← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

• قوله: ٠٣ - «ومن آداب الأكل أن تجعل بطنك ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنَّفَسِ». كأن هذا التقسيم الثلاثي أقصى ما ينبغي أن يصل إليه الآكل الذي يريد أن ينتفع بالأكل، ومن وقف دونه فهو خير له، وقد جاء في هذا قول النبي ﷺ : «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صُلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لِنَفَسِهِ»، رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وحسنه عن المقدام بن معديكرب، وإنما جعل الثلث للنفس، لأن المعدة إذا امتلأت ضاق تنفس المرء لضغطها على الحجاب الحاجز بين البطن والرئتين، ولو عمل الناس بهذا الهدي الرباني لوفروا كثيرا من الغذاء، ولاستغنوا عن معظم الدواء، ولقل وقتهم الضائع، وقد جاء أن النبي ﷺ كان يربط الحَجَرَ على بطنه من الغَرَث» وهو في الصحيحة برقم (١٦١٥) معزوا لابن الأعرابي في معجمه عن أبي هريرة، والغرث: الجوع.

стр. 2627

• قوله: ٠٤ - «وإذا أكلت مع غيرك أكلت مما يليك». سبق دليل هذا، وهو حديث عمر بن أبي سلمة، وفيه «وكل مما يليك»، وقيده المؤلف بما إذا كان مع المرء غيره، وذلك لما فيه من الدلالة على الشراهة وسوء الخلق، وقد يتقذر الناس ذلك وينفرون، وقد يترتب عليه أخذ نصيب غيره، وزاد بعض الشراح قيدا آخر وهو أن لا يكون مع زوجه وأولاده، فإن كان في الصحفة أصناف من الأكل كل على حدة وأخذ نصيبه مما يشتهي من غير تجاوز فلا بأس، والظاهر أن يأكل المرء مما يليه ولو كان وحده، أو كان في أهله، للإطلاق الذي في الدليل، وليتعود على ذلك، فإن الخير عادة والشر لجاجة، وقد قيل: إذا المرء أعيته المروءة ناشئا … فمطلبها كهلا عليه شديد

стр. 2628

• قوله: ٠٥ - «ولا تأخذ لقمة حتى تفرغ من الأخرى». وهذا مطلوب ولو كان الآكل وحده لما فيه من الضرر الناشئ عن التفريط في إجادة المضغ، والتأني في الابتلاع، وتوالي اللقم قد يسبب الشرق، وأثبت المختصون أن إشارات الدماغ بالشبع مع السرعة في الأكل لا تنتظم، أما إن كان مع غيره فينضم إليه الافتيات على حقه، بل إنه إن كانت عادته الإسراع في التناول والعجلة في المضغ تعين عليه أن يسير بقدر غيره فيستأني، إلا في حقه المعين كأن يوزع اللحم أو غيره أجزاء لكل أحد نصيبه.

стр. 2629

• قوله: ٠٦ - «ولا تتنفس في الإناء عند شربك ولْتُبِنِ القدح عن فيك ثم تعاوده إن شئت ولا تعب الماء عبا ولتمصه مصا». جاء النهي عن التنفس في الإناء، وعن النفخ فيه، والتنفس ينشأ من عدم تقطيع الشرب ممن يحتاج إلى الكثير، والنفخ قد يحصل بغرض إبعاد شيء في الإناء يتقذر أو يؤذي، أو بغرض تبريد ما هو ساخن، وقد أثبت العلم أن الهواء حين يخرج من جوف المرء يكون محملا بثاني أوكسد الكربون، وفيه سموم فهو ضار وهذا موجود في التنفس والنفخ، وفي الأخير زيادة احتمال وصول شيء مما في فم المرء إلى الإناء، مع أنه إن فعل بحضرة الناس يتقذرونه، وقد ينقل إليهم مرضا، وحسبنا نهي نبينا ﷺ إذ قال: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء»، رواه الشيخان والترمذي عن أبي قتادة، وفي سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء، وأن ينفخ فيه»، وروى مسلم والترمذي وابن ماجة عن أنس أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثا، ويقول: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ»، لفظ مسلم، فذكر هذه الفوائد الثلاثة، فتقطيع الشرب يروى معه الشارب أكثر مما يروى بالشرب دفعة، وأبرأ فهو أبعد عن أن يضر به إذا نزل إلى المعدة بقوة، وكثيرا ما يشرق به، ولأنه قد يكون شديد البرودة أو لغير ذلك، وأمرأ أي أن عاقبته سليمة، فإن الأكل والشرب قد يسلتذ ويستطاب أول الأمر ويكون في النهاية مضرا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، وليس المراد من الحديث أنه ﷺ كان يتنفس داخل الإناء، بل معناه أنه كان يشرب شربا متقطعا ثلاث مرات ليتنفس، وقد ترجم عليه ابن ماجة بقوله: «الشرب بثلاثة أنفاس»، والمطلوب حينئذ أن يبين القدح عن فمه، وقد جاء ذلك مبينا أتم بيان في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشرب، فقال رجل: «القداة أراها في

стр. 2630

الإناء»؟، قال: «اهرقها»، قال: «فإني لا أروى من نَفَسٍ واحد»؟، قال: «فَأَبِنِ القدح عن فيك»، رواه مالك في الموطإ، وعنه أحمد والترمذي والحاكم، وقوله أبن القدح عن فيك، أي أبعده لتتنفس، ثم عاود الشرب، ومن الآداب أن لا يرجع إلى الإناء بعض ما رفعه إلى فمه سواء أكان ذلك بيده أو بملعقة لأن مجالسه قد يؤذيه ذلك. وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية»، رواه البخاري ومسلم، والاختناث أن تكسر أفواهها فيشرب منها، قال في النهاية: «خنثت السقاء إذا ثنيت فمه إلى خارج وشربت منه، وقبعته إذا ثنيته إلى داخل، وإنما نهى عنه لأنه ينتنها، فإن إدامة الشرب هكذا مما يغير ريحها، وقيل لا يؤمن أن يكون فيها هامة، وقيل لئلا يترشش الماء على الشارب لسعة فم السقاء». وروى أحمد وأبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الشرب من ثلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب»، قال في النهاية هو: «موضع الكسر منه، وإنما نهى عنه لأنه لا يتماسك عليها فم الشارب، وربما انصب الماء على ثوبه وبدنه، وقيل: لأن موضعها لا يناله التنظيف التام إذا غسل الإناء، وقد جاء في لفظ الحديث «إنه مقعد الشيطان» ولعله أراد به عدم النظافة. وقوله: «ولا تعب الماء عبا، فسر العب في النهاية بأنه الشرب بلا تنفس، وفسر بأنه الشرب بلا مص، وهذا هو اللائق بمراد المؤلف، لجعله مقابلا للمص، والعب تفعله الدواب في شربها، ومعناه أن يجذب الماء إلى داخل فمه بالنفس، ومقابله أن يمصه من غير استعمال النفس، فيكون المطلوب في الشرب ثلاثة أمور: أن لا يتنفس في الإناء، وأن لا يشرب في نَفَس واحد، وأن لا يعب الماء بل يمصه، وقد قيل إن العب يورث الكباد وهو داء يصيب الكبد عافانا الله وإياكم منه، وقد جاء في النهي عن العب والأمر بالمص آثار مرسلة.

стр. 2631

• قوله: ٠٧ - «وتلوك طعامك وتنعمه مضغا قبل بلعه». من الطعام ما ليس مفتقرا إلى اللوك والمضغ كالخزيرة والتلبينة والحريرة عندنا، ومنه ما يحتاج إلى معالجة خفيفة كالكسكس والثريد، ومنه ما يكون محتاجا إلى عناية خاصة باللوك والمضغ والتنعيم كاللحوم والخضر والفواكه اليابسة فلا ينبغي للمرء أن يتهاون في العناية بمضغه وتنعيمه لما يلزم عليه من تسهيل عمل المعدة وتجنيبها الإرهاق، ولما فيه لك من الاستفادة من الأكل بتذوقه وقصر المدة المستغرقة في تحوله إلى طاقة، ولهذا خلق الله تعالى لنا الأسنان أصنافا منها ما نقطع به ومنها ما نمضغ به، ومن منافع التأني في المضغ كفكفة شدة الرغبة في الأكل، والتخفيف من النهم.

стр. 2632

• قوله: ٠٨ - «وتنظف فاك بعد طعامك وإن غسلت يدك من الغمر واللبن فحسن». يشرع غسل الفم بالمضمضة متى شرب المرء لبنا ونحوه مما فيه دسم، وقد روى الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس أن النبي ﷺ شرب لبنا، ثم دعا بماء، فمضمض وقال «إن له دسما»، وجاء من قوله ﷺ أيضا، وفيه إشعار بعلة المضمضة وهي الدسومة، فيسن غسل الفم مما كانت فيه، قال الحافظ: «ويستنبط منه استحباب غسل اليدين للتنظيف، انتهى. قلت: لكن تتأكد مطلوبية غسل اليدين بعد الطعام متى كان بهما دسم أو ودك إذا أراد المرء النوم لما رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا نام أحدكم وفي يده غَمَرٌ فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه»، الغَمر بفتح الغين والميم هو الدسم والزهومة من اللحم كالوضر من السمن»، قاله في النهاية، وفي الحديث دليل على تأكد ذلك عند إرادة النوم، لأن الدسم مجلبة للهوام والحشرات فتقترب من المرء وهو غافل لشمها رائحة الطعام، وقد تلسعه وتعضه، وقد تجول يده فتصيب عينَه فيتأذى أيضا، فضلا عما يخلفه ذلك من الرائحة المنتنة، وهذه تربية عظيمة على التنظف يغفل عنها كثير من الناس.

стр. 2633

• قوله: ٠٩ - «وتخلل ما تعلق بأسنانك من الطعام». إذا كان ما يبقى من الطعام بين الأسنان يزول بالاستياك أو بمجرد المضمضة فإنه يكفي، وإلا أزال ذلك بغيره لأنه من تمام تنظيف الفم، وقد تقدم ذكر مشروعية المضمضة من الدسم، وإزالة ما بين الأسنان مشمولة بذلك، وقد روى أحمد ﵀ عن أبي أيوب عن النبي ﷺ قال: «حبذا المتخللون»، قيل: «وما المتخللون»؟، قال: «في الوضوء والطعام»، ورواه الطبراني في الكبير بلفظ: «خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «حبذا المتخللون من أمتي»، قالوا: «وما المتخللون يا رسول الله»؟، قال: «المتخللون بالوضوء، والمتخللون من الطعام، أما تخليل الوضوء؛ فالمضمضة والاستنشاق وبين الأصابع، وأما تخليل الطعام فمن الطعام، فإنه ليس شيء أشد على الملكين من أن يريا بين أسنان صاحبهما شيئا من الطعام وهو قائم يصلي»، قال الهيثمي في مجمع الزوائد بعد أن عزا الحديث لأحمد والطبراني في الكبير: «وفي إسنادهما واصل الرقاشي، وهو ضعيف»، انتهى، وعن أنس مرفوعا: «حبذا المتخللون من أمتي»، رواه ابن عساكر، وهو في صحيح الجامع الصغير للألباني، وانظر إرواء الغليل له أيضا الحديث رقم (١٩٧٥)، فما أعظم ما خدم هذا الرجل السنة ﵀.

стр. 2634

• قوله: ١٠ - «ونهى الرسول ﵇ عن الأكل والشرب بالشمال». يشير إلى قول النبي ﷺ : «لا يأكل أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي، فكيف يتشبه المؤمن بالشيطان ويترك التشبه بأهل الإيمان، وقد تقدم أمره لعمر بن أبي سلمة بذلك، والظاهر وجوب الأكل باليمين للقادر عليه، وقال بعضهم باستحبابه فحسب، وقد أمر النبي ﷺ رجلا رآه يأكل بشماله بقوله: «كل بيمينك»، فقال: «لا أستطيع»، فقال: «لا استطعت»، ما منعه إلا الكبر، فما رفعها إلى فيه»، رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع، والظاهر أنه كان منافقا، وبعضهم يمكنه الأكل بيمينه لكن يعسر عليه كسر ما تعوده كما هو مشاهد عند بعض الناس، فهذا عليه أن يقاوم ذلك حتى يعتاد، أما من كان به جرح أو شلل أو ضعف يمنعه من التناول فإن قواعد الشريعة قاضية بأن الإثم مرفوع عنه.

стр. 2635

• قوله: ١١ - «وَتنَاوِلُ إذا شربتَ مَنْ على يمينك». لا فرق في هذا الحكم بين صغير وكبير، بل ولا بين كافر ومؤمن في الظاهر، فمن كان على اليمين فهو أحق، وقد روى مالك في الموطإ والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قد أوتي بلبن قد شيب بماء من البئر، وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر الصديق، فشرب، ثم أعطى الأعرابي، وقال: «الأيمن فالأيمن»، وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس ﵄ قال: أوتي رسول الله ﷺ بلبن، وعن يمينه ابن عباس، وعن يساره خالد بن الوليد، فقال رسول الله ﷺ لابن عباس: «أتأذن لي أن أسقي خالدا»؟، فقال ابن عباس: «ما أحب أن أوثر بسؤر رسول الله ﷺ على نفسي أحدا»، فأخذ ابن عباس فشرب، وشرب خالد»، فابن عباس كان عالما بحكم رسول الله ﷺ في المسألة وانضم إلى ذلك ما رغب فيه من التبرك بسؤره، والنبي ﷺ استأذنه أن يتنازل عن حقه، فتمسك به، كما فعلت بريرة بعد أن علمت أن النبي ﷺ لا يأمرها بالبقاء تحت مغيث، وإنما هو شافع. أما في غير السقي كالكلام فإنه يقدم الكبير، لقول النبي ﷺ : «كبر كبر»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود عن سهل بن أبي حثمة في قصة القسامة، وجاء أيضا «البركة مع أكابركم»، رواه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس، ومن ذلك قوله ﵊ وعلى آله في حديث ابن عمر: «أمرني جبريل أن أقدم الأكابر»، وهو في الصحيحة برقم (١٥٥٥).

стр. 2636

• قوله: ١٢ - «وينهى عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب». تقدّم الكلام على النفخ في الطعام والشراب، وقد قالوا إن النفخ في الطعام أشد، لأن الماء يدفع عن نفسه، ولا فرق بين ما كان من الطعام حارا وغيره فلا يشرع النفخ فيه لتبريده إن كان حارا أو لتسخينه إن كان باردا، فليعتمد على غير هذه الوسيلة للوصول إلى المبتغى في الحالين، كما تقدم في القذاة إذ قال النبي ﷺ فليرقها». ومن السنّة أن يترك الطعام الحار حتى بذهب فوره، فقد روى الدارمي عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت إذا ثردت غطته شيئا حتى يذهب فوره ثم تقول: إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه أعظم للبركة». أما النفخ في الكتاب فلا فرق بين كتاب العلم وما يكتبه المرء من المراسلات لغيره، وترك النفخ في كتب العلم المقصود منه أن لا يبزق أو ينفث على إصبعه ليتمكن من قلب الورقة إذ تلتصق بالأخرى فلا تنفصل عنها إلا بذلك، فهذا إن حصل فيه إفساد لورق الكتاب إذا توالى ذلك عليه، وقد يؤدي إلى تلويثه، ومحو بعض ما فيه، ولا ريب إن لكتب العلم حرمة تنافي هذا الصنيع، فإن كان قرآنا فالمفسدة أعظم. أما المراسلات فما أدري ما وجه النفخ فيها حتى ينهى عنه؟، ولعل المقصود هو مقابل ما جاء من الأمر بتتريب الكتاب كما في سنن الترمذي عن جابر قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه، فإنه أنجح للحاجة»، قال الترمذي منكر، والتتريب أن يجعل التراب على الشيء، ومنه ترب وجهك، أي صل على التراب، لكن اختلف في معنى التتريب في الحديث على فرض ثبوته، فقيل هو كناية عما ينبغي أن يكون عليه كاتبه من المبالغة في التواضع في مخاطبة المرسل إليه، وقيل معناه أن يجفف المداد بالتراب لئلا تنطمس الحروف، وهذا هو الصحيح، فيحمل النهي الذي في كلام المؤلف عن النفخ في المراسلات على تجفيفها بالنفخ، أما ما قاله بعضهم من أنه قد شاع: «ما خاب كتاب

стр. 2637

ترب»، فما أدري وجهه، وأغلب ظني أنه من الخزعبلات التي يتداولها بعض الشراح دون فحص ولا تدبر، والله الهادي. وقد ذكر بعض الشراح كما أشار إليه الغماري أن النهي عن تتريب الكتاب جاء مرفوعا في حديث رواه البزار، ونقل بعضهم ذلك عن بعض، منهم أحمد زروق، والتتائي، والنفراوي، وأبو الحسن، لكن نقل العدوي في حاشيته عن القرافي والفاكهاني أن البزار إنما روى النهي عن النفخ في الطعام والشراب، وهو الذي قاله ابن ناجي، وقريب منه قول القلشاني، فهؤلاء تحروا ورجعوا إلى أهل الاختصاص، وقد قال يوسف ابن عمر في شرحه عن النهي في النفخ في الكتاب إن هذا مما انفرد به ابن أبي زيد، لعله يريد انفراده بذكره دون غيره من أهل المذهب، وقد علمت أنه لم يُرْوَ أيضا.

стр. 2638

• قوله: ١٣ - «وعن الشرب في آنية الذهب والفضة». يريد أنه جاء النهي عن ذلك، والمنع يتناول الأكل والشرب والاقتناء، لأنه ذريعة إليهما، أو لأنها كنز، وخرج الباجي جواز اقتنائها من جواز بيعها كما في المدونة في غير موضع، قال خليل: «وحرم استعمال إناء نقد واقتناؤه»، انتهى. وقد دل على المنع من الأكل والشرب فيها قول النبي ﷺ : «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، ولا تلبسوا الحرير ولا الديباج، فإنه لهم في الدنيا، وهو لكم في الآخرة»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن حذيفة، وقال النبي ﷺ : «إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»، رواه مالك والبخاري ومسلم - وهذا لفظه - عن أم سلمة، يجرجر يحدر فيها نار جهنم، فجعل الشرب والجرع جرجرة، وهي صوت وقوع الماء في الجوف،،،»، كذا في النهاية، والنهي لترك التشبه بغير المسلمين، ولأنها قيم المتلفات، وهي أيضا من خاص نعيم أهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ (٣١)﴾ [الكهف: ٣١].

стр. 2639

• قوله: ١٤ - «ولا بأس بالشرب قائما». مما جاء في الشرب قائما حديث أنس قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يشرب الرجل قائما»، قال قتادة: «فقلنا: «فالأكل»؟، فقال: «ذاك شر وأخبث»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي، وجاء بلفظ: «زجر عن الشرب قائما»، وروى مسلم عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : «لا يشربن أحد منكم قائما، فمن نسي فليستقئ»، وروى أحمد عن أبي هريرة أن النبي ﷺ رأى رجلا يشرب قائما فقال: «قه»، قال: «لمه»؟، قال: «أيسرك أن يشرب معك الهر»؟، قال: «لا»، قال: «قد شرب معك من هو شر منه الشيطان»، وأمره بالاستقاء، وإخباره أن الشيطان شرب معه يشعر بمنع الشرب قائما، وما قيل من أنه لم يختلف في أن من شرب قائما ليس عليه الاستقاء دفع في وجه الدليل من غير تثبت، قال النووي: «وكيف تترك هذه السنة الصحيحة بالتوهمات الباطلة»، انتهى، ومما جاء من فعله ﵊ ما رواه أحمد والشيخان عن ابن عباس ﵄ قال: «شرب النبي ﷺ من زمزم قائما»، وروى أحمد والبخاري عن علي أنه شرب وهو في رحبة الكوفة قائما، وقال: «إن أناسا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت النبي ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت»، والجمع بين طرفي الأدلة هو المقدم، فيكون الشرب في حال القيام من غير عذر مكروها كراهة شديدة، وفعل النبي ﷺ ذلك إما للعذر، وإما لبيان الجواز، ولا يكون فعله حينذاك مكروها، لأن الله تعالى أوكل إليه بيان الدين للناس، ويتأيد كون الشرب في حال القيام ليس محرما ما رواه مالك في الموطإ بلاغا من أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان كانوا يشربون قياما، وما رواه عن جعفر القاري أنه رأى عبد الله بن عمر يشرب قائما، وعن ابن شهاب أن عائشة وسعد بن أبي وقاص كانا لا يريان بالشرب قائما بأسا، وروى عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه كان يشرب قائما»، فالحاصل

стр. 2640

أن الشرب قائما مكروه، لكن من فعل ذلك عامدا من غير عذر فعليه أن يستقيء، وهذا تأديب للفاعل حتى لا يتعمد ترك ما أمر به من غير داع، وإذا علل الشرب قائما بما فيه من المضار الجسمية، وقيل بمجرد الكراهة لزم القائل به أن يكون المكروه المعلل بمصالح البدن عنده أقوى منعا من المكروه التعبدي، والله أعلم

стр. 2641

• قوله: ١٥ - «ولا ينبغي لمن أكل الكراث أو الثوم أو البصل أن يدخل المسجد» تواتر عن النبي ﷺ نهي من أكل الثوم عن دخول المسجد، وقد روى مالك عن سعيد المسيب أن النبي ﷺ قال: «من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مساجدنا يؤذينا بريح الثوم»، وروى الشيخان من حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: «من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم»، لفظ مسلم، وفي رواية: «وليقعد في بيته»، والثوم بضم الثاء بقل معروف، والكراث بضم الكاف والراء المشددة بقلة شبيهة بالبصل، والتعليل بتأذي الملائكة لا يمنع أن تكون العلة تأذي بني آدم، وقد يستنبط منه أنه لا يأتي إلى المسجد ولو لم يكن فيه أحد لوجود الملائكة فيه، ولا يعترض عليه بوجود الملكين مع كل امرئ، لما للمسجد من الحرمة ولكثرتهم. أكل ما ذكر مباح، لكن من أكله لا يدخل المسجد ما دامت الرائحة فيه، فإن احتال بأكلها كيلا يذهب فهو آثم، وإنما منع من دخول المسجد لما يلحق الناس من الأذى بسبب الرائحة، فإن أكل مطبوخا فلا حرج فيه، ولهذا المعنى كان أكل ما ذكر محرما على النبي ﷺ لمناجاته الملك، وقد قال لبعض أصحابه «كل فإني أناجي من لا تناجي»، والعبرة هنا أن الثوم والبصل والكراث ونحوها حلال، ومع ذلك منع آكلها من دخول المسجد، فكيف بما كان محرما لضرره وخبث رائحته كالدخان، أليس هو أحرى أن لا يجوز لفاعله دخول المسجد، مع أنه يتكرر، فيقال له اختر بين الاستمرار على التدخين مع تركك الصلاة في المسجد، وبين الإقلاع عن هذا الداء الضار لك ولغيرك، وبعض أهل العلم قال بعدم دخول آكل الثوم ونحوه السوق واعتبره نقص مروءة، واعتمد في ذلك على قول النبي ﷺ : «وليقعد في بيته»، والظاهر أن الأسواق لا حرمة لها، ولأن من بها يتمكن من الابتعاد عن الأذى بخلاف المساجد ومجالس العلم وصلاة العيد والجنازة والولائم، وألحق بعضهم بما ذكر من بفمه بخر أو فيه جرح منتن، واذكر في زمانك هذا الجوارب التي يفرط فيها

стр. 2642

أصحابها حتى تصير منتنة، وقد يضع المرء الذي يصلي خلف صاحبها أنفه في سجوده عندها، ومن المطلوب أن يتحفظ المصلي حين جشائه فيكفه ولاسيما إذا كان به رائحة كريهة، وقد قال النبي ﷺ : «كف عنا جشاءك، فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة»، رواه الترمذي وابن ماجة عن ابن عمر، والجشاء بضم الجيم تنفس المعدة عند الامتلاء وغيره.

стр. 2643

• قوله: ١٦ - «ويكره أن يأكل متكئا». روى البغوي في شرح السنة عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت، قلت: يا رسول الله كل، جعلني الله فداك متكئا، فإنه أهون عليك، فأحنى رأسه حتى كاد أن تصيب جبهته الأرض، وقال: «بل آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، فإنما أنا عبد»، وهو في الصحيحة برقم (٥٤٤)، وهذا التعليل يمنع اعتبار ترك الأكل متكئا من الخصائص كما ذهب إليه بعضهم، وسيأتي له نظير. وروى البخاري عن أبي جحيفة قال، قال رسول الله ﷺ : «إني لا آكل وأنا متكئ»، وقال النبي ﷺ وقد جثا: «إن الله جعلني عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عنيدًا، رواه أبو داود، وسيذكر بتمامه بعد، وقال النبي ﷺ من جملة حديث: «ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه»، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن المقدام بن معديكرب. قال في النهاية: «المتكئ في العربية كل من استوى على وطاء قاعدا متمكنا، والعامة لا تعرف المتكي إلا من مال في قعوده على أحد شقيه، والتاء فيه بدل من الواو وأصله من الوكاء وهو ما يشد به الكيس وغيره، كأنه أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته، ومعنى الحديث أني إذا أكلت لم أقعد متمكنا فعل من يريد الاستكثار منه، ولكن آكل بلغة»، انتهى، وقال الخطابي ﵀ في المعالم مثله مختصرا، وقال الشيخ أبو الحسن في شرحه: «وصفة الاتكاء أن يميل على مرفقه الأيسر»، وقال علي العدوي: «وفي الاتكاء قولان آخران: التربع وهو للخطابي، ثانيهما أن يكون مستندا من غير ميل لشق، والاتكاء بالأوجه الثلاث يحرم عليه ﷺ ، وكذا ينهى عن الجلوس على الركبتين كابا رأسه على الطعام»، انتهى. قلت: هذه الصفة الأخيرة فعلها رسول الله ﷺ ، وقال عنها ما ستقف عليه، وهي أن

стр. 2644

يجلس المرء على ركبتيه، وصدور قدميه، أو ينصب رجله اليمنى، ويجلس على اليسرى، أما ما ذكره من معنى الاتكاء فقد علمت معناه في اللغة وعلة امتناعه منه ﷺ ، أما غيره فقد قال عنه في النهاية: «ومن حمل الاتكاء على الميل على أحد الشقين؛ تأوله على مذهب الطب، فإنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلا ولا يسيغه هنيئا، وربما تأذى به».

стр. 2645

• قوله: ١٧ - «ويكره الأكل من رأس الثريد». لا خصوصية للثريد وإنما عبر به لذكره في بعض الحديث، أو لأنه غالب طعام الناس، ثم هو مثال لما يستمسك من الطعام فيكون له رأس، وقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها، فإن البركة تنزل من أعلاها»، وعن عبد الله بن بسر قال: كان للنبي ﷺ قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال، فلما أضحوا وسجدوا الضحا أتي بتلك القصعة - يعني وقد ثرد فيها - فالتفوا عليها، فلما كثروا جثا رسول الله ﷺ ، فقال أعرابي: «ما هذه الجلسة»؟، قال النبي ﷺ : «إن الله جعلني عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عئيدا، ثم قال رسول الله ﷺ : «كلوا من حواليها ودعوا ذروتها يبارك فيها»، رواه أبو داود، ومن عادة الناس عندنا أن يضعوا اللحم والخضراوات في أعلى الصحفة فيأكل منه الناس، ولو أنهم وزعوه على أطرافها لكان خيرا حتى لا تخالف هذه السنة، وحتى يأكل المرء مما يليه، ولا يفتات المرء على حق غيره كما هو حال أهل الشره.

стр. 2646

• قوله: ١٨ - «ونهي عن القِرَان في التمر وقيل إن ذلك مع الأصحاب الشركاء فيه، ولا بأس بذلك مع أهلك أو مع قوم تكون أنت أطعمتهم». القران أن يجمع بين تمرتين في الأكل، وما كان مثل التمر أعطي حكمه، والعلة ما في ذلك من الافتيات على الناس بأخذ حقهم، ولدلالته على الشره، وإذا كانوا شركاء في الأكل بشراء أو إهداء كان ذلك محرما، وقد روى الشيخان عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن القِرَان في التمر حتى يستأذن أصحابه»، ولعل تعليق النبي ﷺ الجواز بالاستئذان توكيد للنهي، حيث علقه على أمر يصعب على ذي المروءة أن يقدم عليه، فمن ذا الذي يستسيغ أن يقول لمن معه: أستأذنك أن آكل أكثر منك، أو أن أجمع بين تمرتين؟، وهذا التعليق يشير أيضا إلى علة المنع، وقد اختلف في هذه الجملة هل هي من كلام النبي ﷺ أو هي مدرجة من قول ابن عمر، والأصل عدم الإدراج إلا لدليل، ويظهر أن هذا الحكم ينبغي أن يلتزم منفردا كان المرء أو مخالطا، لأن اعتياده يعسر معه الانفكاك عنه، وإن كانت مساوئه تتفاوت بحسب الحال، وتعليل مشروعية القران مع الأهل بأنه لا يلزمه التأدب معهم ولأنه ماله فيه شيء، وهكذا القول في شأن الذين يطعمهم لكونه طعامه فهذا لا يسلم لقائله، وقال مالك: «ليس لجميل أن يأكل لأكثر من رفقنه» (٣/ ٨٥)، والله أعلم.

стр. 2647

• قوله: ١٩ - «ولا بأس في التمر وشبهه أن تجول يدك في الإناء لتأكل ما تريد منه». إذا كان الطعام في إناء واحد وقد فصلت أنواعه بعضها عن بعض، كما يفعل الناس اليوم فيما يسمى بالمقبلات التي يقدمونها بين يدي الأكل الرئيس، أو كان الطعام تمرا أو زبيبا فيه الرديء والجيد، أو لحما مقطعا فلا بأس أن يأخذ المرء ما يرغب دون أن يستبد بحق غيره، أو يتجاوز ما له فيه، والأولى أن ينظم ذلك ويوزع قبل الشروع في الأكل، وقد روى الترمذي وابن ماجة عن عكراش بن ذؤيب قال: أتي النبي ﷺ بجفنة كثيرة الثريد والوذر، فأقبلنا نأكل منها، فخبطت يدي في نواحيها، فقال: «يا عكراش كل من موضع واحد فإنه طعام واحد»، ثم أتينا بطبق فيه ألوان من الرطب فجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق، وقال: «يا عكراش كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد»، قال الترمذي غريب، يعني ضعيفا، والوذر بسكون الذال وفتحها جمع وذرة بالسكون وهي القطعة الصغيرة من اللحم، وفي مسالك الدلالة «كثيرة الثريد والودك»، فلينظر.

стр. 2648

• قوله: ٢٠ - «وليس غسل اليد قبل الطعام من السنة إلا أن يكون بها أذى، وليغسل يده وفاه بعد الطعام ومن الغمر وليمضمض فاه من اللبن». غسل البد قبل الطعام مكروه في مشهور المذهب إذا جعل سنة يداوم عليها من غير حاجة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده» رواه أبو داود والترمذي عن سلمان، وضعفاه، فلا حجة فيه، والمراد بالوضوء اللغوي منه، وهو غسل اليد، وروى أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا: «ألا نأتيك بوضوء»؟، فقال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة»، لكن إن كان ثمة ما يدعو لغسل اليد بأن كان فيها قذر؛ فإنه يكون مطلوبا، لدفع الأذى عن نفسه وعن مؤاكله، وقد يكون واجبا إذا كان بيده نجاسة لأن إزالتها واجبة، ولأن أكلها حرام، وقد تقدم شرح بقية كلامه، وفي سنن النسائي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- «أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وإذا أراد أن يأكل غسل يديه»، وهو في الصحيحة برقم (٣٩٠)، ولا تعارض بين هذا وما سبق من حديث ابن عباس لأن الغسل هذا ليس بلازم.

стр. 2649

• قوله: ٢١ - «وكره غسل اليد بالطعام أو بشيء من القطاني وكذلك بالنخالة وقد اختلف في ذلك». لا ريب أن هذا الفعل مذموم، إذ كيف يستعمل الطعام في تجفيف اليد مما علق بها من الإدام والودك ونحوهما؟، والقول بأن ذلك مكروه تنزيها غير سديد، بل الظاهر أنه محرم، لأنه استعمال للطعام في غير ما وضع له، وقد يكون منبئا عن الاستهانة به، خلاف ما أمر به النبي ﷺ إذ قال: «أكرموا الخبز»، رواه الحاكم والبيهقي في الشعب عن عائشة، وما ذكروه من التداوي به، وهو منقول عن مالك ليس هو كمسح اليد به، وهكذا الاستدلال بتمندل الصحابة ومسح أيديهم من الودك والإدام بأخفافهم وأرجلهم، ومنهم عمر بن الخطاب رضي عنهم لا يعطي هذا الحكم، نعم إن نخالة الشعير إذا استعملت فلا حرج فيها لأنها ليست طعاما وإنما قشور، بخلاف نخالة القمح فإنها من أجود الطعام، ولعل من هذا القبيل دلك اليد بالليمون لإزالة الودك، والله أعلم.

стр. 2650

• قوله: ٢٢ - «ولْتُجبِ إذا دعيت إلى وليمة المعرس إن لم يكن هناك لهو مشهور ولا منكر بَيِّنٌ وأنت في الأكل بالخيار وقد أرخص مالك في التخلف لكثرة زحام الناس فيها». هذا مما تبرع به المؤلف، والموضع المناسب لذكره باب النكاح. والمُعرس اسم فاعل من أعرس الرجل بأهله إذا بنى بها، أي اتخذ عروسا، وهو هكذا في النسخ، ومعظم الشراح يذكرونه بلفظ العُرس وهو النكاح. والوليمة طعام العرس، قال في مقاييس اللغة: «ويقال: الولم كل خيط شددت به شيئا، وليس يبعد أن يكون اشتقاق الوليمة من هذا، لأنه يكون عند عقد النكاح، وأهل اللغة يقولون: طعام العرس وليمة»، انتهى. قلت: وقيل إن معنى الوليمة أعم، ويحتمل أن تقرأ الكلمة عُرس، وينبني على ذلك الاختلاف في وقت الوليمة هل تكون عند العقد أو بعد الدخول؟، والظاهر أنها بعد البناء. وروى أحمد والنسائي عن بريدة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «لا بد للعرس من وليمة»، وقال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف: «أولم ولو بشاة»، رواه مالك والشيخان وأحمد والأربعة. وإجابة الدعوة من جملة حقوق المسلم على أخيه كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: «حق المسلم على المسلم ست إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه»، وروى الشيخان عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها»، وقال النبي ﷺ : «أجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين»، رواه أحمد عن ابن مسعود.

стр. 2651

وإجابة هذه الدعوة واجب وهو المعتمد في المذهب، وقيل مندوب، وإنما تجب إذا دعي المرء بعينه دعاه صاحب الوليمة أو وكل من يدعوه، أو أرسل إليه رسالة باسمه، أو دعا جماعة محصورين، لا إن دعاهم بوصف، كطلاب العلم أو المسافرين، والظاهر أنه لا يلزم إجابة الدعوة إذا كانت الوليمة تصنع في قاعات الحفلات ولو لم يكن ثمة ما يخالف الشرع، لما في ذلك من الابتذال الذي لا يليق بأهل المروءة، فكيف إذا صحب ذلك أن يكون في القاعة الواحدة أكثر من وليمة مع المخالفات التي لا تخفى على أحد، وطول الانتظار وقد رأينا في بعضها أن النساء يتولين تقديم الطعام وخدمة المدعوين، وهذا لا يشك في عدم لزوم الإجابة معه، ويمنع الحضور إذا كان ثمة لهو بآلات الطرب أو الغناء، أو اختلاط الرجال بالنساء، أو وجود الصور المحرمة، بخلاف ضرب الدف كما تقدم، ومما نقل عن مالك أنه يباح التخلف عن الدعوة إذا كان هناك زحام بكثرة المدعوين، لما فيه من المشقة، واعتبر بعضهم حضور من يتأذى به المرء مبيحا للتخلف، والصوم ليس بعذر في التخلف، وإذا كان المدعو صائما فلا يلزمه الأكل، لأن الداعي قد ينتفع بحضور المرء لا بأكله، لكن إن كان في ذلك تطييب لخاطره ترجح له أن يأكل لقول النبي ﷺ : «أخوك تكلف لك»، وأهل المذهب يرون لزوم المضي في الصوم النفل بالشروع كما تقدم. وحكم الوليمة الندب على الزوج على قدر حاله، لا على أهل الزوجة كما هو الشائع اليوم، حيث تُعْمَلُ وليمتان، ولا يشترط في وليمة النكاح الذبح، كما قد يؤخذ من كلام الشوكاني في نيل الأوطار أثناء كلامه على السن الذي ينبغي أن تكون عليها النسيكة في العقيقة، وقد بينت ما فيه هناك، والله أعلم.

стр. 2652

٤٣ - باب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله والسفر ذكر هنا ثمانية أمور، وهي قسمان الأول منها له صلة بمعاملة الناس وهو السلام والاستئذان والتناجي، والثاني هو أنواع من الذكر العام والخاص، وأعظم ذلك تلاوة القرآن، لكنه ذكر ما لم يترجم له كعيادة المريض، والمبيت في المسجد، وغير ذلك.

стр. 2653

• قوله: ٠١ - «ورد السلام واجب والابتداء به سنة مرغب فيها». السلام اسم من أسماء الله تعالى، والمقصود هنا الأمان يدعو به المسلم على من يسلم عليه، والابتداء بالسلام سنة كفاية على المشهور، والرد واجب كفاية كذلك، وإنما قدم المؤلف الرد لكونه واجبا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦]، وقد تأولها مالك على أنها في تشميت العاطس والرد على المشمت، وما ذكره داخل في عمومها، ولكن لا دليل على اختصاصها بذلك، والتحية دعاء، وهي من الحياة، كانوا يقولون حياك الله، أي جعل لك حياة، وفيها إيناس له وطمأنة، وهذا وجه مجيئها بعد ذكر الشفاعة الحسنة المرغب فيها، أمر المشفوع عنده أن يرد التحية بأحسن منها، فإن قبل الشفاعة مع ذلك فهو خير، وإذا لم يقبلها فليسعف بالحال والقول إذا لم يسعف بالفعل، بل قد يكون القول الحسن خيرا من الفعل المصحوب بالتذمر قال الله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣]، واتفق أهل العلم على أن رد التحية واجب، ولكن الله تعالى أمر بردها بأحسن منها، وهذا من باب المكافأة بالأفضل حيث لا مشقة فيه، قال القرطبي: «أجمع العلماء

стр. 2654

على أن الابتداء بالتحية سنة مرغب فيها، وأن الرد فريضة،،،»، انتهى، وقد جاء الأمر بإلقاء السلام على من عرف المرء ومن لم يعرف، وجاء بذله للعالَم، وجاء أن من حق المسلم على أخيه إذا لقيه أن يسلم عليه، وجاء أن رد السلام من حق الطريق إن كان ولا بد من الجلوس عليه، وقال النبي ﷺ : «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟، أفشوا السلام بينكم»، وسأل رجل النبي ﷺ : «أي الإسلام خير»؟، قال: «تطعم الطعام، وتلقي السلام على من عرفت ومن لم تعرف»، وهو في الصحيح عن عمرو بن العاص، وقال النبي ﷺ غداة وصوله للمدينة: «أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»، رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والدارمي عن عبد الله بن سلام ﵁، وقد روى مالك عن الطفيل بن أُبَيِّ ابن كعب أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدو معه إلى السوق، قال فإذا عدونا إلى السوق لم يمر عبد الله بن عمر على سقاط ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلا سلم عليه، قال الطفيل فجئت عبد الله بن عمر يوما فاستتبعني إلى السوق فقلت له: «وما تصنع في السوق وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق»؟، قال: وأقول اجلس بنا ها هنا نتحدث، قال فقال لي عبد الله بن عمر: «يا أبا بطن، وكان الطفيل ذا بطن: «إنما نغدو من أجل السلام نسلم على من لقينا»، فليعتبر بهذا من جعل ديدنه مقاطعة كثير من الناس ظانا أنه بذلك يدعو إلى السنة، ويهجر أهل البدعة والمخالفين له، وما هو في العير ولا في النفير، ولما كان للتحية عند المسلمين لفظ معين إلقاء وردا وليست بأي لفظ، بَيَّنهُ المؤلف ﵀ بقوله:

стр. 2655

• قوله: ٠٢ - «والسلام أن يقول الرجل السلام عليكم ويقول الراد وعليكم السلام أو يقول سلام عليكم كما قيل له». الأصل في إلقاء السلام قول النبي ﷺ : «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، قال: فذهب فقال: السلام عليكم»، فقالوا: «السلام عليك ورحمة الله»، قال: فزادوه ورحمة الله، قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن» رواه البخاري عن أحفظ الصحابة للحديث. والمؤلف يريد أن إلقاء السلام يكون بلفظ السلام عليكم، بصيغة الجمع، وتقديم لفظ السلام لأنه اسم الله، وقد روى البخاري في الادب المفرد عن أنس مرفوعا: «إن السلام من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض، فأفشوا السلام بينكم»، ولا فرق بين أن يكون المُسَلَّمُ عليه واحدا أو أكثر، ذكرا أو أنثى، لأن الواحد كالجماعة لوجود الحفظة معه، وقالوا لا بد من تعريف السلام، فكأنهم جعلوا ما هنا مماثلا للسلام الذي يخرج به المصلي من الصلاة، فلا يكفي أن يقول: «سلام عليكم»، وفي هذا نظر، فإن تسليم الملائكة على أهل الجنة هو قولهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٤]، وهكذا تسليمهم على إبراهيم ﵊: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ [الذاريات: ٢٥]، ورد بأن هذا قياس مع الفارق، والصواب أن التسليم لما كان دعاء وتأنيسا فلا ريب أن فعل الملائكة وتسليمهم على أهل الجنة أكمل، فأقل ما يقال إن ذلك كاف، ويكون الرد بقوله وعليكم السلام، بصيغة الجمع وبالواو المفيدة للتشريك، وتقديم الجار والمجرور، كأنه يقول علي السلام وعليكم السلام، وقد مر معك رد الملائكة على آدم، وأنه بلفظ السلام عليك، وهي تحيته وتحية أولاده من بعده كما قال الله ذلك، وأقوى

стр. 2656

منه رد النبي ﷺ على المخطئ في صلاته إذ قال: «وعليك السلام»، وهو في الصحيح وغيره، وقد تقدم دليل الرد بأن يقول سلام عليكم بالتنكير، ولعل هذا هو مراد المؤلف بقوله أو يقول سلام عليكم كما قيل له»، يريد كما قيل له في الجملة، فإنه لا يلزم أن يكون المشبه موافقا للمشبه به من كل وجه، أو يريد أنه يجوز أن يقول المبتدئ سلام عليكم، فيرد عليه بالمثل، وأيا ما كان فكلامه غير متضارب، كما هو قول الشيخ الغماري في مسالك الدلالة: «هذا كلام غير مستقيم المعنى كما هو ظاهر،،»، ثم بَيَّنَ وجه عدم استقامة كلامه بافتراضات ثلاثة قدرها لا يلزم المؤلف منها شيء. قالوا ولا يقول في إلقاء السلام وعليكم السلام، وذهب ابن رشد إلى أنه يجوز أن يكون البدء بصيغة الرد، والرد بصيغة البدء، يعني فيقول الممبتدئ: عليكم السلام، ويقول الراد: السلام عليكم، ومما قيل هنا إنه لا يكتفى في الرد بما يجوز في اللغة من حذف المبتدإ فيقول: «وعليكم»، ولا بالمبتدإ للعلم بالخبر فيقول: «السلام». قلت: قد جاء في الأثر الاكتفاء بعليكم في الرد، ولا ريب أن إكمال الجملة أكمل، لاسيما وأن الرد على الكفار يكون بقوله «وعليكم»، وقد روى أبو داود والترمذي عن أبي جري جابر بن سليم قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله، قال: «لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى»، يريد النبي ﷺ ما كان شائعا عند الجاهلية يؤبنون الموتى به، فهو إخبار عن الواقع لا عن الشرع لما يخشى أن يتطرق ذلك الهاجس إلى لسان القائل فيقصده كما في قول النبي ﷺ : «السيد الله»، للذين قالوا له «أنت سيدنا»، مع أنه سيد ولد آدم، وإنما قال ذلك لما خشيه من الإطراء الذي نهى عنه ثم لما قد يظنونه أن سيادته كسيادة الزعيم فيهم تمنح وتنزع، فليس المراد أن ذلك شرع ينبغي أن يلتزم بدليل تسليمه ﷺ على الموتى بمثل ما يسلم به على الأحياء، فقد علم عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن تقول «السلام على أهل الديار من المؤمنين»، وقال هو ذلك أيضا كما رواه مسلم عن أبي هريرة، فدل على أن التسليم لا يختلف فيه الأحياء عن الأموات، والله أعلم.

стр. 2657

• قوله: ٠٣ - وأكثر ما ينتهي السلام إلى البركة أن تقول في ردك وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته». يزداد أجر ملقي السلام والراد عليه كلما كان في التحية زيادة، بحيث يرد بمثلها أو بأحسن منها، مما هو مشروع، لما رواه أبو داود عن عمران حصين قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «السلام عليكم، فرد عليه¬ السلام، ثم جلس فقال النبي ﷺ : «عشر»، ثم جاء آخر فقال: «السلام عليكم ورحمة الله»، فرد عليه فجلس، فقال: «عشرون»، ثم جاء آخر فقال: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، فرد عليه فجلس، فقال: «ثلاثون»، وفي رواية لأبي داود زيادة «ومغفرته» في الرابعة، فقال: «أربعون»، ولم تصح، ومراد المؤلف أنه إذا قال المسلم السلام عليكم كان الرد بمثل تحيته المأمور به بأن يقال وعليكم السلام، أو يزيد ورحمة الله، أو يزيد وبركاته، وهو الرد بأحسن منها، فإن أضاف المبتدئ ورحمة الله زاد الراد وبركاته، فإن زادها المبتدئ كان الرد بالمثل لا يزاد عليه، لأنه إلى البركة المنتهى، وقيل يزاد ومغفرته، وقيل تزاد ألفاظ أخرى، وقد روى مالك في الموطإ عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، ثم زاد شيئا مع ذلك أيضا، فقال ابن عباس وهو يومئذ قد ذهب بصره: «من هذا»؟، قالوا: «هذا اليماني الذي يغشاك»، فعرفوه إياه، فقال ابن عباس: «إن السلام قد انتهى إلى البركة»، لكن ينبغي أن ينظر هل معنى كلام ابن عباس أن هذا هو الذي تعارف الناس عليه، فلا يزاد عليه لما فيه من التكلف، أم أن هذا هو حد الشرع فلا يزاد عليه فيكون بدعة، ذكر نحوا من هذا زروق، ثم قال: «وهذا هو الظاهر لأن الزيادة قد وردت عن بعض السلف»، انتهى، وقال ابن رشد: «وقوله : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ دليل على جواز الزيادة إذا انتهى المبتدئ بالسلام في سلامه إليها»،

стр. 2658

انتهى. قال كاتبه: ويقوي عدم الزيادة ما جاء من التوقيت في ذلك على ما فيه من ضعف، ومن ذلك ما رواه مالك في الموطإ عن يحيى بن سعيد أن رجلا سلم على عبد الله بن عمر فقال: «السلام عليك ورحمة الله وبركاته والغاديات والرائحات»، فقال له عبد الله بن عمر: «وعليك ألفا، ثم كأنه كره ذلك». قلت: وجاء ذلك في ردّ الصحابة السلام على النبي ﷺ كما رواه البخاري في التاريخ الكبير عن زيد بن أرقم قال: «كنا إذا سلم النبي ﷺ علينا قلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته، وهو في الصحيحة برقم (١٤٤٩)، وقد قيل إن الألباني ﵀ رجع عن تصحيحه، وقد كتب الشيخ الأستاذ المجذوب الجزائري المقيم في المدينة رسالة نافعة في هذا الأمر ولم تطبع. ومن الآداب العالية أن المرء إذا سئل عن حاله بعد السلام ورده أن يحمد الله تعالى، وقد روى مالك عن أنس أنه سمع عمر بن الخطاب وقد سلم عليه رجل فرد عليه¬ السلام، ثم سأل عمر الرجل: «كيف أنت»؟، فقال: «أحمد إليك الله»، فقال عمر: «ذلك الذي أردت منك»، واقرأ هذه الكلمة لابن عبد البر ﵀ يعلق على هذا الأثر وانتفع بها، حتى تتعود حمد ربك على كل حال، وتتعوذ بالله من حال أهل النار، ولا تفعل كما يفعل من لم يقدر الله حق قدره: «في هذا الخبر ما يدل على أن السنة المعمول بها في المجاوبة للسائل عن الحال حمد الله، والثناء عليه، فإن المسئول عن حاله لا ينفك عن نعمة الله، ظاهرة وباطنة، من صحة جسم، وصرف بلاء، وكشف كربة، وتفريج غم، ورزق يرزقه، وخير يمنحه، ذكر ذلك أو نسيه، فإذا سئل عن ذلك فليحمد ربه، فله الحمد كله على كل حال، لا إله إلا هو الكبير المتعال»، انتهى، ونحمد الله تعالى أن المسلم عندنا متى سئل عن حاله كان أسبق الألفاظ إلى لسانه حمد الله، فلنذكر نعمة التوفيق هذه وليكن في ذكرنا لله والاعتصام به عزاء من كل فائت، وتعويض من كل مبتغى لا نقدر عليه، والله الهادي. وقد اختلف هل يسلم على الذي يقرأ القرآن والمشتغل بالذكر والذي يأكل والذي بصدد الأذان والذي يُعْلَم أنه لا يرد، والظاهر أنه يسلم عليهم فإنه إذا كان مشروعا أن يسلم

стр. 2659

على من في الصلاة فأولى غيرهم، لكن يؤخر الآكل الرد حتى يبتلع ما في فمه، ويتم قارئ القرآن الآية، ثم يعود فيتعوذ كما يقول أهل الاختصاص، ويؤجل قاضي الحاجة والمؤذن الرد إلى أن ينتهي، وإن رد المؤذن فلا بأس ثم يبني على ما فات، وقد ذكروا للفرق بين ردّ المصلي بالإشارة وردّ غيره كالمؤذن ما لا يسلم، وجاء النهي على التسليم على ما من يقضي الحاجة.

стр. 2660

• قوله: ٠٤ - «ولا تقل في ردك سلام الله عليك». هذا لا يقال في الابتداء، ولا في الرد لعدم وروده، وقال الشيخ زروق: «وإنما نهي عنه لإيهامه الإخبار عن تحقق السلام من الله، أو طلب السلام من الله عليه، وهي تحية النبوة، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]، انتهى.

стр. 2661

• قوله: ٠٥ - «وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم وكذلك إذا رد واحد منهم». يدل على هذا ما رواه مالك عن زيد ين أسلم أن رسول الله ﷺ قال: «يسلم الراكب على الماشي، وإذا سلم من القوم أحد أجزأ عنهم»، وهو مرسل، والاحتجاج به على كفاية تسليم الواحد ظاهر، أما الاحتجاج به على كفاية رد الواحد فقد قال عنه القرطبي: «قال علماؤنا وهذا يدل على أن الواحد يكفي في الرد، لأنه لا يقال أجزأ عنهم إلا فيما قد وجب، هكذا تأول علماؤنا هذا الحديث وجعلوه حجة في جواز رد الواحد، وفيه قلق»، انتهى، قلت وجه القلق أن كلمة أجزأ يصح أن تدخل في غير الواجب، كما في قوله ﷺ : «ويجزئ من ذلك ركعتا الضحى»، ويدل على الاكتفاء بالواحد من الجهتين ما رواه أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم»، قال أبو داود: «رفعه الحسن بن علي»، انتهى، وفيه خالد بن سعيد الخزاعي وهو ضعيف، وقد حسنه ابن عبد البر، وصححه الألباني بشواهده، وهو دليل على الاكتفاء في الإلقاء والرد بالواحد، لكنه يشعر بأن الأفضل خلاف ذلك، ووجهه فيما أرى أن المطلوب طارئ غير مرتب له كغيره من الواجبات الكفائية، والجماعة قد ينتظر كل منهم رد غيره ليكفي عنه فلا يقوم بذلك أحد، فيفوت الغرض، فكان التمسك بالأصل هو الأبرأ للذمة، والله أعلم.

стр. 2662

• قوله: ٠٦ - «وليسلم الراكب على الماشي والماشي على الجالس». جاء هذا في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ في الصحيحين وغيرهما، وفيه روايات ترجم البخاري عليها أربع تراجم، يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، فهذه أربعة، وجاء بدل تسليم الماشي على القاعد تسليم المار على القاعد، والمار أعم من الماشي، وقد اجتمعت الأربعة في حديث أبي هريرة عند الترمذي مرفوعا مع أنه ضعيف لانقطاعه، فإن تساوى الفريقان فأيهما بدأ فقد أحسن، لقول النبي ﷺ في المتقاطعين يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، وروى الترمذي عن أبي أمامة قال، قيل: «يا رسول الله الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام»؟، قال: «أولاهما بالله»، وقال النبي ﷺ : «الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ السلام فهو أفضل»، رواه البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح كما قال الحافظ في الفتح، وكما يشرع التسليم عند اللقاء يشرع عند المغادرة لقول النبي ﷺ : «إذا قعد أحدكم فليسلم، وإذا قام فليسلم، فليست الأولى أحق من الآخرة»، رواه أبو داود والترمذي والبخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة، وجاء ما يدل على تكرير السلام ولو فارق المؤمن أخاه وقتا قصيرا بأن فصلت بينهما شجرة أو جدار أو حجر، وهو في سنن أبي داود عن أبي هريرة. ويذكر هنا تسليم الرجل إذا دخل بيتا لا ساكن فيه، قال مالك في الموطإ: «إنه بلغه إذا دُخل البيت غير المسكون يقال: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، وقد جاء عن غير واحد من السلف أنه نزع بهذه الآية» ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً (٦١)﴾ [النور: ٦١] على التسليم بهذه الصيغة عند دخول البيت الذي لا ساكن فيه، وذكر بعضهم المساجد أيضا قال ابن عبد البر: «والذي ذكره مالك مجتمع عليه فيمن دخل بيتا ليس فيه أحد»، انتهى، ويذكر أيضا هنا التسليم بالإشارة باليد والرأس،

стр. 2663

وقد شاعا في هذا الزمان، والأصل تركه فإن كان المسلم عليه والراد بحيث لا يسمع أو كان الراد بحيث لا يتمكن من الرد باللفظ لكونه في الصلاة ونحو ذلك رد بالإشارة، فإن لم يكن في الصلاة كان مطلوبا منه أن يرد مع ذلك باللفظ، وقد روى البيهقي عن جابر عن النبي ﷺ قال: «لا تسلموا تسليم اليهود والنصارى فإن تسليمهم إشارة بالكفوف»، وروى الترمذي نحوه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أما رد المصلي إذا سلم عليه، فقد جاء ما يدل على مشروعية الرد إشارة باليد من فعل النبي ﷺ ، إذ روى أبو داود والترمذي والنسائي عن صهيب قال: «مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه، فرد إشارة بإصبعه»، ويلحق به الرد إذا كان الإمام يخطب يوم الجمعة، وقد كان الرد باللفظ جائزا حتى نهوا عن الكلام، ونزل قو الله تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وأخرج الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال: «كنا نسلم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال: «إن في الصلاة لشغلا»، لكن جعل التسليم على المصلين سنة عامة كغير المصلين فيه شيء، والكلام إنما هو في حالة ما إذا سلم عليهم فإن الرد يكون مشروعا باليد، وقد ورد في الهيئة التي يشار بها في الرد أحاديث بالإصبع والإيماء بالرأس، وبسط الكف بطنها إلى الأرض، والله أعلم.

стр. 2664

• قوله: ٠٧ - «والمصافحة حسنة». المصافحة من تمام التحية، وهي مندوبة، ومعناها قبض اليد اليمنى باليمنى، وقال أبو الحسن: هي وضع أحد المتلاقيين بطن كفه على بطن كف الآخر إلى الفراغ من السلام أو الكلام. قلت: قد دل الدليل على أنه قبض لا مجرد وضع كما سيأتي، وقد سمي الحلف يمينا لأنهم كانوا إذا حلف الرجل للرجل وضع يده في يده توثقا وتوكيدا، وفي شد يد كل واحد من المتصافحين يد الآخر قولان، ويكره اختطاف اليد بعد التلاقي قبل انتهاء السلام أو الكلام، وكان النبي ﷺ إذا لقي الرجل لا ينزع يده حتى يكون هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه حتى يكون هو الذي يصرف وجهه»، عزاه الحافظ في الفتح لابن المبارك في كتاب البر والصلة، لكن ذلك يختلف باختلاف الحال، وعدد المتصافحين، ولا يصافح الرجل المرأة، ولو كانت متجالة، وهذا لا يختلف فيه، وقالوا لا يصافح المسلم الكافر ولا المبتدع. وقد روى مالك عن عطاء بن أبي مسلم عبد الله الخراساني قال، قال رسول الله ﷺ : «نصافحوا يذهب الغل عنكم وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء»، وهو معضل، والغل بكسر الغين الحقد، وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن البراء بن عازب قال، قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا»، وروى الطبراني عن أبي أمامة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا تصافح المسلمان لم تفرق أكفهما حتى يغفر لهما»، وفي صحيح البخاري وسنن الترمذي عن قتادة قلت لأنس: «أكانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ »؟، قال: «نعم»، وفيه عن عبد الله بن هشام قال: «كنا مع النبي ﷺ ، وهو آخذ بيد عمر ابن الخطاب»، وقال عبد الله بن مسعود: «علمني النبي ﷺ وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمني السورة من القرآن»، وهذا والله أعلم فيه

стр. 2665

مشروعية ذلك لإظهار العناية من الشيخ بتلميذه، وفيه رد على من أنكر شد اليد باليدين معا، وقد علق البخاري قائلا: «وصافح حماد بن زيد ابن المبارك بيديه». وفي سنن الترمذي عن أنس بن مالك قال، قال رجل: «يا رسول الله الرجل يلقى أخاه أو صديقه أينحني له»؟، قال: «لا»، قال: «أفيلتزمه ويقبله»؟، قال: «لا»، قال: «أفيأخذ بيده ويصافحه»؟، قال: «نعم»، وقد ضعّفه الألباني بلفظ «أفيلتزمه»، وقال بعضهم بجواز الانحناء إذا لم يصل إلى حد الركوع الشرعي وهو مردود بالنص، ولأنه من التشبه بالكفار، وفي سنن أبي داود عن أنس أن النبي ﷺ قال: «أقبل أهل اليمن وهم أول من حيانا بالمصافحة». والمقصود أن المصافحة من جملة التحية، أو هي من تمامها، وقد جاء ذلك في حديث الترمذي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته، أو قال على يده، فيسأله كيف هو؟، وتمام تحيتكم بينكم المصافحة»، قال الترمذي: هذا إسناد ليس بالقوي»، وضعفه الألباني، وروى أيضا عن ابن مسعود قال، قال رسول الله ﷺ : «من تمام التحية الأخذ باليد»، وقال: «هذا حديث غريب»، انتهى، وهو ضعيف، ولو صحّ لكان فيه حجة على المصافحة عند الافتراق أيضًا، وقد كان أصحاب النبي ﷺ يقرأ بعضهم على بعض قبل الافتراق سورة العصر. فالمصافحة مشروعة عند الالتقاء، وتكرر إذا فارق المؤمن أخاه ثم التقيا، أما من كان جالسا بجانبك في المسجد حتى إذا سلمت من صلاتك صافحته فليس كما ينبغي، وكثيرا ما يقطع بعضهم على المرء الذكر الذي هو فيه، وقد رأيت بعضهم يقوم إلى بعض بعد الصلاة فيتصافحون، فهذا لا ينبغي ترتيبه، ولكن لا يصح أن يغلظ القول لفاعله لأنه ما أراد إلا الخير، فليعلم برفق، ومما اعتاده الساسة وغيرهم أنهم يتصافحون في ختام الجلسة لإظهار التوافق وتمام التفاهم وهذا ليس بشيء!!!.
следующие страницы →