← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

• قوله: ٤ - «وأما دم الاستحاضة فيجب منه الوضوء، ويستحب لها ولسلس البول أن يتوضأ لكل صلاة». دم الاستحاضة هو الدم الذي يخرج من قبل المرأة على وجه العلة والفساد، يقال استحيضت المرأة فهي مستحاضة، فهذه يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة على ظاهر قول المصنف أولا. وقد روى مالك في الموطإ (١٣٦) عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: «ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلا واحدا، ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة»، وقال بعده: «الأمر عندنا في المستحاضة على حديث هشام بن عروة عن أبيه، وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك» انتهى، وهذا الاغتسال إنما يجب عليها أول ما يحكم بأنها مستحاضة، إما بانتهاء عدد أيامها، أو بتمييز الدم، أو غير ذلك مما سيأتي، فإن الغسل في هذه الحالة هو كالغسل عند انقطاع الحيض، أما إن كان الذي انقطع إنما هو دم الاستحاضة؛ فالمشهور في المذهب استحباب الاغتسال، وقد قال مالك فيما روي عن سعيد ابن المسيب من اغتسال المستحاضة من ظهر إلى ظهر بالظاء المعجمة: «إني لأظن حديث ابن المسيب من طهر إلى طهر، فقلبها الناس من «ظهر إلى ظهر» (١). ورد ظن مالك ابن عبد البر في الاستذكار وهو قول أنس والحسن وليس الغرض استيعاب الأقوال في هذه العجالة، فإن كلام أهل العلم في اغتسال المستحاضة كثير مختلف. وقد عدوا كلام المصنف هنا من مشكلات الرسالة، لكونه ذكر إيجاب الوضوء واستحبابه معا، ومما حمل عليه قوله السابق؛ أنه يجب الوضوء إذا انقطع دم الاستحاضة،

стр. 317

وأنه يستحب إذا كان مستمرا، وقيل بالإيجاب إذا كان نزوله أقل من انقطاعه، والاستحباب في خلاف ذلك، و المشهورأنه يجب منه الوضوء إذا فارق أكثر الزمن، او قدرت على رفعه. والذي يظهر وجوب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، وإنما لم يقل به مالك لعدم صحة تلك الزيادة عنده، إذ لم يروها في الموطإ، ولأنه خارج غير معتاد، وإن كان أثر عروة السابق محتملا للوجوب، ودليل توضؤ المستحاضة لكل صلاة هو قول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي» (١)، وأقوى منه في الدلالة أمر النبي ﷺ إياها بالوضوء لكل صلاة، وهو في صحيح البخاري في باب غسل الدم (الفتح: ١/ ٤٣٢ و ٥٣٠) إذ قال لها: «وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» (٢)، وقوله يعرف بالبناء للمجهول أي يعرف بلونه أو ثخانته أو رائحته، أو يعرف بالبناء للمعلوم، أي له عرف ورائحة ويقاس على المستحاضة في وجوب الوضوء لكل صلاة من به سلس من بول أو غائط أو ريح.

стр. 318

• قوله: ٥ - «ويجب الوضوء من زوال العقل بنوم مستثقل، أو إغماء، أو سكر، أو تخبط جنون، ويجب الوضوء من الملامسة للذة، والمباشرة بالجسد للذة، والقبلة للذة، ومن مس الذكر، واختلف في مس المرأة فرجها في إيجاب الوضوء بذلك». لما أنهى الكلام على ما ينقض الوضوء بنفسه؛ ذكر بعده ما يكون سببا في حدوث الناقض، وهو ثلاثة أشياء: زوال العقل، وملامسة المرأة، والقبلة. فأما زوال العقل؛ فيكون بالنوم الثقيل، والإغماء، والسكر، والجنون، ونقض الوضوء بالنوم ثابت بالنص، ونقضه بغيره ثابت بالقياس الأولوي، لأن النائم إذا نودي أجاب، بخلاف غيره من المجنون والمغمى عليه والسكران الطافح، ودليل الأصل حديث صفوان ابن عسال، وهو عند أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقد سبق ذكره. وقد بين النبي ﷺ أن النوم سبب في النقض لاحتمال خروج الناقض أثناءه في قوله: «العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ» (١)، والوكاء الرباط، يعني أن اليقظة رباط ينحل بالنوم، والسه بفتح السين، وعينه تاء محذوفة، هو اسم للدبر، والمعنى أن من كان مستيقظا أمسك ما في بطنه، فإذا نام لم يمكنه الإمساك، جعل اليقظة رباطا ينحل بسبب النوم، وفي معناه الحديث المرفوع: «العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء» (٢). واحترز بثقيل النوم عن خفيفه؛ فإنه لا ينقض الوضوء، لأنه لا يتوفر على علة النقض كما علمت، ولورود آثار بعدم نقضه، الظاهر أن النوم فيها خفيف، أو لأنه نوم الجالس،

стр. 319

منها ما جاء عن أنس: «كان أصحاب النبي ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون» (١). وفي الموطإ عن نافع «أن عبد الله ابن عمر كان ينام جالسا، ثم يصلي ولا يتوضأ» (٢)، وقوله تخفق، يقال خفق برأسه يخفق من باب ضرب؛ إذا أخذته سنة، فمال برأسه دون جسده. وأما الملامسة فالمراد بها لمس المرأة غير المحرم متى تم ذلك بقصد، أو بدون قصد مع حصول الالتذاذ، ولذلك قيدها المؤلف هي والمباشرة بالجسد والقبلة؛ بالالتذاذ، وحمَل الملامسة على المس باليد، فعطف عليها المباشرة بالجسد. قال خليل مبيِّنا قيد النقض بالملامسة: «إن قصد اللذة أو وجدها لا انتفيا»، فالصور عندهم أربع باعتبار وجود اللذة وقصدها، فمتى وجدها أو قصدها؛ انتقض الوضوء، فإن انتفيا فلا وضوء. ومذهب مالك هنا وسط بين من اعتبر اللمس ناقضا بإطلاق كالشافعي، وبين من لم يعتبره ناقضا بإطلاق. وقد قال ابن عبد البر: «الذي ذهب إليه مالك وأصحابه في اشتراط اللذة ووجود الشهوة عند الملامسة أصح إن شاء الله، لأن الصحابة لم يأت عنهم في الملامسة إلا قولان: أحدهما: الجماع نفسه، والآخر: ما دون الجماع من دواعي الجماع وما يشبهه، ومعلوم في قول القائلين هو ما دون الجماع؛ أنهم أرادوا ما ليس بجماع، ولم يريدوا اللطمة ولا قبلة الرجل ابنته رحمة، ولا اللمس لغير اللذة،،،» (٣). وقال ابن العربي مبينا وجه تفسير الملامسة بالمس: «إن الله تعالى أنزل اللمس المفضي إلى خروج المذي منزلة التقاء الختانين المفضي إلى خروج المني، فأما اللمس

стр. 320

المطلق فلا معنى له» (١). وهذا الذي استنبطه ابن عبد البر وابن العربي من أقوال الصحابة في معنى ملامسة النساء غير الجماع. قال عنه ابن رشد في بداية المجتهد بعد أن بين مآخذ أقوال أهل العلم في المسألة: «ولكل سلف من الصحابة إلا اشتراط اللذة؛ فإني لا أذكر أحدا من الصحابة اشترطها»، وقد فرق ابن رشد في مقدماته لما اقتضته المدونة من الأحكام؛ بين المس واللمس في اللغة، وبين أن الأخير يكون مع الطلب والقصد بخلاف المس. ومن العجب ما تأوله ابن حزم وهو من القائلين بأن اللمس ينقض مطلقا في حديث حمل النبي ﷺ أمامة بنت أبي العاص، وهي بنت ابنته زينب ﵍ على عاتقه في الصلاة، والحديث في الموطإ والصحيحين عن أبي قتادة، حيث قال: «لأنه ليس فيه أن يديها ورجليها لمست شيئا من بشرته ﵇!!، إذ قد تكون موشحة برداء أو بقفازين أو جوربين!!، أو يكون ثوبها سابغا يواري يديها ورجليها وهذا الأولى أن يظن بمثلها بحضرة الرجال!!،،،»، انتهى، إذ كيف يقال عن صبية حملت على العاتق تأنيسا لها ومراعاة لطفولتها أن تسترها هو اللائق بها بمحضر الرجال؟. ويذكر استطرادا أن أشهب روى عن مالك أنه سئل عن حمل النبي ﷺ أمامة في الصلاة، ووضعها إذا سجد؛ هل ذلك للناس؟، فقال: «نعم، إن لم يجد من يكفيه»، وهو في النوادر: ذكر ما يستخف من العمل في الصلاة. وذكروا من مرجحات تفسير الملامسة بالمس في قول الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، أن هذا التفسير لا يكون معه تكرار في الاية، لأن الإجناب ذكر قبلها، وللتوفيق بين قراءة لمستم ولامستم، ولأن هذه هي حقيقة اللمس، والجماع مجاز، فلا يعدل عن الحقيقة إليه، وقد فسرها بذلك عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وجعله بعضهم لازم قول عمر ﵁، لأنه يرى عدم تيمم الجنب، مما يعني أن الملامسة عنده ليست الجماع، فلما جاءت نصوص السنة على خلاف ظاهر الآية؛ قيد اللمس الناقض بالقصد واللذة، في

стр. 321

المذهب، لكن المشهور أن القبلة تنقض الوضوء بإطلاق إلا لوداع أو رحمة، ولعل ذلك لأن القصد متوفر في التقبيل بخلاف اللمس. وقد روى مالك في الموطإ عن ابن عمر أن قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء» (١)، كما روى الوضوء من القبلة بلاغا عن عبد الله بن مسعود أيضا. لكن ورد ما يدل على خلاف هذا كحديث عائشة «أن رسول الله ﷺ كان يُقَبِّلُ بعض أزواجه ولا يتوضأ» (٢)، وروى أبو داود عنها أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ» (٣)، ومنها قولها: «كان رسول الله ﷺ يصلي وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر لمسني برجله» (٤)، وهذا فيه دليل على أن اللمس إذا لم تكن معه لذة فلا وجه لنقض الوضوء به، كما يدل على أن القصد إلى اللمس ليس ناقضا بمجرده. ووجه اعتبارهم اللمس مع القصد ناقضا أنه ذريعة إلى حصول الناقض، فقد يحصل ولا يتمكن من الاطلاع عليه، فيمكن إرجاعه إلى النقض بمجرد الشك، وقد تقدم ما فيه، وقد صح عن عبد الله بن عباس من طرق؛ تفسير الملامسة بالجماع، وروي عنه أنه قال: «ما أبالي قبلت، امرأتي أو شممت ريحانة»، وجاء عن عمر في تقبيل المرأة الوضوء، وعدمه، والختام أن المس بمجرده وكذا القبلة لا ينتقض بواحد منهما الوضوء، فالراجح أن الملامسة في الآية الجماع، والله أعلم. أما مس الذكر؛ فو ناقض للوضوء في المذهب مطلقا على المشهور، من غير تفريق بين عمد أو سهو، ولا بين لذة وغيرها، قال خليل عاطفا على النواقض: «ومطلقُ مس ذكره المتصل، ولو خنثى مشكلا، ببطن، أو جنب لكف، أو إصبع، وإن زائدا حس».

стр. 322

وقد ورد في نقض الوضوء بمس الذَّكَر قول النبي ﷺ : «من مس ذكره فليتوضأ» (١)، وهو كما ترى مطلق، لكن يمكن أن يستدل على تقييده بما رواه أبو داود، عن قيس بن طلق عن أبيه قال: «قدمنا على نبي الله ﷺ ، فجاء رجل كأنه بدوي فقال يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟، فقال: «هل هو إلا مضغة منه، أو قال: بضعة منه» (٢)، المضغة بضم الميم وسكون الضاد: قطعة اللحم، والبضعة بفتح الباء وسكون الضاد مثلها. فهذا فيه إشارة إلى التفريق بين من قصد المس، وبين من لم يقصده، فإن هذا منظور فيه والله أعلم إلى عدم القصد، بل الماس فيه كماس غيره من الأعضاء، لأن شأن أبضاع الجسد أن لا تقصد للذة، بل لغيرها من الأغراض، وفيه جمع بين الحديثين، وهو مقدم على دعوى النسخ من الطرفين الآخذ كل منهما بواحد منهما، ويتفق مع هذا رواية ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول لست أوجب الوضوء من مس الفرج، وأحب إلي أن يتوضأ»، وهو في النوادر. قال ابن أبي زيد في نوادره: «واختلف عن مالك في مس الذكر بغير تعمد، فروى عنه ابن القاسم في المجموعة أحب إلي أن يتوضأ، وروى عنه ابن وهب في العتبية، من رواية سحنون أنه لا يعيد الوضوء إلا في تعمد مسه» انتهى، وذلك لأن التعمد غالبا تصحبه اللذة، وبهذه الرواية نأخذ. أما مس المرأة فرجها؛ فالمشهور عدم الانتقاض به مطلقا، ألطفت يدها في شفريها أولا. قال خليل عاطفا على ما لا ينقض الوضوء: «ومس امرأة فرجها، وتؤولت بعدم الإلطاف»، أي أن بعضهم حمل قول المدونة بعدم النقض على ما إذا لم تلطف، أي تدخل إصبعها في شفريها، وقد اختلفت الرواية عن مالك في هذه المسألة، ففي رواية ابن القاسم لا وضوء عليها، وهو قول سحنون، وفي رواية علي بن زياد عليها الوضوء، وأنكرها

стр. 323

سحنون، ويؤيد إلحاق فرج المرأة في النقض بمس الذكر مع ما تقدم من البحث؛ ما جاء في حديث أم حبيبة قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» (١)، وينتقض الوضوء بالإرتداد على الاسلام وهو مذهب أحمد وعند ابن القاسم يندب الوضوء من الردة.

стр. 324

• قوله: ٦ - «ويجب الطهر مما ذكرنا من خروج الماء الدافق للذة في نوم أو يقظة، من رجل، أو امرأة، أو انقطاع دم الحيضة، أو الاستحاضة، أو النفاس، أو بمغيب الحشفة في الفرج، وإن لم ينزل». ذكر فيما تقدم وجوب الغسل بنزول المني بالجماع، وذكر هنا نزوله مطلقا، وأردف ببيان سائر ما يجب الغسل منه، وهو خمسة أشياء: الأول: خروج المني الدافق من الرجل أو المرأة بلذة معتادة في اليقظة، وكذا خروجه في النوم إذا وجده في ثوبه، رأى الاحتلام أو لا، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ودليل النقض بخروج المني ولو من غير جماع قول النبي ﷺ : إنما الماء من الماء» (١). وأما بوجود المني ولو من غير احتلام؛ فلما ثبت عن عائشة قالت: «سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل، ولا يذكر احتلاما، قال: «يغتسل»، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم، ولا يجد البلل، قال: «لا غسل عليه»، فقالت أم سليم: «المرأة ترى ذلك أعليها غسل؟، قال: «نعم، إنما النساء شقائق الرجال» (٢). والثاني: انقطاع دم الحيض بالجفوف أو بظهور القَصة، أو بغيرهما مما سيأتي، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ولقول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» (٣).

стр. 325

والثالث: انقطاع دم الاستحاضة، وفي حكم الاغتسال منه خلاف، فقيل لا أثر لانقطاعه، وقيل يستحب الاغتسال إذا انقطع، وهذا هو المشهور، وقيل يجب، وهو الذي جرى عليه المؤلف، وليس بالمشهور، وقد تقدم شيء من الكلام على هذا حين أثبت أثر عروة الذي في الموطإ. والرابع: انقطاع دم النفاس، ودليله دليل الغسل من الحيض، فإنه مثله، وقد نقل الإجماع على وجوب الاغتسال منه. والخامس: مغيب الحشفة في الفرج، أنزل أو لم ينزل، لقول النبي ﷺ : «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل»، رواه البخاري ومسلم وأبو داود (٢١٦) عن أبي هريرة، ولمسلم عن عائشة مرفوعا: «إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم مس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل»، وهو في الموطإ باب واجب الغسل إذا التقى الختانان من قول عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعائشة، وابن عمر، ﵃، وشعبها الأربع قيل يداها ورجلاها، ومعنى جهدها؛ جامعها، وقوله قد وجب الغسل، يعني ولو بدون إنزال، وفي رواية وإن لم ينزل، والمراد بمس الختان الختان؛ موضع الختان من الجانبين، وهو يدل على مشروعية الخفاض للنساء كما سيأتي إن شاء الله.

стр. 326

• قوله: ٧ - «ومغيب الحشفة في الفرج يوجب الغسل، ويوجب الحد، ويوجب الصداق، ويحصن الزوجين، ويحل المطلقة ثلاثا للذي طلقها، ويفسد الحج، ويفسد الصوم». استطرد المؤلف، فذكر بعض ما يوجبه مغيب الحشفة في الفرج نزل المني أو لم ينزل، وهو في النوادر برمته من قول ابن حبيب، فمنه وجوب الغسل، وقد تقدم. ومنه حد الزنا وهو الجلد للبكر مع التغريب، والرجم للمحصن، ودليل الجلد قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. ومنه تكميل الصداق لقول الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، ولمفهوم قوله تعالى فيمن فرض لها وطلقت قبل الدخول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ومنه الإحصان أي انتقال المرأة والرجل بذلك إلى وصف الإحصان متى كان ذلك عن زواج صحيح، فمن زنى مع وجود ذلك الوصف رجم بدل الجلد، لقول رسول الله ﷺ : «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» رواه مسلم وغيره عن عبادة بن الصامت. ومنه أن المطلقة ثلاثا تحل به للذي طلقها، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [ال بقرة: ٢٣٠]، وقول رسول الله ﷺ : «لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك»، بمعنى أنه لا بد فيمن طلقت ثلاثا أن يجامعها الزوج الثاني، ولا يكفي في تحليلها العقد، فإذا حصل ذلك وطلقها حلت للأول، وليس المراد كما قد يتوهم من كلام المصنف أن التحليل يكون بنفس الجماع.

стр. 327

ومنه أنه يفسد الحج والعمرة، والمذهب أنه يفسده متى كان ذلك قبل الوقوف بعرفة، أو بعده، لكن قبل طواف الإفاضة ورمي جمرة العقبة في يوم النحر، لقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أما العمرة فيفسدها متى كان ذلك قبل تمام السعي. ومنه أنه يفسد الصوم لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] والجماع في معناهما، ولمفهوم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وللأحاديث التي سيأتي ذكرها في موضعها.

стр. 328

• قوله: ٨ - «وإذا رأت المرأة القصة البيضاء تطهرت، وكذلك إذا رأت الجفوف تطهرت مكانها، رأته بعد يوم، أو يومين، أو ساعة، ثم إن عاودها دم، أو رأت صفرة، أو كدرة؛ تركت الصلاة، ثم إن انقطع عنها؛ اغتسلت وصلت، ولكن ذلك كله كدم واحد في العدة والاستبراء، حتى يبعد ما بين الدمين مثل ثمانية أيام، أو عشرة، فيكون حيضا مؤتنفا». يعني أن المرأة متى رأت القصة البيضاء أو الجفوف كانت طاهرا، فيتعين عليها أن تبادر إلى الاغتسال، وأن تصلي الصلاة التي لم يخرج وقتها، ويلزمها الصيام إن انقطع دمها قبل الفجر أو معه، ولا عبرة بالمدة التي استغرقها نزول دم الحيض، فإن أقله عند أهل المذهب في العبادات دفعة، وأكثره خمسة عشر يوما، فإن عاودها دم أو صفرة أو كدرة ثم انقطع؛ اغتسلت كذلك وصلت، أما أقل الحيض في العدة والاستبراء فيَوْم، والمستبرأة والمعتدة إذا طهرتا لا يعتبر طهرهما إلا واحدا حتى يكون الفارق بين الدمين من ثمانية إلى عشرة أيام، والمشهور خمسة عشر يوما، فإذا كان الفارق كذلك؛ اعتبر حيضا جديدا، قال في المدونة عن أيام الطهر المنقطع: «وليست تلك الأيام بطهر تعتد به في عدة من طلاق» انتهى. واعلم أن مجموع ما تكون المرأة به طاهرا من دم الحيض؛ ستة أمور، المنصوص منها أربعة، والباقي آراء للعلماء: - الأول: انقطاع دم الحيض، ويكون بأحد أمرين، أولهما: نزول القصة البيضاء، وهي ماء أبيض يشبه الجير، وهي أبلغ في الدلالة على الطهر لمعتادتها، والثاني: الجفوف، بأن تدخل المرأة الخرقة في فرجها فتخرج جافة، ودليل هذا؛ قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ

стр. 329

حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. - والثاني: تمييز دم الحيض من دم العلة والفساد، ودليله قول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا كان دم الحيضة؛ فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك؛ فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر؛ فتوضئ وصلي، فإنما هو عرق» (١). قال خليل: «والمميز بعد طهر تم؛ حيض، ولا تستظهر على الأصح» انتهى، يريد أنها لا تستظهر إن استمر الدم بغير صفة الحيض، والحكم بالطهر اعتمادا على التمييز أقوى من الحكم بالاعتماد على العدد عند من استمر بها الدم، لأن الحكم اعتمادا على المانع نفسه أقوى من الحكم اعتمادا على محل المانع القابل للمانع ولغيره هذا ما أراه. قال في المدونة: أرأيت قول مالك دما تنكره، كيف هذا الدم الذي تنكره؟، قال ابن القاسم موضحا: «إن النساء يزعمن أن دم الحيض لا يشبه دم الاستحاضة، لريحه ولونه». - والثالث: انقضاء المدة التي اعتادت المرأة أن تحيضها إذا استمر بها الدم، ودليله قول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «فإذا أقبلت الحيضة؛ فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي»، لكن هذا مالم تعرف أن النازل حيض. - والرابع: انتهاء الأيام التي تتحيضها من ليست لها عادة، ولا ميزت هذا الدم من ذاك،

стр. 330

فإن المرأة التي شأنها الحيض؛ لا تكون حائضا أبدا، ولا تكون طاهرا أبدا، بل يعتريها كل منهما في الشهر الواحد، ودليله قول النبي ﷺ لحمنة بنت جحش من حديث: «إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت؛ فصلي ثلاثا وعشرين ليلة، أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن، ميقات حيضهن وطهرهن،،،» (١). والمراد بركضة الشيطان؛ أنه لبَس عليها، فنسيت أيام أقرائها، وواسطته إلى ذلك سيلان الدم على وجه المرض، ولا مانع أن يكون الركض على حقيقته، فيكون سبب السيلان، وقوله تحيضي قال ابن الأثير: «تحيضت المرأة إذا قعدت أيام حيضها تنتظر انقطاعه»، انتهى، ومعناه هنا اعتبري نفسك بمنزلة الحائض في الأمور التي لا تحل لها، وقوله ستة أيام أو سبعة أيام، أو فيه للتنويع، بحسب عادة النساء التي ذكرها فيما بعد في قوله: «كما تحيض النساء،،،»، فالمراد التشبيه في عدد الأيام. لكن المذهب أن من تمادى بها الدم، ولم تميز؛ تكون مستحاضة أبدا تصوم وتصلي، غير أنها تغتسل كلما انقطع، لأنها لا تدري هل يعاودها الدم أو لا؟، لكن الظاهر أنه لا فرق في التحيض أي اعتبار المرأة نفسها حائضا بين الناسية لعادتها كما في حديث حمنة بنت جحش هذا، وحديث أم سلمة الذي في الموطإ وغيره وسيأتي ذكره، إلا من حيث إن الأولى لا تعرف عدد أيامها، ولا موقعها من الشهر، فأمرت بالتحيض ستة أيام أو سبعة أيام، والثانية تعرف عدد الأيام وموقعها، فردت إلى عدد أيامها، لكن معرفة موقع أيامها من الشهر، لا يعني مجيء حيضتها كل شهر في موقعها، فإن المعروف أن حيضة المرأة تتقدم عن موعدها، ومن هنا تجتمع الناسية لعدد أيام حيضتها مع الذاكرة لها في التحيض متى طال الامد، لكن المالكية لا يقولون به، بل يعتبرون من لم تميز الدم مستحاضة أبدا، فيمكن إلزامهم بهذا القول لرواية مالك للحديث في موطئه (١٣٢)، فقد روى عن سليمان بن يسار عن أم سلمة أن امرأة كانت تهراق الدماء في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ ، فقال: «لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك؛ فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصل»، وقد قالوا إن المرأة المبهمة في هذا الحديث هي فاطمة بنت أبي حبيش، وأنها قد اختلف حالها، وهي هنا قد التبس عليها الدم فلم تميز، لكنها كانت تعرف عدد أيام حيضها. - والخامس: انتهاء مدة الاستظهار، وهذا خاص في المذهب بالمعتادة إذا تمادى بها الدم، فإنها تستظهر بثلاثة أيام زيادة على عادتها، ما لم تجاوز أقصى مدة الحيض، وهي خمسة عشر يوما، وكذلك المبتدأة، وهي التي لم يسبق لها الحيض في تفصيل سيأتي.

стр. 331

والقول بالاستظهار انفرد به مالك في رواية المصريين عنه، وهو مشهور المذهب، وقال المدنيون بالقول الآخر له، وهو أنها لا تستظهر، بل تبلغ أقصى أمد الحيض خمسة عشر يوما، قال ابن عبد البر مبينا مدلول قول النبي ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: «فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي، قال: «وفيه رد لقول من قال بالاستظهار يوما، أو يومين، أو ثلاثة، وأقل، وأكثر، لأنه أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت وذهبت؛ أن تغتسل وتصلي، ولم يأمرها أن تترك الصلاة ثلاثة أيام، لانتظار حيض يجيء، أو لا يجيء، والاحتياط إنما يجب في عمل الصلاة، لا في تركها، ولا يخلو قوله ﵇ في الحيضة: «إذا ذهب قدرها»؛ أن يكون أراد انقضاء أيام حيضتها، لمن تعرف الحيضة وأيامها، أو يكون أراد انفصال دم الحيض من دم الاستحاضة لمن تميزه، فأي ذلك كان؛ فقد أمرها عند ذهاب حيضتها أن تغتسل وتصلي، ولم يأمرها باستظهار». وقد بيّن بعض أهل العلم كالقاضي عبد الوهاب في المعونة، وابن عبد البر في الاستذكار؛ ما قد يكون مستند مالك فيما ذهب إليه من الاستظهار، وهو حديث المصراة، إذ حد فيه رسول الله ﷺ ثلاثة أيام في انفصال لبن التصرية من اللبن الطارئ»، وهو استدلال بعيد يشبه استدلالهم على أقل الصداق بما تقطع فيه اليد في السرقة، وهو ربع دينار. - والسادس: انتهاء مدة الحيض بالتلفيق، وهو خاص بمن تقطع طهرها، كأن يأتيها الدم يوما أو يومين أو ساعة، وينقطع يوما أو نحو ذلك، فهذه تجمع أيام الدم، فإذا اجتمع منها عدد أيامها التي اعتادتها؛ استظهرت بثلاثة أيام، ثم مستحاضة طاهر، وهو الذي رجع إليه الإمام بعد أن كان يقول فيمن تقطع طهرها أنه تلفق خمسة عشر يوما، كما ذكره ابن القاسم عنه في المدونة (باب في الحائض والمستحاضة). قال ابن رشد في بداية المجتهد: «وجعل الأيام التي لا ترى فيها الدم غير معتبرة في العدد؛ لا معنى له، فإنه لا تخلو تلك الأيام أن تكون أيام حيض، أو أيام طهر، فإن كانت أيام حيض؛ فيجب أن تلفقها إلى أيام الدم، وإن كانت أيام طهر؛ فليس يجب أن تلفق أيام الدم، إذ كان قد تخللها طهر، والذي يجيء على أصوله أنها أيام حيض لا أيام طهر، إذ أقل

стр. 332

الطهر عنده محدود، وهو أكثر من اليوم واليومين،،،»، انتهى، والمعروف من أحوال النساء أن الدم قد ينقطع في الظاهر، ولا يكون ذلك انقطاعا للحيض، لأن الرحم ربما أرخى الدم من غير اتصال، فإذا انقطع فتطهرت المرأة وصلت فقد عملت بالمطلوب، لكن تلك الأيام معدودة في أيام الحيض، والله أعلم. والصفرة والكدرة في مشهور المذهب حيض، سواء ظهرت في زمن الحيض أو بعده. قال في المدونة: «وقال مالك في المرأة ترى الصفرة أو الكدرة في أيام حيضتها، أو في غير أيام حيضتها؛ فذلك حيض، وإن لم تر مع ذلك دما» انتهى. وهذا ما ذكره خليل بقوله: «الحيض دم كصفرة أو كدرة خرج بنفسه من قُبُل من تحمل عادة، وإن دفعة»، وقد استدلوا بما رواه مالك في الموطإ عن أم علقمة مولاة لعائشة أم المؤمنين أنها قالت: «كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم الحيضة، يسألنها عن الصلاة فتقول لهن: «لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء» (١)، تريد بذلك الطهر، والدرجة بكسر الدال وفتح الراء جمع درج بضم فسكون؛ وعاء صغير تضع فيه المرأة طيبها، وما خف من متاعها، والكرسف القطن، والقَصة بفتح القاف تقدمت، وهذا كما ترى يتناول الصفرة والكدرة في أيام الحيض، أعني قبل الطهر، فلعلهم قاسوا ما بعد الطهر على ما قبله، لأن الشيء لا يختلف في نفسه، وهو قياس مع الفارق، كيف وقد صح عن أم عطية أنها قالت: «كنا لا نَعُد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا» (٢)، والكدرة بضم الكاف وسكون الدال سائل بلون الماء الوسخ، والصفرة بضبط الكدرة سائل كالصديد يعلوه اصفرار، وفيه دليل على أن الكدرة والصفرة بعد الطهر ليست حيضا، وهي الرواية الأخرى عن مالك كما في النوادر عن علي بن زياد عنه قال: «وما رأت من الصفرة أيام الحيض أو أيام الاستظهار فهو كالدم»، فهذه الرواية بما فيها من مفهوم قيد

стр. 333

الظرف، أعني قوله أيام الحيض والاستظهار موافقة لما في حديث أم عطية، فتكون الكدرة والصفرة في غيرهما ليست حيضا، وهذا لا يخالف ما جاء في أثر أم علقمة عن عائشة، وقد اعتمد هذا القول ولم يذكر غيره القاضي عبد الوهاب في المعونة، لكنه استدل له بحديث عائشة: «كنا نعد الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيضا» (١).

стр. 334

• قوله: ٩ - «ومن تمادى بها الدم بلغت خمسة عشر يوما، ثم هي مستحاضة: تتطهر، وتصوم، وتصلي، ويأتيها زوجها». أقصى مدة الحيض في مشهور المذهب خمسة عشر يوما، وهو أمر مرده إلى التتبع والاستقراء، ولم يصح فيه نص مرفوع، فلما كان أكثر الحيض عندهم كذلك؛ فإن من تمادى بها الدم لا تزيد على تلك المدة، بل يحكم لها بحكم المستحاضة، تغتسل وتصلي وتصوم وتوطأ، لكن في المسألة تفصيلا، فإن الحائض في المذهب إما مبتدأة، وهي التي لم يسبق لها الحيض، وإما معتادة، وهي التي تعرف أيام حيضها، فأقصى أمد حيض المبتدأة في المشهور خمسة عشر يوما، ثم هي طاهر، وهو في المدونة، والقول الآخر ما رواه علي بن زياد عن مالك أن حيضها لا يتجاوز أيام لداتها، أي قريناتها في السن، إلا أن ترى دما تستكثره لا تشك فيه، وهذا منه تغليب للتمييز على عادة النساء الغالبة في مدة الحيض، وهذه الرواية متمسكها قول النبي ﷺ لحمنة بنت جحش كما في الحديث المتقدم: «تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله»، والفرق بين هذه وبين المبتدأة أن هذه نسيت عادتها، والمبتدأة لم تتقرر لها عادة بعد، فهما مستويتان من هذه الناحية، فترد كل منهما إلى ما تحيضه النساء، لأن الأصل عدم تمادي الدم أكثر من تلك المدة، والاحتياط يكون لعمل الصلاة لا في تركها، وقد ذهب أحمد إلى ما ذهب إليه مالك في رواية علي بن زياد كما في (المغني: ١/ ٣٧٧)، وعنه رواية أخرى كالمشهور في المذهب. وباب أحكام الحيض من أكثر أبواب الفقه صعوبة، لما فيه من اختلاف الآراء واضطرابها وتشعبها، وإن كان مدعو الكياسة والظرف والبصر بالواقع إذا راموا الغمز من أهل العلم الموثوقين نبزوهم بأنهم علماء الحيض والنفاس، والناظر في اختلاف العلماء يعسر عليه أن يخرج بما ترتاح إليه نفسه، فالواجب النظر الملي في النصوص، والتفقه فيها،

стр. 335

وفي المستحاضة ثلاث سنن: أولها: حديث عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: «إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟، قال: «إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة؛ فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي، وفي رواية «فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي» (١)، وقوله عرق؛ يعني ليس حيضا ينزل من الرحم، بل هو من عرق ينزف، فهذا الحديث فيمن كانت لها عادة تعلم قدرها، فأمرها أن تمسك عن الصلاة قدر عادتها، ثم هي طاهر، لكن إذا كانت عالمة بعادتها وميزت، فأي الأمرين تقدم: العادة أم التمييز، الظاهر من الحديث في قوله فإذا ذهب قدرها عملها بالعادة؛ لأنها غير مميزة، فلا مانع من أنها إذا علمت العادة مع التمييز أن تقدم التمييز. وثانيها: حديث عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فقال لها رسول الله ﷺ : «إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي» (٢)، قوله يعرف هو بضم الياء وكسر الراء أي له رائحة مميزة يعرف بها، وقيل إنه مبني للمجهول، فيكون أعم من السابق، فتدخل الرائحة واللون والتحاليل المعاصرة، وهذا الحديث فيمن استحيضت وكانت تميز بين الدمين، ولا تعرف عادتها أو نسيتها. وثالثها: حديث حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة فأتيت النبي ﷺ أستفتيه، فقال: «إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام، ثم اغتسلي، فإذا استنقأت فصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين، وصومي وصلي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء،،، الحديث (٣)، وقوله تحيضي؛ معناه اعتبري نفسك حائضا، بحيث تمتنعين عما لا يجوز للحائض، ولعلها تراعي في الأيام التي تتحيضها تقدمها وتأخرها في كل شهر بحسب عادتها، فإن الحائض تختلف مواقع أيام

стр. 336

حيضها من شهر لآخر، والحديث فيمن لا تعرف عادتها ولا ميزت الدم، فأحيلت على غالب أمر النساء في الحيض، فتقعد عما تقعد عنه الحيض، ولو لم يوافق ذلك أيام حيضها، ولو لم تكن تحيض بالفعل، ولعل ذلك من الشرع تخفيف عنها، بتنزيل المانع المشكوك في حصوله منزلة الحاصل. قال الشوكاني في السيل الجرار في توجيه هذه الأحاديث والجمع بينها ما خلاصته؛ أن المبتدأة والناسية لوقتها وعددها؛ ترجع إلى صفة الدم حسب ما وصف في الحديث، فإن كان كذلك؛ فهو دم حيض، وإلا فاستحاضة، فإن لم يتميز لها، بأن اختلفت صفاته، أو جاء على صفة متلبسة؛ رجعت إلى عادة النساء القرائب، فإن اختلفت عادتهن؛ أخذت بالغالب، فإن لم يوجد غالب؛ تحيضت ستة أيام أو سبعة أيام. أما المعتادة العارفة لوقتها وعددها؛ فترجع إلى عادتها، فإن جاوزتها ولم ينقطع الدم رجعت إلى التمييز، فإن التبست العادة لعارض والتبس التمييز؛ رجعت إلى عادة النساء من قرائبها، فإن اختلفت عادتهن عملت بالغالب، فإن لم يكن غالب؛ تحيضت ستة أيام أو سبعة أيام على غالب ما تحيض النساء. وذكر ابن تيمية ﵀ (١) أن الدم الذي يخرج من فرج المرأة أقسام: ما هو مقطوع بأنه دم مرض، كالدم الذي ينزل من الصغيرة التي لم تبلغ سن المحيض، ومنه ما يقطع بأنه دم حيض، كالدم الذي ينزل من المرأة المعتادة في أيام عدتها، ومنه ما يحتمل الأمرين، والراجح كونه دم حيض، وهو دم المعتادة والمميزة حيث يحكم بأنه كذلك بناء على التمييز باللون أوبعدد الأيام، ودم يحتمل الأمرين، والراجح كونه استحاضة، وذلك حيث يحكم بأنه دم استحاضة عند المميزة والمعتادة، ودم مشكوك فيه لم يترجح فيه أحد الأمرين، وقد نفى وجود هذا القسم، وإن قال به بعض أهل العلم، هذا معنى كلامه مع شيء من الزيادة للتوضيح.

стр. 337

• قوله: ١٠ - «وإذا انقطع دم النفساء- وإن كان قرب الولادة- اغتسلت وصلت، وإن تمادى بها الدم؛ جلست ستين ليلة، ثم اغتسلت، وكانت مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ». ولادة المرأة تدعى نفاسا، وإذا وضعت المرأة فهي نفساء بضم النون وفتح الفاء، والجمع نفاس بكسر النون، ويقال نفست المرأة بالبناء للمعلوم والمجهول، فإذا حاضت قيل نفست للمعلوم لا غير، قاله ابن العربي. ودم النفاس مثل دم الحيض فيما له من الأحكام، وفي عدم التوقيت للأقل منهما، فمتى انقطع دم النفاس؛ كانت المرأة طاهرا، دون التفات للمدة التي استغرقها نزول الدم، لتعليق كتاب الله تعالى النهي عن قربان النسان بالطهر، فإن تمادى بها الدم فهي نفساء ما لم تجاوز ستين يوما، هذه هي الرواية الأولى وهي المشهورة، وعن الإمام رواية أخرى قيل إنه رجع إليها، وهي الاعتماد على قول النساء أشار على ذلك ابن عبد البر في الإستذكار، والظاهر أن أقصى ما تبلغه النفساء أربعون يوما لما جاء عن أم سلمة قالت: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله ﷺ أربعين يوما، وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف» (١)، الورس نبات أصفر يصبغ به، والكلف بفتحتين شيء يعلو الوجه، بين السواد والحمرة المشوبة بكدرة، فكن يطلين وجوههن بالورس لإخفائه، ومعنى تجلس؛ أنها تكف عن الصلاة وغيرها مما لا يجوز للحائض، وجلوسها هذا كان في عهد التشريع، والنص يدل على شيوعه، وذلك مما تتوفر الدواعي على السؤال عنه فيكون من السنة التقريرية المرفوعة حكما، ومعلوم أن من طهرت قبل تلك المدة فإنها لا تجلس، فيكون المراد

стр. 338

أقصى ما تجلس، فإن قيل الواقع يشهد بتفاوت النساء في ذلك، وقد يستمر الدم بعد الأربعين، قيل يجوز أن يؤقت الشارع بما ذكر حسما للتردد والنزاع، وقد يقال إن هذا جاء على الغالب فلا دليل فيه، وقد بين ابن أبي زيد في النوادر - القول في النفساء - وجه عدم الأخذ بهذا الحديث في المذهب، فقال: «والذي قيل من تربص النفساء أربعين ليلة؛ أمر لم يقو، ولا عمل به عندنا».

стр. 339

٣ - باب طهارة الماء، والثوب، والبقعة، وما يجزئ من اللباس في الصلاة الطهارة من الوسائل، والصلاة من المقاصد، فقدمت الآولى على الثانية، والطهارة نفسها عبادة وقربة، غير أنها تفعل لغيرها لا لذاتها، وقد قدم الإمام مالك ﵀ في موطئه وقوت الصلاة على غيره، وذلك لأن الطهارة إنما يطالب بها المكلف إذا دخل وقت الصلاة، فيتعين عليه أن يعرف الوقت لكونه ظرفا يتوجه إليه الطلب فيه، وإن كان تقديمها عليه مجزئا في الوضوء باتفاق، وفي التيمم على الصحيح، والله أعلم. وقد تحدث المصنف هنا عن أشياء المعهود عند أهل الفقه أن تذكر في كتاب الصلاة لكونها شروطا فيها، نحو طهارة الثوب، والبقعة، وما يجزئ من اللباس في الصلاة، لكنه لما ذكر طهارة الماء؛ ناسب أن يذكر طهارة الثوب والبقعة وغير ذلك، والمقصود بطهارة الماء صلاحيته للتطهر به من الحدث والخبث، وإلا فإن الطاهر من الماء قد لا يصلح لرفع الحدث، وحكم الخبث كما سيأتي.

стр. 340

• قوله: ١ - «والمصلي يناجي ربه، فعليه أن يتأهب لذلك بالوضوء أو بالطهر إن وجب عليه الطهر». التأهب يكون بالباطن والظاهر، أما الأول: فباستحضار المؤمن أنه مقبل على الوقوف بين يدي ربه في أعظم ركن بعد الشهادتين، فينبغي أن يكون خاشعا مخبتا خاضعا راجيا ثواب الله، وذلك ما يتحقق بالنية نية العبادة المعينة، ونية التقرب بالعمل إلى الله تعالى، كما قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البيِّنة: ٥]. وأما الثاني: فإن الصلاة لا تصح بدون طهارة بإجماع المسلمين، إلا فاقد الطهورين ففي وجوبها عليه وفي إجزائها إن صلاها بدونهما خلاف، والصواب: الإجزاء، ولا إعادة عليه لأن الأوامر منوطة بالاستطاعة فلا يترك المتيسر للمتعذر، ودليله ما ثبت في سبب نزول آية التيمم من صلاة المسلمين حين فقدوا الماء في بعض الغزوات فصلوا، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة (١). وإنما قيد المؤلف الغسل بما إذا وجب عليه، ولم يقيد الوضوء بذلك، لأن الغسل لا يشرع تجديده، بل قيل إنه من غير موجب بدعة، والمقصود عدم اشتراعه دون سبب شرعي، سواء كان حكمه الإيجاب أو غيره كاستحباب غسل غاسل الميت، وغسل الجمعة عند من لم يوجبه، وغسل العيد والإحرام. أما الوضوء فإن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر: «إنك فعلت شيئا لم تكن

стр. 341

فعلته»، فقال: «عمدا فعلته» (١)، والمذهب أن الوضوء يستحب تجديده إذا فعل به ما هو مطلوب فيه. أما أن المصلي يناجي ربه فللحديث الذي في الموطإ (١٧٤) عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون، وقد علت أصواتهم، فقال: «إن المصلي يناجي ربه، فلينظر أحدكم بم يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن» (٢)، وفيه دليل على النهي عن رفع الصوت لقراءة القرأن في المسجد لغير المصلى من باب أولى. وروى الشيخان (٣) عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه، فلا يتفلن عن يمينه ولكن تحت قدمه اليسرى»، والمناجاة المسارة.

стр. 342

• قوله: ٢ - «ويكون ذلك بماء طاهر، غير مشوب بنجاسة، ولا بماء قد تغير لونه لشيء خالطه من شيء نجس أو طاهر». الماء الذي تحصل به الطهارة هو الماء المطلق، أي الذي يصدق عليه هذا الاسم بلا قيد، قال الله تعالى: «فلم تجدوا ماء»، فعلق الانتقال إلى التيمم على عدم وجود الماء، فدل على أنه لا يصح التطهر بغيره، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. والمشوب المخلوط، ومتى حكم على الشيء بأنه نجس، وخالط الماء، فتغير أحد أوصافه التي هي اللون والطعم والريح؛ فإنه لا يصلح للطهارة، لكن الحكم على الشيء بأنه نجس يتوقف على الدليل، كالحكم عليه بأنه حرام لا فرق بينهما، فالعناية بمعرفة الأعيان الطاهرة والنجسة مطلوبة، والمؤلف لم يتعرض لذلك، وينبغي أن يعلم أنه يلزم من الحكم بنجاسة الشيء الحكم بتحريمه، لأن الله تعالى قال في صفات نبينا محمد ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والنجس من الخبائث، ولا يلزم من الحكم بحرمة الشيء الحكم بنجاسته، فإن الخلاف قائم بين العلماء في نجاسة أشياء هم متفقون على حرمتها كالدم والخمر مع أن تحريمهما بالإجماع، وهم لم يختلفوا في حرمة شيء اتفقوا على نجاسته كالعذرة وبول الآدمي. وكأن المؤلف في قوله عن الماء «غير مشوب بنجاسة»؛ أشار إلى قول في المذهب، وهو أن قليل الماء ينجسه قليل النجاسة دون شرط تغير واحد من الأوصاف الثلاثة، متى عرف أنه قد شيب بالنجاسة، وعليه فالماء هنا مقيد بكونه آنية وضوء، وسيأتي للؤلف التصريح بذلك، فكان الاستغناء عنه هنا أولى، واعتبره بعضهم تكرارا مع قوله الآتي: «وقليل الماء ينجسه قليل النجاسة». وأما أن الماء المتغير لونه بنجس أو طاهر؛ غير صالح للطهارة، فلأنه بذلك خرج

стр. 343

عن أصله، وهو كونه ماء مطلقا، وقد قال رسول الله ﷺ : «إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (١)، وإنما اقتصر المؤلف على ذكر اللون دون ما بعده؛ «لأن تغير الطعم والريح لا يوجدان غالبا إلا مع تغير اللون، بخلافه، فقد يتغير دون الطعم والريح»، هكذا قال الحافظ الغماري في مسالك الدلالة، وأنت خبير بأن الأمر لو كان كذلك، فاللائق أن يقول: «ولا بماء قد تغير طعمه أو ريحه»، لكونهما يلزم من تغيرهما تغير اللون غالبا، ولذلك فالأولى قول التتائي: «ولعل اقتصاره على اللون لاستلزامه تغير الريح والطعم غالبا». واعلم أن ما ذكر من أن تغير الماء بطاهر يسلبه وصف الطهورية هو المشهور في المذهب، لكن قال ابن رشد في بداية المجتهد: «وقد روي عن مالك باعتبار الكثرة في المخالطة والقلة والفرق بينهما، فأجازه مع القلة وإن ظهرت الأوصاف، ولم يجزه مع الكثرة» انتهى، ومعنى هذه الرواية عن الإمام؛ أن الماء المضاف إذا بقي له هذا الاسم؛ فإنه لا يفقد الطهورية بما خالطه من الأعيان الطاهرة، وهو الذي يؤخذ من قول النبي ﷺ لغاسلات بنته ﵅: «اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن بماء وسدر،،، الحديث، وسيأتي، وهو قول ابن رشد، واختيار ابن تيمية وابن القيم وابن باز ﵏، وقيل عن الحديث إنه يدل على أن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير، فلا يكون فيه بناء على هذا؛ حجة لما ذكر. وأمارات التعبد واضحة في غسل الميت، ومع ذلك فقد جاء ما يدل على الأمر المذكور في غير هذا الحديث إذ روى النسائي (١/ ٢٠٢) تحت ترجمة (الاغتسال في قصعة فيها أثر العجين) عن أم هانئ «أن رسول الله ﷺ اغتسل هو وميمونة من إناء واحد من قصعة فيها أثر العجين»، وقد احتج به الحافظ في التلخيص الحبير.

стр. 344

• قوله: ٣ - «إلا ما غيرت لونه الأرض التي هو بها، من سبخة، أو حمأة، أو نحوهما». السَبَخة بفتحتين الأرض المالحة، والحمأة بفتح الحاء وسكون الميم هي الأرض بها الماء المتغير النتن، أما أن الماء الذي تغير بما ذكر مستثنى مما تقدم؛ فلأن هذا تغير بقراره، وبما لا ينفك عنه غالبا، فيتعذر الاحتراز منه، والحرج مرفوع عن هذه الأمة المرحومة، ولذلك نقلوا الإجماع على كونه طاهرا، وينبغي أن يلحق به ما تغير بسبب ما يضاف الآن إلى الماء في الحواضر من المواد المطهرة كماء الجافيل ونحوه، لأنه ينطبق عليه ما ذكر من عدم المفارقة، والله أعلم.

стр. 345

• قوله: ٤ - «وماء السماء، وماء العيون، وماء الآبار، وماء البحر طيب طاهر مطهر للنجاسات». لعل المؤلف إنما سرد هذه الأنواع ليرد على من خالف في بعضها، كما سيأتي، فإن أصل الماء كله أنه أنزل من السماء، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]، وقد حكم الله تعالى بطهوريته، فيكفي ذلك دليلا على صلاحيته، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزُّمَر: ٢١]، وتغير المكان الذي يعثر فيه على الماء لا يخرجه عن الحكم الذي ناطه الله تعالى به وهو كونه طاهرا، ومن العجب أن يذهب بعضهم إلى عدم الطهارة بماء الآبار اعتمادا على أن الله تعالى إنما وصف بالطهور الماء المنزل من السماء، ولعله لذلك تكلف بعضهم الاستدلال على صلاحية ماء الآبار بحديث بئر بضاعة، والمسألة إجماعية فلا داعي لتكلف الاستدلال عليها، فإن الله تعالى شرع الانتقال للتيمم لمن لم يجد ماء كما تقدم، ومجرد انتقال الماء من مكان إلى مكان، لا يسلبه الوصف الذي خلقه الله عليه، بل حتى انتقاله من صورة إلى صورة لا يغير من الأمر شيئا، وفي الحديث الصحيح في دعاء الاستفتاح: «اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد»، وقال خليل في مختصره: «وإن جمع من ندى أو ذاب بعد جموده». وقد ذهب بعض العلماء إلى عدم التطهر بماء زمزم لكونه قد وصف بأنه طعام في قوله ﷺ : «طعام طعم، وشفاء سقم»، وقد تطهر الصحابة بالماء الذي نبع من بين أصابع النبي ﷺ ، وهو أشرف من ماء زمزم، وروى عبد الله بن أحمد في زوائد مسند أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ دعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ»، وخير الهدي هديه، وفعله قدوة.

стр. 346

أما ماء البحر فقد روى مالك (١) ومن طريقه أصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ به»؟، فقال رسول الله ﷺ : «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». ومحل الدليل منه قوله: «هو الطهور ماؤه»، ولم يخالف في هذا إلا من شذ، ولعل الحديث لم يبلغه، أما قوله «الحل ميتته»؛ ففيه دليل على جواز زيادة المجيب عما سئل عنه على وجه التعليم مما يكون السائل في حاجة إليه، لأن راكب البحر محتاج إلى معرفة هذا الحكم فبينه له، كما يجوز له العدول عن الجواب إلى غيره إذا رأى في ذلك مفسدة، أو تنطعا من السائل وتعنتا.

стр. 347

• قوله: ٥ - «وما غير لونه بشيء طاهر حل فيه؛ فذلك الماء طاهر غير مطهر في وضوء أو طهر أو زوال نجاسة، وما غيرته النجاسة؛ فليس بطاهر ولا مطهر، وقليل الماء ينجسه قليل النجاسة، وإن لم تغيره». الماء المتغير إما أن يكون مغيره طاهرا أو نجسا، ومع كل منهما يفقد صفة الماء المطلق، ثم يعطى حكم مغيره، فإن كان طاهرا؛ فالماء طاهر يصلح للعادات كالشرب، ولا يصلح للعبادات من رفع الحدث بقسميه، ولا يرفع حكم الخبث، لأنه صار من جملة المائعات غير الماء، وإن كان مغيره نجسا لم يصلح لواحد منهما أما أن قليل الماء ينجسه قليل النجاسة وإن لم تغيره؛ فهو رواية ابن القاسم وابن وهب رحمهما الله عن مالك (١) في الجنب يمس فرجه بيمينه، ثم يدخلها في الإناء قبل أن يغسلها، ولا يعلم أنه أصابت يده شيئا؛ قال يبدل ذلك الماء،،،»، وهي من المسائل التي قيل إنهم راعوا فيها الخلاف فقالوا بالكراهة وقد استدل لهذه الرواية بنهي النبي ﷺ من استيقظ من نومه أن يغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها، وسيأتي، والمشهور عدم التنجس إلا بتغير أحد الأوصاف الثلاثة، ودليله ما ثبت عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟، وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال رسول الله ﷺ : «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» (٢)، والحيض بكسر الحاء وفتح الياء جمع حيضة بكسر الحاء كذلك، وتسمى المحائض جمع محيضة، وهي الخرق التي تتطهر بها النساء من الحيض، والنتن بفتح النون وسكون التاء ما كانت رائحته كريهة كالقاذورات والأوساخ، وقول الراوي «وهي بئر يلقى فيها،،،» الخ، ينبغي حمله على أن الإلقاء ليس

стр. 348

باختيار الناس كما يوهمه اللفظ، بل هو بفعل السيول والرياح ونحوهما، فإن هذا أمر لا يفعله العقلاء من غير المسلمين، فكيف يفعله المسلم، ولا سيما في بلد معروف بندرة المياه، وقد نهوا عن التخلي في الموارد ونحوها. فإن قيل: فقد ثبت عن عبد الله بن عمر قال: «سمعت رسول الله ﷺ وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» (١)، وعدم حمل الماء الخبث؛ معناه عدم التنجس، ومفهومه أن ما دون القلتين ينجس، ولو لم يتغير أحد أوصافه؛ فالجواب: أن الحديث دل على تنجس ما دون القلتين بالمفهوم، والذي قبله دل على عدم التنجس بالمنطوق، والمنطوق يقدم على المفهوم عند التعارض، وقد طعن ابن القيم في ثبوت هذا الحديث. أما من قال من أهل المذهب إن استعمال هذا الماء مكروه إذا وجد غيره؛ فنعم، لأن المرء إذا تيسر له أن يفعل ما لاخلاف في إجزائه؛ كان ذلك أولى. وفي النوادر قال أبو الفرج: «روى أبو مصعب عن مالك أن الماء كله طهور إلا ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه، لنجس حل فيه، معينا كان أو غيره». قال غير واحد من البغداديين: وهذا الأصل عند مالك، وما وقع له غير هذا فعلى الاستحباب والكراهة»، انتهى، وقد قدرت القلتان بنحو خمس قرب (٢)، وقدر ذلك أصحاب الشافعي بخمس مائة رطل، وهم الذين ذهبوا إلى التفصيل السابق، وتقديرهما بالمعايير الحالية نحو (١٨٠) لترا، والله أعلم.

стр. 349

• قوله: ٦ - «وقلة الماء مع إحكام الغسل سنة، والسرف منه غلو وبدعة». إحكام الغسل هو إتقانه، والسرف في الماء؛ مجاوزة الحد الذي يكفي منه، والحد الذي يكفي يختلف باختلاف الناس، والمراد أن تقليل الماء سنة، ومقابله مخالف لهدي النبوة. وقد روى أبو داود (١) أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: «اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بني، سل الله الجنة وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء»، وروي عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء» (٢).

стр. 350

• قوله: ٧ - «وقد توضأ رسول الله ﷺ بمد، وهو وزن رطل وثلث، وتطهر بصاع، وهو أربعة أمداد بمده ﵊». هذا كله في الصحيح، فعن أنس قال: «كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد»، غير أن بعض أهل العلم اعتبروا هذا تحديدا، والصواب: أنه ليس بيانا للقدر اللازم بحيث لا يجوز الوضوء أو الغسل بأقل منه ولا بأزيد، بل المقصود الحض على الاكتفاء بالقدر القليل، ويؤيده قول أنس: «كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد»، مما يعني الزيادة والنقصان، وقد ورد عن النبي ﷺ غير ما ذكر من المقادير منها ما رواه أبو داود (١) عن أم عمارة، وفيه أنه «توضأ فأتي بإناء قدر ثلثي المد»، وروى البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، بقال له الفرق»، والفرق ثلاثة آصع كما هو تفسير سفيان، وابن القاسم في العتبية، والمد يقدر بنحو تسعة وستين (٦٩) جزءا من اللتر، والصاع بنحو لترين وستة وسبعين (٧٦) من أجزاء اللتر، وجاء في ذالك سنة قولية، وهي قوله ﷺ : «الغسل صاع، والوضوء مد» (٢).

стр. 351

• قوله: ٨ - «وطهارة البقعة في الصلاة واجبة، وكذلك طهارة الثوب، فقيل إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض، وقيل وجوب السنن المؤكدة». أما أن طهارة البقعة واجبة في الصلاة، فلحديث أبي هريرة أن أعرابيا بال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : «دعوه»، وهريقوا على بوله سجلا من ماء، أو ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» (١)، هَريقوا هو بفتح الهاء معناه صبوا، والسجل بفتح السين وسكون الجيم ومثله الذنوب بفتح الذال؛ الدلو الكبيرة إذا كانت ملآى، وقوله بعثتم المبعوث إنما هو رسول الله ﷺ ، لكن لما كان أتباعه مطالبين بالتبليغ عنه مكلفين بالدعوة إلى ما جاء به؛ وصفهم بما هو خاص به. وفي طهارة الثوب يقول الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدَّثر: ٤]، والأمر بتطهير الثياب يدل من باب أولى على تطهير البدن، وإن حمل ذلك الأمر على عموم الأوقات حصل الاستدلال، بل الصلاة أولى أن تطهر لها الثياب، لأن العبد يناجي فيها ربه، وإذا صح ما قيل من الاتفاق على عدم وجوب ذلك خارج الصلاة؛ بقيت الصلاة، فكان ذلك واجبا فيها، والذي يظهر حمل الثياب على حقيقتها، فإن الرجز بعدها هو عبادة الأوثان وهي أكبر المعاصي، وفي هجرانه تزكية للنفس وطهارة لها، ويرجحه مناسبة تطهير الثياب لما قبلها من تكبير الله تعالى، ولا مانع من تفسير تطهير الثياب بتطهير القلب من الأرجاس المعنوية، فإن ذلك من جملة لغة العرب، وقد شبه هذا بهذا في قوله ﷺ في الدعاء للميت: «ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»، وأطلق امرؤ القيس الثياب على النفس في قوله:

стр. 352

فإن تك قد ساءتك مني خليقة … فسلي ثيابي من ثيابك تنسل وقال السموأل: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه … فكل رداء يرتديه جميل ومن الأدلة أمر النبي ﷺ بغسل الذكر من المذي، وقد تقدم، ومن ذلك حديث أبي سعيد الخدري قال: «بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم؛ ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ ؛ قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟، قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ : «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا» (١)، والقذر بفتحتين ما يتقذر وهو هنا النجاسة، وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على عدم وجوب إزالة النجاسة لكونه ﷺ خلع نعليه، ولم يستأنف الصلاة، وهذا فيه نظر، فإنه لا يسلم لقائله إلا بعد التسليم ببطلان صلاة من تذكر في صلاته نجاسة هي في ثوبه أو بدنه، والحديث دال على خلاف ذلك، كما أن دلالته على وجوب إزالة النجاسة بينة، وإلا ما تكلف النبي ﷺ خلع النعل في الصلاة، وسيأتي ذكر شيء من هذا في الكلام على الرعاف، والله أعلم. واعلم أن طهارة البدن والثوب والمكان قد اختلف فيها في المذهب على قولين هما الوجوب والسنية، كما ذكره المؤلف، ولم يحك ابن عبد البر في الكافي غير الثاني، والمؤلف لم يذكر البدن لأنه لا يلتبس أمره كما قد يحصل ذلك في الثوب والبقعة، وقد أشار إلى القولين خليل في مختصره بقوله: «هل إزالة النجاسة عن ثوب مصل، ولو طرف عمامته، وبدنه، ومكانه، لا طرف حصيره، سنة أو واجبة إن ذكر وقدر، وإلا أعاد الظهرين للإصفرار، خلاف» انتهى، وقد قيل إن الخلاف لفظي لاتفاق الجميع على وجوب الإعادة على الذاكر القادر، ولم يسلم هذا من طعن. أما الاستدلال للقول الثاني وهو عدم وجوب إزالة النجاسة بحديث ابن مسعود المتفق عليه، الذي وضع فيه بعض كفار قريش سلا جزور على ظهر رسول الله ﷺ :

стр. 353

«فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله ﷺ ؛ وضعه بين كتفيه، وثبت النبي ﷺ ساجدا،،، الحديث، فإن الاستدلال به وبما كان مثله ينبغي أن يسبقه التسليم بأمور، منها نجاسة ما ذكر، وتوفر القدرة على إزالة النجاسة في تلك الواقعة، ومنها أن هذه واقعة عين، وهي مع ذلك على وفق البراءة الأصلية، والله أعلم.

стр. 354

• قوله: ٩ - «وينهى عن الصلاة في معاطن الإبل، ومحجة الطريق، وظهر بيت الله الحرام، والحمام حيث لا يوقن منه بطهارة، والمزبلة، والمجزرة، ومقبرة المشركين، وكنائسهم». لما تكلم المؤلف على طهارة الثوب والمكان، وكان هناك مواضع ورد النهي عن الصلاة فيها؛ ذكرها هنا، وهي ثمانية وردت مجموعة باستثناء الأخير في حديث ابن عمر، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يصلى في سبع مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق الكعبة» (١). ومحجة الطريق بفتح الميم والحاء قارعتها، موضع السير، والمزبلة بفتح الباء وضمها موضع طرح الزبل بالكسر والمصدر بالفتح، والمجزرة بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الزاي الموضع الذي يذبح فيه وينحر، والنهي عندهم في الثلاثة للكراهة لأنها مواضع يشك في إصابتها بالنجاسة، فإن تيقن الطهارة فلا كراهة، وقال رسول الله ﷺ : «لاتنزلوا على جواد الطرق ولاتقضوا عليها الحاجات» وهو في الصحيحة (٢٤٣٣). ومما جاء النهي عن الصلاة فيه: مبارك الإبل، وذلك في حديث جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : «صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل» (٢)، والمرابض: جمع مربض بفتح الميم وكسر الباء موضع الربوض، يقال ربض

стр. 355

بالمكان إذا أقام به، والأعطان: جمع عطن بفتح العين والطاء، هي مبارك الإبل حول الماء، وتسمى أيضا معاطن كما في بعض الروايات جمع معطن بضبط مربض والمشهور أن علة النهي عن الصلاة في معاطن الإبل معنوية، وهو الحق كما جاء في سنن أبي داود (١) عن البراء بن عازب بعد النهي عن الصلاة فيها قوله ﷺ : «فإنها من الشياطين»، وقال عن الصلاة في مرابض الغنم «إنها بركة»، والاعتراض على ذلك بصلاة النبي ﷺ إلى بعيره كما صح من حديث ابن عمر، وبصلاته النافلة على راحلته في السفر ليس مما يروج في سوق الحجاج، وإلا لمنع الركوب عليها أصلا، وقيل حسية وهي النجاسة، وهو منقوض بمبارك الغنم، إذ لا فرق بينهما، وقد أمر الشارع بالصلاة في مبارك الغنم لئلا يتوهم إلحاقها بمعاطن الإبل. وفي النوادر من المجموعة قال ابن القاسم، قال مالك: «لا يصلى في عطن الإبل، وإن لم يجد غيره، وإن بسط ثوبا»، وهذا يدل على أن العلة ليست حسية، وقد يؤخذ منه التحريم، واختلفوا في الإعادة، فقال ابن حبيب بالإعادة أبدا، ومن العجب أن بعضهم قال يعيد نذبا أبدا ثم إن غالب علماء المذهب على أن المعاطن هي مبارك الإبل بعد الشرب خاصة، والظاهر أنها المبارك عموما، وأن الأحاديث التي ذكرت المعاطن إنما نصت على بعض الأفراد، وترجم بذلك البخاري فقال: «الصلاة في مواضع الإبل». وفي حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة» (٢). وتقييد المؤلف الحمام بالموضع الذي لا يوقن منه بطهارة؛ يدل على أنهم يرون العلة حسيّة. وفي العتبية عن مالك قال: «لا بأس بالصلاة في الموضع الطاهر من الحمام، وأن يقرأ فيه مثل الآيتين والثلاثة»، وقيل إن العلة في الحمام كونه مأوى الشياطين.
следующие страницы →