Полный текст (2 782 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
• قوله:
٢ - «وصفة المسح؛ أن يجعل يده اليمنى من فوق الخف من طرف الأصابع، ويده اليسرى من تحت ذلك، ثم يذهب بيده إلى حد الكعبين، وكذلك يفعل باليسرى، ويجعل يده اليسرى من فوقها، واليمنى من أسفلها».
في هذه الفقرة مسألتان:
الأولى: أنه يمسح أعلى الخف وأسفله، لكن مسح الأعلى واجب في المشهور، ومسح الأسفل مستحب، فمن اقتصر على الأول أعاد في الوقت، ومن ترك الأعلى أعاد أبدا، قال في المدونة: «يمسح على ظهور الخفين، وبطونهما، ولا يتتبع غضونهما»، وذهب أشهب إلى كفاية المسح على أي منهما، وقال ابن نافع: لا يجزئ واحد منهما، وهذان القولان في النوادر، والذي يظهر الاقتصار على الأعلى لقول علي بن أبي طالب ﵁: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه»، رواه أبو داود (١٦٢) عنه، ومثله ما جاء في حديث المغيرة في إحدى روايتي أبي داود (١٦١): «أن رسول الله ﷺ كان يمسح على ظهر الخفين».
فأما مسح الأسفل مع الأعلى فقد جاء فيه حديث المغيرة بن شعبة عند أحمد وأصحاب السنن - غير النسائي- (د/ ١٦٥) قال: «وضأت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فمسح أعلى الخفين وأسفلهما»، قال أبو داود: «بلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء»، وقال الترمذي (٩٧): «هذا حديث معلول، وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل عنه، فقالا: «ليس بصحيح»، وأعله بالانقطاع بين رجاء بن حيوة، وكاتب المغيرة، ومن حجة من ذهب إلى المسح على الأعلى والأسفل ما صح عن ابن عمر من ذلك كما رواه البيهقي.
أما المسألة الثانية؛ فكيفية مسح الخف، وهي منقولة عن مالك كما في المدونة
стр. 457
وغيرها من الأمهات، وقد أخذها مالك عن شيخه ابن شهاب الزهري، فقد سأله عن المسح على الخفين كيف هو؟، فأدخل ابن شهاب إحدى يديه تحت الخف، والأخرى فوقه، ثم أمرهما، قال يحي، قال مالك: وقول ابن شهاب أحب ما سمعت إلي في ذلك» (الموطأ/ ٧٥)، والغرض الاستيعاب، ولا يظهر أنه مقصود الشارع في المسح كما سبق في كيفية التيمم، والله أعلم.
стр. 458
• قوله:
٣ - «ولا يمسح على طين في أسفل خفه، أو روث دابة، حتى يزيله بمسح أو غسل».
وجهه أن المسح إذا كان هناك حائل؛ فلا يقع على الخف كما هو المطلوب، فإن كان الحائل في أعلى الخف؛ فلا يجزئ المسح، لأن المسح واجب، وهو كالعدم، لأنه لم يقع على الخف، وإن كان في أسفله؛ أعاد في الوقت على المذهب، أما إن كان الحائل نجسا؛ فإنه يعيد أبدا إن تعمد، وفي الوقت مع العجز والنسيان.
стр. 459
• قوله:
٤ - «وقيل يبدأ في مسح أسفله من الكعبين إلى أطراف الأصابع، لئلا يصل إلى عقب خفه شيء من رطوبة ما مسح من خفيه من القشب، وإن كان في أسفله طين؛ فلا يمسح عليه حتى يزيله».
القشب بفتح القاف وسكون الشين؛ الخلط، والمظنون هنا أنه بكسر القاف، فإنه اليابس الصلب كما في القاموس، فإن كان القشب نجسا؛ فإن المسح عليه إذا تم بالكيفية السابقة؛ قد يلطخ ما لم يكن قد بلغه القشب من الخف، وهو ما يلي الساق منه، لذلك رأى بعضهم أن يبتدأ في مسحه على هذه الكيفية، وهي أنه يبدأ في الأسفل من جهة الكعبين حتى لا يلوث ما ليس ملوثا من الخف، وكل هذا مبني على مشروعية مسح الأسفل، وقد علمت ما فيه، وفي الفقرة تكرار.
стр. 460
٨ - باب في أوقات الصلاة وأسمائها
بعد أن انتهى المؤلف ﵀ من الكلام على الوسيلة إلى الصلاة، وهي الطهارة؛ شرع يتكلم على المقصد وهو الصلاة، وقد عكس مالك ﵀ في الموطإ، فقدم باب وقوت الصلاة على الحديث عن الطهارة، لأن توجه الأمر إلى الكلف بالطهارة لا يكون قبل دخول الوقت.
ومعرفة أوقات الصلاة لا بد منها للمكلف، إما بنفسه، وإما بمتابعة غيره كالمؤذن، لأنها لا تصح قبل وقتها، ويأثم من أخرجها عن وقتها غير الناسي والنائم، وهكذا ينبغي له معرفة أسمائها؛ لكي يستحضرها عند نية الصلاة، حتى يفرق بين صلاة وأخرى.
والأوقات جمع وقت، وهو الزمن المقدر للعبادة شرعا، وهو إما وقت أداء، وإما وقت قضاء، ووقت الأداء إما وقت اختيار، وهو الذي لا حرج أن تؤدى الصلاة في أي أجزائه، وإن تفاضلت، ووقت ضرورة، وهو الذي لا يجوز تأخير الصلاة إليه، ويأثم متعمد تأخيرها إليه، والكل أداء.
والصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع «قربة فعلية ذات إحرام وسلام، أو سجود فقط»، هكذا حدها ابن عرفة، والقيد الأول يدخل صلاة الجنازة، والقيد الثاني يدخل سجود التلاوة، فإنه صلاة في المذهب، ولذلك اشترطوا فيه ما يشترط في الصلاة، قال زروق: وفي كونه صلاة اختلاف.
والصلاة مما علم وجوبه من الدين بالضرورة، فمنكر وجوبها كافر مرتد، وتاركها مع الإقرار بوجوبها حسبه من الشر أنه مختلف في كونه مسلما، وقد دلت نصوص عدة على كفره، منها قول النبي ﷺ : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر»، رواه أحمد وأصحاب السنن عن بريدة، والمراد بالعهد هنا أنه الموجب لحقن الدماء، فمن ترك الصلاة كان غير مستحق لذلك، كالمعاهد ينقض العهد، وقيل إن الحديث في المنافقين لهم حكم المسلمين ما صلوا، وفي صحيح مسلم عن جابر سمعت النبي ﷺ يقول: «بين الرجل
стр. 461
وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، وحمله الجمهور على معنى أنه يستحق عقوبة الكافر بالترك، أو أنه المستحل الترك، أما الاستدلال على كفر تارك الصلاة بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾ [التوبة: ١١]؛ فلا ينهض، لأن الخصال المذكورة ثلاثة، واحدة منها وهي التوبة من الكفر متفق على التكفير بعدمها، أما الصلاة والزكاة فمن كفر أحدا بترك الصلاة؛ لزمه التكفير بترك الزكاة، وإلا كان قوله مجرد تحكم، والصواب: أن الآيتين في الكف عن الكفار إذا أسلموا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وهم إنما امتنعوا من الصلاة والزكاة لجحدهما، ومع هذا فقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري الطويل في صحيح مسلم في خروج الموحدين من النار برحمة الله تعالى: «يقول الله : «شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط، قد عادوا حمما،،، وفيه: يعرفهم أهل الجنة: «هؤلاء عتقاء الله، الذين أدخلهم الله الجنة، بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه»، فدل هذا على أن تارك الصلاة إذا كان موحدا لا يسلك في سلك الكفار المخلدين في النار، والنظر يقتضي تسمية التارك بما سماه به الشارع، مع اعتقاد أنه غير مخلد في النار متى كان مقرا بوجوبها، والله أعلم.
وحاجة المكلف إلى الصلاة عظيمة، لأنها عبادة يتجرد المرء فيها لله، فيقف بين يديه ويناجيه، ويخشع له ويذل، فيراجع نفسه ويحاسبها، والمرء لا بد له من هذا لصلاح حاله، ولكنه لا يمكنه الاستمرار على ذلك مع اشتغاله بمعاشه، وشؤون دنياه، فكان أن وزعت الصلوات الخمس على النهار وأطراف الليل توزيعا لا يخل بحاجة الإنسان إلى عمل الحياة، لكنه بحيث لا يخلو الإنسان منها في الليل والنهار وقتا طويلا، وإلا فقد فرض الله خمسين صلاة لشدة حاجة المرء إليها ثم نسخ ذلك، وهي بمثابة النهر الذي يمر بباب المرء فيغتسل فيه خمس مرات في اليوم، كما قال النبي ﷺ : «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم، يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟، قالوا لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا»، رواه الشيخان وغيرهما
стр. 462
عن أبي هريرة، وهو في الموطإ (٤٢١) بلاغا بمعناه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، ومعه قصة، وقوله أرأيتم: استفهام تقريري، معناه أخبروني، والدرن: الوسخ، والصلاة بمثابة الماء الذي يطفأ به حريق المعاصي والذنوب التي لا يكاد يخلو منها معظم الناس كما جاء ذلك في حديث عند الطبراني عن ابن مسعود، وفي الحديث الذي رواه أبو داود (٤٣٠) عن أبي قتادة بن ربعي قال: قال رسول الله ﷺ : «قال لله تعالى: إني فرضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي عهدا أنه من جاء يحافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي».
قال ولي الله الدهلوي في (الحجة البالغة:/ ٣٤٧): «الصلاة جامعة للتنظيف والإخبات، مقدسة للنفس إلى عالم الملكوت، ومن خاصية النفس أنها إذا اتصفت بصفة رفضت ضدها، وتباعدت عنه، وصار ذلك منها كأن لم يكن شيئا مذكورا، فمن أدى الصلوات على وجهها، وأحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن وأذكارهن وهيآتهن، وقصد بالأشباح أرواحها، وبالصور معانيها، لا بد أنه يخوض في لجة عظيمة من الرحمة، ويمحو الله عنه الخطايا»، وقد روى الطبراني في الاوسط عن أنس مرفوعا: أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإن صلح صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله، وروى مالك نحوه في الموطإ عن يحي بن سعيد بلاغا.
стр. 463
• قوله:
١ - «أما صلاة الصبح؛ فهي الصلاة الوسطى عند أهل المدينة، وهي صلاة الفجر».
الصلاة الأولى في النهار تسمى صلاة الصبح، وصلاة الفجر، وصلاة الغداة، والصلاة الأولى، جاء ذلك في القرآن والسنة، والعرف الغالب عندنا يطلق على الركعتين اللتين تسبقانها صلاة الفجر، وكونها هي الصلاة الوسطى؛ هو قول مالك وأهل المدينة، ولعل المؤلف حكاه بذلك القيد ليشير إلى الاختلاف فيها، أو ليتبرأ من ذلك، وعمدة القائلين بأنها الصلاة الوسطى؛ قول كثير من الصحابة، ويدعم ذلك حديث أبي يونس مولى أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قال: «أمرتني أن أكتب لها مصحفا ثم قالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فلما بلغتها آذنتها فأملت علي: «﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وصلاة العصر ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾»، قالت: «سمعتها من رسول الله ﷺ »، وهو في الموطإ (٣١٠) وغيره، ومثله فيه عن أم المؤمنين حفصة -رضي الله تعالى عنها-، والحجة فيه أن صلاة العصر قد عطفت على الصلاة الوسطى، والعطف يقتضي المغايرة، وهذه كما ترى قراءة شاذة، لكنها معتبرة عند بعض أهل العلم في باب الأحكام، وإن لم تثبت قرآنا، وليس هذا على أصل أهل المذهب، فإنهم لا يأخذون بالقراءة الشاذة في الأحكام قال صاحب المراقي:
وليس منه ما بالآحاد روي … فللقراءة به نفي قوي
كالاحتجاج غير ما تحصلا … فيه ثلاثة فجوز مسجلا
والنظر يقتضي ترجيح غيرها عليها، والجمع ممكن، وهو ما تواتر عن النبي ﷺ أن الصلاة الوسطى هي العصر، من ذلك قول علي ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب: «ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس»، رواه
стр. 464
الشيخان، على أن الجمع بين المتعارضين ظاهرا هو المقدم، وهو اعتبار الواو في قول عائشة «وصلاة العصر»؛ زائدة، وقد ذكر أهل العلم أمثلة كثيرة لزيادتها أي كونها صلة من القرآن، ومن كلام العرب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ [الأنعام: ٧٥]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ [الأنعام: ٥٥]، على أحد القولين.
ومن الآيات التي ذكر فيها الأوقات قول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨]، ودلوك الشمس ميلها، وهو عن ابن عمر في الموطإ (١٨)، ونحوه قول ابن عباس: «دلوك الشمس إذا فاء الفيء»، وقيل دلوكها غروبها، فعلى الأول تكون الآية قد نصت على أوقات الصلوات كلها، لأن الزوال أول الميل، والغروب نهايته، وغسق الليل اشتداد ظلمة الليل، وهو وقت العشاء.
وفي العتبية قال مالك: «فرض الله الصلوات في كتابه، فقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧ - ١٨]، ﴿تُمْسُونَ﴾؛ المغرب والعشاء، و ﴿تُصْبِحُونَ﴾؛ الصبح، ﴿وَعَشِيًّا﴾؛ العصر، و ﴿تُظْهِرُونَ﴾؛ الظهر، انتهى بمعناه، وهو في النوادر.
وقد جعل الله تعالى لأوقات الصلوات بداية ونهاية، وكلها مرتبطة بالشمس: إما باختفاء جرمها كما في المغرب، أو بانقضاء نصف مدة ظهورها في النهار، وذلك وقت الظهر، وإما بظهور أثرها قبل إشراقها، وهو وقت الصبح، أو باختفاء اثرها بعد غروبها وهو العشاء، فأول وقت الصبح بداية ظهور ضوئها، وهو انصداع الفجر الصادق، ونهاية وقته طلوع الشمس، وفي النهار صلاتان وقتهما محدد بالظل، فإن الشمس إذا طلعت يكون ظل الأشياء أطول ما يكون، ثم يأخذ في النقصان بارتفاع الشمس حتى يبلغ أدناه، فذلك منتصف النهار، فإذا شرع الظل في الزيادة؛ فذلك هو الزوال، وهو بداية وقت صلاة الظهر، وطول ظل الأشياء عند الزوال؛ يسمى ظل الزوال، وسماه المؤلف ظل منتصف النهار، وهو يختلف باختلاف الفصول ومواقع البلدان، وربما انعدم في بعض أيام العام في بعض
стр. 465
الأماكن متى كانت الشمس عمودية على الشيء القائم، فإذا صار ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال؛ فذلك نهاية وقت الظهر، وبداية وقت العصر، فإذا صار ظل كل شيء مثليه بعد ظل الزوال؛ فذلك نهاية وقت صلاة العصر، فإذا غربت الشمس؛ خرج وقت العصر لأرباب الضرورات، وفي المذهب يخرج به وقتا الظهر والعصر الضروريان، ويدخل بالغروب وقت المغرب، فإذا زال أثر الشمس من الأفق وهو الشفق أعني بقية حمرة الشمس؛ خرج وقت المغرب، ودخل وقت العشاء، ويستمر إلى منتصف الليل، وقيل إلى ثلثه، ويعرف كل من النصف والثلث بقسمة الفارق الزمني بين غروب الشمس وطلوع الفجر على اثنين أو على ثلاثة حسب القولين، فإذا طلع الفجر خرج وقتا المغرب والعشاء الضروريان حسب المذهب.
وأصل المواقيت حديثان:
أولهما: حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي - يعني المغرب - حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى الظهر حين كان ظله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلي فقال لي: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين»، رواه أبو داود (٣٩٣) والترمذي (١٤٩) وحسنه.
قوله: وكانت قدر الشراك المراد أن طول الفيء قدر الشراك كما جاء في بعض الروايات، والشراك بكسر الشين جمعه شُرُك بضمتين، هو أحد سيور النعل التي تكون على وجهها، تربط به النعل وتشد، والمراد المسارعة بصلاة الظهر متى دخل وقتها، وقدر الشراك أقل ما يمكن أن يتبين به دخول الوقت، وقوله: «حين كان ظله مثله»، لم يسبق لهذا الضمير مرجع، إلا جبريل ﵇، لكن جاء في رواية الترمذي ما يوضح أن المراد من الضمير قامة الشيء مطلقا، فقال عن وقت العصر في المرة الأولى: «حين كان كل شيء
стр. 466
مثل ظله»، وفيه أيضا: «ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه»، وفي الحديث أن أول صلاة صلاها به هي صلاة الظهر، وكان ذلك إلى الغد من افتراضها ليلة المعراج، وقوله: «حين أفطر الصائم»؛ معناه غروب الشمس، وفي رواية الترمذي: «حين وجبت الشمس وأفطر الصائم»، أي سقطت، كناية عن الغروب، وقوله: «هذا وقت الأنبياء من قبلك»، قال العلماء: المراد التوسعة في الوقت، لا خصوص الصلوات وأوقاتها، وفيه أن وقت المغرب في اليومين سواء، وسيأتي في الحديث الآتي ما يخالفه.
والحديث الثاني: حديث بريدة أن رجلا سأل النبي ﷺ عن وقت الصلاة، فقال: «صل معنا هذين»، يعني اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن، ثم أمره فأقام الظهر، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما أن كان اليوم الثاني؛ أمره فأبرد بالظهر، فأبرد بها، فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصر والشمس مرتفعة، أخرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها، ثم قال: «أين السائل عن وقت الصلاة»؟، فقال الرجل: «هاأنا يا رسول الله»، قال: «وقت صلاتكم بين ما رأيتم»، رواه مسلم في باب أوقات الصلوات الخمس، والترمذي، وفي روايته قول النبي ﷺ : «أقم معنا إن شاء الله»، وهو استثناء مع الجملة الإنشائية كما ترى، وانظر مرسل عطاء في الموطأ (٢)، وما رواه عن أبي هريرة موقوفا عليه برقم (٨).
وفي الحديث أن للمغرب وقتين كسائر الصلوات، وهو المتعين لأنه زيادة على ما في الحديث الأول، وهو متأخر عنه، لكن المسلمين دأبوا منذ عهد نبيهم ﷺ على المبادرة بصلاة المغرب، فحمل صلاة جبريل ﵇ لها في وقت واحد في اليومين على أولوية التعجيل أولى، وفي المذهب روايتان عن مالك إحداهما في المختصر قال بعد أن ذكر أوقات الصلوات: «ووقت المغرب غيبوبة الشمس: وقت واحد»، وهذه موافقة لما في حديث ابن عباس، قال الباجي: «وهو الذي حكاه عن مالك أصحابنا العراقيون»، والقول الثاني هو المعروف عند المغاربة امتداده إلى الشفق.
стр. 467
قال في الموطإ (٢٢): «الشفق الحمرة التي في المغرب، فإذا ذهبت الحمرة فقد وجبت صلاة العشاء، وخرجت من وقت المغرب»، وذكر الباجي أن في المدونة ما يقتضي هذا القول أيضا، ومعتمده أن فيها مشروعية تأخير المسافر، لكن القاضي عبد الوهاب لم يره كما قال، بل اعتبر مشروعية ذلك التأخير لمغيب الشفق من باب الأعذار فقال: «وهو وقت مضيق غير ممتد، يقدر آخره بالفراغ منها في حق كل مكلف، ويرخص للمسافر أن يمد الميل ونحوه ثم يصلي، وذلك داخل في باب الأعذار والرخص، وهو خارج عن هذا الباب».
стр. 468
• قوله:
٢ - «فأول وقتها انصداع الفجر المعترض بالضياء في أقصى المشرق ذاهبا من القبلة إلى دبر القبلة، حتى يرتفع، فيعم الأفق، وآخر الوقت؛ الإسفار البين، الذي إذا سلم منها بدا حاجب الشمس، وما بين هذين وقت واسع، وأفضل ذلك أوله».
هذا شروع من المؤلف في بيان أوقات الصلوات، وقد ابتدأ بالصبح لكونها أول صلاة في اليوم، ولو ابتدأ بالظهر لكان أفضل ليوافق أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ ، ولأنها التي ابتدأ القرآن بذكرها كما تقدم.
واعلم أن الأصل المبادرة بالصلاة في أول وقتها، وتأخيرها عن ذلك إنما هو لمقتض آخر، كما دل على ذلك عمومات كتاب الله تعالى كقوله سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله جلت قدرته مثنيا على أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]، وعن أم فروة قالت: «سئل النبي ﷺ أي الأعمال أفضل؟، قال: «الصلاة في أول وقتها»، رواه أبو داود (٤١٨)، والترمذي (١٧٠)، ولم يقل فيه الترمذي شيئا على خلاف عادته، وفيه عبد الله بن عمر العمري، وصححه الألباني، وهذا الحديث مقيد لقوله ﷺ جوابا عن سؤال عبد الله بن مسعود «أي العمل أفضل»، فقال: «الصلاة على مواقيتها،،، الحديث»، فإنه أعم من الأول.
وقد نقل أبو الفرج عن مالك أن «أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا الظهر في شدة الحر»، وهو في الاستذكار (١/ ٢٤)، ولعل هذا إنما هو التأخير الزائد على ما سيأتي ذكره مما قاله من التأخير لمساجد الجماعات.
стр. 469
وانصداع الفجر انشقاقه بظهور الضياء في الأفق، حيث تلتقي قبة السماء بالأرض، وينصدع الفجر أولا في المكان الذي تكون الشمس قبالته تحت الأفق، وإشراقها لا يكون في المكان الذي يبتدئ منه انبلاج الفجر ولا بد، نظرا لحركتها الظاهرة، ثم يذهب الضياء متمددا في اتجاهين: في الأفق عرضا، وفي الارتفاع عن الأفق مكتسحا الظلام شيئا فشيئا جهة الغرب، وقوله: «ذاهبا من القبلة إلى دبر القبلة»؛ هذا إنما يظهر في الأماكن التي تكون فيها القبلة جهة المشرق، فلا إشكال فيه، وقد قال بعضهم إنه مشكل.
وقد بين المؤلف بالقيود المذكورة الفجر الصادق احترازا من الفجر الكاذب الذي لا يدل على بداية اليوم، فوصفه بأنه معترض، أي منتشر، والكاذب لا ينتشر، فإنه مستدق كذنب السرحان (بكسر السين)، وهو الذئب - وقيل والأسد - يتجه من المشرق إلى المغرب ثم يعقبه الظلام، وقد روى الحاكم والبيهقي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الفجر فجران: فجر يحرم فيه الطعام، وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه الصلاة، ويحل فيه الطعام»، والمراد تحريم الطعام على مريد الصوم، وتحريم صلاة الصبح خاصة، فهو من العام المراد به الخصوص.
واعلم أن النبي ﷺ كان يبادر بصلاة الصبح في أول وقتها، وكذلك الخلفاء الثلاثة من بعده أبي بكر وعمر وعثمان، ففي الحديث الذي رواه مالك وصاحبا الصحيح وأبو داود (٤٢٣) عن عائشة قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس»، التلفع هو الاشتمال، والمروط جمع مرط بكسر الميم الكساء، والغلس اختلاط الضوء بالظلام، وسمي في بعض الروايات غبشا، أما قوله ﷺ : «أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم»، رواه أبو داود (٤٢٤)، والترمذي (١٥٤)، وقال حسن صحيح، فإن معناه عند جمهور أهل العلم إطالة القراءة في صلاة الصبح، فيكون الانصراف في حالة الإسفار، وبهذا يوافق ما فعله النبي ﷺ والخلفاء الثلاثة من بعده من المبادرة بصلاة الصبح، ولا يكون مناقضا له، ويؤيده ما رواه البزار عن أنس قال: سئل النبي ﷺ عن وقت صلاة الغداة، فصلى حين طلع الفجر ثم أسفر بعد ثم قال: أين السائل عن وقت صلاة الغداة، ما بين هذين وقت، وقيل المراد أن تصلى بعد الفجر الثاني،
стр. 470
واعترض بأن الصلاة لا تصح قبل الوقت، فكيف يقال إن الإسفار أعظم للأجر؟، فقيل إن ذلك الأجر باعتبار نيتهم، لا باعتبار صلاتهم التي قد يكونون صلوها قبله غير عالمين، ولا يخفى ضعفه، وقيل إن الأمر بالإسفار إنما جاء حيث يشتبه الوقت على الناس كما في الليالي المقمرة فإن الصبح لا يتبين فيها كما ينبغي، فأمروا بزيادة التبين استظهارا باليقين في الصلاة، قاله الخطابي في المعالم، وهذا والله أعلم توجيه جيد، فإن الله تعالى ناط ترك الأكل والشرب في الصيام بتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
ومساجدنا تعيش خلافات كبيرة في هذا الأمر، فإن بعض أهل العلم ذهبوا إلى أن المواقيت التي يعدها أهل التقويم الفلكي للصبح متقدمة على طلوع الفجر، فغدا أذان الصبح عندنا لا يدل على دخول الوقت بالفعل، بل يؤدى حسب الرزنامة التي تعدها الجهات المعنية التي جعلت التزام هذه الرزنامة دليل الوفاء للوطن!!، ومخالفتها دليل على الارتباط بجهات خارجية!!، فمن الناس من يصلي عقب الأذان بعد ركعتي السنة، ومنهم من يؤخر قليلا، ومنهم من يصل في التأخير إلى ربع ساعة، ومنهم من يفرط في التأخير، فإذا صلى الإمام قبل الوقت الذي يراه بعض المأمومين؛ فإما أن يخرج، وإما أن يصلي ويعيد، ولا حول ولا قوة وإلا بالله، والصواب في هذا: أن الصلاة لا يقدم عليها المرء إلا إذا تأكد من دخول وقتها، فإنه إذا صلى شاكا في الوقت كانت باطلة ولو وقعت فيه، وقد راقبت طلوع الفجر في بعض السنوات وآخرها في هذا الصيف من سنة (١٤٢٨) وقارنته بما في الرزنامة؛ فوجدته يتأخر عنها بنحو عشر دقائق، على الرغم من أن المنطقة التي كنت أراقب طلوع الفجر فيها بها أضواء اصطناعية في ذات الموضع الذي يطلع فيه الفجر، والذي نقوله للناس التأخير بنحو ربع الساعة، وهذا التقدير قد يختلف إذا كان الأفق محجوبا بمرتفعات، لكن القول بأن الفجر يطلع بعد نحو عشر دقائق ليس معناه أنه لم يطلع قبل حسب تقديرات الفلكيين، لما هو معلوم من أن الوسائل التي يعتمدونها في إثبات الطلوع دقيقة، والشرع لا يبنى عليها، والشك في دخول الوقت لا تصح معه الصلاة، ومرجع مغالاة بعضهم في التأخير ظنهم أنهم إن لم يشاهدوا ضوء الفجر فإنه لم يطلع مع أن الأفق يحجبه عنهم البنيان، وتختلط عليهم فيه الأضواء الاصطناعية بضوء الفجر، فلا
стр. 471
يكادون يتبينونه حتى يكون فوق رؤوسهم، وهو لا يصل إلى ذلك المستوى إلا وقد مر عليه نحو نصف ساعة، أو أكثر، واحتمال عدم مطابقة حساب الفلكيين للواقع آت من كونهم لا يضعون في الحسبان خصائص الجهات من تضاريس كالارتفاع والانخفاض عن السطح العام الذي هو مرجع حسابهم، ووجود جبال تحول دون ظهور الفجر، أو تتوارى خلفها الشمس، فتغرب في الواقع، ولا تغرب في حسابهم، وثمة أمور أخرى، فهذا منشأ الخطإ المحتمل، وإنما اقتصر الخلاف على وقت صلاة الصبح والمغرب والعشاء لأن المعتمد في صلاتي النهار: الظهر والعصر القامة، ولا تأثير للتضاريس فيها، أما صلاة المغرب فالاحتمال الغالب على الفلكيين تأخيرها، وكذلك العشاء، والتأخير لا يضر بصحة الصلاة، ما لم يتعمد المؤمن تأخيرها إلى أن يخرج وقتها.
وأقول لمن يريد الاستبراء لدينه: لا تدخل الصلاة وأنت شاك في الوقت، فقد علمت أنها لا تصح، ولا خلاف في هذا بين العلماء، وهي أفضل ما تفعل بعد شهادتك أن لا إله إلا الله، فكيف إذا كنت إماما أو مؤذنا، والإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، والإمام أملك بالإقامة، فيتحمل مسؤولية التأكد من دخول الوقت لقول النبي ﷺ : «من أم الناس فأصاب الوقت، وأتم الصلاة؛ فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئا؛ فعليه ولا عليهم»، رواه أبو داود (٥٨٠) وغيره عن عقبة بن عامر.
وقد نقلت عن الإمام مالك أقوال أحملها على هذا المعنى، فإن المبادرة بالصلاة في أول الوقت مطلوبة لكن بعد تأكد دخول الوقت، روى مطرف عن مالك، وهو في النوادر: «والسنة في الغيم تأخير الظهر، وتعجيل العصر، وتأخير المغرب، كي لا يشك، وتعجيل العشاء، أو يتحرى زوال الحمرة، ويؤخر الصبح حتى لا يشك في الفجر»، قال ابن وهب عن مالك إنه كره تعجيل الصلاة في أول الوقت، وقال عنه ابن القاسم: «ولكن بعد ما يتمكن ويذهب بعضه»، وقال ابن وهب قلنا لمالك: إن البيوت توارى في الفجر، والناس في المسجد، قال: يتحرون الفجر ويركعون»، وقال أشهب في المجموعة: «إن الصلاة بعد الوقت لمن بلي به أهون منه قبله»، انتهى.
أما نهاية وقت صلاة الصبح ففي الموطإ (٤) والصحيحين وسنن أبي داود (٤١٢)
стр. 472
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك، ومن أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرك»، وذكر المؤلف أن نهايته هو الإسفار البين، أي اشتداد ضوء الشمس بسبب قرب طلوعها، وعلى هذا فلها وقت واحد اختياري، ولا ضروري لها، والمشهور في المذهب رواية ابن القاسم وهي أن لها وقتين اختياريا إلى الإسفار الأعلى، وضروريا منه إلى طلوع الشمس، وروى علي عن مالك: الفجر البياض المعترض في المشرق، وليس البياض الساطع قبله، قال ابن نافع: وآخره الإسفار.
واعلم أنه قد حصل الإجماع على أن وقت صلاة الصبح يخرج بطلوع الشمس، بخلاف بقية الصلوات فقد جاء النص على أن الصلاة يخرج وقتها بدخول وقت الصلاة التي تليها، وقد جاء في ذلك حديث أبي قتادة قال، قال رسول الله ﷺ : «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة: أن تؤخر صلاة؛ حتى يدخل وقت أخرى»، وهو في صحيح مسلم، وهذا لفظ أبي داود (٤٤١)، وهذا مما يستدل به على أن ليس للصلاة إلا وقت واحد، والمذهب أن لها وقتين اختياريا وضروريا، وهي في الضروري أداء، لكن يأثم متعمد التأخير، وسيأتي بعض الكلام على هذا في صلاة الحائض تطهر والمغمى عليه يفيق.
стр. 473
• قوله:
٣ - «ووقت الظهر إذا زالت الشمس عن كبد السماء، وأخذ الظل في الزيادة».
يدخل وقت الظهر بزوال الشمس عن كبد السماء، وهو الوقت الذي يشرع فيه الظل في الزيادة، لقول النبي ﷺ : «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر»، الحديث، رواه مسلم عن عبد الله ابن عمرو بن العاص، فهذا تضمن بداية الظهر ونهايتها، وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود (٤٠٣) عن جابر بن سمرة أن بلالا كان يؤذن الظهر إذا دحضت الشمس»، يقال دحضت رجله، إذا زلقت عن موضعها، والمراد زوال الشمس، وهذا لا يعارض الأمر بالإبراد كما سيأتي.
ويسمى الظل بعد الزوال فيئا غالبا، لأن الظل يفيء أي يرجع إلى جهة غير الجهة التي كان يتجه نحوها منذ طلوع الشمس، لكن قول أبي الحسن عن المؤلف إنه أطلق الظل على ما بعد الزوال وهي لغة شاذة، وعليه بعض أهل اللغة؛ يرده قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ [الرعد: ١٥]، فإن الآصال جمع أصيل، وهو وقت اصفرار الشمس في آخر المساء، وجاء التعبير بالظل عما بعد الزوال في الأحاديث وقد تقدم بعضها، ويخرج وقت الظهر بنهاية القامة الأولى.
стр. 474
• قوله:
٤ - «ويستحب أن تؤخر في الصيف إلى أن يزيد ظل كل شيء ربعه، بعد الظل الذي زالت عليه الشمس، وقيل إنما يستحب ذلك في المساجد ليدرك الناس الصلاة، وأما الرجل في خاصة نفسه؛ فأول الوقت أفضل له، وقيل أما في شدة الحر فالأفضل له أن يبرد بها وإن كان وحده، لقول النبي ﷺ : «أبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم».
لما كان وقت الظهر قرب منتصف النهار حيث بنحسر الظل ويشتد الحر، وكان وقت حاجة الناس إلى الراحة؛ تميز بمشروعية تأخيره رعاية لجانب الخشوع في الصلاة، بتقديمه على فضيلة أول الوقت التي هي الأصل، فجاء في السنة الأمر بالإبراد بالظهر، فعن أبي ذر قال كنا مع النبي ﷺ فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر، فقال: «أبرد»، ثم أراد أن يؤذن، فقال: «أبرد» مرتين أو ثلاثا، حتى رأينا فيء التلول، ثم قال: «إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر؛ فأبردوا بالصلاة»، رواه الشيخان وأبو داود (٤٠١)، ورواه مالك في الموطإ (٢٦ و ٢٧ و ٢٨) عن عطاء بن يسار مرسلا، وعن أبي هريرة مرفوعا، قوله: «أبردوا»؛ يقال أبرد إذا دخل في وقت البرد، كأمسى، وأتهم، وأنجد، والمراد أن تصلى وقت انكسار الوهج والحر، والتلول جمع تل، وهي الروابي، وفيح جهنم سطوع حرها وفورانه، ومعناه أن هذا الحر من تنفس جهنم، كما جاء في الحديث: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: «رب أكل بعضي بعضا»، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير»، متفق عليه من حديث أبي هريرة، قوله اشتكت هذا على حقيقته، وإن كنا لا ندري كيف هو، والزمهرير البرد الشديد، وشدة الحر والبرد في الدنيا يذكران المرء الكيس بجهنم فينبغي له أن يتقيها بطاعة الله تعالى، وكل نصب وتعب
стр. 475
في الدنيا ينبغي أن يذكر بما في الآخرة من ذلك، وهكذا النعم تذكر بما في الجنة منها، فيشتاق الكيس إليها، ويعمل من أجلها، وشتان ما بينهما، والتأخير لشدة الحر قيل بعمومه لكل المصلين، وقيل إن ذلك خاص بمساجد الجماعات، أما الفرد في خاصة نفسه فالمبادرة إلى الصلاة أول وقتها أفضل له، وقيل هو كغيره.
ومن تراجم مالك في الموطإ (النهي عن الصلاة بالهاجرة)، وأورد تحتها عن عطاء بن يسار نحو حديث أبي ذر المتقدم في الأمر بالإبراد، وهو يدل على أن الإمام يرى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والله أعلم.
وتأخير صلاة الظهر في المذهب على ضربين: ضرب لأجل شدة الحر، وقد تقدم، وضرب لغير ذلك، ومنه الرفق بالناس في مساجد الجماعات لكي يدركوا الصلاة، فتؤخر بمقدار ذراع على ما ورد فيما أمر به عمر بن الخطاب عماله، وهو في الموطإ (٥)، وقال في المدونة: «وأحب إلي أن يصلي الناس الظهر في الشتاء والصيف والفيء ذراع»، ومقدار الذراع المطلوب تأخير الظهر إليه هو المراد بربع القامة في قول خليل: «وتأخيرها لربع القامة، ويزاد لشدة الحر»، فإن ذراع الإنسان نحو ربع قامته، وفيه متمسك لما يفعل من ضبط الوقت بين الأذان والإقامة.
واعلم أن الناس قد اعتادوا في بعض جهات جنوب بلادنا تأخير الظهر إلى ما قبيل العصر، بحيث إذا فرغوا من صلاة الظهر؛ دخل وقت العصر بعد قليل، وهذا شبيه بالجمع الصوري الذي قال به جمهور أهل العلم في توجيه بعض الأحاديث الدالة على الجمع من غير عذر، وهو وإن كان مشروعا في الجملة كما سيأتي إن شاء الله، لكن ينبغي ترك المداومة عليه بتقديم صلاة الظهر عن آخر وقتها، والله أعلم.
стр. 476
• قوله:
٥ - «وآخر الوقت؛ أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل نصف النهار».
هذا بيان آخر وقت الظهر، وهو أن يصير ظل كل شيء مثله زيادة على طوله الذي يكون عند الزوال، وقد بين في حديث جبريل ﵇: «وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس»، ولقول النبي ﷺ : «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر»، الحديث، رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهذا يقضي على الأول لأنه نص، وهو قوله ﷺ والثاني محتمل للاشتراك، وهو وصف الراوي، ولقوله ﷺ في الحديث الآخر «إنما التفريط في اليقظة: أن تؤخر صلاة؛ حتى يدخل وقت أخرى»، وهذا لا يستثنى منه غير الصبح، فإنه مستثنى بالإجماع لخروج وقته بطلوع الشمس.
стр. 477
• قوله:
٦ - «وأول وقت العصر آخر وقت الظهر، وآخره أن يصير ظل كل شيء مثليه، بعد ظل نصف النهار، وقيل إذا استقبلت الشمس بوجهك وأنت قائم، غير منكس رأسك ولا مطأطئ له؛ فإن نظرت إلى الشمس ببصرك؛ فقد دخل الوقت، وإن لم ترها ببصرك؛ فلم يدخل الوقت، وإن نزلت عن بصرك؛ فقد تمكن دخول الوقت، والذي وصف مالك ﵀؛ أن الوقت فيها ما لم تصفر الشمس».
أشار بقوله: «وأول وقت العصر آخر وقت الظهر»، أن أول وقتها نهاية القامة الأولى، وهو الذي أكده في النوادر، وهذا يقتضي أنهما مشتركتان في الوقت، وهو المشهور.
قال مالك في المختصر: «وآخر وقت الظهر أن يصير الظل قامة بعد الظل الذي زالت عليه الشمس، وهو أول وقت العصر أيضا»، انتهى.
وفي مختصر خليل: «واشتركا بقدر إحداهما، وهل في آخر القامة الأولى، أو أول الثانية خلاف».
وقال ابن حبيب: «لا اشتراك بينهما».
وقال ابن العربي: تا الله لا اشتراك بينهما، ذكره علي الصعيدي في حاشيته، لكن ابن العربي في العارضة (١/ ٢٥٦) قوى هذا القول، ودليله ما في رواية الترمذي لحديث ابن عباس المذكور قبل من قوله ﷺ في وقت إمامة جبريل ﵇ له: «وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس».
وقد اختلف في الاشتراك هل هو مشاركة العصر للظهر في آخر وقتها، وهو ظاهر قول مالك المتقدم بالنقل عن المختصر، أو مشاركة الظهر للعصر في أول وقتها؟، قال ابن
стр. 478
أبي زيد في النوادر عن القول الأول: «وكذلك قال أشهب في المجموعة في باب جمع الصلاتين إن القامة وقت لهما يشتركان فيه»، وسبب هذا الاختلاف أن قوله ﷺ : «وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس»؛ يحتمل أن معنى «صلى» فرغ من صلاة الظهر، ويحتمل أنه بدأها، وعلى الأول لو أخر صلاة الظهر حتى دخل وقت العصر فأوقعها في أوله فلا إثم عليه، ولو قدم صلاة العصر في آخر الظهر كانت باطلة، وعلى الثاني لو صلى العصر عندما بقي من الظهر مقدار أربع ركعات كانت في وقتها، ولو أن مصليين صليا: أحدهما الظهر والآخر العصر قبل انقضاء القامة الأولى فعلى أن الاشتراك في آخر القامة تقع الصلاتان صحيحتين.
والذي يظهر والله أعلم أنه لا اشتراك بينهما، فإن حديث ابن عباس وإن كان ظاهرا فيما ذكر، فإنه يقدم عليه قوله ﷺ : «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر»، رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص وقد تقدم، وكذلك قوله ﷺ في حديث أبي قتادة الصحيح وقد تقدم: «إنما التفريط في اليقظة: أن تؤخر صلاة؛ حتى يدخل وقت أخرى»، وهو في صحيح مسلم، وهذا لفظ أبي داود (٤٤١)، فهذا نص فلا يعدل عنه إلى الظاهر، والذي هو وصف من الراوي لا من كلام الشارع.
أما آخر وقت العصر ففيه روايتان: أولاهما: رواية ابن عبد الحكم أنه نهاية القامة الثانية، وقد تقدم دليلها، والأخرى: أن وقتها يخرج باصفرار الشمس، وهي المشهورة، حتى قال ابن القاسم: «لم يكن مالك يذكر القامتين في وقت العصر، ولكنه كان يقول: «والشمس بيضاء نقية»، وعنه فيها: «وقت العصر اصفرار الشمس»، ولذلك قال المؤلف: والذي وصف مالك ﵀؛ أن الوقت فيها ما لم تصفر الشمس»، ودليلها ما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال، قال رسول الله ﷺ : «وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس، ما لم يسقط الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس
стр. 479
فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني شيطان»، وهو الذي كتب به عمر بن الخطاب إلى عماله أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعا، إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية،،،»، وهو في (الموطإ/ ٥)، وفيه (٦) أنه كتب إلى أبي موسى: «أن صل الظهر إذا زاغت الشمس، والعصر والشمس بيضاء نقية قبل أن يدخلها صفرة»، ووجه التحديد بنهاية القامة الثانية أن أول الوقت كان بها، فيكون آخره كذلك، ولأنه أمر ينضبط لا يكاد الناس يختلفون فيه، ووجه القول الثاني والله أعلم أنه نافع لمن لم يعرف الأول، أو لم يضبطه، وهما متقاربان، فالحمد لله الذي جعل لنا في الأمر سعة.
وقد حاول المؤلف ﵀ ضبط وقت العصر بأمر عملي لعله جربه، وهو أن يستقبل المرء الشمس بوجهه قائما معتدلا، ناظرا أمامه، فإن استوى بصرُه والشمسَ؛ فقد دخل وقت العصر، وإن كانت أعلى من مستوى بصره لم يدخل وقتها، وإن نزلت عن سمت بصره فقد تمكن دخول الوقت، وهذا مما جربه، وهو مقارب، فإذا استعمله المرء حيث لم يتمكن من غيره كفاه، ولا تثريب عليه في ذلك لأن الاعتماد على التجربة في مثل هذه الأمور ليس مذموما، ومما يستغرب شرح الشيخ بن عمر بن سداق لكلام المؤلف على هذا النحو: «غير منكس رأسك»؛ كالديك، «ولا مطأطئ له»؛ كالحمار،،،!!.
واعلم أن الوقت المذكور للعصر هو الذي لا ينبغي أن تؤخر عنه، ومن ثم جاء الوعيد الشديد على تأخيرها إلى الوقت الذي تكون الشمس فيه بين قرني الشيطان، فقد قال النبي ﷺ : «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا اصفرت، وكانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا»، رواه مسلم عن أنس، وفي معنى قرني الشيطان أقوال حكاها الخطابي في معالم السنن، منها قوة الشيطان حينئذ لكونه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في ذلك الوقت وما ماثله من وقت قرب الشروق والاستواء، وقيل إن ذلك تشبيه، فإن تأخيرالصلاة إنما هو من تسويل الشيطان وتزيينه ذلك لفاعله.
ويظهر أن الشارع قد فرق بين تأخير صلاة الصبح إلى وقت الإسفار الأعلى، وبين تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس، فذم فاعل الثاني دون الأول، جاء ذلك في حديث
стр. 480
أبي هريرة عند الترمذي (١٥١) حيث نص على أن وقت العصر يخرج باصفرار الشمس، وأن وقت الفجر يخرج بطلوع الشمس، ولعل ذلك لخصوصية الفجر بكونها تأتي في وقت النوم، والعصر تأتي والناس أيقاظ، فالنوم عن الصبح والتأخر في أدائها أقرب إلى اليسر، فيكون إدراك العصر بركعة قبل الغروب لأرباب الضرورات بخاصة، وإدراك الصبح بركعة قبل الشروق لما هو أوسع من ذلك، والله أعلم.
стр. 481
• قوله:
٧ - «ووقت المغرب- وهي صلاة الشاهد، يعني الحاضر، يعني أن المسافر لا يقصرها، ويصليها كصلاة الحاضر- فوقتها غروب الشمس، فإذا توارت بالحجاب؛ وجبت الصلاة، لا تؤخر، وليس لها إلا وقت واحد، لا تؤخر عنه».
لم يختلف المسلمون في أن أول وقت المغرب تواري قرص الشمس خلف الأفق، وقد قالوا إن ذلك في غير أماكن البناء والمرتفعات التي يمكن أن تحتجب وراءها مع أنها لم تغرب في الواقع، فلو أن أحدا رأى قرص الشمس قد اختفى، لكنه يرى إلى الشرق منه صفرتها في مرتفع من الأرض أو بناء؛ فإن صلاة المغرب لم يدخل وقتها بعد، وقد رأيت بعضهم يبادرون بالإفطار بمجرد تواري الشمس عن أنظارهم، ليدركوا فضيلة تقديم الإفطار، لكنهم ربما أكلوا في النهار، وقد يصلح للاستدلال على هذا الذي قلته قول النبي ﷺ : «إذا جاء الليل من هاهنا، وذهب النهار من هاهنا، وغابت الشمس فقد أفطر الصائم»، رواه الشيخان وأبو داود (٢٣٥١)، فإن قوله «جاء الليل من هاهنا» أي من جهة المشرق، وقوله «وأدبر النهار من هاهنا» أي من جهة المغرب.
وقد اختلف في نهاية وقت المغرب، ومشهور المذهب أنها ليس لها إلا وقت واحد يقدر بأدائها بعد تحصيل شروطها، وهو ما أشار إليه المؤلف، وقال فيه خليل: «وللمغرب غروب الشمس تقدر بفعلها بعد شروطها»، وقد تقدم ما يدل على هذا القول من حديث ابن عباس في إمامة جبريل للنبي ﷺ ، حيث صلى المغرب مرتين في وقت واحد، لكن النبي ﷺ في حديث بريدة صلى المغرب في اليوم الثاني قبل أن يغيب الشفق، وهذا أولى لأنه متأخر، وهو أرجح أيضا، وجاء ذلك من قوله ﷺ : «وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق»، رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو، ولا ينبغي أن يحتج في هذا المقام بأن الأمر كان
стр. 482
عند المسلمين منذ عهد نبيهم ﷺ ولا يزال على المبادرة بصلاة المغرب في أول وقتها، فإنه يجاب عنه بإن الكلام ليس في فضيلة المبادرة بها، فإنه لا خلاف فيها، وقد جاء في ذالك قول النبي ﷺ : «إذا أذنت المغرب فاحدرها مع الشمس حدرا»، رواه الطبراني في الكبير عن أبي محذورة احدرها أسرع بها وإنما الكلام في خروج وقتها، ثم ما ذا يقال عن تطويل النبي ﷺ القراءة فيها أحيانا، حيث ثبت أنه قرأ بالأعراف في الركعتين منها، وهكذا تأخيرها إلى أن تجمع مع العشاء بالمزدلفة، فالحق أن لها وقتين، وقد اختار هذا القول - الضعيف في المذهب - من علمائه الباجي، وابن عبد البر، وابن رشد، واللخمي، والمازري أخذا مما في الموطإ (٢٢)، وقد تقدم أول الباب، ووجه ضغفه عند بعض المتأخرين أنه ليس في المدونة إلا استثناء المسافرين من المبادرة بها، وأنت خبير بأن المدونة عند المتأخرين ولا سيما المغاربة مقدمة على الموطإ لأسباب ليس هذا محل ذكرها، وقد أشرت إليها في كتاب آخر، ويستغرب ما استدل به القاضي عبد الوهاب في كتابه المعونة على كون وقت المغرب واحدا حيث قال: «ولأنها صلاة مفروضة من الخمس، فوجب أن يكون وقتها كجنس عددها من شفع أو وتر كسائر الصلوات».
أما تسمية المغرب بصلاة الشاهد أي الحاضر أخذا من كونها لا تقصر في السفر؛ فهو لمالك من رواية ابن القاسم عنه في العتبية قال: «الأعراب يسمون المغرب الشاهد؛ لأنها لا تقصر»، وبهذا يظهر أن إطلاق هذا الوصف عليها ليس من فهم المؤلف كما ذكره المحدث الغماري في مسالك الدلالة، وقد يقال إن الصبح مثل المغرب في عدم القصر بالإجماع، فما وجه إفراد المغرب بهذا الوصف؟، والأولى أن يقال إن وجه التسمية ما رواه مسلم والنسائي من حديث أبي بصرة الغفاري أن النبي ﷺ قال: «إن هذه الصلاة فرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حفظها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد»، والشاهد النجم»، فيقال لما كان وقتها مرتبطا بهذا النجم معلقا عليه نسبت إليه.
стр. 483
• قوله:
٨ - «ووقت صلاة العتمة- وهي صلاة العشاء، وهذا الاسم أولى بها- غيبوبة الشفق، والشفق الحمرة الباقية في المغرب من بقايا شعاع الشمس، فإذا لم يبق في المغرب صفرة ولا حمرة؛ فقد وجب الوقت، ولا ينظر إلى البياض في المغرب، فذلك لها وقت إلى ثلث الليل، ممن يريد تأخيرها لشغل أو عذر، والمبادرة بها أولى، ولا بأس أن يؤخرها أهل المساجد قليلا لاجتماع الناس، ويكره النوم قبلها، والحديث لغير شغل بعدها».
هذه الصلاة تسمى صلاة العشاء، قال الله تعالى: «ومن بعد صلاة العشاء»، وورد تسميتها بالعشاء الآخرة تمييزا لها عن المغرب، وورد النهي عن تسميتها بالعتمة، لأن ذلك من تسمية الأعراب كما في صحيح مسلم عن ابن عمر مرفوعا: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، وإنها تعتم بحلاب الإبل»، وقوله تعتم؛ يعني تؤخر حلاب الإبل إلى وقت اشتداد الظلمة، وهو العتمة، وفيه حرص نبينا محمد ﷺ على المحافظة على أسماء أمور الشرع وعدم التقليد فيها، لما يترتب على ذلك من المفاسد، ورضي الله عن ابن عمر، فقد قال كلمة عظيمة في تغيير الأسماء الشرعية فقد روى ابن شيبة عن ميمون بن مهران قال، قلت لابن عمر: «من أول من سمى صلاة العشاء العتمة»؟، قال: «الشيطان»، ونحن في عصر كثر فيه تقبل المسلمين لما يحدثه أعداؤهم من اصطلاحات تنافس الأسماء الشرعية عندهم، وربما أوحوا إليهم استهجان بعض الأوصاف الواردة في كتاب ربهم وسنة نبيهم، فاستثقلها بعضهم، كإطلاق وصف الكفر، ولفظ الجهاد، وتحرجهم أن يقولوا نصارى كما سماهم الله، فيقولون المسيحيون، وأين هم من المسيح ﵊؟، فتابعوهم على ذلك، فينبغي أن يحذروا وينتبهوا.
стр. 484
قال الحافظ نقلا عن غيره: «معنى الغلبة أنكم تسمونها اسما، وهم بسمونها اسما، فإن سميتموها بالاسم الذي يسمونها به وافقتموهم، وإذا وافق الخصم خصمه صار كأنه انقطع له، حتى غلبه»، وقال أيضا نقلا عن التوربيشتي: المعنى لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول بينهم، فيغلب مصطلحهم على الاسم الذي شرعته لكم»، وقد يستروح من قوله «لا تغلبنكم»؛ أن إطلاق ذلك عليها أحيانا لا حرج فيه، بدليل ما ورد من تسميتها كذلك، لكن ميلي قوي إلى أن النهي المتقدم لا يقوى على معارضته ما جاء في الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة مرفوعا: «لو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا»، لأنا نقول إن هذا يحتمل تقدمه على النهي، ويحتمل تصرف الراوي فيه قبل علمه بالنهي، ويحتمل غير ذلك، والآخر نهي صريح فلا يعدل عنه، وكما ورد النهي عن تسميتها بالعتمة ورد النهي عن تسمية المغرب بالعشاء كما في صحيح البخاري (٥٦٣) من حديث عبد الله المزني مرفوعا: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، قال: وتقول الأعراب هي العشاء» وقال مالك: «وأحب إلي أن يقال في العتمة صلاة العشاء، لقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، إلا أن تخاطب من لا يفهم عنك فذلك واسع»،
أما بداية وقت العشاء فغياب الشفق، وهذا متفق عليه بين الأمة، وقد تقدم دليله، ومن أدلته حديث النعمان بن بشير قال: «أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة: صلاة العشاء، كان رسول الله ﷺ يصليها لسقوط القمر لثالثة»، رواه أبوداود (٤١٩)، والترمذي (١٦٥)، والقمر يتأخر كل ليلة بنيف وثلاثين دقيقة، فيكون النبي ﷺ قد صلاها بعد الغروب بنحو الساعة وأربعين دقيقة، وهذا تقريب، لأن مقدار ذلك متوقف على مقدار عمر الهلال في الليلة الأولى، والله أعلم.
واختلف في المراد بالشفق فقيل الحمرة الباقية بعد الغروب هذا الذي عليه الجمهور، قال مالك في الموطإ (٢٢): «الشفق الحمرة التي في المغرب، فإذا ذهبت الحمرة؛ فقد وجبت صلاة العشاء، وخرجت من وقت المغرب»، وقيل الشفق البياض وعليه الأحناف، لكن ما قيل إن البياض لا يختفي إلا عند منتصف الليل فيه نظر، فإن الحمرة بعد الغروب ما تزال في نقصان حتى تنقضي، عكس الفجر فإن الضوء ما يزال يقوى
стр. 485
حتى ينتهي إلى الحمرة الشديدة، ثم إلى ظهور قرص الشمس، ومن احاديث هذه المسألة قول النبي ﷺ : أذا ملأ الليل بطن كل واد فصل العشاء الأخرة» رواه أحمد وابن ابي شيبة عن رجل من جهينة.
ونهاية وقت العشاء ممتد إلى ثلث الليل، وهذا هو المشهور الغالب في النصوص، من حديث ابن عباس في إمامة جبريل، وحديث بريدة في بيانه ﷺ أوقات الصلاة لمن سأله، وثم أحاديث أخرى، وقيل يمتد إلى نصف الليل، دل عليه حديث أنس عند البخاري (٥٧٢)، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم، وقد روى مالك في الموطإ من وصاة عمر لأبي موسى: «وأن صل العشاء ما بينك وبين ثلث الليل، فإن أخرت فإلى شطر الليل، ولا تكن من الغافلين»، والشطر النصف، فمن نسب هذا القول إلى مالك قبل نسبته إلى ابن حبيب؛ فقد أصاب وهو أولى، لكونه في الموطإ الذي مارسه أربعين سنة، وأخذه عنه الجم الغفير، ولعل وجه ذكر النصف والثلث في الأحاديث تقاربهما، فكان ذلك من التيسير على الناس، وعلى كل حال فهي رواية ثابتة، فالحق أن يؤخذ بها، والله أعلم.
واعلم أن المانع للنبي ﷺ من تأخير صلاة العشاء إلى نصف الليل أو ثلثه إنما هو خوف المشقة على أمته، ومثله تركه ﷺ الأمر بالسواك لكل صلاة، فإذا انتفت المشقة كان تأخيرها مشروعا، كالجماعة المنفردة التي لا يشق على أفرادها ذلك، فقد روى ابن ماجة والترمذي (١٦٧) وقال حسن صحيح عن أبي هريرة قال، قال النبي ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه»، وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود (٤٢٠) من حديث ابن عمر قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله ﷺ لصلاة العشاء، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل، أو بعده، فلا ندري أشيء شغله، أم غير ذلك؟، فقال حين خرج: «لولا تثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة»، والمذهب تأخير صلاة العشاء قليلا عن أول وقتها في المساجد، وقال ابن حبيب بالتأخير في رمضان أكثر من غيره ليفطر الناس، وهذا والله أعلم أمر حسان، وبهذا يظهر لك أن تقييد المؤلف التأخير إلى ثلث الليل بالعذر والشغل فيه شيء، فإن التأخير مرغوب فيه إذا انتفت العلة.
وقد جاء في الصحيح من حديث أبي برزة أن النبي ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء
стр. 486
والحديث بعدها، وذلك والله أعلم لأن النوم قبلها قد يكون ذريعة لتأخيرها عن وقتها، والحديث بعدها قد يكون سببا في التقاعد عن صلاة الصبح، أو صلاة الليل، بل إن الاشتغال بصلاة الليل إذا أدى إلى التفريط في صلاة الصبح كان منهيا عنه، فإن العبد ما تقرب إلى الله بشيء أحب إليه مما افترض عليه، وما ثبت من فعله ﷺ من المخالفة لما في هذا الحديث؛ يبين أن المراد بالحديث الذي كان يكرهه بعد العشاء؛ ما إذا لم يكن في أمر مطلوب، فقد كان النبي ﷺ يسمر مع ابي بكر في الامر من أمور المسلمين، ومعهما عمر كما في سنن الترمذي عن عمر ولذلك قيد المؤلف الحديث لغير شغل، يعني لغير فائدة، فإن الصلوات مكفرات لما بينهن، فترك الحديث الذي لا مصلحة فيه نوم على مغفرة الذنوب، ويحسن أن يذكر هنا الحديث الذي رواه الطبراني في معجميه الصغير والأوسط عن ابن مسعود ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم حتى تستيقظوا»، وفي الحديث الآخر الذي رواه أيضا عن أنس بن مالك ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «إن لله ملكا ينادي عند كل صلاة: يا بني آدم، قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها فأطفئوها»، ومن أحاديث هذه المسألة قول نبينا ﷺ : «من بات طاهرا بات في شعاره ملك لايستيقظ ساعة من الليل إلا قال الملك، اللهم اغفرلعبدك فلانا، فإنه بات طاهرا» وهو في الصحيحة (٢٥٣٩).
стр. 487
٩ - باب في الأذان والإقامة
الأذان في اللغة الإعلام مطلقا، قال الله تعالى: «وأذان من الله ورسوله»، وفي الشرع «عبادة الله تعالى بألفاظ مخصوصة للإعلام بدخول وقت الصلاة»، وقد أبى النبي ﷺ
أن يجعل له وسيلة أخرى غير ذكر الله، كناقوس النصارى، وبوق اليهود، ونار المجوس، وهو من شعائر الإسلام التي يفرق بها بين بلاد الكفر، وبلاد الإسلام، وقد جعله الشارع متضمنا أهم ركن في الإسلام يفرق بالنطق به بين المسلم والكافر، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وضم إليه طلب حضور الناس إلى الصلاة، وإخبارهم بأنها فلاح.
قال الحافظ في (الفتح ٢/ ١٠٢) نقلا عن غيره: «الأذان على قلة ألفاظه؛ مشتمل على مسائل العقيدة، لأنه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثنى بالتوحيد ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد ﷺ ، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة، لأنها لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم، وفيه إشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدا».
فالأذان نداء إلى الصلاة، وإخبار بدخول وقتها، والإقامة إشعار للقريب بالشروع فيها، وألفاظهما واحدة، عدا زيادة قد قامت الصلاة، أي شرع فيها، ولفظ الصلاة خير من النوم في أذان الفجر بخاصة. و
قد ذكر الله تعالى الأذان وسماه نداء في موضعين من كتابه، فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ [المائدة: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩].
ومما جاء في فضله ما رواه مالك في الموطإ (١٤٨) ومن طريقه البخاري (٦٠٩) عن
стр. 488
عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري قال: «إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك؛ فأذنت بالصلاة؛ فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنس، ولا شيء؛ إلا شهد له يوم القيامة»، قال أبو سعيد: «سمعته من رسول الله ﷺ ».
стр. 489
• قوله:
١ - «والأذان واجب في المساجد والجماعات الراتبة، فأما الرجل في خاصة نفسه؛ فإن أذن فحسن، ولا بد له من الإقامة، وأما المرأة؛ فإن أقامت فحسن، وإلا فلا حرج».
أخبر أن الأذان واجب، وهو كذلك، فقد واظب عليه النبي ﷺ في السفر والحضر، وأمر به في غير ما حديث، ورتب الله تعالى على سماعه وجوب أشياء، وتحريم أشياء، وكان النبي ﷺ إذا غزا ينتظر، فإن سمع الأذان كف، وإلا أغار، ومشهور المذهب أنه سنة مؤكدة في مساجد الجماعات، واجب في المصر على الكفاية، يقاتلون على تركه، وقد تأول الشراح قول المؤلف بالوجوب، على أنه واجب وجوب السنن، لا وجوب الفرائض، وقد بين أنه يتأكد في المساجد، سواء كانت للجمعة أو لا، كما يتأكد في حق الجماعات الراتبة، ولو في غير المسجد، إذا كانت تطلب غيرها، وهو كذلك، لأن الأذان في هذه الحال جمع بين ثلاثة أشياء: كونه إخبارا بدخول وقت الصلاة، وكونه ذكرا لله تعالى، وكونه دعوة للناس إلى صلاة الجماعة، أما التي لا تطلب غيرها؛ فقد قالوا بكراهة الأذان لها إذا كانت في الحضر، كما قالوا بأن الجماعة غير الراتبة لا يستحب لها الأذان، وهذا فيه نظر، فإن الأذان مأمور به، ودلالة الأمر الحقيقية الوجوب، وسامعه مأمور بحكايته، فمن لم يسمعه ودخل الوقت كان مطالبا به، فإن كان في جماعة تطلب غيرها أخبر بدخول الوقت، وطلب حضور من يريد صلاة الجماعة إليها، فإن لم يكن ينتظر أحدا أذن ليذكر الله، ويعلم بدخول الوقت، وإن كان منفردا؛ شرع له الأذان لأنه ذكر لله تعالى، فالحكمة من الأذان الإخبار بدخول الوقت، مع كونه ذكرا لله، مع دعوة من يريد الصلاة في جماعة، فإن عري عن بعض هذه الثلاث لم يعر عن جميعها، فكيف يكره، أو لا يستحب؟.
وقد قال مالك عن الجماعة غير الراتبة إن أذنوا فحسن، وهذا معناه نزول درجة
стр. 490
المطلوبية، لا القول بالكراهة، ثم إن القول بعدم استحبابه أو كراهته مناف لقول المؤلف: «وأما الرجل في خاصة نفسه؛ فإن أذن فحسن»، والمشهور في المذهب اختصاص أذان المنفرد بالمسافر، والمراد بالسفر من بالفلاة لا سفر القصر، والقول الآخر أن المقيم مثله، قال ابن العربي في (العارضة ٢/ ٧): «والأذان للفذ فيه فضل عظيم، فكيف للاثنين فما فوقهما؟، فلا ينبغي أن يغفل»، لكن هل يشرع ذلك للمنفرد الذي يأتي المسجد وقد انتهى الناس من الصلاة فيؤذن كما يفعل بعضهم؟، قد يستدل على ذلك بالعمومات الواردة في الأذان، وبما صح عن أنس بن مالك ﵁ أنه جاء إلى مسجد قد صلي فيه، فأذن وأقام وصلى جماعة»، علقه البخاري جازما في باب فضل صلاة الجماعة، وهو في مسند أبي يعلى، ومصنف ابن أبي شيبة، والظاهر أن ذلك لا يكفي، أما العمومات فقد علمت أن المطلوب ممن سمع الأذان حكايته، ولو عملنا بها لقلنا بمطلوبية الأذان من كل أحد، وأما أثر أنس ففعل صحابي ولا حجة فيه بمفرده، ثم إن المسجد الذي حصل فيه ذلك لا ندري عنه إلا أنه قد صلي فيه، وهو مسجد بادية قد لا يكون الأذان فيه راتبا كشأن مساجد الحضر، وثمة مفاسد تترتب على أذان كل من أتى المسجد لا يتسع المقام لذكرها.
ومما يدل على وجوبه حديث مالك بن الحويرث قال أتينا إلى النبي ﷺ ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يوما وليلة، وكان رسول الله ﷺ رحيما رفيقا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا؛ سألنا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم - وذكر أشياء أحفظها، أو لا أحفظها - وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم»، رواه البخاري (٦٣١) ومسلم، وروى البخاري عن مالك بن الحويرث قال: «أتى رجلان النبي ﷺ يريدان السفر، فقال: «إذا أنتما خرجتما؛ فأذنا، وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما».
ومما جاء في أذان المنفرد ما رواه أبو داود (١٢٠٣ والنسائي عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يعجب ربكم من راعي غنم في رأس شظية بجبل، يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني، فقد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة»، ربنا عالم بكل شيء، خالق كل شيء، بما في ذلك
стр. 491
أفعال عباده، فلا يخفى عليه شيء حتى إذا علمه عجب منه كما هو شأن البشر، لكن النبي ﷺ أثبت له ذلك وهو أعلم الناس به، فنثبته له من غير تكييف ولاتمثيل، والشظية؛ بفتح الشين، وكسر الظاء، وتشديد الياء، وجمعها شظايا؛ القطعة المرتفعة في رأس الجبل.
وقد بين المؤلف أن الإقامة آكد للمنفرد من الأذان، وهذا حق، لأنها لا خلاف في مشروعيتها للمنفرد وللجماعة كيفما كانت، وهي في المذهب من السنن، وقد جاء الأمر بها في حديث المخطئ في صلاته، فدل ذلك على وجوبها في حق الذكر والأنثى حيث لا دليل على التفريق بينهما، وقد ذهب ابن كنانة إلى وجوبها وبطلان صلاة تاركها عمدا، وهو في النوادر، لكن لا تلازم بين الوجوب والبطلان ومراد المؤلف بما ذكره عن المرأة نزول درجة المطلوبية، فالإقامة في حقها مستحبة، وليس هي كالذكر فيها، وقد صح عن ابن عمر ﵄ موقوفا قوله: «ليس على النساء أذان ولا إقامة»، رواه البيهقي كما في التلخيص الحبير (ح/ ٣٠١)، وهذا والله أعلم لا يدل على عدم الطلب، بل ينفي الوجوب، بدليل جمع الإقامة مع الأذان، وهكذا كلمة على، وقد ورد أن عائشة -رضي الله تعالى عنها- كانت تؤذن وتقيم، ذكره ابن حزم في (المحلى ٣/ ١٢٩) عن طاوس، ومن أحاديث المسألة قول النبي ﷺ : «اجعل بين أذانك وإقامتك نفسا قد رما يقضي المعتصر حاجته في مهل، وقدرما يفرغ الأكل طعامه فب مهل «وهو الصحيحة برقم (٨٨٧).
стр. 492
• قوله:
٢ - «ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها إلا الصبح فلا بأس أن يؤذن لها في السدس الأخير من الليل».
إنما شرع الأذان للإعلام بدخول وقت الصلاة، ولذلك لا يجوز قبل الوقت بالإجماع، وقد اختلف في التأذين للصلاتين المجموعتين جمع تقديم وتأخير، وسيأتي الكلام عليه، لكن استثنيت صلاة الصبح عند جمهور أهل العلم، فإنه يؤذن لها قبل وقتها، ولعل ذلك لأنها تأتي والناس نيام، فشرع فيها أذان يتقدم الوقت ليستيقظ الناس، ويتهيأوا لها بالطهارة، فقد روى الشيخان عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يمنعن أحدَكم أذانُ بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل، ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم»، وفيه تعليل مشروعية الأذان بأمرين هما: أن القائم في الصلاة ينهيها ويستريح، أو يتسحر إن كان يريد الصوم، والنائم يستيقظ.
стр. 493
• قوله:
٣ - «والأذان: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ثم ترجع بأرفع من صوتك أول مرة، فتكرر التشهد فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فإن كنت في نداء الصبح زدت هاهنا: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، لا تقل ذلك في غير نداء الصبح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله مرة واحدة».
ذكر هنا صيغة الأذان عند أهل المذهب كافة، وهو تثنية التكبير، ثم الإتيان بالشهادتين مرتين مرتين، ثم الرجوع إليهما مرة أخرى مع رفع الصوت أكثر منه قبله، ثم ذكر الحيعلتين مرتين مرتين، ثم التكبير مرتين، ثم الختام بلفظ الشهادة مفردة، فيكون عدد جمله سبع عشرة جملة، وهو هكذا في المدونة، وقال ابن نافع وعلي بن زياد عن مالك وهو في النوادر: التكبير في الأذان والإقامة سواء، الله أكبر، الله أكبر، يثنيه ولا يربعه»، ودليله ما رواه مسلم (٣٧٩) عن أبي محذورة أن نبي الله ﷺ علمه هذا الأذان: «الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة (مرتين)، حي على الفلاح (مرتين)، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله»، والحديث في سنن أبي داود (٥٠٥) من طريق نافع بن عمر الجمحي، قال النووي: «وقع هذا الحديث في صحيح مسلم في أكثر الأصول في أوله (الله اكبر) مرتين، ووقع في غير مسلم (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)، انتهى.
стр. 494
وقال الغماري عن تثنية التكبير: «وهو في صحيح مسلم على بعض الروايات».
وقد نقل الحافظ في التلخيص الحبير الحديث (٢٩٠) عن ابن القطان قوله: «وقد يقع في بعض روايات مسلم بتربيع التكبير، وهي التي ينبغي أن تعد في الصحيح».
وقد بسط الباجي في المنتقى الاحتجاج لمذهب مالك في هذه المسألة، وعول بعد ذكر حديث مسلم على عمل أهل المدينة المتصل الذي لا يحتمل الخفاء، وثمة صيغ أخرى متفق على صحتها بين أهل الحديث، وقوله: «ثم يعود»؛ هذا هو الترجيع، وهو الرجوع إلى الشهادتين ينطق بهما كالمرة الأولى، لكن يكون النطق بهما أولا منخفضا شيئا، وفي الثانية يرفع الصوت بهما، وقد دل على ذلك ما في رواية أبي داود (٥٠٣): «ثم ارجع، فمد من صوتك».
وقول المؤذن بعد الحيعلتين في أذان الصبح (الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم)، هو الذي يسمى تثويبا، وقد جاء ذلك في بعض روايات حديث أبي محذورة عند أبي داود (٥٠٠) قال: «فإذا كان صلاة الصبح قلت: «الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم»، ولم يذكر المؤلف هل تقال هذه الجملة في الأذان الأول أو في الثاني، والأدلة في المسألة ظاهرها التعارض، وقوله ﷺ : «فإذا كان صلاة الصبح قلت،،،»؛ يحتمل أنها تقال في أذان دخول وقت الصلاة، هذا هو الأقرب لأنه الحقيقة، لكن جاء ما يدل نصا على خلاف ذلك، فيقدم على ذلك الظاهر، فقد روى أبو داود (٥٠١) وهو في المدونة عن أبي محذورة: «الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح»، والأولى صفة لموصوف محذوف يعني المناداة الأولى.
وقد كثر التشغيب والجدل في هذه المسألة، فقيل المراد بالمناداة الأولى التغليب أي اعتبار الإقامة أذانا، فالمناداة الأولى هي أذان الصلاة، والمناداة الثانية هي الإقامة، وقد جاء التغليب في قول النبي ﷺ : «بين كل أذانين صلاة»، والجواب أن التغليب في هذا الحديث مقطوع به لدليل آخر لا يخفى، لكن التغليب خلاف الأصل، فمن ادعاه لزمه الدليل، لأنه صرف للفظ عن ظاهره إلى محتمل مرجوح، وهذا هو التأويل عند أهل الأصول، وهل يشتبه أن يقال لفظ الصلاة خير من النوم لمن في المسجد حتى يقال المناداة الاولى؟، ومن
стр. 495
الأدلة على أن تلك الجملة تقال في الأذان الأول قول ابن عمر ﵁ في الحديث الذي رواه البيهقي، وقد أورده الألباني ﵀ في (تمام المنة ص ١٤٦): «كان في الأذان الأول بعد الفلاح: (الصلاة خير من النوم مرتين)، فقد قال هنا الأذان الأول، وهذا نص.
فإن قلت: يقوي التغليب قول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «كان رسول الله ﷺ إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين، قبل صلاة الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة»، رواه البخاري (٦٢٦)، وقد احتج به بعض الفضلاء على تقوية كون المراد من أثر أبي محذورة التغليب؛ فالجواب: أن هذا تغليب بلا شك، ومن يمنعه إذا دل عليه دليل؟، والدليل هنا موجودوهو أداء صلاة الفجر السنة، فأين الدليل هناك؟، ثم ما علاقة هذا الأثر بموضع تلك الجملة من الأذان الأول أو الثاني؟، إنه لا علاقة له بذلك ألبتة، فإن الخلاف كما هو واضح ليس في إثبات جواز التغليب في اللغة، حتى يحتاج إلى أن يستدل بهذا الأثر على جوازه، بل في موضع تلك الجملة أهي في الأذان الأول أم الثاني؟، وبعد ثبوت الأثر بما ذكرته، فإن النظر قاض بأن تلك الجملة تزاد في الأذان الزائد، فيكون الزائد للزائد، ويبقى أذان صلاة الصبح على غرار أذان الصلوات الأخرى، ونصب الخلاف وإن مكن صاحبه من التفلت من الحق عند الناس؛ فإنه لا يبرئ الذمة عند خالق الناس، فنسأله تعالى أن يكتبنا في طلاب الحق، المذعنين له متى تبين.
ومما أذكره هنا أن الجهة المشرفة على المساجد في بلادنا قد أرسلت في سنة (١٤١٧ هـ) منشورا تأمر فيه أن تقال تلك الجملة في الأذان الأول، وكان مصحوبا بفتوى للشيخ عبد الرحمن الجيلالي ﵀، ومن بين ما اعتمده فيها حديث أبي محذورة المروي في المدونة، وقد تقدم، وبعد مدة عادوا عما قالوا، فجاء الأمر بالرجوع إلى ما كان عليه الأمر من قبل، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وقوله «لا تقل ذلك في غير نداء الصبح»، لعل المؤلف يشير بهذا إلى التثويب المبتدع، وهو كل لفظ يزاد في الأذان، أو يقال بعده لدعوة الناس إلى الصلاة إذا استبطأهم، أو يلحق به، فإنه مخالفة للسنة، كمن يزيد في أذان الصبح: «أصبح ولله الحمد»، فضلا عمن يقول: «حي على خير العمل»، وأكبر من ذلك من يضم ذكر علي بن أبي طالب ﵁ إلى
следующие страницы →