Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
• قوله:
٠٥ - «وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم وكذلك إذا رد واحد منهم».
يدل على هذا ما رواه مالك عن زيد ين أسلم أن رسول الله ﷺ قال: «يسلم الراكب على الماشي، وإذا سلم من القوم أحد أجزأ عنهم»، وهو مرسل، والاحتجاج به على كفاية تسليم الواحد ظاهر، أما الاحتجاج به على كفاية رد الواحد فقد قال عنه القرطبي: «قال علماؤنا وهذا يدل على أن الواحد يكفي في الرد، لأنه لا يقال أجزأ عنهم إلا فيما قد وجب، هكذا تأول علماؤنا هذا الحديث وجعلوه حجة في جواز رد الواحد، وفيه قلق»، انتهى، قلت وجه القلق أن كلمة أجزأ يصح أن تدخل في غير الواجب، كما في قوله ﷺ : «ويجزئ من ذلك ركعتا الضحى»، ويدل على الاكتفاء بالواحد من الجهتين ما رواه أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم»، قال أبو داود: «رفعه الحسن بن علي»، انتهى، وفيه خالد بن سعيد الخزاعي وهو ضعيف، وقد حسنه ابن عبد البر، وصححه الألباني بشواهده، وهو دليل على الاكتفاء في الإلقاء والرد بالواحد، لكنه يشعر بأن الأفضل خلاف ذلك، ووجهه فيما أرى أن المطلوب طارئ غير مرتب له كغيره من الواجبات الكفائية، والجماعة قد ينتظر كل منهم رد غيره ليكفي عنه فلا يقوم بذلك أحد، فيفوت الغرض، فكان التمسك بالأصل هو الأبرأ للذمة، والله أعلم.
стр. 2662
• قوله:
٠٦ - «وليسلم الراكب على الماشي والماشي على الجالس».
جاء هذا في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ في الصحيحين وغيرهما، وفيه روايات ترجم البخاري عليها أربع تراجم، يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، فهذه أربعة، وجاء بدل تسليم الماشي على القاعد تسليم المار على القاعد، والمار أعم من الماشي، وقد اجتمعت الأربعة في حديث أبي هريرة عند الترمذي مرفوعا مع أنه ضعيف لانقطاعه، فإن تساوى الفريقان فأيهما بدأ فقد أحسن، لقول النبي ﷺ في المتقاطعين يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، وروى الترمذي عن أبي أمامة قال، قيل: «يا رسول الله الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام»؟، قال: «أولاهما بالله»، وقال النبي ﷺ : «الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ السلام فهو أفضل»، رواه البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح كما قال الحافظ في الفتح، وكما يشرع التسليم عند اللقاء يشرع عند المغادرة لقول النبي ﷺ : «إذا قعد أحدكم فليسلم، وإذا قام فليسلم، فليست الأولى أحق من الآخرة»، رواه أبو داود والترمذي والبخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة، وجاء ما يدل على تكرير السلام ولو فارق المؤمن أخاه وقتا قصيرا بأن فصلت بينهما شجرة أو جدار أو حجر، وهو في سنن أبي داود عن أبي هريرة.
ويذكر هنا تسليم الرجل إذا دخل بيتا لا ساكن فيه، قال مالك في الموطإ: «إنه بلغه إذا دُخل البيت غير المسكون يقال: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، وقد جاء عن غير واحد من السلف أنه نزع بهذه الآية» ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً (٦١)﴾ [النور: ٦١] على التسليم بهذه الصيغة عند دخول البيت الذي لا ساكن فيه، وذكر بعضهم المساجد أيضا قال ابن عبد البر: «والذي ذكره مالك مجتمع عليه فيمن دخل بيتا ليس فيه أحد»، انتهى، ويذكر أيضا هنا التسليم بالإشارة باليد والرأس،
стр. 2663
وقد شاعا في هذا الزمان، والأصل تركه فإن كان المسلم عليه والراد بحيث لا يسمع أو كان الراد بحيث لا يتمكن من الرد باللفظ لكونه في الصلاة ونحو ذلك رد بالإشارة، فإن لم يكن في الصلاة كان مطلوبا منه أن يرد مع ذلك باللفظ، وقد روى البيهقي عن جابر عن النبي ﷺ قال: «لا تسلموا تسليم اليهود والنصارى فإن تسليمهم إشارة بالكفوف»، وروى الترمذي نحوه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أما رد المصلي إذا سلم عليه، فقد جاء ما يدل على مشروعية الرد إشارة باليد من فعل النبي ﷺ ، إذ روى أبو داود والترمذي والنسائي عن صهيب قال: «مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه، فرد إشارة بإصبعه»، ويلحق به الرد إذا كان الإمام يخطب يوم الجمعة، وقد كان الرد باللفظ جائزا حتى نهوا عن الكلام، ونزل قو الله تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وأخرج الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال: «كنا نسلم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال: «إن في الصلاة لشغلا»، لكن جعل التسليم على المصلين سنة عامة كغير المصلين فيه شيء، والكلام إنما هو في حالة ما إذا سلم عليهم فإن الرد يكون مشروعا باليد، وقد ورد في الهيئة التي يشار بها في الرد أحاديث بالإصبع والإيماء بالرأس، وبسط الكف بطنها إلى الأرض، والله أعلم.
стр. 2664
• قوله:
٠٧ - «والمصافحة حسنة».
المصافحة من تمام التحية، وهي مندوبة، ومعناها قبض اليد اليمنى باليمنى، وقال أبو الحسن: هي وضع أحد المتلاقيين بطن كفه على بطن كف الآخر إلى الفراغ من السلام أو الكلام.
قلت: قد دل الدليل على أنه قبض لا مجرد وضع كما سيأتي، وقد سمي الحلف يمينا لأنهم كانوا إذا حلف الرجل للرجل وضع يده في يده توثقا وتوكيدا، وفي شد يد كل واحد من المتصافحين يد الآخر قولان، ويكره اختطاف اليد بعد التلاقي قبل انتهاء السلام أو الكلام، وكان النبي ﷺ إذا لقي الرجل لا ينزع يده حتى يكون هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه حتى يكون هو الذي يصرف وجهه»، عزاه الحافظ في الفتح لابن المبارك في كتاب البر والصلة، لكن ذلك يختلف باختلاف الحال، وعدد المتصافحين، ولا يصافح الرجل المرأة، ولو كانت متجالة، وهذا لا يختلف فيه، وقالوا لا يصافح المسلم الكافر ولا المبتدع.
وقد روى مالك عن عطاء بن أبي مسلم عبد الله الخراساني قال، قال رسول الله ﷺ : «نصافحوا يذهب الغل عنكم وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء»، وهو معضل، والغل بكسر الغين الحقد، وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن البراء بن عازب قال، قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا»، وروى الطبراني عن أبي أمامة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا تصافح المسلمان لم تفرق أكفهما حتى يغفر لهما»، وفي صحيح البخاري وسنن الترمذي عن قتادة قلت لأنس: «أكانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ »؟، قال: «نعم»، وفيه عن عبد الله بن هشام قال: «كنا مع النبي ﷺ ، وهو آخذ بيد عمر ابن الخطاب»، وقال عبد الله بن مسعود: «علمني النبي ﷺ وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمني السورة من القرآن»، وهذا والله أعلم فيه
стр. 2665
مشروعية ذلك لإظهار العناية من الشيخ بتلميذه، وفيه رد على من أنكر شد اليد باليدين معا، وقد علق البخاري قائلا: «وصافح حماد بن زيد ابن المبارك بيديه».
وفي سنن الترمذي عن أنس بن مالك قال، قال رجل: «يا رسول الله الرجل يلقى أخاه أو صديقه أينحني له»؟، قال: «لا»، قال: «أفيلتزمه ويقبله»؟، قال: «لا»، قال: «أفيأخذ بيده ويصافحه»؟، قال: «نعم»، وقد ضعّفه الألباني بلفظ «أفيلتزمه»، وقال بعضهم بجواز الانحناء إذا لم يصل إلى حد الركوع الشرعي وهو مردود بالنص، ولأنه من التشبه بالكفار، وفي سنن أبي داود عن أنس أن النبي ﷺ قال: «أقبل أهل اليمن وهم أول من حيانا بالمصافحة».
والمقصود أن المصافحة من جملة التحية، أو هي من تمامها، وقد جاء ذلك في حديث الترمذي عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته، أو قال على يده، فيسأله كيف هو؟، وتمام تحيتكم بينكم المصافحة»، قال الترمذي: هذا إسناد ليس بالقوي»، وضعفه الألباني، وروى أيضا عن ابن مسعود قال، قال رسول الله ﷺ : «من تمام التحية الأخذ باليد»، وقال: «هذا حديث غريب»، انتهى، وهو ضعيف، ولو صحّ لكان فيه حجة على المصافحة عند الافتراق أيضًا، وقد كان أصحاب النبي ﷺ يقرأ بعضهم على بعض قبل الافتراق سورة العصر.
فالمصافحة مشروعة عند الالتقاء، وتكرر إذا فارق المؤمن أخاه ثم التقيا، أما من كان جالسا بجانبك في المسجد حتى إذا سلمت من صلاتك صافحته فليس كما ينبغي، وكثيرا ما يقطع بعضهم على المرء الذكر الذي هو فيه، وقد رأيت بعضهم يقوم إلى بعض بعد الصلاة فيتصافحون، فهذا لا ينبغي ترتيبه، ولكن لا يصح أن يغلظ القول لفاعله لأنه ما أراد إلا الخير، فليعلم برفق، ومما اعتاده الساسة وغيرهم أنهم يتصافحون في ختام الجلسة لإظهار التوافق وتمام التفاهم وهذا ليس بشيء!!!.
стр. 2666
• قوله:
٠٨ - «وكره مالك المعانقة وأجازها ابن عيينة».
يقال عانقه إذا جعل يديه على عنقه وضمه إلى نفسه، هكذا في لسان العرب، أما قول الشراح المعانقة وضع المرء عنقه على عنق الآخر فليس بجيد، ولعل المقصود مجرد المحاذاة، أما كراهة مالك ذلك فإما لأن أحاديثها لم تبلغه، أو لكونها لم تكن معروفة في بلده، ولعل المؤلف إنما ذكر إجازة ابن عيينة لها على خلاف معتاده ليرجح ما كان يراه من جوازها، وقد قالوا مثل ذلك في صنيع سحنون بالمدونة حيث يورد الآثار التي فيها خلاف ما يأثره من قول مالك وبعض أتباعه، وقد تداول الشراح قصة جرت لمالك مع سفيان بن عيينة، وفيها أن سفيان دخل على مالك فصافحه، وقال: يا أبا محمد لولا أنها بدعة لعانقتك، فقال سفيان: «عانق من هو خير مني ومنك، وهو النبي ﷺ ، فإنه عانق جعفرا حين قدم من أرض الحبشة، فقال مالك: «ذلك خاص به»، فقال سفيان: «بل عام ما يخص جعفرا يخصنا، وما يعمه يعمنا إن كنا صالحين، فأذن لي أن أحدث في مجلسك»؟، فقال: «نعم يا أبا محمد»، فحدث ابن عيينة بالحديث الذي جعله عمدته فيما ذهب إليه، وقد قال الذهبي في الميزان: هذه حكاية باطلة، وسندها مظلم، وبَيَّنَ الحافظ وجه ذلك في الفتح، وكذا الغماري في مسالك الدلالة، وذكر أن مذهب ابن عيينة بخلاف ما نقل فيها، وقد روى الترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك قال: «قال رجل يا رسول الله أحدنا يلقى صديقه أينحني له»؟، قال: «لا»، قال: «فيلتزمه ويقبله»؟، قال: «لا»، قال: «فيصافحه»؟، قال: «نعم إن شاء»، وفيه كما ترى منع الانحناء وهو من أعمال الكفار، وقد أخذ به بعض المسلمين وقلدوهم فيه فأدخلوه في رسوم بعض الألعاب، ولو كان الذين يحضرون إعداد قوانين هذه الرسوم والمواضعات عارفين بدينهم ما قبلوا غير الأمور التي يشترك في تصويبها الجميع، لكنه الجهل، ومن العجب أن يقول بعض الشراح إذا كان الانحناء يسيرا فلا بأس به، وفي الحديث منع الالتزام أي المعانقة ومنع التقبيل.
стр. 2667
وإذا كان مالك قد منع المعانقة فأولى أن يمنع التقبيل، وهو كذلك ما عدا تقبيل الزوجات والأولاد المحارم، والتقبيل أيضا مما ابتلي به بعض المسلمين في هذا الزمان، بل إن زعماءهم تجاوزوا تقبيل الرجل مثله إلى تقبيل النساء تكريما لهن وإظهارا منهم للاحتفاء بهن!!، فيا ويحهم، والله حسبنا.
وقد قال ابن ناجي عن المعانقة: قال التادلي: «وفيها أقوال: ثالثها يجوز إذا كان عن طول غيبة وإلا كرهت»، انتهى، ويظهر أن قوله هذا هو الصواب، فقد قال أنس: «كان أصحاب النبي ﷺ إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا»، رواه الطبراني في الأوسط، وعن الشعبي قال: «كان أصحاب محمد ﷺ إذا التقوا تصافحوا، فإذا قدموا من سفر عانق بعضهم بعضا»، وهو مرسل، ومما جاء في المعانقة ما أثر عن جابر في قصة سفره إلى الشام ليأخذ حديثا عن عبد الله بن أُنَيس، وقال فيه: «فخرج فاعتنقني»، وهو في صحيح البخاري من كتاب العلم معلقا.
стр. 2668
• قوله:
٠٩ - «وكره مالك تقبيل اليد وأنكر ما روي فيه».
إنما أنكر مالك تقبيل اليد لأن أحاديثها لم تصح عنده على ظاهر قول المؤلف، وقال الأبهري: «إنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبر والتعاظم، وأما إذا كانت على وجه القربة إلى الله لعلمه أو لدينه أو لشرفه، فإن ذلك جائز»، بالنقل عن الفتح.
وقد جاء ما يدل على مشروعية تقبيل اليد وغيرها، من ذلك ما رواه أبو داود عن أجلح عن الشعبي أن النبي ﷺ تلقى جعفر بن أبي طالب فالتزمه وقبل ما بين عينيه»، لكنه مرسل، وقد جود أبو داود ﵀ في سننه أبواب هذه المسألة، فترجم لها تراجم هي: قبلة الرجل ولده، وروى تحتها تقبيل النبي ﷺ الحسين، والحديث في الصحيحين، وقول أبوي أم المؤمنين عائشة لها: قومي فقبلي رأس النبي ﷺ ، وذلك في حادثة الإفك، والحديث في الصحيحين أيضا، وقبلة ما بين العينين، وأورد تحتها التزام النبي ﷺ جعفر وتقبيل ما بين عينيه، وقبلة الخد، وروى فيها تقبيل أبي بكر خد أم المؤمنين عائشة، وهو في صحيح البخاري، وقبلة اليد والجسد، وأورد تحتها تقبيل أسيد بن حضير كشح النبي ﷺ ، وتقبيل وفد عبد قيس يد النبي ﷺ ورجله، وقد استثنى الألباني من تحسينه للحديث تقبيلَ الرِّجْلِ، وهذا كله لا يتنافى مع ما تقدم من عدم مشروعية التقبيل، لأن تقبيل الزوجة والولد مشروع، فأما تقبيل اليد فكذلك بالنسبة للوالدين، فأما تقبيل يد العالم فقد ذكر الألباني ﵀ لمشروعيته في الصحيحة قيودا أثبتها هنا، وهي أن لا يتخذ عادة، بحيث يتطبع العالم على مد يده إلى تلاميذه، ويتطبع هؤلاء على التبرك بذلك، فإن النبي ﷺ وإن قبلت يده فإنما ذلك على الندرة، وما كان كذلك فلا يجوز أن يجعل سنة مستمرة، وأن لا يدعو ذلك إلى تكبر العالم على غيره، ورؤيته لنفسه، كما هو الواقع مع بعض المشايخ اليوم، وأن لا يؤدي ذلك إلى تعطيل سنة معلومة كسنة المصافحة، فإنها مشروعة بفعله ﷺ وقوله، وهي سبب تساقط ذنوب المتصافحين، فلا يجوز إلغاؤها من أجل أمر أحسن أحواله أنه جائز»، انتهى باختصار.
стр. 2669
• قوله:
١٠ - «ولا تبتدأ اليهود والنصارى بالسلام فمن سلم على ذمي فلا يستقيله».
قالوا إنما نهي عن ذلك لأن السلام إكرام وتحية، وإكرام الكافر لم يَرِدْ في الشرع، والصواب أن يقال إن إكرام الكافر بهذا اللفظ وهو التسليم لم يأت به الشرع، فالتسليم بهذا اللفظ يخص المسلم عند الجمهور، فإن الإحسان إلى الكافر غير المحارب مشروع كما تقدم، والشرع استثنى أمورا من ذلك.
وقوله فلا يستقيله، أي فلا يشرع له أن يطلب منه إقالته، أي رد سلامه عليه لأن ذلك غير ممكن، أو المراد أنه لا يقول له لم أعرفك فسلمت عليك، وقد تراجعت عن التسليم، وقد نقل عن ابن عمر أنه يستقيله، وأباه مالك، والظاهر أنه إن خشي من ذلك سوء فهم كأن يظن به أنه يسلم على الكفار فعل، وقد روى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه»، واضطرارهم إلى أضيق الطريق لا يلزم اليوم لأنه غير ممكن لما ينشأ عنه من المفاسد، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز ابتداء الكافر الذمي بالسلام، قيل لسفيان بن عيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟، قال: نعم، قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ (٩)﴾ [الممتحنة: ٩]، وقال إبراهيم لأبيه سلام عليك»، انتهى بالنقل عن تفسير القرطبي، ونقل عن إبراهيم النخعي قوله: «إذا كانت لك حاجة عند يهودي أو نصراني فابدأه بالسلام، وقال: فبان بهذا أن حديث أبي هريرة «لا تبدؤوهم بالسلام»، إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤوهم بالسلام، من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة أو
стр. 2670
جوار أو سفر، قال الطبري: وقد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب … الخ، انتهى.
قال كاتبه: الاستدلال بآية سورة الممتحنة هو استدلال الأعم على الأخص، والصواب بناء العام على الخاص، وحديث النبي ﷺ أولى أن يتبع، فإن كان ولا بد من تحية الكافر فلتكن بغير اللفظ الذي خصه الشرع بالمسلمين، ولا أعرف دليلا على منع قول غير لفظ السلام لغير المسلمين، فالمطلوب أن يحتاط المسلم لدينه فلا يتجاوز بلفظ السلام أهله وهم المسلمون، والله أعلم.
стр. 2671
• قوله:
١١ - «وإن سلم عليه اليهودي أو النصراني فليقل وعليك».
اختلف أهل العلم في رد التحية على غير المسلم هل هو واجب لعموم الأمر بالرد في آية سورة النساء، أو هو غير واجب، ذهب إلى الثاني الجمهور، ومنهم مالك رواه عنه أشهب وابن وهب، فإذا رد فليقل: وعليك، أو وعليكم، كما قال النبي ﷺ : «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: «السام عليك»، فقل: «وعليك»، رواه مالك وأحمد والشيخان عن ابن عمر، والسام الموت، وقد اختلف في ثبوت الواو في وعليك رواية، والصحيح ثبوتها ويكون المعنى الموت عليكم وعلينا: نحن فيه سواء، وإن اختلفنا فيما بعده، وقيل إن تحقق أنهم قالوا السام أو السلام بالكسر فإن شاء قال بالواو فله ذلك، لأنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا، فتأمل كيف لم يشرع الرد عليهم بذات الكلمة التي قالوها وحذفها من اللفظ مع أنها مرادة، لاجتناب الخصام، لأن المعنى وعليك السام، وقد ظنت أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ لم يفهم ما قاله اليهود في سلامهم عليه فردت عليهم دعاءهم كما رواه البخاري عنها قالت: «دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: «السام عليك»، ففهمتها فقلت: «عليكم السام واللعنة»، فقال رسول الله ﷺ : «مهلا يا عائشة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت: «يا رسول الله، أو لم تسمع ما قالوا»؟، قال رسول الله ﷺ : «قد قلت: «وعليكم»، فعائشة فهمت أنه رد عليهم بأن قال وعليكم يريد وعليكم السلام، فحذف المعلوم، وفيه أن من لوى لسانه بكلمة يريد بها الشر لمخاطبه، أنه يشرع للمخاطب إن علم مراده أن يرد عليه من غير أن يجبهه بكشف الستر عنه، لما في ذلك من التأليف، لاسيما إذا كان ذا منصب فإنه يتحقق بذلك الإعراض عن الجاهلين المأمور به، وقد كان اليهود معروفين بِلَيِّ ألسنتهم بالكلام، فإما أن يحملوا الكلمة معنى لا يريده الناس بها ويقولوها سخرية بالمخاطب ككلمة «راعنا» التي كانوا يخاطبون بها النبي ﷺ يريدون بها معنى الرعونة لا معناها الغالب، فمنع الله المسلمين من
стр. 2672
استعمالها سدا للذريعة، لأنه قد يكون فيهم المنافقون فيتغطون بها لإهانة النبي ﷺ ، ومِنْ لِيِّ اليهود أن يختلسوا الكلمة فيحذفون منها حرفا كما في قولهم السام بدل السلام، وحنطة بدل حطة، وقد ذمهم الله تعالى على هذا اللي لغير كتاب الله، فكيف بِلَيِّ ألسنتهم لتحريف كلام الله لفظا أو معنى بتأويله وإخراجه عن المراد منه، ومن فعل شيئا من ذلك فهو شبيههم فيه وهو مذموم وليس إيمانه بمانع من ذلك، قال الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ (٤٦)﴾ [النساء: ٤٦].
لكن يقال: إذا علم أن الكافر يقول السلام عليكم من غير لِيٍّ، فهل يشرع أن يقال له وعليكم السلام لزوال المانع منه؟ الجواب: قيل إنه لا يشرع كما تقدم، وقيل يشرع متى زال المانع، وليُنظر زاد المعاد لابن القيم ﵀.
стр. 2673
• قوله:
١٢ - «ومن قال عليك السلام بكسر السين وهي الحجارة فقد قيل ذلك»
ذهب بعض الناس إلى أنه يرد على تسليم أهل الكتاب وغيرهم من الكفار بأن يقال: علاكم السلام، ومعناه ارتفع عنكم الأمان لكونكم كفارا، فلا أمن مع الكفر، وإن حصلتم على الأمان منا في المعاملة، وقال بعضهم يقول عليكم السلام بكسر السين أي الحجارة، أي أنكم تستحقونها، وهذه آراء جزى الله القائلين بها فإنهم ما أرادوا إلا خيرا، لكنها في الصورة من جملة اللي المذموم المتقدم، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، قال ابن عبد البر في الاستذكار: «وهذا كله ليس بشيء، ولا يجوز أن يلتفت إليه، ولا يعرج عليه، وفي السنة الأسوة الحسنة، وما سواها فلا معنى له، ولا عمل عليه»، انتهى.
стр. 2674
• قوله:
١٣ - «والاستئذان واجب فلا تدخل بيتا فيه أحد حتى تستأذن ثلاثا فإن أذن لك وإلا رجعت».
الاستئذان طلب الإذن، والمراد هنا طلب الإذن بدخول محل لا يملكه المستأذن، هكذا عرفه الحافظ، وهو غير جامع، لعدم دخول ما يملك منفعته كالمكترى.
وهو واجب فيحرم دخول بيت الغير من غير إذن، لا فرق بين كون الباب مفتوحا، أو موصدا، وإنما ذكر الاستئذان بعد السلام لأنه مرتبط به فإنه مما يقال في الاستئذان، بل ترجم البخاري بالاستئذان وحده، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾ [النور: ٢٧ - ٢٩]، قال مالك: «الاستئناس فيما نرى والله أعلم الاستئذان»، انتهى.
وروى مالك والشيخان عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع»، وينبغي أن يكون الاستئذان مصحوبا بالتسليم لما رواه أبو داود عن ربعي بن حراش قال: حدثنا رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي ﷺ وهو في بيت فقال: أألج»؟، فقال النبي ﷺ : «اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له: قل السلام عليكم أأدخل»؟، فسمعه الرجل فقال: «السلام عليكم، أأدخل»؟، فأذن له النبي ﷺ فدخل»، وصفة الاستئذان أن يقول السلام عليكم أأدخل؟، ثلاثا، فإن علم أن من بالبيت لم يسمعه فله أن يزيد على ذلك، قال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحد عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأسا أن يزيد إن استيقن أنه لم يسمع»، انتهى.
стр. 2675
ويقوم مقام أأدخل دق الباب مع التسليم، وكذلك دق الجرس على أن لا يضغط فيفسد الجهاز، ولا يشرع أن يقول في الاستئذان سبحان الله أو لا إله إلا الله، قالوا إنه بدعة وسوء أدب مع الله تعالى.
وروى مالك في الموطإ عن عطاء بن يسار أن رجلا قال يا رسول الله أأستأذن على أمي»؟، قال: «نعم»، قال: «إني معها في البيت»، قال: «استأذنها»، قال: إني خادمها»، قال: استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة»، وهو مرسل، وعزاه النفراوي في شرحه للصحيحين وهو ليس فيهما، والله أعلم.
ومن آداب الاستئذان إن سئل عن اسمه أن لا يقول أنا، لأن الضمير لا يعين المستأذن، وإن كان قد يعرف بصوته، وقد أنكر النبي ﷺ على من قال ذلك.
ولا يجوز للمرء أن ينظر من شق الباب، ومن فعل ذلك فكأنما دخل من غير استئذان، فإن الاستئذان إنما شرع من أجل أن لا يطلع المرء على عورات الناس.
ومن آدابه أنه إن قيل له ارجع أو أن فلانا لا يتأتى له مقابلتك أن يكتفي بذلك، ولا يلح في الطلب.
стр. 2676
• قوله:
١٤ - «ويرغب في عيادة المرضى».
تقدم هذا في باب جمل، وكرره المؤلف كعادته، والمرء يصح ويمرض، والمرض كثيرا ما يكون فيه منفعة للمريض، فيكون من رحمة الله به، تصح به نفسه وتزكو، وهو من أسباب مغفرة الذنوب، وفيه يتذكر به ضعفه، فيراجع نفسه، فيشفى بمرضه الجسماني من مرضه الروحاني، وقد جاء في بعض الآثار أنه إذا دعي للمريض بالشفاء أجيب الداعي: «كيف أشفيه وفي مرضه شفاؤه»، وطبيعة الإنسان العامة أن ينسى ضعفه في صحته، ويتذكره في مرضه، لكن المؤمن يتعرف إلى الله وقت رخائه، فيعرفه في شدته، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾ [يونس: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ [فُصِّلَت: ٥١]، والمؤمن متى تصبر واحتسب ففي كل ما يصيبه أجر، وقد قال النبي ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صَبَرَ، فكان خيرا له»، رواه أحمد ومسلم عن صهيب ﵁، وما يصيب المؤمن فهو كفارة لما ارتكب من سوء، وهو أيضا جزاء له على ذلك، عجله الله له في الدنيا كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣]، فإن صبر واحتسب ورضي كان مأجورا على ذلك أيضا، وكان ما أصابه خيرا له، يدل على ذلك قول النبي ﷺ : «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه»، رواه أحمد والشيخان عن أبي سعيد وأبي هريرة معا، شمل هذا الحديث أنواعا مما تكفر به الخطايا، من أمراض الجسد النصب وهو التعب، والوصب وهو المرض، وذكر من أمراض الباطن الهم والحزن والغم، وذكر ما يشملهما وهو الأذى.
стр. 2677
ثم إن المريض في حالة ضعف وقلق قد ينقطع عن محيطه فيلزم بيته، ويفارق صحبه، فيحتاج إلى أن يلتقي بمن ألفهم من رفقائه يتأنس ويتسلى بهم، فكان من الواجب الكفائي عيادته وتفقد حاله، وينتفع العائد بذلك أيضا لتذكره الآخرة كما قال النبي ﷺ : «عودوا المريض، واتبعوا الجنازة تذكركم الآخرة»، رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد عن أبي سعيد، وقال النبي ﷺ : «فكوا العاني، وأجيبوا الداعي، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض»، رواه أحمد والبخاري عن أبي موسى، والعاني المسجون، وقد روى أحمد وأبو داود عن علي ﵁ مرفوعا: «إذا دعا الرَّجُل أخاه المسلم مشى في خِرافة الجنة حتى يجلس، فإذا جَلَس عمرته الرحمة … » الحديث، لكن عيادة المريض الذي تجب نفقته على المرء عينا هي واجب عيني.
ومن آداب عيادة المريض أن يتخير الوقت المناسب لها حتى لا يحرج المريض، وأن لا يطيل الجلوس عنده إلا إذا علم أن في ذلك مصلحة له، وأنه يرغب في ذلك، وأن لا يذكر له من مات من مرضه، أو يذكر له خطورته، أو أنه لا يرجى برؤه، وأن يؤنسه بالدعاء له، وأن يدعوه إلى الصبر ليعظم أجره، ويذكر له من صالح عمله الذي يعلمه عنه ما يبعده عن القنوط واليأس.
ومن العظائم العقدية التي يرتكبها بعضهم أن يقول للمريض أنت لا تستأهل هذا، ولو كان لازم المذهب مذهبا لخيف على قائله الكفر إن كان عالما بمعنى ما يقول
ومن أوائل ما لقننا شيخنا مصطفى الأزهري بالمعهد الإسلامي بمدينة بلعباس من آداب عيادة المريض قول لبعضهم لا أعرفه: «حمق العواد أشد على المرضى من أمراضهم، يجيئون في غير وقت، ويطيلون الجلوس، وقد قيل المريض يعاد، والصحيح يزار»، انتهى، ومما ذكره لنا أن أحدهم زار مريضا، فكان مما قاله له: «من هذه العلة مات فلان، ومات فلان»، فما كان من المريض إلا أن رد بقوله حين هم العائد بالانصراف: «يا هذا إذا عدت المرضى، فلا تنع إليهم الموتى، وإذا خرجت عنا فلا تعد إلينا».
стр. 2678
• قوله:
١٥ - «ولا يتناجى اثنان دون واحد وكذلك جماعة إذا أبقوا واحدا منهم، وقد قيل لا ينبغي ذلك إلا بإذنه، وذكر الهجرة قد تقدم في باب قبل هذا».
التناجي هو المسارة بالكلام ليخفى عن الغير، وهو من النجو الذي هو الموضع المستتر ينجو من يأوي إليه، ومعظم تناجي الناس لا خير فيه، لأن الكلام النافع المفيد لا يحتاج قائله إلى إخفائه غالبا، بخلاف المكر والكيد والنميمة والغيبة والتخبيب فإن الناس لا يجهرون بها قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾
[النساء: ١١٤].
ولذلك أباحه الله تعالى مقيدا في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)﴾ [المجادلة: ٩]، وقد روى مالك والشيخان عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث»، وقال النبي ﷺ : «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس أجلَ أن ذلك يحزنه»، رواه الشيخان والترمذي وابن ماجة عن ابن مسعود ﵁، قوله «أجلَ» هو منصوب مفعول لأجله بنزع الخافض، أي من أجل، وعند الترمذي: «فإن ذلك يحزنه»، وفي رواية أخرى له: «فإن ذلك يؤذي المؤمن، والله يكره أذى المؤمن»، ومن ذلك أن يظن أن الحديث يتعلق به، أو أنهم رأوا أنه ليس أهلا لأن يشركوه فيه، والحكم كذلك إذا كانوا أكثر من ثلاثة فتناجوا إلا واحدا لوجود العلة، بل ربما كان الأمر أشد، أما إن كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس أن يتناجى اثنان، وقد روى مالك عن عبد الله بن دينار قال: كنت أنا وعبد الله بن عمر عند دار خالد بن عقبة التي بالسوق، فجاء رجل يريد أن يناجيه، وليس مع عبد الله بن عمر أحد غيري وغير الرجل الذي يريد أن يناجيه،
стр. 2679
فدعا عبد الله بن عمر رجلا آخر حتى كنا أربعة، فقال لي وللرجل الذي دعاه: «استأخرا شيئا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يتناجى اثنان دون واحد».
قال ابن عبد البر في الاستذكار: «هكذا يجب على كل من علم شيئا أن يعمل به ويستعمله، ألا ترى اجتهاد عبد الله بن عمر في استعمال ما روى، حتى دعا الرابع ليقف عندما سمع، ورحم الله الشعبي حيث يقول: «كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به»، انتهى.
وقوله: «وقد قيل لا ينبغي ذلك إلا بإذنه»، حكاه بصيغة التمريض كأنه لم يرتضه، مع أنه هو المعتمد مذهبا، وقد عللوا ذلك بأن هذا حقه، فإن أسقطه زال المانع.
стр. 2680
• قوله:
١٦ - «قال معاذ بن جبل ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، وقال عمر: «أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ اللهِ باللسان، ذِكْرُ اللهِ عند أمره ونهيه».
الذِّكْرُ هو حصول الشيء في القلب بعد زواله، وزوال الذكر بعد الحضور يسمى نسيانا، قاله ابن باديس ﵀ في مجالس التذكير، والذكر أنواع: ذكر بالقلب، وهذا هو أصله، فإن انضم إليه قول أو فعل حتى حصل التواطؤ فذلك أعلاه، وإن انفرد أحدهما فذكر القلب أنفع للمرء، لكن ما الحيلة إذا كان أمرا معينا من الشارع لعبادة مخصوصة فلا مناص منه، وما ذا يفعل لمن نطق فحضر شبحه، وغاب روحه؟، والثالث الذكر بفعل الطاعة وترك المعصية قصدا وإرادة، وهو الذكر بالجوارح، ثم إن الذكر بالقلب درجات: منها التفكر في آيات الله المرئية في خلق الله وبديع صنعه وعظيم إتقانه، وفي إنعامه على خلقه وإحسانه، والتفكر في آياته المتلوة وتدبر معانيها واكتناه أسرارها وحكمها واستنباط أحكامها وتشريعها، فهذا كله تفكير وتذكير وإن اختلفت درجاته والمثوبة عليه.
وقول معاذ يحمل على الإكثار من الذكر باللسان الذي هو نافلة بعد أداء الفريضة منه ومن غيره، فيكون لسان المرء رطبا بذكر الله، وذلك لسهولة المداومة عليه، مع عظم أجره، فتزداد به حسنات المرء، ويطمئن به قلبه، فإن القلوب إنما تطمئن بذكر الله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]، ويتسبب عن ذلك وجود الذاكر حلاوة العبادة، فيخشع فيها ويخضع، فتحصل له مراقبة الله في سائر أوقاته إذا عبده كأنه يراه، ويقل اشتغاله بما لا يعنيه من فضول الكلام فضلا عما فيه ضرره، فكان الذكر بهذا المعنى أنجى له من عذاب الله أكثر من غيره من الأعمال التي يفعل صورتها ويغفل عن معناها.
وقال النبي ﷺ : «ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يُعَمِّرُ في الإسلام؛ لتكبيره وتحميده وتسبيحه وتهليله»، رواه أحمد عن طلحة، وعن عبد الله بن خُبيب مرفوعا: «من ضنّ بالمال أن ينفقه، وبالليل ان يكابده، فعليه بسبحان الله وبحمده» وهو في صحيح الجامع للألباني ﵀.
стр. 2681
وقول معاذ هذا رواه مالك في الموطإ عن زياد بن أبي زياد عن معاذ موقوفا عليه، لكن زيادا لم يدرك معاذا فالأثر منقطع، وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي الدرداء مرفوعا: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم، قالوا: «وما ذاك يا رسول الله»؟، قال: «ذكر الله»، وقال معاذ بن جبل: «ما عمل امرؤ بعمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله»، لفظ ابن ماجة، وقول معاذ هنا وإن كان بصورة التعليق فإنه موصول عن زياد بن أبي زياد عن معاذ وقد تقدم ما فيه.
أما قول عمر فمعناه أن الذكر الحق هو امتثال أمر الله بالفعل ونهيه بالترك، لا مجرد الذكر باللسان مع ترك المأمور وفعل المحظور، أو يكون معناه أن تفعل الطاعات وتجتنب المحرمات ابتغاء مرضاة الله وخوفا من عذابه، فهذا من أعظم أنواع ذكر الله، لا لغير ذلك من الأغراض، وهو لا يختلف عن قول معاذ السابق، وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن ربيعة قال: سألني ابن عباس عن قول الله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فقلت: «ذكره بالتسبيح والتكبير والقرآن حسن، وذكره عند المحارم فيحتجز عنها»، فقال: «لقد قلت قولا عجيبا، وما هو كما قلت، ولكن ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه»، وقد جعل بعضهم قول ابن عباس هذا بمعنى ما نسب لعمر في كلام المؤلف، وليس بصواب، فإن الذي يوافق قول عمر هو ما قاله عبد الله بن ربيعة، وروى ابن جرير أيضا عن أم الدرداء أنها قال: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (٤٥)﴾، فإذا صليت فهو من ذكر الله، وإذا صمت فهو من ذكر الله، وكل خير تعمله فهو من ذكر الله، وكل شر تجتنبه فهو من ذكر الله، وأفضل ذلك تسبيح الله»، انتهى، وأفضلية التسبيح باعتبار سهولة المداومة لإمكان ذلك على كل حال، وإلا فإن المصلي ذاكر والصائم ذاكر وهكذا.
وقد روى ابن أبي حاتم عن مكحول الأزدي قال: قلت لابن عمر: «أرأيت قاتل النفس وشارب الخمر والسارق والزاني يذكر الله، وقد قال الله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢]، قال: «إذا ذكر هذا الله ذكره بلعنته حتى يسكت»، انتهى، وهذا إذا ذكره حال تلبسه بالمعصية، أما حال إقلاعه وتوبته فلا.
стр. 2682
• قوله:
١٧ - «ومن دعاء رسول الله ﷺ كلما أصبح وأمسى: «اللهم بك نصبح وبك نمسي وبك نحيا وبك نموت ويقول في الصباح وإليك النشور وفي المساء وإليك المصير».
قال رسول الله ﷺ «أعجز الناس من عجز عن الدُّعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام» والدعاء الذي ذكره المؤلف رواه نحوه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أصبح أحدكم فليقل: «اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير»، وإذا أمسى فليقل: «اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك النشور»، هذا لفظ الترمذي، وجاء عند أبي داود من فعله ﷺ مع ذكر النشور في الموضعين، قال ابن القيم ﵀ في تهذيب سنن أبي داود: «ورواية ابن حبان فيها النشور في الصباح، والمصير في المساء، وهي أولى الروايات أن تكون محفوظة، لأن الصباح والانتباه من النوم بمنزلة النشور، وهو الحياة بعد الموت، والمساء والصيرورة إلى النوم بمنزلة الموت والمصير إلى الله، ولهذا جعل الله سبحانه في النوم والانتباه بعده دليلا على البعث والنشور، لأن النوم أخو الموت، والانتباه نشور وحياة،،،»، انتهى.
ومن دعائه ﷺ كلما أصبح وأمسى: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين»، ومعنى أصبح دخل في الصباح، وذلك بعد طلوع الفجر، ومعنى أمسى دخل في المساء، وذلك بعد غروب الشمس، فالأذكار المقيدة بهما هذا وقتها، قال الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧ - ١٨]، قال ابن كثير: «هذا تسبيح من الله تعالى لنفسه، وإرشاده لعباده إلى تسبيحه وتحميده في هذه الأوقات المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، عند المساء وهو إقبال الليل
стр. 2683
بظلامه، وعند الصباح وهو إسفار النهار عن ضيائه،،، والعشاء هو شدة الظلام، والإظهار هو قوة الضياء،،،»، انتهى باختصار، وقال النفراوي في الفواكه الدواني: «والدعاء أو الذكر المطلوب عند الصباح يدخل وقته بطلوع الفجر، لكن الأحسن فعله بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، والمطلوب في المساء فعله عند اصفرار الشمس أو قربه يسيرا وبعده إلى النوم والسحر وقت المناجاة،،»، انتهى، وقد كتب في بيان المراد بالإصباح والإمساء في الأذكار المقيدة بهما الشيخ أبو عبد الباري العيد شريفي رسالة نافعة فجزاه الله خيرا.
стр. 2684
• قوله:
١٨ - «وروي مع ذلك اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك حظا ونصيبا في كل خير تقسمه في هذا اليوم وفيما بعده من نور تهدي به أو رحمة تنشرها أو رزق تبسطه أو ضر تكشفه أو ذنب تغفره أو شدة تدفعها أو فتنة تصرفها أو معافاة تَمُنُّ بها برحمتك إنك على كل شيء قدير».
ما ينال الخلق معلوم مقدر مراد لله تعالى في الأزل، لكنه يحصل لهم ويظهر للوجود بحسب ما شاءه الله تعالى في الزمان والمكان الذي أراده، فكان في هذا الدعاء سؤال الخير الذي يعطيه الله لعباده إجمالا، ثم فَصَّلَ، فَقَدَّمَ طلب الهداية لأنها أعظم ما ينبغي أن يُطلب، وإنما تكون بتوفيق الله تعالى لمن أخذ بأسبابها، وعلم الله منه خيرا، وثنى بالرحمة فإنها في الدنيا تعم كل الخلق، وقد كان شيخنا البشير بويجرة إمام المسجد العتيق بمدينة بلعباس دائم الدعاء عند بداية الدرس بقوله: «اللهم افتح علينا حكمتك وانشر علينا رحمتك يا ذا الجلال والإكرام»، انتهى، وثَلَّثَ بالرزق وهو عام للخلق أيضا، فإن الله سبحانه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، لكن المراد بالرزق هنا ما كان منه حلالا، لأنه هو الذي يشرع طلبه، وسؤال الله الحصول على غيره تَعَدٍّ في الدعاء، ثم سأل صرف أنواع من البلاء وهي كشف الضر، وغفران الذنب، ودفع الفتنة، وهي كل ما يشغل عن طاعة الله، ثم عَمَّ فَسَأَلَ المعافاة وهي السلامة مما ذكر وغيره، ولما كان جميع ما تقدم لا يحصل إلا بتفضل من الله تعالى لا أنه حق للعبيد الواجب عليه؛ قال برحمتك أي بفضلك وإحسانك، فهو توسل بصفة فعله سبحانه.
стр. 2685
• قوله:
١٩ - «ومن دعائه ﵇ عند النوم أنه كان يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن واليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول: «اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك، اللهم إني أسلمت نفسي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك ووجهت وجهي إليك رهبة منك ورغبة إليك لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك أستغفرك وأتوب إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت، رب قني عذابك يوم تبعث عبادك».
أورد المؤلف هنا أدعية تقال عند النوم وردت في عدة أحاديث، منها ما رواه الشيخان وأبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليضطجع على شقه الأيمن، ثم ليقل: «باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين»، داخلة الإزار طرفه وحاشيته من داخل»، قاله في النهاية، وفي رواية الترمذي «فلينفضه بصنفة إزاره ثلاث مرات»، والصنفة بكسر الصاد وسكون النون، طرف الإزار مما يلي طرته، والطرة الجزء الذي يطوى ويخاط من الثوب، وإنما تكون في الثوب الذي لا هدب فيه، وليس في الحديث كما ترى أنه كان يضع يده اليسرى على فخذه الأيسر كما ذكره المؤلف، والحديث من قول النبي ﷺ ، وذكر المؤلف ما رواه البخاري عن البراء ابن عازب قال: «كان رسول الله ﷺ إذا آوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت
стр. 2686
أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت»، وجاء هذا الحديث من قوله ﷺ فقد قال للبراء: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك اليمن، وقل،،، الحديث،: «فإن مت؛ مت على الفطرة، فاجعلهن آخر ما تقول، قال البراء: فقلت أستذكرهن: «وبرسولك الذي أرسلت»، قال: «لا، وبنبيك»، وفيه دليل على أن ألفاظ الأذكار ينبغي أن تلتزم كما وردت، قال القرطبي في التفسير عند دعاء الربيين من سورة آل عمران: «فعلى الإنسان أن يستعمل ما في الكتاب وصحيح السنة من الدعاء ويدع ما سواه، ولا يقول أختار كذا، فإن الله تعالى قد اختار لنبيه وأوليائه وعلمهم كيف يدعون»، انتهى، ومعنى أسلمت استسلمت وانقدت، وفوضت أمري إليك توكلت عليك، وألجأت ظهري إليك، اعتمدت عليك لتعينني، والملجأ ما يحتمي به الخائف، والمنجا ما ينجو فيه، فيا ويح من كان حظه من هذا الدعاء حروفه مع أنه يقضي سحابة نهاره مخالفا له فلا ينقاد لشرعه، ولا يخلص له في عمله، ولا يتوكل عليه، وقد يستعين بغيره فيما لا يستعان فيه إلا به، وهو عاكف على دنياه حريص عليها كأنه غير مفارقها، ومنها ما رواه أبو داود عن حفصة أم المؤمنين قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يرقد وضع يده اليمنى تحت خده ثم يقول: «اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك»، ومن الأذكار الثابتة في هذا المقام ما رواه أحمد ومسلم وغيرهما عن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا، وآوانا، فكم من لا كافي له، ولا مؤوي له»،
стр. 2687
• قوله:
٢٠ - «ومما روي في الدعاء عند الخروج من المنزل اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي».
هذا الدعاء رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- قالت: ما خرج رسول الله ﷺ من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: «اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي»، لفظ أبي داود، وعند الترمذي في أوله زيادة هي: «بسم الله، توكلت على الله»، والطرف يفتح الطاء وسكون الراء النظر، وفيه دليل على مشروعية رفع البصر إلى السماء حال الدعاء، والمنهي عنه أن يكون ذلك في الصلاة، وعن أنس بن مالك قال: «إذا خرج الرجل من بيته فقال: «بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله»، قال: «يقال حينئذ: هُديتَ، وكُفيتَ، وَوُقِيتَ»، فتتنحى له الشياطين»، فيقول له شيطان لآخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي وقي»، رواه أبو داود.
стр. 2688
• قوله:
٢١ - «وروي في دبر كل صلاة أن يسبح الله ثلاثا وثلاثين ويكبر الله ثلاثا وثلاثين ويحمد الله ثلاثا وثلاثين ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وهو على كل شيء قدير».
هذا العدد جاء في الصحيح فالأولى ذكره بصيغة الجزم، فعن أبي هريرة مرفوعا: «تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين»، وعنه عن النبي ﷺ قال: «من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين - فتلك تسع وتسعون - وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر»، رواه أحمد ومسلم، وقد جاءت أعداد أخرى من هذه الثلاثة تقال في دبر الصلاة، عشر من كل منها، وإحدى عشرة، وغيرها، وقد تقدمت الإشارة إليها في كتاب الصلاة، فليقل ذلك المؤمن بتؤدة، وليتخير العدد الأقل إن كان ولا بد، حتى يؤديه على مهل، فإنه خير له من العدد الأكبر مع التسرع في الذكر، قال الشيخ زروق: وقد صح الترغيب في ذلك عشرا عشرا، وكان شيخنا أبو عبد الله القوري ﵀ يقول: «إذا استعجلت الأمر عملت بحديث العشر، وإذا تأنيت أخذت بالثلاث والثلاثين» انتهى.
стр. 2689
• قوله:
٢٢ - «وعند الخلاء تقول الحمد لله الذي رزقني لذته وأخرج عني مشقته وأبقى في جسمي قوته».
هذه ثلاثة أمور يذكرها المؤمن إذا خرج من الخلاء ليستحضر نعمة الله عليه حيث جمع له في أكله بين تذوقه والتلذذ بطعمه، فإذا نزل إلى بطنه حصلت منه فضلات لو بقيت فيه أضرت به، فيذكر تيسير الله تعالى له خروجها، ويستحضر مع ذلك أنه أبقى له في جسمه ما ينفعه من الطعام بعد ذوبانه، بما ركب الله فيه من الأجهزة ليغدو صالحا للتحول إلى طاقة وقوة، لكن ترتيب هذا الدعاء محتاج إلى دليل، وقد جاء معنى ما قاله فيما رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، وإذا خرج قال: «الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه»، قاله في مسالك الدلالة.
قلت: وروى منه ابن ماجة شطره الأول عن أبي أمامة، وروى ابن ماجة عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني»، وهي ضعيفة، والرجس المستقذر المكروه، والخبيث مَنْ خُبْثُهُ منه، والمخبث مَنْ خُبْثُهُ مِنْ غيره، أو هو من يجعل غيره خبيثا مثله.
والدعاء الثابت هو ما رواه أحمد وأصحاب السنن عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الغائط يقول: «غفرانك»، ووجه استغفاره حينئذ انقطاعه عن ذكر الله وهو على تلك الحال التي لا بد منها، مما يدل على أهمية المداومة على الذكر.
стр. 2690
• قوله:
٢٣ - «وتتعوذ من كل شيء تخافه».
الاستعاذة طلب العوذ أي الحماية والحفظ، ولا يكون ذلك إلا من الله تعالى، فمعنى أعوذ بالله من كذا، أتحصن به، وأعتمد عليه في دفع شره، وكثيرا ما يكون في الشيء الخير والشر وهو غير معلوم للمرء، فيسأل الله خيره كما يسأله أن يجنبه شره، والخوف لا يكون إلا من الله تعالى، إذ لا يقع شيء إلا بمشيئته سبحانه، لكن أخذ الحيطة واتخاذ الأسباب لا ينافي ذلك، ولا يدل على أن الفاعل يخاف غير الله تعالى، مع اعتقاد أن الأسباب المشروع تحصيلها لا تعمل بنفسها مستقلة عن خالقها الآمر باتخاذها، فإذا علم المرء بشيء يؤذيه برؤيته إياه، أو بعلمه لأذاه اجتنبه، ولم يتعرض له، مع علمه أن الحذر لا ينجيه وحده، وإذا خشي منه الأذى وليس في استطاعته اتخاذ الأسباب الواقية المشروعة لجأ إلى الله في دفع ذلك عنه، بالاستعاذة به ودعائه، ولا يجوز له أن يلجأ إلى غيره في شيء من ذلك، وكثير من الأمور التي تعوذ منها النبي ﷺ المراد من الاستعاذة منها الحض على السعي في اجتنابها وتوقي ما يؤدي إليها.
وقد عُني النسائي في سننه أيما عناية بالاستعاذة فذكر لها خمسة وستين ترجمة، وجمع أبو داود في سننه من ذلك الطيب الكثير، ومن أجمع ما يستعاذ به سورتا المعوذتين أو المعوذات عموما، فإنه ما تعوذ متعوذ بمثلها.
стр. 2691
• قوله:
٢٤ - «وعندما تحل بموضع أو تجلس بمكان أو تنام فيه تقول أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق».
روى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة أن رجلا من أسلم قال: «ما نمت هذه الليلة»، فقال له رسول الله ﷺ : «من أي شيء»؟، قال: «لدغتني عقرب»، فقال له رسول الله ﷺ : «أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك»، وروى مالك وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن خولة بنت حكيم قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك».
وكلمات الله التامات هي كلماته المنزلة، ومنها القرآن، والتعوذ بها يدل على أنها غير مخلوقة، وهو مذهب أهل الحق، ومعنى تمامها كمالها فلا يلحقها نقص بوجه من الوجوه، فإنها حق وصدق، ومصلحة وعدل، قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥].
стр. 2692
• قوله:
٢٥ - «ومن التعوذ أن تقول أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن فتنة الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ويقال في ذلك أيضا ومن شر كل دابة ربي آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم».
جمع المؤلف هنا بين عدة أدعية، جاء اثنان منها في موطإ مالك ﵀، أولهما: عن كعب الأحبار قال: «لولا كلمات أقولهن لجعلتني يهود حمارا، فقيل له وما هن؟، فقال: «أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها، ما علمت منها وما لَمْ أعلم، من شر ما خلق وذرأ وبرأ»، وهو مقطوع، ومعنى عدم مجاوزة البر والفاجر لهن جريانهن عليهما قدرا، وتساويهما فيهما حكما.
والثاني رواه مالك عن يحيى بن سعيد قال: «أسري برسول الله ﷺ فرأى عفريتًا من الجن يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت رسول الله ﷺ رآه، فقال له جبريل: «أفلا أعلمك كلمات تقولهن، إذا قلتهن طفئت شعلته، وخر لفيه»؟، فقال رسول الله ﷺ : «بلى»، فقال جبريل: «فقل أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله االتامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء، وشر ما يعرج فيها، وشر ما ذرأ في الأرض، وشر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن»، وهو مرسل.
стр. 2693
وجاء ذكر كلمات الله التامات فيما رواه مالك عن يحيى بن سعيد قال: «بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله ﷺ : «إني أروع في منامي»، فقال له رسول الله ﷺ : «قل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون»، وهو منقطع، فتعوذ من ضرر الشياطين الباطن وهو الهمز، وضررها الظاهر وهو معنى وأن يحضرون.
وقول المؤلف: «ويقال في ذلك أيضا ومن شر كل دابة … »، هذه فقرة جاءت فما يقال عند النوم لا مطلقا كما هو ظاهر كلام ابن أبي زيد، والنص هو: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذنا مضاجعنا أن نقول: «اللهم رب السموات ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من كل شر دابة أنت آخذ بناصيتها، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر»، رواه مسلم عن لأبي هريرة ﵁.
стр. 2694
• قوله:
٢٦ - «ويستحب لمن دخل منزله أن يقول: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]، ذكر القرطبي في تفسيره عن أشهب أنه قال، قال مالك: «ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا»، انتهى، فلعل مأخذ المؤلف هو هذا مع مجيئه عن غير مالك من السلف، وسياق الآية في توبيخ المؤمن للكافر ورد منه عليه ما بدر منه من ظنه بقاء ما هو فيه من النعيم وعدم فنائه، بعد إعجابه بجنته، فيمكن أن يقال بمشروعية ذلك لمن أعجب بالشيء حتى تطامن نفسه وتسكن، قال ابن كثير: «ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده فليقل ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة»، انتهى.
ومهما يكن فإن المشروع لمن دخل منزله أن يسلم على أهله إن كانوا للعمومات الواردة في التسليم وقد تقدمت، وروى الترمذي عن أنس وقال حديث حسن غريب أن النبي ﷺ قال له: «يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم يكون بركة عليك، وعلى أهل بيتك»، قال الألباني ضعيف، وروى أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة عن جابر بن عبد الله أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال الشيطان: أدركتم المبيت والعشاء».
وقال بعضهم إذا دخل بيتا لا ساكن فيه يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وهو عن مالك أنه بلغه إذا دخل البيت غير المسكون يقال: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، انتهى، ولعل مرد ذلك إلى ما في التشهد لأنه لا يسلم فيه على أحد بعينه، أو مرده إلى قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً (٦١)﴾ [النور: ٦١]، وقد قال مجاهد عن الآية: « … وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، انتهى، والظاهر أن الآية في التسليم على من في
стр. 2695
البيت المسكون من الأقارب المذكورين في الآية ونحوهم، وكأن في ذلك إيماء إلى عدم ترك الاستئذان الذي قد يتسامح فيه الناس بسبب القرابة، ويقولون إذا استوى الحب سقط الأدب، وإنما قيل ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ لأن القريب كالنفس لشدة صلته بالمرء، وهو كقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩] على أحد الوجهين فيه، وقد تقدم الكلام في هذا فضمه إلى ما سبق.
ومما جاء في دعاء دخول البيت قول النبي ﷺ : «إذا وَلج الرَّجُل في بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير المولج، وخير المخرج، باسم الله ولجنا، وباسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا، ثم ليسلم على أهله»، رواه أبو داود عن أبي مالك الأشعري، وهو ضعيف كما قال الألباني.
стр. 2696
• قوله:
٢٧ - «ويكره العمل في المساجد من خياطة ونحوها ولا يغسل يديه فيه ولا يأكل فيه إلا مثل الشيء الخفيف كالسويق ونحوه، ولا يقص فيه شاربه، ولا يقلم فيه أظفاره وإن قص أو قلم أخذه في ثوبه، ولا يقتل فيه قملة ولا برغوثا»
المساجد بيوت الله، بنيت لعبادته وذكره، فينبغي أن لا يفعل فيها ما لم تبن له، وإنما كرهت الخياطة ومثلها سائر الحرف فيها لأنها من أعمال الدنيا، فإن تسببت في تقذير المسجد فهي محرمة، كالفصادة والحجامة وإصلاح النعال.
أما كراهة غسل اليدين فهذا إذا كانتا طاهرتين، أما النجستان فيحرم غسلهما في المسجد، بل إن غسل الطاهرتين قد يلزم منه توسيخ المسجد، وقد أمرنا بتطهيره وتنظيفه، فتلحق بالنجستين، واختلف في الوضوء، وهكذا أكل نحو المرق والبطيخ لما في ذلك من التلطيخ.
أما ما كان منه خفيفا كالتمر والسويق، فإن الاعتكاف في المسجد مشروع، ولا بد للمعتكف من الأكل، ومما يجتنب إزالة التفث كقص الأظفار والشارب وحلق الرأس والامتشاط، فإن القذى يخرج من المسجد، أما قتل نحو القملة فلأنها نجسة فمن فعل فليخرج قشرها ودون ذلك قتل البرغوث، وبعض ما ذكر كان أمره خفيفا حينما كانت أرض المساجد ترابا وحصباء أما اليوم فإن مثل غسل اليد لا يشرع، فضلا عن النخامة التي كانت كفارتها دفنها.
إن ما يفعله الناس في المساجد لا يخرج عن أن يكون الصلاة وذكر الله والاعتكاف، فهذا مما لا خلاف في القيام به فيها، أما ما له صلة بذلك كالتعليم وقراءة القرآن فهذا يشرع ما لم يضيق به على المصلين أو يشوش به عليهم، فإن رفع الأصوات بالقراءة في الصلاة الجهرية جاء النهي عنه، إذا لزم منه التشويش على مصل آخر، فكيف بالقراءة في غير الصلاة؟.
стр. 2697
روى مالك عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: «إن المصلي يناجي ربه، فلينظر أحدكم بما يناجيه؟، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن»، فإذا كان الجهر بالقرآن في الصلاة وهو مشروع في الأصل في الفريضة، والنافلة، قد نهي عنه إذا كان فيه تشويش على المصلين؛ فكيف بغير ذلك كقراءة القرآن في غير الصلاة، وكيف بالأذكار التي لا تشرع فيها الجماعة، وكيف بالدرس يختار له ما بين الأذان والإقامة أو بعد انقضاء الصلاة حتى لا يتفلت الناس مما يريد أن يسمعهم المدرس إياه طوعا أو كرها؟.
أما الكلام الدنيوي إذا شوش على المصلين فلا ريب في حرمته، قال ابن عبد البر في الاستذكار وهو يشرح حديث البياضي: «وإذا كان هذا هكذا فحرام على الناس أن يتحدثوا في المسجد بما يشغل المصلي عن صلاته، ويخلطوا عليه قراءته، وواجب لازم على كل من يطاع أن ينهى عن ذلك، لأن ذلك إذا لم يجز للمصلي التالي للقرآن، فأين الحديث بأحاديث الناس من ذلك»؟، انتهى.
ونقل عن مالك كراهة تعليم الصبيان في المسجد لما فيه من تعريضه للقذر والتنجس، ورفع الصوت فيه بالعلم، ولا شك أن ما يفعل في بلادنا من قراءة القرآن جماعة فيما يسمى بالحزب بين الأذان والإقامة أنه لا يشرع من هذه الحيثية، مع عدم مشروعية أصله، أعني القراءة جماعة، فإن مذهب مالك كراهتها، ومن ذلك الدرس الذي يتحين بعض الأئمة إلقاءه بين الأذان والإقامة يهتبلون اجتماع الناس للصلاة فيسمعونهم راغبين أو مكرهين، وكذا درس الجمعة المرتب المستعمل فيه مكبر الصوت، فإن الداخل لا يقدر على أن يتم صلاة ركعتين تحية المسجد، وهذا بقطع النظر عن الخلاف في أصل مشروعيته، وقد جد بعض الإخوان في التأصيل لمشروعيته تارة ببيان أن حديث ابن عمرو الوارد فيه ضعيف، وقد جد بعضهم في ذلك بحشد كلام أهل العلم واختلافهم فيه، مع أن الأئمة الأربعة قد أخذوا بحديثه، وتارة بأن الدعوة إلى الله لا ينبغي أن يحجر عليها فتمنع في الأوقات التي تتيسر، والجمعة مناسبة لذلك، وتارة بما جاء عن بعض السلف من تحلقهم، ومن نظر فيما ساقوه من الأدلة وقف على تهافتها وأنها مجرد تبرير لواقع مخالف
стр. 2698
للحق، واستدلال بأمور في غير محلها، مع عدم فعل النبي ﷺ له والداعي كان قائما، والمانع مفقودا، مع حثه على تقصير الخطبة، وتطويل الصلاة، وتخوله أصحابه بالموعظة، وكون هذا الدرس اليوم مرتبا لا يتخلف، ولا يتأتى لمن كان بالمسجد أن يصلي أو يذكر لأن الحلقة عامة، ومكبرات الصوت مانعة.
وثالث الأمور التي تُفعل في المساجد ما كان متمحضا للدنيا، فلا تشرع في المساجد كنشدان الضالة والبيع والشراء، وقد روى الطبراني عن ابن مسعود مرفوعا: «سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقًا حلقًا، أمامهم الدنيا فلا تُجالسوهم فإنه ليس لله فيهم حاجة»، وقال الله تعالى: «﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]، ومعنى إِذْنِ الله برفعها أمره بذلك، ومن رفعها بناؤها، ومنه تعظيمها وتطهيرها وتنظيفها، فتبعد عنها الأقذار والنجاسات، وقد قال الله تعالى عن البيت الحرام: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥]، أي طهراه من كل رجس حسي أو معنوي، والشرك أعظم رجس يجب أن تطهر منه المساجد لأنه يتنافى مع ما بنيت له تنافيا تاما، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ (١٧)﴾ [التوبة: ١٧]، ومن أعظم مظاهر الشرك أن يكون في المسجد قبر يتوجه إليه الناس، أو يتقصدون الصلاة فيه لأجل ذلك، وإن كان المنع حاصلا ولو لم يكن ذلك، قال النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، ومن العجب أن تسكت الجهة الحاكمة على دفن بعض الناس في المساجد مع أن القانون الذي أعدوه هم بأنفسهم يحظر ذلك، وقد حصل هذا في مدينة عين مران بولاية الشلف في شهر رمضان من سنة (١٤٣٨)، ولم تنفع احتجاجات المحتجين.
وقد روى البخاري عن أبي هريرة أن رجلا أسود أو امرأة سوداء كان يقم المسجد فمات، فسأل النبي ﷺ عنه فقالوا: «مات»، قال: «أفلا كنتم آذنتموني به؟، دلوني على قبره،
стр. 2699
أو قال على قبرها، فأتى قبره فصلى عليه»، وترجم عليه البخاري بقوله: كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان».
وروى مالك عن يحيى بن سعيد مرسلا قال: «قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي ﷺ : «دعوه، وهريقوا على بوله سجلا من ماء، أو ذَنُوبًا من ماء، فإنما بعثتم مُيَسِّرِينَ، ولم تبعثوا معسرين»، وهو في الصحيح من حديث أبي هريرة.
وروى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك، فإن المساجد لم تبن لهذا»، وعن مالك أنه بلغه أن عطاء بن يسار كان إذا مر عليه بعض من يبيع في المسجد دعاه فسأله: «ما معك؟، وما تريد»؟، فإن أخبره أنه يريد أن يبيعه قال: «عليك بسوق الدنيا، وإنما هذا سوق الآخرة»، قال ابن عبد البر: «فيه أن ذلك الزمان كان فيه من عوام أهله من يبيع ويشتري في المسجد، ولكنه كان فيه من ينكر ذلك، وكان عطاء بن يسار منهم، ولا يزال الناس بخير ما أنكر المنكر فيهم ولم يتواطؤوا عليه، فإن تواطؤوا عليه هلكوا»، انتهى.
وعن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، ولعل الشعر المنهي عن إنشاده في المسجد ما كان فيه ما لا يرتضى من القول، أو ما كثر وغلب ولم يكن غبا، وقال مالك بلغني أن عمر بن الخطاب بنى رحبة في ناحية المسجد تسمى البطيحاء وقال: «من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة»، وهو عند القعنبي وأبي مصعب عن مالك عن أبي النضر عن سالم عن أبيه عن عمر.
وقال النبي ﷺ : «التفل في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها»، رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك، والخطيئة الإثم، وهذا حينما كانت المساجد متربة أو محصبة، وهي غير مفروشة.
وعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب»، رواه أبو داود، والمراد بالدور جمع دار هي المحلات، وذلك كي
стр. 2700
يسهل على الناس غشيان المساجد من غير مشقة بسبب البعد، لا ديار الأفراد، ومن هنا تعرف أيها القارئ حكم هذه المراحيض التي تبنى في المساجد إذا لم تكن بعيدة عنها بحيث تصل رائحتها إلى المسجد أو تؤذي الداخلين إليها.
وفي مقابل ما ينبغي أن تنزه عنه المساجد يتعين أن لا يتجاوز في بنائها والاهتمام بها إلى ما لم يشرعه الله ورسوله وقد قال النبي ﷺ : «ما أمرت بتشييد المساجد»، رواه أبو داود عن ابن عباس، والتشييد رفع البناء وتطويله كذا قال الخطابي، ولا شك أن أموالا طائلة تنفق على المساجد بوجه غير مشروع، ولو استغلت في نشر العلم وتحشيد طلابه والإنفاق على المحتاجين لكان خيرا، وللقائمين على البناء مسؤولية إنفاق تلك الأموال في غير المشروع فيحاسبهم الله على تبذيرها كما هو الشأن في تطويل المنارات، وزخرفة الجدران، ومن غير المشروع كتابة أسماء الله الحسنى عليها، وتعليق الألواح والساعات الإلكترونية في جهة القبلة، واللوحات التي تكتب عليها أذكار أدبار الصلوات، ووضع الفرش التي فيها التجزئة لكل مصل، وما إلى ذلك.
وقد قال النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد»، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن أنس، وقال النبي ﷺ : «ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم»، رواه ابن ماجة عن عمر بن الخطاب، لكنه ضعيف، وقال البخاري: «وأمر عمر ببناء المسجد وقال: «أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس»، وقال أنس: «يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا»، وقال ابن عباس: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى».
следующие страницы →