← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

• قوله: ٠٧ - «واختلف في لباس الخز فأجيز وكره وكذلك العَلَم من الحرير إلا الخط الرقيق». الخز هو ما كان سداه صوفا أو قطنا أو كتانا ولحمته حريرا، والسدى ما مد طولا في النسج، واللحمة ما مد عرضا فيه، فهو ليس حريرا خالصا، وقال الباجي في المنتقى: «الخَز بز يتخذ من الثياب»، انتهى، وهذا لا يحصل به تعريفه، فإن البز هو الثياب، أو هو ضرب منها، وبنى على ذلك أنه لم يختلف في جواز لبسه، نقله عن ابن حبيب، وقال بعضهم هو ما كان من وبر الأرنب، ويسمى ذكره الخز. قلت: في الدارج عندنا إطلاق لفظ الخُز على ذكر الأرنب، لكنهم يضمون الخاء، والراجح عند أهل المذهب كراهة لبس الخز، وهو الذي استظهره ابن رشد والباجي، وذهب ابن العربي إلى الجواز، وقد روى أبو داود عن عبد الله بن سعد عن أبيه قال: «رأيت رجلا ببخارى على بغلة بيضاء عليه عمامة خز سوداء، فقال كسانيها رسول الله ﷺ »، وهذا لو ثبت لما دل على الجواز لما علمت من أن الإهداء لا يلزم منه جواز الاستعمال، وعن ابن عباس ﵄ قال: «إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المصمت من حرير»، وقال: «أما السدى والعَلَم فلا نرى به بأسا»، رواه أحمد وأبو داود، وفيه ضعيف، وقد صححه الألباني، والمصمت هو الذي يكون جميعه من حرير، ليس معه غيره، وقد تقدم بيان معنى السدى واللحمة، وروى مالك في الموطإ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كست عبد الله ابن الزبير مطرف خز كانت تلبسه»، وقال أبو داود: وعشرون من أصحاب رسول الله ﷺ أو أكثر لبسوا الخز، منهم أنس، والبراء بن عازب»، انتهى، ورجح القرافي التحريم لما في حديث عبد الله بن عمر أن عمر رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد الحديث، وفيه قول النبي ﷺ : «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة»، وقد رواه مالك وأحمد والشيخان،

стр. 2592

وهذا مبني على اعتقاده أن السيراء هي ما كان من حرير مع غيره، وقد بين الحافظ أنها يراد بها هذا، ويراد بها ما كان من الحرير خالصا، فرجع الأمر في الخز إلى أن ما كان منه من الحرير الخالص ممنوع، ويدل عليه ما جاء في حديث «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف … ، وقد تقدم، وقد اختلف في كلمة الحر فوردت بالحاء المهملة، وبالخاء المعجمة مع الزاي، والصواب الأول في الرواية، أما ما كان مخلوطا بغيره فهو الذي فيه الخلاف، فيكون ترك ما خالطه الحرير أولى من لبسه، وقد وجدت صاحب النهاية يذكر هذا الذي كان يقع لي في لبس الخز، قال: «الخز المعروف ثياب تنسج من صوف وإبريسم، وهي مباحة وقد لبسها الصحابة والتابعون، فيكون النهي عنها للتشبه بالعجم وزي المترفين، وإن أريد بالخز النوع الآخر، وهو المعروف الآن فهو حرام، لأن جميعه معمول من الإبريسم»، انتهى، وبهذا يجتمع العمل بالأخبار جميعها، والله أعلم. وقوله: «وكذلك العَلَم من الحرير إلا الخط الرقيق»، يعني أن هذا مما اختلف في حكمه، فقيل مكروه، وقيل جائز، ما لم يَقِلْ جدا فيكون كالخيط الرقيق لتفاهته، وهذه العبارة جاءت في كلام ابن القاسم في المجموعة قال: «ولم يجز مالك من عَلَم الحرير في الثوب إلا الخيط الرقيق»، انتهى، وبهذا يعرف ما في كلام الغماري في المسالك عن هذه العبارة، فمالك تمسك في هذه الرواية بعموم المنع في الحديث المتقدم، ولهذا ذكر المؤلف العَلَم في جملة ما اختلف فيه، لكن جاء ما يخصص العموم، فيجوز الشيء اليسير من الحرير في الثوب من تطريف وتطريز، وهو ما لا يتجاوز قدر أربعة أصابع كما في حديث مسلم عن سويد بن غفلة أن عمر بن الخطاب خطب فقال: «نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة»، وجاء في صحيح البخاري عنه قدر أصبعين، وفي رواية أبي داود مثل ما في صحيح مسلم، ولا تنافي بين هذه الروايات، فإن الأمر تقريب لا تحديد، فيكون الاحتياط في الاقتصار على الأقل، وتمتنع الزيادة على الأكثر، والله أعلم.

стр. 2593

• قوله: ٠٨ - «ولا يلبس النساء من الرقيق ما يصفهن إذا خرجن». هذا من اللباس المحرم على النساء من غير خلاف، وهو محرم على الرجال كذلك إذا كان على موضع العورة منهم، ووصف الجسم قد يترتب على شفوف اللباس وعن ضيقه وهو المحدد، وقد روى أبو داود عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن أسماء بنت أبي بكر الصديق دخلت على رسول الله ﷺ ، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ ، وقال: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا»، وهو منقطع، لكن لا ريب في صحة الحكم الذي فيه، فإنه أقل ما اتفق عليه المسلمون مما يجوز للمرأة كشفه لغير زوجها ومحرمها، والثوب الرقيق في حكم العدم فلابسته كالعارية، وقد قال النبي ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا»، رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة، وهو في الموطإ من كتاب الجامع موقوف على أبي هريرة مختصرا، وفيه أن المسافة خمسمائة عام، وفي الموطإ عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه أنها قالت: دخلت حفصة بنت عبد الرحمن على عائشة زوج النبي ﷺ وعلى حفصة خمار رقيق، فشقته عائشة وكستها خمارا كثيفا»، ولو لم يكن ذلك ممنوعا لم أفسدت الخمار، لأن إضاعة المال حرام، وقد يسلك هذا ضمن الأدلة على جواز العقوبات المالية، وقد جاء فيها أكثر من حديث، والناس مختلفون فيها، وفيه تغيير المنكر باليد، وفي الحديث: «ويل للنساء من الأحمرين: الذَّهَب والمعصفر»، رواه ابن حبان والبيهقي في الشُّعَب عن أبي هريرة ﵁، وفيه دليل على أن ترك النساء لبس هذين خير لهن.

стр. 2594

• قوله: ٠٩ - «ولا يجر الرجل إزاره بطرا ولا ثوبه من الخيلاء وليكن إلى الكعبين فهو أنظف لثوبه وأتقى لربه». تطويل الثوب مراتب أربعة: أن ينزل عن الكعب، أو يجر اختيالا، وهذان محرمان، والثالث أن يكون من الكعب فما فوق، وهذا واجب، والرابع أن يكون إلى نصف الساق، وهذا مندوب، وقد روى مالك وأحمد والشيخان وأصحاب السنن عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله إن إزاري يسترخى إلا أن أتعاهده، فقال رسول الله ﷺ : «إنك لست ممن يفعله خيلاء»، وهو في الموطإ أيضا عن أبي هريرة، وفيه دليل على أن جر الثوب للمخيلة من الكبائر لأن عدم نظر الله تعالى إلى فاعله يدل على غضبه عليه، وذلك من علاماتها، والأحاديث في هذا الأمر كثيرة لا يشك المطلع عليها أن ذلك كبيرة، فإن فيها نفي تزكية الله للفاعل، أي عدم تطهيره من الذنوب فيستوجب النار، وفيها عدم تكليمه، وغير ذلك. فأما أن الثوب ينبغي أن يكون إلى الكعبين فلقول النبي ﷺ : «ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار»، رواه البخاري والنسائي عن أبي هريرة، ورواه مالك من جملة حديث لأبي سعيد، ورواه أحمد عن الأول، والنسائي من حديث حذيفة، والمقصود أن الموضع المغطى بما تحت الكعبين في النار، وهو من إطلاق الحال وإرادة المحل، كما في لفظ الغائط، وقيل غير ذلك، ويحتمل أن يكون على ظاهره فيدل بفحواه على أن اللابس أولى أن يكون معذبا بالنار، فليتبين امرؤ هذا المعنى، وليربأ بنفسه عن أن يكون معترضا على كلام نبي الله ﷺ بمحض رأيه، ومهما يكن ففيه دلالة على تحريم نزول الثوب عن الكعب من العالم بالحكم ولو من غير اختيال، وروى أحمد عن أنس قال، قال رسول الله ﷺ : «الإزار إلى نصف الساق، فلما رأى شدة ذلك على المسلمين قال: «إلى الكعبين لا خير

стр. 2595

فيما أسفلُ من ذلك»، ولا ريب أن تقصير الثوب ينجم عنه أن يكون إلى النظافة أقرب بخلاف تطويله، وإنما جاز للمرأة إرخاؤه لتعارض مفسدتين: مفسدة التكشف ومفسدة التلوث، فشرع ارتكاب أخفهما لدفع أعظمهما، وتسومح فيما قد يلحق ثوب المرأة جراء ذلك ما لم تستيقن النجاسة، واعتبر ما بعده مطهرا له، فعن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت حين ذكر الإزار: «فالمرأة يا رسول الله»؟، قال: «ترخيه شبرا»، قالت أم سلمة: «إذن ينكشف عنها»، قال: «فذراعا لا تزيد عليه»، رواه مالك، فيجتمع للرجل في تقصير ثوبه كما قال المؤلف مصلحتان: رضا ربه ونظافة ثوبه، وهو إشارة منه ﵀ إلى ما رواه أحمد والترمذي في الشمائل من حديث الأشعث بن سليم عن عمته عن عمها قال، قال رسول الله ﷺ : «ارفع إزارك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك»، وسنده ضعيف، وقد حصلت المرأة على مصلحتين أيضا مصلحة الستر ومصلحة التخفيف في التطهر.

стр. 2596

• قوله: ١٠ - «وينهى عن اشتمال الصماء وهي على غير ثوب يرفع ذلك من جهة واحدة ويسدل الأخرى وذلك إذا لم يكن تحت اشتمالك ثوب واختلف فيه على ثوب». فسر في النهاية اشتمال الصماء بأن يتجلل الرجل بثوبه ولا يرفع منه جانبا، وإنما سميت صماء لأنه يسد على يديه ورجليه المنافذ كلها، كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع، والفقهاء يقولون هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فتنكشف عورته»، انتهى. وكلام المؤلف كما ترى على التفسير الثاني، ويظهر أن العلة مختلفة فيهما، فهي في الأول أن المرء يكون كالمكتوف، فإذا حصل له شيء لم يقدر على دفعه بيده، وهكذا إذا سقط، وعلة الثاني التعري، ولذلك اشترطوا فيها أن لا يكون تحت الثوب الذي يشتمل به غيره، أما قوله واختلف فيه على ثوب، فكأن القائل بدخول هذه الحالة في النهي راعى التفسير الأول. وقد جاء النهي عن التحاف الصماء فيما رواه مسلم وأبو داود عن جابر عن النبي ﷺ ، وسيأتي بتمامه إن شاء الله عند الكلام على المشي في النعل الواحدة.

стр. 2597

• قوله: ١١ - «ويؤمر بستر العورة». العورة جمعها عورات فيها هي سوأة الإنسان وكل ما يستحيا منه، فيها معنى الخلل والنقص والعيب، وتكون في الثغر بحيث يتمكن العدو من الدخول منه لفجوة فيه، أو في حراسته، وقال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾ [الأحزاب: ١٣]، وهي السوأة لأن ظهورها من الإنسان يسوؤه، أو يسوء غيره، وقد ربط بروزها من الإنسان بأول معصية ارتكبها، وتفطن المرء لسترها كان بداية عمارة الأرض، ومن مظاهر خراب هذا العالم كشفها، وهذا حال العصر الذي نحن فيه، فقد كثر فيه العري، ولاسيما عري النساء الكاسيات العاريات. والأمر بستر العورة للإيجاب مع الناس غير الزوجة، وخير للمرء أن لا ترى امرأته منه ولا يرى منها، فقد جاء ذلك عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وكذا في الصلاة ولو خاليا من غير خلاف، والظاهر أن سترها لازم في غير الصلاة أيضا إن لم تدع لذلك حاجة في حال خلو المرء بنفسه كما في حديث بهز بن حكيم الآتي، والمشهور في المذهب استحباب ذلك. وقد قال زروق ﵀: «ولا خلاف أن السوأتين عورة يجب سترهما، ويحرم النظر إليهما، وما فوقهما وما تحتهما حريم لهما إلى السرة والركبة»، انتهى، وعورة الرجل من ركبته إلى سرته، وهذا خارج الصلاة، وعورة المرأة ما عدا وجهها وكفيها في الصلاة، أما خارج الصلاة مع غير زوجها ومحرمها فقيل جميع جسدها، وقيل كالصلاة، أما مع المحارم والنساء فما عدا الرأس والأطراف. وقد روى أحمد وأصحاب السنن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال، قلت يا رسول الله: «عوراتنا ما نأتي منها وما نذر»؟، قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك»، قلت: «فإذا كان القوم بعضهم في بعض»؟، قال: «إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها»، قلت: «فإذا كان أحدنا خاليا»؟، قال: «فالله أحق أن يستحيى منه»، وقوله:

стр. 2598

«فإذا كان أحدنا خاليا»، يعني وحده، وفي قوله «فالله أحق أن يستحيى منه»؛ دليل على المنع من التعري في الخلاء، وروي عن النبي ﷺ : «أنه قال: «إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم»، رواه الترمذي عن ابن عمر، قال الترمذي غريب، يعني ضعيفا، والله أعلم.

стр. 2599

• قوله: ١٢ - «وإزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه». الإزرة بكسر الهمزة اسم للهيئة التي يكون عليها المؤتزر، والإزار هو الذي يغطي الجزء الأسفل من الجسم، والرداء للأعلى منه، والحلة مجموعهما من لون واحد، وما ذكره المؤلف هو نص حديث رواه مالك في الموطإ عن أبي سعيد، ورواه النسائي عنه وعن أبي هريرة وابن عمر، ولفظ مالك: «عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أنه قال: سألت أبا سعيد الخدري عن الإزار، فقال: أنا أخبرك بِعِلْمٍ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك ففي النار، ما أسفل من ذلك ففي النار، لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا». قال ابن عبد البر في التمهيد: «تكميش الإزار إلى نصف الساق كانت العرب تمدح فاعله، ثم جاء الله بالإسلام فسنه النبي ﷺ ، قال دريد بن الصمة يرثي أخاه ويمدحه: قليل قلبل التشكي للمصيبات حافظ … مع اليوم أدبار الأحاديث في غد كميش الإزار خارج نصف ساقه … صبور على الضراء طلاع أنجد صبا ما صبا حتى إذا شاب رأسه … وأحدث حلما قال للباطل ابعد ونقل ابن عبد البر قول إسحاق بن سويد يرد على المتقدمين من المنكرين لتقصير الثوب، ولهم في المعاصرين خلف، ويَسمُهم بأنهم من أهل النفاق الذين يعادون أهل الورع، ويحبون أهل السكر، قال: إن المنافق لا تصفو خليقته … فيها مع الهمز إيماض وإيماء عابوا على من يرى تشمير أزرهم … وخطة العائب التشميرَ حمقاء عدوهم كل قار مؤمن ورع … وهم لمن كان شريبا أخلاء

стр. 2600

وقد جهل الناس هذا الأمر عندنا لاعتيادهم جر أثوابهم، وعدم نهي أهل العلم لهم لتساهلهم في هذا الأمر فلما رأوا فريقا من الناس يفعلونه استنكروه واعتبروه وافدا كشأنهم مع كثير من السنن التي لا يعلمونها، وهي شنشنة معروفة من أخزم، حتى قال مسؤول كبير في الدولة كيف يصرف الجزائريين عما هم عليه ثلاثة عشر شخصا يشمرون ثيابهم، كذب المسكين بما لم يحط بعلمه، والحديث كما علمت في الموطإ، وجر الثوب خيلاء من الكبائر فصار ذلك التقصير من شأن الأفغان، وما عيب الأفغان سوى أنهم قاتلوا الكفار دفاعا عن بلدهم؟، ومع هذا كنت أقول للناس منذ عقدين من الزمن اتركوا فضيلة التشمير، واكتفوا برفع الثوب عن الكعب لهذا الذي أشرت إلى طرف منه، ومن جهل شيئا عاداه، لكن الناس والمسؤولين منهم تقبلوا بسهولة هذه السراويلات التي لبسها الرجال والنساء وقد شمرت إلى ما فوق الركب، فالمرفوض هو أن يطيع المرء ربه، أما أن يقلد الكفار فيما يبتكرون، ولو تعرى فلا حرج عليه عندهم.

стр. 2601

• قوله: ١٣ - «والفخذ عورة وليس كالعورة نفسها». هذا نص حديث رواه الترمذي وحسنه عن جرهد وعن ابن عباس، ﵃، وقال البخاري في صحيحه: «باب ما يذكر في الفخذ، وروي عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي ﷺ : «الفخذ عورة»، قال أنس: «حسر النبي ﷺ عن فخذه، وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط حتى نخرج من اختلافهم»، انتهى، وقال النبي ﷺ : «ما بين السرة والركبة عورة»، رواه الحاكم عن عبد الله بن جعفر. أما أن الفخذ ليس كالعورة نفسها فللاختلاف الذي في ثبوته، ولكشفه ﷺ فخذه مع أبي بكر ومع عمر وسترها حين دخل عثمان ﵃، ولأن من العورة ما هو مغلط وهو السوأتان حتى قيل إنهما العورة، ومنها المخفف، وقد قال بعضهم إنه يجوز كشفه مع الخواص دون غيرهم أخذا بالذي تقدم عن النبي ﷺ ، والله أعلم. ومما يدل على لزوم ستر الفخذ في الصلاة من باب أولى عند قوم حديث «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، لكن فيل إن ذلك لتجنب الاشتغال بإمساكه عن الصلاة ولخوف التكشف، وإن كان الجزء الأعلى ليس بعورة.

стр. 2602

• قوله: ١٤ - «ولا يدخل الرجل الحمام إلا بمئزر ولا تدخله المرأة إلا من علة». الرجل لا يدخل الحمام إلا بمئزر صفيق لا تظهر منه العورة، فإن بعض الثياب إذا وقع عليها الماء صارت شفافة، ولو كانت في أصلها ليست كذلك، على أن يستر جسمه من السرة إلى الركبة، وقال ابن القاسم: ترك دخوله أحسن يعني لاحتمال الانكشاف، واحتمال وقوع بصره على عورة غيره، وقد ذكر ابن العربي عن مالك في العارضة أنه إذا كان الرجال لا يستترون في الحمام فلا تقبل شهادة من دخله، وقد توفر في هذا العصر الحمامات الفردية فلتؤثر على غيرها عند الحاجة، ومن تمكن من إعداد حمام في منزله لزمه لأجل نفسه وأهله، وعن جابر قال، قال رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس إلى مائدة يدار عليها الخمر»، رواه الترمذي والحاكم وحسنه الأول، وجملته الأولى عند النسائي، وترجم عليه بقوله: «الرخصة في دخول الحمام»، وقوله ﷺ : «فلا يدخل حليلته الحمام»، يصدق ذلك بما إذا أدخلها بنفسه أو أذن لها من غير موجب، وقول المؤلف: «ولا تدخله المرأة إلا من علة»، حملوا منع المرأة على الكراهة، والظاهر من الحديث خلافه، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنها ستفتح عليكم أرض العجم وفيها بيوت يقال لها الحمامات، فلا يدخلها الرجال إلا بإزار، وامنعوها النساء، إلا مريضة أو نفساء»، رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو ﵄، لكنه ضعيف، بيد أن فقرة دخول الرجال الحمام يشهد لها الحديث الذي قبله، لكن ضعف الحديث لا يعني أن ما استثني لا دليل عليه كما رأيت بعض الناس يقولون ويفعلون، وخروج النساء للحمام من غير علة وبدون حاجة مع تبرجهن وإبدائهن لزينتهن الظاهرة والباطنة لا ينبغي أن يقود إلى منع ما رخص فيه الشرع لمن كانت في حاجة إليه. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «ومن المعلوم أن من الأغسال ما هو واجب

стр. 2603

كغسل الجنابة والحيض والنفاس ومنها ما هو مؤكد قد تنوزع في وجوبه، كغسل الجمعة، ومنها ما هو مستحب، وهذه الأغسال لا تمكن في البلاد الباردة إلا في حمام، وإن اغتسل في غير حمام خيف عليه الموت، أو المرض، فلا يجوز الاغتسال في غير حمام حينئذ»، انتهى. وأذكر أن مجلسا جمعني ببعض إخواني بمدينة عين الحجر فجرى الكلام فيه على ذهاب المرأة للحمام فذكرت الحديث المتقدم، وما رأيته من جواز ذهابها للضرورة مع التحفظ واختيار الوقت المناسب والحمامات الفردية الخاصة بالنساء، وعين الحجر يومئذ لم يكن الغاز قد أدخل إليها مع برودتها في فصل الشتاء، وقد علمت أن بعض النساء مرضن وعانين من ظهورهن، فذكر بعض إخواني الذين أحبهم خلاف ما قلت، فقلت له: وما تفعل بالصلاة؟، قال: تتيمم، فقلت ممازحا: هب أنها جاز لها أن تتيمم فما تفعل في دفع النتن عن نفسها وإزالة الدرن الذي قد يكون سببا في إذاية الغير وفي نفرة زوجها منها؟، فأمسك عن الكلام. ومما قاله ابن تيمية في هذا المعنى في مجموع الفتاوى: «الرجل إذا شعث رأسه وقمل وتوسخ بدنه كان ذلك مؤذيا له ومضرا حتى قد جعل الله هذا مما يبيح للمحرم أن يحلق شعره ويفتدي … ، وقد تكون إزالة هذا الأذى والضرر في غير الحمام إما متعذرة، وإما متعسرة، فالحمام لمثل هذا مشروع مؤكد، وقد يكون فيه من المرض ما ينفعه فيه الحمام، واستعمال مثل ذلك إما واجب وإما مستحب وإما جائز، وقد يوجب الحمام له من الراحة ما يستعين به على ما أمر به من الواجبات والمستحبات، ودخولها حينئذ بهذه النية يكون من جنس الاستعانة بسائر ما يستريح به كالمنام والطعام كما قال معاذ لأبي موسى: «إني أنام وأقوم، وأحتسب نومتي، كما أحتسب قومتي»، انتهى ببعض تصرف. والذي ذكرته في مسألة ذهاب المرأة إلى الحمام هو أخي وصديقي معمر بالشارف حفظه الله، وهو واحد من الذين دأبوا على نشر السنة والدعوة إلى التوحيد مع الصبر على الأذى في مدينة عين الحجر، وقد تأثر في هذا الشأن بسلفه في العمل الدعوي السني في هذه المدينة الشيخ الفاضل عبد القادر بوزيان، لقد سبق إلى هذا الأمر منذ أزيد من ثلاثة عقود وعانى من التضييق والأذى ما عانى، تداولت على أذاه أطراف مختلفة، لا يجمعها إلا

стр. 2604

الجهل أو تعمد نصرة الباطل، ثم أقام في فرنسا داعيا إلى الله، وكان ينتاب عين الحجر أحيانا لينفع، ثم قامت الفتنة فتعرض للتهديد فترك ما كان فيه وعاد إلى فرنسا ثم سافر إلى أرض الحرمين، ثم أوذي مرة أخرى من قِبَلِ الدولة التي كان شيخي عز الدين يسميها أم الفجور، وصاحبة المفاتن والعطور، يقصد فرنسا، فأُخْرِجَ منها بأمر إداري من غير التفات إلى القضاء الذي يزعمون أنهم قد فصلوه عن السلطة التنفيذية، فكان في هذا خير له إن شاء الله، ومن ثمراته تفرغه للكتابة والتأليف، ثم من الله عليه بالإقامة في المدينة التي ملك حبها عليه قلبه فهو يلازم الدروس العلمية في مسجد رسول الله ﷺ . لكن خلفه في هذه المدينة بعضهم فبذل جهدا مشكورا، ثم شاء الله أن ينكص على عقبيه، يسر الله تعالى لنا وله الهداية والنصح لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين، على أن العمل الدعوي المتين تجدد بعين الحجر على يد أخينا عبد القادر قصباوي وغيره جزى الله الجميع خيرا وهدانا وإياهم سبل الرشاد.

стр. 2605

• قوله: ١٥ - «ولا يتلاصق رجلان ولا امرأتان في لحاف واحد». وهذا من سد الذرائع إلى الفساد، فيحرم التلاصق بين الرجلين والمرأتين في اللحاف الواحد إذا كانا بالغين غير مستوري العورة، والظاهر من النهي المنع مع ستر العورة، ويؤخذ هذا الحكم بطريق الأولى من قول النبي ﷺ : «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع»، رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عمرو، فإذا كان الأولاد في هذا السن يفرق بينهم في المراقد دفعا لتنبيه الغريزة قبل أوانها؛ فكيف بالكبار والغريزة فيهم قائمة؟، وسد الذرائع إلى الفساد قاعدة شرعية متفق عليها، ومع هذا فقد قال رسول الله ﷺ : «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد، وروى أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها»، فما ذا يقول الذين ينشرون وسائل الفساد ثم يزعمون أنهم يحاربونه فيكونون كمن يقطع ذنب الأفعى زاعما أنه يقتلها.

стр. 2606

• قوله: ١٦ - «ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد لها منه من شهود موت أبويها أو ذي قرابتها أو نحو ذلك مما يباح لها». قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣]، قال القرطبي: «معنى هذه الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ ، فقد دخل فيه غيرهن بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج إلا من ضرورة … »، انتهى. ومن الأحاديث التي جاءت في هذا الأمر قول النبي ﷺ : «المرأة عورة، وإنها إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وإنها لا تكون أقرب إلى الله منها في قعر بيتها»، رواه الطبراني عن ابن عمر، ورواه الترمذي عدا الجملة الأخيرة عن ابن مسعود، وقال حسن صحيح، ومعنى أنها عورة أنها ينبغي أن تستر بملازمة بيتها، وقوله «استشرفها الشيطان» أي تطلع إليها برفع بصره إليها ليغويها، ويغوي بها، وقال القرطبي: «فإذا مست الحاجة إلى الخروج فليكن على تبذل وتستر تام»، انتهى. ومما يتعين أن تجتنبه في خروجها المشروع الطِّيب، وأن تلبس أدنى ثيابها، وأن تخرج في طرفي النهار، أو في الوقت الذي يخف فيه وجود الرجال، وأن تجتنب الأماكن المزدحمة، وإذا كان خروجها إلى المسجد يكون وهي تفلة، فكيف بخروجها لغيره؟، أما ما تخرج له فليست النساء بمتساويات في ذلك، فقد كانت المرأة تخرج لجذاذ نخلها ولسياسة فرس زوجها وقد تحتاج إلى البيع والشراء والتطبب وسبق ذكر الحاجة إلى الحَمَّام، ومنها زيارة والديها وإخوتها وأعمامها وحضور جنائزهم، ومن ذلك طلب العلم الشرعي الذي لا بد لها منه إذا كان زوجها أو وليها لا يُعَلِّمها، وليس منه والله - التعليم المدرسي الآن عند مناهزة الاحتلام في الأوضاع التي نعيشها.

стр. 2607

وأين جهود الدعاة في تأسيس المدارس والمعاهد العلمية التي تقل فيها المخالفات ويبرز بها النموذج الشرعي الملائم، وهكذا الوظائف التي تتولاها المرأة في الغالب، إما لأنها غير جائز لها توليها، وإما لحصول المنكر في ممارستها لها، وأين المصلحة للمجتمع في تولي المرأة وظيفة الشرطي غير مجاراة الكفار، والبرهنة لهم على أننا نعطي للمرأة حقوقها المزعومة؟. والحاصل أن كل حاجة لا تجد المرأة من يقوم بها من أوليائها أو زوجها يجوز لها الخروج لها بالشرط المتقدم، وقد استثنوا المرأة المتجالة وقد تقدم الكلام على معناها فهذه تخرج لكل شيء، كذا قالوا، وفيه نظر، أما غير المتجالة فقد قالوا إن كانت مخشية الفتنة لم تخرج أصلا، ولا يقضى على زوجها بخروجها لصلاة الفرض، وفيه نظر لمصادمته للحديث الناهي عن منع النساء من الذهاب للمساجد، وأمر النبي ﷺ بإخراج ذوات الخدور والحيض لصلاة العيد، وهي سنة عند أهل المذهب، أما إن كانت الشابة ليست مخشية الفتنة فإنها تخرج لصلاة الفرض ولحاجتها التي لا بد لها منها.

стр. 2608

• قوله: ١٧ - «ولا تحضر من ذلك ما فيه نوح نائحة أو لهو من مزمار أو عود أو شبهه من الملاهي الملهية إلا الدف في النكاح وقد اختلف في الكبر». يريد أن المرأة وقد شرع لها أن تخرج من دارها لحاجتها على الوجه المتقدم فلا يجوز لها أن تحضر جنازة والديها أو أقاربها وفيها نوح النائحة، فتجلس راضية له أو مشجعة، فإن أنكرت بما تقدر عليه فذلك لها، وقد قال النبي ﷺ : «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب»، رواه أحمد ومسلم عن أبي مالك الأشعري، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة»، رواه أبو داود، ومعلوم أن مجرد الاجتماع عند أهل الميت فيه شيء فقد قال جابر: «كنا نَعُدُّ الاجتماع عند أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة»، رواه ابن ماجة، كما لا يصح لها أن تحضر العرس ونحوه من المناسبات السارة وفيه من آلات اللهو التي تقدم الكلام عليها، وكذا الغناء، وقد سبق أن ضرب الدف في النكاح وحده مشروع للإعلان، ومشهور المذهب أنه لا يضرب في غير النكاح كالختان والولادة والأعياد وغيرها من المناسبات، وتقدم الكلام على حكم الضرب بالكَبَر أيضا، والرجل في هذا مثل المرأة، بل أمره أشد لأنه يجوز لها ضرب الدف في النكاح، أما هو فقد اختلف فيه، فقيل في المذهب إنما يكره لذي المروءة بخاصة، وقيل يجوز له ذلك فإنه متى شرع جواز حضوره كان فعله تبعا لذلك، واحتجوا بإقرار النبي ﷺ ضرب الدف بحضوره، وما جاز فعله جاز سماعه، وفي الاحتجاج بالحديث المشار إليه على هذا الحكم نظر، فيتمسك بالأصل.

стр. 2609

• قوله: ١٨ - «ولا يخلو رجل بامرأة ليست منه بمحرم ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليها أو نحو ذلك أو إذا خطبها وأما المتجالة فله أن يرى وجهها في كل حال». يقال خلا فلان بفلان إذا اجتمع به في خلوة أي انفرد به في موضع خال من الناس بحيث لا يراهما أحد، محجورا كان أو غير محجور، فهذا منهي عنه بين المرأة والرجل غير الزوج والمحرم من نسب أو رضاع أو مصاهرة لأنه ذريعة إلى الفساد، فإن حصل استوجبا العقوبة ولو ادعيا الزوجية ما لم يثبتاها، ومن مكنهما من ذلك مع علمه كأرباب الفنادق والاستراحات ونحوها فهو معين على الإثم والعدوان، وقد قال النبي ﷺ : «لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم»، وهو في صحيح البخاري عن ابن عباس، وقال النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان»، رواه أحمد عن جابر، ومن عرف بالفجور فلا يجوز للمرأة أن تخلو به ولو كان محرما لها، ومعنى أن الشيطان ثالثهما قوة خواطر السوء في الخلوة مع افتقاد المانع من الإقدام على ما يدعو إليه الطبع، وشأن الشيطان تزيين الفواحش، لكنها تظل كامنة في النفس بخلاف الأمر في الخلوة. وقد روى البخاري عن أنس بن مالك قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي ﷺ فخلا بها، فقال: «والله إنكم لأحب الناس إلي»، وهذه الخلوة ليست هي المنهي عنها، بل هي التي تكون بمعزل عن الناس بحيث لا يسمعون كلامهما، وهي جائزة للحاجة كالسؤال عن العلم ونحوه متى أمنت الفتنة، ولذا ترجم البخاري على الحديث بقوله: «ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس»، انتهى. أما قول المؤلف: «ولا بأس أن يراها لعذر … الخ، يريد من غير خلوة، وذلك

стр. 2610

كالتحقق من كونها الشاهدة، وهذا يكتفى فيه بالوجه، والتطبب عند الحاجة إليه، مع أنه ينبغي الاجتهاد في المعالجة عند المرأة قبل الرجل، وكون ذلك محتاجا إليه، لا مجرد زيارة الطبيب التي رتب الناس لها مددا من غير ضرورة، وهنا يقتصر على ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك الرؤية لأجل الخطبة، والتأكد من العيب المدعى من الزوج، وتنظره النساء إذا كان في غير الوجه والكفين، وقال بعضهم إن النظر إلى الوجه والكفين يجوز مطلقا ما لم تخش الفتنة، وهذا لا دليل عليه، فإن خشية الفتنة أمر نسبي يتفاوت الناس فيه، بل يتفاوت فيه الشخص الواحد بحسب الأوقات والأحوال فلا تناط به الأحكام، والشارع أمر بالغض من غير قيد، والله أعلم.

стр. 2611

• قوله: ١٩ - «وينهى النساء عن وصل الشعر وعن الوشم». النهي عن وصل الشعر وعن الوشم لا يختص بالنساء، وإنما خصهن بالذكر لأن الغالب أن يكون منهن عند قصر شعرهن أو قلته، أو عند ظهور الشيب، وقال العدوي والنفراوي إن النهي عن الوصل يقتضي أنها لو وضعت شعرا على رأسها من غير وصل جاز، ونسباه للقاضي عياض، وليس بصحيح، فإن الذي قاله في الإكمال غير هذا، بل هو ربط خيوط الحرير ونحوه مما لا يشبه الشعر لأجل التزين، فهذا ليس من الوصل، نقله عنه النووي في شرحه وابن ناجي كذلك، وقال القاضي عبد الوهاب عن الوصل: «والمعنى فيه أن فيه غرورا وتدليسا». قلت: هي علة مستنبطة مناسبة، فتكون جزء علة للنص على أن فيه تغييرا لخلق الله. وروى أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة»، وروى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: «لُعِنَت الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة من غير داء» صحّحه الألباني، وجاء في حديث عبد الله بن مسعود الصحيح «والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله». قال في النهاية: «الواصلة التي تصل شعر رأسها بشعر آخر زور، والمستوصلة التي تأمر من يفعل بها ذاك»، انتهى، وقد أخرج أحمد عن معاوية ﵁ مرفوعا: «أيّما امرأة أدخلت في شَعْرِها من شَعْرِ غيرها فإنما تدخله زورًا». ويقال في الواشمة والمستوشمة مثل ما تقدم، والوشم أن يغرز الجلد بإبرة، ثم يحشى بكحل أو نيل، فيزرق أثره أو يخضر»، كذا في النهاية، ولم يذكر المؤلف النمص، وهو في اللغة نتف الشعر، والمقصود هنا ما كان من الوجه، ولاسيما الحاجبان، والمتفلجات اللاتي تفصلن بين الأسنان المتلاصقة، وهو إنما يفعل بالرباعيات والثنايا، ويدعى الوشر أيضا، وقوله للحسن قيد في المنع، فإن فعلنه لدفع

стр. 2612

ضرر فلا شيء فيه، والقيد الذي في حديث ابن مسعود من غير داء إن كان مرفوعا ينظر فيه، وقد قيل إنه يرجع إلى الوشم، وقيل إلى الجميع، والظاهر رجوعه لما يصلح له كالنمص إذا كثر الشعر وأصبح منفرا، كالتي تفعله جاهلةَ أو يفعل بها ثم تعرف الحكم فتتأذى وينفر منها زوجها، والله أعلم. وقد حدث في هذا العصر ما هو أعظم وأخطر، فإن الأمر لم يعد مقتصرا على ترقيق الحواجب بالنمص، بل غدت بعض النساء تصبغن الحواجب بواسطة الليزر كي ترتاح من الاشتغال بها بالنمص، وأقبلت كثير من النساء على نفخ الشفاه وتضخيمها عن طريق حقنها، مع تزيين أطرافها بالكي بالليزر باللون المرغوب، بل أصبح لون العيون تحت الطلب أيضا، فمن رغبت في لون ركبت لها عدسة على وفقه، وكل ذلك محرم من غير شك: أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها … مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب حسن الحضارة مجلوب بتطرية … وفي البداوة حسن غير مجلوب

стр. 2613

• قوله: ٢٠ - «ومن لبس خفا أو نعلا بدأ بيمينه وإذا نزع بدأ بشماله». وهذا لعموم قول أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره وترجله وتنعله»، رواه البخاري، ولقول النبي ﷺ : «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، ولينزع بالشمال، ولتكن اليمنى أولهما تنعل، وآخرهما تنزع»، رواه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة. يقال انتعل إذا لبس النعل، وقوله: «ولتكن اليمنى … هو توكيد لما قبله، ويطرد البدء باليمين فيما كان من باب التكريم والتزين، كاللبس ودخول المسجد وحلق الرأس وقص الشارب ونتف الإبط، والبدء بالشمال في خلافه كالخروج من المسجد ودخول الخلاء وخلع الثياب.

стр. 2614

• قوله: ٢١ - «ولا بأس بالانتعال قائما». رأيت بعضهم وهو يلبس نعله يكاد يسقط، وربما مشى بعضهم ولما ينته من لبس نعله فيعثر ويقع، والشرع لم يهمل هذا الأمر الذي قد يستقله بعض الناس، والنبي ﷺ بمثابة الوالد للمؤمنين يربيهم بصغار العلم وكباره، ولذلك لا تعجب إذا علمت أن النهي عن لبس النعل قائما جاء من رواية أربعة من الأصحاب، فروى أبو داود عن جابر قال: «نهى رسول الله ﷺ أن ينتعل الرجل قائما»، ورواه الترمذي عن أنس، وأبي هريرة، ورواه ابن ماجة عنه، وعن ابن عمر، وليس للرَّجُل مفهوم، فالمرأة مثله لأنه لقب، ولأن المفسدة في المرأة أشد، وقال المناوي في فيض القدير: «إن النهي في الحديث للإرشاد لأن لبس النعل قاعدا أسهل وأمكن»، انتهى. وليعلم أن من النعال ما لا يحتاج في لبسه إلى أكثر من إيلاج الرجل فيه كالقبقاب، ومنها ما يحتاج لبسه إلى معالجة كالخفاف والأحذية الضيقة، فالأرفق بالمرء أن يلبسها من جلوس متى أمكن، لكن ينبغي أن يتنحى الفاعل من طُرُق الناس كما هو الشأن في المساجد والمواضع التي يكثرون فيها حتى لا يُضَيِّقَ عليهم المرور.

стр. 2615

• قوله: ٢٢ - «ويكره المشي في نعل واحدة». سبحان الله، هذه الشريعة السمحة جاءت بالعدل في كل شيء، فإن في لبس نعل واحدة عدم الانسجام، وقد يؤدي إلى عدم انتظام المشي، أو فساد قوام الجسم واعتداله بطول هذا الفعل، ثم وجدت صاحب النهاية يقول: «وإنما نهي عن المشي في نعل واحدة لئلا تكون إحدى الرجلين أرفع من الأخرى ويكون سببا في العثار، ويقبح في المنظر، ويعاب فاعله»، انتهى. وروى مالك والشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمشين أحدكم في نعل واحدة، ولا خف واحد، لينعلهما جميعا أو ليحفهما جميعا»، وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي عن جابر قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمش في نعل واحدة حتى يصلح شسعه، ولا يمش في خف واحدة، ولا يأكل بشماله، ولا يحتب في الثوب الواحد، ولا يلتحف الصماء»، وهو عند النسائي عن أبي هريرة، والشسع بكسر الشين هو أحد سيور النعل وهو الذي يدخل بين الأصبعين، ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام، هكذا في النهاية، والاحتباء أن يجمع المرء رجليه إلى بطنه وظهره بثوبه، وقد يكون ذلك الجمع باليدين، قال في النهاية: «وإنما نهي عنه لأنه إن لم يكن عليه إلا ثوب واحد ربما تحرك أو زال الثوب فتبدو عورته»، انتهى، والتحاف الصماء - ويقال اشتمال الصماء - وأن يدير المرء الثوب على جسمه من غير أن تكون يداه خارجتين عنه، ولعل علة النهي ما يخشى عليه من الأذى إن هو سقط لعدم تمكنه من استعمال يديه فإنه كالمربوط، وقيل في تفسيره غير ذلك، وقد تقدم، وقد نفّر النبي ﷺ أمّته من المشي في النعل الواحدة، فأخبر أنّه من فعل الشيطان، وأمر بالاستكثار من النعال، فعن جابر قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فقال: «أكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبا ما انتعل»، رواه مسلم وأبو داود والنسائي.

стр. 2616

• قوله: ٢٣ - «وتكره التماثيل في الأَسِرَّةِ والقباب والجدران والخاتم وليس الرقم في الثوب من ذلك وتركه أحسن». الأسرة جمع سرير ما يجلس عليه أو ينام عليه، والقباب جمع قبة، وهي معروفة، ومنها ما يجعل على الهودج الذي هو مركب النساء عند العرب، والجدران جمع جدار هي الحيطان، والخاتم بفتح الخاء وكسرها وفيه لغات أخرى، كل هذه الأمور وغيرها يكره عمل التماثيل أي الصور عليها، جمع تمثال بكسر التاء، وهو الذي يصنع على هيئة الشيء أيا كان، لكن المراد هنا ما كان على صورة ذوات الأرواح كالإنسان وسائر الحيوانات، فإن كان له ظل فهو محرم بالإجماع، إلا ما كان من لعب البنات للنص على ذلك، مع أنّ الناس قد بالغوا فيه إذ أنشئت له تجارة متخصصة، وهذا غير مشروع مع ما شمله من أنواع الحيوانات. ومن العجب أن يضيق الواسع المباح أمام الحكام في بلدان المسلمين فلا يجدون ما يزينون به مداخل المدن والساحات والحدائق غير صور الجندي المجهول كما يصنع الكفار، وتماثيل الكلاب، ويأمر بعضهم بعمل تماثيل لهم ليخلدوا بها ذكراهم كما يزعمون، ولا يهتدون إلى ما يجوز من ذلك من الجرار والشموع والسنابل وأغصان الزيتون والنخيل ومجسمات الجبال وغير ذلك، أما إن كان التمثال مجرد صورة دون ظل فصنعه محرم كذلك، وكذا وضعه على ما تقدم، لا أنه مكروه كما ذكر المؤلف، بخلاف غير ذي الروح من الجمادات ومن الأشجار وسائر النباتات، وذهب بعضهم إلى منع ما كان منها مثمرا، ولا دليل عليه فيما أعلم، وما لم تكن شعار الكفار كالصلبان والنجمة التي يقال إنها نجمة داود ﵇ فتكون محرمة، والمذهب أن لبس الزنار موجب للردة، والصليب مثله بل أشد، أما ما كان كرموز الشركات والفرق الرياضية والجماعات الحزبية

стр. 2617

ونحو ذلك فهذه أمرها مختلف، واجتناب ذلك كله هو الصواب. وإنك لتعجب ممن يلبسون هذه الثياب وعليها هذه الأرقام كأنها لوحات ترقيم السيارات ويتزينون بها إذا جاءوا إلى المساجد وفي طلعة البدر ما يغنيك عن زحل، وقوله: «وليس الرقم في الثوب من ذلك»، أي أنه لا يكره الرقم في الثوب أي الصورة فيه لأنها تمتهن فلا يخشى منه ما يخشى في حالة عدم الامتهان، وإن كان تركه أولى. قلت: الثوب إذا كان ملبوسا فليس فيه امتهان، وقد أخذ بعضهم من هذا التعليل أن ما ذكر من الصور على الأَسِرَّةِ ونحوها إذا كان ممتهنا لم يكره. وقد روى مسلم عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه تماثيل، أو تصاوير»، وروى أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي عن أبي طلحة قال، قال رسول الله ﷺ قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة إلا رقم في ثوب»، والرقم النقش والوشي، وأصله الكتابة، والمراد هنا الصورة، قال الخطابي في المعالم في كتاب اللباس: «أما الصورة فهي كل ما تصور من الحيوان سواء في ذلك الصورة المنصوبة القائمة التي لها إشخاص، وما لا شخص له من المنقوشة في الجدر والمصورة فيها وفي الفرش والأنماط، وقد رخص بعض العلماء فيما كان منها في الأنماط التي توطأ وتداس بالرجل»، انتهى، وقال أيضا كما نقله عنه الحافظ: «والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن»، انتهى، فالحاصل أن صور ذوات الأرواح التي لا ظل لها إذا كانت كاملة لا يجوز أن تكون منصوبة سواء أكانت معلقة أو مصورة على الجدار أو على شيء كسي به الجدار، فإن قطعت أو كانت بحيث تمتهن؛ فهذه لا بأس بها، قال ابن العربي في العارضة: «إن الصور محرمة إن كانت أجسادا بالإجماع، فإن كانت رقما ففيها أربعة أقوال … »، وقد ذكر تلك الأقوال، وهي الجواز مطلقا، والمنع مطلقا، والتفصيل فتمنع إذا كانت الصورة متصلة الهيئة قائمة الشكل، وتجوز إذا هتكت أو قطعت أو تفرقت أجزاؤها، والرابع الجواز إذا كانت ممتهنة، وقد اختار ابن العربي القول الثالث منها. قال كاتبه عفا الله عنه: الكلام هنا يجري فيما كان من الصور موجودا مصنوعا، فلا

стр. 2618

يتلف ما كانت الصورة فيه متى أمكن الاستفادة منه كأن يكون ثوبا أو قراما مثلا، لأنه مال، وقد نهينا عن إضاعة المال، إلا أن تعظم المفسدة، وليس حكم الاستعمال براجع على أصل صنع الصورة بالجواز، لأن الصنع يدخل في عموم الوعيد على التصوير، والظاهر أنه يصدق على ما كان غير ذي ظل فضلا عما كان ذا ظل، ومن حمل الوعيد الذي جاء في شأن التصوير على ما كان ذا ظل فقد أخطأ، وقد ذهب إلى هذا النفراوي ﵀، يدل على ما قلت ما رواه البخاري عن القاسم عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فقام النبي ﷺ بالباب فلم يدخل، فقلت: «أتوب إلى الله ما ذا أذنبت»؟، فقال: «ما هذه النمرقة»؟، قلت: «لتجلس عليها وتوسدها»، قال: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم، وإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصورة»، النمرقة بكسر النون والراء وضمهما جمعها نمارق هي الوسادة، ولا شك أن الصور هنا ليست ذات الظل، وهناك التصوير الذي هو حبس الظل، فهذا والله أعلم لا يدخل في الوعيد، لكن المخالفة فيه قد تأتي من الشيء الذي يصور، والغرض الذي لأجله يكون التصوير، أما تعليق الصور من هذا النوع فلا يختلف في كونه ممنوعا للعموم الذي مر بك، وقد شاع استعمال صور ذوات الأرواح في الثياب حتى إنك لا تكاد تعثر على ثوب تشتريه للطفل خال من ذلك وهو ينبئ عن فساد الذوق العام وعن الجهل بأحكام الله تعالى، وإلا فأين الحسن في لحاف أو ثوب يشترى لطفل عليه صورة كلب أو قرد أو دب، بل ما فائدة قبول أذواقنا لوجود صور للاعبي كرة القدم على صدورنا مع الشك في صحة صلواتنا إن صلينا بها؟، ولا ريب أن أذواقنا لو كانت سليمة لكف الصانعون عن ذلك لأنهم إنما يبيعون ما يروج وينفق، فهم إن كانوا مسلمين يجهلون أحكام الله أو يصنعون ما يحقق لهم الأرباح ولو علموا منعه، والتاجر الصادق يربي الأذواق، كما أن المشتري يمكنه أن يُعَدِّلَ من تصرف التاجر والله الموفق وهو الهادي. فإن قيل: فقد قال الله تعالى عما سخره لسليمان ﷺ : ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣]، فالجواب: أنه إما أن يكون المراد من التماثيل ما لم يكن من ذوات الأرواح،

стр. 2619

وإما أن هذا من الأمور التي كانت جائزة في شرعهم ثم نسخت في شرعنا، والأول أقوى، لما في كلام النبي ﷺ من لعن من فعل ذلك منهم كما في حديث عائشة أن أم سلمة ﵄ ذكرت للنبي ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﷺ : «أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله»، رواه البخاري، ومن كلام النبي ﷺ المناسب ذِكْرُه في هذا الباب قوله: «أما إن كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا مالا، إلا مالا»، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة، وقال العراقي في تخريج الإحياء: إسناده جيد، وضعفه الألباني، وقوله: «إن الرَّجُلَ يؤجر في نفقته كلّها إلا في هذا التراب»، عزاه في الصحيحة برقم (٢٨٣١) لهناد بن السرى في الزهد عن خباب، وجاء عنه أنه نهى أن تستر الجدارن، والله أعلم.

стр. 2620

٤٢ - باب في الطعام والشراب أي باب في ذكر بعض آداب الطعام والشراب، وهما دليل على أن الإنسان فقير محتاج، وأنه لا يستحق أن يعبد، ولذلك قال الله تعالى يرد على من أله عيسى وأمه ﵉: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]، وقال تعالى يرد على من رأوا أكل الطعام والمشي في الأسواق غير لائق بالنبي ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤]. وقد ذكر ربنا في كتابه ما يشترك الإنسان والأنعام وغيرهما من الحيوان في أصله، وطوى ذكر ما يختص بالإنسان من الصنع والتحويل والتعديل، فمن كان همه الأكل فقط من غير شكر من أطعمه وسقاه بتوحيده وعبادته كان كالحيوان، بل كان أضل منه، وقد جمع الله تعالى بين الصنفين في سياق واحد في سور طه والسجدة والنازعات وعبس، ليمتن على عباده بما أخرج لهم من الأرض من النبات الذي هو معظم طعامهم، وللاستدلال بذلك على إحيائه خلقه وبعثهم، قال تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾، وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾، وقال: ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]، وتأمل خاتمة هذا الدعاء الذي روي أن النبي ﷺ كان إذا فرغ من طعامه قاله: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين»، رواه أحمد وأبو داود عن أبي سعيد، وعزاه الغماري للترمذي، أما الإله الواحد الأحد الفرد الصمد فإنه هو الذي يرزق عباده ويطعمهم، قال سبحانه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ (١٤)﴾ [الأنعام: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)﴾ [الشعراء: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧].

стр. 2621

وآداب الأكل أقسام ثلاثة: متقدمة عليه، ومقارنة له، ومتأخرة عنه، فمن الأول غسل اليد عند الحاجة إليه، والاجتماع على الطعام، وأن يسمي الله، ومن الثاني ارك الدل في آنيتي الذهب والفضة، وفعل ذلك باليمين، وترك الاتكاء، وترك الأكل من رأس الصحفة، والاقتصاد في الأكل والشرب، والأكل مما يليه، وعدم التنفس في الإناء والنفخ فيه، ومص الماء لا عبه، ولوك الطعام وتنعيمه، وترك القران في التمر ونحوه، وعدم جعل النوى مع التمر ونحوه، والأكل مما يليه، ومن الثالث لعق الأصابع قبل مسحها أو غسلها، وسلت الصحفة، وأكل ما سقط من الطعام، وحمد الله تعالى، والدعاء لصاحبه، وتنظيف الفم وغسل اليد، وقد ذكر المؤلف معظم هذه الأمور فجزاه الله خيرا ونفع بعلمه.

стр. 2622

• قوله: ٠١ - «وإذا أكلت أو شربت فواجب عليك أن تقول بسم الله وتتناول بيمينك فإذا فرغت فلتقل الحمد لله». ذكر هنا التسمية والتناول باليمين، وحمد الله تعالى، وقوله إذا أكلت،،، أي إذا أردت الأكل، وله أمثلة عديدة قي القرآن كما في الأمر بالاستعاذة وآية الوضوء وأول سورة الطلاق، وقوله «فواجب عليك»، أي على كل آكل، فهو مطلوب عينا، والظاهر أن الجهر به مطلوب في الجماعة، لأنه تذكير لمن نسي، وتعاون على البر، بخلاف الحمد لما قد يسببه من الحرج لمريد الزيادة، وحملوا قوله فواجب عليك في الأمور الثلاثة على أنه واجب وجوب السنن كما تقدم مرارا، والظاهر أن التسمية واجبة يأثم تاركها المتعمد، للأمر بها، وللأمر بتداركها ممن نسيها، ولكون الشيطان يأكل من الطعام الذي لا يذكر اسم الله عليه، وإطعام الشيطان لا يجوز، كما أن إتلاف الطعام لا يجوز، واختلف في زيادة الرحمن الرحيم، والاقتصار على ما يصدق عليه مسمى البسملة أولى، لكن ما رد به بعضهم تلك الزيادة من أنها تنافي الأكل لأنه عذاب واستهلاك كالذبح؛ لا يقبل، بل هو شنيع، فإن قول الآكل بسم الله مفرد مضاف، فيعم كل أسمائه سبحانه، وكل معانيها صالحة مناسبة هنا، إذ يستشعر رحمة الله وفضله بما رزقه، وانتقامه إن هو أكل ما لا يحل له، أو استعان به على غير مشروع له، وقدرته لأنه هو الذي يقدره، إذ لا حول له ولا قوة إلا به، وهكذا، أما الأكل باليمين؛ فلا يختلف حكمه عن البسملة فيما يظهر لما تقدم فيها، وسيأتي المزيد ومما جاء في التسمية قول النبي ﷺ : «إذا أكل أحدكم طعاما فليقل بسم الله، فإن نسي فليقل بسم الله على أوله وآخره»، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وهو حجة في الاقتصار على لفظ بسم الله كما ترى، وفيه تدارك التسمية ممن فاتته، وهذا من لطف الله ورحمته بعبده، وآخر الطعام هو ما بقي منه، وأوله ما مضى قبل التذكر،

стр. 2623

وجاء ما يدلّ على تكرير التسمية على الشراب الذي يقطعه المرء في أنفاس ثلاث مرات، وروى أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإن لم يذكر الله عند طعامه قال: أدركتم المبيت والعشاء»، وذكر الله هنا مجمل قد بين في غير هذا الحديث، ويحتمل أن يدخل فيه حمد الله بعد الأكل فيكون مانعا من أكل الشيطان، والله أعلم، ومن ذلك حديث عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ قال: كنت غلاما في حجر النبي ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي: «يا غلام، سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك»، رواه أحمد والشيخان، قوله تطيش، أي تجول في نواحي الصحفة، وهي بالصاد والحاء وزن القصعة غير أنها أكبر منها. أما حمد الله تعالى بعد الأكل فقد روى أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها»، والأكلة والشربة بفتح الأول فيهما هي الواحدة منهما، وبضمهما ما يؤكل ويشرب، والظاهر أنه إن قال الحمد لله فقط كفاه، والأولى له أن يتجاوز الحمد المطلق إلى المقيد أعني الذي فيه وصف الله بما وصفه به نبيه في هذا المقام، ومن ذلك أنه ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: «الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغنى عنه ربنا»، رواه البخاري عن أبي أمامة، غير مكفي، غير محتاج لأحد، بل هو الصمد المحتاج إليه، ولا مودع، ولا متروك الطاعة، ومما يقوله قبل ذلك، ويحتمل أن يكون على ظاهره بحيث يقوله بعد الأكل ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا أكل أحدكم طعاما فليقل: اللهم باركنا لنا فيه، وأبدلنا خيرا منه، وإذا شرب لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة، وروى أبو داود والنسائي وابن حبان عن أبي أيوب أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل أو شرب قال: «الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا»، وسوغه سهل مروره إلى المعدة، وجعل له مخرجا لأن خروجه يندفع به الأذى

стр. 2624

عن الإنسان، كما في الدعاء عند الخروج من بيت الخلاء: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني»، رواه ابن ماجة عن انس وهو ضعيف. وقال بعضهم إن من آداب الأكل أن يعقبه بالصلاة على النبي ﷺ نسبه على العدوي إلى الأقفهسي، ولا شك أن الصلاة على النبي ﷺ من خير الأعمال وفيها فضل عظيم، ولكن جعلها مما يقال بعد الأكل مفتقر إلى الدليل، والله أعلم.

стр. 2625

• قوله: ٠٢ - «وحسن أن تلعق يدك قبل مسحها» ومن الحكمة في اللعق أن فيه تواضعا، وفيه حرص على عدم إضاعة المال، ولو قليلا، ولجهل البركة في الطعام أين تكون؟، ومن الحرص على عدم إضاعة المال الأمرُ بأكل اللقمة إذا سقطت بعد إماطة الأذى عنها وعدم تركها للشيطان، وقوله حسن أن تلعق،،، حسن خبر مقدم، والمبتدأ هو المصدر المنسبك من أن المصدرية ومدخولها، يريد أنه يستحب لعق الأصابع من إطلاق البعض على الكل، وإنما تلعق الثلاثة التي يؤكل بها، وهي الإبهام والسبابة والوسطى، ويترك الأكل بأكثر منها إلا عند الحاجة ككون الطعام لا يعالج إلا بما زاد، وقد روى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا طعم طعاما لعق أصابعه الثلاث، وقال: «إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان»، وأمرنا أن نسلت الصحفة، وقال: «إن أحدكم لا يدري في أي طعامه يبارك له»، هذا لفظ أبي داود، وروى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يَلعقها، أو يُلعقها»، أي يلعقها غيره ممن لا يتقذر ذلك كالزوجة والولد وغيرهم متى علم ذلك منهم.

стр. 2626

• قوله: ٠٣ - «ومن آداب الأكل أن تجعل بطنك ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنَّفَسِ». كأن هذا التقسيم الثلاثي أقصى ما ينبغي أن يصل إليه الآكل الذي يريد أن ينتفع بالأكل، ومن وقف دونه فهو خير له، وقد جاء في هذا قول النبي ﷺ : «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صُلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لِنَفَسِهِ»، رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وحسنه عن المقدام بن معديكرب، وإنما جعل الثلث للنفس، لأن المعدة إذا امتلأت ضاق تنفس المرء لضغطها على الحجاب الحاجز بين البطن والرئتين، ولو عمل الناس بهذا الهدي الرباني لوفروا كثيرا من الغذاء، ولاستغنوا عن معظم الدواء، ولقل وقتهم الضائع، وقد جاء أن النبي ﷺ كان يربط الحَجَرَ على بطنه من الغَرَث» وهو في الصحيحة برقم (١٦١٥) معزوا لابن الأعرابي في معجمه عن أبي هريرة، والغرث: الجوع.

стр. 2627

• قوله: ٠٤ - «وإذا أكلت مع غيرك أكلت مما يليك». سبق دليل هذا، وهو حديث عمر بن أبي سلمة، وفيه «وكل مما يليك»، وقيده المؤلف بما إذا كان مع المرء غيره، وذلك لما فيه من الدلالة على الشراهة وسوء الخلق، وقد يتقذر الناس ذلك وينفرون، وقد يترتب عليه أخذ نصيب غيره، وزاد بعض الشراح قيدا آخر وهو أن لا يكون مع زوجه وأولاده، فإن كان في الصحفة أصناف من الأكل كل على حدة وأخذ نصيبه مما يشتهي من غير تجاوز فلا بأس، والظاهر أن يأكل المرء مما يليه ولو كان وحده، أو كان في أهله، للإطلاق الذي في الدليل، وليتعود على ذلك، فإن الخير عادة والشر لجاجة، وقد قيل: إذا المرء أعيته المروءة ناشئا … فمطلبها كهلا عليه شديد

стр. 2628

• قوله: ٠٥ - «ولا تأخذ لقمة حتى تفرغ من الأخرى». وهذا مطلوب ولو كان الآكل وحده لما فيه من الضرر الناشئ عن التفريط في إجادة المضغ، والتأني في الابتلاع، وتوالي اللقم قد يسبب الشرق، وأثبت المختصون أن إشارات الدماغ بالشبع مع السرعة في الأكل لا تنتظم، أما إن كان مع غيره فينضم إليه الافتيات على حقه، بل إنه إن كانت عادته الإسراع في التناول والعجلة في المضغ تعين عليه أن يسير بقدر غيره فيستأني، إلا في حقه المعين كأن يوزع اللحم أو غيره أجزاء لكل أحد نصيبه.

стр. 2629

• قوله: ٠٦ - «ولا تتنفس في الإناء عند شربك ولْتُبِنِ القدح عن فيك ثم تعاوده إن شئت ولا تعب الماء عبا ولتمصه مصا». جاء النهي عن التنفس في الإناء، وعن النفخ فيه، والتنفس ينشأ من عدم تقطيع الشرب ممن يحتاج إلى الكثير، والنفخ قد يحصل بغرض إبعاد شيء في الإناء يتقذر أو يؤذي، أو بغرض تبريد ما هو ساخن، وقد أثبت العلم أن الهواء حين يخرج من جوف المرء يكون محملا بثاني أوكسد الكربون، وفيه سموم فهو ضار وهذا موجود في التنفس والنفخ، وفي الأخير زيادة احتمال وصول شيء مما في فم المرء إلى الإناء، مع أنه إن فعل بحضرة الناس يتقذرونه، وقد ينقل إليهم مرضا، وحسبنا نهي نبينا ﷺ إذ قال: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء»، رواه الشيخان والترمذي عن أبي قتادة، وفي سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء، وأن ينفخ فيه»، وروى مسلم والترمذي وابن ماجة عن أنس أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثا، ويقول: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ»، لفظ مسلم، فذكر هذه الفوائد الثلاثة، فتقطيع الشرب يروى معه الشارب أكثر مما يروى بالشرب دفعة، وأبرأ فهو أبعد عن أن يضر به إذا نزل إلى المعدة بقوة، وكثيرا ما يشرق به، ولأنه قد يكون شديد البرودة أو لغير ذلك، وأمرأ أي أن عاقبته سليمة، فإن الأكل والشرب قد يسلتذ ويستطاب أول الأمر ويكون في النهاية مضرا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، وليس المراد من الحديث أنه ﷺ كان يتنفس داخل الإناء، بل معناه أنه كان يشرب شربا متقطعا ثلاث مرات ليتنفس، وقد ترجم عليه ابن ماجة بقوله: «الشرب بثلاثة أنفاس»، والمطلوب حينئذ أن يبين القدح عن فمه، وقد جاء ذلك مبينا أتم بيان في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشرب، فقال رجل: «القداة أراها في

стр. 2630

الإناء»؟، قال: «اهرقها»، قال: «فإني لا أروى من نَفَسٍ واحد»؟، قال: «فَأَبِنِ القدح عن فيك»، رواه مالك في الموطإ، وعنه أحمد والترمذي والحاكم، وقوله أبن القدح عن فيك، أي أبعده لتتنفس، ثم عاود الشرب، ومن الآداب أن لا يرجع إلى الإناء بعض ما رفعه إلى فمه سواء أكان ذلك بيده أو بملعقة لأن مجالسه قد يؤذيه ذلك. وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية»، رواه البخاري ومسلم، والاختناث أن تكسر أفواهها فيشرب منها، قال في النهاية: «خنثت السقاء إذا ثنيت فمه إلى خارج وشربت منه، وقبعته إذا ثنيته إلى داخل، وإنما نهى عنه لأنه ينتنها، فإن إدامة الشرب هكذا مما يغير ريحها، وقيل لا يؤمن أن يكون فيها هامة، وقيل لئلا يترشش الماء على الشارب لسعة فم السقاء». وروى أحمد وأبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من ثلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب»، قال في النهاية هو: «موضع الكسر منه، وإنما نهى عنه لأنه لا يتماسك عليها فم الشارب، وربما انصب الماء على ثوبه وبدنه، وقيل: لأن موضعها لا يناله التنظيف التام إذا غسل الإناء، وقد جاء في لفظ الحديث «إنه مقعد الشيطان» ولعله أراد به عدم النظافة. وقوله: «ولا تعب الماء عبا، فسر العب في النهاية بأنه الشرب بلا تنفس، وفسر بأنه الشرب بلا مص، وهذا هو اللائق بمراد المؤلف، لجعله مقابلا للمص، والعب تفعله الدواب في شربها، ومعناه أن يجذب الماء إلى داخل فمه بالنفس، ومقابله أن يمصه من غير استعمال النفس، فيكون المطلوب في الشرب ثلاثة أمور: أن لا يتنفس في الإناء، وأن لا يشرب في نَفَس واحد، وأن لا يعب الماء بل يمصه، وقد قيل إن العب يورث الكباد وهو داء يصيب الكبد عافانا الله وإياكم منه، وقد جاء في النهي عن العب والأمر بالمص آثار مرسلة.
следующие страницы →