← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

• قوله: ٢٧ - «ويكره العمل في المساجد من خياطة ونحوها ولا يغسل يديه فيه ولا يأكل فيه إلا مثل الشيء الخفيف كالسويق ونحوه، ولا يقص فيه شاربه، ولا يقلم فيه أظفاره وإن قص أو قلم أخذه في ثوبه، ولا يقتل فيه قملة ولا برغوثا» المساجد بيوت الله، بنيت لعبادته وذكره، فينبغي أن لا يفعل فيها ما لم تبن له، وإنما كرهت الخياطة ومثلها سائر الحرف فيها لأنها من أعمال الدنيا، فإن تسببت في تقذير المسجد فهي محرمة، كالفصادة والحجامة وإصلاح النعال. أما كراهة غسل اليدين فهذا إذا كانتا طاهرتين، أما النجستان فيحرم غسلهما في المسجد، بل إن غسل الطاهرتين قد يلزم منه توسيخ المسجد، وقد أمرنا بتطهيره وتنظيفه، فتلحق بالنجستين، واختلف في الوضوء، وهكذا أكل نحو المرق والبطيخ لما في ذلك من التلطيخ. أما ما كان منه خفيفا كالتمر والسويق، فإن الاعتكاف في المسجد مشروع، ولا بد للمعتكف من الأكل، ومما يجتنب إزالة التفث كقص الأظفار والشارب وحلق الرأس والامتشاط، فإن القذى يخرج من المسجد، أما قتل نحو القملة فلأنها نجسة فمن فعل فليخرج قشرها ودون ذلك قتل البرغوث، وبعض ما ذكر كان أمره خفيفا حينما كانت أرض المساجد ترابا وحصباء أما اليوم فإن مثل غسل اليد لا يشرع، فضلا عن النخامة التي كانت كفارتها دفنها. إن ما يفعله الناس في المساجد لا يخرج عن أن يكون الصلاة وذكر الله والاعتكاف، فهذا مما لا خلاف في القيام به فيها، أما ما له صلة بذلك كالتعليم وقراءة القرآن فهذا يشرع ما لم يضيق به على المصلين أو يشوش به عليهم، فإن رفع الأصوات بالقراءة في الصلاة الجهرية جاء النهي عنه، إذا لزم منه التشويش على مصل آخر، فكيف بالقراءة في غير الصلاة؟.

стр. 2697

روى مالك عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: «إن المصلي يناجي ربه، فلينظر أحدكم بما يناجيه؟، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن»، فإذا كان الجهر بالقرآن في الصلاة وهو مشروع في الأصل في الفريضة، والنافلة، قد نهي عنه إذا كان فيه تشويش على المصلين؛ فكيف بغير ذلك كقراءة القرآن في غير الصلاة، وكيف بالأذكار التي لا تشرع فيها الجماعة، وكيف بالدرس يختار له ما بين الأذان والإقامة أو بعد انقضاء الصلاة حتى لا يتفلت الناس مما يريد أن يسمعهم المدرس إياه طوعا أو كرها؟. أما الكلام الدنيوي إذا شوش على المصلين فلا ريب في حرمته، قال ابن عبد البر في الاستذكار وهو يشرح حديث البياضي: «وإذا كان هذا هكذا فحرام على الناس أن يتحدثوا في المسجد بما يشغل المصلي عن صلاته، ويخلطوا عليه قراءته، وواجب لازم على كل من يطاع أن ينهى عن ذلك، لأن ذلك إذا لم يجز للمصلي التالي للقرآن، فأين الحديث بأحاديث الناس من ذلك»؟، انتهى. ونقل عن مالك كراهة تعليم الصبيان في المسجد لما فيه من تعريضه للقذر والتنجس، ورفع الصوت فيه بالعلم، ولا شك أن ما يفعل في بلادنا من قراءة القرآن جماعة فيما يسمى بالحزب بين الأذان والإقامة أنه لا يشرع من هذه الحيثية، مع عدم مشروعية أصله، أعني القراءة جماعة، فإن مذهب مالك كراهتها، ومن ذلك الدرس الذي يتحين بعض الأئمة إلقاءه بين الأذان والإقامة يهتبلون اجتماع الناس للصلاة فيسمعونهم راغبين أو مكرهين، وكذا درس الجمعة المرتب المستعمل فيه مكبر الصوت، فإن الداخل لا يقدر على أن يتم صلاة ركعتين تحية المسجد، وهذا بقطع النظر عن الخلاف في أصل مشروعيته، وقد جد بعض الإخوان في التأصيل لمشروعيته تارة ببيان أن حديث ابن عمرو الوارد فيه ضعيف، وقد جد بعضهم في ذلك بحشد كلام أهل العلم واختلافهم فيه، مع أن الأئمة الأربعة قد أخذوا بحديثه، وتارة بأن الدعوة إلى الله لا ينبغي أن يحجر عليها فتمنع في الأوقات التي تتيسر، والجمعة مناسبة لذلك، وتارة بما جاء عن بعض السلف من تحلقهم، ومن نظر فيما ساقوه من الأدلة وقف على تهافتها وأنها مجرد تبرير لواقع مخالف

стр. 2698

للحق، واستدلال بأمور في غير محلها، مع عدم فعل النبي ﷺ له والداعي كان قائما، والمانع مفقودا، مع حثه على تقصير الخطبة، وتطويل الصلاة، وتخوله أصحابه بالموعظة، وكون هذا الدرس اليوم مرتبا لا يتخلف، ولا يتأتى لمن كان بالمسجد أن يصلي أو يذكر لأن الحلقة عامة، ومكبرات الصوت مانعة. وثالث الأمور التي تُفعل في المساجد ما كان متمحضا للدنيا، فلا تشرع في المساجد كنشدان الضالة والبيع والشراء، وقد روى الطبراني عن ابن مسعود مرفوعا: «سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقًا حلقًا، أمامهم الدنيا فلا تُجالسوهم فإنه ليس لله فيهم حاجة»، وقال الله تعالى: «﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧]، ومعنى إِذْنِ الله برفعها أمره بذلك، ومن رفعها بناؤها، ومنه تعظيمها وتطهيرها وتنظيفها، فتبعد عنها الأقذار والنجاسات، وقد قال الله تعالى عن البيت الحرام: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ [البقرة: ١٢٥]، أي طهراه من كل رجس حسي أو معنوي، والشرك أعظم رجس يجب أن تطهر منه المساجد لأنه يتنافى مع ما بنيت له تنافيا تاما، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ (١٧)﴾ [التوبة: ١٧]، ومن أعظم مظاهر الشرك أن يكون في المسجد قبر يتوجه إليه الناس، أو يتقصدون الصلاة فيه لأجل ذلك، وإن كان المنع حاصلا ولو لم يكن ذلك، قال النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، ومن العجب أن تسكت الجهة الحاكمة على دفن بعض الناس في المساجد مع أن القانون الذي أعدوه هم بأنفسهم يحظر ذلك، وقد حصل هذا في مدينة عين مران بولاية الشلف في شهر رمضان من سنة (١٤٣٨)، ولم تنفع احتجاجات المحتجين. وقد روى البخاري عن أبي هريرة أن رجلا أسود أو امرأة سوداء كان يقم المسجد فمات، فسأل النبي ﷺ عنه فقالوا: «مات»، قال: «أفلا كنتم آذنتموني به؟، دلوني على قبره،

стр. 2699

أو قال على قبرها، فأتى قبره فصلى عليه»، وترجم عليه البخاري بقوله: كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان». وروى مالك عن يحيى بن سعيد مرسلا قال: «قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي ﷺ : «دعوه، وهريقوا على بوله سجلا من ماء، أو ذَنُوبًا من ماء، فإنما بعثتم مُيَسِّرِينَ، ولم تبعثوا معسرين»، وهو في الصحيح من حديث أبي هريرة. وروى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك، فإن المساجد لم تبن لهذا»، وعن مالك أنه بلغه أن عطاء بن يسار كان إذا مر عليه بعض من يبيع في المسجد دعاه فسأله: «ما معك؟، وما تريد»؟، فإن أخبره أنه يريد أن يبيعه قال: «عليك بسوق الدنيا، وإنما هذا سوق الآخرة»، قال ابن عبد البر: «فيه أن ذلك الزمان كان فيه من عوام أهله من يبيع ويشتري في المسجد، ولكنه كان فيه من ينكر ذلك، وكان عطاء بن يسار منهم، ولا يزال الناس بخير ما أنكر المنكر فيهم ولم يتواطؤوا عليه، فإن تواطؤوا عليه هلكوا»، انتهى. وعن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد، وأن تنشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، ولعل الشعر المنهي عن إنشاده في المسجد ما كان فيه ما لا يرتضى من القول، أو ما كثر وغلب ولم يكن غبا، وقال مالك بلغني أن عمر بن الخطاب بنى رحبة في ناحية المسجد تسمى البطيحاء وقال: «من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة»، وهو عند القعنبي وأبي مصعب عن مالك عن أبي النضر عن سالم عن أبيه عن عمر. وقال النبي ﷺ : «التفل في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها»، رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك، والخطيئة الإثم، وهذا حينما كانت المساجد متربة أو محصبة، وهي غير مفروشة. وعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب»، رواه أبو داود، والمراد بالدور جمع دار هي المحلات، وذلك كي

стр. 2700

يسهل على الناس غشيان المساجد من غير مشقة بسبب البعد، لا ديار الأفراد، ومن هنا تعرف أيها القارئ حكم هذه المراحيض التي تبنى في المساجد إذا لم تكن بعيدة عنها بحيث تصل رائحتها إلى المسجد أو تؤذي الداخلين إليها. وفي مقابل ما ينبغي أن تنزه عنه المساجد يتعين أن لا يتجاوز في بنائها والاهتمام بها إلى ما لم يشرعه الله ورسوله وقد قال النبي ﷺ : «ما أمرت بتشييد المساجد»، رواه أبو داود عن ابن عباس، والتشييد رفع البناء وتطويله كذا قال الخطابي، ولا شك أن أموالا طائلة تنفق على المساجد بوجه غير مشروع، ولو استغلت في نشر العلم وتحشيد طلابه والإنفاق على المحتاجين لكان خيرا، وللقائمين على البناء مسؤولية إنفاق تلك الأموال في غير المشروع فيحاسبهم الله على تبذيرها كما هو الشأن في تطويل المنارات، وزخرفة الجدران، ومن غير المشروع كتابة أسماء الله الحسنى عليها، وتعليق الألواح والساعات الإلكترونية في جهة القبلة، واللوحات التي تكتب عليها أذكار أدبار الصلوات، ووضع الفرش التي فيها التجزئة لكل مصل، وما إلى ذلك. وقد قال النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد»، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن أنس، وقال النبي ﷺ : «ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم»، رواه ابن ماجة عن عمر بن الخطاب، لكنه ضعيف، وقال البخاري: «وأمر عمر ببناء المسجد وقال: «أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس»، وقال أنس: «يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا»، وقال ابن عباس: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى».

стр. 2701

• قوله: ٢٨ - «وأرخص في مبيت الغرباء في مساجد البادية». علّلوا جواز مبيت الغرباء في مساجد البادية بعدم وجود موضع للبيات فيه، بخلاف مساجد الحواضر فإن الأمر بخلافه، وقد كان أهل الصفة يقيمون في مسجد النبي ﷺ ، وفيهم نزل قول الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وأجاب المانع بأن أهل الصفة كانوا متفرغين للعبادة فمن كان في مثل حالهم جاز ذلك له، وقد جاء في المبيت في المساجد أحاديث، وقد نام علي في المسجد وهو متزوج، ونام فيه عبد الله بن عمر وهو شاب عزَب، ومن تراجم البخاري ﵀ قوله (نوم المرأة في المسجد)، وقوله (نوم الرجال في المسجد)، قال الحافظ: «وفي الحديث إباحة المقيل والمبيت في المسجد لمن لا مسكن له من المسلمين رجلا كان أو امرأة عند أمن الفتنة،،،»، انتهى، وقال ابن أبي مريم قال لي مالك: «يا مصري هل على مسجدكم بواب»؟، فقلت: «نعم»، قال: «هذا سجن وليس بمسجد»، ومع هذا فلا بد للناس اليوم من شيء من هذا، فإنهم قد أحدثوا كثيرا من الفجور، فحدثت لهم كثير من الأقضية كما قال عمر بن عبد العزيز.

стр. 2702

• قوله: ٢٩ - «ولا ينبغي أن يقرأ في الحمام إلا الآيات اليسيرة ولا يكثر». وهذا لأن كتاب الله تعالى ينبغي أن ينزه عن أن يتلى في المواضع القذرة فضلا عن النجسة، والحمام موضع إزالة الأدران والأوساخ ووجود النجاسات، وهو مأوى الشياطين، وقد نهي عن الصلاة فيه في قول النبي ﷺ : «كل الأرض مسجد إلا المقبرة والحمام»، ونقل ابن المنذر في الإشراف عن مالك عدم كراهة القراءة في الحمام كما ذكره النووي في التبيان، والمراد من الحمام موضع الاستحمام ذاته لا عموم بناية الحمام، فإن قراءة القرآن والصلاة جائزتان فيها، ويظهر أن مراد المؤلف بما استثناه ما يقرأ في الحمام لأجل التعوذ ونحوه كما قالوا عن الجُنُبِ، والله أعلم.

стр. 2703

• قوله: ٣٠ - «ويقرأ الراكب والمضطجع والماشي من قرية إلى قرية ويكره ذلك للماشي إلى السوق وقد قيل إن ذلك للمتعلم واسع». أما قراءة الراكب والمضطجع فلقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، وهذا في الصلاة المفروضة، لكن لما جازت الصلاة المفروضة في حالي الركوب والمشي والقيام فيها واجب، والاستقبال كذلك، فلأن تجوز في هذه الحال قراءة القرآن وهي لا يجب فيها شيء من ذلك أولى، لكن الدليل الصريح لهذا هو قول أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة، وعموم الوقت دليل على عموم الحال، وروى الشيخان وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مغفل قال: «رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح»، وهكذا قراءته المعوذات وآية الكرسي عند النوم كما في حديث أبي هريرة الصحيح، أما قراءة الماشي فيظهر أن لا مانع منها ما لم يله عنها، قال النووي: «كما كره النبي ﷺ القراءة للنائم مخافة من الغلط»، وإنما فرق المؤلف بين الذاهب من قرية إلى قرية وبين الماشي إلى السوق، لأن شأن البوادي النظافة بخلاف الحواضر فإن الماشي يمر بالقذر ويطؤه في طريقه، وقوله: «وقد قيل إن ذلك للمتعلم واسع»، لأن المتعلم يحتاج إلى الاستذكار ما لا يحتاج غيره، ولعلهم خرجوه على قراءة الحائض القرآن بخلاف الجنب، وقد حكاه كما ترى بصيغة التمريض.

стр. 2704

• قوله: ٣١ - «ومن قرأ القرآن في سبع فذلك حسن والتفهم مع قلة القراءة أفضل وروي أن النبي ﵇ لم يقرأه في أقل من ثلاث». لورود ذلك في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حيث قال له النبي ﷺ : «فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقا، ولجسدك عليك حقا»، رواه الشيخان وغيرهما، وهذا مع قدرة ابن عمرو على الصيام والقيام وتلاوة القرآن، وإخباره النبي ﷺ بأنه يطيق أكثر من ذلك، وقد كان يختمه في كل ليلة قبل أن ينهاه، وقد روى أبو داود بسند ضعيف عن أوس بن حذيفة قال: سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف تحزبون القرآن»؟، قالوا: «ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده»، فهذه سبعة أحزاب في كل منها مجموعة من السور، فاعرفها، أما ما ذكره المؤلف من عدم ختم النبي ﷺ القرآن في أقل من ثلاث فلعله أخذه من نهي عبد الله بن عمرو بن العاص عن ذلك، مع قوله: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث»، رواه أبو داود والترمذي عن ابن عمر، لكن ما ذكر وإن لم يثبت من فعله فيما علمت، فإنه ﷺ داخل فيما شرع لأمته من ذلك مع ما كان عليه من الترسل في تلاوته وترتيله وتدبره حتى إنه قام ليلة بآية يرددها، ولا دليل على الخصوصية والله أعلم. أما ما نقل عن بعض السلف من ختمهم القرآن في ليلة واحدة، أو في ركعة واحدة، أو بين الظهر والعصر أو أكثر من ذلك أو أقل، كما نقله النووي في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن؛ فإننا مع إجلالنا وحبنا لهم، نعتقد أن الخير فيما دلت عليه سنة النبي ﷺ ، وهم معذورون فيما فعلوه، إما لأنهم لم يبلغهم الحديث، أو لأنهم تأولوه، أو لغير ذلك من الأسباب، لكن المرء يستغرب أن يختم القرآن بين الظهر والعصر، وقد كنت في عهد طلب حفظ القرآن أختم يوم الجمعة في نحو سبع ساعات، لكن القراءة ليست إلا هَذًّا، وقد ختم

стр. 2705

النووي الكلام على ذلك بقوله: «وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في يوم وليلة ويدل عليه الحديث الصحيح … ، وذكر حديث ابن عمرو المتقدم. وقوله: «والتفهم مع قلة القراءة أفضل»، وهذا فيه أن الختم في أكثر من سبعة أيام مع التدبر والتفهم أولى من الختم فيها أو فيما هو أقل منها من غير تدبر وتفهم، لأن القصد من التلاوة التدبر والتفهم ثم العمل، وفيه مع ذلك إثبات فضيلة تلاوة القرآن بقطع النظر عن فهمه وعدمه، وهذا حق لأن القرآن متعبد بتلاوته، لكن هذا لمن لا قدرة له على الفهم، لكن ليعلم أن القرآن يسره الله تعالى للذكر كما قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]، فمن ذا الذي لا يعرف أن الله فوق عباده، وأنه بكل شيء عليم، وأنه الخالق الرازق، وأنه خلق الإنس والجن ليعبدوه، وأن الدنيا فانية زائلة، وكون الموت لا ينجو منه أحد، وكونه تعالى يحب التوابين، ويحب المتطهرين، وأن العاقبة للمتقين، ونهيه تعالى المؤمنين أن تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله، والرد عند التنازع إلى الله والرسول، والنهي عن سب المؤمن واغتيابه والسخرية منه وسوء الظن به وغير ذلك؟، وتلم العربية واجب على كل مسلم بحسب حاجته إليها. ولهذا جاء توبيخ من لم يتدبر القرآن على وجه العموم ولا يأني التوبيخ على غير المستطاع، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ [الفرقان: ٧٣].

стр. 2706

• قوله: ٣٢ - «ويستحب للمسافر أن يقول عند ركوبه: بسم الله اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال ويقول الراكب إذا استوى على الدابة سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون». على من رغب في السفر أن ينظر في جملة من الأمور، أولها حكم سفره، فلا يقدم إلا على ما كان منه واجبا أو مندوبا أو مباحا، والثاني أن يستخير الله تعالى ويستشير في سفره المباح أهل المعرفة، ويحصل على إذن والديه. والثالث أن يتعلم ما يلزمه في سفره أو يرخص له فيه، كقصر الصلاة، والمسح على الخف، والتيمم، ومعرفة جهة القبلة، والجمع بين صلاتي الظهر والعصر والمغرب والعشاء تقديما وتأخيرا، وحكم الرواتب، والفطر في رمضان، والدعاء عند بداية السفر، وعند الرجوع منه، فإن كان سفر حج أ عمرة وجب عليه أن يعلم ما لا بد له منه لصحة نسكه، وإن كان سفرا لبلاد الكفار وجب عليه أن يعرف حكم هذا السفر أولا، فإن كان جائزا تعلم ما لا بد له منه في معاملتهم وهكذا. والرابع السعي في الحصول على الرفقة الصالحة، بحيث لا يسافر وحده للنهي عن ذلك، وإن كانوا ثلاثة فليؤمروا أحدهم كما جاء في السنة، والخامس أن يتزود له حتى لا يعرض نفسه للمهانة والسؤال، ولو كان سفره لطلب العلم، والسادس أن يرد الديون التي عليه، أو يوصي بها ويوثقها، ويتحلل من مظالم العباد ما استطاع، ويترك لأهله ما يعيشون به مدة غيابه، فإنه كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت، وليصلٍّ ركعتين قبل أن يخرج، وركعتين عندما يعود تمنعانه مدخل السّوء ومخرج السّوء. وينقسم السفر إلى سفر طلب، وسفر هرب، ومن الأول السفر لأجل النظر

стр. 2707

والاعتبار، ولأجل الحج والعمرة، وسفر الجهاد وما يتبعه من الرباط والدعوة، وسفر المعاش، والسفر لأجل طلب العلم، والسفر لصلة الرحم، وزيارة الإخوان والأصدقاء، والسفر لطلب بركة المكان، ولا يشرع من هذا إلا ما كان لأحد المساجد الثلاثة كما هو ظاهر الحديث الصحيح، ولا يعترض عليه بأنواع السفر الواجبة والمندوبة والمباحة المجمع على مشروعيتها لأن الغرض منها ليس طلب البقعة الخاصة. أما سفر الهرب فمنه الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وقد كان واجبا إلى المدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع، وبقيت الهجرة واجبة من بلاد الكفر إلى أي بلد من بلاد الإسلام، وهو في هذه الأزمان كالمتعذر لتفكك بلاد المسلمين واستحداث نظام الجنسية، ومنه الخروج من أرض البدعة، قال ابن القاسم سمعت مالكا يقول: «لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف»، انتهى، قال ابن العربي: «وهذا صحيح فإن المنكر إذا لم تقدر على تغييره لم يحل لك أن تجالس صاحبه»، انتهى، وهذا أيضا كالمتعذر اليوم، والتقوى بحسب الاستطاعة، ومنه الخروج من الأرض التي غلب عليها الحرام، وهذا ممكن اليوم بالسكن في البادية، والسكن فيها مرغوب عنه وقد جاء فيه حديث «من بدا جفا»، ومنها البوم ما لا جفاء فيها بحمد الله، لوجود المساجد والمخالطة، مع أن الإقامة بها تُمَكِّنُ من اجتناب كثير من المفاسد. وقال النبي ﷺ : «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن»، رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري، وشعف الجبال بفتح الشين والعين جمع شعفة هي رؤوس الجبال. ومن أسباب السفر الفرار من الأذى والخوف على النفس كخروج إبراهيم وموسى ﵉، وهذا غير متأت اليوم في الدول غالبا لنظام الحالة المدنية والتضييق على أهل الحق في معظم بلدان الإسلام. ومنه الخروج خوفا من المرض، كما في خبر العرنيين الذين اجتووا المدينة، وخروج من لا يقدر على رطوبة البحر، أو العيش في المناطق الصناعية المتلوثة الهواء ونحو ذلك، ويستثنى منه الخروج من البلاد التي ظهر فيها الطاعون لما في ذلك من نشره

стр. 2708

وإفساد نظام الحجر الصحي الذي سبق إليه الشرع، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف الذي رواه مالك وغيره. وقد ذكر المؤلف ما يقوله من أراد السفر خصوصا، وما يقوله من ركب الدابة عموما، أما الأول فقد روى مسلم وأبو داود عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزُّخرُف: ١٣ - ١٤]، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل، وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: «آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون»، وهو من بلاغات مالك في الموطإ مختصرا. وأما الثاني فقد أخذه أهل العلم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾. [الزُّخرُف: ١٢ - ١٤]

стр. 2709

• قوله: ٣٣ - «وتكره التجارة إلى أرض العدو وبلد السودان». أما كراهة السفر لأجل التجارة إلى بلاد الكفار فلما يلزم منه من الإقامة بين ظهرانيهم ولو مؤقتا، وهي منهي عنها، وقد يترتب عليها الخضوع لأحكامهم والتعرض للافتتان بما في بلدانهم من المنكرات والفواحش، ولما في العمل عندهم من إذلال المسلم وامتهانه، وقد قال النبي ﷺ : «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تراءى ناراهما»، رواه ابو داود والترمذي عن جرير، وفي المدونة شدد مالك الكراهة في التجارة إلى أرض الحرب لجري أحكام المشركين عليهم، وهذا كما ترى في مجرد التجارة، فكيف بالإقامة؟، وإذا كانت الهجرة واجبة على من أسلم من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام لو كان ذلك ممكنا في العصر للأسباب المعروفة، فكيف بذهاب المسلم من أرض الإسلام إلى بلدان الكفر للعمل فيها أو للإقامة أو للتجارة أو لطلب علم دنيوي هو موجود في بلاد الإسلام؟، وقد صار هذا الأمر مما يتنافس الناس فيه، ويحسب من حصل عليه أنه قد نال ما يرغب، وكثير من أئمة المساجد يبذلون ما يبذلون ليحصلوا على منصب في بعثات المنتدبين للذهاب إلى فرنسا، حتى إذا انتهت مدة عملهم أقاموا هناك بعد أن يحصلوا على الإقامة بطرق ملتوية ظانين أنهم قد بزوا الأقران، وحصلوا على ما يؤمله كل إنسان، ولا ريب أن كثيرا مما في بلاد الكفر هو في بلاد الإسلام من شرب الخمر وفشو الزنا وأكل الربا واستبدال المواضعات البشرية بأحكام الله تعالى، هذا نعرفه، ولكنه لا يسوغ الذهاب إلى بلاد الكفر للفارق الكبير الذي ما يزال موجودا بينهما والحمد لله، ونحن نأمل أن يردنا الله تعالى إليه ردا جميلا، وفي الأفق بارقة هذا الأمل، أما ترك التجارة في بلاد السودان فإن كانت في ذلك الوقت بلاد كفر فقد تقدم الحكم، والظاهر أن السبب ما كان فيها في عصر المؤلف من المخاطر، فإن المرء لا يجوز له أن يعرض نفسه لذلك، والسودان كلمة أطلقها العرب على الأرض التي يسكنها السود، وهي الآن آمنة فيها خير كثير.

стр. 2710

• قوله: ٣٤ - «وقال النبي ﵇ السفر قطعة من العذاب». وهذا طرف من حديث رواه مالك وأحمد والشيخان وابن ماجة عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه فليعجل إلى أهله»، وهذا لفظ مالك، والنهمة بفتح النون وسكون الهاء الحاجة، وقوله يمنع أحدكم … الخ تفسير لمعنى كونه قطعة من العذاب.

стр. 2711

• قوله: ٣٥ - «ولا ينبغي أن تسافر المرأة مع غير ذي محرم منها سفر يوم وليلة فأكثر إلا في حج الفريضة خاصة في قول مالك في رفقة مأمونة وإن لم يكن معها ذو محرم فذلك لها». جاء في هذا قول النبي ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها»، رواه مالك عن أبي هريرة، وهو في الصحيحين وغيرهما بألفاظ مختلفة، وقد جاء تقييد السفر بثلاثة أيام، وبمسيرة ثلاث، وبيوم، وغير ذلك، وهذا ليس من الاضطراب الذي يوجب رد الحديث كما هو معروف، وجاء الاستثناء في حديث أبي سعيد الخدري هكذا: «إلا ومعها أبوها، أو ابنها أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها». قال ابن عبد البر عن الاختلاف الذي في هذا الحديث: «وأما ألفاظ الأحاديث واختلافها فذلك عندي والله أعلم لا يصح حمله إلا على أجوبة السائلين، فأدى كل واحد منهم ما أجيب به عن سؤاله، كأنه سأل فقال: يا رسول الله هل تسافر امرأة بريدا بغير محرم؟ فقال: لا، فروى عن النبي ﷺ أنه قال لا تسافر امرأة بريدا إلا مع ذي محرم» … إلى أن قال: «والذي جمع معاني آثار هذا الحديث على اختلاف ألفاظه أن تمنع المرأة من كل سفر يخشى عليها فيه الفتنة، إلا مع ذي محرم أو زوج، قصيرا كان السفر أو طويلا»، انتهى ببعض تصرف. قال الباحي في المنتقى: «هذا بمعنى التغليظ، يريد أن مخالفة هذا ليست من أفعال من يؤمن بالله ويخاف عقوبته في الآخرة، وقال عن علة المنع: المرأة فتنة وانفرادها سبب للمحظور، لأن الشيطان يجد السبيل بانفرادها فيغري بها، ويدعو إليها، ويحتمل قوله ﷺ :

стр. 2712

«إلا مع ذي محرم» معنيين: أحدهما أن لا تسافر هذه المسافة مع إنسان واحد إلا أن يكون ذا محرم منها لأنه مأمون عليها، والمعنى الثاني أن لا تنفرد في مثل هذا السفر دون ذي محرم منها لأنه يحفظها ويجري إلى صيانتها لما ركب في طباع أكثر الناس من الغيرة على ذوي محارمهم، والحماية لهم»، انتهى.

стр. 2713

٤٤ - باب في التعالج والرقى والطيرة والنجوم والخصاء والوسم والكلاب والرفق بالمملوك التعالج هو المزاولة والممارسة والمراد هنا التداوي، والرقى جمع رقية بضم الراء وسكون القاف، وفعلها رقى يرقي كرمى يرمي، وهي معالجة المرض بقراءة القرآن والأذكار والتعاويذ والأدعية، والطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وزن عنبة، هي عمل المرء على ما يسمعه أو يراه بحيث يتطير به، أي يجعله دليلا على شر لم يتضح له، فيمتنع من شيء يريد فعله أو سفر أو غير ذلك، والنجوم جمع نجم، والمراد بيان حكم تعلم ما يتعلق بها، والخصاء بكسر الخاء قطع بيضتي الحيوان، مما يجعله لا يتناسل، والوسم هو كي الحيوان ليتميز لمالكه، أو لغير ذلك، والمراد بالكلاب ما يجوز اتخاذه منها، والمملوك هو الرقيق لا يسمى غيره بذلك في العرف، لكون الإنسان في الأصل حرا لا يملكه إلا الله تعالى، فهذه ثمانية أبواب جمعها المؤلف اختصارا وذكر معها ما لم يترجم له فجزاه الله خيرا

стр. 2714

• قوله: ٠١ - «ولا بأس بالاسترقاء من العين وغيرها والتعوذ والتعالج وشرب الدواء والفصد والكي». الاسترقاء هو طلب الرقية، ولعل المؤلف أراد به ما هو أعم من طلبها وفعلها، والعين معناها أن يصاب المرء بعين، من عانه يعينه إذا نظر إليه مستحسنا متعجبا أو حاسدا مستكثرا فأصابه بذلك شيء، وفاعل ذلك عائن، فإن كثرت إصابته فهو معيان وعيون، والمصاب معيون وقياسه معين، والتعوذ التحصن والاحتماء، والمراد هنا التعوذ بالقول، ولا يكون إلا بالله تعالى، والتعالج التداوي، وهو أعم من شرب الدواء، والفصد شق العرق لإخراج الدم الذي يؤذي الجسد، ويكون لأعماق البدن، بخلاف الحجامة فإنها لتنقية سطح البدن، والكي حرق بعض الجسد بشيء مُحمى كالحديد وغيره. وترك الاسترقاء أولى لقول النبي ﷺ : «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون»، رواه البخاري عن ابن عباس، ومسلم عن أبي هريرة وعمران بن حصين ﵃، وجاء في بعض الروايات «ولا يرقون»، وأنكرها الإمام ابن تيمية ﵀، محتجا برقية جبريل للنبي ﷺ ، وبرقية النبي ﷺ لغيره، واعتبرها الألباني شاذة، وأجاب عن ذلك الحافظ في الفتح بما تراه فيه، وسأشير إليه بعد. وقوله ﷺ : «وعلى ربهم يتوكلون»، هذه الصفة هي المرادة من وراء ترك ما سبقها من الأمور الثلاثة، لأن في ذلك الترك حسما لما يؤدي إلى الخدش فيها، ولا ريب أن حصول التنافي في الاسترقاء أكثر منه فيما لو رقى المرء غيره دون طلب، وقد صح رقية جبريل ﵇ للنبي ﷺ ، إذ روى أحمد ومسلم عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى رقاه جبريل قال: «بسم الله يُبريك، من داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي عين»، ويبريك رباعي من أبرأه سهلت همزته فصارت ياء، وسيأتي ذكر رقية

стр. 2715

النبي ﷺ لغيره، وهذا لا يتنافى مع إثبات تلك الرواية أعني زيادة «ولا يرقون»، عند من رأى الأخذ بها، لأن هذا مقام التعليم والتشريع كما لو فعل النبي ﷺ المكروه. فما أجدر الدعاة وأهل العلم بأن يشرحوا معنى هذا الحديث حتى يكفكفوا من الغلو في أمر الرقية التي خرج الناس بها عن حد الاعتدال، لا فرق بين الرقاة والمسترقين، فليرشدوا الناس إلى أن يرقوا أنفسهم وأقاربهم، وأن لا يربطوا الرقية بفلان يعتقدون أن فيه البركة، ونحن لا ننكر تفاوت الناس في هذا، فإن السلاح يختلف أثره باختلاف حامله، ولكن الأمر كثيرا ما يتطور إلى غير المشروع، وقد اشتكى عثمان بن أبي العاص الثقفي إلى النبي ﷺ وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر»، وهو في الموطإ، ورواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة، وفي سنن أبي داود: «ففعلت ذلك، فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم». إذا تبين هذا فقد قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]، ومن في الآية لبيان الجنس، أي أن القرآن كله شفاء ورحمة لمؤمنين، والشفاء هو زوال الداء والمرض، والقرآن جاء لمداواة ما في النفوس من النقائص التي تدسيها، فتحول بينها وبين ما ينبغي أن تكون عليه من الكمال الإنساني الإيماني بسبب العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة والأخلاق السيئة، ففي القرآن شفاء من كل ذلك، بما فيه من أوامر ونواه ومواعظ وقصص وأمثال ووعد ووعيد، هذا هو الذي نزل القرآن من أجله كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]، قال بعض المفسرين: «شفاء لجميع ما في القلوب من أدواء الشرك والكفر والنفاق وسائر الأمراض النفسية التي يشعر صاحبها ذو الضمير الحي بضيق الصدر من شك في الإيمان، ومخالفة للوجدان، وإضمار للحقد والحسد والبغي، والعدوان، وحب للباطل والظلم والشر، وبغض للحق والعدل والخير»، انتهى، وهذا لا يمنع أن يكون في آية سورة الإسراء دليل على أن في القرآن شفاء للأمراض الحسية كما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، وقال النبي ﷺ عن فاتحة الكتاب:

стр. 2716

«وما أدراك أنها رقية»؟، وعن عوف بن مالك قال: «كنا نرقي في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟، فقال: «اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك»، رواه مسلم وأبو داود، وفيه جواز الرقية، وأن النهي الوارد عنها منصرف إلى ما كان فيه مخالفة، وعليه يجمل قوله ﷺ : «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن مسعود، والتولة بكسر التاء والواو الساكنة ما يحبب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، فالرقية تكون بكتاب الله وبالأذكار الواردة في السنة، وبالأدعية، وبكل كلام مفهوم مشروع، وروى مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا: يا رسول الله، إنها كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال: «ما أرى بأسا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل»، وفيه أن النهي يدل على التحريم، وأن الأصل أن ينظر العالم في الرقية هل تجوز أو لا تجوز بخلاف ما عليه الناس اليوم من التوسع واتباع الآراء، أما العين فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ (٥١)﴾ [القلم: ٥١]، وعن أم المؤمنين عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أسترقي من العين»، رواه الشيخان، ورويا عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ دخل عليها فوجد عندها جارية بوجهها سفعة، فقال استرقوا لها، فإن بها النظرة»، والسفعة الشحوب مع تغير اللون نحو السواد، والنظرة العين. أما التعوذ فهو طلب العوذ أي الحماية من الله تعالى بالاستعاذة به، وقد روى الشيخان عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه، لأنها أعظم بركة من يدي»، وفي موطإ مالك عن عائشة أن رسول ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، قالت: فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه، وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها»، وهو في صحيح مسلم نحوه، والنفث شبيه بالنفخ وهو أقل من التفل، لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق، والمعوذات هي سور الإخلاص، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وهذه السور هي التي ما تعوذ متعوذ بمثلها كما رواه النسائي في سننه عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه قال: كنت مع رسول الله ﷺ في طريق مكة،

стр. 2717

فأصبت خلوة من رسول الله ﷺ فدنوت منه، فقال: «قل»، فقلت: «ما أقول»؟، قال: «قل»، قلت: «ما أقول»؟، قال: «قل أعوذ برب الفلق» حتى ختمها، ثم قال: «قل أعوذ برب الناس» حتى ختمها، ثم قال: «ما تعوذ الناس بأفضل منهما»، أمره أن يقول وكرره عليه حتى يتشوف لما يلقى إليه، وفي رواية للنسائي ذكر سورة الإخلاص معهما، وفي سنن أبي داود والنسائي عن عقبة بن عامر الجهني قال: «بينا أنا أسير مع رسول الله ﷺ بين الجحفة والأبواء إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة فجعل رسول الله ﷺ يتعوذ ب (أعوذ برب الفلق)، و (أعوذ برب الناس)، ويقول: «يا عقبة تعوذ بهما، فما تعوذ متعوذ بمثلهما»، قال: «وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة»، لفظ أبي داود، وفي رواية: «فلم يرني سررت بهما جدا، فلما نزل صلى بهما صلاة الصبح للناس، فلما فرغ من الصلاة التفت إلي فقال: «يا عقبة كيف رأيت»؟، وقد صدر النسائي ﵀ كتاب الاستعاذة بأحاديث الاستعاذة بالمعوذات ثم عقبها بأدعية أخرى في الاستعاذة للإشارة إلى أولوية المعوذات على غيرها. وجاء في مشروعية التداوي حديث أسامة بن شريك قال، قال رسول الله ﷺ : «تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة، والهرم بمفتوحتين كبر السن، اعتبر داء لأنه يعقبه الموت مثل الداء، وروى أحمد عنه قال: جاء أعرابي فقال: «يا رسول الله أنتداوى»؟، قال: «نعم، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله»، وللحاكم من حديث أبي سعيد مرفوعا: «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله إلا السام وهو الموت»، وهذا الحديث يفتح آفاقا واسعة للوصول إلى مداواة كل داء يظهر، والإنسانية تصل إلى ذلك بحسب تقدمها في البحث ومعرفة أسرار الخلق، والله هو الذي سخر ذلك للناس وهداهم إليه، لكن ذلك كما ترى يتواكب مع كثرة ظهور الأمراض والأوجاع التي لم تكن فيمن مضى كما جاء في الحديث عقابا من الله تعالى للناكبين عن سبيله.

стр. 2718

• قوله: ٠٢ - «والحجامة حسنة». إنما نص المؤلف على استحبابها لعدم الاختلاف فيها، وقال عن الاسترقاء لا بأس به للخلاف الذي فيه كما تقدم، قال ابن القيم في زاد المعاد: «والتحقيق في أمر الفصد والحجامة أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والمزاج، فالحجامة في الأزمان والأمكنة والبلدان والأبدان الحارة التي دم أصحابها في غاية النضج أنفع، والفصد بالعكس، ولهذا كانت الحجامة أنفع للصبيان ولمن لا يقوى على الفصد»، انتهى ببعض حذف. وجاء في الحجامة ما رواه أحمد والشيخان والنسائي عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن كان في شيء من أدويتكم خير؛ ففي شَرْطَةِ محجم، أو شربة من عسل، أو لذعة بنار توافق داء، وما أُحِبُّ أن أكتوي»، المحجم وزن منبر الآلة التي يحتجم بها، واللذعة المرة من اللذع، وهو الخفيف من إحراق النار، أما اللدغ بالدال المهملة والغين المعجمة فعض ذوات السموم، واللسع للعقرب لأنها تضرب بمؤخرها. وروى أبو داود وابن ماجة عن أبي كبشة الأنماري أن النبي ﷺ كان يحتجم على هامته وبين كتفيه، وهو يقول: «من أهراق من هذه الدماء فلا يضره أن لا يتداوى بشيء لشيء»، وروى أحمد والطبراني والحاكم عن سلمى امرأة أبي رافع أن النبي ﷺ كان إذا اشتكى أحد رأسه قال: «اذهب فاحتجم،»، وإذا اشتكى أحد رجله قال: «اذهب فاخضبها بالحناء»، والاختضاب بالحناء من زينة النساء، لكن هذا تداو فلا ينبغي أن يكون على شكل الزينة يشمل أسفل الرجل وأطرافها من الظاهر كما تفعل النساء، ولا يجوز أن تزين بها كف العروس أعني الزوج كما يفعل بعضهم، والحجامة على الريق أمثل كما في حديث ابن عمر عند ابن ماجة، وقد حسنه الألباني. وجاء في الأيام التي يحتجم فيها أنها الإثنين والثلاثاء والخميس، وهو ما رواه ابن

стр. 2719

ماجة عن نافع أن ابن عمر قال له: يا نافع قد تبيغ بي الدم، فالتمس لي حجاما، واجعله رفيقا إن استطعت، ولا تجعله شيخا كبيرا، ولا صبيا صغيرا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحجامة على الريق أمثل، وفيه شفاء وبركة، وتزيد في العقل، وفي الحفظ، فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس، واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء والجمعة، والسبت ويوم الأحد تحريا، واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء، فإنه اليوم الذي عافى الله فيه أيوب من البلاء، وضربه بالبلاء يوم الأربعاء، فإنه لا يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء أو ليلة الأربعاء»، ولفظ الحديث ليس عليه المعهود من نور النبوة، وقد قال الألباني في صحيحته برقم (٧٦٦) بعد دراسة أسانيده، وذكر ما عثر عليه من المتابعات له: «وبالجملة فالحديث عندي حسن بمجموع هذه الروايات، والله أعلم». وفي قوله النبي ﷺ : «وما أحب أن أكتوي» دليل على أن الاكتواء خلاف الأولى كما تقدم، لما فيه من التعذيب والضرر والحرق بالنار الذي لا يجوز أن يلجأ إليه إلا عند استنفاذ ما قبله مما يناسب المرض كالاستفراغ بشرب العسل، أو تنقية الدم بالاحتجام والفصد وغيرها، ولا يتداوى بما فيه ضرر أشد، إذا أمكن أن يتداوى بما فيه ضرر أقل، يدل على ذلك قوله ﷺ : «أو لذعة بنار توافق داء»، أي يعلم أنها علاج له، وروى أبو داود وابن ماجة عن عمران بن حصين قال: نهى النبي ﷺ عن الكي، فاكتوينا، فما أفلحن ولا أنجحن»، نون الإناث إن صحت الرواية يحتمل عودتها للكيات المفهومة من الكي، قال كاتبه: الظاهر أن الكي نوعان: كي لأجل العلاج، وهذا هو الذي لم يحبه النبي ﷺ ، وفيه ما تقدم من التفصيل، وكي لأجل إيقاف الدم عند قطع العرق ونحوه حيث لم يتوفر ما يوقف به الدم كما كان عليه الأمر عند المتقدمين، فهذا وسيلة إلى إنقاذ المجروح من الهلاك بسبب النزيف، ثم وقفت على كلام ابن قتيبة الذي نقله عنه الحافظ وفيه أنه أضاف إلى النوع الثاني كي الجرح إذا نغل، أي فسد وعفن بالتقيح ونحوه.

стр. 2720

• قوله: ٠٣ - «والكحل للتداوي للرجال جائز، وهو من زينة النساء». قصر اكتحال الرجال على التداوي واعتبار الكحل من زينة النساء فيحرم لكونه تشبها بهن؛ لا يسلم لقائله، فإنه تقييد لفعل النبي ﷺ ولقوله بما لم يدل عليه دليل، فالظاهر أن الاكتحال من الزينة التي يشترك فيها الرجال والنساء، فمن اكتحل فلا حرج عليه، فإن خشي أن يتهم فإنما يمسك عنه لهذا لا لكون ذلك ليس مشروعا، وما كل مباح يفعل، بل قد يترك المستحب أحيانا للمصلحة، وقد اكتحل النبي ﷺ وأمر أمته بالاكتحال، من ذلك قوله فيما رواه الترمذي وابن ماجة عن ابن عباس: «اكتحلوا بالإثمد، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر»، وهذا لفظ الأول، ولابن ماجة: «خير أكحالكم الإثمد يجلو … الحديث، وجاءت هذه الفقرة من جملة حديث ابن عباس عند أبي داود، ولابن ماجة من حديث ابن عمر: عليكم بالإثمد … الحديث، وله من حديث جابر: «عليكم بالإثمد عند النوم … الحديث، وجاء في الاكتحال أنه مذهبة للقذى مصفاة للبصر، والإثمد بكسرالهمزة والثاء والميم المكسورة حجر أسود ترى فيه حمرة يباع اليوم بأرض الحجاز. وقد دلت هذه الأحاديث بما فيها من التعليل للأمر بالاكتحال بأنه يحلو البصر، أي يصفيه، ويذهب القذى أي الرمص، وينبت الشعر، أي شعر الأجفان، ينتفي معه قصره على التداوي، ولو كان غالبا فيه، ومع هذا فقد جاء أنه ﷺ كان يكتحل. ولمالك فيه روايتان، إحداهما المنع كما يؤخذ من تقييد المؤلف، والأخرى الجواز، وهو قول الشافعي، وذكر بعضهم أن المنع إنما يكون فيما إذا اكتحل الرجل بالإثمد، فأما إن اكتحل بغيره من الأنواع الأخرى فهو جائز مطلقا، ولعل هذا من قائله توزيع للروايتين على ذلك.

стр. 2721

• قوله: ٠٤ - «ولا يتعالج بالخمر ولا بالنجاسة ولا بما فيه ميتة ولا بشيء مما حرم الله ». كل من الخمر والنجاسة والميتة محرم وبعضها متفق على نجاسته والخمر مختلف في نجاسته، فلا يجوز التداوي بشيء من ذلك، وقال النبي ﷺ : «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بحرام»، وهو في سنن أبي داود عن أبي الدرداء، وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن الدواء الخبيث، يعني السم»، ولا شك أن الحرام خبيث، وأن النجس خبيث، والسم فرد من العموم، لكن لفظه مدرج، وروى مسلم وأبو داود أن طارق بن سويد سأل النبي ﷺ عن الخمر فنهاه، ثم سأله فنهاه، فقال: «يا نبي الله إنها دواء»، قال النبي ﷺ : «لا، ولكنها داء». وقد رأى بعض أهل العلم أن أحاديث النهي عن التداوي بالمحرمات تقصر على المسكر فقط، ودافعهم إلى ذلك ما جاء في التداوي بأبوال الإبل كما في قصة العرنيين، حيث أمرهم النبي ﷺ بالشرب من أبوالها، وبعد التسليم بأن أبوال الإبل نجسة، فإن المطلوب بناء العام على الخاص. والصواب أن أبوالها ليست نجسة، ومثلها ما كان حلال الأكل، وحمل بعضهم المنع على ما إذا وجد الدواء الطاهر غير المحرم فإن لم يوجد جاز، والحديث ليس فيه هذا التفصيل. وفصل بعضهم في حكم أكل السم والتداوي به، فبين أن ما يقتل الكثير والقليل منه لا يجوز التداوي به فضلا عن أكله، وكذلك ما يقتل الكثير منه في الأغلب، أما ما يقتل الكثير منه لا القليل فيجوز التداوي به ولا يجوز أكله، وما كان منها لا يقتل كثيره في

стр. 2722

الأغلب فهو محل نظر، ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن البنا في شرحه على المسند المسمى بالفتح الرباني. ويمكن انتزاع جواز التداوي في حالة الاضطرار من جواز أكل الميتة للمضطر، قال الراغب: واختلف إذا اضطر إلى ذلك في دواء لا يسد غيره مسده، والصحيح أنه يجوز له تناوله للعلة المذكورة، يعني إبقاء روحه بجهة ما رآه أقرب إلى إبقائه، وهي التي أجيز تناول ما ذكر له للجوع»، أثبته القاسمي في تفسيره.

стр. 2723

• قوله: ٠٥ - «ولا بأس بالاكتواء والرقى بكتاب الله وبالكلام الطيب» سبق الحديث عن الكي، ولعله إنما أعاد ذكره بصيغة أخرى ليفيد جواز طلب ذلك كما يجوز فعله بالغير، ومما جاء فيه حديث جابر قال: «بعث رسول الله ﷺ طبيبا إلى أُبَيِّ بن كعب فقطع منه عرقا ثم كواه»، رواه أحمد ومسلم، وقد يكون هذا الكي لإيقاف الدم كما سبق، ومن الرقية بالقرآن الرقية بالفاتحة، وذكر أبو الحسن في شرحه أن الرقية بها تنتهي إلى قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، لأن ما بعدها دعاء، وإنما يرقى بالمناسب، وقال الشيخ علي العدوي: «ليس المراد بكل جزء من أجزائه، بل بما يناسب ذلك، فخرج نحو آية الدين»، وقد سبقه إلى ذلك الشيخ النفراوي في شرحه، وقد ذكر النفراوي وغيره أن مما يرقى به كثيرا آيات الشفاء الستة، يقصد الآيات التي ذكر فيها لفظ الشفاء أو الفعل منه، وهي في سور: التوبة، ويونس، والنحل، والإسراء، والشعراء، وفصلت، ولم أقف على ما يقيد الرقية بهذا، فهو محض رأي، فأما أن الرقية بفاتحة الكتاب يوقف بها قبل الدعاء فهو رأي كذلك، والوارد في الحديث الرقية بها كلها، كما في حديث أبي سعيد الخدري أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في سفر، فمروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فلم يضيفوهم، فقالوا لهم: «هل فيكم من راق»؟، فإن سيد الحي لديغ أو مصاب»؟، فقال رجل منهم: «نعم»، فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب، فبرأ الرجل فأعطي قطيعا من غنم، فقبِلها ولكن أبي تملكها والانتفاع بها، وقال: «حتى أذكر ذلك للنبي ﷺ ، فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال: «والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب»، فتبسم وقال: «وما أدراك أنها رقية»؟، ثم قال: «خذوا منهم، واضربوا لي بسهم معكم»، ورقية الرجل بفاتحة الكتاب من غير علم مسبق له بذلك تدل على أنهم لم يكونوا يفرقون بين سور القرآن في الرقية، وقول النبي ﷺ : «وما أدراك أنها رقية»، هو تعجب من وقوفه على أنها رقية، ولعله أخذ ذلك من كونها تقرأ في كل ركعة، فعرف أن لها مزية وبخاصة أن كل مسلم ينبغي له حفظها، فيتمكن كل أحد من ذلك، وقد جاء في رواية الدارقطني في جواب الرجل: «شيء وقع في روعي»، وهو بضم الراء أي في نفسي، لكن ذلك لا ينفي أن يرقى بغيرها، وقال

стр. 2724

الأبي: «ويظهر أنها كلها رقية، إذ لم يبين أن فيها رقية»، انتهى. ويؤخذ من تتبع الروايات في هذا الحديث أن المرقي كان غير مسلم فيستدل به على جواز رقية غير المسلم بالقرآن، والله أعلم. وقوله: «وبالكلام الطيب»، هذا من جملة ما يرقى به وهو الكلام العربي المفهوم مما فيه ثناء على الله تعالى وسؤاله ودعاؤه، وفي البيان والتحصيل: «سئل مالك أيرقى الرجل ويسترقي»؟، قال: «لا بأس بذلك بالكلام الطيب»، انتهى، وقال الشيخ على العدوي في بيان معنى الكلام المفهوم: «معناه المحتوي على ذكر الله ورسوله والصالحين من عباده»، انتهى، وهو أيضا عند الشيخ زروق. قلت: إن كان المراد من ذكر رسول الله ﷺ الصلاة عليه بين يدي الدعاء فنعما ونعمة عين، فإن كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد ﷺ ، وصلى الله وسلم على جميع الأنبياء، وإن كان المراد التوسل إلى الله تعالى باتباع الراقي إياه وطاعته له أن يشفي المريض فكذلك، أما إن كان المراد سؤال الله تعالى بجاهه فلا، أما الصالحون فما وجه ذكرهم هنا؟، نسأل الله تعالى أن يدخلنا برحمته فيهم، ويعصمنا من الزلل. وقال ابن وهب: سألت مالكا عن المرأة ترقي بالجريدة والملح وعن الذي يكتب الكتب للإنسان، ليعلقه عليه من الوجع، ويعقد في الخيط الذي يربط به الكتاب سبع عقد، والذي يكتب خاتم سليمان في الكتاب، فكره مالك ذلك كله، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم، وكان للعقد في ذلك أشد كراهية، وكان يكره العقد جدا»، أورده ابن عبد البر في الاستذكار. والذي كان النبي ﷺ يفعله ما رواه الشيخان عن عائشة قالت: كان إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه، ثم قال: «أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما»، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن مسعود، والذي عند ابن ماجة هو عن عائشة في موضعين من سننه، فيصحح ما في الجامع الصغير من جعله من رواية ابن مسعود، والله أعلم، ومعنى لا يغادر سقما لا يترك مرضا إلا ذهب به.

стр. 2725

• قوله: ٠٦ - «ولا بأس بالمعاذة تعلق وفيها القرآن». المعاذة بفتح الميم ما يتعوذ به مما يعلق على الإنسان، والمراد هنا خصوص ما كتب فيه شيء من القرآن أو الأدعية المشروعة وخرز فيما يكنه، فهذا هو الذي يجوز تعليقه على الإنسان، قيل: والحيوان لا فرق بين طاهر وجنب وحائض وصغير وكبير، ولا يجوز شيء من ذلك بالكلام المبهم ولا بالجداول التي فيها الأرقام، والرموز، فضلا عن كتابة أسماء الجن والاستنجاد بهم، فإن هذا شرك، ومما يؤسف له أن بعض من يؤمون الناس يعملونه وتسكت عليهم الجهة الوصية لأن ولاءهم لها، وقد قال مالك عن الأسماء العجمية: «وما يدريك لعلها كفر»؟، والتمائم المنهي عن تعليقها هي غير هذا. قلت: قد تقدم في الفقرة قبل هذه كلام مالك في عدم مشروعية ما يكتب للمرء ليعلق عليه من الوجع، فليقارن بهذا، مع ما ورد من النهي عن تعليق التمائم عموما والدعاء على من علقها، ففي مسند أحمد وغيره عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي ﷺ قال: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له»، وروى عنه أيضا مرفوعا: «من علق تميمة فقد أشرك»، فقد يحمل ما جاء عن مالك من المنع على ما كان بالودع ونحوه، أو ما كان بغير كلام الله والثناء عليه، والأدعية المأثورة، والكلام الطيب عموما، لكن الذي يجوز عنده إنما يكون بعد نزول البلاء لا قبله، دل على ذلك ما رواه في موطئه عن عباد بن تميم أن أبا بشير الأنصاري أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، قال: فأرسل رسول الله ﷺ رسولا، قال عبد الله بن أبي بكر: حسبت والناس في مقيلهم: «لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت»، وهو في الصحيحين من طريق مالك به، وقد ترجم عليه بقوله: «ما جاء في نزع المعاليق والجرس من العنق»، وفي بعض النسخ من العين، أي إذا

стр. 2726

كان القصد دفع العين، وهذا أنسب، وقد جاءت الأحاديث بالنهي عن تعليق التمائم، والأول أخص، وللناس من السلف والخلف في هذه المسألة ثلاثة مذاهب، المنع مطلقا والجواز مطلقا، والجواز بعد حصول الداعي لا قبله، لكني إلى المنع أميل، مع ما عليه حال الناس من فساد العقائد، ولما في منعه من سد الذرائع، والله أعلم.

стр. 2727

• قوله: ٠٧ - «وإذا وقع الوباء بأرض قوم فلا يقدم عليه ومن كان بها فلا يخرج فرارا منه». الوباء هو الطاعون أي المرض العام الذي ينتقل ويعدي بمشيئة الله تعالى، ويسرع الموت بسببه، وما ذكره العلماء من تحديده بفرد معين من الادواء وصفوه، فهذا بحسب علمهم، وقد ظهر في العصر الحديث أنواع منه لكل منها اسم كوباء الكوليرا، والسيدا وغيرها، ومنها الأوبئة التي تنتقل في الحيوان كأنفلوانزا الطيور، وأنفلوانزا الخنازير، والقرائن قائمة على أن بعض الجهات قد تنشر هذه الأمراض لتروج لدواء أو لقاح تجني من ورائه أموالا طائلة، وما هذا بمستغرب على الكفار الذين سخروا العلم الذي توصلوا إليه لإفساد الخلق، كما يفعلون بالنباتات والحبوب التي يعقمونها حتى لا تنتج، فيشتري الناس الحبوب للأكل، ولا يتمكنون من بذرها، كي يظلوا في تبعية اقتصادية، وهكذا رميهم بعض المحاصيل وغيرها وإحراقها حتى يحافظوا على ارتفاع الأسعار. وقد جاء في الطاعون حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه»، رواه مالك والشيخان، وهو حديث طويل جاء في سفر عمر بن الخطاب إلى الشام فلما بلغه حدوث طاعون عمواس استشار المسلمين، فاختلفوا، ورأى المهاجرون أن يرجع، فلما عزم على ذلك قال له أبو عبيدة: «أفرارا من قدر الله»؟، قال: «لو غيرك يا أبا عبيدة قالها، نفر من قدر الله إلى قدر الله»، فأخبره عبد الرحمن بن عوف بهذا الحديث، ومعنى ما قاله عمر؛ أننا مهما اتخذنا من الأسباب، فإننا لا نخرج عما قدره الله وشاءه، والأسباب من جملة ذلك. قال ابن عبد البر في الاستذكار مبينا وجه اختلاف الصحابة في المسألة قبل أن يبلغهم

стр. 2728

الحديث: «وأما اختلاف المهاجرين والأنصار في القدوم على الوباء فلكل واحد منهم معنى صحيح في أصول السنن، المجتمع عليها من الكتاب والسنة، وملاك ذلك كله الإيمان بالقدر، وأن ما أصاب المرء لم يكن ليخطئه، مع إباحة الأخذ بالحذر والحزم، والفرار من المهلكة الظاهرة»، انتهى.

стр. 2729

• قوله: ٠٨ - «وقال ﵊ في الشؤم إن كان ففي المسكن والمرأة والفرس». لو جمع المؤلف ﵀ الكلام على الطيرة والشؤم والفأل لكان أحسن، لقرب ما بين هذه الأمور الثلاثة، أو وقوع بعضها في مقابل بعض، والحديث الذي ذكره رواه مالك عن سهل بن سعد الساعدي مرفوعا بلفظ: «إن كان ففي الفرس والمرأة والمسكن»، وهو عند أحمد والبخاري، ورواه مالك أيضا عن ابن عمر بلفظ: «الشؤم في الدار والمرأة والفرس»، فقطع في الحديث الأخير بوجود الشؤم في الثلاثة، لكنه لا يدل على وجوده فيها ولا بد، بل إمكان وجوده، يرشد إلى ذلك ما في الحديث الأول حيث جاء بأداة الشرط الدالة على الندور والقلة بل والافتراض. ولما كان النهي قد صح عن الطيرة، والشؤم هو الطيرة، فقد اختلف العلماء في معنى إثبات الشؤم في هذه الثلاثة، والذي ينبغي أن يجزم به عموم قدر الله، وأن شيئا لا يحصل إلا بإذنه، وأن الابتعاد عن التشاؤم هو المطلوب، والحديث إما أن يكون قد جاء على ما عليه طبائع الناس، لأن الأمور الثلاثة من أكثر الأشياء التصاقا بهم، وقد يتشاءمون بها، فجاء الحديث على هذا المعنى، لكن ليس فيه إقرار مشروعية التشاؤم، فإذا حصل للمرء شيء من ذلك فاء إلى الحق، لكن إن خرج عن هذه الأمور الثلاثة بتركها لنفرة نفسه منها، ولكي يصون قلبه عن خواطر السوء فلا حرج عليه، بل ربما تعين عليه ذلك حتى لا تتضرر عقيدته كما في حديث مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: دار سكناها والعدد كثير، والمال وافر، فقل العدد، وذهب المال، فقال رسول الله ﷺ : «دعوها ذميمة»، وقد رواه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود عن أنس نحوه، وهو في الصحيحة برقم (٧٩٠)، وقد ترجم مالك على الحديث بقوله: «ما يتقى من الشؤم»، يريد

стр. 2730

أن المرء يبتعد عن أسبابه، فيترك ما تفر منه نفسه، وقد أرشدهم النبي ﷺ إلى ترك الدار، أي «دعوها وأنتم لها ذامون كارهون لما وقع في نفوسكم من شؤمها»، هكذا قال ابن عبد البر. ومما يقوي هذا المعنى الذي ذكرته لإثبات التشاؤم بالثلاثة، ما رواه الترمذي عن حكيم بن معاوية مرفوعا: «لا شؤم، وقد يكون اليمن في الدار والمرأة والفرس»، ورواه ابن ماجة عن حكيم بن معاوية عن عمه مخمر بن معاوية نحوه، وقد ضعفه الحافظ معتبرا إياه مخالفا للأحاديث الصحيحة، وصححه الألباني، وإذا صح فلا أرى فيه معارضة، بل إنه قد تبين به أن الشؤم المثبت فيما سبق غير الشؤم المنفي هنا. وما يحصل في النفس من تشاؤم بهذه الثلاثة سببه في الغالب ما تكون عليه من عدم الملاءمة للطبع كما يدل عليه قول النبي ﷺ : «من سعادة ابن آدم ثلاثة، ومن شقوة ابن آدم ثلاثة: من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقوة ابن آدم المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء»، رواه أحمد عن إسماعيل بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده، وعزاه الشيخ عبد الرحمن البنا للترمذي ولم أقف عليه عنده، وفي رواية ابن حبان: « … المرأة الصالحة، والمركب الهني، والمسكن الواسع»، فانتظمت - ولله الحمد - النصوص التي تبدو متعارضة.

стр. 2731

• قوله: ٠٩ - «وكان ﵇ يكره سيء الأسماء، ويحب الفأل الحسن». سيء الأسماء كمُرَّة وحنظلة وحرب وحزن وكلب وجذام، ومما ينبغي أن يجتنب اختصار الاسم بحيث يصبح محرفا كما يقال حميمد وحمو وحمي ومحند وعليلو، وعبدَ قَّ. وفي الموطإ عن يحيى بن سعيد مرسلا أن رسول الله ﷺ قال للقحة تحلب: «من يحلب هذه»؟، فقام رجل فقال رسول الله ﷺ : «ما اسمك»؟، فقال له الرجل: «مرة»، فقال رسول الله ﷺ : «اجلس»، ثم قال: «من يحلب هذه»؟، فقام رجل، فقال له: «ما اسمك»؟، قال: «حرب»، قال: «اجلس»، ثم قال: «من يحلب هذه»؟، فقام رجل، فقال رسول الله ﷺ : «ما اسمك»؟، فقال: «يعيش»، فقال له: احلب»، ورواه الطبراني موصولا من حديث يعيش نفسه وقال الهيثمي إسناده حسن، و «اللقحة بكسر اللام وفتحها الناقة قريبة العهد بالنتاج، والجمع لقح»، كذا في النهاية. وتغيير الأسماء القبيحة أو التي فيها تزكية أو تجبر وتكبر ثابت عن النبي ﷺ في وقائع عدة فهو من المتواتر المعنوي عنه، يدل عليه قول أم المؤمنين عائشة: «كان يغير الاسم القبيح إلى الاسم الحسن»، رواه الترمذي، وهو في الصحيحة للألباني برقم (٢٠٧). ومن ذلك ما رواه الترمذي وابن ماجة عن ابن عمر أن ابنة لعمر كان يقال لها عاصية فسماها رسول الله ﷺ جميلة»، وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود عنه أنه ﷺ غير اسم عاصية، وقال: «أنت جميلة». وسأل أبا أسيد عن اسم ابن له جاء به إليه فقال: فلان، فقال: «ولكن اسمه المنذر، وهو في صحيح البخاري عن سهل. وقدم عليه جد سعيد بن المسيب، فقال: «ما اسمك»؟، قال: «اسمي حزن»، قال: «بل أنت سهل»، قال: «ما أنا بمغير اسما سمانيه أبي»، وفي رواية: «السهل يوطأ»، قال ابن

стр. 2732

المسيب: «فما زالت الحزونة فينا بعد»، رواه البخاري. وكان اسم كل من زينب بنت جحش زوجة النبي ﷺ ، وزينب بنت أبي سلمة ربيبته برة، فغيره النبي ﷺ لما في برة من التزكية. ووفد عليه جماعة فسأل أحدهم عن اسمه، فقال: أصرم»، فقال رسول الله ﷺ : «بل أنت زرعة»، رواه أبو داود عن أسامة بن أخدرى. وغير اسم رجل يدعى أبا الحكم، إلى أبي شريح، وقال: «إن الله هو الحكم». وقال: «إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر. وقال ﷺ : «أخنع الأسماء عند الله يوم القيامة من تسمى بملك الملوك، لا مالك إلا الله»، رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة. وقال ابن الحاج في المدخل بالنقل عن شرح زروق: «إن إبليس أتى أهل المشرق فوجدهم أهل نفخة وكبر فأحدث لهم فلان الدين، وشمس الدين، وشهاب الدين، وبرهان الدين، فتركوا بها الأسماء المعظمة من محمد وأحمد وإبراهيم وغير ذلك من الأسماء التي لها شرف شرعا، وجاء أن من تسمى بها شفع له النبي ﷺ المسمى بها، وصاروا يتبرؤون حتى إن أحدهم لو دعوته باسمه كانت مصيبة لا انتعاش لها، وهذا أمر عظيم أعاذنا الله منه، وجاء إلى المغاربة فوجدهم أهل مسكنة فأبدلهم من أسمائهم ما يناسب حالهم، فقالوا لمحمد حمو، ولأحمد حدو، ولعبد الله عبو، ولعبد الرحمن رحو، ولعبد الصمد عصو، ولعبد الكريم عكو، إلى غير ذلك مما يكره لفظا، وربما حرم بعضه، نسال الله العافية بمنه وكرمه»، انتهى. وما قاله عن تلك الأسماء كثير في المغاربة، وهو خلاف الصواب، وقد غلب اليوم على فئة من الناس ترك الأسماء إلى الكنى، وصفات الكبر والفخر مذمومة مهما كانت الجهة التي ظهرت فيها، وما أحسب أنها مقصورة على المشارقة، ولا التواضع مقصور على المغاربة. والفأل مهموز وجمعه فؤول وأفؤل، وفي الدارج عندنا الفال بالمد، وهو مما أولع

стр. 2733

الناس به تخفيفا كما في لسان العرب، وجعله في النهاية لما يسر ويسوء، وفيه نظر. فأما قوله ﷺ : «لا طيرة وخيرها الفأل: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم»، رواه أحمد مسلم عن أبي هريرة، وهكذا قوله: «العين حق، وأصدق الطيرة الفأل»، فإنه لا يدل على ذلك، قال الطيبي بالنقل عن فتح الباري: «قد علم أن الطيرة كلها لا خير فيها، فهذا مبني على زعمهم، وهو من إرخاء العنان في المخادعة بأن يجري الكلام على زعم الخصم، حتى لا يشمئز عن التفكر فيه، فإذا تفكر فأنصف من نفسه قبل الحق، فقوله: «خيرها الفأل»، إطماع للسامع في الاستماع والقبول … »، انتهى، أقول المقصود من الربط بينهما أن المذموم أن يعلق المرء فعله أو تركه على التطير فيحجم أو يقدم، فأما الفأل فبخلاف ذلك فهذا وجه الجمع بينهما، وفي اللسان الفأل ضد الطيرة، فهذا هو الصواب. وقد قال رسول الله ﷺ : «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح، والفأل الصالح الكلمة الحسنة»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أنس، فنفى كلا من العدوى والطيرة، فلا يصح أن يعتقد المرء أن العدوى تعمل بنفسها، من غير تقدير الله ذلك، لكن هذا لا يمنع من أخذ الأسباب والابتعاد عن مخالطة المصاب بما يعدي، كما تقدم في حديث عبد الرحمن بن عوف في النهي عن دخول الأرض التي بها الطاعون، وكما في نهيه ﷺ أن يورد ممرض على مصح، وأمره بالفرار من المجذوم، وكذلك الطيرة؛ لا يجوز للمؤمن أن يتطير، فإن حصل له ذلك فعليه أن يمضي، فدواء الظن أن لا يحقق ودواء التطير المضي، ودواء الحسد الاستغفار. ومثل هذا ما جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي رواه مسلم وأبو داود، وفيه قوله يسأل النبي ﷺ : «ومنا رجال يتطيرون»؟، قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدهم»، أما إن سمع كلاما طيبا فتفاءل فلا بأس، لكن لا يتعمد فعل شيء لأجل التفاؤل، فقد عده بعضهم من الاستقسام بالأزلام، قال أبو الحسن: مثاله إذا خرج لسفر او عيادة مريض ولم يقصد سماع الفأل فسمع يا غانم، أو يا سالم، أما إن قصد سماع الفأل ليعمل عليه فلا يجوز لأنه من الأزلام»، انتهى، وقال علي العدوي: «وفي معنى هذا مما لا يجوز فعله استخراج الفأل من المصحف، فإنه نوع من الاستقسام بالأزلام، ولأنه قد

стр. 2734

يخرج له ما لا يريد فيؤدي ذلك إلى التشاؤم بالقرآن»، انتهى. ومما نفاه النبي ﷺ ما في قوله «لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد»، رواه البخاري معلقا مرفوعا عن أبي هريرة، ونحوه في الموطإ بلاغا عن ابن عطية مرسلا، وفي صحيح مسلم عن جابر مرفوعا: «لا عدوى، ولا صفر، ولا غول»، فأبطل بهذا جملة مما كانت العرب تعتقده، والصفر ما كانت العرب تزعمه من وجود حية في البطن يقال لها الصفر، تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وقيل ذلك إبطال لما كانت عليه العرب من النسيء فتجعل شهر صفر شهرا حراما، تستبدله بالمحرم، ومن ذلك أنهم كانوا يعتقدون وجود الغول جمعه غيلان، يزعمون أنها في الفلوات تتغول أي تتلون وتتبدل كما قال كعب بن زهير عن سعاد: «كما تلون في أثوابها الغول»، فنفى النبي ﷺ وجودها، وقيل إنما نفى أن تكون لها القدرة على إضلال الناس، ومما يؤسف له أن بعض الناس يخوفون أطفالهم إلى اليوم بالغول كي يسكتوا أو يكفوا عن مطالبتهم بشيء ما، وقد زعم بعض العرب أنه لقي الغول فقتله ليبرهن على شجاعته فقال: فمن ينكر وجود الغول إني … أُخَبر عن يقين بل عيان بأني قد لقيت الغول تهوي … بسَهب كالصحيفة صَحصحان فأَضربها بلا دهَش فخرت … صريعا لليدين وللجران

стр. 2735

• قوله: ١٠ - «والغسل للعين أن يغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم يصب على المعين». الموضع المناسب لهذا هو ما سبق من الكلام على العين، وقد قال النبي ﷺ : «إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، فإن العين حق»، رواه ابن عدي والطبراني والحاكم عن عامر بن ربيعة كما في صحيح الجامع، وروى أحمد عن ابن عباس مرفوعا: «العين حق تستنزل الحالق»، والحالق هو الأمر المهلك، فالعين سبب فيه، وجاء الأمر بالاغتسال فيما رواه أحمد ومسلم والترمذي عن ابن عباس قال النبي ﷺ : «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا»، ومعنى أن العين حق أنها شيء موجود، وأن نظر الناظر إلى الشيء قد يتسبب في إلحاق الضرر به، ومعنى ولو كان شيء سابق القدر … أن العين من جملة القدر، فالمقصود المبالغة في بيان الضرر الذي يُلحقه العائن بالمعين، فإذا كانت هي لا تسبق القدر فغيرها أولى أن لا يسبقه، ويترتب على ذلك أن يلجأ المرء إلى ما يحصنه مما شرعه الله تعالى، وأن يلتزم العائن الشرع فيقول: تبارك الله، فإن عان غيره وطلب منه أن يغتسل فعل. وكيفية اغتسال العائن التي ذكرها المؤلف جاءت في حديث سهل بن حنيف الذي رواه مالك وأحمد أن النبي ﷺ خرج وسار معه نحو مكة، وفيه أن سهلا اغتسل، وكان رجلا أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة وهو يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة!!، فلبط سهل، فقيل له يا رسول الله: «هل لك في سهل؟، والله ما يرفع رأسه»، فقال: «هل تتهمون فيه من أحد»؟ قالوا: «نظر إليه عامر بن ربيعة»، فدعاه رسول الله ﷺ فتغيظ عليه، وقال: «علام يقتل أحدكم أخاه؟، هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت»؟، ثم قال: «اغتسل له»، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه
следующие страницы →