعر بالسواد: «لم أسمع في ذلك شيئا معلوما، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي، وترك الصبغ كله واسع إن شاء الله … »، انتهى. قال كاتبه: وحيث جاء النهي من النبي ﷺ عن الصبغ بالسواد، فمالك يأخذ به، والأصل في النهي الدلالة على التحريم عنده مع ما رأيت من الوعيد بعدم دخول الجنة ابتداء على الصبغ بالسواد، إلا أن يقال إن الكلام في الحديث عن جماعة معينة التقى فيها هذا الوصف مع غيره من المخالفات التي لم تذكر، فالصبغ من سماتها كما قيل عن

стр. 2580

الخوارج يحلقون رؤوسهم، وليس كل ما يوصف به من ذمه الشرع يكون ممنوعا، فإن ثبت هذا الذي قلته فذاك، وإلا فدلالة الحديث على التحريم بينة، وهو الذي أراه. وقد ذهب النووي ﵀ إلى التحريم، بعد أن أورد كلاما لأهل العلم ممن يرى خلاف ذلك، وتعقبه الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار (٩/ ٢٦١) فقال: «إن هذا الإصرار من النووي -رحمه الله تعالى- على تصحيح مذهب أصحابه، وجعله أوفق للسنة من غريب تعصبه لهم، بعد العلم بعمل بعض عظماء الصحابة والتابعين بخلافه، وسائر ما نقله عن القاضي وغيره في المسألة، ومنه قول الإمام الطبري من أن الأمر في هذه المسألة - وكذا أمثالها - ليس للوجوب، والنهي ليس للتحريم، لأنها من أمور العادات والزينة والتجمل بين الناس، وما نقله عنه وعن غيره من كونها تختلف باختلاف السن، وباختلاف العادة والأحوال بين الناس، ويعبر فيها الذوق في الزينة هو الصواب كما قال الطبري، وأي مدخل للتحريم في مثل هذا، ولا محرم في الشريعة السمحة إلا ما كان ضارا؟. قلت قوله: «وأي مدخل للتحريم في مثل هذا لأنها من أمور العادات والزينة … الخ، من الكلام العجيب الغريب من هذا العالم، فمتى كانت العادات محظورا على الشرع أن يمنع منها ما يشاء؟، وهل خفيت عليه الأمور التي هي كذلك، ولا يختلف الناس في تدخل الشرع فيها؟، أما أنه لا محرم في الشريعة السمحة إلا ما كان ضارا؛ فنعم، لكن هل أحطنا نحن بكل ما يضرنا؟، مع أن المناسبة واضحة في هذا المنع وهي التلبيس بظهور المرء على غير صفته، وإلا فإن من أعظم من الضر أن نخالف ما نهينا عنه عرفنا ضره أو لم تعرف، ويقوي الحديث ما سيأتي من النهي عن نتف الشيب فإنه قريب من النهي عن الصبغ بالسواد. أما الاحتجاج بأن الصحابة مختلفون في هذا الأمر، وأن بعض كبارهم قد صبغوا بالسواد فليس بحجة، وإلا لكان كل ما اختلفوا فيه كذلك، ومن لم يبلغه النهي فلا حرج عليه. ثم قال عن حديث ابن عباس السابق إنه: «ضعيف متنا وسندا، بل قال ابن الجوزي إنه موضوع، ويؤيده أن من آيات الوضع في متنه الوعيد بالحرمان من رائحة الجنة على أمر

стр. 2581

من العادات، ولا يحرم من الجنة إلا الكافر بالمعنى الأخص، دع مخالفته لحديث الصحيحين، وفي سنده عبد الكريم غير منسوب، والظاهر أنه ابن أبي المخارق، وهو ضعيف، فإن قيل: يحتمل أنه الجزري الذي روى عنه الشيخان قلنا: التصحيح لا يثبت بالاحتمال، ولا سيما في أمر مخالف لأصول الشرع كهذا الوعيد، وإن ابن حبان منع من الاحتجاج بما ينفرد به عبد الكريم الجزري كهذا الحديث»، انتهى. قلت: رد المنذري وابن حجر على ابن الجوزي اعتبار حديث ابن عباس موضوعا، وبيَّنَا أن عبد الكريم هذا هو ابن مالك الجزري، وهو ثقة. أما أن الحديث مخالف لأصول الشرع باعتبار هذا الوعيد العظيم على هذا الأمر الذي يعتبره هو خفيفا؛ فجوابه أن الكلام فيمن بلغه النهي، ثم اقتحمه، ولم يتب منه، ومات مصرا عليه، ولم يغفره الله له، ولم يكفر ذنبه بالمكفرات الكثيرة، ففيم الاستغراب؟، وقد تكرر ما يشبه هذا الأمر من هذا العالم في تفسيره الذي لم يكتب مثله، ومع هذا قل انتفاع الناس به، ومن اجتنب هذا الذي أشرت إليه يرجى له خير كثير من هذا التفسير. ويذكر للمناسبة أن هشيما كان يخضب بالسواد فأتاه رجل فسأله عن قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ [فاطر: ٣٧]، فقال: «قد قيل إنه الشيب»، فقال له السائل: «فما تقول فيمن جاءه نذير من ربه فسود وجهه»؟، فترك هشيم الخضاب بالسواد»، انتهى. وقد روى الترمذي وحسنه عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ نهى عن نتف الشيب، وقال: «إنه نور المسلم» وهو في شعب الإيمان للبيهقي بأزيد منه، قال ابن العربي في العارضة: «الصحيح أن الشيب وقار، وإنه لنور في المعنى، لكن لم يصح لفظا، وصحته من جهة المعنى أنه ينذره بالفناء فيبصر العاقبة وينظر لها،،، إلى أن قال وإنما يحمله على النتف حبه للنساء، ورغبته في الدنيا، فإن بياض الشعر سواد في أعين الغواني، وقد أنشدني بعض أصحابنا في المذاكرة في المسجد الأقصى: ورائدة للشيب لاحت بمفرقي … فعاجلتها بالنتف خوفا من الحتف فقالت على ضعفي استطلتَ وقلتي … رويدك للجيش الذي جاء من خلفي

стр. 2582

قلت: في الأصل (مرفقي)، والصواب المفرق، وقوله عن الحديث لكن لم يصح لفظا وهو كثير عنده في مثله دليل على أنه لا يأخذ بالحديث الحسن لغيره كما نسبه إليه بعض أهل العلم، أو لكونه من حديث عمرو بن شعيب، وروى أبو داود عن ابن عمرو مرفوعا: «لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورا يوم القيامة»، وهو في صحيح الجامع من مسند ابن عمر. أما قوله: «ولا بأس به بالحناء والكتم»، يريد تغيير شيب الرأس واللحية بهما، أما استعمالهما في اليدين والرجلين فلا يجوز لما في ذلك من التشبه بالنساء، وقد جاء فيه قول النبي ﷺ : «إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم»، رواه أحمد وأصحاب السنن عن أبي ذر ﵁، والكتم بمفتوحتين، ورق السلم قاله في المصباح كذا في شرح أبي الحسن، وهو نبات يَمَنِيّ يخرج صبغا بين السواد والحمرة، وهو موجود في الجهة الغربية من بلدنا، وظاهر كلام المصنف أن هذا التغيير مباح، والصواب أنه مندوب للأمر به، وقد ذهب مالك إلى أن النبي ﷺ لم يصبغ، واستدل على ذلك بأن عائشة أرسلت إلى عبد الرحمن بن الأسود تحثه على ذلك وذكرت له صبغ أبي بكر، قال مالك: «في هذا الحديث بيان أن رسول الله ﷺ لم يكن يصبغ، ولو صبغ لأرسلت بذلك عائشة إلى عبد الرحمن بن الأسود»، انتهى، وهذا ليس بلازم، فقد تكون نسيت، ولأن الشيب الذي كان في أبي بكر أكثر من الذي كان في النبي ﷺ ، حتى عدوا شعراته البيضاء، ولم يكن مالك يخضب، فعن عبد الملك بن عبد العزيز ابن الماجشون قال، قال بعض ولاة المدينة لمالك بن أنس: «ألا تخضب يا أبا عبد الله»؟، فقال له مالك: «لم يبق عليك من العدل إلا أن أخضب»، انتهى، واعتبر الزين العراقي في شرح الترمذي عدم اختضاب النبي ﷺ صارفا للأمر بالاختضاب إلى الندب، ذكره عنه في فيض القدير، ثم قال: وفيه نظر، فما كان يأمر بشيء إلا كان أول آخذ به»، انتهى. قلت: ما قاله المناوي هو الأصل، وقد يخالف، وقد روى النسائي عن عبيد قال: رأيت عبد الله بن عمر يصفر لحيته، فقلت له في ذلك، فقال: «رأيت النبي ﷺ يصفر لحيته»، وهو في سنن أبي داوود عنه بلفظ أن النبي ﷺ كان يلبس النعال السبتية، ويصفر لحيته

стр. 2583

بالورس والزعفران»، وروى أبو داود عن أبي رمثة قال: «انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ ، فإذا هو ذو وفرة بها ردع حناء، وعليه بردان أخضران»، الوفرة شعر الرأس إذا بلغ شحمة الأذن، وردع حناء أي لطخ حناء، والعراقي ﵀ حافظ محدث لعله رجح ما في الصحيحين وغيرهما عن أنس أنه ﷺ لم يخضب، وإنما خضب أبو بكر وعمر، والمثبت مقدم على النافي، ومما يتعلق بالحناء ما رواه أحمد عن أيوب بن حسن عن جدَّتِه سلمى خادم النبي ﷺ قالت: ما اشتكى أحد إلى رسول الله ﷺ وجعًا في رأسه إلا قال: «احتجم» ولا أشتكي أحد وجعًا في رجليه إلا قال: «اِخصب رِجْليك».

стр. 2584

• قوله: ٠٤ - «ونهى الرسول ﵇ الذكور عن لباس الحرير وتختم الذهب وعن التختم بالحديد». أما لبس الحرير والتختم بالذهب فالنهي عنهما خاص بالرجال، وأما التختم بالحديد فيعم الجنسين، ولهذا سيشير إليه المؤلف بعد، وقد قال النبي ﷺ : «أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي، وحرم على ذكورها»، رواه أحمد والترمذي والنسائي عن أبي موسى الأشعري، وهو عند ابن ماجة عن علي، وقال النبي ﷺ : «لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة»، وهو في الصحيح عن ابن الزبير، وروى مالك في الموطإ في (باب العمل في القراءة) عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن لُبس القَسي، وعن تختم الذهب، وعن قراءة القرآن في الركوع»، وهو في صحيح مسلم عن يحيى عن مالك بسنده، والنهي عن لبس القسي في صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب، والقسي بفتح القاف والسين المكسورة المشددة ثياب من كتان مخلوط بحرير نسبة إلى القس قرية قيل هي بمصر، فلبس الحرير حرام على الرجال خالصا كان أو مخلوطا بغيره، كما لا يجوز اتخاذه فراشا لأنه لبس، وقد جاء ذلك في الحصير وهو إنما يفرش، وقاله عبيدة بن عمرو السلماني وهو في البخاري، وفي الصحيح عن حذيفة قال، قال رسول الله ﷺ : «لا تشربوا في إناء الذهب والفضة، ولا تلبسوا الديباج والحرير، فإنه لهم في الدنيا، وهو لكم في الآخرة»، والديباج ما غلظ من ثياب الحرير، يقال دبج إذا زين ونقش. ولا يجوز للرجل استعمال ما منع منه تبعا لاستعمال امرأته، وقيل يستعمله لأنه يجوز لها ذلك وهي فراشه، فلو منع منه لكان فيه حرج، قال خليل: «وجاز للمرأة الملبوس مطلقا ولو نعلا لا كسرير»، انتهى. والمشهور أن لبس الحرير ممنوع على الذكور ولو لعذر كحكة أو جهاد، وقد روى

стр. 2585

مسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ رخص لعبد الرحمن ابن عوف والزبير بن العوام في القُمُص الحرير في السفر من حكة كانت فيهما، أو وجع كان بهما»، والظاهر أن هذا ليس خاصل بهما، فإن حكم الشرع على الواحد حكم على غيره. وروى مسلم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده»، وفيه تغيير المنكر باليد لمن قدر عليه، وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن بريدة أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من شبه، فقال له: «ما لي أجد منك ريح الأصنام»؟، فطرحه، ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل النار»؟، فطرحه، فقال: «يا رسول الله، من أي شيء اتخذه»؟، قال: «اتخذه من ورق، ولا تتمه مثقالا»، وهو ضعيف، والشبه بفتح الشين والباء النحاس الأصفر، سمي كذلك لأنه يشبه الذهب في اللون، قال الحافظ بعد أن أورد بعض كلام أهل العلم في سنده: «فإن كان محفوظا حمل المنع على ما كان حديدا صرفا»، انتهى. أما الاستدلال على جواز لبس خاتم الحديد بقول النبي ﷺ الذي في الصحيح: «التمس ولو خاتما من حديد» فغير مقبول، لأنه لا يلزم من جواز الاتحاذ جواز اللبس، وله أمثلة في السنة منها الحلة السيراء التي وهبها النبي ﷺ لعلي، وكذلك عمر، ومع ذلك منعهما من لبسها، ومنها أن النبي ﷺ أهدي له ثوب حرير فقبله وهو لا يلبسه، وهو في الصحيح، ومنها إعطاؤه مخرمة قَبَاء من ديباج مزررا بالذهب، وهو في الصحيح أيضا، ومنها أن العلماء اختلفوا في أواني الذهب والفضة هل تمتلك؟، وإن كان استعمالها ممنوعا، والامتلاك للانتفاع وهو أعم من اللبس. وقال في المدونة في باب الإحداد: «لا تلبس حليا ولا قرطا ولا خاتم حديد»، انتهى، فرأى بعضهم أن ظاهرها جواز لبس خاتم الحديد، أخذه من ذكر منع المعتدة منه، والمعتمد عندهم كراهة التختم به، وقد روى البيهقي في الشُّعَب عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله ﷺ عن خاتم الذهب وخاتم الحديد». قال الشيخ علي العدوي في حاشيته على شرح أبي الحسن عن التختم بالحديد:

стр. 2586

«والمعتمد الكراهة ككراهة التختم بالنحاس إلا لمن به ضرر الصفراء بالنسبة لخاتم النحاس، وإلا لخوف الجن بالنسبة لخاتم الحديد، فإنه نافع فتدبر»، انتهى، وزاد الشيخ النفراوي في شرحه فيظهر أن العدوي كعادته أخذ عنه ما سبق: «كما ينفع تعليق الأترج في البيت من الجن أيضا»، انتهى. وما قالاه مفتقر إلى الدليل، وخوف الجن لا يدفع بتعليق الأترج في البيت، ولا بلبس خاتم الحديد، فما للناس يتركون قراءة القرآن وذكر الله والتعاويذ المشروعة ويلجأون إلى ما يظنونه تجربة، وما هي كذلك ولا هذا موضعها، وهكذا معالجة الصفراء بتعليق النحاس، وعندنا من يعالجون عرق النسا بثقب الأذن وتعليق الأقراط عليها، أو وضعها في أرجلهم!!!. وتحريم لبس الذهب في حق الكبير، أما الصغير فيمنعه، والخطاب لوليه، لأنه إن لبسه اعتاده، وقيل هو مكروه للقاعدة التي أصلوها، وهي أن الصبي مكلف بغير الواجب والمحرم كما سبق. واعتبر بهذا أيها القارئ الكريم فإن الطفل إذا اعتاد شيئا في صغره استمر عليه في كبره، كلبس الجارية السراويلات وتعويد الأطفال على الاستماع إلى الموسيقى والغناء والتفرج على الأفلام ونحو ذلك، قال مالك: «وأنا أكره أن يلبس الغلمان شيئا من الذهب، لأنه بلغني أن رسول الله ﷺ نهى عن تختم الذهب، فأنا أكرهه للرجال الكبير منهم والصغير»، انتهى، وانتبه إلى أن الكراهة في قول مالك ليست هي الاصطلاحية ولا بد، وقد نبهت على ذلك في غير موضع، قال ابن عبد البر: «ولما كان على الآباء فرضا منعُ أبنائهم مما حرم الله عليهم من أكل الخنزير والخمر والدم فكذلك سائر المحرمات، وسائر المكروهات»، انتهى. وقد توصل باحثون في اليابان إلى أن الذهب يرسل أشعة ضارة وأن تلك الأشعة تتجمع في رحم المرأة ثم تنزل مع دم الحيض كلما حاضت، وطاعتنا لله لازمة علمنا هذا أو لم نعلمه.

стр. 2587

• قوله: ٠٥ - «ولا بأس بالفضة في حلية الخاتم والسيف والمصحف، ولا يجعل ذلك في لجام ولا سرج ولا سكين ولا في غير ذلك ويتختم النساء بالذهب ونهي عن التختم بالحديد». أي يجوز أن تكون الفضة في الخاتم المتخذ مما عدا الحديد والنحاس كالخشب والأحجار الكريمة، أو أن مراده اتخاذ الخاتم كله من الفضة، ولا يجوز تعدده ولا يجوز ما بعضه ذهب ولو قل، وقيل بالكراهة مع القلة. ولا يجوز أن يتعدى وزن الخاتم درهمين، وهو نحو ست غرامات، ولعل معتمدهم حديث بريدة عند أبي داود والترمذي والنسائي المتقدم وهو ضعيف، مع أنه معارض بقول النبي ﷺ : «من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقا من نار فليطوقه طوقا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سوارا من نار فليسوره سوارا من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها»، رواه أبو داود وأحمد والبيهقي عن أبي هريرة. والمقصود بقوله «حبيبه أي محبوبه، قيل خصوص الذكور، بمعية أدلة جواز الذهب للنساء، وقيل يعم الزوجة والولد وغيرهما لا فرق بين ذكر وأنثى، لأن وزن فعيل يشترك فيه هذا وهذا، فيقال رجل قتيل وامرأة فتيل، وهو من أدلة القائلين بمنع الذهب المحلق كالسوار والخاتم والقرط، والجمع أولى. وقد جاء في كون الخاتم كله فضة حديث أنس عند مسلم قال: «كان خاتم النبي ﷺ من ورق، وكان فصه حبشيا»، وفي صحيح البخاري: «وفصه منه»، وقد روى البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر من بعده، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع في بئر

стр. 2588

أريس، ونقشه محمد رسول الله، ورواه النسائي وابن ماجة من حديث أنس ﵁ مختصرا. وأما تحلية السيف بالفضة أو بالذهب فلا فرق بين أن تكون في غمده، أو في قبضته، وذكروا أن ذلك فيه إرهاب لعدو، وهو أيضا خاص بسيف الرجل، لأن الأصل أن المرأة لا تقاتل، ولا يجوز في شيء من آلات الحرب، سواء أكانت مما يلبس كالمنطقة، أو يتقى بها كالترس، أو يقاتل بها كالرمح والسكين، أو يستعان بها على الركوب كالسرج واللجام، وإنما اقتصر على السيف لأنه أقوى آلات القتال، ولوجود الدليل عليه كما هو عند أبي داود والترمذي عن أنس قال: «كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ فضة»، والقبيعة كما في النهاية هي التي تكون على رأس قائم السيف، وهو موضع إمساكه. أما تحلية المصحف فجائزة لتعظيمه كذا قالوا، وهو مفتقر إلى الدليل، فكيف إذا جاء ما يدلُّ على التنفير منه، وهو قول النبي ﷺ : «إذا زوّقتم مساجدكم، وحلّيتم مصاحفكم، فالدّمار عليكم» رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن أبي سعيد، كذا هو في الصحيحة برقم (١٣٥١). ومما لم يذكره المؤلف ربط السن، وقد روى أبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة بن أسعد قُطِعَ أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفا من ورق، فأنتن عليه، فأمره النبي ﷺ فاتخذ أنفا من ذهب»، وقد قال خليل: «وحرم استعمال ذكر محلى ولو منطقة وآلة حرب إلا المصحف والسيف والأنف وربط سن مطلقا، وخاتم الفضة لا ما بعضه ذهب، لو قل، وإناء نقد واقتناؤه وإن لامرأة»، انتهى، وقد ذكر المؤلف ما لا يجوز أن يكون من فضة ولا من ذهب وهو السرج والسكين ومثله المنطقة بكسر الميم وفتح الطاء وهي ما يشد به الوسط، وتسمى أيضا المنطَق بكسر الميم والنطاق. ولا بد من الإشارة إلى أن أهل العلم قد اختلفوا في مشروعية التختم لغير ذي السلطان، فإنه هو الذي يحتاج إلى الخاتم ليمهر ما يكتبه لغيره، فليس المراد بالتختم على هذا التزينَ، وإن كان جمهور أهل العلم على جواز التزين به، ومرد الخلاف إلى أن الأصل كان لذلك المعنى، قال الخطابي: «لم يكن لباس الخاتم من عادة العرب، فلما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الملوك اتخذ الخاتم واتخذه من ذهب، ثم رجع عنه لما فيه من الزينة،

стр. 2589

ولما يخشى من الفتنة، وجعل فصه مما يلي باطن كفه، ليكون أبعد من التزين»، انتهى، ومن حجة المانعين حديث أبي ريحانه عند أبي داود والترمذي والنسائي، وفيه: «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان»، سكت عليه الحافظ في الفتح، وحمله المجيزون على أن المراد لبس الخاتم المنقوش عليه ما كان في خاتم النبي ﷺ وهو، وهو جمع حسن لو احتيج إليه بصحة الحديث. قلت: فيكون النهي لحفظ الوثائق من التزوير وحصول الالتباس بتعدد الخواتم وانتحال المرء صفة غيره، كما هو شأن الخواتم اليوم، قال الحافظ: «والذي يظهر أن لبسه لغير ذي السلطان خلاف الأولى، لأنه ضرب من التزين، واللائق بالرجال خلافه، وتكون الأدلة الدالة على الجواز هي الصارفة عن التحريم … ، إلى أن قال: «ويمكن أن يكون المراد بذي السلطان من له سلطنة على شيء ما يحتاج إلى الختم عليه لا السلطان الأكبر، خاصة والمراد بالخاتم ما يختم به فيكون لبسه عبثا، وأما من لبس الخاتم الذي لا يختم به وكان من الفضة للزينة فلا يدخل في النهي … »، انتهى. قلت: هذه العلة لم تعد قائمة في الغالب، فقد غدت الأختام مفصولة تمثل الهيآت لا الأفراد إلا في القليل النادر عند بعض الشيوخ، وقد نقل الحافظ أن مالكا سئل عن حديث أبي ريحانة المذكور قبل فضعفه، وقال: «سأل صدقة بن يسار سعيد بن المسيب فقال: اِلبس الخاتم، وأخبر الناس أني قد أفتيتك»، انتهى، قال الدردير: «فيجوز بل يندب إن لبسه للسنة، لا لعُجْب»، انتهى.

стр. 2590

• قوله: ٠٦ - «والاختيار مما روي في التختم في اليسار لأن تناول الشيء باليمين فهو يأخذه بيمينه ويجعله في يساره». هذا هو الذي ذكره بعضهم معتمدا على أنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، كما في حاشية الدسوقي، وإثبات هذا عسير، ومما ورد في تختم النبي ﷺ في اليمين حديث عبد الله بن عمر عند البخاري والترمذي، وعند مسلم والنسائي عن أنس، وجاء أنه كان يتختم في اليسار عن أنس عند مسلم، وعن ابن عمر عند أبي داود، قال الحافظ بعد تقصيه الأحاديث الواردة في هذه المسألة: «ويظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان اللبس للتزين به فاليمين أفضل، وإن كان للتختم به فاليسار أولى، لأنه كالمودع فيها، ويحصل تناوله منها باليمين، وكذا وضعه فيها، ويترجح التختم في اليمين مطلقا لأن اليسار آلة الاستنجاء فيصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النجاسة، ويترجح التختم في اليسار بما أشرت إليه من التناول»، انتهى. قلت: وعليه فالتختم اليوم في اليمين أولى، وهذا مخالف لما رجحه المصنف، لكون كلامه في التزين بالخاتم لا من أجل الختم به، ولهذا فلا يظهر أن الحافظ أخذ هذا الأمر عنه كما ادعاه عليه الغماري حيث قال في مسالك الدلالة: «فمن أجل هذا أشار المؤلف إلى طريقه في الترجيح، ووافقه على ذلك الحافظ، وإن لم يعزه إليه»، انتهى.

стр. 2591

• قوله: ٠٧ - «واختلف في لباس الخز فأجيز وكره وكذلك العَلَم من الحرير إلا الخط الرقيق». الخز هو ما كان سداه صوفا أو قطنا أو كتانا ولحمته حريرا، والسدى ما مد طولا في النسج، واللحمة ما مد عرضا فيه، فهو ليس حريرا خالصا، وقال الباجي في المنتقى: «الخَز بز يتخذ من الثياب»، انتهى، وهذا لا يحصل به تعريفه، فإن البز هو الثياب، أو هو ضرب منها، وبنى على ذلك أنه لم يختلف في جواز لبسه، نقله عن ابن حبيب، وقال بعضهم هو ما كان من وبر الأرنب، ويسمى ذكره الخز. قلت: في الدارج عندنا إطلاق لفظ الخُز على ذكر الأرنب، لكنهم يضمون الخاء، والراجح عند أهل المذهب كراهة لبس الخز، وهو الذي استظهره ابن رشد والباجي، وذهب ابن العربي إلى الجواز، وقد روى أبو داود عن عبد الله بن سعد عن أبيه قال: «رأيت رجلا ببخارى على بغلة بيضاء عليه عمامة خز سوداء، فقال كسانيها رسول الله ﷺ »، وهذا لو ثبت لما دل على الجواز لما علمت من أن الإهداء لا يلزم منه جواز الاستعمال، وعن ابن عباس ﵄ قال: «إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المصمت من حرير»، وقال: «أما السدى والعَلَم فلا نرى به بأسا»، رواه أحمد وأبو داود، وفيه ضعيف، وقد صححه الألباني، والمصمت هو الذي يكون جميعه من حرير، ليس معه غيره، وقد تقدم بيان معنى السدى واللحمة، وروى مالك في الموطإ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كست عبد الله ابن الزبير مطرف خز كانت تلبسه»، وقال أبو داود: وعشرون من أصحاب رسول الله ﷺ أو أكثر لبسوا الخز، منهم أنس، والبراء بن عازب»، انتهى، ورجح القرافي التحريم لما في حديث عبد الله بن عمر أن عمر رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد الحديث، وفيه قول النبي ﷺ : «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة»، وقد رواه مالك وأحمد والشيخان،

стр. 2592

وهذا مبني على اعتقاده أن السيراء هي ما كان من حرير مع غيره، وقد بين الحافظ أنها يراد بها هذا، ويراد بها ما كان من الحرير خالصا، فرجع الأمر في الخز إلى أن ما كان منه من الحرير الخالص ممنوع، ويدل عليه ما جاء في حديث «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف … ، وقد تقدم، وقد اختلف في كلمة الحر فوردت بالحاء المهملة، وبالخاء المعجمة مع الزاي، والصواب الأول في الرواية، أما ما كان مخلوطا بغيره فهو الذي فيه الخلاف، فيكون ترك ما خالطه الحرير أولى من لبسه، وقد وجدت صاحب النهاية يذكر هذا الذي كان يقع لي في لبس الخز، قال: «الخز المعروف ثياب تنسج من صوف وإبريسم، وهي مباحة وقد لبسها الصحابة والتابعون، فيكون النهي عنها للتشبه بالعجم وزي المترفين، وإن أريد بالخز النوع الآخر، وهو المعروف الآن فهو حرام، لأن جميعه معمول من الإبريسم»، انتهى، وبهذا يجتمع العمل بالأخبار جميعها، والله أعلم. وقوله: «وكذلك العَلَم من الحرير إلا الخط الرقيق»، يعني أن هذا مما اختلف في حكمه، فقيل مكروه، وقيل جائز، ما لم يَقِلْ جدا فيكون كالخيط الرقيق لتفاهته، وهذه العبارة جاءت في كلام ابن القاسم في المجموعة قال: «ولم يجز مالك من عَلَم الحرير في الثوب إلا الخيط الرقيق»، انتهى، وبهذا يعرف ما في كلام الغماري في المسالك عن هذه العبارة، فمالك تمسك في هذه الرواية بعموم المنع في الحديث المتقدم، ولهذا ذكر المؤلف العَلَم في جملة ما اختلف فيه، لكن جاء ما يخصص العموم، فيجوز الشيء اليسير من الحرير في الثوب من تطريف وتطريز، وهو ما لا يتجاوز قدر أربعة أصابع كما في حديث مسلم عن سويد بن غفلة أن عمر بن الخطاب خطب فقال: «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة»، وجاء في صحيح البخاري عنه قدر أصبعين، وفي رواية أبي داود مثل ما في صحيح مسلم، ولا تنافي بين هذه الروايات، فإن الأمر تقريب لا تحديد، فيكون الاحتياط في الاقتصار على الأقل، وتمتنع الزيادة على الأكثر، والله أعلم.

стр. 2593

• قوله: ٠٨ - «ولا يلبس النساء من الرقيق ما يصفهن إذا خرجن». هذا من اللباس المحرم على النساء من غير خلاف، وهو محرم على الرجال كذلك إذا كان على موضع العورة منهم، ووصف الجسم قد يترتب على شفوف اللباس وعن ضيقه وهو المحدد، وقد روى أبو داود عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن أسماء بنت أبي بكر الصديق دخلت على رسول الله ﷺ ، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ ، وقال: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا»، وهو منقطع، لكن لا ريب في صحة الحكم الذي فيه، فإنه أقل ما اتفق عليه المسلمون مما يجوز للمرأة كشفه لغير زوجها ومحرمها، والثوب الرقيق في حكم العدم فلابسته كالعارية، وقد قال النبي ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا»، رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة، وهو في الموطإ من كتاب الجامع موقوف على أبي هريرة مختصرا، وفيه أن المسافة خمسمائة عام، وفي الموطإ عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه أنها قالت: دخلت حفصة بنت عبد الرحمن على عائشة زوج النبي ﷺ وعلى حفصة خمار رقيق، فشقته عائشة وكستها خمارا كثيفا»، ولو لم يكن ذلك ممنوعا لم أفسدت الخمار، لأن إضاعة المال حرام، وقد يسلك هذا ضمن الأدلة على جواز العقوبات المالية، وقد جاء فيها أكثر من حديث، والناس مختلفون فيها، وفيه تغيير المنكر باليد، وفي الحديث: «ويل للنساء من الأحمرين: الذَّهَب والمعصفر»، رواه ابن حبان والبيهقي في الشُّعَب عن أبي هريرة ﵁، وفيه دليل على أن ترك النساء لبس هذين خير لهن.

стр. 2594

• قوله: ٠٩ - «ولا يجر الرجل إزاره بطرا ولا ثوبه من الخيلاء وليكن إلى الكعبين فهو أنظف لثوبه وأتقى لربه». تطويل الثوب مراتب أربعة: أن ينزل عن الكعب، أو يجر اختيالا، وهذان محرمان، والثالث أن يكون من الكعب فما فوق، وهذا واجب، والرابع أن يكون إلى نصف الساق، وهذا مندوب، وقد روى مالك وأحمد والشيخان وأصحاب السنن عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله إن إزاري يسترخى إلا أن أتعاهده، فقال رسول الله ﷺ : «إنك لست ممن يفعله خيلاء»، وهو في الموطإ أيضا عن أبي هريرة، وفيه دليل على أن جر الثوب للمخيلة من الكبائر لأن عدم نظر الله تعالى إلى فاعله يدل على غضبه عليه، وذلك من علاماتها، والأحاديث في هذا الأمر كثيرة لا يشك المطلع عليها أن ذلك كبيرة، فإن فيها نفي تزكية الله للفاعل، أي عدم تطهيره من الذنوب فيستوجب النار، وفيها عدم تكليمه، وغير ذلك. فأما أن الثوب ينبغي أن يكون إلى الكعبين فلقول النبي ﷺ : «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار»، رواه البخاري والنسائي عن أبي هريرة، ورواه مالك من جملة حديث لأبي سعيد، ورواه أحمد عن الأول، والنسائي من حديث حذيفة، والمقصود أن الموضع المغطى بما تحت الكعبين في النار، وهو من إطلاق الحال وإرادة المحل، كما في لفظ الغائط، وقيل غير ذلك، ويحتمل أن يكون على ظاهره فيدل بفحواه على أن اللابس أولى أن يكون معذبا بالنار، فليتبين امرؤ هذا المعنى، وليربأ بنفسه عن أن يكون معترضا على كلام نبي الله ﷺ بمحض رأيه، ومهما يكن ففيه دلالة على تحريم نزول الثوب عن الكعب من العالم بالحكم ولو من غير اختيال، وروى أحمد عن أنس قال، قال رسول الله ﷺ : «الإزار إلى نصف الساق، فلما رأى شدة ذلك على المسلمين قال: «إلى الكعبين لا خير

стр. 2595

فيما أسفلُ من ذلك»، ولا ريب أن تقصير الثوب ينجم عنه أن يكون إلى النظافة أقرب بخلاف تطويله، وإنما جاز للمرأة إرخاؤه لتعارض مفسدتين: مفسدة التكشف ومفسدة التلوث، فشرع ارتكاب أخفهما لدفع أعظمهما، وتسومح فيما قد يلحق ثوب المرأة جراء ذلك ما لم تستيقن النجاسة، واعتبر ما بعده مطهرا له، فعن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت حين ذكر الإزار: «فالمرأة يا رسول الله»؟، قال: «ترخيه شبرا»، قالت أم سلمة: «إذن ينكشف عنها»، قال: «فذراعا لا تزيد عليه»، رواه مالك، فيجتمع للرجل في تقصير ثوبه كما قال المؤلف مصلحتان: رضا ربه ونظافة ثوبه، وهو إشارة منه ﵀ إلى ما رواه أحمد والترمذي في الشمائل من حديث الأشعث بن سليم عن عمته عن عمها قال، قال رسول الله ﷺ : «ارفع إزارك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك»، وسنده ضعيف، وقد حصلت المرأة على مصلحتين أيضا مصلحة الستر ومصلحة التخفيف في التطهر.
следующие страницы →