• قوله:
٨ - «وطهارة البقعة في الصلاة واجبة، وكذلك طهارة الثوب، فقيل إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض، وقيل وجوب السنن المؤكدة».
أما أن طهارة البقعة واجبة في الصلاة، فلحديث أبي هريرة أن أعرابيا بال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : «دعوه»، وهريقوا على بوله سجلا من ماء، أو ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» (١)، هَريقوا هو بفتح الهاء معناه صبوا، والسجل بفتح السين وسكون الجيم ومثله الذنوب بفتح الذال؛ الدلو الكبيرة إذا كانت ملآى، وقوله بعثتم المبعوث إنما هو رسول الله ﷺ ، لكن لما كان أتباعه مطالبين بالتبليغ عنه مكلفين بالدعوة إلى ما جاء به؛ وصفهم بما هو خاص به.
وفي طهارة الثوب يقول الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدَّثر: ٤]، والأمر بتطهير الثياب يدل من باب أولى على تطهير البدن، وإن حمل ذلك الأمر على عموم الأوقات حصل الاستدلال، بل الصلاة أولى أن تطهر لها الثياب، لأن العبد يناجي فيها ربه، وإذا صح ما قيل من الاتفاق على عدم وجوب ذلك خارج الصلاة؛ بقيت الصلاة، فكان ذلك واجبا فيها، والذي يظهر حمل الثياب على حقيقتها، فإن الرجز بعدها هو عبادة الأوثان وهي أكبر المعاصي، وفي هجرانه تزكية للنفس وطهارة لها، ويرجحه مناسبة تطهير الثياب لما قبلها من تكبير الله تعالى، ولا مانع من تفسير تطهير الثياب بتطهير القلب من الأرجاس المعنوية، فإن ذلك من جملة لغة العرب، وقد شبه هذا بهذا في قوله ﷺ في الدعاء للميت: «ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»، وأطلق امرؤ القيس الثياب على النفس في قوله:
стр. 352
فإن تك قد ساءتك مني خليقة … فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
وقال السموأل:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه … فكل رداء يرتديه جميل
ومن الأدلة أمر النبي ﷺ بغسل الذكر من المذي، وقد تقدم، ومن ذلك حديث أبي سعيد الخدري قال: «بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم؛ ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ ؛ قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟، قالوا: رأيناك ألقيت نعلك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ : «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا» (١)، والقذر بفتحتين ما يتقذر وهو هنا النجاسة، وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على عدم وجوب إزالة النجاسة لكونه ﷺ خلع نعليه، ولم يستأنف الصلاة، وهذا فيه نظر، فإنه لا يسلم لقائله إلا بعد التسليم ببطلان صلاة من تذكر في صلاته نجاسة هي في ثوبه أو بدنه، والحديث دال على خلاف ذلك، كما أن دلالته على وجوب إزالة النجاسة بينة، وإلا ما تكلف النبي ﷺ خلع النعل في الصلاة، وسيأتي ذكر شيء من هذا في الكلام على الرعاف، والله أعلم.
واعلم أن طهارة البدن والثوب والمكان قد اختلف فيها في المذهب على قولين هما الوجوب والسنية، كما ذكره المؤلف، ولم يحك ابن عبد البر في الكافي غير الثاني، والمؤلف لم يذكر البدن لأنه لا يلتبس أمره كما قد يحصل ذلك في الثوب والبقعة، وقد أشار إلى القولين خليل في مختصره بقوله: «هل إزالة النجاسة عن ثوب مصل، ولو طرف عمامته، وبدنه، ومكانه، لا طرف حصيره، سنة أو واجبة إن ذكر وقدر، وإلا أعاد الظهرين للإصفرار، خلاف» انتهى، وقد قيل إن الخلاف لفظي لاتفاق الجميع على وجوب الإعادة على الذاكر القادر، ولم يسلم هذا من طعن.
أما الاستدلال للقول الثاني وهو عدم وجوب إزالة النجاسة بحديث ابن مسعود المتفق عليه، الذي وضع فيه بعض كفار قريش سلا جزور على ظهر رسول الله ﷺ :
стр. 353
«فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله ﷺ ؛ وضعه بين كتفيه، وثبت النبي ﷺ ساجدا،،، الحديث، فإن الاستدلال به وبما كان مثله ينبغي أن يسبقه التسليم بأمور، منها نجاسة ما ذكر، وتوفر القدرة على إزالة النجاسة في تلك الواقعة، ومنها أن هذه واقعة عين، وهي مع ذلك على وفق البراءة الأصلية، والله أعلم.
стр. 354
• قوله:
٩ - «وينهى عن الصلاة في معاطن الإبل، ومحجة الطريق، وظهر بيت الله الحرام، والحمام حيث لا يوقن منه بطهارة، والمزبلة، والمجزرة، ومقبرة المشركين، وكنائسهم».
لما تكلم المؤلف على طهارة الثوب والمكان، وكان هناك مواضع ورد النهي عن الصلاة فيها؛ ذكرها هنا، وهي ثمانية وردت مجموعة باستثناء الأخير في حديث ابن عمر، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يصلى في سبع مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق الكعبة» (١).
ومحجة الطريق بفتح الميم والحاء قارعتها، موضع السير، والمزبلة بفتح الباء وضمها موضع طرح الزبل بالكسر والمصدر بالفتح، والمجزرة بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الزاي الموضع الذي يذبح فيه وينحر، والنهي عندهم في الثلاثة للكراهة لأنها مواضع يشك في إصابتها بالنجاسة، فإن تيقن الطهارة فلا كراهة، وقال رسول الله ﷺ : «لاتنزلوا على جواد الطرق ولاتقضوا عليها الحاجات» وهو في الصحيحة (٢٤٣٣).
ومما جاء النهي عن الصلاة فيه: مبارك الإبل، وذلك في حديث جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : «صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل» (٢)، والمرابض: جمع مربض بفتح الميم وكسر الباء موضع الربوض، يقال ربض
стр. 355
بالمكان إذا أقام به، والأعطان: جمع عطن بفتح العين والطاء، هي مبارك الإبل حول الماء، وتسمى أيضا معاطن كما في بعض الروايات جمع معطن بضبط مربض
والمشهور أن علة النهي عن الصلاة في معاطن الإبل معنوية، وهو الحق كما جاء في سنن أبي داود (١) عن البراء بن عازب بعد النهي عن الصلاة فيها قوله ﷺ : «فإنها من الشياطين»، وقال عن الصلاة في مرابض الغنم «إنها بركة»، والاعتراض على ذلك بصلاة النبي ﷺ إلى بعيره كما صح من حديث ابن عمر، وبصلاته النافلة على راحلته في السفر ليس مما يروج في سوق الحجاج، وإلا لمنع الركوب عليها أصلا، وقيل حسية وهي النجاسة، وهو منقوض بمبارك الغنم، إذ لا فرق بينهما، وقد أمر الشارع بالصلاة في مبارك الغنم لئلا يتوهم إلحاقها بمعاطن الإبل.
وفي النوادر من المجموعة قال ابن القاسم، قال مالك: «لا يصلى في عطن الإبل، وإن لم يجد غيره، وإن بسط ثوبا»، وهذا يدل على أن العلة ليست حسية، وقد يؤخذ منه التحريم، واختلفوا في الإعادة، فقال ابن حبيب بالإعادة أبدا، ومن العجب أن بعضهم قال يعيد نذبا أبدا ثم إن غالب علماء المذهب على أن المعاطن هي مبارك الإبل بعد الشرب خاصة، والظاهر أنها المبارك عموما، وأن الأحاديث التي ذكرت المعاطن إنما نصت على بعض الأفراد، وترجم بذلك البخاري فقال: «الصلاة في مواضع الإبل».
وفي حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة» (٢).
وتقييد المؤلف الحمام بالموضع الذي لا يوقن منه بطهارة؛ يدل على أنهم يرون العلة حسيّة.
وفي العتبية عن مالك قال: «لا بأس بالصلاة في الموضع الطاهر من الحمام، وأن يقرأ فيه مثل الآيتين والثلاثة»، وقيل إن العلة في الحمام كونه مأوى الشياطين.
стр. 356
والصواب: ترك الصلاة في الحمام من غير نظر إلى شيء من ذلك، لكن الذي يظهر أن المراد بالحمام البيت الذي يستحم فيه بخاصة لا عموم البناء المسمى بذلك كما ذهب إليه بعض أهل العلم.
والمقبرة كما ترى لم تقيد بكونها للمشركين، لا في حديث أبي سعيد، ولا في حديث المواضع السبعة المتقدم، وقد قيدها المؤلف بذلك، لما في الواضحة قال: «وتأويل ما ذكر من المقبرة أنها مقبرة المشركين، لأنها حفرة من حفر النار، أما مقبرة المسلمين فلا، عامرة كانت أو داثرة.
قال مالك: «وكان الصحابة يصلون فيها.
قال غيره: وقد صلى النبي ﷺ على قبر السوداء»، فهذا هو وجه تقييد المؤلف للمقبرة بكونها للمشركين.
وقد رأيت أن علة النهي عن الصلاة في مقبرة المسلمين حسية في مشهور المذهب، وهي نجاسة الدماء وصديد الموتى، فإذا تؤكد من طهارة البقعة عندهم جازت الصلاة، وقيل تكره مطلقا، ووجهه إما للشك في الطهارة، أو لأن العلة غير حسية وهو الحق، وهو رواية أبي مصعب عن مالك، وهو قول اللخمي كما في حاشية الشيخ علي الصعيدي العدوي، مع العلم أن الإمام إذا نقلت عنه الكراهة؛ فلا يلزم أنه يريد بها التنزيهية، لأنها اصطلاح حادث، وسأتعرض لهذا المعنى في حكم البناء على القبر.
قال الشيخ الصعيدي مبيّنا وجه رواية أبي مصعب وقول اللخمي: «ووجهه الالتفات إلى عموم النهي، ولأن أصل عبادة الأوثان؛ اتخاذ قبور الصالحين مساجد، ووجه المعتمد الذي هو القول بالجواز؛ الأمن من ذلك على هذه الأمة، كما ذكره الفاكهاني،،،».
قلت: أين الأمن من ذلك على هذه الأمة، والواقع شاهد بخلاف ما قالوه؟، فينبغي لهم أن يقولوا بالمنع إذا كان المعتمد هو الواقع، على أن هذا ليس مما يراعى الواقع في حكمه.
أما مقبرة المشركين ففيها عندهم علة أخرى كما رأيت، وهي علة معنوية، والحق أن العلة ليست حسية في مقبرة المسلمين، ولا مانع أن يكون في مقبرة المشركين أكثر من علة،
стр. 357
وهو كونها دار العذاب والدليل على ذلك أن النبي ﷺ حين أراد أن يبني مسجده نبش مقبرة المشركين وأقامه عليها، وذلك يعني زوال وصف المقبرة عن البقعة بالنبش، ولا ريب أن النبش يثير العظام ويبعث المخبوء من الصديد، فلو كانت العلة حسية؛ لكان ترك النبش هو المطلوب، ومن العجب أن بعض علماء المذهب يحتج بذلك النبش على كون العلة حسية، وكأنه ظن أن النبش يعني إزالة تراب القبور ونقله إلى مكان آخر.
قال زروق: «وألحق بمقابر المشركين مقابر المسلمين إذا نبشت».
وقال أبو الحسن: «فإن كانت غير منبوشة؛ وليس في موضع الصلاة شيء من أجزاء المقبورين فالمشهور الجواز»، ويرد هذا إن لم يكن مرادهم بالنبش مجرد إثارة الأرض، لا إزالة وصف المقبرة عنها؛ أن النبي ﷺ ثبت عنه أنه نبش القبور وأقام عليها المسجد، وقد كانت قبورا للمشركين، ولم يفرش مسجده بشيء.
ومما يدلّ على أن العلة ليست حسية؛ أن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، وأجسادهم طاهرة، ومع ذلك كان اتخاذ قبورهم مساجد من الكبائر لاستحقاق فاعليها اللعن، قال النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، قالت عائشة: «لولا ذلك لأبرز قبره، خَشي أن يُتخذ مسجدا» (١).
وفي الموطإ (٢) مرسلا عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
قال ابن عبد البر: «وقد كره مالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان، وذلك والله أعلم مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى في مثل ذلك»، وإذا كان مالك قد كره مجرد تطلب موضع شجرة بيعة الرضوان، فكيف بمن صلى إلى القبر لتعظيمه أو للتبرك به؟ وهو قد روى في موطئه ما فيه اشتداد غضب الله على من اتخذ القبور قبور الأنبياء مساجد؟.
стр. 358
ومما يدلّ على أن العلة ليست حسية أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبر كما سيأتي، والصلاة إليه أن يكون أمام المصلي في مقبرة أو غيرها، جديدا كان القبر أو دارسا، وليس بلازم أن يكون هناك شيء مما ذكر من النجاسة، ومن ذلك حديث: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا» (١)، فإن المقصود أنكم إن لم تصلوا في بيوتكم؛ أشبهت المقابر في كونها لا يصلى فيها، ولا مانع أن يؤخذ منه عدم جواز اتخاذ البيت مقبرة وهذا هو الظاهر، وقد جاء في صحيح مسلم (٢) عن النبي ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم مقابر»، وإذا كنا منهيين عن جعل بيوتنا مقابر مع أنها ملك لنا، فكيف بجعل المسجد مقبرة، وهو ليس ملكا لأحد؟.
أما الصلاة على قبر من لم يصل عليه فلا ينبغي أن يحتج به على جواز الصلاة في المقبرة، لتزاحم مصلحة الصلاة على الميت مع مفسدة الصلاة في المقبرة، فغلبت مصلحة الصلاة على من لم يصل عليه.
فإن قيل: درء المفاسد مقدم، فالجواب: الصلاة على الميت في القبر نادرة، فلم تقارن مصلحة الصلاة عليه فتقدم، ولأن النهي لسد الذريعة فيباح للحاجة، ولحق الميت في ذلك حيث ينتفع بالدعاء له، وقبل ذلك وبعده لثبوته من فعله ﷺ ، ثم إن الصلاة على قبر من لم يصل عليه هي صلاة جنازة، فإذا ساغ الاحتجاج بذلك الحديث، أعني حديث الصلاة على القبر؛ فإنما يسوغ في خصوص صلاة الجنازة، لا على جواز مطلق الصلاة.
ومن الحجج على منع الصلاة في المقبرة: حديث أبي سعيد الخدري المتقدم: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»، ووجه الدلالة منه أنه استثنى الحمام والمقبرة من عموم ما يصلى فيه، ويمكن والله أعلم أن يقال إن فيه إيماء إلى أن الصلاة المرادة هي الصلاة ذات السجود لقوله «مسجد»، فإن المراد موضع السجود، فتكون صلاة الجنازة غير داخلة في الاستثناء، لكونها ليس شأنها أن تصلى في المسجد، كما هو السنة غالبا، ومن
стр. 359
الحجج قول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، والاتخاذ إنما يتحقق إذا بني على القبر مسجد، أو قصد المكان للصلاة فيه لأجل ذلك، أما مجرد الصلاة في مكان فيه قبر من غير قصد إليه؛ فليس هذا الحديث بالصريح في المنع منه، لأن هذا لا ينطبق عليه وصف الاتخاذ، نعم يتجه المنع لسد الذريعة، فكيف إذا ضم إليه ما عليه الناس من رقة الدين، وكثرة الشبهات؟.
أما أن يقال: إن المنع من الصلاة في شيء من البقع يتعارض مع ما ثبت للنبي ﷺ من الخصائص، ومنها أن الأرض جعلت له مسجدا وطهورا؛ فالصواب: أن لا معارضة، وإلا فإن من جوز الصلاة في المقبرة قد منعها في مواضع أخرى كما رأيت، ولم ير ذلك المنع مناقضا للامتنان، مع أن بعض ما قيل بالمنع من الصلاة فيه غير منصوص، فكيف بما نص عليه؟، فما جاء فيه النهي كان من قبيل تخصيص العام، ولا يقدح في الامتنان.
ومن أعاجيب الاستدلال على جواز الصلاة في المقبرة أن يقال: إن في المطاف سبعين نبيا مدفونا، وأن النبي ﷺ قد دفن في بيته، وما إلى ذلك مما يقوله من لا هم له إلا أن يعثر على متشابه يرد به المحكم، وحكم المتبع للمتشابه أن يحذر لأن الله تعالى سماه، وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن نحذرهم، وإلا فأين المقبرة في المطاف؟، وإذا كان من خصائص الانبياء أنهم يدفنون حيث قبضوا؛ فهل ذلك يعكر على ما شرعوا لأممهم من الأحكام؟ لكن بعض الناس توسعو فمنعوا الصلاة في كل مسجد إلى جواره قبر ولو كان خارج المصلى، فنصبوا آراء الناس أدلة ينبغي أن يرد إليها عند التنازع.
ومن المواضع التي لا يصلى فيها:
• مكان قضاء الحاجة وهو المسمى كنيفا ومرحاضا لقول النبي ﷺ : «إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء؛ فليقل أعوذ بالله من الخبث والخبائث» (١)، والحشوش جمع حش مثلث الحاء، هي أمكنة قضاء الحاجة.
قال في النهاية: وأصله من الحش:، وهو البستان، لأنهم كثيرا ما كانوا يتغوطون في
стр. 360
البساتين، ومحتضرة بفتح الضاد؛ تحضرها الشياطين، كما قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨].
وروي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث» (١)، وعلة النهي عن الصلاة خلف المتحدث أنه يشغل المصلي عن صلاته بكلامه، وعلة ذلك في النائم لما قد يحصل منه حال نومه، لكن كان النبي ﷺ يصلي وزوجه عائشة ممتدة أمامه وهو في الصحيح، وقد يكون ذلك لعدم إمكان غيره، لضيق البيوت.
وعن أبي مرثد الغنوي قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» (٢).
وقال البخاري: «ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال: القبر!! القبر!!، ولم يأمره بالإعادة».
وقوله القبر القبر المراد به التحذير، ولا يدل عدم أمره بالإعادة على عدم بطلان صلاة من تعمد الصلاة إلى القبر، إلا إذا وقع التسليم باستواء الجاهل والعامد في هذا الأمر مع العالم وغيرالمتعمد، وحال أنس يدل على أنه لم يكن متعمدا، فقد جاء في ذلك الأثر أنه جاز القبر وصلى، ولعل النهي عن الصلاة إلى القبر لكونه ذريعة إلى الإشراك بالله تعالى، فإن تعمد الصلاة إليه لا يكون إلا لغرض كالتعظيم، وقصد الانتفاع، والتبرك بالبقعة، ونحو ذلك، وكله غير مشروع، وإن تفاوت في الأثر.
• ومن ذلك مسجد الضرار، لقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]، أي لا تصل فيه.
قال القرطبي: «لا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه، والمنع من بنائه، لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فبيقى شاغرا، إلا أن تكون المحلة كبيرة لا يكفي أهلها مسجد واحد فيبنى حينئذ، إلى أن قال: كل مسجد بني على ضرار أو رياء وسمعة فهو
стр. 361
في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه.
• أما الكنيسة؛ فقد روى عبد الرزاق في المصنف (١) عن ابن عباس أنه كان يكره أن يصلى في الكنيسة إذا كان فيها تماثيل».
وفي العتبية عن مالك «إن وجد غير الكنائس فلا أحب أن يصلي فيها»، قال النقاش يلزم من هذا - يعني من النهي عن الصلاة في مسجد الضرار - أن لا يصلى في كنيسة ونحوها لأنها بنيت على شر.
قال القرطبي: «هذا لا يلزم، لأن الكنيسة لم يقصد ببنائها الضرر بالغير، وإن كان أصل بنائها على شر، وإنما اتخذ النصارى الكنيسة واليهود البيعة موضعا يتعبدون فيه بزعمهم كالمسجد لنا فافترقا، وقد أجمع العلماء على أن من صلى في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر أن صلاته ماضية جائزة»، انتهى.
ومشهور المذهب كراهة الصلاة في الكنيسة لا فرق بين الدارسة والجديدة، والذي يظهر أن الكراهة في الجديدة لما فيها من الصور والتماثيل، وكونها معبد الكفار، ولأنهم يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، وقد أفرد خليل الكنيسة ومعاطن الإبل عن قيد النجاسة في غيرها فقال: «وجازت بمربض بقر، أو غنم، كمقبرة ولو لمشرك، ومزبلة، ومحجة، ومجزرة، إن أمنت من النجس، وإلا فلا إعادة على الأحسن إن لم تتحقق، وكرهت بكنيسة ولم تعد، وبعطن إبل ولو أمن، وفي الإعادة قولان».
• أما الدار المغصوبة؛ فلما في الصلاة فيها من الاعتداء على ملك الغير، والظاهر انفكاك الجهة فتصح مع الإثم، والنهي عن الصلاة على ظهر البيت للتحريم لما فيه من ترك التوجه إليه، ورأى أشهب أن من صلى عليه لا يعيد، وقياس ظهر البيت أنهم لا يجيزون الصلاة تحته، وهو منصوص عليه في حاشية علي الصعيدي العدوي، لكن هذا إذا تحققت التحتية، ولا أحسب أنها تصدق على المصلى الأسفل في الحرم المكي، لكن النزاع قوي في صحة الصلاة به لعدم ارتباط المأموم بالإمام، لا برؤيته، ولا برؤية من يراه، ولا بصوته
стр. 362
المجرد، ولا بصوت المسمع كذلك.
• ومن ذلك دار العذاب؛ لكونها مما لا ينبغي أن يقيم المرء فيه، وقد صح قول النبي ﷺ : «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم» (١)، فمن دخلها على الصفة المذكورة واستمر على ذلك فله أن يصلي فيها، وإلا فلا، والمفروض في المصلي أن يكون خاشعا.
وقد روى عبد الرزاق (٢) عن عبد الله بن أبي المحل قال: «مررنا مع علي بالخسف الذي ببابل، فكره أن يصلي فيه حتى جاوزه».
• ومن ذلك الصلاة إلى التنور؛ لما في الصلاة إليه من التشبة بالذين يسجدون للنار، لكن ينبغي أن يفرق بين من يمكنه الابتعاد عنه، ومن لا يمكنه ذلك، وهو لا يقصد كما في المساجد التي فيها مدافئ، ويدل على هذا التفريق أن الله تعالى أرى النبي ﷺ النار في صلاة الكسوف، وقد قال: «أريت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع» (٣).
• ومن ذلك الصلاة إلى التماثيل؛ لما فيها من انشغال القلب عن الصلاة، كما في حديث عائشة الذي في الصحيح (٤): «أزيلي عني قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي».
• وقيل ذلك عن الصلاة في بطن الوادي؛ لكونه مأوى الشياطين، ورده ابن عبد البر بأن الشياطين في كل مكان، ومعرفة ذلك لا تتأتى للناس، ومعتمد القول بهذا ما روى أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة، وهو في (الموطإ ٢٤ و ٢٥) مرسلا عن سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم في رجوع النبي ﷺ من غزوة خيبر حيث عرسوا، وأمر بلالا أن يكلأ لهم الليل، فناموا حتى ضربتهم الشمس، فقال لهم: «تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه
стр. 363
الغفلة» (١)، وفي رواية لهذا الحديث: «ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان»، فيؤخذ منه أن من نام عن صلاة يشرع له أن لا يصليها في الموضع الذي نام عنها فيه، والتعريس نزول المسافر في أخر الليل ليستريح.
• ومما جاء النهي عنه الصلاة بين السواري، جمع سارية، وهي الأسطوانة التي يقام عليها السقف، ويشد بها البناء، والظاهر أن النهي خاص بالجماعة لثبوت التخصيص من فعل النبي ﷺ ، وأن علة النهي ما في ذلك من تقطيع الصف، وقيل لكونه موضع النعال، وقيل غير ذلك، والظاهر أن يقيد ذلك بما إذا اتسع المسجد، وبما إذا لم تترتب عليه مفسدة تقطيع صفوف أخرى أو مزاحمة في صف متقدم يُضَيق على الذين هم فيه، أو التأخر عن الدخول في الصلاة حتى يكتمل الصف المقطوع بالسارية وغير ذلك مما لاحظناه على بعض إخواننا الذين يفرون من الوقوع في نهي واحد فيقعون في مناه عدة، وقد جاء في هذه المسألة حديث أنس (٢) قال: «صلينا خلف أمير من الأمراء، فاضطرنا الناس، فصلينا بين الساريتين، فلما صلينا؛ قال أنس بن مالك: «كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ ».
• ومن ذلك الصلاة قدام الإمام، فإنها مكروهة في المذهب لغير حاجة، وتبطل الصلاة بذلك عند بعض أهل العلم كالحنابلة، لظاهر قول النبي ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به،،، الحديث، وكيف يأتم بالإمام من كان أمامه؟، ولقول النبي ﷺ : «تقدموا وائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله» (٣)، وهو دال على أن الذي يسوغ إنما هو ائتمام من لم ير الإمام بمن يراه، ومن كان أمام الإمام فإنه لا يراه، ولا يرى من يراه، وقد يقال يسمع صوته فيقوم ذلك مقام رؤيته، قيقال وإن لم يسمعه؟، لا
стр. 364
سيما إذا كان المعتمد في السماع آلات نقل الصوت، وتضخيمه، فإنها إذا انقطعت تقطعت الصلة بين الإمام ومن يأتم به فلا ينبغي اعتمادها في ارتباط المأموم بالإمام، والله أعلم.
وقد اختلف في تعليل النهي عن الصلاة في هذه المواضع، وفي محمل النهي هل هو الكراهة أو التحريم، وإذا اختلف الناس في محمل النهي، واختلفوا في التعليل؛ اختلفوا من ثم في صحة صلاة من واقع النهي، إما بسبب ما حملوا عليه النهي، أو بسبب اختلافهم في وجود العلة، والذي ينبغي أن يقال إن النهي متى صح عن الصلاة في موضع تعين الابتعاد عنه.
ومن طُرف الباب ما رواه عبد الرزاق (١) عن نافع بن جبير بن مطعم أن سلمان الفارسي كان يلتمس مكانا يصلي فيه، فقالت له علجة: التمس قلبا طاهرا، وصل حيث شئت، فقال: «فقهت»!!، والعلجة بكسر العين وسكون اللام مؤنث العلج الرجل من كفار العجم، وجواب سلمان من الفقه بمكان، فإن سلامة القلب مقصد شرعي مقدم على غيره، لكن من يظن بعوام المسلمين فضلا عن سلمان أنهم يأخذون دينهم عن العلوج؟؟، وهذه الأمة وسط بين النصارى المفرِّطين واليهود المفرطين.
стр. 365
• قوله:
١٠ - «وأقل ما يصلي فيه الرجل من اللباس ثوب ساتر، من درع أو رداء، والدرع القميص».
ستر المصلي عورته واجب لقول الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]، فقد نزلت في طواف المشركين بالبيت عراة كما هو في صحيح مسلم عن ابن عباس، فأخذ الزينة أقل ما يحمل عليه مواراة العورة، وهو تفسير مجاهد قال: «هو ما وارى عورتك ولو عباءة»، والمسجد يراد للصلاة، أو هو الصلاة، فدل على وجوب ستر العورة في الصلاة، وقد أمر النبي ﷺ أن لا يطوف بالبيت عريان (١)، ولحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال، قلت: «يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر»؟، قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك»، قلت: «فإذا كان القوم بعضهم في بعض»؟، قال: «فإن استطعت أن لا يراها أحد؛ فلا يرينها»، قلت: «فإذا كان أحدنا خاليا»؟، قال: «الله ﵎ أحق أن يستحيا منه» (٢)، والعورات جمع عورة؛ هي كل ما يستحيى منه إذا ظهر، أما هنا فهو ما يمنع إظهاره من الجسم، وقوله «ما نأتي منها وما نذر»؛ سأل عمن يجوز اظهارهاله ومن لا يجوز، وظاهره وجوب ستر المرء عورته ولو كان خاليا فيستتر حياء من ربه، والله يراه على كل حال، وقيل لا يجب الستر في الخلوة، واستدلوا على ذلك بالحديث الذي رواه البخاري في نزع أيوب ﵊ ثوبه، وفي الاستدلال به شيء، إلا بضميمة إقرار النبي ﷺ لما ذكره عنه، ومع الحاجة إلى ذلك، والمراد أنه إذا كان الأمر هكذا خارج
стр. 366
الصلاة؛ فكيف به في الصلاة التي يناجي فيها المرء ربه؟.
والعورة تختلف في الصلاة عنها خارج الصلاة، بدليل اختلاف أهل العلم في جواز كشف المرأة وجهها للرجال، ولم يختلفوا في طلب كشفه في الصلاة، ولنهي النبي ﷺ أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، مع أن عورة الرجل مع مثله من سرته إلى ركبته، والذي يذكر هنا إنما هو العورة في الصلاة، فعورة الرجل في الصلاة من سرته إلى ركبته، وفخذه عورة، وفيه خلاف، والمرأة كلها عورة عدا وجهها وكفيها، وفي ظهور قدميها نزاع، والمشهور لزوم الستر، وقال النبي ﷺ «إذا صليتم فاتزروا، وارتدوا ولا تتشبهوا باليهود» (١).
والثوب في لغة العرب يراد به ما كان غير مخيط على قياس الجسم، وكانوا يلبسون ثوبين هما الإزار والرداء، ومجموعهما يسمى حلة، أما نحو القميص والجبة والسراويلات، فليس مما يراد بالثوب في الأصل، ثم أطلق عليها توسعا، وهو المراد بكلام المؤلف، ويراد بالرداء في اصطلاح الفقهاء ما يلبس فوق بعض ما تقدم كالقميص والجبة زيادة في الستر، والقميص يسلك في الجسم من أعلاه.
فأما الصلاة في الثوب الواحد؛ فقد سئل النبي ﷺ عن الصلاة في ثوب واحد، فقال: «أو لكلكم ثوبان»؟ (٢)، وهذا يشعر بأن الصلاة في الثوب الواحد مجزئة، وخير منه الثوبان لمن تيسر له ذلك، وقد صلى رسول الله ﷺ في ثوب واحد ملتحفا مخالفا بين طرفيه على منكبيه» (٣)، وعليك أن تستحضر هنا أنه ليس المراد بكفاية الثوب الواحد في الصلاة ستر الجزء الأسفل من الجسم فقط، يدل على ذلك قول المؤلف:
стр. 367
• قوله:
١١ - «ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء، فإن فعل لم يعد».
ومعناه: أنه إذا صلى المرء في الثوب الواحد؛ فينبغي أن لا يقتصر على ستر جزئه الأسفل، بأن يأتزر به، بل يتوشح به أي يلتحف به متى أمكنه، إما لأن ذلك أكمل في الستر، أو لأنه يستبعد معه سقوطه فيتعرى، وقد قال النبي ﷺ : «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على أكتافه منه شيء» (١)، والحديث يدل على أن المطلوب ستره في الصلاة ليس العورة فحسب، ولما كان النهي في أصله يدل على البطلان؛ نبه المؤلف على أن من صلى بخلاف ما تقدم؛ لا تبطل صلاته، لأنه لم يكشف عورته، والمراد من النهي حينئذ أن يستر أعلى بدنه، أو لأن ذلك أحوط وأبعد عن إمكان التعري بسقوط إزاره، ويؤيده أن النبي ﷺ قال لجابر: «إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقا فاشدد على حقوك» (٢)، والحقو بكسر الحاء وفتحها موضع عقد الإزار، ويطلق على الإزار نفسه للمجاورة، والمراد أنه إن لم يتمكن من جعل شيء من ثوبه على عاتقه لضيقه؛ تثبت في شده على موضع العقد، وهو فوق السرة قليلا، ليتجنب احتمال سقوطه وتعريه.
لكن لا ينبغي أن يظن ظان أن من صلى في سروال ضيق كما هو الشائع عندنا يصدق عليه أنه قد صلى في ثوب واحد، فيشمله الحديث المتقدم، بل إن من صلى في سروال ولو ستر جزءه الأعلى فإن فعله لا يختلف في كونه مكروها، إن لم يكن الحكم أغلظ من ذلك، فقد علمت فيما تقدم المراد من الثوب عند العرب، وهو الذي ينبغي أن ينزل عليه كلام النبي ﷺ في هذا المقام، ومن العجب قول بعضهم إن الشيء إذا فشا في المسلمين لم يعتبر
стр. 368
تشبها بالكفار، ويدخلون ضمن ذلك هذه الألبسة الضيقة، وهذا أمر محتاج إلى قيود غير ما ذكر، وهب أن التشبه قد زال بشيوع الأمر عند المسلمين، ألا يتعين أن يقال إنه لا يزول به كونه ممنوعا من جهة أخرى، وهي هذا الكشف الفاضح للعورة بتحديدها؟، وقد روى أبو داود (١) عن بريدة قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يصلي في لحاف لا يتوشح به، والآخر أن تصلي في سراويل وليس عليك رداء»، فاعجب مما يلبسه معظم المسلمين ويصلون فيه من الثياب الضيقة التي تصف عوراتهم، ومن كونهم لا يأخذون للصلاة أهبتها، فيأتون المساجد في ثياب النوم وثياب اللعب التي تحمل أسماء الفرق الرياضية، والشركات التجارية، والكتابات البارزة، وربما كان فيها صور للاعبي الكرة وغيرهم، وقد يستحون أن يقابلوا في هذه الثياب من يقدرونهم، فكيف يقفون فيها أمام مولاهم سبحانه!!؟، وقد قال ابن عمر ﵁ لغلامه نافع لما رآه يصلي حاسرا - مكشوف الرأس -: «أرأيت لو خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا»؟، قال: «لا»، قال: «فالله أحق من يتجمل له» وهذا الكلام من ابن عمر يوافق قول النبي ﷺ «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق من تزين له» (٢)، وهو في (حجاب المرأة ولباسها في الصلاة) لابن تيمية.
وروى ابن القاسم في العتبية قال: «كره مالك الصلاة بغير أردية في المساجد»، وقال يقول الله سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال مالك: «أكره الصلاة في السراويل، إلا أن يلتحف عليه، فلا بأس به في غير الجماعة، إلا أن يلبس عليه قميصا، ولا أحبه إن وجد غيره»، وقال: «وأستقبح أن يظهر السراويل»، والسراويل التي تذكر عند الأولين فضفاضة واسعة، فهي ليست مثل سراويلنا فانتبه، وقد رأيت بعض الأندونسيين في الحرمين إذا لبسوا السراويل لبسوا عليها أُزُرا، فجزاهم الله خيرا.
وفي النوادر (في اشتمال الصماء في الصلاة)، قال مالك: «وله أن يصلي في نعليه
стр. 369
الطاهرتين، وإن خلعهما فليجعلهما عن يساره، فإن كان في صف جعلهما بين يديه، وليلبسهما إن كانتا طاهرتين أحب إلي؛ لئلا يشغلاه، وكل واسع» انتهي، وما أكثر الجهال عندنا الذين ينكرون على من صلى في نعليه في البادية.
وقد زرت الشيخ الربيع بن هادي المدخلي - حفظه الله - في بيته وتركت نعلي خارج المنزل لعادة جريت عليها، فلما خرجت لم أعثر عليه لنسياني الموضع الذي تركته فيه، فلما عثرت عليه قال لي ممازحا: نحن ندعو إلى الصلاة فيها، وأنت أبقيتها خارج الدار!!.
стр. 370
• قوله:
١٢ - «وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها، وخمار تتقنع به، وتباشر بكفيها الأرض في السجود مثل الرجل».
عورة المرأة في الصلاة جميع جسدها عدا الوجه والكفين، ويكفيها في الستر الدرع وهو القميص السابغ الكثيف الذي يستر ظهور قدميها، لا يصف ولا يشف، وهو المراد بالحصيف بالحاء المهملة المفتوحة، وفي نسخة بالخاء المعجمة، وهو الساتر، ولازم الستر عدم الوصف والشف، فيلتقيان في المعنى، والخمار تتقنع به، أي تستر به رأسها وصدغيها، وسترها في الصلاة غير الستر المطلوب منها مع الأجانب.
وقد روى أبو داود (١) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»، والمراد بالحائض من بلغت سن الحيض، لا الحائض بالفعل فإنها لا تصلي، والحديث ظاهر في شرطية ستر المرأة رأسها، بحيث إذا انكشف بطلت الصلاة، فيؤخذ منه ستر غير الرأس، ولا سيما مفاتن المرأة من باب أولى، لكن المذهب على أنها إن حصل ذلك منها أعادت في الوقت، ولا يشرع للمرأة لبس القفاز، بل ينبغي لها أن تباشر الأرض بيديها مثل الرجل، إلا من علة.
وروى مالك في الموطإ (٢) عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه أنها سألت أم سلمة زوج النبي ﷺ : «ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟، فقالت تصلي في الخمار والدرع السابغ إذا غيب ظهور قدميها»، وقد ضعف، وصح عن عائشة وميمونة ﵄ أنهما كانتا تصليان في
стр. 371
الدرع والخمار، وهو قول عروة بن الزبير، والثلاثة في الموطإ، وقد اختلف في وجوب ستر ظهور القدمين.
قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢ - ٢٠١): «لا خلاف علامته بين الصحابة في سنة ظهور قد مي المرأة في الصلاة .. ».
стр. 372
٤ - باب صفة الوضوء ومسنونه، ومفروضه، وذكر الاستنجاء والاستجمار
ابتدأ الترجمة بذكر الوضوء لأنه عبادة، وقدم عليه في المتن طهارة الخبث لأنها تسبقه، فإن تأخرت عنه؛ فلا حرج، إلا أن يترتب على إزالتها نقض الوضوء بمس الذكر، والأولى تقديمها، فإنها من التخلي، والوضوء من التحلي.
стр. 373
• قوله:
١ - «وليس الاستنجاء مما يجب أن يوصل به الوضوء، لا في سنن الوضوء، ولا في فرائضه، وهو من باب إيجاب زوال النجاسة به، أو بالاستجمار، لئلا يصلي بها في جسده، ويجزئ فعله بغير نية، وكذلك غسل الثوب النجس».
بيّن أن طهارة الخبث ليست مما ينبغي أن يتصل بالوضوء، ولا هي من فرائضه أو سننه، لكن هذا لا يعني عدم وجوبها، بل هي واجبة في نفسها، فتزال بالماء ولا بد إذا كانت في الثوب غير النعلين أو البدن في غير المخرجين، كما تزال بالماء، أو بالجمار إذا كانت في المخرجين، معتادة كانت كالبول، أو غير معتادة كالدم.
ويتعين الماء عندهم في أمور أشار إليها خليل في قوله: «ويتعين في مني وحيض ونفاس وبول امرأة، ومنتشر عن مخرج كثيرا، ومذي،،،».
ومما تفارق إزالة النجاسة فيه الوضوء النية، فإن الوضوء مفتقر إليها لا يصح بدونها، وإزالة النجاسة عن البدن والثوب والمكان لا تفتقر إلى نية.
стр. 374
وعن عائشة قالت: «بال رسول الله ﷺ فقام عمر خلفه بكوز من ماء، فقال: «ما هذا يا عمر»؟، فقال: «هذا ماء تتوضأ به»، فقال: «ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة» (١).
стр. 375
• قوله:
٢ - «وصفة الاستنجاء؛ أن يبدأ بعد غسل يده فيغسل مخرج البول، ثم يمسح ما في المخرج من الأذى بمدر أو غيره، أو بيده، ثم يحكها بالأرض ويغسلها، ثم يستنجي بالماء، ويواصل صبه، ويسترخي قليلا، ويجيد عرك ذلك بيده حتى يتنظف، وليس عليه غسل ما بطن من المخرجين».
إزالة النجاسة من على المخرجين يسمى استنجاء، من نجوت الشيء، إذا قطعته، كأن المستنجي يقطع النجاسة من محل النجو بالماء أو بغيره، وهو الاستجمار، أي استعمال الجمار، وهي الحجارة الصغار، ويصح أن يسمى الاستجمار استنجاء، وكل منهما سائغ كاف في التطهير.
وقد روى مالك في الموطإ (٦٣) عن يحي بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يسأل عن الوضوء من الغائط بالماء، فقال سعيد: «إنما ذلك وضوء النساء»، وتؤول قوله بأن مراده أنه لا بد لهن من الماء، وهذا هو اللائق.
وذهب ابن حبيب إلى أن الاستجمار لا يكفي إلا مع افتقاد الماء، وكأنه نظر إلى ما كان عليه الناس في عهد التشريع من عز الماء وقلته، وهذا هو اللائق بعلمه ومكانته، ومشهور المذهب استحباب الجمع بينهما، قالوا لأن الله تعالى مدح من جمع بينهما كما ورد ذلك عن ابن عباس أن النبي ﷺ سأل أهل قباء عن طهورهم، فقالوا: «إنا نتبع الحجارة الماء» (١)، ولم يثبت عن النبي ﷺ الجمع بينهما لا من قوله، ولا من فعله، والخير فيما شرع، وما شرعه طيب حسا ومعنى.
وذكر المؤلف صفة التطهر بهما معا، وهو أبلغ في النظافة وليس بلازم، بل قال بعضهم إنه بدعة، والظاهر أنه إن جمع بينهما المكلف معتبرا أن أحدهما لا يكفي مع علمه
стр. 376
بذلك؛ فنعم، لأنه تنطع مخالف للثابت من هديه ﷺ ، وإلا فإن كان للنظافة، كأن يكون الماء قليلا، فلا حرج إن شاء الله.
وقد ذكر أهل العلم أن بل اليد قبل لقي الأذى؛ حسن، فإنها إذا تشربت الماء الطاهر انسدت مسامها، فلم تداخلها النجاسة إذا لاقتها، ومن ثم لا تبقى فيها رائحة.
قال خليل ذاكرا المستحبات: «وبلها قبل لقي الأذى»، والأفضل البدء بغسل مخرج البول لأن نجاسته أخف، لئلا تتلطخ يده إن ابتدأ بغيره.
وقد دل كتاب الله على مشروعية الاستجمار، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣]، ووجه الدلالة منه أنه إنما ذكر فقدان الماء بعد المجئ من الغائط، فدل على أنه غير لازم له، وهو واضح.
والاستجمار يكون بالجمار وهي الحجارة، وبالمدر وهو الطوب، ومثله غيره من كل جامد، غير مؤذ كالزجاج، مزيل للخبث، ليس مطعوما، ولا بذي حرمة كالورق المكتوب، والظاهر أنه لا فرق بين العربية وغيرها، ولا ذي شرف كالذهب والفضة، وقد قال النبي ﷺ : «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط؛ فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه» (١)، وفيه مطلوبية إعداد ما يتطهر به مسبقا، ومعنى يستطيب يتطهر، ولذلك سمي الاستنجاء استطابة، وتجزئ عنه؛ تكفيه.
ويدل على أن الأحجار ليست مقصودة لذاتها بل للإنقاء بها فيكون غيرها مثلها، وإنما ذكرت لأنها الغالب على الموجود مما يستنجى به؛ مفهوم ما رواه مسلم وأبو داود (٣٨) عن جابر بن عبد الله قال: «نهانا رسول الله ﷺ أن نتمسح بعظم أو بعر».
وفي صحيح البخاري (١٥٥) من حديث أبي هريرة قال: «اتبعت النبي ﷺ وخرج لحاجته، فكان لا يلتفت فدنوت منه، فقال: «ابغني أحجارا استنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا روث،،،» الحديث، أستنفض بها أستنجي، من نفضت الثوب، لأن المستنجي ينفض
стр. 377
عن نفسه الأذى، وهو في النهاية لا بن الأثير باختصار، ومفهوم هذا أن ما كان من غير ما نهاه عنه مما يصلح للتطهر؛ فهو جائز.
أما حك اليد بالأرض فيدل عليه في الجملة حديث أبي هريرة قال: «كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور، أو ركوة فاستنجى، ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ»، رواه أبو داود (٤٥)، وفيه شريك وهو صدوق يخطئ كثيرا، وقد حسنه الألباني.
وقوله: «ويسترخي قليلا»، الاسترخاء مما يساعد على الاستبراء، وهو واجب في المذهب، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومقابل الاسترخاء الاستيفاز والانقباض، إذ قد يتخلف معهما شيء من الفضلات في المخرجين، فإذا قام أمكن أن ينزل، ومن فعل ذلك فقد يصدق عليه أنه لا يستنزه من البول ولا من غيره، وقد جاء الوعيد على عدم الاستنزاه من البول في الحديث الصحيح بعذاب القبر.
أما قوله: «وليس عليه غسل ما بطن من المخرجين»؛ فلأن النجاسة المطلوب إزالتها إنما هي ما ظهر لا ما بطن، وفعل ذلك من التعمق والتنطع الذي يقود إلى الوسواس، ومن هذا القبيل سلت الذكر ونتره، والأول إمرار الإصبع إمرارا خفيفا على قناة البول حتى ينزل ما فيها، والثاني جذب الذكر من الكمَرة وإرساله بخفة.
قال خليل: «ووجب استبراء باستفراغ أخبثيه مع سلت ذكر ونتر خفا».
وقد ورد في النتر حديث عيسى بن يزداد اليماني عن أبيه قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا بال أحدكم فلينتر»، رواه ابن ماجة (٣٢٦)، والظاهر إرساله مع ضعف بعض رواته، قال في الزوائد: «يزداد لا يصح له صحبة، وزمعة ضعيف»، وقال الحافظ: «سنده ضعيف»، وقد استدل لمشروعية النتر بالأمر بالانتضاح الذي سيأتي، وليس بشيء، أما السلت فليس مما يفيد في الاستبراء، بل تترتب عليه مضار، فإن الذكر بمثابة الضرع إذا تركته قر، وإذا حلبته در، بل فعل ذلك بدعة كما صرح به ابن تيمية، ومن كان سليم البنية؛ فإنه يعلم من نفسه نزول ما في مخرجيه دون حاجة إلى شيء مما ذكر، أما الموسوَس فسبيل علاجه عدم الالتفات إلى الوسواس، ومن لم يفعل فعلى نفسه جنى، ولعله لذلك كان مشروعا
стр. 378
للمستنجي أن ينضح فرجه ليزيح الشك اقتداء بفعل النبي ﷺ كما هو في سنن أبي داود (١٦٦) عن سفيان بن الحكم الثقفي، أو الحكم بن سفيان قال: «كان رسول الله ﷺ إذا بال يتوضأ وينتضح»، وروى الترمذي عن أبي هريرة ان النبي ﷺ قال: جاءني جبريل فقال: «يا محمد إذا توضأت؛ فانتضح»، قال الترمذي غريب، وفي نسخة حسن غريب، وفيه الحسن بن علي الهاشمي وهو ضعيف، لكن قال المباركفوري في التحفة: «وفي الباب أحاديث مجموعها يدل على أن له أصلا»، وقال مثل ذلك الألباني في تمام المنة، والانتضاح رش الفرج بالماء دفعا للوسواس، والنبي ﷺ إنما فعل ذلك للتشريع، وإلا فإن الوسواس لا سبيل له عليه.
стр. 379
• قوله:
٣ - «ولا يستنجى من ريح».
الريح ناقض للوضوء، لكنه لا يستنجى منه، لأن الاستنجاء لإزالة عين النجاسة، ولا عين لها هنا، إلا أن يعلم المرء أن الريح صحبه شيء منها، فيجب عليه أحد الأمرين الاستنجاء بالماء، أو الاستجمار، وقد صارت هذه الفقرة يضرب بها المثل لعدم الاهتمام بالشيء.
стр. 380
• قوله:
٤ - «ومن استجمر بثلاثة أحجار يخرج آخرهن نقيا؛ أجزأه، والماء أطهر وأطيب، وأحب إلى العلماء».
يصح الاستجمار بكل طاهر على الوصف الذي تقدم، ومن ذلك أن يستجمر بثلاثة أحجار، فإنها تكفيه متى حصل الإنقاء، فقد روى البخاري (١٥٦) عن ابن مسعود قال: «أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: هذا ركس»، وعند أحمد زيادة: «ائتني بغيرها»، والركس النجس، لكون أصله طعاما فرد إلى حالة النجاسة، كالرجيع رجع عن أصله إلى ما هو عليه من النجاسة.
وفي صحيح مسلم من حديث سلمان «نهي النبي ﷺ عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار»، فيتعين هذا العدد، وقد قال به من المالكية ابن شعبان، ووجهه أنها توقيت من الشارع، وله أن يؤقت، ولو كان المطلوب الإنقاء؛ اعتبر ذلك أقل ما يُتَمكن به منه، أما حديث أبي هريرة مرفوعا: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج»، رواه ابن ماجة (٣٣٧)، فإنه يصلح صارفا لو صح، والمشهور في المذهب الإجزاء بما دون الثلاثة، متى تم الإنقاء.
فإن قيل: فما وجه النهي عن الاستجمار بما دون الثلاثة، مع إمكان الإنقاء بذلك؟، فالجواب: أن الجمار لا تزيل الأثر، بل تزيل العين، فشرع هذا العدد، فمن أنقى بدونه فقد حصل له المطلوب، ويكمل العدد مبالغة في إزالة العين، ومثله الاعتداد بثلاثة قروء مع أن براءة الرحم تظهر بقرء، وقريب منه غسل اليدين ثلاثا قبل إدخالهما في الإناء ولو نظيفتين، وليس منه غسل الأعضاء في الوضوء ثلاثا.
وصحّ عن النبي ﷺ الاستنجاء بالماء، فعن أنس بن مالك أنه ﷺ دخل حائطا ومعه
стр. 381
غلام، معه ميضأة وهو أصغرنا، فوضعها عند السدرة فقضى حاجته، فخرج علينا وقد استنجى بالماء، رواه الشيخان وأبو داود (٤٣)، أما أن الماء لمن وجده أفضل من غيره؛ فلأنه الأصل قي التطهير ولما فلما رواه ابن ماجة (٣٥٥) عن ثلاثة من الصحابة قالوا: «إن هذه الآية نزلت ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم»؟، قالوا: «نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء»، قال: «هو ذاك فعليكموه»، وسنده ضعيف، وفي متنه نكارة، وفي سنن أبي داود (٤٤) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية».
стр. 382
• قوله:
٥ - «ومن لم يخرج منه بول ولا غائط، وتوضأ لحدث أو نوم، أو لغير ذلك مما يوجب الوضوء؛ فلا بد من غسل يديه قبل دخولهما في الإناء».
غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء تعبدي على الصحيح، ولعل الحكمة منه أن يتعود المتوضئ غسلهما قبل إدخالهما في الإناء، من غير نظر إلى كونهما نظيفتين أو لا، لأن النظافة قد يختلف الناس فيها، فكان ذلك قطعا للتردد والتنازع، واحترز المؤلف بما ذكره من أن يظن أن غسلهما الغرض منه التنظيف، بحيث لا يتعين إلا إذا توضأ عقب تطهره من الخبث، ولذلك كان من أحدث أثناء وضوئه مطالبا بإعادة غسلهما متى استأنف وضوءه، وقد نص عليه مالك، وهو دليل على تقديمه حديث الآحاد على القياس، لكن يظهر أن غسل اليدين للمستيقظ من نومه آكد لورود الأمر به، وسيأتي ذكره، وروى البهيقي في السنن الكبرى وابن حبان أن النبي ﷺ قال: «لاتبدأ بفيك يا أبا جبير، فإن الكافر يبدأ بفيه».
وفي النوادر (في غسل اليد قبل دخولها الإناء) قال مالك: «ينبغي لكل متوضئ أن لا يدع غسل يده عند وضوئه قبل أن يدخلها في الإناء على كل حال»، لكن قال عمن أدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها «من جنب أو حائض، ومن مس فرجه، أو أنثييه، في نوم؛ فلا يفسد الماء، وإن كان قليلا إلا أن يوقن بنجاسة في يده، ولا ينبغي له ذلك وإن كانت يده طاهرة، وكذلك من انتقض وضوؤه».
стр. 383
• قوله:
٦ - «ومن سنة الوضوء؛ غسل اليدين قبل دخولهما في الإناء، والمضمضة، و الاستنشاق، والاستنثار، ومسح الأذنين؛ سنة، وباقيه فريضة».
لعل المؤلف أشار إلى سنية غسل اليدين نصا، خوفا من أن يفهم من قوله «فلا بد من غسل يديه»؛ وجوب الغسل، وهو كما قال، لكن ورد الأمر بذلك لمن قام من نوم، مما يدل على آكدية غسلهما في حقه، إذ روى مالك (٣٦) والشيخان عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا استيقظ أحدكم من نومه؛ فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، وثبت ذكر الغسل ثلاث مرات، والتخيير بين اثنتين وثلاث، انظر (د/ ١٠٣ و ١٠٤)، وقوله: «فإن أحدكم … الخ»؛ تعليل للأمر بالغسل، وليس بلازم أن ينصب التعليل على التنجس المحتمل بإصابة موضع المخرجين، بل يجوز أن يكون من جنس أمر المستيقظ من النوم أن يستنشق لأن الشيطان يبيت على مناخيره، وقد اختلف في النائم في النهار هل يلحق بالنائم في الليل؟، والظاهر من التعليل لحوقه به متى كان النوم معتبرا، وإنما جاء الحديث على الغالب على الناس في النوم
وقد بيّن المؤلف سنن الوضوء في المذهب، وهي غسل اليدين إلى الكوعين كما تقدم، والمضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، ومسح الأذنين، ولم يذكر رد مسح الرأس، والترتيب بين الفرائض، وكون الترتيب سنة هو رواية ابن القاسم، لكن روى علي بن زياد عن مالك أن من نكس وضوءه أعاده، وروى المدنيون عنه وجوب الترتيب، قال ابن رشد في المقدمات بعد ذكر ذلك: «ومعلوم أن مالكا منهم، وإمام فيهم»، وظاهر أن هذا منه ترجيح لقولهم، لكن جزم ابن عبد البر في الكافي بأن مالكا رجع عن القول بوجوب الترتيب، وما علمت له مستندا، والأولى للمؤمن أن يتوضأ كما كان النبي ﷺ يتوضأ، ويبدأ بما بدأ الله به ورسوله، ويجتهد أن يصلي كما كان يصلي، فإذا فعل ذلك برئت ذمته بلا
стр. 384
نزاع، أما معرفة المفروض من المسنون فهو مرغوب فيه، لكن قد لا يستقر للمكلف فيه قول عالما كان أو متبعا، وقد تقدم الكلام على شيء من هذا، وبينت هناك أن من لم يعرف هذا من هذا وفعل ما كان يفعله النبي ﷺ كفاه، وقد كان هذا هو الغالب على السلف، كان همهم الاقتداء بالنبي ﷺ ، حتى تأتي عبادتهم على الوجه المبتغى، وقد جاء ما يؤخذ منه جواز عدم الترتيب أحيانا وهو ما رواه احمد وابو داود عن المقدام بن معديكرب في صفة وضوئه ﷺ .
وفي كتاب ربنا الأمر بغسل الوجه، واليدين إلى المرافق ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، أما المضمضة والاستنشاق، فيمكن أن يقال عنهما إن الأمر بغسل الوجه يشملهما، كما أن مسح الأذنين يمكن أن يقال عنه إنه داخل في الأمر بمسح الرأس، كما جاء ذلك في قول النبي ﷺ : «الأذنان من الرأس»، رواه أحمد وأبو داود (١٣٤) والترمذي عن أبي أمامة، وغيرهم عن غيره، وإذا ثبت ذلك أعطيتا حكمه في أمرين: المسح، والوجوب، فإن الشارع إذا بين بأنهما من الرأس، فإن المقصود ليس مجرد الخلقة، بل الحكم.
وفي المدونة: «قال مالك الأذنان من الرأس، ويستأنف لهما الماء، وكذلك فعل ابن عمر»، ولا يحتج على عدم وجوب مسحهما بعدم ذكرهما في بعض الأحاديث التي جاء فيها وصف وضوئه ﷺ ، فإننا إذا قلنا إنهما من الرأس فذكر مسحه يغني عن إفرادهما بالذكر كما لا يخفى.
وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يغسل يديه، ويتمضمض، ويستنشق، ويستنثر، ويغسل وجهه، ويغسل يديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه بيديه يقبل بهما ويدبر، ويغسل رجليه إذا كانتا عاريتين، وثبت عنه أنه توضأ مرة، ومرتين، وثلاثا، وقد جاء وصف وضوئه ﷺ في أحاديث عثمان بن عفان، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، والمقداد بن معديكرب، ومعاوية بن أبي سفيان، والربيع بنت معوذ بن عفراء، وأبي أمامة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهم ﵃، بعض هذه الأحاديث في الصحيحين وبعضها في السنن.
стр. 385
وورد من قوله ﷺ الأمر بالاستنشاق والاستنثار في الموطإ (٣٢) والصحيحين وسنن أبي داود (١٤٠) من حديث أبي هريرة: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينثر»، وهذا أمر لا صارف له إلى الندب في الظاهر، إلا أن يقال الصارف ما جاء في الحديث من قوله ﷺ : «توضأ كما أمرك الله»، فيقال من أمر الله المضمضة والاستنشاق، لأن الأنف والفم من الوجه، وقد أمر الله بغسله، او لأن أمر رسول الله ﷺ هو أمر الله، لأن طاعته من طاعته، وفي حديث ابن عباس قال، قال رسول الله ﷺ : «استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا»، رواه أبو داود (١٤١)، وقد حسن الحافظ إسناده في الفتح، ومن ذلك أمره بالمبالغة في الاستنشاق، كما جاء ذلك في حديث لقيط بن صبرة الطويل عند أبي داود (١٤٢)، وفيه قوله ﷺ : «وبالغ في الاستنثاق إلا أن تكون صائما»، صححه النووي في شرح مسلم، وقال الترمذي حسن صحيح، وهذا قدر زائد على مطلق الاستنثاق، كما جاء أمره ﷺ بالمضمضة في بعض روايات حديث لقيط بن صبرة عند أبي داود (١٤٤)، إذ قال: «إذا توضأت فمضمض»، وفي الموطإ (٣٢) من حديث أبي هريرة مرفوعا: «إذا توضأ أحدكم؛ فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر، ومن استجمر فليوتر».
وفرائض الوضوء في المذهب سبعة، أربعة منها مذكورة في القرآن، والخامس النية، والسادس الدلك، والسابع الموالاة، وتسمى أيضا الفور، ومعناه عدم التفريق بين غسل الأعضاء بفارق طويل، وضابطه أن تجف في زمن وحال معتدلين، والفور عندهم مطلوب فيما يتوقف الاعتداد به على آخره كالطواف والسعي والصلاة والوضوء والغسل وقد نصر ابن تيمية ﵀ مذهب مالك عن مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٢٥)، وقد ذكر المؤلف الأعضاء التي غسلها سنة، وبين أن ما لم يذكره فريضة.
وقد علمت أن الترتيب بين الفرائض سنة في مشهور المذهب، وهو واجب في رواية المدنيين وعلي بن زياد، لكن المطلوب البدء بما بدأ الله به، ووفقا لبيان رسوله ﷺ وهذا كان غالب وضوئه، وفي ترتيب غسل أعضاء الوضوء واتصال غسل بعضها بعض؛ حكمة بينة، فإن اليدين لما كانت مباشرة الأعمال بهما، وذلك قد يفضي إلى اتساخهما؛ كان البدء بهما، حتى يسلم الماء المتوضأ به من الاتساخ، على أن مشروعية غسلهما بإطلاق يبدو أنها
стр. 386
إيغال في هذا المعنى، وقدمت المضمضة والاستتنشاق والاستنثار على غسل الوجه لأنهما أجزاء منه، ولأنه قد يتخلف من غسلهما شيء من رطوبات الفم والمخاط، فيقع على بعض أجزاء الوجه واللحية وهو مما يتقذر، فتأخر غسله عنهما ليأتي غسل الوجه على ذلك بالتنظيف، ولهذا المعنى كان الأمر بقص الشوارب لأنهما أسفل المنخرين، فإعطيا حكما غير حكم اللحية التي يتعين إعفاؤها، وكان غسلهما واجبا، وقال بعضهم إن تقديم المضمضة والاستشاق ليعرف الماء أصالح هو أم لا؟، وقدم غسل اليدين على الوجه لأن فيه حاسة البصر؛ فلو تأخر عنهما؛ فقد ينقل إليها ما يضر بها، ولهذا كان نفض اليدين في التيمم مشروعا كما سيأتي، وشرع مسح الرأس دون غسله؛ لما في ذلك من المشقة ببطء جفافه، وهكذا مسح الأذنين، فإن غسلهما باستمرار مضر كما دلت عليه التجربة، وجاء غسل الرجلين متأخرا عن الجميع لأن بهما يطأ الإنسان الأرض، والحكمة في ذلك أشهر من أن تذكر، ولهذا رأى بعضهم أن المطلوب فيهما الإنقاء، لا التحديد في عدد الغسلات كباقي الأعضاء، وقد نقل عن ابن عمر غسلهما مرات عديدة، فالحمد لله على ما أعطى لا نحصي ثناء عليه كما أثنى على نفسه.
стр. 387
• قوله:
٧ - «فمن قام إلى وضوء من نوم أو غيره؛ فقد قال بعض العلماء: يبدأ فيسمي الله، ولم يره بعضهم من الأمر المعروف، وكون الإناء على يمينه؛ أمكن له في تناوله، ويبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا، فإن كان قد بال أو تغوط؛ غسل ذلك منه، ثم توضأ».
هذا وصف لكيفية الوضوء، وهو خير من مجرد بيان الأحكام، وقد ذكر التسمية، وهي مستحبة في مشهور المذهب، لكن فيها ثلاث روايات: الاستحباب، والإباحة، وكونها منكرا، وهذا الأخير هو المنكر، ونسبته إلى الإمام قد تعني أنه لا يرى وجوبها، يدل عليه قوله حين سئل عن ذلك: «أهو يذبح؟، فإن إنكار الوجوب لا يعني إنكار الاستحباب، أو لأنه لم يصح عنده الحديث، يدل على هذا ما نقل عنه من قوله: «ما أعرف التسمية في الوضوء، وأنكرها».
قال ابن ناجي: «وكل هذه الأقوال عن مالك، ويظهر من كلام الشيخ أنه لم يقف على القولين اللذين ذكرا عن مالك، لكونه عزا كل قول من قوليه لبعض، وذلك يدل على التبري».
وفي المسألة قول النبي ﷺ : «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، رواه أبو داود (١٠١)، وابن ماجة والترمذي (٢٥)، ساكتا عنه على غير عادته، قال الحافظ: «والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلا»، وقد ذهب إلى وجوب التسمية على الوضوء أحمد في إحدى الروايتين، وقال إسحاق إن ترك التسمية عامدا أعاد الوضوء، وهذا هو الصواب إن شاء الله.
وقال ابن عبد السلام: «ظاهر الحديث الوجوب»، وقد اعتبر بعضهم حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «من توضأ وذكر اسم الله عليه؛ كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ
стр. 388
ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوئه»، رواه الدارقطني والبيهقي، أقول اعتبره بعضهم صارفا للحديث المتقدم عن الوجوب إلى الاستحباب، وهذا حق لو كان ثابتا، لكنه ضعيف، قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: «فيه أبو بكر الداهري عبد الله بن الحكم، وهو متروك، ومنسوب إلى الوضع».
ووضع الإناء على اليمين معدود عند أهل المذهب في المستحبات إذا كان الإناء مفتوحا يُغترف منه، لأن المتوضئ يتناول الماء بيده اليمنى، فيكون ذلك مما يساعده على القيام بذلك، مع ما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يحب التيامن في الأمر كله، فإن كان بحيث يصب من الإناء فجعله على اليسار أولى، وقوله: «فإن كان قد بال أو تغوط غسل ذلك منه» جملة معترضة، المراد منها بيان أن إزالة النجاسة على افتراض وجودها في اليدين أمر زائد على غسلهما في بداية الوضوء، ومن مستحبات الوضوء في المذهب استقبال القبلة، وقد روى الطبراني في الاواسط عن أبي هريرة مرفوعا: «أن لكل شيء سيدا، وسيدالمجالس قبالة القبلة.
стр. 389
• قوله:
٨ - «ثم يدخل يده في الإناء فيأخذ الماء، فيمضمض فاه ثلاثا من غرفة واحدة إن شاء، أو ثلاث غرفات، وإن استاك بأصبعه فحسن، ثم يستنشق بأنفه الماء ويستنثره ثلاثا: يجعل يده على أنفه كامتخاطه، ويجزئه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق، وله جمع ذلك في غرفة واحدة، والنهاية أحسن».
المضمضة: تحريك الماء في الفم، ثم طرحه، ولهذا قالوا إن ابتلعه لم يكن آتيا بالسنة، والاستنشاق جذب الماء بالنفَس إلى داخل الأنف، والاستنثار: إخراجه بالنفَس مع إمساكه بالإصبعين، وقد كره مالك الاستنثار بمجرد النفس، وقال «هكذا يفعل الحمار»، والحق أن إمساك الأنف بالسبابة والإبهام أولى لما فيه من يسر الاستفراغ والتنظيف وهكذا التحفظ من المخاط، وما يخرج من الأنف من الرطوبات، فإذا لم يضع إصبعيه على أنفه فقد تتقذر لحيته وثيابه، وقد يؤذي من كان بحضرته، كما يحصل ذلك للعاطس، والمتثائب، حيث أمرا بسد الفم، والتحفظ، والشرع كله محاسن، وأهل العلم يعبرون بالاستنشاق عن الاستنثار وبالعكس، لأن الغرض من الواحدة لا يتم أو لا يكون بدون الأخرى، وأفضل كيفيات المضمضة والاستنشاق؛ أن يجمع بينهما في غرفة واحدة، فيتمضمض منها، ويستنشق بما بقي، فإن فعل ذلك ثلاثا كان بثلاث غرفات، جاء ذلك في حديث عبد الله بن زيد المتفق عليه وهو عند أبي داود برقم (١١٩)، وفيه: «فمضمض واستنشق من كف واحدة، يفعل ذلك ثلاثا»، وهو أيضا في حديث علي عند أبي داود (١١١): «فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ منه»، وفي حديث ابن عباس الصحيح (خ/ ١٤٠): «أخذ غرفة من ماء، فتمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا، فأضافها إلى يده اليسرى،،،»، الحديث.
стр. 390
وقد روى ابن القاسم وابن وهب وعلي بن زياد عن مالك قوله: «من جمع المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة فلا بأس به إذا أخذ من الماء ما يكفي لهما جميعا، وقالوا عنه إلا علي بن زياد: «وإن تمضمض بغرفة، واستنثر بأخرى فواسع»، وهو في النوادر.
وفي الموطإ (٣٣) قال يحي سمعت مالكا يقول في الرجل يتمضمض ويستنثر من غرفة واحدة إنه لا بأس بذلك»، لكن هذا الذي قلنا عنه إنه أفضل؛ هو المفضول في مشهور المذهب.
قال خليل: «وفعلهما بست أفضل، وجازا، أو إحداهما بغرفة»، وعلل بعضهم ترك تلك الكيفية التي دل عليها الحديث، أعني المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة؛ بما فيها من تنكيس العبادة، يعني عدم الترتيب بين المضمضة والاستنشاق، وهو رأي، ولعل قائل ذلك لو علم النص لما قال ما قال، وجزم ابن رشد بأفضلية ماورد في السنة كما في شرح الدردير.
ومما يستحب في الوضوء الاستياك؛ لعموم الأدلة الدالة على اشتراعه من قول النبي ﷺ وفعله، ومن ذلك قوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة»، وهو في الصحيحين، والموطإ (١٤٢)، لكن من غير ذكرقيد الصلاة، وفي الموطإ أيضا (١٤٣ عن أبي هريرة من قوله: «لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء»، وهو موقوف لفظا مرفوع حكما، يدخل في المسند لاتصاله من غير وجه، كما قاله ابن عبد البر، وقد رواه الطبراني في الأوسط عن علي مرفوعا بإسناد حسن كما قال الزرقاني في شرح الموطإ، والغماري في مسالك الدلالة، والظاهر والله أعلم أن الاستياك يكون قبل الشروع في الوضوء لمناسبة هذا التقديم لتطهير فمه بالماء، والله أعلم.
وظاهر قول المصنف «وإن استاك بإصبعه فحسن»؛ مساواة الاستياك بالإصبع؛ بالاستياك بعود الأراك ونحوه، وقيل بل مراده عند افتقاده، وهذا هو الحق إن شاء الله، وقد جاء في الاشتباك بالاصبع ما رواه أحمد عن علي قال عنه الحافظ لا أرى بسنده بأسا.