Полный текст (2 782 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
• قوله:
٦ - «ثم يفيض الماء على شقه الأيمن، ثم على شقه الأيسر، ويتدلك بيديه بإثر صب الماء حتى يعم جسده، وما شك أن يكون الماء أخذه من جسده عاوده بالماء ودلكه بيده حتى يوعب جميع جسده».
تقديم الميامن على المياسر معروف دليله العام والخاص، ومن ذلك قول عائشة -رضي الله تعالى عنها- كان رسول الله ﷺ يحب التيامن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله»، رواه البخاري ومسلم، والترمذي والتنعل لبس النعل، والترجل الامتشاط، أما الدلك الذي هو إمرار اليد على الجسد؛ فلأن به يتم معنى الغسل المطلوب، فإن مجرد صب الماء على الجسد لا يسمى غسلا، ووجوبه هو المشهور، وقد قيل إنه واجب لذاته، وقيل واجب لإيصال الماء، وقيل لا يجب وهو قول ابن عبد الحكم كما في شرح زروق، قلت بل هو مروي عن الإمام أيضا، قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: «رواه مروان بن محمد الظاهري، وهو ثقة من ثقات الشاميين: سألت مالك بن أنس عن رجل انغمس في ماء، وهو جنب ولم يتوضأ، قال: مضت صلاته»، انتهى.
وقد كنت أظن اعتمادا على وصف الظاهري أن عدم شيوع هذه الرواية عن الإمام مرجعه إلى أنها لم يروها واحد من أصحابه، ولا من أتباع مذهبه، ثم رجعت إلى كتاب سير أعلام النبلاء للذهبي، فعلمت أن مروان بن محمد المذكور نسبته الطاطري، بطاءين مبهمتين، كان يطلق على كل من يبيع الثياب الكرابيس بدمشق، فلعلها التبست على ناسخها فكتبها محرفة، لكن القاضي عياض في المدارك (١/ ٥٤) عده في أصحاب مالك بالشام، وقال الططوي بطاءين وواو، فانظر ما يفعل النساخ بالأخبار، أما أن أصحاب مالك لايأخذون برواية الطاطري كما ذكره ابن تيمبة في مجموع الفتاوى (١/ ٢٢٩) فهذا غير لازم لكونه ثقة.
стр. 422
وقد مال ابن عبد البر إلى أنه يجوز أن يكون مسمى الغسل في اللغة تارة مقيدا بإمرار العضو على العضو، وأخرى يكتفى فيه بصب الماء، كما دلت عليه أحاديث الاغتسال ولغة العرب، فيكون كل واحد من الأمرين أصلا في نفسه، قال والأصول لا يرد بعضها إلى بعض، وهذا كلام في منتهى التحقيق، ومؤداه أنه لا يقاس الغسل على الوضوء لأن كلا منهما أصل.
ولا يشترط في الدلك - ووجوبه هو المشهور كما رأيت - أن يترافق مع صب الماء، بل يكفي ولو بعده.
قال خليل: «ودلك ولو بعد صب الماء»، وما ذكره المؤلف يريد به تعميم الجسد بالماء مع الدلك، وقد ذكر فيما بعد مواضع لا يصلها الماء كما يصل غيرها، فقال:
стр. 423
• قوله:
٧ - «ويتابع عمق سرته، وتحت حلقه، ويخلل شعر لحيته، وتحت جناحيه، وبين أليتيه، ورفغيه، وتحت ركبتيه، وأسافل رجليه، ويخلل أصابع يديه، ويغسل رجليه آخر ذلك، يجمع ذلك فيهما لتمام غسله، ولتمام وضوئه، إن كان أخر غسلهما».
المطلوب في الطهارة الكبرى غسل ظاهر الجسد، والمذكور هنا هو مواضع لا يصل إليها الماء كما يصل إلى غيرها، فإذا لم يهتم بها؛ أوشك أن لا يعمها الماء فلا يصح الغسل على المشهور، ومن ذلك ما تحت الحلق، يعني الذقن، وما تحت الجناحين يعني به الإبطين، ومن ذلك تخليل اللحية الكثيفة، فإن المشهور وجوبه في الغسل بخلاف الوضوء، وقد احتج مالك على تخليلها في الغسل بأن النبي ﷺ خلل أصول شعر رأسه، فقاسها عليه، وهي رواية أشهب عنه في العتبية، وهذا قياس متمكن، فإن شأن الرأس في الوضوء المسح، ومع ذلك ارتقي في الطهارة الكبرى إلى غسله وتخليل شعره، وشأن الوجه في الوضوء الغسل، واللحية منه، فيكون هذا من القياس الأولوي، ورواية ابن القاسم عنه فيها لا يجب تخليلها في الغسل، ووجهها أنها ليست من ظاهر الجسد، وقد ورد في تخليل شعر البدن حديث أبي هريرة مرفوعا: «إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر»، رواه أبو داود (٢٤٨) والترمذي وقال غريب، وفيه الحرث بن وجيه، قال الترمذي: ليس بذاك، وقال أبو داود: «حديثه منكر، وهو ضعيف».
والبشرة بفتح الباء والشين ما ظهر من البدن، فباشر البصر من الناظر إليه، قاله الخطابي، وأبى القرطبي أن يكون في هذا الحديث دليل على وجوب الدلك في الغسل على افتراض صحته، اعتمادا على تفسير سفيان بن عيينة للبشرة بأنها كناية عن الفرج، وهو مقدم في التفسير على غيره، وروى أبو داود (٢٤٩) وابن ماجة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال،
стр. 424
قال رسول الله ﷺ : «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها؛ فعل به كذا وكذا من النار».
قال علي: «فمن ثم عاديت رأسي، فمن ثم عاديت رأسي»، ثلاثا، وكان يجز شعره، قال الحافظ في التلخيص (١٩٠) إن سنده إلى علي صحيح، والصواب: وقفه.
قلت: إذا صح موقوفا فإن الظاهر أنه مما لا يقال بالرأي.
والأليتان بفتح الهمزة وسكون اللام هما المقعدتان عند مجتمع الوركين، والرفغان مثنى رفغ بفتح الراء وضمها؛ هو باطن الفخذ، وما تحت الركبتين، وهما المأبضان بفتح الميم وكسر الباء، وقد روى أبو داود (٢٤٣) من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- في صفة غسل النبي ﷺ قالت: «كان إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ بكفيه فغسلهما، ثم غسل مرافغه، وأفاض عليه الماء،،، الحديث، والمرافغ المواضع الخفية من البدن كالإبطين وأصل الفخذين، جمع رفغ على غير قياس، تضم راؤه وتفتح مع سكون فائه، لكنه لا يدل على وجوب الدلك في الغسل، بل الظاهر أنه للتنظيف.
وتخليل أصابع اليدين واجب كما في الوضوء، وكذلك أصابع الرجلين، وقد تقدم ذكر مواضع أخرى ينبو عنها الماء في الوضوء كأسارير الجبهة، وما تحت المارن، وغيرهما فلتذكر هنا.
стр. 425
• قوله:
٨ - «ويحذر أن يمس ذكره في تدلكه بباطن كفه، فإن فعل ذلك وقد أوعب طهره، أعاد الوضوء، وإن مسه في ابتداء غسله، وبعد أن غسل مواضع الوضوء منه؛ فليمر بعد ذلك بيديه على مواضع الوضوء بالماء على ما ينبغي من ذلك وينويه».
تقدم أن مسّ الذَّكَر بباطن الكف أو جنب الأصابع ناقض للوضوء، فمن غسل فرجه بنية رفع الحدث الأكبر، ثم عمم جسده كما هو مطلوب، فقد حصل على الطهارتين، قدم أعضاء الوضوء أو لا، ما لم يمس ذكره، فإن فعل فإنه لا يصلي بذلك الوضوء لانتقاضه، بل عليه أن يعيده، وإنما نبه على هذا دون غيره من النواقض لأنه هو الغالب على المغتسل.
لكن من أعاد الوضوء بعد إكمال غسله؛ يتعين عليه تجديد النية، ومن مس ذكره في أثناء غسله؛ فإنه يجزئه أن يمر بيده على تلك الأعضاء، وهل يتعين عليه التجديد أو تكفيه النية الأولى قولان؟، المؤلف على الأول، ووجهه أنه وضوء جديد، لأن الطهارة ذهبت بالمس، فاحتاج إلى النية كما لو لم يكن قد اغتسل، وقال القابسي: لا يجددها، ووجهه أن النية باقية ضمنا في نية الطهارة الكبرى التي لا تنتهي إلا بغسل كل الجسد.
стр. 426
٦ - باب فيمن لم يجد الماء، وصفة التيمم
• قوله:
١ - «التيمم يجب لعدم الماء في السفر؛ إذا يئس أن يجده في الوقت، وقد يجب مع وجوده إذا لم يقدر على مسه في سفر أو حضر لمرض مانع، أو مريض يقدر على مسه، ولا يجد من يناوله إياه، وكذلك مسافر يقرب منه الماء، ويمنعه منه خوف لصوص أو سباع».
التيمم في اللغة هو القصد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧] وفي الشرع: «القصد إلى الصعيد لمسح الوجه واليدين بنية استباحة العبادة، عند عدم الماء، أو عند عدم القدرة على استعماله»، ثم أطلق على نفس المسح المذكور توسعا، وأهل العرف العام عندنا يريدون به الحجر نفسه.
وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣]، وفي حديث جابر المتفق عليه خ/ ٣٣٥) أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، واحلت لي المغانم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة»، وقد سمي التيمم في الحديث طهورا ووضوءا لقيامه مقام
стр. 427
الطهارة بالماء، وتقدم ذكر ذلك في أول باب من هذا الجزء.
وقد قال بعض أهل العلم إن حكمة التيمم أن الله لما علم من النفس الكسل والميل إلى ترك الطاعة، وترك العمل الذي فيه صلاحها؛ شرع لها التيمم عند عدم الماء، حتى لا تصعب عليها الصلاة عند وجوده، وقيل إن الحكمة أن تكون طهارته دائرة بين الماء والتراب اللذين منهما أصل خلقته، وقوام بنيته،،،»، قاله ابن ناجي، وقد ذكر ما هو قريب منه الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره، وابن العربي في المسالك.
ولا بأس بالتماس الحكمة من مشروعية الأعمال في كنف الانضباط العلمي الشرعي، لكن قال الشيخ الطاهر بن عاشور ﵀ في كتابه كشف المغطى: «هذا العمل هو عمل رمزي محض، وهو توهم المتطهر أنه يتطهر بمصدر الماء ومنبعه وقراره، وهو الحجر والتراب، إذ الأرض منبع الماء وقراره،،،»، إلى أن قال: «فأولى الأشياء وأقربها إليه هو الأرض، وما ظهر عليها، وهو الصعيد المقصود في آية التيمم، وأحسب أنه لا يوجد حكم وهمي في شرائع الإسلام غير التيمم، فلا تنتقض القاعدة التي أصلناها في كتاب (أصول النظام الاجتماعي) وهي أن الإسلام حقائق لا أوهام»، انتهى.
والقول عن التيمم إنه عمل رمزي محض، وتوهم من المتطهر به غير مقبول، بل هو مجازفة، ولو أبقى الشيخ على ما قرره في كتابه أصول النظام الاجتماعي من أن الإسلام حقائق لا أوهام؛ لكان خيرا له وللناس، على أن تقرير هذا الأمر بالنسبة للمسلم من باب تحصيل الحاصل، مع العلم أن قولنا بذلك عن أحكام الله تعالى لا يتوقف على إدراكنا للمناسبات والعلل، فإن الحق عندنا ما ثبت أنه شرع الله، أدركنا مناسبته وحكمته أو لا، فلو اكتفى المؤلف بالقول إن التيمم حكم تعبدي محض لجرى على ما دأب عليه سلفه من العلماء، ولأصاب ما أراد، بل الوضوء كذلك عند الجمهور، ولو أرخى المرء العنان لنفسه لوصف كل العبادات بما وصفها به هذا العالم، وميل النفس إلى التماس الحكم والمناسبات والعلل معروف، وهو مقبول إذا جاء غير مخالف للمنصوص، ولا ذريعة إلى باطل، وقد قيل لمالك: «إن فلانا يحدثنا بالغريب»، قال: «من الغريب نفر»، وقال بعضهم
стр. 428
له: «ليس في كتابك غريب»، فقال مالك: «سررتني».
والتيمم يقوم مقام الماء في حالين ذكرهما المؤلف:
أحدهما: فقدان الماء الذي يكفي للطهارة، فمن وجد ما يكفي لبعض الأعضاء فهو كعادم الماء في المذهب، إذ ليس فيه الجمع بين استعمال الماء والتيمم، إلا في بعض صور المسح على الجبيرة، ويستوي في ذلك المسافر والحاضر، وإنما نص المؤلف على المسافر لأن فقدان الماء يغلب في تلك الحال، ولأن الذي نص على تيممه في القرآن إنما هو المسافر الفاقد للماء والمريض، أما الحاضر الصحيح فتيممه مأخوذ من السنة، ولهذا قالوا لا يتيمم الحاضر الصحيح للجمعة، ولا أحسب أن ثمة دليلا على هذا الاستثناء.
والمسوغ الثاني للتيمم: عدم القدرة على استعمال الماء لمرض واقع، أو متوقع، أو زيادته، أو تأخر برئه، وكذلك إذا عدم المريض من يناوله الماء، فهو كعادمه، لكن الانتقال إلى التيمم لخوف التلف باستعمال الماء متفق عليه، أما ما دونه مما ذكر؛ فالمشهور أنه يتيمم، وقال مالك لا يتيمم ويستعمل الماء، نقله زروق وابن ناجي وقال: «والأقرب هو الأول، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولقد أحسن أشهب ﵁ في قوله لما سئل عن مريض لو تكلف الصوم والصلاة لقدر، لكن بمشقة وتعب، فأجاب بأن قال: «فليفطر ويصل جالسا ودين الله يسر،» انتهى كلام ابن ناجي.
قلت: قال ابن حبيب عن مالك وهو في النوادر: «إذا خاف المسافر الجنب إن اغتسل الموت أو العلة الشديدة؛ فليتيمم وليصل، ولا يعيد في وقت ولا غيره»، فهذا يدل على أنه يرى التيمم من غير خشية التلف والله أعلم.
ومن أدلة مشروعية تيمم الجنب للخوف على النفس؛ حديث عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فاشفقت أن أغتسل فأهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال يا عمار صليت بأصحابك وأنت جنب؟، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: سمعت الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
стр. 429
إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضحك ولم يقل شيئا»، رواه أبو داود (٣٣٤) وعلقه البخاري، قال الحافظ في الفتح إسناده قوي، وفي رواية أنه توضأ، فيظهر أنه جمع بين الوضوء والتيمم.
ومن المناسب الإشارة إلى أن أهل العلم اختلفوا هل التيمم رخصة، أو عزيمة، والظاهر أنه عزيمة لأنه بدل عن الماء بالشروط المعتبرة، وقيل هو عزيمة لفاقد الماء رخصة للمريض، ولا مانع أن يكون رخصة في بعض الأحوال التي يطالب فيها المكلف على وجه الاستحباب بتأخير الصلاة إذا كان يرجو أن يزول عذره بوجود الماء أو بزوال المانع عموما، وقد استصحبوا الإجماع في محل النزاع، فقالوا بصحة صلاة من دخل فيها فاقد الماء، ثم وجده وهذا هو الحق.
قال مالك في الموطإ (١١٨): «من قام إلى الصلاة فلم يجد ماء، فعمل بما أمره الله به من التيمم؛ فقد أطاع الله، وليس واجد الماء بأطهر منه، ولا أتم صلاة، لأنهما أمرا جميعا، فكل عمل بما أمره الله به، وإنما العمل بما أمر الله به من الوضوء لمن وجد الماء، والتيمم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة»، انتهى.
واعلم أن ربنا ﵎ اشترط لمشروعية التيمم عدم وجود الماء لأنه قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وظاهر ذلك أن المصلي مطالب بالبحث عن الماء لكل صلاة، فإن لم يجده تيمم، وقد رتب على ذلك أهل المذهب وغيرهم أن التيمم لا يصح إلا بعد دخول الوقت، وحيث إنه يجب عليه أن يطلب الماء لكل صلاة، لم يجز له أن يصلي بالتيمم أكثر من فرض، واختلف في الصلوات الفائتة كما سيأتي، والظاهر أن من لم يكن الماء في محيطه القريب الذي لا يشق عليه الوصول إليه، وهو عالم بعدم وجوده أنه غير مطالب بالعودة للبحث عنه، فيكون غير واجد للماء؛ فيتيمم ويصلي.
وقد ذكر المؤلف أن التيمم يجب إذا يئس من وجود الماء، أو كان واجدا له ومنعه من الوصول إليه أو من استعماله مانع كالمريض لا يجد من يناوله إياه، والصحيح يمنعه من الوصول إليه لصوص أو سباع أو مانع آخر، فمن يئس من هؤلاء أن يجد الماء في
стр. 430
الوقت، أو يئس أن يزول عذره قبل خروج الوقت، يشرع له التيمم، لكن فاقد الماء وفاقد القدرة على استعماله قد يتوقعان زوال المانع قبل خروج الوقت، وقد ييئسان من زواله، وقد يكونان شاكين في ذلك، وسيأتي تفصيل هذا الأمر فيما بعد، والمراد بالوقت في هذا الباب الوقت المختار حسب تفصيل أهل المذهب الذي سيأتي في بابه.
стр. 431
• قوله:
٢ - «وإذا أيقن المسافر بوجود الماء في الوقت؛ أخر إلى آخره، وإن يئس منه؛ تيمم في أوله، وإن لم يكن عنده منه علم؛ تيمم في وسطه، وكذلك إن خاف أن لا يدرك الماء في الوقت، ورجا أن يدركه فيه».
فاقد الماء إما موقن بوجوده في الوقت، وإما يائس من وجوده فيه، وإما راج وجوده، وإما متردد فيه، وهو من استوى عنده الاحتمالان، فالأول يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت ترجيحا للطهارة المائية التي هي الأصل، على الصلاة أول الوقت وهي فضيلة، أما الراجي؛ فإنه يؤخر لوسط الوقت عند المؤلف مراعاة لدرجة علمه؛ وأما اليائس من وجود الماء في الوقت؛ فلا حاجة به إلى الانتطار والتأخير، لأنه يفوت فضيلة أول الوقت من غير داع.
وفي كلام المؤلف ما عده بعضهم خروجا عن المعروف في المذهب، وهو أن الراجي كالموقن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، والمسألة كما ترى مبنية على قواعد التزاحم أو الترجيح بين أصلين هما: أصل تحصيل الطهارة المائية، وأصل المبادرة بالصلاة، فيكون للنظر فيها مجال، ما لم يأت دليل على خلاف ذلك، ولعل ترجيح أصل المبادرة أولى، فمن فعل فقد أحسن.
ومن المجموعة قال ابن نافع عن مالك: «ومن لم يجد الماء فليتيمم في الوقت الوسط، وإن رجا الماء؛ فحتى يخاف فوات الوقت».
وقال في المدونة: «وإن كان مسافر وهو على يقين من الماء أن يدركه في الوقت؛ فليؤخر حتى يدرك الماء».
وقال ابن حبيب: «والمسافر اليائس من الماء؛ يتيمم أول الوقت، والذي يرجوه في الوقت؛ فليؤخره إلى آخره
стр. 432
• قوله:
٣ - «ومن تيمم من هؤلاء، ثم أصاب الماء في الوقت بعد أن صلى: فأما المريض الذي لم يجد من يناوله إياه؛ فليعد، وكذلك الخائف من سباع ونحوها، وكذلك المسافر الذي يخاف أن لا يدرك الماء في الوقت، ويرجو أن يدركه فيه، ولا يعيد غير هؤلاء».
من وجد الماء أو زال عذره قبل الدخول في الصلاة؛ فجمهور أهل العلم ذهبوا إلى أنه يتعين عليه استعمال الماء، ولو لم تنتقض طهارته، لعموم قول النبي ﷺ : «فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك»، أما من حصل ذلك له في الصلاة، فالمذهب أنه يمضي في صلاته، وهو مفهوم قول مالك في الموطإ وقد تقدم، أما من وجد الماء بعد الصلاة، وقبل خروج الوقت؛ فهو الذي ذكره المؤلف هنا، وإعادته مستحبة في المذهب، وتكون في الوقت المختار، لأن الذمة قد برئت بفعل الصلاة بوجه مشروع، لكن لما كان فاقدو الماء المتقدم ذكرهم مختلفين في قوة العذر، وفي درجة العلم بزواله، فإذا خالفوا ما هو المطلوب منهم كما سبق تفصيله؛ لزم أن يعامل كل منهم بحسب ما هو عليه من قوة العذر والعلم بزواله، وقد ذكر المؤلف أن الذي يعيد الصلاة منهم في الوقت ثلاثة أصناف:
المريض الذي لا يجد مناولا، لما قد يكون فيه من تفريط في اهتمامه بإعداد وَضوئه في الوقت المناسب إذا كان يتوقع افتقاد المناول، الثاني الخائف من السباع ونحوها لما قد يكون في ظنه ذلك من توهم وتقصير الثالث الراجي، لعدم تأخيره الصلاة إلى آخر الوقت.
قال في المدونة، وقال مالك: «لا يتيمم في أول الوقت مسافر ولا مريض ولا خائف، إلا أن يكون المسافر على إياس من الماء، فإذا كان على إياس من الماء؛ تيمم وصلى في أول الوقت، وكان ذلك جائزا له ولا إعادة عليه وإن قدر على الماء، والمريض والخائف يتيممان في وسط الوقت، وإن وجد المريض أو الخائف الماء في ذلك الوقت فعليهما
стр. 433
الإعادة،،،».
والأصل في إعادة من تيمم ثم وجد الماء؛ حديث أبي سعيد الخدري قال: «خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ ، فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك»، وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين»، رواه النسائي وأبو داود (٣٣٨) واللفظ له، وقال: وذكر أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ، وهو مرسل، ومال الحافظ في التلخيص إلى إثباته، وصححه الألباني.
والحديث يدل على المبادرة إلى الصلاة ممن كان فاقدا للماء من غير تفصيل، لقوله: «فحضرت الصلاة،،، فتيمما صعيدا طيبا فصليا»، وعلى عدم مطلوبية الإعادة ممن تيمم، ثم وجد الماء في الوقت، لقوله ﷺ لمن لم يعد: «أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك».
فإن قيل: كيف لا يعيد، وقد قال لمن أعاد: «لك الأجر مرتين»؟، قيل: قال ذلك له، لأنه صلى الصلاة مرتين، فيؤجر عليهما معا لاجتهاده في معرفة الحق، الذي لم يتقدم له معرفة به، ولم يكن يعلم عدم مشروعية الإعادة، وليس بلازم أن لا يكون مخطئا.
فإن قيل: يلزم منه أن المخطئ أكثر أجرا من المصيب؛ قيل: لا يلزم ذلك، لما هو معلوم من الحديث الصحيح أن للمجتهد المصيب أجرين، وللمخطئ أجر واحد، لكن المجتهد المخطئ قد يكون اجتهاده في حكم لغيره كالقاضي والحاكم والمفتي؛ فله أجر واحد، وللمصيب أجران، وقد يكون اجتهاده في فعل كما هو الأمر هنا، فله أجر الفعل، وهو هنا قد فعله مرتين، لكن لا يلزم من أجره مرتين؛ أن يكون أجر المصيب أقل منه، لحديث الحاكم المتقدم أولا، ولأن من أ صاب السنة لم يذكر له أجر؛ حتى نوازنه بأجري من لم يصبها مجتهدا، وليس بعد السنة إلا المخالفة لها لمن كان عالما بها، أو الخطأ لمن اجتهد غير عالم بها، وقد ذكرت أمثلة لتعارض مثل هذين الدليلين في موضع آخر.
стр. 434
• قوله:
٤ - «ولا يصلي صلاتين بتيمم واحد من هؤلاء؛ إلا مريض لا يقدر على مس الماء لضرر بجسمه مقيم، وقد قيل: يتيمم لكل صلاة، وقد روي عن مالك فيمن ذكر صلوات أن يصليها بتيمم واحد».
مشهور المذهب أن المريض وغيره سواء في وجوب التيمم لكل فريضة، وما ذكره المؤلف بصيغة التمريض هو قول ابن القاسم، وهذا أحد المواضع التي أورد فيها ابن أبي زيد قول ابن القاسم بصيغة التمريض، والمغاربة يقدمون قول ابن القاسم ولوخارج المدونة على ما في الموطإ، وقد جمع ابن غازي في نظائر الرسالة المواضع التي أورد فيها ابن ابي زيد قول ابن القاسم بصيغة التمريض، فقال:
ضعف قول العتقي فاعلم … في الجرح والرضاع والتيمم
وقيل ذا في الفجر والتشهد … والحيض بالليل وقتل الولد
وفي رفع التيمم الحدثَ ثلاثة أقوال:
أولها: أنه يرفع الحدث الأصغر، وممن قال بذلك الزهري وسعيد بن المسيب والحسن.
والثاني: أنه يرفع الحدثين، وهو قول أبي سلمة بن عبد الرحمن التابعي المعروف كما في المصنف لعبد الرزاق (٨٩١)، وقد نقل الإجماع على خلافه ابن عبد البر.
وقال الشوكاني في النيل: «وهو مذهب متروك بإجماع من بعده ومن قبله، وبالأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره ﵌ للجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء»، لكن الشوكاني ذهب في السيل الجرار إلى ما ذهب إليه أبو سلمة، فإنه قال بعد كلام: «وإذا وجد الماء في الوقت فليس عليه إعادة ولا غسل، لأن الجنابة قد ارتفعت،
стр. 435
وكذا إذا وجده بعد الوقت فلا يغتسل لهذه الجنابة التي قد تيمم لها، لأنها قد ارتفعت بالتيمم»، وبعد أن أورد على نفسه ما في حديث عمران بن حصين الطويل عند البخاري (٣٤٤)، وحديث الطبراني في الكبير عن أسلع خادم النبي ﷺ ، وفي الأول أن النبي ﷺ أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء وقال: اذهب فأفرغه عليك، وفي الثاني أنه أمر من كان جنبا بالتيمم، فتيمم، ثم مروا بماء، فقال له: أمس هذا جلدك، ثم قال: «ليس في الحديثين ما يفيد أن الأمر بالغسل للجنابة التي قد تيمم لها كما ذكرت، ولو كان كذلك لأمره بإعادة الصلاة التي كان قد فعلها بالتيمم، ولم يثبت ذلك، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولو سلمنا ما ذكرت؛ لكان معارضا بحديث عمرو بن العاص الصحيح،،، ولم يأمره بالغسل»، انتهى.
قلت: الذي ظهر لي من الحديثين أن الغسل في حديث عمران بن حصين للجنابة التي تيمم لها، إذ من المستبعد أن يكون قد أجنب مرة أخرى، ومن أين للنبي ﷺ أن يعلم ذلك؟، والمعاملة بالظاهر هنا لا بالغيب، وهكذا في الحديث الثاني، فإن فيه أنه أمره بالتيمم، ثم قال له أمس هذا جلدك، وهذا ليس الوضوء، بل هو الاغتسال، فجواب الشوكاني عن الحديثين ليس بالواضح كما هو واضح، أما أنه لم يأمر عمرا بالاغتسال حين أقره على تيممه وصلاته بأصحابه، فلا يقوى على معارضة ما في الحديثين لاحتمال كونه عالما بالحكم، وأقصى دلالة حديث عمرو أن يكون ظاهرا فيما قاله، والآخر نص فيقدم عليه، فالحق أن التيمم يرفع الحدث رفعا مؤقتا بزوال المانع، وبناء على هذا القول؛ فإن من تيمم للجنابة لا يطالب بعد ذلك إلا بالوضوء إن كان قادرا عليه، حتى إذا زال عذره اغتسل، وإنما العلم عند الله.
والقول الثالث: أن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يستباح به الممنوع استباحة مؤقتة بزوال العذر، وهو المشهور في المذهب، ولذلك كان الواجب نية الحدث الأكبر إن كان، متى انتقضت طهارة المتيمم، ولو تكررت كما قال الشيخ خليل وهو بصدد ذكر واجبات التيمم: «ونبة أكبر إن كان ولو تكررت»، وقد استدل لهذا القول بأن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا
стр. 436
بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فكان الأصل أن يتوضأ المكلف لكل صلاة، فبينت السنة أن الوضوء لا يلزم إلا مَنْ أحدث، وبقي بدل الوضوء على الأصل، لكن الاستدلال بهذه الآية لمذهب مالك فيه نظر، ذلك أنه يراها في القائم إلى الصلاة من النوم، كما رواه في الموطإ (٣٨) عن زيد بن أسلم في تفسيرها، ومما استدلوا به أن المكلف مأمور بطلب الماء لكل صلاة، فإذا لم يجده تيمم، وينقض هذا أنهم قالوا يتيمم المريض لكل صلاة، وهو لا يطلب الماء، ثم ما وجه البحث عن الماء إذا كان المرء مستيقنا أنه غير موجود؟، ومما استدل به ما ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا يرون التيمم لكل صلاة، فقد صح ذلك عن ابن عمر كما نقله صاحب (الفتح ١/ ٥٧٩)، عن ابن المنذر، وقال لا يعرف له مخالف من الصحابة، وورد عن علي وابن عباس وعمرو بن العاص التيمم لكل صلاة، لكن ضعف الرواية عنهم ابن حزم في المحلى (٢/ ١٣١)، ومن تعاليق البخاري في (باب الصعيد الطيب وضوء المسلم) قال الحسن: «يجزئه التيمم ما لم يحدث»، وأم ابن عباس وهو متيمم».
وفي الموطإ سئل مالك عن رجل تيمم لصلاة حضرت، ثم حضرت صلاة أخرى أيتيمم لها، أم يكفيه تيممه ذلك؟، قال: «بل يتيمم لكل صلاة، لأن عليه أن يبتغي الماء لكل صلاة، فمن ابتغى الماء فلم يجده؛ فإنه يتيمم»، وقد علل الباجي ﵀ عدم رفع التيمم الحدث فقال: «ودليلنا على أنه لا يرفع الحدث أنه معنى لا يرفع الحدث مع وجود الماء فلم يرفعه مع عدمه كسائر المائعات»، انتهى، ولا يخفى عنك أن عدم رفع التيمم الحدثَ مع وجود الماء هو بمنع الشارع الذي جعله بدلا عنه عند افتقاده، لا مع وجوده للقادر عليه، فكيف يحتج بذلك هنا حيث لا ماء؟، أما المائعات فليست مما يتطهر به بحال، فلا يصح هذا في النظر.
والذي يظهر والله أعلم أن طلب الماء ولو قلنا بلزومه عند كل صلاة؛ فلا يلزم منه بطلان الطهارة المحرزة إذا لم يجده، كما لا يلزم من هذا الطلب أن التيمم طهارة ناقصة، لأن الله تعالى قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، وقد جاء هذا بعد ذكر الطهارة المائية
стр. 437
وبدلها وهو التيمم، وقول مالك: «وليس واجد الماء بأطهر منه، ولا أتم صلاة، لأنهما أمرا جميعا، فكل عمل بما أمره الله به»؛ يدل عليه، فالصواب: أنه إذا وجد الماء أو زال عذره بطلت طهارته بظاهر النص، وهو قول النبي ﷺ : «فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك»، وهذا عموم، أما إن لم يجده فإنه يستصحب الأصل وهو ما عليه من الطهارة، ودليله قول النبي ﷺ : «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك»، رواه أبو داود (٣٣٢) والترمذي وحسنه، وحيث إن الشارع قد سماه وضوءا كان له حكمه إلا ما دل الدليل على خلافه.
والمذهب أيضا أن التيمم لا يصح قبل دخول الوقت لما تقدم، ولقول النبي ﷺ في حديث أبي أمامة عند أحمد، فإن من جملة ما فيه: «فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة؛ فعنده مسجده وطهوره»، قالوا: إدراك الصلاة لا يكون إلا بعد دخول الوقت، لكن هذا كما تعلم بيان للواقع الغالب، والمراد أن من أراد أن يصلي تمكن من ذلك، فأنى لهم أن يأخذوا منه الشرطية؟، ثم ما ذا يقال عن الصلاة غير المؤقتة التي لا تدرك المكلف، بل يختار وقتها هو؟، ثم إن ما يشترط في الصلاة لا تختلف فيه الفريضة عن النافلة، فلم لا يتيمم لها، بل يصليها تبعا؟، وما حدود الزمن التبع الذي يجوز له فيه صلاة النافلة تبعا لتيمم الفريضة؟.
أما وجه قول مالك فيمن عليه صلوات أنه يتيمم لها تيمما واحدا كما رواه عنه أبو الفرج البغدادي؛ فلا ينقض أصله، وهو وجوب طلب الماء لكل صلاة، لأن تلك الصلوات يحل وقتها بذكرها، أو بزوال المانع منها، فهي كالصلاة الواحدة.
стр. 438
• قوله:
٥ - «والتيمم بالصعيد الطاهر، وهو ما ظهر على وجه الأرض منها من تراب، أو رمل، أو حجارة، أو سبخة».
وصف الله تعالى في كتابه الصعيد بالطيب، وهو الطاهر، أما المراد بالصعيد فهو التراب، أو وجه الأرض، قاله في القاموس، قال الزجاج عن الأخير: لا أعلم فيه خلافا بين أهل اللغة، ويطلق الصعيد على الأرض التي لا نبات فيها، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ [الكهف: ٨]، وقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، فكل ما كان وجها للأرض من تراب أو رمل أو سبخة؛ فهو من الصعيد الطيب الذي يتيمم به، ودليله عموم قول النبي ﷺ : «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، وهو متفق عليه من حديث جابر وقد تقدم، وما ورد في بعض الروايات من ذكر التراب؛ فإنه من التنصيص على بعض أفراد العام، فلا يخصص به، ولأن لفظ التراب لقب، فلا مفهوم له عند جمهور أهل الأصول، وقيل هو من باب حمل المطلق على المقيد، وليس بجيد.
واعلم أن في اشتراط التراب للتيمم انتقاصا من هذه الخصيصة التي للنبي ﷺ وأمته، وتضييقا على الناس لوجود أجزاء كثيرة من الأرض لا تراب فيها، فلا يتم الامتنان على هذه الأمة التي من شأن أفرادها أن يصلوا حيثما أدركتهم الصلاة، وكيف يقال في أجزاء الأرض الكثيرة المغطاة بغير التراب والحجارة كمناطق شمال وجنوب الأرض القريبة من القطبين، وهي مكسوة بالثلوج طول العام، وكذا بعض المناطق الاستوائية المكسوة بالنبات؟.
أما ما قاله الزمخشري عن قوله تعالى من سورة المائدة: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، وفحواه أن من في قوله
стр. 439
(منه) لا يفهم منها غير التبعيض؛ فليس بناهض أيضا لأوجه خمسة، أما أولا؛ فلأن سورة النساء ليس فيها هذا القيد، وقد نزلت قبل سورة المائدة، فيلزم على القول به؛ تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز، وأما ثانيا؛ فلأنه من المشروع نفض اليد من التراب كما وردت بذلك السنة، وقد لا يبقى بعد النفض شيء من التراب، وقد تيمم النبي ﷺ على حائط، وأما ثالثا؛ فعدم التسليم بكون من تبعيضية، وقد قال بعضهم إنها لابتداء الغاية، وأما رابعا؛ فلأن هذا القيد يحتمل الدلالة على مطلوبية وضع اليد على الصعيد لا الاكتفاء بالإيماء إليه، أشار إلى الأخير ابن العربي، وقد ورد عن النبي ﷺ وضع اليد على الصعيد حتى سمى ذلك ضربة، والخامس أن آية المائدة نصت على بعض أفراد الصعيد، وأن آية سورة النساء عمت أنواعه، على التسليم بأن من للتبعيض، والله أعلم.
وبعد هذا وقفت على كلام للشيخ أبي مالك كمال بن السيد في كتابه صحيح فقه السنة (١/ ٢٠٠)، وفيه الاستدلال على أن المراد بتربتها في الحديث ليس خصوص التراب، بل ما هو أعم منه، واحتج لذلك بحديث أبي هريرة عند مسلم مرفوعا، وفيه: «خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين،،،»، وهو استدلال متين قوي، فجزاه الله خيرا، وموضع الدليل فيه أن غير الجبال من أجزاء الأرض ليس ترابا فحسب، فيدخل غير التراب من الحجارة والرمل في التربة المذكورة في الحديث.
وفي المدونة قال يحي بن سعيد: «ما حال بينك وبين التراب فهو منها»، وفي شرح أبي الحسن: «ويدخل فيها الخشب غير المصنوع، والحشيش والزرع»، قال علي الصعيدي: «بقيود ثلاثة: إذا لم يجد غيره، ولم يمكن قلعه، وضاق الوقت، وبعد ذلك فهو ضعيف»، انتهى باختصار.
وفي التيمم على الثلج روايتان عن مالك الإثبات لابن حبيب، والنفي لأشهب، ولعل الجامع بينهما أنه إن لم يجد التراب والحجارة تيمم عليه، وإلا فلا يجزئه، يبينه قول ابن القاسم في المدونة: «سئل مالك عن اللبد، أيتيمم عليه إذا كان الثلج ونحوه؟، فأنكر ذلك»، وقال: «لا يتيمم عليه في قول مالك»، قلت: لابن القاسم: «فأين يتيمم في قول مالك إذا كان الثلج، وقد كره له أن يتيمم على لبد وما أشبه ذلك»؟، قال: «بلغني عن مالك أنه أوسع له
стр. 440
أن يتيمم على الثلج»، لكن ظاهر قول خليل في مختصره التيمم على الثلج ولو وجد غيره، قال: «وصعيد طهر كتراب، وهو الأفضل ولو نقل، وثلج وخضخاض،،،»، فأما السباخ ففي رواية ابن القاسم في المجموعة: «لا بأس بالصلاة في السباخ، والتيمم بترابها»، وهذا الذي قاله علقه البخاري عن يحي بن سعيد، «لا بأس بالصلاة على السبخة، والتيمم بها»، ولا يخفى أن ما كان من الصعيد من حجارة أو تراب ثم تغير عن أصله بالصناعة نحتا أو طبخا فإنه لا يتيمم عليه.
стр. 441
• قوله:
٦ - «يضرب بيديه الأرض، فإن تعلق بهما شيء؛ نفضهما نفضا خفيفا، ثم يمسح بهما وجهه كله مسحا، ثم يضرب بيديه الأرض، فيمسح يمناه بيسراه».
هذا بيان كيفية التيمم، والمراد بضرب الأرض باليدين وضعهما عليها، فيمسح بالضربة الأولى وجهه، وبالثانية يديه إلى المرفقين، والممسوح في التيمم عضوان بالإجماع هما الوجه واليدان، قال الله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، وقد اختلف في عدد الضربات، وفي منتهى مسح اليدين، فقيل ضربة واحدة يمسح بها وجهه ويديه إلى الكوعين، وهذا هو الذي دل عليه القرآن مجملا، وبينته السنة الصحيحة، وهو الذي يجب في مشهور المذهب، وتسن الضربة الثانية، والمسح إلى المرفقين، وجعل ابن رشد في بداية المجتهد وجوب المسح إلى المرفقين هو المشهور.
وقد قرر الحفاظ أن هذا الباب لم يصح فيه إلا حديثان وهما في الصحيحين وسنن أبي داود: (٣٢١ و ٣٢٩)، أولهما: حديث عمار واللفظ لمسلم قال: «بعثني النبي ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: «إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه»، وتمرغت؛ معناه تقلبت، وهي بمعنى تمعكت في رواية أخرى.
وثانيهما: حديث أبي جهيم بن الحارث الأنصاري قال: «أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ السلام حتى أتى على جدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه¬ السلام».
ففي الحديث الأول ذكر الضربة الواحدة، وظاهر الكفين، وقد جاء من قوله ﷺ عند أحمد وابن خزيمة عن عمار: «التيمم ضربة للوجه والكفين» وهو في الصحيحة (٦٩٤)،
стр. 442
وفي الثاني ذكر مطلق المسح للوجه واليدين، فهو موافق للفظ القرآن، والأول مبين له، كما بينت السنة منتهى القطع في السرقة المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
وفي سنن الترمذي عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن التيمم فقال: إن الله قال في كتابه حين ذكر الوضوء ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وقال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، فكانت السنة في القطع الكفين، إنما هو الوجه والكفان»، يعني التيمم»، وقد ترجم البخاري جازما بقوله: «باب التيمم للوجه والكفين».
وقيل ضربتان، والمسح إلى المرفقين، وهذا وارد في أحاديث غير صحيحة، أو صحيحة الإسناد شاذة، أو صحيحة موقوفة، ومنها أثر ابن عمر الذي في الموطإ (١١٩) والمدونة عن نافع أنه أقبل هو وعبد الله بن نافع من الجرف حتى إذا كانا بالمربد نزل عبد الله فتيمم صعيدا طيبا فمسح وجهه ويديه إلى المرفقين، ثم صلى»، وقول مالك في الموطإ (١٢٠) ضربتان مع المسح إلى المرفقين، ومشهور المذهب وجوب الضربة الأولى والمسح إلى الكوعين، واستحباب الثانية والمسح إلى المرفقين،، والقول باستحباب المسح الذي هو المشهور يجمع بين قولي المقتصرين على الكوعين، والموجبين المسح إلى المرفقين، لكنه ليس من باب مراعاة الخلاف كما قد يظن، بل للآثار الواردة في ذلك، ومنها أثر ابن عمر المتقدم، والظاهر رجحان تقديم الوجه في المسح لما في كتاب الله تعالى، وأحسب أن السنة قد وردت بهذا وهذا، فيكون ذلك دليل جواز تقديم مسح اليدين.
وفي النوادر قال أبو الفرج البغدادي: «الواجب عند مالك التيمم إلى الكوعين، ويستحب بلوغ المرفقين، قال: «والذي قال هو ظاهر القرآن، بقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾، فهذا المعقول من اليدين، ولا يلحق بهما ما عداهما إلا بدليل».
وقال غيره: «وقد اختلفت الأحاديث في الكوعين والمرفقين قالوا: ولذلك نرى أن من تيمم للكوعين يعيد في الوقت، ونرى أن من تيمم بضربة واحدة للوجه واليدين لا يعيد لأنه قد جاء الحديث بمثله.
стр. 443
وفي العتبية: «قال ابن القاسم عن مالك إن تيمم بضربة واحدة للوجه واليدين رجوت أن يجزئه، قال ابن القاسم ولا يعيد في وقت ولا غيره»، وهذا هو الصواب إن شاء الله، وهو القول الثاني من خمسة أقوال ذكرها ابن ناجي، وقد قال ابن العربي عن الضربة الواحدة: «وبه قال مالك في الكتاب»، ورجح الاقتصار على الكفين كما تراه في (عارضة الأحوذي): (١/ ٢٤٠ - ٢٤٢).
فأما نفض اليدين إذا تعلق بهما شيء؛ فقد ورد ما يدل عليه في حديث عمار المتقدم في (خ/ ٣٤٧) و (د/ ٣٢١): «فضرب بيده الأرض فنفضها»، وفي رواية الصحيح: (خ/ ٣٣٨): «ونفخ فيهما»، وهذا أولى مما استدل به بعضهم وهو حديث الأسلع بن شريك عند الدارقطني (باب التيمم (١٤) والطبراني والبيهقي أن رسول الله ﷺ علمه التيمم فضرب بكفيه الأرض ثم نفضهما ثم مسح بهما وجهه،،، الحديث، وفيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف كما في التعليق المغني على الدارقطني، والحكمة من النفض والله أعلم أن ما يعلق باليد من تراب وغيره قد يؤذي العضو الممسوح كالعينين، ونظير هذا ما صح من مشروعية بسط الثوب للسجود عليه من شدة الحر كما في حديث أنس المتفق عليه، وثبت السجود على الخمرة، بضم الخاء المعجمة، وثبت اتقاء الطين، ولهذا الأمر علاقة بالنهي عن مسح الحصى لا يتسع المقام لذكره، وفي المدونة: «فإن تعلق بهما شيء نفضهما نفضا خفيفا»، والله أعلم.
стр. 444
• قوله:
٧ - «يجعل أصابع يده اليسرى على أطراف أصابع يده اليمنى، ثم يمر أصابعه على ظاهر يده وذراعه، وقد حنى عليه أصابعه، حتى يبلغ المرفقين، ثم يجعل كفه على باطن ذراعه من طي مرفقه قابضا عليه، حتى يبلغ الكوع من يده اليمنى، ثم يجري باطن بهمه على ظاهر بهم يده اليمنى، ثم يمسح اليسرى باليمنى هكذا، فإذا بلغ الكوع مسح كفه اليمنى بكفه اليسرى إلى آخر أطرافه، ولو مسح اليمنى باليسرى، واليسرى باليمنى كيف شاء وتيسر عليه وأوعب المسح لأجزأه».
الصفة المذكورة لمسح اليدين مستحبة في المذهب، وقال ابن عبد الحكم لا تستحب، وهذا هو الحق، فإن من اختار كيفية معينة لما لم يحدده الشارع لا ينبغي أن يتجاوز بها نفسه، لأنه إن فعل؛ فقد جعلها شريعة عامة، وقد علمت من حديث عمار كيفية المسح وهو قوله: «ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه»، وقد أرهق المؤلف نفسه في بيان كيفية هذا المسح، والغرض منها استيعاب اليدين بالمسح، وليس لهذه الكيفية دليل، إذ المطلوب المسح ليس غير، وما قاله في الأخير هو الصواب إن شاء الله، ولأن المسح مبني على التخفيف، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، ولا يصح أن يقاس الممسوح على المغسول في مطلوبية الاستيعاب.
стр. 445
• قوله:
٨ - «وإذا لم يجد الجنب أو الحائض الماء للطهر تيمما وصليا، فإن وجدا الماء تطهرا ولم يعيدا ما صليا».
التيمم يقوم مقام الوضوء والغسل، لكن متى وجد المتيمم الماء أو زال عذره تعين عليه استعماله لما يستقبل من الصلاة، ولا يعيد ما صلى، لأنه فعل ما عليه، وهذا يغني عنه ما تقدم في أول الباب، ولعله إنما نص عليه لما كان فيه من الخلاف في عهد الصحابة، فقد كان عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ لا يريان التيمم للجنب كما في الصحيحين (خ/ ٣٤٧)، وسنن أبي داود (٣٢١)، وقد علمت تفصيل أهل المذهب في فاقد الماء من يائس من وجوده في الوقت وراج وشاك.
стр. 446
• قوله:
٩ - «ولا يطأ الرجل امرأته التي انقطع عنها دم حيض أو نفاس بالتطهر بالتيمم؛ حتى يجد من الماء ما تتطهر به المرأة، ثم ما يتطهران به جميعا، وفي باب جامع الصلاة شيء من مسائل التيمم».
أتحدث في هذه الفقرة على أمرين:
أولهما: وهو الذي ذكره المؤلف حكم وطء الحائض إذا انقطع حيضها وكان طهورها التيمم.
والثاني: حكم إدخال المتطهر بالماء على نفسه ما ينقض طهارته أو يوجب عليه الغسل إذا لم يكن معه ماء أو كان عاجزا عن استعماله.
وقد جاء بيان الأمرين في المدونة، قال فيها: قلت لمالك: «أرأيت امرأة طهرت من حيضتها في وقت صلاة، فتيممت وصلت، وأراد زوجها أن يمسها؟، قال: لا يفعل حتى يكون معه من الماء ما يغتسلان به جميعا»، يريد ما تغتسل به هي، لترفع حكم الحيض، ثم ما يغتسلان به جميعا لرفع الحدث الأكبر.
والعلة في هذا المنع كما قال ابن القاسم: «ليس لها ولا له أن يدخلا على أنفسهما إذا لم يكن معهما ماء أكثر من حدث الوضوء،،،»، وفيها أيضا: «قال مالك إذا كان الرجل والمرأة على وضوء؛ فليس لواحد منهما أن يقبل صاحبه إذا لم يجدا الماء، لأن ذلك ينقض وضوءهما، وليس لهما أن ينقضا وضوءهما إلا أن يكون معهما ماء إلا ما لا بد لهما منه من الحدث ونحوه».
ومرجع هذا إلى أن الله تعالى قد حرم على الأزواج وطء زوجاتهم وقت الحيض، وجعل غاية التحريم الطهر وهو انقطاع دم الحيض، ثم التطهر وهو رفع حكم الحيض بالاغتسال بالماء أو بدله بشرطه، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ
стр. 447
مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ومن الحكمة في ذلك أن المسلمة تبادر إذا انقطع حيضها إلى التطهر لأداء الصلاة التي أدركت وقتها لكونها مطالبة بأدائها، فهذا هو الذي ينبغي أن يكون أكثر الهم، وسيأتي الحديث عنه، وفي الآثار ما يشير إلى مبادرة النساء المسلمات في عهد النبوة إلى الاغتسال فور علمهن بانقطاع الحيض، وقد سبق قول أم عطية «كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا».
وكلام المؤلف معناه أن الحائض إذا طهرت لا يجامعها زوجها بطهارة التيمم، بل لا بد من اغتسالها، وهذا هو مشهور المذهب، ومن حجتهم أنها إن تيممت فإن تيممها يبطل بأول المباشرة، فيصير الجماع بدون طهارة، وهذا من غرائب الاستدلال، ومبناه على أن التيمم لا يرفع الحدث، وأنه إذا انتقضت الطهارة الصغرى - وهي في هذا المقام تنتقض بالمباشرة - انتقضت الكبرى أيضا، فاحتاجت إلى تيمم آخر مصحوب بنية، فإن عاودت التيمم لزم الدور!!، وإلا لزم أن يجامعها بدون تطهر!!، وهذا هو معنى كلام الإمام سحنون إذ قال: «لا يطؤها حتى يكون معهما ما تتطهر به هي من الحيضة، ثم ما يتطهران جميعا من الجنابة، ولا يطؤها بالتيمم، لأن بأول الملاقاة ينقض التيمم، ولا بد لها من الغسل»، وهو في النوادر (وطء المسافر أهله) وهذا التعليل أقرب إلى الفلسفة منه إلى الشرع، وهو ما أشار إليه خليل بقوله وهو بصدد ذكر موانع الحيض: «ومنع صحة صلاة، وصوم، ووجوبهما، وطلاقا، وبدء عدة، ووطء فرج أو تحت إزار، ولو بعد نقاء، وتيمم،،،».
ومما استدل به قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، وهو صريح كما قالوا في اشتراط الغسل، إذ علقت الإباحة على شرطين هما انقطاع الدم، والتطهر وهو الاغتسال، كما علق تسليم أموال اليتامى إليهم بشرطين بلوغ النكاح مع الرشد، وقد فسر ابن عباس ﵄ التطهر بالاغتسال.
وأنت تعلم أن التطهر مشروط بانقطاع الحيض عند الجميع، فيكون قوله تعالى ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، نصا عليه، وقيل غير ذلك مما لا يكون إلا بعد النقاء، وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾؛ دال على الأصل وهو الاغتسال بالماء، والتيمم بدل ثبت أنه تستباح به الصلاة بشرطه فيستباح به الوقاع، ولأنه تطهر في اعتبار الشرع، ويمكن أن تكون مشروعية
стр. 448
التيمم قد تأخرت عن نزول هذه الآية إذا منع مانع من أن يكون المراد بالتطهر في الآية ما هو أعم من الاغتسال بالماء والتيمم، أما تفسير ابن عباس ﵄ للتطهر بالاغتسال؛ فليس فيه ما يمنع الاستباحة بالتيمم، فإن الاغتسال أصل، وهو الغالب، فالتنصيص عليه لا ينفي قيام بدله مقامه بشرطه، وقد ذهب ابن شعبان وابن نافع إلى جواز وطء من انقطع حيضها إذا تيممت، وهو في النوادر، وقال ابن بكير بالكراهة، ولأن الاغتسال الذي هو واجب من الحيض قبل الصلاة والوقاع ليس متمحضا لإزالة القذر والتطهر الحسي، بل شائبة الجانب التعبدي فيه كبيرة، بدليل أنها ولو تطهرت حسا وتنظفت لا يحل وطؤها عند الجمهور، ولا تجوز لها الصلاة بالإجماع، وكل من الماء والتيمم طهارة.
وتحسن الإشارة هنا إلى ما ذكره ابن رشد في بداية المجتهد من أن من حمل قوله تعالى ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ من أهل العلم على معنى انقطاع الدم، أو التطهر بالماء، أو غير ذلك؛ فينبغي أن يحمل قوله تعالى ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ ولا بد على نفس المعنى السابق، واحتج بأن العرب لا تقول «لا تعط فلانا درهما حتى يدخل الدار، فإذا دخل المسجد فأعطه درهما»، انتهى.
قلت: هذا ليس كما ينبغي، فإن القرآن أصل، فلا يحسن أن يقال في معنى دل عليه بظاهره إنه ليس في كلام العرب، لأن النفي متوقف على الاستقراء، وهو ليس بالسهل على أن في القرأن مبتكرات، نبّه عليها أهل التفسير، وأهم من هذا في القوة أن المثال الذي نفى وجوده لا يشبهه ما في الآية، فإن الغاية في الآية تضمنها الشرط بعدها، إذ لا يقبل التطهر شرعا إلا بعد الطهر الذي هو انقطاع الحيض، فانقطاع الحيض داخل في المراد بالتطهر في الشرع، ولاختلاف الصيغة بين الغاية والشرط، فإنه يجوز أن تقول: «لا تعط فلانا درهما حتى يدخل الدار، فإذا استقر فيها فأعطه درهما»، وهذا هو الذي ينطبق في المعنى على الدليل، وهو جائز في الكلام، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] والله أعلم.
والأمر الثاني امتناع تقبيل المتوضئ وجماع المغتسل غير الواجد للماء، قيل بحرمة ذلك، وقيل بكراهته، قال خليل: «ومنع تقبيل متوضئ وجماع مغتسل إلا لطول»، وقد
стр. 449
عللوا ذلك بأن الفاعل يفوت على نفسه الطهارة المائية مع إمكان بقائها، ولذلك ألحق به بعضهم تعمد إخراج الناقض دون حاجة، وذهب ابن وهب إلى الجواز، ومن الحجة للمجوزين؛ ما رواه أبو داود (٣٣٣) عن أبي ذر - وفيه قصة - قال: «أتيت النبي ﷺ بنصف النهار، وهو في رهط من أصحابه وهو في ظل المسجد فقال: أبو ذر؟، فقلت: نعم، هلكت يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟، قلت: إني كنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور،،، وفيه قول النبي ﷺ : «إن الصعيد الطيب طهور، وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك»، ويظهر أن بعضهم قد رأى في هذا الحديث دلالة على اشتراط الطول في جواز ما تقدم، ولعله انتزع ذلك من قول أبي ذر: «كنت أعزب عن الماء»، يعني أغيب، ولا يظهر أنها مطلق غيبة، لأنه كان راعيا لغنمه كما يدل عليه الحديث بتمامه، فإن ابن أبي زيد قال في النوادر عاطفا على المانعين إلا مع الطول: «وقاله أصبغ، وروى فيه حديثا»، ومما استدل به الغماري في مسالك الدلالة لقول ابن وهب وهو ممن يرى الجواز؛ حديث حكيم بن معاوية عن عمه قال: «قلت يا رسول الله، إني أغيب الشهر عن الماء، ومعي أهلي أفأصيب منهم؟، قال: «نعم»، قلت: «يا رسول الله، فإني أغيب الشهرين»، قال: «وإن غبت ثلاث سنين»، رواه الطبراني، وقال الغماري: سنده حسن»، وهو واضح فيما عليه أهل المذهب من اشتراط الطول، لكنه حكاية حال، وما أدرانا أنه لو لم يكن يعزب هذه المدة أن لا يباح له ذلك؟، ولأن الأصل الإباحة فنتمسك بها حتى يأتي الناقل، والله أعلم.
стр. 450
٧ - باب في المسح على الخفين
ما تحفظ به الرجل لأجل المشي؛ إما أن يكون ساترا للكعبين فما فوقهما، أو يكون ساترا لما هو أسفل منهما، والثاني هو النعل، وهو لا يمسح عليه في المذهب، والأول هو الخف ومثله الجورب عند بعض، وهو الذي يمسح عليه، وشرطه في المذهب أن يكون ظاهره وباطنه مجلدين، والباطن هو ما يلي الأرض، وأن يكون مخروزا، وأن لا يكون واسعا جدا، ولا ضيقا جدا، بحيث لا يمكن متابعة المشي فيه، وأن يكون ساترا لمحل الفرض، وأن لا يكون عاصيا بلبسه كالمحرم، لا المسافر، فإن ما أبيح في الحضر يباح في السفر كيفما كان، وأن لا يلبسه لمجرد المسح عليه مترفها بذلك، وأن يلبسه على طهارة مائية كاملة، وفي بعض هذه الشروط نظر.
وقد وجه الشيخ الطاهر بن عاشور الحكمة من المسح على الخفين بقوله: «على أن هناك اعتبارا آخر دقيقا، وهو أن الخفين لما كانا يمنعان وصول الأوساخ إلى الأرجل؛ كان من المناسب تعويض مسحهما عن غسل الرجلين، وقد أومأ إلى ذلك ما جاء في حديث المغيرة بن شعبة مما رواه البخاري أنه لما أهوى لينزع خفي النبي ﷺ قال له رسول الله: «دعهما، فإني أدخلت رجلي فيهما طاهرتين»، انتهى.
قلت: ما أجود هذا لو كان تعليل غسل أعضاء الوضوء بأمر حسي، أما وأنه أمر تعبدي في نظر الجمهور وهو الحق؛ فليس هذا التعليل بكاف شاف، ثم إنه مبني على عدم جواز المسح على الخفين إلا إذا كانت الطهارة التي لبسا عليها مائية، وهذا مختلف فيه، كما اختلف في المراد بالطهارة، هل هي الشرعية؟، وإذا قيل إن المراد بالطهارة الشرعية كما هو الظاهر؛ فهل يشترط أن تكون مائية، أو تشمل غير المائية، ولم أقف على ما يعين أن المراد بالطهارة خصوص المائية، وكون ذلك هو الأصل في الطهارة ليس بمانع من اعتبار الترابية كذلك، ثم إن ما ذكره من استبدال المسح بالغسل قد يقبل لو كان المشروع مسح أسفل الخفين، وسيأتي ما فيه، ثم أين الحكمة في كون المسح عوضا عن الغسل مع أنه لا
стр. 451
يزيل ما يزيله الغسل، بل ربما حرك ما كان يابسا من التراب ونحوه، فيتقذر الخف بذلك البلل، كما سيذكره المؤلف، فالخير في الإمساك عن مثل ما قاله ﵀.
ولا مسح في المذهب على الجورب غير المجلد، وقد جاء في بعض روايات حديث المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين»، رواه الترمذي (٩٩)، وقال: حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد وإسحاق، قالوا: يمسح على الجوربين، وإن لم تكن نعلين، إذا كانا ثخينين»، انتهى، ورواه أبو داود (١٥٩) وقال: «كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين، وقال: وروي هذا أيضا عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ مسح على الجوربين، وليس بالمتصل ولا بالقوي، ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس»، انتهى، وعند الشافعية يمسح عليه إذا كان منعلا، وقد روى الترمذي (مع الحديث ذي الرقم د ٩٩) عن أبي مقاتل السمرقندي قال: «دخلت على أبي حنيفة في مرضه الذي مات فيه، فدعا بماء فتوضأ، وعليه جوربان فمسح عليهما، ثم قال: فعلت اليوم شيئا لم أكن أفعله؛ مسحت على الجوربين، وهما غير منعلين»، والمسألة من المشكلات، والنفس أسكن إلى المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين، يستمسكان على الرجل، ويتأتى المشي فيهما، وليس بالبعيد أن يكون هذا الحكم قد بني على مجرد تغطية الرجل، ولو بما لا يمشى فيه خارجا، وقد علم أن المسح على الخف لا يشترط فيه عسر نزعه، كما يجوز المسح عليه للمقيم، مع الخلاف الذي بين المسلمين في الرجلين العاريتين: هل يغسلان، أو يمسحان، أو يكون المكلف مخيرا بين الأمرين، وقد تقدم ما في ذلك.
стр. 452
• قوله:
١ - «وله أن يمسح على الخفين في الحضر والسفر؛ ما لم ينزعهما، وذلك إذا أدخل فيهما رجليه بعد أن غسلهما في وضوء تحل به الصلاة، فهذا الذي إذا أحدث وتوضأ؛ مسح عليهما، وإلا فلا».
أفاد هنا أن المسح رخصة، ولذلك كان الغسل أفضل، لكن ينبغي أن يقال إن من كان في نفسه شيء من مشروعيته؛ ينبغي له أن يمسح حتى تذعن نفسه للحق، وترضى بالسنة، لا سيما وبعض الفرق تنكر المسح، وتعتبره منسوخا، مع أنه قد رواه عن النبي ﷺ الجم الغفير، حتى رأينا بعض من كتب في العقائد كالبربهاري وغيره يدرج المسح على الخفين فيها، وقد تقدم أن قراءة» ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، (بجر أرجلكم) يحتمل أنها دالة على المسح على الرجلين بضميمة السنة، وذلك حال كون الرجلين مغطاتين، أما الزعم بأن المسح منسوخ بآية الوضوء فهو زعم باطل، ومن الأدلة عليه حديث جرير ﵁ أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هكذا؟، قال نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه، قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة»، متفق عليه، وانظر سنن أبي داود (١٥٤)، وفيه زيادة: قالوا: «إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة»، قال ابن العربي في القبس: «لا ينكر المسح على الخفين إلا الرافضة، والإجماع على جوازه»، انتهى، ومما قاله بعضهم:
أشكو إلى الله ما لقيت … من شؤم قوم بهم بُليتُ
لا أُبغض الصالحين دَهري … ولا تشيعت ما حييتُ
أمسح خفي ببطن كفي … ولو على جيفة وطيتُ
والمسح يفعل في الحضر والسفر في مشهور المذهب، وهو الحق، ولذلك ابتدأ المؤلف بذكره للاهتمام به، وقد قدم الله تعالى في كتابه الوصية على الدين في الذكر، مع أنه
стр. 453
مؤخر عنها في الإخراج، وقيل إنما يكون المسح في السفر فقط.
ففي المدونة: «وقال مالك: «لا يمسح المقيم على خفيه، وقد كان قبل ذلك يقول يمسح عليهما، ويمسح المسافر، وليس لذلك وقت»، وهذه الرواية معارَضة بما قاله ابن وهب: «آخر ما فارقته عليه إجازة المسح في الحضر والسفر»، وقوله هذا مشعر بتقدم قول له بعدم جواز المسح في الحضر، والله أعلم.
وفي الفتح أن بعض العلماء حمل هذا القول منه على أنه كان يلتزمه في خاصة نفسه، ويفتي الناس بخلافه، والسياق كما ترى يأبى هذا، لكن ورد عنه ما قد يؤخذ منه ذلك، فقد روى ابن القاسم عنه أنه قال: «لا أفعله في الحضر، ولم يحفظ عن النبي ﵇، ولا عن الخلفاء أنهم مسحوا في الحضر»، فأنت ترى أنه اعتمد على عدم ثبوت النقل في الفعل، والظاهر أن هناك مسائل كان الإمام يراعي فيها ذلك، كالسجود في المفصل.
وثمة روايتان لابن وهب عنه: الأولى: نفي المسح مطلقا في الحضر، ففي المجموعة: «أقول اليوم مقالة ما قلتها قط في ملإ من الناس: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين، وأبو بكر وعمر وعثمان في خلافتهم، فذلك خمس وثلاثون سنة، فلم يرهم أحد يمسحون، وإنما هي الأحاديث، وكتاب الله أحق أن يتبع ويعمل به»، والرواية الثانية: الإثبات مطلقا، وهي الحق، وعدم ثبوت الفعل في الحضر لا يدل على عدم المشروعية كما لا يخفى، وقد أشار القاضي عبد الوهاب إلى ثبوته من فعله ﷺ في الحضر بما رواه البيهقي عن بلال بن رباح أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين في الحضر» (المعونة: ١/ ١٣٥)، فلينظر في ذلك.
ومن شرط المسح: أن لا يكون لابسه عاصيا به كالمحرم، فإن الخف لا يجوز لبسه له؛ إلا إذا لم يجد النعل، أماالعاصي بسفره؛ فالراجح في المذهب أنه يمسح.
قال الشيخ الصعيدي: «لأن الرخصة التي تباح في الحضر لا يشترط في جواز فعلها في السفر إباحته كأكل الميتة للمضطر».
ومن شرط جوازه: أن يلبس الخف على طهارة مائية كاملة، فلا يسوغ المسح إذا كانت طهارته بالصعيد، فقد قال مالك في غير موضع: «وإنما يمسح من أدخل رجليه في الخفين طاهرتين بطهر الماء»، يريد لا بطهر التيمم، ولعلهم قد بنوا ذلك على كون التيمم لا يرفع الحدث، ولا يصلى به إلا فريضة واحدة، فإذا تيمم ولبسه وصلى؛ فقد انتقض وضوؤه، فكأنه مسح على الرجلين وهما
стр. 454
غير طاهرتين، وهذا فيه نظر، وإلا فقول النبي ﷺ : «دعهما، فإني أدخلت رجلي فيهما طاهرتين»؛ لا يدل على ذلك نصا، وقال أصبغ: «إذا تيمم ثم لبس خفيه، ثم صلى؛ فله المسح عليهما إذا وجد الماء، لأنه أدخلهما بطهر التيمم، ولو صلى بالتيمم، ثم لبسهما لم يمسح لانتقاض تيممه بانتهاء صلاته»، وهذا كما ترى مبني على أنه بمجرد الانتهاء من الصلاة تنتقض طهارته، وهكذا إذا غسل إحدى الرجلين ثم لبس الخف عليها قبل أن يغسل الأخرى، فلا يسوغ المسح عندهم، لأن الطهارة لا تتم إلا بالفراغ من الأعضاء جميعها، وقال مطرف يمسح عليهما، وهو الصواب إن شاء الله، وهذه المسألة مسكوت عنها، فتدخل في العفو، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].
ومن ذلك: أن يكون الوضوء مما تحل به الصلاة احترازا مما إذا توضأ ونوى به ما الطهارة مستحبة له كقراءة القرآن، ووجهه أنه حيث لا يجوز له أن يصلي به؛ لم يجز له أن يمسح على الخف لأنها ليست طهارة تستباح بها الصلاة، ويتجه هنا سؤال هو: هل يسوغ للمكلف أن يقيد ما أطلقه الشارع بنيته كالوضوء ينوي به شيئا معينا فلا يتجاوزه إلى غيره اعتمادا على قول النبي ﷺ : «وإنما لكل امرئ ما نوى»، هذا موضع نظر.
وقوله: «ما لم ينزعهما»؛ إشارة إلى المشهور في المسح وهو عدم التوقيت سفرا وحضرا، ومعناه أنه إن نزع الخف؛ فإما أن يريد استئناف الوضوء فأمره واضح، وإما أن يريد الاحتفاظ بطهارته فيجب عليه المبادرة إلى غسل الرجلين حتى تحصل الموالاة المطلوبة في الغسل بين الأعضاء، لأنه لما نزع الخفين أو أحدهما تعين الغسل، فبالمبادرة تحصل الموالاة حكما، وإن لم تحصل فعلا، فإن طال الفصل بين النزع والغسل؛ بطلت الطهارة لعدم الموالاة، وهذا أوسط الأقوال في المسألة، والثاني أنه يبطل وضوؤه بنزع الخفين، والثالث أنه لا غسل عليه، ووضوؤه باق، وهذا هو الأصل الذي يدل عليه الاستصحاب، ويتقوى بما رواه البيهقي وغيره عن أبي ظبيان أنه «رأى عليا ﵁ بال قائما، ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه ثم صلى»، وهذه المسألة مسكوت عنها أيضا، كما قاله ابن رشد، وهي مبنية على الاختلاف هل المسح على الخفين طهارة بذاته؛ أو بدل عن غسل الرجلين وهما مغطاتان بالخف؟، فعلى الأول من نزع خفيه فطهارته باقية، ولا غسل عليه، وعلى الثاني يغسلهما على التفصيل الذي ذكروه.
ولا توقيت في المسح، إلا إذا لزمه غُسل الجنابة، ويقاس الغسل الواجب عليها، وقد
стр. 455
نُص على نزع الخف للجنابة في حديث صفوان بن عسال، وقد تقدم، كما يندب نزعه لغسل الجمعة، وقد حمل عليه قول ابن نافع في المجموعة: «حده للحاضر من الجمعة إلى الجمعة»، وفي رسالة مالك إلى هارون الرشيد - وتسمى كتاب السر - إثبات التوقيت للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة، لكن شيوخ المذهب أنكروها، وقالوا إن فيها أحاديث لا تصح عنده، وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: «لا أصل لحديث التوقيت»، لكن ابن عبد السلام اختار التوقيت لموافقته حديث علي بن أبي طالب.
ومما استدل به على عدم التوقيت؛ حديث بحيى بن أيوب أنه قال: «يا رسول الله أمسح على الخفين»؟، قال: «نعم»، قال: «يوما»؟، قال: «يوما»، قال: «ويومين»؟، قال: «ويومين»، قال: «وثلاثة»؟، قال: «نعم، وما شئت»، رواه أبو داود (١٥٨)، وقال: «وقد اختلف في إسناده، وليس هو بالقوي»، وفيه أيوب بن قطن، وفيه لين، ومحمد بن يزيد بن أبي زياد مجهول الحال.
وأولى الروايات عن الإمام في المسألة ما رواه أشهب عنه أن مدة المسح للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، ذكره الغماري في المسالك، ودليله حديث صفوان بن عسال قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم»، رواه أحمد والنسائي وابن ماجة، وصححه الترمذي (٩٦) وابن حزم، كما حسنه البخاري، ويدل عليه أيضا حديث خزيمة بن ثابت مرفوعا: «للمسافر ثلاثة، وللمقيم يوم»، رواه الترمذي (٩٥)، وصححه، ونقل عن يحي ابن معين تصحيحه، وفي رواية أبي داود (١٥٧) زيادة: «ولو استزدناه لزادنا»، ولا دليل فيها، لأنه مجرد ظن من الراوي لما رآه من يسر الدين وانتفاء الحرج فيه، وهذا حق، لكنه لا يثبت به المدعى، فإنهم لم يستزيدوه، ولا زادهم. وقد جاء ما يؤخذ منه عدم التوقيت في السفر للعذر، إذ قال عمر لعقبة وقد مسح من الجمعة إلى الجمعة وهو مسافر: «أصبت السنّة» رواه الدار قطني وغيره، وهو في الصحيحة (٢٦٢٢).
стр. 456
• قوله:
٢ - «وصفة المسح؛ أن يجعل يده اليمنى من فوق الخف من طرف الأصابع، ويده اليسرى من تحت ذلك، ثم يذهب بيده إلى حد الكعبين، وكذلك يفعل باليسرى، ويجعل يده اليسرى من فوقها، واليمنى من أسفلها».
في هذه الفقرة مسألتان:
الأولى: أنه يمسح أعلى الخف وأسفله، لكن مسح الأعلى واجب في المشهور، ومسح الأسفل مستحب، فمن اقتصر على الأول أعاد في الوقت، ومن ترك الأعلى أعاد أبدا، قال في المدونة: «يمسح على ظهور الخفين، وبطونهما، ولا يتتبع غضونهما»، وذهب أشهب إلى كفاية المسح على أي منهما، وقال ابن نافع: لا يجزئ واحد منهما، وهذان القولان في النوادر، والذي يظهر الاقتصار على الأعلى لقول علي بن أبي طالب ﵁: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه»، رواه أبو داود (١٦٢) عنه، ومثله ما جاء في حديث المغيرة في إحدى روايتي أبي داود (١٦١): «أن رسول الله ﷺ كان يمسح على ظهر الخفين».
فأما مسح الأسفل مع الأعلى فقد جاء فيه حديث المغيرة بن شعبة عند أحمد وأصحاب السنن - غير النسائي- (د/ ١٦٥) قال: «وضأت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فمسح أعلى الخفين وأسفلهما»، قال أبو داود: «بلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء»، وقال الترمذي (٩٧): «هذا حديث معلول، وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل عنه، فقالا: «ليس بصحيح»، وأعله بالانقطاع بين رجاء بن حيوة، وكاتب المغيرة، ومن حجة من ذهب إلى المسح على الأعلى والأسفل ما صح عن ابن عمر من ذلك كما رواه البيهقي.
أما المسألة الثانية؛ فكيفية مسح الخف، وهي منقولة عن مالك كما في المدونة
стр. 457
وغيرها من الأمهات، وقد أخذها مالك عن شيخه ابن شهاب الزهري، فقد سأله عن المسح على الخفين كيف هو؟، فأدخل ابن شهاب إحدى يديه تحت الخف، والأخرى فوقه، ثم أمرهما، قال يحي، قال مالك: وقول ابن شهاب أحب ما سمعت إلي في ذلك» (الموطأ/ ٧٥)، والغرض الاستيعاب، ولا يظهر أنه مقصود الشارع في المسح كما سبق في كيفية التيمم، والله أعلم.
стр. 458
• قوله:
٣ - «ولا يمسح على طين في أسفل خفه، أو روث دابة، حتى يزيله بمسح أو غسل».
وجهه أن المسح إذا كان هناك حائل؛ فلا يقع على الخف كما هو المطلوب، فإن كان الحائل في أعلى الخف؛ فلا يجزئ المسح، لأن المسح واجب، وهو كالعدم، لأنه لم يقع على الخف، وإن كان في أسفله؛ أعاد في الوقت على المذهب، أما إن كان الحائل نجسا؛ فإنه يعيد أبدا إن تعمد، وفي الوقت مع العجز والنسيان.
стр. 459
• قوله:
٤ - «وقيل يبدأ في مسح أسفله من الكعبين إلى أطراف الأصابع، لئلا يصل إلى عقب خفه شيء من رطوبة ما مسح من خفيه من القشب، وإن كان في أسفله طين؛ فلا يمسح عليه حتى يزيله».
القشب بفتح القاف وسكون الشين؛ الخلط، والمظنون هنا أنه بكسر القاف، فإنه اليابس الصلب كما في القاموس، فإن كان القشب نجسا؛ فإن المسح عليه إذا تم بالكيفية السابقة؛ قد يلطخ ما لم يكن قد بلغه القشب من الخف، وهو ما يلي الساق منه، لذلك رأى بعضهم أن يبتدأ في مسحه على هذه الكيفية، وهي أنه يبدأ في الأسفل من جهة الكعبين حتى لا يلوث ما ليس ملوثا من الخف، وكل هذا مبني على مشروعية مسح الأسفل، وقد علمت ما فيه، وفي الفقرة تكرار.
стр. 460
٨ - باب في أوقات الصلاة وأسمائها
بعد أن انتهى المؤلف ﵀ من الكلام على الوسيلة إلى الصلاة، وهي الطهارة؛ شرع يتكلم على المقصد وهو الصلاة، وقد عكس مالك ﵀ في الموطإ، فقدم باب وقوت الصلاة على الحديث عن الطهارة، لأن توجه الأمر إلى الكلف بالطهارة لا يكون قبل دخول الوقت.
ومعرفة أوقات الصلاة لا بد منها للمكلف، إما بنفسه، وإما بمتابعة غيره كالمؤذن، لأنها لا تصح قبل وقتها، ويأثم من أخرجها عن وقتها غير الناسي والنائم، وهكذا ينبغي له معرفة أسمائها؛ لكي يستحضرها عند نية الصلاة، حتى يفرق بين صلاة وأخرى.
والأوقات جمع وقت، وهو الزمن المقدر للعبادة شرعا، وهو إما وقت أداء، وإما وقت قضاء، ووقت الأداء إما وقت اختيار، وهو الذي لا حرج أن تؤدى الصلاة في أي أجزائه، وإن تفاضلت، ووقت ضرورة، وهو الذي لا يجوز تأخير الصلاة إليه، ويأثم متعمد تأخيرها إليه، والكل أداء.
والصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع «قربة فعلية ذات إحرام وسلام، أو سجود فقط»، هكذا حدها ابن عرفة، والقيد الأول يدخل صلاة الجنازة، والقيد الثاني يدخل سجود التلاوة، فإنه صلاة في المذهب، ولذلك اشترطوا فيه ما يشترط في الصلاة، قال زروق: وفي كونه صلاة اختلاف.
والصلاة مما علم وجوبه من الدين بالضرورة، فمنكر وجوبها كافر مرتد، وتاركها مع الإقرار بوجوبها حسبه من الشر أنه مختلف في كونه مسلما، وقد دلت نصوص عدة على كفره، منها قول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر»، رواه أحمد وأصحاب السنن عن بريدة، والمراد بالعهد هنا أنه الموجب لحقن الدماء، فمن ترك الصلاة كان غير مستحق لذلك، كالمعاهد ينقض العهد، وقيل إن الحديث في المنافقين لهم حكم المسلمين ما صلوا، وفي صحيح مسلم عن جابر سمعت النبي ﷺ يقول: «بين الرجل
следующие страницы →