← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

إيغال في هذا المعنى، وقدمت المضمضة والاستتنشاق والاستنثار على غسل الوجه لأنهما أجزاء منه، ولأنه قد يتخلف من غسلهما شيء من رطوبات الفم والمخاط، فيقع على بعض أجزاء الوجه واللحية وهو مما يتقذر، فتأخر غسله عنهما ليأتي غسل الوجه على ذلك بالتنظيف، ولهذا المعنى كان الأمر بقص الشوارب لأنهما أسفل المنخرين، فإعطيا حكما غير حكم اللحية التي يتعين إعفاؤها، وكان غسلهما واجبا، وقال بعضهم إن تقديم المضمضة والاستشاق ليعرف الماء أصالح هو أم لا؟، وقدم غسل اليدين على الوجه لأن فيه حاسة البصر؛ فلو تأخر عنهما؛ فقد ينقل إليها ما يضر بها، ولهذا كان نفض اليدين في التيمم مشروعا كما سيأتي، وشرع مسح الرأس دون غسله؛ لما في ذلك من المشقة ببطء جفافه، وهكذا مسح الأذنين، فإن غسلهما باستمرار مضر كما دلت عليه التجربة، وجاء غسل الرجلين متأخرا عن الجميع لأن بهما يطأ الإنسان الأرض، والحكمة في ذلك أشهر من أن تذكر، ولهذا رأى بعضهم أن المطلوب فيهما الإنقاء، لا التحديد في عدد الغسلات كباقي الأعضاء، وقد نقل عن ابن عمر غسلهما مرات عديدة، فالحمد لله على ما أعطى لا نحصي ثناء عليه كما أثنى على نفسه.

стр. 387

• قوله: ٧ - «فمن قام إلى وضوء من نوم أو غيره؛ فقد قال بعض العلماء: يبدأ فيسمي الله، ولم يره بعضهم من الأمر المعروف، وكون الإناء على يمينه؛ أمكن له في تناوله، ويبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا، فإن كان قد بال أو تغوط؛ غسل ذلك منه، ثم توضأ». هذا وصف لكيفية الوضوء، وهو خير من مجرد بيان الأحكام، وقد ذكر التسمية، وهي مستحبة في مشهور المذهب، لكن فيها ثلاث روايات: الاستحباب، والإباحة، وكونها منكرا، وهذا الأخير هو المنكر، ونسبته إلى الإمام قد تعني أنه لا يرى وجوبها، يدل عليه قوله حين سئل عن ذلك: «أهو يذبح؟، فإن إنكار الوجوب لا يعني إنكار الاستحباب، أو لأنه لم يصح عنده الحديث، يدل على هذا ما نقل عنه من قوله: «ما أعرف التسمية في الوضوء، وأنكرها». قال ابن ناجي: «وكل هذه الأقوال عن مالك، ويظهر من كلام الشيخ أنه لم يقف على القولين اللذين ذكرا عن مالك، لكونه عزا كل قول من قوليه لبعض، وذلك يدل على التبري». وفي المسألة قول النبي ﷺ : «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، رواه أبو داود (١٠١)، وابن ماجة والترمذي (٢٥)، ساكتا عنه على غير عادته، قال الحافظ: «والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلا»، وقد ذهب إلى وجوب التسمية على الوضوء أحمد في إحدى الروايتين، وقال إسحاق إن ترك التسمية عامدا أعاد الوضوء، وهذا هو الصواب إن شاء الله. وقال ابن عبد السلام: «ظاهر الحديث الوجوب»، وقد اعتبر بعضهم حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «من توضأ وذكر اسم الله عليه؛ كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ

стр. 388

ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوئه»، رواه الدارقطني والبيهقي، أقول اعتبره بعضهم صارفا للحديث المتقدم عن الوجوب إلى الاستحباب، وهذا حق لو كان ثابتا، لكنه ضعيف، قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: «فيه أبو بكر الداهري عبد الله بن الحكم، وهو متروك، ومنسوب إلى الوضع». ووضع الإناء على اليمين معدود عند أهل المذهب في المستحبات إذا كان الإناء مفتوحا يُغترف منه، لأن المتوضئ يتناول الماء بيده اليمنى، فيكون ذلك مما يساعده على القيام بذلك، مع ما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يحب التيامن في الأمر كله، فإن كان بحيث يصب من الإناء فجعله على اليسار أولى، وقوله: «فإن كان قد بال أو تغوط غسل ذلك منه» جملة معترضة، المراد منها بيان أن إزالة النجاسة على افتراض وجودها في اليدين أمر زائد على غسلهما في بداية الوضوء، ومن مستحبات الوضوء في المذهب استقبال القبلة، وقد روى الطبراني في الاواسط عن أبي هريرة مرفوعا: «أن لكل شيء سيدا، وسيدالمجالس قبالة القبلة.

стр. 389

• قوله: ٨ - «ثم يدخل يده في الإناء فيأخذ الماء، فيمضمض فاه ثلاثا من غرفة واحدة إن شاء، أو ثلاث غرفات، وإن استاك بأصبعه فحسن، ثم يستنشق بأنفه الماء ويستنثره ثلاثا: يجعل يده على أنفه كامتخاطه، ويجزئه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق، وله جمع ذلك في غرفة واحدة، والنهاية أحسن». المضمضة: تحريك الماء في الفم، ثم طرحه، ولهذا قالوا إن ابتلعه لم يكن آتيا بالسنة، والاستنشاق جذب الماء بالنفَس إلى داخل الأنف، والاستنثار: إخراجه بالنفَس مع إمساكه بالإصبعين، وقد كره مالك الاستنثار بمجرد النفس، وقال «هكذا يفعل الحمار»، والحق أن إمساك الأنف بالسبابة والإبهام أولى لما فيه من يسر الاستفراغ والتنظيف وهكذا التحفظ من المخاط، وما يخرج من الأنف من الرطوبات، فإذا لم يضع إصبعيه على أنفه فقد تتقذر لحيته وثيابه، وقد يؤذي من كان بحضرته، كما يحصل ذلك للعاطس، والمتثائب، حيث أمرا بسد الفم، والتحفظ، والشرع كله محاسن، وأهل العلم يعبرون بالاستنشاق عن الاستنثار وبالعكس، لأن الغرض من الواحدة لا يتم أو لا يكون بدون الأخرى، وأفضل كيفيات المضمضة والاستنشاق؛ أن يجمع بينهما في غرفة واحدة، فيتمضمض منها، ويستنشق بما بقي، فإن فعل ذلك ثلاثا كان بثلاث غرفات، جاء ذلك في حديث عبد الله بن زيد المتفق عليه وهو عند أبي داود برقم (١١٩)، وفيه: «فمضمض واستنشق من كف واحدة، يفعل ذلك ثلاثا»، وهو أيضا في حديث علي عند أبي داود (١١١): «فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ منه»، وفي حديث ابن عباس الصحيح (خ/ ١٤٠): «أخذ غرفة من ماء، فتمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا، فأضافها إلى يده اليسرى،،،»، الحديث.

стр. 390

وقد روى ابن القاسم وابن وهب وعلي بن زياد عن مالك قوله: «من جمع المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة فلا بأس به إذا أخذ من الماء ما يكفي لهما جميعا، وقالوا عنه إلا علي بن زياد: «وإن تمضمض بغرفة، واستنثر بأخرى فواسع»، وهو في النوادر. وفي الموطإ (٣٣) قال يحي سمعت مالكا يقول في الرجل يتمضمض ويستنثر من غرفة واحدة إنه لا بأس بذلك»، لكن هذا الذي قلنا عنه إنه أفضل؛ هو المفضول في مشهور المذهب. قال خليل: «وفعلهما بست أفضل، وجازا، أو إحداهما بغرفة»، وعلل بعضهم ترك تلك الكيفية التي دل عليها الحديث، أعني المضمضة والاستنشاق من غرفة واحدة؛ بما فيها من تنكيس العبادة، يعني عدم الترتيب بين المضمضة والاستنشاق، وهو رأي، ولعل قائل ذلك لو علم النص لما قال ما قال، وجزم ابن رشد بأفضلية ماورد في السنة كما في شرح الدردير. ومما يستحب في الوضوء الاستياك؛ لعموم الأدلة الدالة على اشتراعه من قول النبي ﷺ وفعله، ومن ذلك قوله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة»، وهو في الصحيحين، والموطإ (١٤٢)، لكن من غير ذكرقيد الصلاة، وفي الموطإ أيضا (١٤٣ عن أبي هريرة من قوله: «لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء»، وهو موقوف لفظا مرفوع حكما، يدخل في المسند لاتصاله من غير وجه، كما قاله ابن عبد البر، وقد رواه الطبراني في الأوسط عن علي مرفوعا بإسناد حسن كما قال الزرقاني في شرح الموطإ، والغماري في مسالك الدلالة، والظاهر والله أعلم أن الاستياك يكون قبل الشروع في الوضوء لمناسبة هذا التقديم لتطهير فمه بالماء، والله أعلم. وظاهر قول المصنف «وإن استاك بإصبعه فحسن»؛ مساواة الاستياك بالإصبع؛ بالاستياك بعود الأراك ونحوه، وقيل بل مراده عند افتقاده، وهذا هو الحق إن شاء الله، وقد جاء في الاشتباك بالاصبع ما رواه أحمد عن علي قال عنه الحافظ لا أرى بسنده بأسا.

стр. 391

وفي المجموعة قال ابن القاسم عن مالك: «وإذا لم يجد سواكا فالأصبع يجزئ من السواك»، والظاهر أن الاستياك يكون باليسرى سواء كان بعود أو بالأصبع لكونه فعلا معللا بتطهير الفم وإزالة ما فيه من الرطوبات واليسرى بذلك أولى، ولا سيما إذا كان بالإصبع، وقيل باليمنى.

стр. 392

• قوله: ٩ - «ثم يأخذ الماء إن شاء بيديه جميعا، وإن شاء بيده اليمنى، فيجعله في يديه جميعا، ثم ينقله إلى وجهه، فيفرغه عليه غاسلا له بيديه من أعلى جبهته، وحده منابت شعر رأسه إلى طرف ذقنه، ودور وجهه كله، من حد عظمي لحييه إلى صدغيه، ويمر يديه على ما غار من ظاهر أجفانه، وأسارير جبهته، وما تحت مارنه من ظاهر أنفه، يغسل وجهه هكذا ثلاثا ينقل الماء إليه». يجوز أن يأخذ المتوضئ الماء بيديه كلتيهما ويغسل بهما وجهه، وهذا هو الأولى عند مالك لما فيه من المناسبة بين حمل الماء وغسل الوجه باليدين معا، ولذلك ابتدأ المؤلف به، وقد جاءت هذه الصفة في وضوء علي بن أبي طالب في سنن أبي داود (١١٧) من رواية ابن عباس، إذ قال له علي: ألا أريك كيف كان يتوضأ رسول الله ﷺ ؟، قلت: بلى، فوصف وضوءه، ومما ذكره فيه قوله: «،،، ثم أدخل يديه في الإناء جميعا، فأخذ بهما حفنة من ماء، فضرب بها على وجهه،،،». ويجوز أن يدخل يده اليمنى فيأخذ بها الماء، فيجمعه في يديه ويغسل بهما وجهه، دل على هذه الكيفية حديث عطاء بن يسار قال، قال لنا ابن عباس: «أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ»؟، فدعا بماء، وفيه: «فاغترف غرفة بيده اليمنى، فتمضمض واستنشق، ثم أخذ أخرى، فجمع بهما يديه، ثم غسل وجهه،،،»، وهو في صحيح البخاري (١٤٠)، وسنن أبي داود (١٣٧)، وهذه الكيفية هي الأولى عند ابن القاسم، لأنها أجدى في تقليل الماء وهو مطلوب، ويمكن أن ينازع في كون أخذ الماء باليد الواحدة أو باليدين معا مما يدخل في صفة وضوء النبي ﷺ التي نقلها الأصحاب ﵃، وفيه بحث. وقد حد المصنف الوجه بمنابت شعر الرأس، أي المعتاد، حتى يخرج جزء

стр. 393

الرأس العاري من الشعر عند الأصلع، ويدخل الجزء المغطى من الوجه بالشعر عند الأغم، وهو الذي ينزل شعره عن حده إلى قريب من حاجبيه، هذا حد الوجه من الأعلى، وحده من الأسفل طرف الذقن، بفتح القاف، وهو مجمع اللحيين، مثنى لحي بفتح اللام وهو عظم الفك، وهو ما تحت العنفقة، وظاهر ما استرسل من اللحية، وحده عرضا من الأذن إلى الأخرى، والصدغ بكسر الصاد وبضمها ما بين الأذن والعين، فما كان منه تحت الوتد فهو من الوجه فيغسل، وما كان فوقه فهو من الرأس فيمسح، وهو يحلق مع الراس لذلك، وقد اختلف في غسل البياض الذي بينه وبين الأذن، فقيل هو من الوجه، وهو المشهور، وقيل ليس منه، وفرق بعضهم بين الأمرد فجعله عنده منه، وذي اللحية فلم يجعله منه، والظاهر أنه من الوجه مطلقا، لأن أهل العلم إنما اختلفوا في الأذنين هل هما من الرأس أولا؟، فدل على أن غيرهما مما حاذى الوجه هو منه. ولما كان في الوجه مواضع ينبو عنها الماء؛ بينها المؤلف، فمنها الغائر من ظاهر الأجفان، وهي جمع جفن، غطاء العين من الأسفل والأعلى، ومنها أسارير الجبهة، وهي التكاميش التي قد تكون فيها، ومنها ما تحت المارن، وهو طرف الأنف اللين، وهو ما دون القصبة، وكذلك الوتَرة، وهي الحاجز الذي بين طاقتي الأنف، أعني المنخرين، كما يغسل شعر حاجبيه، وشعر عذاريه، وهما الخدان، وشعر أهدابه وشاربيه، لكن لا يجب تكلف إيصال الماء إلى الجرح الذي برئ غائرا، وعبارة المصنف هنا قريبة مما في النوادر، قال فيها: «وليتحفظ من غسل مارنه بيده، وما غار من أجفانه، وأسارير جبهته، وليس عليه غسل ما غار من جرح برأ على استغوار كثير» انتهى، وقد يكون هذا التشابه من القرائن على أن الرسالة كتبها ابن أبي زيد مرتين كما رجحه بعض الباحثين، وقد أشرت إليه.

стр. 394

• قوله: ١٠ - «ويحرك لحيته في غسل وجهه بكفيه، ليداخلها الماء، لدفع الشعر لما يلاقيه من الماء، وليس عليه تخليلها في الوضوء في قول مالك، ويجري عليها يديه إلى آخرها». تقدم أن حد الوجه طولا يكون بحسب اللحية، لأنها مما يواجه به، ولأن أصلها فيما يجب غسله، فأعطيت حكمه، فيمر المتوضئ يده على ظاهرها، وقد استدل صاحب منتقى الأخبار على أن غسل الوجه المأمور به يشتمل على إيصال الماء إلى أطراف اللحية بقول النبي ﷺ في حديث عمرو بن عبسة عند مسلم: «،،، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله؛ إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء،،، الحديث. ومما يتوقف عليه إيصال الماء إلى ظاهرها تحريكها، لأن الشعر يدفع الماء كما قال المؤلف، فهذا التحريك واجب، وهو غير التخليل. وفي المدونة قال مالك: «تحرك اللحية من غير تخليل»، ولذلك قال: «وليس عليه تخليلها في قول مالك»، يعني أن ذلك لا يجب، بل هو مما يستحب، لكن الاستحباب إذا كانت كثيفة، وقال بعضهم بالكراهة أخذا من قول مالك المتقدم في المدونة، ومن قول ابن القاسم عن مالك: «واللحية من الوجه؛ وليمر عليها من فضل ماء الوجه، ولا يجدده لها، وقد ورد عنه أنه «عاب تخليلها في الوضوء، لأنه لم يأت أن النبي ﷺ فعله في وضوئه، وقد جاء أنه خلل أصول شعره في الجنابة»، وهذا تمسك منه ﵁ بالبراءة من التكليف دون دليل، ولو صح عنده حديث في ذلك لقال به، والأحاديث الواردة مختلف فيها، وهي من فعله ﷺ ، فما صح منها دل على الاستحباب، ومن ذلك حديث عثمان بن عفان عند ابن ماجة والترمذي (٣١) وقال حسن صحيح «أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته»، لكن روى أبو

стр. 395

داود (١٤٥) عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: «هكذا أمرني ربي»، والمراد بقوله «إذا توضأ»؛ إذا كان بصدد الوضوء، وليس معناه أنه يؤخر ذلك إلى ما بعد الانتهاء من الوضوء، و الحَنَك ما تحت الذقَن والظاهر من النظر في الأدلة أن تخليل اللحية لا يجب إذا كان الجلد لا يظهر من تحتها، أما إن ظهر الجلد من تحتها؛ فإن تخليلها واجب، لأنه يتوقف عليه الغسل المأمور به، فانظر كيف خفف في غسل الوجه المغطى بها، فجعله مستحبا، لأن الشعر جزء من المرء، كما رخص في المسح على الرجل والرأس إذا غطيا، والله أعلم.

стр. 396

• قوله: ١١ - «ثم يغسل يده اليمنى ثلاثا أو اثنتين، يفيض عليها الماء، ويعركها بيده اليسرى، ويخلل أصابع يديه بعضها ببعض، ثم يغسل اليسرى كذلك، ويبلغ فيهما بالغسل إلى المرفقين، يدخلهما في غسله، وقد قيل إليهما حد الغسل، فليس بواجب إدخالهما فيه، وإدخالهما فيه أحوط، لزوال تكلف التحديد». تقديم اليمين على اليسار معلوم من هدي النبي ﷺ ، فإنه كان يحب التيامن في شأنه كله، وثبت تقديم اليد اليمنى والرجل اليمنى على اليسرى منهما في الوضوء، وأمر بذلك في غسل الميت، وقال: «إذا لبستم وإذا توضأتم فابدأوا بميامنكم»، رواه أبو داود (٤١٤١) وابن ماجة (٤٠٢) وغيرهما من حديث أبي هريرة، وقد صححه جمع من الحفاظ. وقوله «يغسل يده اليمنى ثلاثا أو اثنتين»، قال أبو الحسن في شرحه كفاية الطالب الرباني: «انظر لأي شيء خير في غسل اليدين، ولم يخير في غسل الوجه والرجلين»؟. قلت: لعل ذلك للفرق بين اليدين والوجه في حاجة الأخير إلى مزيد عناية للاستيعاب، لكونه غير مسطح كاليدين، يدل عليه أنه ثبت أن النبي ﷺ غسل وجهه ثلاثا ويديه مرتين، كما في حديث عبد الله بن زيد المازني الصحيح وهو في الموطإ أول كتاب الطهارة، ثم يقال إنه ورد عن الإمام ما يدل على رغبته عن الاكتفاء بالمرة الواحدة لكون ذلك لا يستوعب غالبا، وإنما يفعله العالم، فلعل كلام المؤلف فيه إشارة إلى هذا الأمر، قال ابن حبيب عن مالك: «ولا أحب الواحدة إلا من العالم بالوضوء، ولا أحب أن ينقص من اثنتين»، وانظر هذا مع ما ثبت من توضئه ﷺ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وفعله قدوة.

стр. 397

وحد غسل اليدين المرفقان، بفتح الميم وكسر الفاء، وبالعكس، وفي دخولهما في غسل اليدين، ودخول الكعبين في غسل الرجلين قولان: الأول رواية ابن نافع عن مالك، قال: «وليس عليه أن يجاوز بالغسل المرفقين والكعبين في الوضوء، وإنما عليه أن يبلغ إليهما»، ووجهه أن إلى تفيد الغاية، وما قبل الغاية مخالف لما بعدها، والمشهور وجوب غسل المرفقين والكعبين، وإليه نحا ابن القاسم في المدونة، فتكون إلى بمعنى مع، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ [النساء: ٢]، أي مع أموالكم، وهذا هو الذي ينصره دليل الفعل، فإنه في مثل هذه الحالة مبين لما أجمل في القرآن من معنى إلى، إذ كان لها أكثر من معنى بحسب ما بعدها: هل هو من جنس ما قبلها أو لا؟، ومن ذلك حديث أبي هريرة أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: «هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ»، رواه مسلم، قال خليل: «ويديه بمرفقيه»، وقال عن الرجلين: «ورجليه بكعبيه الناتئتين بمفصلي الساقين»، ولبعض المتأخرين من أهل المذهب عدم وجوب إدخالهما في الغسل ذكره ابن رشد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وقد روى الدراقطني والبهيقي عن جابر أن النبي ﷺ كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. والمذهب وجوب تخليل أصابع اليدين، واستحباب تخليل أصابع الرجلين، والظاهر عدم الفرق في وجوب تخليل الجميع، وليس اختصاص الرجلين بالمسح على الخفين بناهض للتفريق في هذا الأمر، ولا شدة اتصال أصابع الرجلين بعضها ببعض، مما يجعلها كالعضو الواحد. فإن قيل: إن هذا ليس من الظاهر في الرجلين، فالجواب: أنه أيضا ليس من الظاهر في اليدين، والمعول عليه أنه قد ورد في السنة ما يدل على وجوب تخليلهما، فقد روى أبو داود (١٤٢) والترمذي (٣٨)، وقال حسن صحيح عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قال، قال النبي ﷺ : «إذا توضأت فخلل الأصابع»، لفظ الترمذي، وهو كما ترى عموم،

стр. 398

وروى الترمذي أيضا (٣٩) عن ابن عباس مرفوعا، وقال حسن غريب: «إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك»، وفيه صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف، فلعله حسنه لما له من شاهد أو متابع كما هي عادته، وروى أبو داود (١٤٨) والترمذي (٤٠) عن المستورد بن شداد الفهري قال: «رأيت النبي ﷺ إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره»، وفيه ابن لهيعة، لكن تابعه الليث في شيخه يزيد بن عمرو الغفاري كما ذكره القرطبي في تفسيره في آية الوضوء من سورة المائدة. وقال القرطبي: «الصحيح أنه لا يجزئه فيهما إلا غسل ما بينهما كسائر الرجل، إذ ذلك من الرجل، كما أن ما بين أصابع اليد من اليد، فإن الإنسان مأمور بغسل الرجل جميعها، كما هو مأمور بغسل اليد جميعها»، ثم ذكر عن مالك أنه لما بلغه ما رواه ابن وهب من تخليل النبي ﷺ لأصابع رجليه قال له: «إن هذا لحسن، وما سمعته قط إلا الساعة»، وسمعته سئل بعد ذلك عن تحليل الأصابع في الوضوء فأمر به»، فليتعظ المتعصبون لمالك المخالفون لمنهجه الذي منه التسليم للسنة دون تردد.

стр. 399

• قوله: ١٢ - «ثم يأخذ الماء بيده اليمنى فيفرغه على باطن يده اليسرى، ثم يمسح بهما رأسه، يبدأ من مقدمه من أول منابت شعر رأسه، وقد قرن أطراف أصابع يديه بعضها ببعض على رأسه، وجعل إبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بيديه ماسحا إلى طرف شعر رأسه مما يلي قفاه، ثم يردهما إلى حيث بدأ، ويأخذ بإبهاميه خلف أذنيه إلى صدغيه، وكيفما مسح أجزأه إذا أوعب رأسه، والأول أحسن، ولو أدخل يديه في الإناء ثم رفعهما مبلولتين ومسح بهما رأسه أجزأه». أخذ ماء جديد للرأس ورد في صفة وضوء النبي ﷺ في حديث عبد الله بن زيد الذي في الصحيح (خ/ ١٩٢) قال: «ثم أدخل يده في الإناء فمسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر بهما»، ولأنه عضو مستقل، فاستقل بتجديد الماء على الأصل، لكن روى أبو داود (١٣٠) عن الربيع بنت معوذ بن عفراء في صفة وضوئه ﷺ قالت: «مسح برأسه من فضل ماء كان في يده»، فإذا صح هذا كان عدم أخذ ماء جديد للرأس سائغا أحيانا، أو بحسب ما يتخلف في اليد منه. والمذهب استيعاب الرأس كله، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه مسح رأسه كله، وقد سئل مالك عن الرجل يمسح مقدم رأسه في وضوئه أيجزئه ذلك؟، فقال: حدثني عمرو بن يحي عن أبيه عن عبد الله ابن زيد فقال: «مسح رسول الله ﷺ في وضوئه من ناصيته إلى قفاه»، علقه البخاري. وقد روى البخاري (٢٠٥) عن عمرو بن أمية الضمري قال: «رأيت رسول الله ﷺ

стр. 400

يمسح على عمامته وخفيه». وروى مسلم من حديث المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فذكر القصة وفيها: «ثم مسح بناصيته وعلى العمامة،،،»، والناصية مقدم شعر الرأس، لكن هذا لا يحتج به على أن مسح الرأس يجزئ فيه بعضه كما هو واضح، بل يحتج به على فعل نحو ما فعل النبي ﷺ بأبي هو وأمي، فتجوز كل من الصفات الثلاثة، والمذهب أن ذلك لا يسوغ من غير عذر. لكن ابن ناجي ﵀ في شرحه لرسالة ابن أبي زيد لم ير تقييد ذلك بالعذر، فقال: «وقول أحمد بن حنبل ﵁ أقرب، وهو الذي يميل إليه بعض أصحابنا لأن الأصل عدم الأعذار، وكونه ﷺ داوم على غيره؛ لا يدل على قول أهل المذهب، لأن مداومته إن فعله مرة واحدة تدل على الإباحة»، وهذا كلام في غاية القوة. وقد ترجم البخاري بقوله: (باب مسح الرأس كله، لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾)، فإن قيل: الباء للتبعيض فيكفي مسح البعض، قيل: فعل النبي ﷺ مبين للقرآن، وهو يدل على أنها ليست للتبعيض، فيحتمل أنها زائدة، أعني صلة، والأولى اعتبارها للإلصاق، ومؤداهما واحد في مطلوبية استيعاب الرأس كما تقدم في غسل اليدين والرجلين. أما ما بينه المؤلف من الكيفية؛ فإن البدء بمقدم الرأس هو المشهور وهو الوارد في الصحيح في صفة المسح، والقول الثاني يبدأ من وسط الرأس، والثالث يبدأ من مؤخره، ومراده بالصفة التي ذكرها استيعاب مسح الرأس، وهي وافية بالمراد، لكنها ليست متعينة، وهكذا ما يتعلق بأخذ الماء للرأس، فإن الكيفية الأولى التي ذكرها، هي لابن القاسم، والثانية وهي قوله: ولو أدخل يديه في الإناء ورفعهما مبلولتين،،،»؛ لمالك.

стр. 401

• قوله: ١٣ - «ثم يفرغ الماء على سبابتيه وإبهاميه، وإن شاء غمس ذلك في الماء، ثم يمسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما». أهل المذهب مختلفون في حكم مسح الأذنين على أقوال: أحدها: أنه سنّة، وهذا هو المشهور، والثاني: اختلاف الباطن عن الظاهر، ثم اختلفوا فيما هو الباطن والظاهر، وقد جاء في بعض الآثار ما يدل على أن الجهة الموالية للرأس هي الظاهركما في الحديث علي الأتي، والقول الثالث: أن مسحهما فرض، وهو قول ابن مسلمة والأبهري كما نص عليه ابن ناجي، وهذا هو الذي قامت عليه الأدلة، ومنها قول النبي ﷺ «الأذنان من الرأس» رواه أبو داود والترميذي وابن ماجة عن أبي أمامة، وهي في منتقى الباجي. أما تجديد الماء للأذنين؛ فمن المستحبات في المذهب، وقد ورد ذلك في بعض روايات حديث عبد الله بن زيد عند الحاكم والبيهقي، وقال هذا إسناد صحيح. وذكر الحافظ في بلوغ المرام أن المحفوظ من حديث عبد الله بن زيد إنما هو: «ومسح برأسه بماء غير فضل يديه». ونفى ابن القيم في الهدي ثبوت أخذ ماء جديد لهما عن النبي ﷺ ، وحيث ثبت أن الأذنين من الرأس كما تقدم، فإنه يكفي في مسحهما بقية ماء الرأس، وهذا ما جاءت به الأحاديث، فإن كثيرا منها لم يذكر فيه مسح الأذنين، والسبب أن مسح الرأس يشملهما، وفي بعضها ذكر مسحهما متصلا بمسح الرأس كما تجده في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبي داود (١٣٥)، وسيأتي ذكره، أما الأحاديث التي ذكر فيها مسحهما فلم يرد في جمهورها تجديد الماء، غير أن في حديث علي عند أبي داود (١١٧) في صفة وضوئه ﷺ أنه ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه،،، ثم مسح رأسه وظهور أذنيه»،،، الحديث، وهذا ليس فيه تجديد، وإنما فيه تبعية ظاهر الأذنين للوجه في الغسل، وباطنهما للرأس في

стр. 402

المسح، أما الاحتجاج لتجديد الماء لهما بأن «المغسولات نفلا انفردت عن المغسولات فرضا، فكذلك الممسوحات نفلا يجب أن تنفصل عن الممسوحات فرضا»، فهذا نظر صائب، لكنه مبني على سنية مسح الأذنين، وهو المشهور في المذهب، وقد علمت ما فيه، فضلا عن كونه رأيا في مقابل النص على أنهما من الرأس، وهو قول مالك فلا يتم المراد، أما قول ابن يونس كما في شرح ابن ناجي إنهما من الرأس في الصفة - يعني في المسح - لا في الحكم، فهو مجرد تحكم، وبعد فالظاهر أن مالكا إنما اعتمد في تجديد الماء للأذنين كعادته لما اختلف فيه على فعل ابن عمر ﵄ الذي رواه في موطإه (٦٦) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يأخذ الماء بإصبعيه لأذنيه»، فهذا مأخذ قوله، قال في المدونة: «الأذنان من الرأس ويستأنف لهما الماء، وكذلك فعل ابن عمر» واستمتع بما في هذين البيتين من جمال واعمل بهما. الأذن كالوردة مخلوقة … فلا تمرن عليها بالخنا فإنه أنتي من جيفة … فاحرص على الوردة أن تنتنا

стр. 403

• قوله: ١٤ - «وتمسح المرأة كما ذكرنا، وتمسح على دلاليها، ولا تمسح على الوقاية، وتدخل يديها من تحت عقاص شعرها في رجوع يديها في المسح». لا فرق بين الرجل والمرأة في عموم الأحكام إلا ما دل الدليل على اختصاص أحدهما به، ولما كان طول شعرها وسترها له، قد يراه البعض مظنة للتخفيف؛ بين المؤلف أن لا اختصاص لها بشيء في ذلك. قال ابن المسيب: «الرجل والمرأة في المسح سواء»، علقه البخاري عنه، والدلالان تثنية دلال بفتح الدال؛ هو ما استرسل من شعرها على صدغيها أو غيرهما، مهما كان طويلا، فإنها مطالبة بمسحه، والوقاية ما تربط به شعرها لتقيه من الغبار ونحوه، فلا يكفي المسح عليها، وقد علمت كون مسح الرأس على ثلاثة أوجه، فتكون المرأة والرجل في ذلك سواء، والعقاص جمع عقيصة، وهي الخصلة بضم الخاء من الشعر تلوى ثم تعقد، وقد يستعان على ذلك بخيط ونحوه، والمراد ما تشده من شعرها، فإنها تدخل يديها من تحته لتمسحه، وليس عليها حله.

стр. 404

• قوله: ١٥ - «ثم يغسل رجليه: يصب الماء بيده اليمنى على رجله اليمنى، ويعركها بيده اليسرى قليلا قليلا، يوعبها بذلك ثلاثا، وإن شاء خلل أصابعه في ذلك، وإن ترك فلا حرج، والتخليل أطيب للنفس، ويعرك عقبيه وعرقوبيه، وما لا يكاد يداخله الماء بسرعة، من جساوة، أو شقوق، فليبالغ بالعرك مع صب الماء بيده، فإنه جاء الأثر: «ويل للأعقاب من النار»، وعقب الشيء طرفه وآخره، ثم يفعل باليسرى مثل ذلك». يتعين غسل الرجلين في الوضوء إذا كانتا عاريتين أو عليهما خف لبس على غير طهارة كما سيأتي في المسح على الخفين، ففي هذه الحالة يتعين غسلهما إلى الكعبين بدخول الغاية كما تقدم، ودليله قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ بنصب أرجلَكم عطفا على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾، أما القراءة بخفض أرجلكم؛ ففيها أكثر من وجه، وأولى ما تحمل عليه ما بينتها به السنة، وهو جواز المسح عليهما إذا كانتا مغطاتين بالخفين أو الجورين عند بعض العلماء، ولأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه مسح رجليه، بل دل الدليل على أن ترك الشيء اليسير منهما دون غسل تهاونا متوعد عليه بالويل، ولا يقال إن ذلك الوعيد جاء في حق الغاسل، فلا يتناول الماسح، كما ذهب إليه ابن رشد في بداية المجتهد، لأنه يقال إنه لو أجزأ مسحهما من غير غطاء لمحل الفرض؛ لكان غسلهما مع ترك شيء منهما غير مؤثر، والعمدة ما علمت من السنة. واعلم أنه قد اختلف في المذهب هل الرجلان ينطبق عليهما عدد الغسلات، أو المطلوب فيهما الإنقاء، والمؤلف قد اختار ما ذكره، ولعله نص على الثلاثة هنا دون بقية الأعضاء مع تساويها؛ لاختلاف الرجلين عن غيرهما، ولورود الوعيد فيهما، وهو في

стр. 405

الصحيح عن أبي هريرة قال: «أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «ويل للأعقاب من النار»، وهو في الموطإ (٣٤) بلاغا عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، قال الترمذي (٤١) عقب هذا الحديث: «وفقه هذا الحديث أنه لا يجوز المسح على القدمين، إذا لم يكن عليهما خفان أو جوربان»، وقد ورد عن ابن عمر الزيادة في غسل الرجلين على العدد المحدد، وعلق البخاري عنه أن الإسباغ الإنقاء، فلعل القول بذلك في المذهب مبني على هذا الأثر، وانظر الفتح (١/ ٣١٦)، وقد علمت مما تقدم أن تخليل أصابع الرجلين واجب كتخليل أصابع اليدين، لكن المشهور في المذهب استحباب التخليل، وثمة قول بالوجوب، ومن العجب أن يعلل بعضهم عدم وجوب التخليل بالاختلاف في وجوب غسلهما، فهل هذا من مراعاة الخلاف؟ وعبارة المؤلف في العناية بغسل الرجلين وتتبع ما قد يمنع وصول الماء إلى بعض أجزائهما شبيهة بما في النوادر، قال: «ويجيد عرك ما لا يداخله الماء بسرعة لجساوة برجليه، أو غبرة عرقوبيه، أو شقوق حتى يسبغه، يقول النبي ﵇: «ويل للأعقاب من النار».

стр. 406

• قوله: ١٦ - «وليس تحديد غسل أعضائه ثلاثا بأمر لا يجزئ دونه، ولكنه أكثر ما يفعل، ومن كان يوعب بأقل من ذلك؛ أجزأه إذا أحكم ذلك، وليس كل الناس في إحكام ذلك سواء». بين أن المتوضئ لا يجب عليه أن يغسل أعضاءه ثلاث مرات، وأن المدار على استيعاب الأعضاء بالغَسل، فإذا حصل بواحدة؛ أجزأت، وكان ما بعدها مستحبا، لكنه لا يجوز له أن يتجاوز الثلاثة، فقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود (١٣٥) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي ﷺ ، فقال: «يا رسول الله كيف الطهور»؟، فدعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل يديه ثلاثا، ثم مسح برأسه، فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجله ثلاثا، ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص؛ فقد أساء وظلم»، قال الألباني ﵀: «حسن صحيح دون قوله: (أو نقص)؛ فإنه شاذ». قلت: قوله «أو نقص» إن كان المراد النقص من عدد الغسلات؛ فإنه ينافيه توضؤ النبي ﷺ مرة ومرتين وثلاثا، وقد يكون المراد النقص عن الحد المعين لغسل الأعضاء، فلا تكون الزيادة منافية، فلا يحكم عليها بالشذوذ في نفس الأمر، والله أعلم. وقوله: أو «زاد»؛ يعني الزيادة على ثلاث مرات، وهذه لا تشرع، وهناك زيادة أخرى وهي غسل ما زاد على المرفقين والكعبين، وهي المسماة بالتحجيل، والزيادة في غسل الوجه وهي الغرة، وهذه مختلف فيها، والظاهر أنهاغير مشروعة. وقال العلامة ابن باز ﵀ فيما علقه على فتح الباري إن المشروع منها التحجيل، يعني في الرجلين واليدين اعتمادا على حديث أبي هريرة عند مسلم أنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد،،، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله

стр. 407

ﷺ يتوضأ»، وقد تقدم بتمامه. واعلم أن الرأس لا يثلث ومثله الأذنان، لأن المسح مبني على التخفيف، لكن ورد في بعض روايات حديث عثمان عند أبي داود (١٠٧ و ١٠٨) في صفة وضوء النبي ﷺ أنه مسح رأسه ثلاثا، وقال بذلك الشافعي، قال أبو داود معلقا على حديث عثمان بعد أن أورد روايتين له فيها تثليث الرأس: «أحاديث عثمان ﵁ الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا، وقالوا فيها: ومسح رأسه، ولم يذكروا عددا كما ذكروا في غيره»، قال الحافظ في الفتح: (باب مسح الرأس مرة): «ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح - إن صحت - على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا على أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس جمعا بين الأدلة»، وانظر أيضا الفتح: (باب الوضوء ثلاثا، ثلاثا)، وقد روي عن مالك ما ظاهره التثليث، ولم يحضرني موضعه الآن، وذهب إليه الألباني، وحمله على ما تقدم أولى. واعلم أنه كما يجوز الاقتصار على مرة في الغسل، كذلك يجوز التلفيق في عدد الغسلات، بأن يغسل وجهه ثلاث مرات، ويديه مرتين، وقد ثبت هذا في حديث عبد الله بن زيد الصحيح، وأخذ منه بعضهم فعل ذلك في غير ما ذكر من الوجه واليدين، ومنهم الترمذي ﵀، فقد ترجم على الحديث بقوله: «باب فيمن يتوضأ بعض وضوئه مرتين، وبعضه ثلاثا»، ثم قال: «وقد رخص بعض أهل العلم في ذلك لم يروا بأسا أن يتوضأ الرجل بعض وضوئه ثلاثا، وبعضه مرتين، أو مرة»، ولعل عدم التوسع بالقياس أولى.

стр. 408

• قوله: ١٧ - «وقد قال رسول الله د من توضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عده ورسوله»؛ فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء»، وقد استحب بعض العلماء أن يقول بإثر الوضوء: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين». الدعاء الأول الذي ذكره رواه أحمد ومسلم وأبو داود (١٦٩) وغيرهم عن عمر ابن الخطاب ﵁، لكن ما قاله المؤلف من رفع الطرف زيادة لم تثبت، والمراد بالطرف بسكون الراء البصر، ولا يشرع رفع البصر في الصلاة إلى السماء، لورود النهي عن ذلك. والدعاء الثاني جاء في حديث الترمذي (٥٥) عن عمر بن الخطاب أيضا قال، قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء»، وقد أعله الترمذي بالاضطراب والانقطاع، وصححه الألباني. ولنذكر في ختام الوضوء التمندل، وهو تجفيف الأعضاء، قال ابن القاسم في العتبية عن مالك (النوادر ١/ ٢١): «لا بأس أن يمسح وجهه بخرقة من ماء الوضوء، وإني لأفعله»، قيل: نهى عنه بلال بن عبد الله بن عمر!!، فأنكر ذلك وقال: ولو قاله بلال، أيؤخذ ذلك منه؟، وقد ورد في جواز التمندل الحديث الذي رواه الترمذي (٥٣) عن عائشة قالت: «كان لرسول الله ﷺ خرقة ينشف بها بعد الوضوء»، قال الترمذي ليس بالقائم، وفي تحفة الأحوذي نقلا عن عمدة القاري قال: وروى النسائي في الكنى بسند صحيح عن أبي مريم

стр. 409

إياس بن جعفر عن فلان: رجل من الصحابة «أن النبي ﷺ كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه»، فهذا شاهد لحديث عائشة، أما رد النبي ﷺ المنديل الذي ناولته إياه زوجه ميمونة وهو في الصحيح؛ فليس بدليل على المنع من التمندل، لكونه واقعة حال، يتطرق إليها الاحتمال، ولأن فيه إشارة إلى سبق استعماله.

стр. 410

• قوله: ١٨ - «ويجب عليه أن يعمل عمل الوضوء احتسابا لله تعالى، لما أمره به يرجو تقبله وثوابه، وتطهيره من الذنوب به، ويشعر نفسه أن ذلك تأهب وتنظف لمناجاة ربه، والوقوف بين يديه، لأداء فرائضه، والخضوع له بالركوع والسجود، فيعمل على يقين بذلك وتحفظ فيه، فإن تمام كل عمل بحسن النية فيه». لعل المؤلف أراد بهذا الإشارة إلى وجوب النية في الوضوء، وهو قول جمهور العلماء، واتفق أهل المذهب على وجوبها حكاه ابن رشد، ونص المازري على وجود الخلاف اعتمادا على ما روي عن الإمام من القول بعدم لزومها، وقد قال النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، رواه الشيخان والنسائي من طريق مالك وهو في رواية محمد بن الحسن الشيباني عنه.، كما رواه غيرهما من أصحاب السنن عن عمر بن الخطاب ﵁. رحم الله المؤلف ما كان أفقهه، لم يتحدث عن النية كما يتحدث عنها كثير من أهل الفقه، يلتفتون إلى جانبها الظاهر، بأن يقولوا ينوي رفع الحدث، أو استباحة الممنوع، أو أداء المفروض، وهي أمور مطلوبة، ولكنها لا تكفي في التنبيه على أهمية النية في العمل، فإن المرء يؤجر على نيته قطعا بفضل الله، وقد لا يؤجر على عمله إذا خلا من النية. وقد جاء في الحديث الذي رواه البيهقي عن أنس مرفوعا وهو ضعيف: «نية المؤمن خير من عمله»، وروى الطبراني عن سهل بن سعد مرفوعا: «نية المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيته، وكل يعمل على نيته: فإذا عمل المؤمن عملا ثار في قلبه نور»، وهو ضعيف كذلك.

стр. 411

إن العمل بلا نية لا يرفع ولا يصعد، فإن الذي يرفع من الأعمال؛ ما كان منها صالحا خالصا، قال تعالى: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، أما النية فقد تنفع بلا عمل، ولأن المؤمن يقوى على أن ينوي من الأعمال الصالحة التي لا قدرة له عليها، ما لا يقوى على الأعمال نفسها، فيؤجر على مجرد نيته. وقد رتب الشارع النجاة من بعض العقوبات على تحديث النفس بالعمل الصالح إذا لم يستطعه المرء، والحكمة في ذلك تشوفه إليه، ورغبته فيه، والتحفز لفعله لولا المانع، كما في المريض والمسافر يكتب لهما ما كانا يفعلانه في حال الصحة والإقامة من النوافل، وقال النبي ﷺ : «ما من امرئ تكون له صلاة بليل بغلبه عليها نوم إلا كتب له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة»، رواه مالك في الموطإ (٢٥٣) عن عائشة، وقد رتب الشرع الوعيد على خلو القلب من تمني بعض صالح الأعمال متى لم يستطعها المرء، إذ قال النبي ﷺ : «من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو؛ مات على شعبة من النفاق» وسوى الله تعالى بين المجاهدين وبين القاعدين للعذر، وقد أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن الذين حبسهم العذر أن لهم من الثواب مثل من خرج للجهاد، وقال بعضهم في ذلك: يا سائرين إلى البيت العتيق لقد … سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر وعن قدر … ومن أقام على عذر فقد راحا أما أن عمل المنافق خير من نيته؛ فمعناه أنه ينتفع به الانتفاع العاجل بطلب الرياء والسمعة به، وحقن دمه، أو لأنه لو كان يفعل كل ما ينوي لأهلك الحرث والنسل، فهو ينوي شرورا كثيرة، ولا يتمكن من تنفيذها كلها، فعمله من هذه الحيثية خير من نيته. إن لب العبادة أن يخلص المرء لله فيها، وأن يريد بها وجهه ، ويحتسب أجرها عنده، ولا يفعلها بحكم الاعتياد والمتابعة للناس، كما عليه كثير منهم، ولا رياء ينال بها جاها ورفعة وثناء منهم، ومن شأن من يعبد الله مستحضرا أنه مطيع له بعمله، منقاد لأمره، راج به ثوابه، متق به عقابه؛ أن يكون العمل خفيفا عليه، لا يشعر بالمشقة فيه، بل يستمرئه ويستحليه، ويستغرق فيه، ويسهل عليه إتقانه كما قال النبي ﷺ : «إني أبيت عند ربي

стр. 412

يطعمني ويسقيني»: لها أحاديث من ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور يستضاء به … ومن حديثك في أعقابها حاد وتتحقق إرادة وجه الله تعالى بالعمل باستحضار نية العبادة الخاصة، بأن يكون المكلف عالما بأنه يتوضأ، أو يصلي الظهر، أو يخرج زكاة ماله، وخير له أن يستحضر مع تلك النية؛ نية أخرى، وهي قصد التقرب إلى الله تعالى بذلك العمل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البيِّنة: ٥]. ومن المعلوم أن العمل لا يكون مقبولا حتى يكون صوابا وخالصا، فأما الصواب من العمل فما وافق السنة، وأما الخالص منه فما ابتغي به وجه الله تعالى، قال ذلك بعض السلف في معنى قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [المُلك: ٢]. وقد ورد في فضائل الوضوء وكونه مما تحط به الخطايا أحاديث عدة، ولا ريب أن من كان مخلصا بعبادته أسعد الناس بذلك الأجر، فإن الاحتساب هو الإخلاص، ومنها قول رسول الله ﷺ : «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط»، رواه مالك (٣٨٤) ومسلم (٢٥١) والترمذي (٥١)، وإسباغ الوضوء إتمامه وإكماله باستيعاب العضو، وقد يدخل التكرار المشروع، والمكاره جمع مكره؛ ما يكرهه الشخص ويشق عليه من نحو برد أو بحث عن الماء، ومحو الخطايا غفرانها، أو محوها من كتب الحفظة، وهما متلازمان، والرباط ملازمة ثغور بلدان المسلمين لحمايتها، جعل النبي ﷺ ما ذكره من الوضوء وما بعده بمنزلة الرباط في الأجر، فليلزم هذا الرباط من لم يقدر على الرباط الآخر.

стр. 413

٥ - باب الغسل • قوله: ١ - «أما الطهر؛ فهو من الجنابة ومن الحيضة والنفاس سواء». يعني أن كيفية الغسل واحدة، يستوي فيها رفع الحدث الأكبر من جنابة أو انقطاع دم الحيض أو النفاس، وهكذا إذا كان الغسل غير واجب كغسل الجمعة في المذهب، وغسل العيد عند من قال به، فمقصود المؤلف أن الأغسال المشروعة كلها كيفيتها واحدة، فالتشبيه في الصفة، والله أعلم.

стр. 414

• قوله: ٢ - «فإن اقتصر المتطهر على الغسل دون الوضوء أجزأه». من اغتسل دون أن يقدم أعضاء وضوئه؛ صح غسله، وفاتته الفضيلة الثابتة بفعله ﷺ . فقد روى الشيخان وأبو داود (٢٣٩) عن جبير بن مطعم أنهم ذكروا عند رسول الله ﷺ الغسل من الجنابة، فقال رسول الله ﷺ : «أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا»، وأشار بيديه كلتيهما، وورد من فعله ﷺ في حديث عائشة في الصحيحين وأبي داود (٢٤٠) قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه»، الحلاب بكسر الحاء وتخفيف اللام هو إناء يسع قدر ما يحلب من الناقة، وقولها فقال بهما على رأسه، تعني أفرغهما عليه، يطلقون القول على الفعل فيقولون قال بيده، والمراد أن هذا والذي قبله فيه غسل الجسم فحسب، وهو يجزئ في الغُسل، فإن تقديم أعضاء الوضوء فيه مندوب إليه، وإنما كان غسله مجزئا، وجاز له أن يصلي به - إن لم ينتقض وضوؤه - لاندراج الطهارة الصغرى في الكبرى، وتكفيه نية رفع الحدث الأكبر. قال ابن القاسم وابن نافع عن الإمام كما في النوادر: «وإن لم يتوضأ قبل الغسل ولا بعده أجزأه الغسل إذا أمر يديه على مواضع الوضوء»، ونحوه في المدونة.

стр. 415

• قوله: ٣ - «وأفضل له أن يتوضأ بعد أن يبدأ بغسل ما بفرجه أو جسده من الأذى، ثم يتوضأ وضوء الصلاة، فإن شاء غسل رجليه، وإن شاء أخرهما إلى آخر غسله». دلّ على تقديم أعضاء الوضوء في الغسل حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- الذي في الموطإ (٩٦) والصحيحين وسنن أبي داود (٢٤٢) أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض على جلده كله»، وقد تضمن هذا الحديث تقديم أعضاء الوضوء، وتخليل شعر الرأس، ثم إفاضة الماء على سائر الجسد، وقول عائشة في الحديث: «بدأ فغسل يديه»، يحتمل أن يكون إشارة إلى غسلهما مما فيهما من الأذى بعد غَسل الفرج، ويحتمل أنه الغسل المتعين على من قام من النوم، وقد روى هذه الكيفية علي بن زياد عن مالك. فأما ما ذكره المؤلف من البدء بغسل ما بفرجه من الأذى؛ فلأنه إذا كان فيه ذلك ولم يغسله؛ اضطر إلى غسله بعد ذلك، فانتقض وضوؤه بالمس، وقد ثبت ذلك بالفعل فيكون مندوبا، وبذلك تكون طهارته على بدن طاهر، لكنه إنما يكفيه غسل الفرج وغيره قبل الشروع في الغسل إذا كان ذلك بنية رفع الحدث الأكبر، وقد جاء التصريح بغسل الفرج في حديث ميمونة وعائشة اللذين في الصحيح (خ/ ٢٥٧ و ٢٥٩)، (د/ ٢٤٢ و ٢٤٥)، قالت عائشة تصف غسله ﷺ ، وهو في صحيح مسلم: «يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ؛ حفن على رأسه ثلاث حفنات ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه»، وقولها: «حتى إذا رأى أن قد استبرأ»؛ تريد أوصل البلل إلى

стр. 416

جميعه، وقولها «توضأ وضوءه للصلاة»؛ مجاز، لتصريحها بغسله الرجلين في النهاية، وقولها «حفن»؛ أي أخذ الماء بيديه جميعا. قال الحافظ في الفتح عن زيادة غسل الفرج: «وهي زيادة جليلة، لأن بتقديم غسله يحصل الأمن من مسه في أثناء الغسل». ومما قيل في الحكمة من تقديم أعضاء الوضوء؛ تشريفها، ولكونها هي المقصودة بعد تحصيل الثانية، وفي تأخير الرجلين اكتناف الطهارة الصغرى للطهارة الكبرى، وقد يعتبر تقديم أعضاء الوضوء دلالة على تشوف الشارع إلى المبادرة إلى تخفيف الحدث الأكبر الناشئ عن جنابة أو حيض أو نفاس، كما في وضوء الجنب يريد النوم. وفي كلام المؤلف التخيير في تقديم غسل الرجلين أو تأخيرهما إلى نهاية الغسل، وقد جاءت أغلب الروايات في حديثي عائشة وميمونة بتقديمهما، فلما وافق التقديم حسب غالب الروايات الأصل الذي هو استكمال الوضوء كان من هذه الحيثية راجحا، والمشهور في المذهب تقديم غسل الرجلين. قال علي بن زياد عن الإمام في المجموعة: «وليتم وضوءه قبل غسله، وليس العمل على تأخير غسل الرجلين»، ثم قال: «وكان ابن عمر يؤخر غسل رجليه بعد الغسل، وذلك واسع». وفي المدونة قال مالك: في المتوضئ يغتسل من الجنابة ويؤخر غسل رجليه حتى يفرغ من غسله ثم يتنحى ويغسل رجليه في مكان طاهر، قال يجزئه ذلك»، وقد يؤخذ منه أن تقديم غسل الرجلين وتأخيرهما ينظر فيه إلى المكان، فتقدمان في المكان الطاهر، وتؤخران في غيره، وهي رواية عن الإمام. ويؤيده ما في حديث ميمونة عند الشيخين: (خ/ ٢٦٥): «ثم تنحى من مقامه فغسل قدميه». ونقل الباجي - كما في شرح ابن ناجي - عن مالك أن من أخر غسل رجليه من وضوء أعاد وضوءه بعد غسله، ووجهه والله أعلم أنه ترك الموالاة وهي واجبة مع الذكر والقدرة، ولأن مالكا ﵀ إنما روى في موطئه حسب رواية يحي بن يحي الليثي حديث

стр. 417

عائشة، وفيه أنه ﷺ «توضأ كما يتوضأ للصلاة»، فهذا وجه قوله، ويمكن أن يقيد بما إذا جفت الأعضاء في زمان وحال معتدلين، ولعله اطلع بعد ذلك على روايات الحديث الأخرى فتغيرت فتواه، فهي أولى من غيرها، والتعليل بترك الموالاة لا يقبل من قائله، لأنه لا عطر بعد عروس كما يقال. قال زروق: «ولأن العبادة لا تقطع العبادة، ولاسيما وأمد الغسل قريب جدا، إن عمل على مقتضى السنة، بل هما عبادة واحدة اندرج مندوبها في واجبها حكما، كما وجب إدراجه نية، نعم قال بعض الشيوخ: لا يؤخر رجليه في غسل الجمعة لأن الوضوء واجب، والغسل مندوب فيكون فاصلا، وفيه بحث فتأمله وبالله التوفيق».

стр. 418

• قوله: ٤ - «ثم يغمس يديه في الإناء، ويرفعهما غير قابض بهما شيئا، فيخلل بهما أصول شعر رأسه، ثم يغرف بهما الماء على رأسه ثلاث غرفات غاسلا له بهن». تخليل شعر البدن واجب في الغسل، ومن ذلك شعر الرأس، وإنما خص بالذكر لكونه أكثر شعر البدن حاجة إلى العناية بتخليله لكثافته، والكيفية المذكورة للتخليل، وحثي ثلاث حثيات على الرأس، وردتا في حديث عائشة السابق. قال ابن حبيب كما في النوادر: «لا أحب أن ينقص عن الثلاث، ولو عم بواحدة؛ زاد الثانية والثالثة»، انتهى. وقالوا: إن في تخليل أصول شعر الرأس حكمة طبية، وهي تَأَنس الرأس بالماء، فلا يتأذى لانقباض المسام إذا بلت، قاله أبو الحسن في شرحه، وهو شبيه ببل اليد قبل لقي الأذى، وليس في الغسل مما يسن فيه الزيادة على الواحدة غير ما ذكر من غرفات الرأس الثلاثة، وقد قال عياض لم يأت في تكراره شيء، ذكره ابن ناجي. قلت: قدجاء في تثليث الأعضاء في الغسل حديث عائشة عند النسائي والبهيقي وصحح طريقه الحافظ.

стр. 419

• قوله: ٥ - «وتفعل ذلك المرأة، وتضغث شعر رأسها، وليس عليها حل عقاصها». هذه إشارة إلى ما تقدم من كيفية الغسل، ولعله ذكره ليرتب عليه ما بعده، وهو ضغث المرأة شعر رأسها، والمرأة والرجل في أحكام الشرع سواء، إلا ما دل الدليل على اختلافهما فيه، لقول النبي ﷺ في كون الاحتلام موجبا لاغتسال المرأة كما هو موجب لاغتسال الرجل: «إنما النساء شقائق الرجال»، رواه أبو داود (٢٣٦) والترمذي عن عائشة، ومعنى أنهن شقائق لهم؛ أنهن نظائر لهم في الخلق والطبيعة، ولذلك فعليهن ما على الرجال من الأحكام، هذا هو الأصل. وأصل الضغث الخلط، والمراد جمع الشعر وتحريكه وعركه ليداخله الماء، ولا تطالب المرأة بحل عقاصها، جمع عقيصة، وهي الخصلة المضفورة من الشعر، ودليل ذلك حديث أم سلمة قالت، قلت: «يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟، فقال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين»، رواه مسلم، وأبو داود (٢٥١)، والضفر بفتح الضاد وإسكان الفاء هو المضفور من الشعر. وفي المدونة: «وقال مالك في الحائض والجنب لا تنقض شعرها عند الغسل، ولكن تضغثه بيديها» و الحديث كما نرى في غسل الجنابة وقد جاء نقض الضفر في الاغتسال من الحيض، ومتى كان الأنفع للمرأة النقض كما هو الشأن في الأماكن الباردة لحاجتها إلى تجفيف شعرها؛ فإن العمل به هو الأصل، وعدم تكليفها النقض تخفيف ليس غير. وقوله: «ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين»؛ فيه حجة للجمهور الذين ذهبوا إلى أنه لا يجب إمرار اليد على الجسد في الغسل، وحجة أهل المذهب أن الغسل لا يكون إلا

стр. 420

كذلك في اللغة، وبالقياس على الوضوء للاتفاق على إمرار اليد فيه على الأعضاء، وسيأتي ذكر رواية عن الإمام موافقة لظاهر الأحاديث. ومن ملح المدونة: «سئل مالك عن الرجل يغسل جسده، ولا يغسل رأسه، وذلك لخوفه من امرأته!!، ثم يدع غسل رأسه حتى يجف جسده، ثم تأتي امرأته لتغسل رأسه، هل يجزئه ذلك من غسل الجنابة؟، قال: وليستأنف الغسل».

стр. 421

• قوله: ٦ - «ثم يفيض الماء على شقه الأيمن، ثم على شقه الأيسر، ويتدلك بيديه بإثر صب الماء حتى يعم جسده، وما شك أن يكون الماء أخذه من جسده عاوده بالماء ودلكه بيده حتى يوعب جميع جسده». تقديم الميامن على المياسر معروف دليله العام والخاص، ومن ذلك قول عائشة -رضي الله تعالى عنها- كان رسول الله ﷺ يحب التيامن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله»، رواه البخاري ومسلم، والترمذي والتنعل لبس النعل، والترجل الامتشاط، أما الدلك الذي هو إمرار اليد على الجسد؛ فلأن به يتم معنى الغسل المطلوب، فإن مجرد صب الماء على الجسد لا يسمى غسلا، ووجوبه هو المشهور، وقد قيل إنه واجب لذاته، وقيل واجب لإيصال الماء، وقيل لا يجب وهو قول ابن عبد الحكم كما في شرح زروق، قلت بل هو مروي عن الإمام أيضا، قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: «رواه مروان بن محمد الظاهري، وهو ثقة من ثقات الشاميين: سألت مالك بن أنس عن رجل انغمس في ماء، وهو جنب ولم يتوضأ، قال: مضت صلاته»، انتهى. وقد كنت أظن اعتمادا على وصف الظاهري أن عدم شيوع هذه الرواية عن الإمام مرجعه إلى أنها لم يروها واحد من أصحابه، ولا من أتباع مذهبه، ثم رجعت إلى كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي، فعلمت أن مروان بن محمد المذكور نسبته الطاطري، بطاءين مبهمتين، كان يطلق على كل من يبيع الثياب الكرابيس بدمشق، فلعلها التبست على ناسخها فكتبها محرفة، لكن القاضي عياض في المدارك (١/ ٥٤) عده في أصحاب مالك بالشام، وقال الططوي بطاءين وواو، فانظر ما يفعل النساخ بالأخبار، أما أن أصحاب مالك لايأخذون برواية الطاطري كما ذكره ابن تيمبة في مجموع الفتاوى (١/ ٢٢٩) فهذا غير لازم لكونه ثقة.

стр. 422

وقد مال ابن عبد البر إلى أنه يجوز أن يكون مسمى الغسل في اللغة تارة مقيدا بإمرار العضو على العضو، وأخرى يكتفى فيه بصب الماء، كما دلت عليه أحاديث الاغتسال ولغة العرب، فيكون كل واحد من الأمرين أصلا في نفسه، قال والأصول لا يرد بعضها إلى بعض، وهذا كلام في منتهى التحقيق، ومؤداه أنه لا يقاس الغسل على الوضوء لأن كلا منهما أصل. ولا يشترط في الدلك - ووجوبه هو المشهور كما رأيت - أن يترافق مع صب الماء، بل يكفي ولو بعده. قال خليل: «ودلك ولو بعد صب الماء»، وما ذكره المؤلف يريد به تعميم الجسد بالماء مع الدلك، وقد ذكر فيما بعد مواضع لا يصلها الماء كما يصل غيرها، فقال:

стр. 423

• قوله: ٧ - «ويتابع عمق سرته، وتحت حلقه، ويخلل شعر لحيته، وتحت جناحيه، وبين أليتيه، ورفغيه، وتحت ركبتيه، وأسافل رجليه، ويخلل أصابع يديه، ويغسل رجليه آخر ذلك، يجمع ذلك فيهما لتمام غسله، ولتمام وضوئه، إن كان أخر غسلهما». المطلوب في الطهارة الكبرى غسل ظاهر الجسد، والمذكور هنا هو مواضع لا يصل إليها الماء كما يصل إلى غيرها، فإذا لم يهتم بها؛ أوشك أن لا يعمها الماء فلا يصح الغسل على المشهور، ومن ذلك ما تحت الحلق، يعني الذقن، وما تحت الجناحين يعني به الإبطين، ومن ذلك تخليل اللحية الكثيفة، فإن المشهور وجوبه في الغسل بخلاف الوضوء، وقد احتج مالك على تخليلها في الغسل بأن النبي ﷺ خلل أصول شعر رأسه، فقاسها عليه، وهي رواية أشهب عنه في العتبية، وهذا قياس متمكن، فإن شأن الرأس في الوضوء المسح، ومع ذلك ارتقي في الطهارة الكبرى إلى غسله وتخليل شعره، وشأن الوجه في الوضوء الغسل، واللحية منه، فيكون هذا من القياس الأولوي، ورواية ابن القاسم عنه فيها لا يجب تخليلها في الغسل، ووجهها أنها ليست من ظاهر الجسد، وقد ورد في تخليل شعر البدن حديث أبي هريرة مرفوعا: «إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر»، رواه أبو داود (٢٤٨) والترمذي وقال غريب، وفيه الحرث بن وجيه، قال الترمذي: ليس بذاك، وقال أبو داود: «حديثه منكر، وهو ضعيف». والبشرة بفتح الباء والشين ما ظهر من البدن، فباشر البصر من الناظر إليه، قاله الخطابي، وأبى القرطبي أن يكون في هذا الحديث دليل على وجوب الدلك في الغسل على افتراض صحته، اعتمادا على تفسير سفيان بن عيينة للبشرة بأنها كناية عن الفرج، وهو مقدم في التفسير على غيره، وروى أبو داود (٢٤٩) وابن ماجة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال،

стр. 424

قال رسول الله ﷺ : «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها؛ فعل به كذا وكذا من النار». قال علي: «فمن ثم عاديت رأسي، فمن ثم عاديت رأسي»، ثلاثا، وكان يجز شعره، قال الحافظ في التلخيص (١٩٠) إن سنده إلى علي صحيح، والصواب: وقفه. قلت: إذا صح موقوفا فإن الظاهر أنه مما لا يقال بالرأي. والأليتان بفتح الهمزة وسكون اللام هما المقعدتان عند مجتمع الوركين، والرفغان مثنى رفغ بفتح الراء وضمها؛ هو باطن الفخذ، وما تحت الركبتين، وهما المأبضان بفتح الميم وكسر الباء، وقد روى أبو داود (٢٤٣) من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- في صفة غسل النبي ﷺ قالت: «كان إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ بكفيه فغسلهما، ثم غسل مرافغه، وأفاض عليه الماء،،، الحديث، والمرافغ المواضع الخفية من البدن كالإبطين وأصل الفخذين، جمع رفغ على غير قياس، تضم راؤه وتفتح مع سكون فائه، لكنه لا يدل على وجوب الدلك في الغسل، بل الظاهر أنه للتنظيف. وتخليل أصابع اليدين واجب كما في الوضوء، وكذلك أصابع الرجلين، وقد تقدم ذكر مواضع أخرى ينبو عنها الماء في الوضوء كأسارير الجبهة، وما تحت المارن، وغيرهما فلتذكر هنا.

стр. 425

• قوله: ٨ - «ويحذر أن يمس ذكره في تدلكه بباطن كفه، فإن فعل ذلك وقد أوعب طهره، أعاد الوضوء، وإن مسه في ابتداء غسله، وبعد أن غسل مواضع الوضوء منه؛ فليمر بعد ذلك بيديه على مواضع الوضوء بالماء على ما ينبغي من ذلك وينويه». تقدم أن مسّ الذَّكَر بباطن الكف أو جنب الأصابع ناقض للوضوء، فمن غسل فرجه بنية رفع الحدث الأكبر، ثم عمم جسده كما هو مطلوب، فقد حصل على الطهارتين، قدم أعضاء الوضوء أو لا، ما لم يمس ذكره، فإن فعل فإنه لا يصلي بذلك الوضوء لانتقاضه، بل عليه أن يعيده، وإنما نبه على هذا دون غيره من النواقض لأنه هو الغالب على المغتسل. لكن من أعاد الوضوء بعد إكمال غسله؛ يتعين عليه تجديد النية، ومن مس ذكره في أثناء غسله؛ فإنه يجزئه أن يمر بيده على تلك الأعضاء، وهل يتعين عليه التجديد أو تكفيه النية الأولى قولان؟، المؤلف على الأول، ووجهه أنه وضوء جديد، لأن الطهارة ذهبت بالمس، فاحتاج إلى النية كما لو لم يكن قد اغتسل، وقال القابسي: لا يجددها، ووجهه أن النية باقية ضمنا في نية الطهارة الكبرى التي لا تنتهي إلا بغسل كل الجسد.
следующие страницы →