← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أفعال عباده، فلا يخفى عليه شيء حتى إذا علمه عجب منه كما هو شأن البشر، لكن النبي ﷺ أثبت له ذلك وهو أعلم الناس به، فنثبته له من غير تكييف ولاتمثيل، والشظية؛ بفتح الشين، وكسر الظاء، وتشديد الياء، وجمعها شظايا؛ القطعة المرتفعة في رأس الجبل. وقد بين المؤلف أن الإقامة آكد للمنفرد من الأذان، وهذا حق، لأنها لا خلاف في مشروعيتها للمنفرد وللجماعة كيفما كانت، وهي في المذهب من السنن، وقد جاء الأمر بها في حديث المخطئ في صلاته، فدل ذلك على وجوبها في حق الذكر والأنثى حيث لا دليل على التفريق بينهما، وقد ذهب ابن كنانة إلى وجوبها وبطلان صلاة تاركها عمدا، وهو في النوادر، لكن لا تلازم بين الوجوب والبطلان ومراد المؤلف بما ذكره عن المرأة نزول درجة المطلوبية، فالإقامة في حقها مستحبة، وليس هي كالذكر فيها، وقد صح عن ابن عمر ﵄ موقوفا قوله: «ليس على النساء أذان ولا إقامة»، رواه البيهقي كما في التلخيص الحبير (ح/ ٣٠١)، وهذا والله أعلم لا يدل على عدم الطلب، بل ينفي الوجوب، بدليل جمع الإقامة مع الأذان، وهكذا كلمة على، وقد ورد أن عائشة -رضي الله تعالى عنها- كانت تؤذن وتقيم، ذكره ابن حزم في (المحلى ٣/ ١٢٩) عن طاوس، ومن أحاديث المسألة قول النبي ﷺ : «اجعل بين أذانك وإقامتك نفسا قد رما يقضي المعتصر حاجته في مهل، وقدرما يفرغ الأكل طعامه فب مهل «وهو الصحيحة برقم (٨٨٧).

стр. 492

• قوله: ٢ - «ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها إلا الصبح فلا بأس أن يؤذن لها في السدس الأخير من الليل». إنما شرع الأذان للإعلام بدخول وقت الصلاة، ولذلك لا يجوز قبل الوقت بالإجماع، وقد اختلف في التأذين للصلاتين المجموعتين جمع تقديم وتأخير، وسيأتي الكلام عليه، لكن استثنيت صلاة الصبح عند جمهور أهل العلم، فإنه يؤذن لها قبل وقتها، ولعل ذلك لأنها تأتي والناس نيام، فشرع فيها أذان يتقدم الوقت ليستيقظ الناس، ويتهيأوا لها بالطهارة، فقد روى الشيخان عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يمنعن أحدَكم أذانُ بلال من سحوره، فإنه يؤذن بليل، ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم»، وفيه تعليل مشروعية الأذان بأمرين هما: أن القائم في الصلاة ينهيها ويستريح، أو يتسحر إن كان يريد الصوم، والنائم يستيقظ.

стр. 493

• قوله: ٣ - «والأذان: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ثم ترجع بأرفع من صوتك أول مرة، فتكرر التشهد فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فإن كنت في نداء الصبح زدت هاهنا: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، لا تقل ذلك في غير نداء الصبح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله مرة واحدة». ذكر هنا صيغة الأذان عند أهل المذهب كافة، وهو تثنية التكبير، ثم الإتيان بالشهادتين مرتين مرتين، ثم الرجوع إليهما مرة أخرى مع رفع الصوت أكثر منه قبله، ثم ذكر الحيعلتين مرتين مرتين، ثم التكبير مرتين، ثم الختام بلفظ الشهادة مفردة، فيكون عدد جمله سبع عشرة جملة، وهو هكذا في المدونة، وقال ابن نافع وعلي بن زياد عن مالك وهو في النوادر: التكبير في الأذان والإقامة سواء، الله أكبر، الله أكبر، يثنيه ولا يربعه»، ودليله ما رواه مسلم (٣٧٩) عن أبي محذورة أن نبي الله ﷺ علمه هذا الأذان: «الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة (مرتين)، حي على الفلاح (مرتين)، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله»، والحديث في سنن أبي داود (٥٠٥) من طريق نافع بن عمر الجمحي، قال النووي: «وقع هذا الحديث في صحيح مسلم في أكثر الأصول في أوله (الله اكبر) مرتين، ووقع في غير مسلم (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)، انتهى.

стр. 494

وقال الغماري عن تثنية التكبير: «وهو في صحيح مسلم على بعض الروايات». وقد نقل الحافظ في التلخيص الحبير الحديث (٢٩٠) عن ابن القطان قوله: «وقد يقع في بعض روايات مسلم بتربيع التكبير، وهي التي ينبغي أن تعد في الصحيح». وقد بسط الباجي في المنتقى الاحتجاج لمذهب مالك في هذه المسألة، وعول بعد ذكر حديث مسلم على عمل أهل المدينة المتصل الذي لا يحتمل الخفاء، وثمة صيغ أخرى متفق على صحتها بين أهل الحديث، وقوله: «ثم يعود»؛ هذا هو الترجيع، وهو الرجوع إلى الشهادتين ينطق بهما كالمرة الأولى، لكن يكون النطق بهما أولا منخفضا شيئا، وفي الثانية يرفع الصوت بهما، وقد دل على ذلك ما في رواية أبي داود (٥٠٣): «ثم ارجع، فمد من صوتك». وقول المؤذن بعد الحيعلتين في أذان الصبح (الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم)، هو الذي يسمى تثويبا، وقد جاء ذلك في بعض روايات حديث أبي محذورة عند أبي داود (٥٠٠) قال: «فإذا كان صلاة الصبح قلت: «الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم»، ولم يذكر المؤلف هل تقال هذه الجملة في الأذان الأول أو في الثاني، والأدلة في المسألة ظاهرها التعارض، وقوله ﷺ : «فإذا كان صلاة الصبح قلت،،،»؛ يحتمل أنها تقال في أذان دخول وقت الصلاة، هذا هو الأقرب لأنه الحقيقة، لكن جاء ما يدل نصا على خلاف ذلك، فيقدم على ذلك الظاهر، فقد روى أبو داود (٥٠١) وهو في المدونة عن أبي محذورة: «الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح»، والأولى صفة لموصوف محذوف يعني المناداة الأولى. وقد كثر التشغيب والجدل في هذه المسألة، فقيل المراد بالمناداة الأولى التغليب أي اعتبار الإقامة أذانا، فالمناداة الأولى هي أذان الصلاة، والمناداة الثانية هي الإقامة، وقد جاء التغليب في قول النبي ﷺ : «بين كل أذانين صلاة»، والجواب أن التغليب في هذا الحديث مقطوع به لدليل آخر لا يخفى، لكن التغليب خلاف الأصل، فمن ادعاه لزمه الدليل، لأنه صرف للفظ عن ظاهره إلى محتمل مرجوح، وهذا هو التأويل عند أهل الأصول، وهل يشتبه أن يقال لفظ الصلاة خير من النوم لمن في المسجد حتى يقال المناداة الاولى؟، ومن

стр. 495

الأدلة على أن تلك الجملة تقال في الأذان الأول قول ابن عمر ﵁ في الحديث الذي رواه البيهقي، وقد أورده الألباني ﵀ في (تمام المنة ص ١٤٦): «كان في الأذان الأول بعد الفلاح: (الصلاة خير من النوم مرتين)، فقد قال هنا الأذان الأول، وهذا نص. فإن قلت: يقوي التغليب قول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «كان رسول الله ﷺ إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين، قبل صلاة الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة»، رواه البخاري (٦٢٦)، وقد احتج به بعض الفضلاء على تقوية كون المراد من أثر أبي محذورة التغليب؛ فالجواب: أن هذا تغليب بلا شك، ومن يمنعه إذا دل عليه دليل؟، والدليل هنا موجودوهو أداء صلاة الفجر السنة، فأين الدليل هناك؟، ثم ما علاقة هذا الأثر بموضع تلك الجملة من الأذان الأول أو الثاني؟، إنه لا علاقة له بذلك ألبتة، فإن الخلاف كما هو واضح ليس في إثبات جواز التغليب في اللغة، حتى يحتاج إلى أن يستدل بهذا الأثر على جوازه، بل في موضع تلك الجملة أهي في الأذان الأول أم الثاني؟، وبعد ثبوت الأثر بما ذكرته، فإن النظر قاض بأن تلك الجملة تزاد في الأذان الزائد، فيكون الزائد للزائد، ويبقى أذان صلاة الصبح على غرار أذان الصلوات الأخرى، ونصب الخلاف وإن مكن صاحبه من التفلت من الحق عند الناس؛ فإنه لا يبرئ الذمة عند خالق الناس، فنسأله تعالى أن يكتبنا في طلاب الحق، المذعنين له متى تبين. ومما أذكره هنا أن الجهة المشرفة على المساجد في بلادنا قد أرسلت في سنة (١٤١٧ هـ) منشورا تأمر فيه أن تقال تلك الجملة في الأذان الأول، وكان مصحوبا بفتوى للشيخ عبد الرحمن الجيلالي ﵀، ومن بين ما اعتمده فيها حديث أبي محذورة المروي في المدونة، وقد تقدم، وبعد مدة عادوا عما قالوا، فجاء الأمر بالرجوع إلى ما كان عليه الأمر من قبل، ولله الأمر من قبل ومن بعد. وقوله «لا تقل ذلك في غير نداء الصبح»، لعل المؤلف يشير بهذا إلى التثويب المبتدع، وهو كل لفظ يزاد في الأذان، أو يقال بعده لدعوة الناس إلى الصلاة إذا استبطأهم، أو يلحق به، فإنه مخالفة للسنة، كمن يزيد في أذان الصبح: «أصبح ولله الحمد»، فضلا عمن يقول: «حي على خير العمل»، وأكبر من ذلك من يضم ذكر علي بن أبي طالب ﵁ إلى

стр. 496

الأذان فيقول: «أشهد أن عليا حجة الله»، وبعضهم يقول كلمات أخرى يحث فيها الناس على الصلاة، فكل هذا مبتدع، وإن كان متفاوتا في الابتداع، وقد روى أبو داود (٥٣٨) عن مجاهد قال: «كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر، أو العصر، قال: «اخرج بنا فإن هذه بدعة»، وروى ابن حبيب عن مالك قوله: «التثويب محدث مبتدع»، ومعنى التثويب هو الرجوع إلى الإعلام بعد الإعلام، من ثاب إذا رجع، وقيل من ثوب إذا أشار بثوبه لإعلام غيره، ولعل إطلاقه على الإقامة من الأول، كما في الحديث الصحيح: «فإذا ثوب بالصلاة أدبر»، وعلى الأذان من الثاني، ويطلق على قول المؤذن «الصلاة خير من النوم»؛ لأنه رجع إلى الحض عليها بعد قوله: حي على الصلاة.

стр. 497

• قوله: ٤ - «والإقامة وتر: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله». الإقامة مصدر أقام الشيء يقيمه بمعنى أدامه وثبته، والمراد الإعلام بالشروع في الصلاة بألفاظ مخصوصة، وهي في مشهور المذهب سنة، وفي رواية عن الإمام هي واجب، واختاره ابن العربي لأمر النبي ﷺ الأعرابي بها، كما أمره بالتكبير والاستقبال والوضوء، وقال يخاطب المالكية: «فأما أنتم الآن وقد وقفتم على الحديث؛ فقد تعين عليكم أن تقولوا بإحدى روايتي مالك الموافقة للحديث، وهي أن الإقامة فرض»، ذكره القرطبي في (التفسير ١/ ١٦٤). أما أن الإقامة وتر؛ فلما في حديث أنس قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، إلا الإقامة»، رواه البخاري (٦٠٧) ومسلم وأبو داود (٥٠٨)، والآمر هو رسول الله ﷺ ، لأنه الذي له الأمر الشرعي، لا سيما وأن بلالا إنما كان مؤذنا في عهده ﷺ ، وقد جاء في حديث أبي محذورة عند الدارقطني التصريح بذلك، والإقامة المثبتة في الحديث غير الثانية المنفية، فالأولى جميع الألفاظ، والثانية خصوص جملة «قد قامت الصلاة»، لكن جملة التوحيد في آخر الأذان مستثناة من الشفع، كما أن جملة التكبير في الإقامة مستثناة من الإيتار، وهكذا جملة قد قامت الصلاة على الراجح، فالأمر أغلبي فيهما، وفي بعض روايات حديث أنس لم يذكر الاستثناء، أعني قوله (إلا الإقامة)، لكن زيادة الثقة لا مناص من الأخذ بها، وجاء في حديث ابن عمر عند أبي داود (٥١٠) قال: «إنما كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول: «قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة،،،» الحديث، ولعل الحكمة في ذلك تكرير ما فيه الإشعار بالشروع في

стр. 498

الصلاة، ثم إن مشهور المذهب على أن جملة (قد قامت الصلاة)، تقال مرة واحدة، ودليلها حديث أنس المتقدم من غير استثناء، وقد استدل القاضي عبد الوهاب على إفراد الإقامة بأن رسول الله ﷺ أمر بلالا بالإقامة واحدة، فلعله ذكر حديث أنس بالمعنى، وقد تقدم، لكن المستغرب أن يستدل على إفراد لفظ قد قامت الصلاة بقوله: «وهو لفظ بختص بالإقامة، فوجب أن يكون على أصلها في الإيتار، كما أن لفظ الصلاة خير من النوم، لما كان لفظا يختص بالأذان؛ كان على أصل الأذان في الإشفاع». وذكر الباجي في المنتقى (١/ ١٣٥) رواية المصريين عن مالك في مختصر ابن شعبان أن لفظ قد قامت الصلاة يقال مرتين، وهذا هو الصواب، وقد عرفت الدليل، فعض عليه بالنواجذ. واعلم أن مشهور المذهب حكاية الأذان من سامعه لمنتهى الشهادتين كما قال خليل ذاكرا المندوبات: «وحكايته لسامعه لمنتهى الشهادتين»، والعمدة في ذلك ما رواه مالك وغيره في الموطإ (١٤٥) عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن»، وقد نقل عن مالك قوله: «إنما يقول مثل قول المؤذن لآخر التشهد فيما يقع في قلبي، ولو فعل ذلك رجل لم أر به بأسا»، قال الباجي في المنتقى (١/ ١٣١) بعد إثبات الرواية بنحو ما تقدم: «يريد مالك أن تخصيصه اللفظ العام إنما هو من جهة النظر، لا من جهة نص عنده،،،،»، ولهذا والله أعلم يمكن القول إن مذهب مالك الذي استقر عليه ما في رواية ابن نافع وعلي عنه: «لا بأس أن يقول كقول المؤذن من في النافلة ويدعو بما أحب»، وهو رواية ابن شعبان عنه، واختاره المازري كما في مواهب الجليل، ومعناه أنه يحكي كل الأذان بلفظه، ويأتي بالدعاء عقبه، وقد صح ما يدل على استبدال الحوقلة بالحيعلة، وقد جاءت حكاية الأذان من فعله ﷺ رواه احمد وغيره عن أبي رافع وفيه إستبدال الحوقلة بالحيعلتين. قال ابن حبيب: قال مالك: «التطريب في الأذان منكر». وقال ابن حبيب أيضا: «وكذلك التحزين لغير تطريب، ولا ينبغي إماتة حروفه، والتغني فيه، والسنة فيه أن يكون مرسلا، محدرا، مستعلنا، يرفع به الصوت، ولا يدمج،

стр. 499

وتدمج الإقامة»، ومعنى كونه محدرا أن لا يتباطأ في النطق بكلماته، ومستعلنا يعني يرفع الصوت به، فأما عدم إدماجه؛ فأن ينطق بكل جملة منه مستقلة موقوفا عليها لأن ذلك أعون على مد الصوت، وتطويل وقت ذكر ألفاظه، وقد جاء ما يدل على إدماج التكبيرتين أول الأذان. قال النووي: «ويستحب أن يقول كل تكبيرتين بنفس واحد»، يعني حتى يوافق كون الأذان مثنى والإقامة مفردة على ظاهر حديث أنس، أي أن تثنية التكبير بالنسبة للإقامة إفراد، أما الإقامة فتدمج بعض جملها في بعض، لأنها إعلام للقريب، فلا حاجة فيها إلى مد الصوت وإطالته، وقد عبر بعضهم عن هذا المعنى بقوله إن الإقامة معربة، والأذان مجزوم، ففهم منها من لا فقه عنده أن المراد الوقوف على جملها متحركة، وغفل عن كون هذا مخالفا للغة العرب، فإنهم لا يقفون في الأصل على متحرك، ويقع في هذا بعض المثقفين عندنا وما أكثرهم.

стр. 500

١٠ - باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن اتبع المؤلف في هذا الباب وكثير غيره طريقة الوصف للأعمال عوض بيان المفروض من المسنون، وقد تحدثت في المقدمة عن أهمية هذه الطريقة التي تلتقي في الصلاة بخاصة بقول النبي ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وأذكر بين يدي الشروع في الشرح شروط صحة الصلاة وفرائضها عند أهل المذهب، ويعنون بالفرائض ما لا يجبر بالسجود، فلم يفرقوا بين الأركان وبين الواجبات، وشروطها أربعة هي استقبال القبلة، وستر العورة، وطهارة الخبث، وطهارة الحدث، لكنها شروط بقيدي الذكر والقدرة ما عدا طهارة الحدث، وفرائضها ست عشرة فريضة، نية الصلاة المعينة، ونية الاقتداء إن كان، ونية الإمامة في أربعة مواضع: في صلاة الخوف، والاستخلاف، والجمعة، والجمع، وتكبيرة الإحرام، والقيام لها، وقراءة الفاتحة للمنفرد والإمام، والقيام لها، والركوع، والرفع منه، والسجود، والرفع منه، والسلام، والجلوس للسلام، وترتيب الأداء، والاعتدال، والطمأنينة، وإنما أوجبوا نية الإمامة في الجمعة؛ لأن من شرطها الجماعة، وصلاة الخوف كذلك، وأما الاستخلاف؛ فلانتقال المأموم إماما، اأما وجوب نية الاقتداء؛ فلأن الإمام يحمل عن المأموم أمورا فلا يكون حاملا لها عنه ما لم يكن مقتديا به. واعلم أن المرجع الأساس في واجبات الصلاة وأركانها حديث المخطئ في صلاته، وما جاء في غيره من الأحاديث من الأوامر، فحري بالباحث عن الحق أن يقف على رواياته وألفاظه. وقد أفادني الشيخ أبو سعيد بلعيد بن أحمد - حفظه الله - أن الشيخ محمد بن عمر بازمول جمع في رسالة له طرق وألفاظ هذا الحديث، وكذا حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي ﷺ ، وسأثبت هنا ما أمكنني منها، لأحيل عليه في هذا الباب، دون أن أغفل ذكر غيره

стр. 501

في كل مقام بحسبه. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اجلس حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»، قال الحافظ في بلوغ المرام: «أخرجه السبعة، واللفظ للبخاري، ولابن ماجة بإسناد مسلم: «حتى تطمئن قائما»، ولأحمد: «فأقم صلبك حتى ترجع العظام»، وللنسائي وأبي داود (٨٥٧) من حديث رفاعة بن رافع: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى ثم يكبر الله تعالى ويحمده ويثني عليه، وفيها: «فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله»، وفيها ذكر تكبير الانتقال، والتسميع، ولأبي داود (٨٥٩) «ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ»، انتهى. قلت: وفي هذه الرواية عند أبي داود: «إذا سجدت فمكن لسجودك، فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى»، وفي أخرى له (٨٥٨) ذكر تكبير الانتقال، وفي أخرى (٨٦٠): «وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد»، ولينظر في هذا الأمر نيل الأوطار للشوكاني (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٩)، وشرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد، وفتح الباري للحافظ ابن حجر.

стр. 502

• قوله: ١ - «والإحرام في الصلاة أن تقول: الله أكبر، لا يجزئ غير هذه الكلمة». الإحرام معناه الدخول في الصلاة، ولا يدخل المرء فيها فرضا كانت أو نفلا أو سنة؛ إلا بالتكبير، بل بقوله: «الله أكبر»، لا يجزئ غيره من صفات الله تعالى، ففي حديث علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال: «مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، رواه أبو داود (٦١) والترمذي وفيه محمد بن عقيل، وقد قواه البخاري، وقال ابن العربي: سند أبي داود صحيح، والمفتح والمفتاح بكسر الميم؛ آلة الفتح، جمعهما مفاتح ومفاتيح، والمراد أن الطهور بمثابة المفتح للصلاة، فلا تفتح لمن لم يتطهر، ولا يؤذن له فيها، وأن دخولها والشروع فيها يكون بالتكبير، حيث تحرم عليه أمور كانت مباحة له قبل ذلك، وأن تحليلها أي الخروج منها يكون بالتسليم، فيعود المكلف به إلى ما كان عليه قبل الدخول فيها، فدل هذا الحديث مع فعله ﷺ حيث كان يقول الله أكبر على عدم كفاية غير هذا اللفظ للدخول في الصلاة، قال في المدونة: «ولا يجزئ من الإحرام في الصلاة إلا الله أكبر»، وقال سحنون في المستخرجة: «من قال في إحرامه: «الله أجل»، «الله أعظم»، «الله أعز»، لم يجزه، وأعاد أبدا». والإحرام مركب من ثلاثة أمور لا بد منها حتى يدخل المرء في الصلاة: عقد بالقلب وهو النية، أي العلم بأنه يصلي الصلاة المعينة لله تعالى، وقول وهو التكبير، وفعل وهو استقبال القبلة، ولا بد أن تقارن النية التكبير والاستقبال، وتأخر النية والاستقبال عن التكبير مضر، وتقدم النية على التكبير بكثير كذلك، والأفضل المقارنة، والتام منها عسير. وفي الموطإ (١٧٤) عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون، وقد علت أصواتهم، فقال: «إن المصلي يناجي ربه، فلينظر أحدكم بم يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن».

стр. 503

وروى الشيخان (خ/ ٥٣١) عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه، فلا يتفلن عن يمينه ولكن تحت قدمه اليسرى»، والمناجاة المسارة. والمصلي يختلي بربه، ولو كان مع الناس، يخاطبه بقراءة القرآن، ويثني عليه بالتسبيح والتحميد، ويتضرع إليه فيطلب منه حاجته بالدعاء، ولا داعي لصرف المناجاة إلى حضور القلب والخشوع، فإن ذلك مطلوب، وهو لازم لمن يناجي ربه ظاهرا وباطنا، ويدل الحديث على أن الأصل في الأذكار والأدعية في الصلاة السر، والقراءة معظمها سر، وما من صلاة عدا صلاة الفجر إلا وفيها هذا وهذا، حتى والمرء وحده فإن المطلوب التوسط فيما يجهر فيه، وقد مر النبي ﷺ بأبي بكر وعمر، وكان أبو بكر يسر وعمر يجهر، فأمر الأول أن يرفع صوته قليلا، وأمر الثاني أن يخفضه قليلا، وقد قال أهل المذهب إن المأموم لا يجهر بشيء في صلاته غير تكبيرة الإحرام والسلام، قال ابن عبد البر في (الاستذكار ١/ ٤٣٥): «وإذا كان هذا هكذا؛ فحرام على الناس أن يتحدثوا في المسجد بما يشغل المصلي عن صلاته، ويخلط عليه قراءته». ويستدل بالحديث على أن لا صمت في الصلاة إلا ما استثني بالدليل، كما هو الشأن حين الإنصات للإمام وهو يقرأ الفاتحة على أحد القولين، ويظهر به مرجوحية قول من قال من أهل العلم إن الإمام في صلاة الخوف يقوم ويبقى ساكتا إلى أن تأتي الطائفة الأخرى، وهكذا من رأى من أهل العلم عدم القراءة خلف الإمام أسر أو جهر مستدلا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فإن هذا من غريب الاستدلال. ويستدل به على أن من صلى وراء من يقنت في الصبح مثلا وهو لا يرى ذلك أن عليه أن يذكر الله ولا يسكت، فإن هذا يتنافى مع وصف المناجاة المتثبت له، وحيث إنه يناجي ربه فلا يخاطب غيره، إذ الصلاة لا يصلح لها شيء من كلام الناس، وقد قال النبي ﷺ لمعاوية ابن الحكم السلمي وهو في صحيح مسلم وغيره: «إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن».

стр. 504

وقوله: «فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه»؛ يؤخذ منه جواز البزق إلى جهة اليسار للمصلي للحاجة، لكن هذا إنما يكون في غير المساجد، أما فيها فهي خطيئة كفارتها دفنه، وهذا فيما لو كانت المساجد محصبة أو متربة، أما الآن فيتعين اجتناب ذلك كله، فإن كان في ثوبه ساغ، والمؤلف لم يذكر السترة والظاهر أنها واجبة لغير المأموم وإن كانت في المذهب سنة وكلامهم في إثم المار والمتعرض ينافي ذلك.

стр. 505

• قوله: ٢ - «وترفع يديك حذو منكبيك أو دون ذلك ثم تقرأ». رفع اليدين في الصلاة عند الافتتاح وغيره خضوع واستكانة وابتهال وتعظيم لله تعالى واتباع لسنة نبيه ﷺ ، هكذا قال ابن عبد البر، وقال بعض العلماء: إنه من زينة الصلاة، والمنكبان تثنية منكب، بفتح الميم وكسر الكاف، وهو مجمع العضدين بالكتفين، ورفع اليدين حذوهما يكون بجعل ملتقى الكف بالذراع عندهما، فتكون الأصابع حذو الأذنين، وهذا الرفع متواتر عن النبي ﷺ في افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه، فقد وصف أبو حميد الساعدي صلاة النبي ﷺ بمحضر عشرة من أصحابه ﵃، فأقروه على وصفه، ومن جملة ما ذكره أنه كان يرفع يديه في المواطن الثلاثة حتى يحاذي بهما منكبيه، وهو في الصحيح، وسنن أبي داود (٧٣٠)، في الصحيحين والموطإ (١٦٠) من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما أيضا، وقال سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود». قال ابن عبد البر في (الاستذكار ١/ ٤٠٧): «هكذا رواية يحي لم يذكر الرفع في الركوع، وتابعه من رواة الموطإ جماعة، وروته أيضا جماعة عن مالك، فذكرت فيه رفع اليدين عند الافتتاح، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب، وهو الصواب»، والمشهور في المذهب أن لا رفع إلا عند تكبيرة الإحرام، لكن للإمام مالك عند الركوع والرفع منه ثلاثة أقوال ذكرها ابن رشد في المقدمات: عدم الرفع، واستحبابه، والتخيير فيه. قلت: التخيير مستوي الطرفين لا محل له في العبادات، وعدم الرفع هو رواية ابن القاسم عنه في المجموعة، وروى عنه ابن القاسم في العتبية إثباته، ثم معارضته بعدم العمل به في المدينة، وفي سماع ابن وهب قيل لمالك: «أيرفع يديه إذا ركع، وإذا رفع رأسه من

стр. 506

الركوع؟، قال: نعم»، انتهى، وهذا هو الحق فتمسك به. وقال الشيخ الطاهر بن عاشور في (كشف المغطى ص/ ٩٤): «رفع اليدين حذو المنكبين عند افتتاح الصلاة عمل يراد به إظهار تعظيم الله تعالى، المناسب لقول المصلي «الله أكبر»، وقد كان رفع اليدين علامة على الاستسلام والانقياد، لأن اليدين هما مسك آلة الحرب من سيف ورمح ونبل، فإذا استسلم الرجل ألقى سلاحه ورفع يديه،،، فمناسبته لافتتاح الصلاة أنه ألقى المعاصي، وأمور الدنيا المحضة، للإقبال على عبادة الله، ومناجاته عند القيام إلى الصلاة،،،». لكن الشيخ الطاهر بن عاشور اعتمد تلك المناسبة التي رآها لرفع اليدين، فوجدها غير ملائمة تمام الملاءمة لما عدا افتتاح الصلاة، فذكر أن الإمام مالكا رجع إلى عدم استحباب رفع اليدين إلا عند تكبيرة الإحرام، وهذه دعوى لا أراها تثبت، ثم بين وجه هذه الرواية بقوله: «وأحسب أن وجهه الإجماع على أن رفع اليدين ليس من أركان الصلاة، ولا من مؤكداتها، فالمقدار المختلف في ثبوت سنته منه ينبغي أن يترك، لأنه متردد بين كونه مستحبا وبين كونه عملا زائدا في الصلاة، فأخذ بجانب تجنب الزيادة في الصلاة، والأمر هين»، انتهى. قلت: لو ترك كل ما اختلف في سنيته في الصلاة أو في غيرها؛ لترك كثير من المطالب الشرعية، وقد علمت فيما تقدم أن الرفع في المواطن الثلاثة متواتر، فحق على من لم يعلم أن يرجع فيه إلى من علم، وتلك المناسبة التي أثبتها الشيخ للرفع أول الصلاة لا تتنافى مع تجديد الرفع في تلك المواطن، بل وفي كل خفض ورفع أحيانا، عند من ثبت عنده النقل. وقد وقع هذا العالم في مجازفات في كتابه المذكور على ما للكتاب من أهمية، وكثير منها آيل إلى جريان الرجل في مسرح المناسبة وتشوفه إلى اقتناص حكم المشروعية والتعليل، ومن ذلك قوله في الوضوء من لحم الإبل وهو مذهب أحمد: «ومن أعجب العجب أن ذهب أحمد بن حنبل بأن الوضوء ينقض بأكل لحم البعير لشدة زهومته، سواء أكله نيئا أو مطبوخا، وأية مناسبة بين أكل اللحم بالفم، وبين غسل الرجلين، ومسح الرأس والأذنين يذهب إلى هذا عالم بعد أن انضبطت قواعد الفقه والأصول، ووجوه محامل

стр. 507

الأخبار؟، ورحم الله أبا عبد الله البخاري حيث لم يخرج في صحيحه حديث زيد بن ثابت في الوضوء مما مست النار، ولا حديث جابر بن سمرة في الوضوء من لحوم الإبل»، هكذا قال، فيقال: أليس خروج الريح ناقضا للوضوء بالإجماع، فأية مناسبة بينه وبين غسل أعضاء الوضوء ومنها الرجلان؟، ولو اتبعنا الرأي فيه ومعاذ الله أن نفعل؛ لاقتضى ذلك غسل الدبر منه فحسب، ثم إن الوضوء من لحم الإبل أخص من الوضوء مما مست النار، فإذا دل الدليل على نسخ الأخير؛ فإن الأول ليس منه، ثم يقال ما أكثر الأحاديث التي لم يروها الإمام البخاري في صحيحه، وهي مع ذلك عمدة في استنباط الأحكام، وما أكثر الأحاديث التي صححها البخاري خارج صحيحه ونقل ذلك عنه العلماء، ومنهم الترمذي في جامعه. ومن ذلك ما زعمه من أن قول من قال بعدم الوضوء بفضل وضوء المرأة «أقوال غريبة في هذا الباب، قال بها بعض السلف في صدر الإسلام انجرت إليهم من أوهام بأخبار ضعيفة، وعوائد قديمة، فقد كان أهل الجاهلية إذا استقوا من المياه سقي الرجال ثم سقي النساء،،،»، فهذه ورطة وقع فيها هذا الرجل ﵀، وما كان أغناه عنها، ومعظم النار من مستصغر الشرر، وقد حكى الله تعالى عن ابنتي الرجل الصالح قولهما تجيبان نبي الله موسى ﵊: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]، وأي ضير أن يستقي الرجال ثم يستقي النساء؟، فما هي إلا ثلاث احتمالات: الاختلاط، أو سبق النساء، أو سبق الرجال، ومثل هذا الكلام يزعزع ثقة الناس بدينهم، وبما هو في دواوين السنة الصحيحة، والمستيقن أن السلف أبعد - والله - أن يدينوا ربهم بشرائع الجاهلية، ومالك الذي مذهبه أن توضؤ الرجل بفضل وضوء المرأة جائز؛ اعتمد على فعل النبي ﷺ ، وعلى حديث ابن عمر ﵄ «أن الرجال والنساء في زمان رسول الله ﷺ ليتوضؤون جميعا»، لكنه ﵀ قال كلاما يجمع أطراف الأحاديث التي ظاهرها التنافي، مما يدل على أنه كان يرى الأمر مكروها، إذا تحرجت منه النفس وتقذرته، قال كما في (النوادر والزيادات ١/ ٢٠): «لا خير في هذا التقزز والتنجس!!، وأحب إلي أن يكون لهم قدح يغرفون به»، انتهى، وروى عن ابن عباس أنه سئل عن فضل وضوء المرأة

стр. 508

فقال: هن ألطف بنانا وأطيب ريحا» ومن ذلك زعمه أن قول من قال بقطع المرأة صلاةَ الرجل إذا مرت أمامه؛ راجع إلى ما كان في دين اليهود الساكنين بالمدينة من تحقير للمرأة، قال: «وكان في دين اليهود تحقير للمرأة، وتنجيس لأغلب أحوالها، فسرى ذلك في أوهام كثير من سكان المدينة، حتى قال بعضهم إن مرور المرأة بين يدي المصلي يبطل الصلاة كالكلب والحمار،،، الخ، وهذا حقل ذو ألغام سلكه هذا الرجل ﵀، والظاهر أنه لا يكفي في الخروج منه بسلام قواعد الأصول ولا ما قد يظنه المرء أنه من مقاصد الشريعة فيعتقده، ثم يغدو في يده سلاحا يحاج به، ويرد في طريقه ما هو مرجع في استنباط تلك الأصول، والتعرف على تلك المقاصد، وإلا فليقل ذلك في كل ما خالفت فيه المرأة الرجل من أحكام في الشريعة، كالعقيقة، والفرق بين بول الغلام، وبول الجارية، ولم لا يقول ذلك في إمامة المرأة، وإمارتها، وميراثها، وقعودها في البيت، وعدم سفرها بلا محرم، وكون العصمة والقوامة بيد الرجل، قد لا يقول هو كل هذا لكنه فتح بابا لمن أراد أن يقول به. وقال الشيخ أبو الحسن في شرحه كفاية الطالب الرباني عن كيفية رفع اليدين: «وظهورهما إلى السماء، وبطونهما إلى الأرض على المذهب»، وقال الشيخ علي الصعيدي معلقا: «هذه صفة الراهب، فإن الخائف من الشيء ينقبض عنه، ومقابله صفتان: صفة الراغب والنابذ»، ويقصد بصفة الراغب أن يجعل بطونهما إلى السماء كما يفعل الطالب، ويقصد بالنابذ أن يحاذي بكفيه منكبيه قائمتين، ورؤوس أصابعهما مما يلي السماء، وهذا هو الحق الذي دل عليه حديث أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل الصلاة رفع يديه مدا»، رواه أبو داود (٧٥٣)، والترمذي (٢٤٠)، أما الصفتان الأخريان فموضع الكلام عليهما رفع اليدين في الدعاء، ولا علاقة لذلك بما نحن فيه. ولم يذكر المؤلف وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة، ولا القبض، والوضع أكثر، والمشهور عندهم كراهة القبض في الفرض، والمندوب هو سدل اليدين، قال خليل وهو بصدد ذكر المندوبات: «وسدل يديه، وهل يجوز القبض في النفل، أو إن طول؟، وهل كراهته في الفرض للاعتماد، أو خيفة اعتقاد وجوبه، أو إظهار خشوع؟،

стр. 509

تأويلات»، وهذا عجب، فإنه لو طبق مبدأ خوف اعتقاد الوجوب؛ ما أتى المصلي بمندوب إلا وكانت الخشية من اعتقاد وجوبه مانعة له من فعله، أما الاعتماد فما أدري أين هو؟، وهل من المطلوب أن يفعل المرء ما يدل على أنه غير خاشع في الصلاة حتى ينجو من الرياء؟، هذه أعاجيب، والأحاديث الصحاح في القبض والوضع لا تخفى، وأكتفي بما رواه مالك في الموطإ (٣٧٥) وانظر خ/ ٧٤٠) عن سهل بن سعد قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة». قال أبو حازم: «لا أعلم إلا أنه ينمي ذلك»، يعني يرفعه إلى النبي ﷺ ، وفي صحيح مسلم من حديث وائل بن حجر في صفة صلاة النبي ﷺ أنه وضع يده اليمنى على اليسرى، وفي سنن أبي داود (٧٥٥) عن ابن مسعود أنه كان يصلي، فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبي ﷺ ، فوضع يده اليمنى على اليسرى»، وروى ابن نافع، وعبد الملك، ومطرف عن مالك أنه قال: «توضع اليمنى على اليسرى في الصلاة في الفريضة والنافلة»، وهو في النوادر (جامع العمل في الصلاة) والاستذكار (٢/ ٢٩١)، وهذا قول المدنيين من أصحابه، وروى عنه ابن القاسم كراهته في الفرض، وجوازه في النفل من طول القيام، وهي رواية شاذة مخالفة للنصوص مع ما تحتمله من التأويل، بل إن المشهور هو القبض، كما عبر عنه القرافي، وعبر عنه عبد الوهاب بالمذهب، وابن العربي بالصحيح، وابن رشد بالأظهر، واللخمي بالأحسن، والأجهوري بالأفضل، والعدوي بالتحقيق، والمسناوي أثبت أنه الراجح، وأنه أيضا المشهور، فاجتمع فيه الأمران، أشار إلى ذلك صاحب كتاب هيئة الناسك. وقد يكون وراء القول بالكراهة أن معظم الناس لا يأخذون حكم القبض في الصلاة إلا من كتب المتأخرين، وأصل القول بالكراهة ما في المدونة في (باب الاعتماد في الصلاة والاتكاء ووضع اليد على اليد)، وفيه بعد ذكر الاتكاء على الحائط، وقال مالك في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، قال لا أعرف ذلك في الفريضة، وكان يكرهه، ولكن في النوافل إذا طال القيام فلا بأس بذلك يعين به نفسه»، ومن شأن قراءة ما في المدونة ضمن الباب المذكور أن يدفع القارئ إلى الربط بين كراهة مالك للقبض، وبين الاعتماد، بمعنى

стр. 510

أن الكراهة إنما تكون إذا كان المقصود الاعتماد، بدليل عنوان الباب، ثم بدليل استثناء النافلة لأنها لا يجب فيها القيام، وإنما ينقص في الجلوس الأجر إلى النصف، وبدليل أن مالكا ﵀ قد أورد حديث القبض في الموطإ، كما أن سحنون ﵀ أورد ما رواه عن ابن وهب عن سفيان الثوري عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم رأوا رسول الله ﷺ واضعا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة»، وسحنون هو الراوي عن ابن القاسم هذا الأمر عن مالك، وكثيرا ما لا ينظر الناس إلى الأحاديث والآثار التي تذيل بها أبواب المدونة، وهي ما بين مؤيد للأقوال المروية عن الإمام أو غيره، ومعارضة. وقد نقل الباجي في (المنتقى ١/ ٢٨٠ و ٢٨١) عن بعض العلماء قوله معلقا على رواية ابن القاسم: «ليس هذا من باب وضع اليمنى على اليسرى، وإنما هو من باب الاعتماد»، ثم علق الباجي عليه قائلا: «والذي قاله هو الصواب، فإن وضع اليمنى على اليسرى إنما اختلف فيه هل هو من هيئة الصلاة أم لا، وليس فيه اعتماد، فيفرق فيه بين النافلة والفريضة،،،». والمعنى في وضع اليد على الأخرى كما قال في العارضة: «الوقوف بهيأة الذلة والاستكانة بين يدي رب العزة ذي الجلال والإكرام، كأنه إذا جمع بين يديه يقول: لا دفع، ولا منع، ولا حول أدعي ولا قوة، وها أنا في موقف الذلة فأسبغ علي فائض الرحمة».

стр. 511

• قوله: ٣ - «فإن كنت في الصبح قرأت جهرا بأم القرآن، لا تستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم في أم القرآن، ولا في السورة التي بعدها». لا خلاف بين المسلمين في الجهر في القراءة في ركعتي الصبح، والأوليين من المغرب والعشاء، والجمعة، وقد نقل بعضهم الإجماع عليه، ويجهر كذلك في صلاة العيد، والاستسقاء، والكسوف، لكن المشهور في المذهب الإسرار، فلا داعي لتكلف الاستدلال على الجهر بالقراءة فيما ذكر. أما قراءة الفاتحة في الصلاة فهي واجبة لا تصح بدونها لمن كان قادرا عليها، بل إنها شرط في ذلك لقول النبي ﷺ في حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا»، رواه الشيخان وأبو داود (٨٢٢)، وفي الموطإ وصحيح مسلم وأبي داود (٨٢١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن؛ فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج، غير تمام،،، الحديث»، قال الخطابي: «يعني ناقصة نقص فساد وبطلان تقول العرب: أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها، وهو دم، لم يستبن خلقه»، انتهى، لكن اختلف في المذهب هل تجب في كل الركعات أو في جلها، وسيأتي الكلام عليه. وينبغي للمصلي أن يقرأ القرآن بتأن، من غير تكلف، مراعيا أحكام القراءة، فيبين حروفه، ويرتل كلماته، ويقف على رؤوس الآيات ما استطاع، أو على مواضع الوقف، فإن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بترتيل القرآن في أوائل عهد نزوله فقال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزَّمل: ٤]، وأخبرنا بكيفية نزوله فقال: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]، وهذا ظاهره وجوب الترتيل لا استحبابه، وقد ذهب النووي في كتابه التبيان إلى استحبابه، وأشار ابن الجزري إلى الوجوب في قوله:

стр. 512

والأخذ بالتجويد حتم لازم … من لم يجود القرآن آثم لأنه به الإله أنزلا … وهكذا منه إلينا وصلا ومعنى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ﴾ بين قراءته، والعرب تقول ثغر رتل بفتح التاء وكسرها إذا كان مفلجا لا فضض فيه، قاله ابن العربي، وقال الشافعي: وأقل الترتيل ترك العجلة في القرآن عن الإبانة، وكلما زاد على أقل الإبانة في القراءة كان أحب إلي، ما لم يبلغ أن تكون الزيادة فيها تمطيطا، وقد بين النبي ﷺ ذلك بفعله، فعن عن أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ كان يقطع قراءته آية آية: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. ملك يوم الدين»، رواه الترمذي والحاكم، وتقطيع القراءة عند أبي داود أيضا، وقد كانت قراءة النبي ﷺ مرتلة لكنها قد تتفاوت في الترتيل، كما ورد أنه ربما رتل سورة حتى تكون أطول من أطول منها يعني من الزمن المستغرق في قراءتها. والحديث تضمن بيان الترتيل المأمور به، ومن جملة ما فيه الوقف، وأهل الأصول يرون أن أفعال النبي ﷺ إذا كانت بيانا، فحكمها حكم المبين، والأمر هنا كذلك، والمبين الذي هو الترتيل واجب، فيكون الوقف واجبا في الجملة، ولا يبعد أن يقال إنه واجب على رؤوس الآي، ما استطاع التالي إلى ذلك سبيلا، فإن التقوى بحسب الاستطاعة، وقد ورد ما يؤخذ منه أن الصحابة كانوا يتعلمون مواضع الوقف، وهو الأثر الذي أخرجه النحاس عن عبد الله بن عمر قال: لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ ، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأينا اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما أمره، ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه». وقال مالك في سرعة القراءة: «من الناس إذا هذ كان أخف عليه، وإذا رتل أخطأ، ومن الناس من لا يحسن يهذ، والناس في هذا على قدر حالاتهم، وما يخف عليهم، وكل واسع»، ذكره في النوادر في باب مس المصحف، والهذ ورد ذمه على لسان ابن مسعود

стр. 513

﵁، فالظاهر أن الإمام مالكا إنما يريد الإسراع في التلاوة مع الترتيل، وهو المسمى عند القراء بالحدر، ويريد بالترتيل الذي ذكره قدرا زائدا من الترسل، وقد كان الإمام يكره التطريب في القراءة. قال ابن حبيب: كره مالك النبر والتحقيق في القراءة في الصلاة وغيرها، وليس ذلك من شأن الفقهاء والفصحاء. وقال أيضا: «وكره مالك أن يمد القراءة، أو يطرب تطريبا فاحشا»، وأنت ترى ما آل إليه الأمر الآن من التنطع في القراءة، بالتكلف في مخارج الحروف، والمبالغة في التطريب، والقراءة بأوجه عدة لغير التعليم، واستحداث أمور على وجه الاستحسان من بعض القراء يستبعد أن تكون مما كان عليه الأمر في عهد السلف، فإن التكلف فيها ظاهر، وكل هذا يدلك على أن أئمة الهدى يبصرهم الله تعالى ويهديهم إلى إنكار المخالفات ولما تزل في بدايتها بحيث لا يتفطن لها إلا أولو الأبصار، وما أقلهم في هذه الأعصار. وروى الترمذي (٤٤٥) عن بهز بن حكيم قال كان زرارة بن أوفى قاضي البصرة، فكان يؤم في بني قشير، فقرأ يوما في صلاة الصبح من سورة المدثر: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدَّثر: ٨ - ١٠] فخر ميتا، وكنت فيمن احتمله إلى داره»، وذكره ابن كثير في التفسير. وقال المباركفوري في التحفة بعد ذكر هذا الأثر: «وكذلك وقع لآخرين أنهم ماتوا لسماع بعض آيات القرآن في قيام الليل، فصلى خليد ﵀، فقرأ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فرددها مرارا، فناداه مناد من ناحية البيت: كم تردد هذه الآية؟، فلقد قتلت بها أربعة نفر من الجن، لم يرفعوا رؤوسهم إلى السماء حتى ماتوا من تردادك هذه الآية»، فوله خليد بعد ذلك ولها شديدا، حتى أنكره أهله كأنه ليس الذي كان»، وله وزنه كفرح، ومعناه هنا التحير من شدة الوجد، وسمع آخر قارئا يقرأ: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] الآية، فصرخ واضطرب حتى مات، وسمع آخر قارئا يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]، فمات لأن مرارته تفطرت، وقيل لفضيل بن عياض:

стр. 514

ما سبب موت ابنك؟، قال: بات يتلو القرآن في محرابه فأصبح ميتا». وقد نبهني بعض الإخوان جزاهم الله خيرا إلى إضافة شيء هنا حتى لا يساء فهم الكلام، إذ المقصود من هذا أن على قارئ القرآن التدبر فيما يقرأ، وليس المراد أن حصول ما ذكر من الصعق والموت أمر محمود دائما، فإن الصحابة ﵃ ما عرف عنهم ذلك، مع تدبرهم لكتاب الله وتأثرهم بسماعه، ولا شك أن حالهم أكمل، فهم القدوة، وقد قال الله تعالى عن كتابه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزُّمَر: ٢٣]، وقد قال رسول الله ﷺ : «إن أحسن الناس قراءة الذي إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله»، وهو في الصحيحة عن عائشة. والمشهور عدم الفصل بين تكبيرة الإحرام وبين الشروع في قراءة الفاتحة لا بدعاء، ولا بتعوذ، ولا ببسملة، بل المشهور كراهة التعوذ والبسملة في الفرض. وقد نقل ابن وهب عن الإمام قوله: «والذي أدركت عليه الأئمة، وسمعنا من علمائنا أن يكبروا ثم يقرأوا». وقال ابن حبيب: «ولا يقول بعد الإحرام ما يذكر من التوجيه، ولا بأس به لمن شاء أن يفعله قبل الإحرام»، وهذا من ابن حبيب محاولة للجمع بين ما ورد من أذكار وأدعية الاستفتاح، وبين ظاهر قول أنس الذي سيذكر. وكراهة البسملة في الفرض مذهب المدونة، ومما احتج لهم به قول أنس ﵁ أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين»، رواه صاحبا الصحيح، وأبو داود (٧٨٢)، لكن هذا لا ينفي إثبات الدعاء والتعوذ والبسملة، فإن أنسا إنما ذكر ما سمع، والتعوذ كالدعاء لا يجهر بهما، إذ الأصل فيه الإسرار، والسكتة بعد الإحرام ثابتة، وهي التي يقال فيها دعاء الاستفتاح وما يليه من التعوذ والبسملة، وقد ثبت التعوذ قبل القراءة في الصلاة كما يأتي، أما الاستدلال لترك البسملة بحديث أنس بن مالك قال: «صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم»، رواه مسلم وغيره؛ فإنه لا يسوغ الاحتجاج به لاضطرابه كما قال ابن

стр. 515

عبد البر، والغماري في مسالك الدلالة، ولو صح فإن نفي السماع لا يمنع كونهم كانوا يبسملون سرا، ومع ذلك فالثابت عنه ما تقدم أنهم كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، وقد رأيت عدم دلالته على ترك الاستفتاح والتعوذ والبسملة، بل جاء ما يدل على قراءة البسملة، وهوقول النبي ﷺ : «إذا قرأتم الحمد الله فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم .. ، إنها أم القرأن، وأم الكتاب و السبع الثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى أياتها»، رواه الدرقطني والبهيقي عن أبي هريرة. والظاهر أن مالكا إنما قال بترك الاستفتاح في الرواية المشهورة عنه لما كان معمولا به عندهم كما سبق، يتبين لك هذا إذا علمت ما رواه ابن القاسم عن مالك في القول بعد الإحرام «سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد» (؟)، قال: «قد سمعت ذلك يقال، وما به من بأس لمن أحب أن يقوله»، قيل: «فالإمام يكبر فقط، ثم يقرأ»؟، قال: «نعم»، وقال ابن العربي في العارضة (٢/ ٤٣ و ٥٣) عن الاستفتاح: «وقول ذلك أحسن، والافتتاح بالذكر أجمل، وقد روي عن مالك في مختصر ما ليس في المختصر أنه كان يقول بعد التكبير كلمات عمر، وكلمات النبي ﷺ أحق بالقول»، انتهى. والمراد بكلمات عمر ما رواه أبو داود (٧٧٥) والترمذي عن أبي سعيد قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة بالليل؛ كبر ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك،،،» الحديث، ورواه مسلم تبعا منقطعا موقوفا على عمر، وهو مما لا يقال بالرأي، فلا يكون من كلامه، لا سيما مع جهره به، وتعليمه للصحابة، وقد رجحة بعضهم على غيره لذالك مع كونه دعاء ثناء، وعنى ابن العربي بكلمات النبي ﷺ حديث أبي هريرة الصحيح، قلت: يا رسول الله إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟، قال أقول: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والبرد والثلج»، وقول الإمام مالك هذا هو أحق أقواله بالأخذ، كيف وقد روى عنه أبو داود (٧٦٩) قال: «حدثنا القعنبي عن مالك قال: «لا بأس بالدعاء في الصلاة: أوله، وأوسطه، وفي آخره، في الفريضة، وغيرها»، فهذا يشمل دعاء الاستفتاح، وغيره

стр. 516

كالتعوذ لا فرق بين الفريضة، وغيرها عندهم فكن منه على ذكر. وقد أمر الله تعالى بالتعوذ فقال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]، وهذا عموم، يشمل الصلاة وغيرها، وفي حديث أبي سعيد المتقدم بعد ذكر دعاء الاستفتاح: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه»، ثم يقرأ»، وهمزه وسوسته، ونفخه كبره، ونفثه سحره، وهذا وإن كان في صلاة الليل، إلا أن الأصل المساواة بين الفريضة والنافلة في الأحكام إلا ما استثناه النص، وفي حديث عائشة لم تذكر صلاة الليل، وما قاله اللخمي مبينا وجه الاستغناء عن الاستعاذة من أن التكبير يغني عن التعوذ لأن الشيطان يفر منه كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة عند مالك (الموطإ ١٤٩) وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نودي للصلاة؛ أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع النداء،،،» الحديث؛ فليس بمستقيم، إذ الغرض من التعوذ ليس خصوص طرد الشيطان، بل قبل ذلك كونه مطلوبا قبل قراءة القرآن من غير تعليق هذا المطلوب على علة، وكيف يقال فيما ورد من أمر من أصابه وسواس في صلاته أن يتعوذ وينفث إلى يساره ثلاثا؟، ولا يصح أن يقوم لفظ مقام لفظ متعبد به، وفيه بعد ذلك اللجأ إلى الله، وسؤاله الحماية من الشيطان، فإن حماية المرء نفسه من الآدمي تكون بالدفع بالتي هي أحسن، أما الشيطان فلا مدفع له إلا الاستعاذة بالله منه، قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦)﴾ [المؤمنون: ٩٦]، وقد جاء مثل هذا في موضعين آخرين من القرآن. أما البسملة فقد قال علي الصعيدي روي عن مالك إباحتها، وقال ابن مسلمة إنها مندوبة، وقال ابن نافع بوجوبها، وفي شرح زروق قول ابن مسلمة بوجوبها، والإباحة إذا كانت مستوية الطرفين فلا وجه لها في العبادات، بل المراد بها الندب، لأنه لا إثم في تركه، والقراء على لزوم البسملة حال البدء بالسورة إلا سورة براءة، والمرتضى هو هذا القول أعني الندب، لأنها آية مستقلة في أوائل السور، كان النبي ﷺ يعلم بها بداية السورة، ومن الأدلة على ذلك أن الصحابة ﵃ وقد جردوا المصحف مما عدا القرآن - أثبتوها في أوائل السور إلا براءة، وقال النبي ﷺ عن سورة الملك: «سورة من القرآن تشفع لصاحبها

стр. 517

حتى يغفر له»، رواه أبو داود (١٤٠٠)، والترمذي وحسنه، وآيات السورة ثلاثون، فلم يعد البسملة منها، ومن أقوى الأدلة على كونها ليست من الفاتحة قول الله تعالى في الحديث القدسي وهو في الموطإ (١٨٥) وصحيح مسلم وسنن الترمذي (٢٩٥٣) وأبي داود (٨٢١) واللفظ له عن أبي هريرة سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل»، قال رسول الله ﷺ : اقرؤوا، يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، يقول الله : «حمدني عبدي»، يقول ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾، يقول الله : «أثنى علي عبدي»، يقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾، يقول الله : «مجدني عبدي»، يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾، يقول الله: «وهذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل»، يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، يقول الله: «فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل»، ووجه الدليل منه أنه لم يذكر البسملة مع أنه عدد آيات الفاتحة آية آية، لكن حديث أبي هريرة المتقدم نص وهو مقدم. وَوَرَدَ أن النبي ﷺ كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، كما في سنن أبي داود والترمذي عن أم سلمة أنها ذكرت قراءة رسول الله ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. ملك يوم الدين»، يقطع قراءته آية، آية»، وفي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود (٧٨٤) عن أنس بن مالك قال: أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة فرفع رأسه متبسما، فإما قال لهم، وإما قالوا له: لم ضحكت؟، فقال رسول الله ﷺ : «إنه أنزلت علي آنفا سورة»، فقرأ: «بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ حتى ختمها». وروى الدارقطني في باب وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، ح/ ٣٦) قال: حدثنا يحي بن محمد بن صاعد، ومحمد بن مخلد، قالا: نا جعفر بن مكرم، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني نوح بن أبي هلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأتم الحمد لله؛ فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم

стр. 518

إحداها»، قال أبو بكر الحنفي: ثم لقيت نوحا، فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، ولم يرفعه، وهو في صحيح الجامع الصغير للألباني، وفي الصحيحة (١١٨٣) أيضا، وقد قال بعض علماء المذهب: الورع قول بسم الله الرحمن الرحيم سرا للخروج من الخلاف، ولأن تركها مبطل للصلاة عند قوم، وفعلها في أقصى أحواله مكروه عند آخرين.

стр. 519

• قوله: ٤ - «فإذا قلت: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقل: آمين، إن كنت وحدك، أو خلف إمام وتخفيها، ولا يقولها الإمام فيما جهر فيه، ويقولها فيما أسر فيه، وفي قوله إياها في الجهر اختلاف». آمين بمد الهمزة، وتخفيف الميم؛ هو المشهور فيها، وقيل بقصر الهمزة، وقيل بالمد مع تشديد الميم، ومعناه استجب دعاءنا، وما قاله بعضهم إن آمين اسم من أسمائه تعالى فليس بمقبول. والتأمين جاء بعد الدعاء في الفاتحة، فإن نصفها الأول ثناء، ونصفها الثاني ابتداء من قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾؛ دعاء، ولحاجة كل مخلوق إلى الهداية كيفما كان؛ فرض الله تعالى على كل مصل طلبها، وسن له التأمين على الدعاء بعدها. واعلم أن دليل تأمين المنفرد هو دليل تأمين المأموم، بل وهو دليل تأمين الإمام أيضا، فمتى ثبت التأمين لواحد منهم ثبت للآخر، لأن الأصل المساواة في أعمال الصلاة بين المكلفين إلا ما استثني، وقد روى مالك في الموطإ (١٩٣ والشيخان خ/ ٧٨١) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال أحدكم آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين؛ فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقوله: «أحدكم»؛ عموم، وهو مطلق يشمل الصلاة وغيرها، وصح مقيدا بالصلاة عند مسلم، ولعل الموافقة التي يترتب عليها ذلك الفضل تستدعي أن يكون المصلي حاضر البال مستمعا لما يتلى متدبرا. فإذا رأيت ضرورة الاستدلال على ما يخص تأمين المأموم فإن منه قوله ﷺ : «إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه»، وهو في الموطإ (١٩٢) وصحيح البخاري (٨٨٢)، وأبي داود (٩٣٥) عن أبي هريرة، ولا يسوغ أن يقال فيه دليل على عدم تأمين الإمام؛ لذكره الآية

стр. 520

الأخيرة من الفاتحة، لأن هذا أقصى دلالاته أنه ظاهر فلا يعترض به على النص، كقوله ﷺ : «إذا أمن الإمام فأمنوا». أما إخفاء التأمين؛ فالحجة عندهم أنه دعاء، والأصل فيه الإخفاء، وقد روى الترمذي (٢٤٨) عن علقمة بن وائل عن أبيه أن النبي ﷺ قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال «آمين» وخفض بها صوته»، وقد وهم الحفاظ شعبة في هذا الحديث، قال البخاري كما نقله الترمذي: «أخطأ شعبة»، وحكموا بشذوذه لمخالفته غيره، وقدموا رواية سفيان عن سلمة بن كهيل على روايته عنه، وفيها: «ومد بها صوته»، وقد يقال إن مجرد الرواية بخفض الصوت ومثلها إخفاؤه؛ لا يلزم منه الإسرار المستدل عليه بالحديث، وإلا كيف يقول المرء عن أحد إنه قال آمين، إن لم يكن قد سمعه؟، نعم إن هذا التوجيه لا يزيل ما في رواية شعبة من المخالفة لرواية سفيان، لكنها ليست بالمخالفة التي يحكم عليها بالشذوذ، والله أعلم. ومن الأدلة على الجهر بالتأمين؛ ما في حديث وائل بن حجر من رواية سفيان قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قرأ ولا الضالين، قال: «آمين» ورفع بها صوته، رواه أبو داود (٩٣٢)، والترمذي، ومن ذلك تعليقه ﷺ تأمين المأموم بتأمين الإمام، ولو لم يكن تأمين الإمام جهرا؛ ما صح ذلك الربط، إذ كيف يعلم؟، فقد قال ﷺ : «إذا أمن الإمام فأمنوا،،،» الحديث رواه الشيخان وأصحاب السنن عن أبي هريرة، وما حمله عليه بعض علماء المذهب من أن معناه إذا بلغ موضع التأمين فأمنوا، وهو قراءة ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فمجاز لا دليل عليه، وفي قول المؤلف: «وفي قوله إياها في الجهر اختلاف»؛ إشارة إلى أن لمالك قولين في تأمين الإمام في الجهر، الأول: النفي، وهو رواية المصريين عنه، وقد تقدم دليله وما فيه، وعلى ذلك جاء قول ابن القاسم: «لا يقول الإمام آمين، إلا فيما أسر به خاصة»، والثاني رواية المدنيين، رواها ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عنه أن الإمام يقول آمين كالمأموم على حديث أبي هريرة»، انتهى، يريد قوله ﷺ : «إذا أمن الإمام فأمنوا»؛ وهذا هو الحق في المسألة فتمسك به، وانظر الاستذكار (١/ ٤٧٥).

стр. 521

• قوله: ٥ - «ثم تقرأ سورة من طوال المفصل، وإن كانت أطول من ذلك؛ فحسن بقدر التغليس، وتجهر بقراءتها». قراءة شيء من القرآن بعد فاتحة الكتاب ثابتة عنه ﷺ من أفعاله وهي مستفيضة متواترة، ومن السنن القولية في ذلك قول أبي سعيد الخدري: «أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب، وما تيسر»، ومن ذلك قول أبي هريرة: «أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد»، رواهما أبو داود (٨١٨ و ٨٢٠)، وسكت عنهما، وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح ٢/ ١٩٣) عن الأول: «سنده قوي»، فمن أخذ منهما وجوب قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة؛ فقد أصاب الحق، لكن يعارض دلالة ما تقدم على الوجوب ما ثبت من إقراره ﷺ من اقتصر على الفاتحة كما جاء في قصة صلاة معاذ بقومه حيث سأل النبي ﷺ الرجل: «كيف تصنع أنت يا ابن أخي»؟، قال: «أقرا بفاتحة الكتاب وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ»، وقد استدل به على عدم لزوم قراءة ما زاد على الفاتحة المحدث الألباني في صفة الصلاة، وأحسب أنه لا يقوى على معارضة الدليل الموجب، إلا أن يأتي إجماع على عدم ذلك. والمذهب أن قراءة السورة بعد الفاتحة سنة مؤكدة، فمن تركها تعين عليه سجود السهو القبلي، فإن طال بطلت صلاته لكونها سنة مركبة من ثلاث: القراءة نفسها، وكونها سرا أو جهرا، والقيام لها، ولو قيل بوجوب السورة فلا يلزم من تركها بطلان الصلاة، لأن الذي يلزم منه ذلك الشرط والركن، وعلى متعمد ترك الواجب الإثم، والله أعلم. والمقدم قراءة سورة بكمالها، وهذا هو المنقول عن النبي ﷺ المتواتر عنه تواترا معنويا، ولأن السورة هي المتحدى بها، وإنما المعروف من سنته قراءة بعض السورة في ركعتي الفجر، وكقيامه بآية من سورة المائدة ليلة كاملة، وعدم إتمام السورة لعارض كما

стр. 522

حصل له في سورة المؤمنون، ولعل هذا هو وجه الرواية عن الإمام التي فيها كراهة قراءة السورة الواحدة في ركعتين، وحمل مالك ﵀ ما روي من إقرار النبي ﷺ بلالا على قراءة سياقين مختلفين على ما في رواية ابن وهب عنه: إن بلالا كان يقرأ من هذه السورة وهذه السورة، ولا أراه كان يحسن إلا ذلك، ثم قال: والذي يقرأ هكذا، وهو مستقيم في دينه أحب إلي من الآخر»، والمذهب أيضا كراهة الاقتصار على بعض الآية إلا إذا كان لها بال، وأخذ ابن العربي ﵀ من فعل النبي ﷺ في القراءة في الصلوات كراهة التزام سورة معينة في صلاة، وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١/ ٤٤١) يذكر عذر عثمان بن عفان ﵁ في ترداد سورة يوسف في أكثر الأيام مع حفظه القرآن: «وأما ترداد عثمان لها، وتكريره القراءة بها في أكثر أيامه فإنه ربما خف على لسان الإنسان الحافظ للقرآن قراءة بعض سور القرآن دون بعض، فمال إلى ما خف عليه، فكان ذلك أكثر قراءته، وربما أعجبه من سور القرآن ما فيه قصص الأنبياء فقرأها على الاعتبار بها والتذكار لها. أما القراءة من أواسط السور وخواتيمها فيمكن الاستدلال لها بإقراره ﷺ بلالا عليه، كما رواه أبو داود (١٣٣٠) عن أبي هريرة من قوله ﷺ لبلال: «وقد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة»، قال: كلام طيب يجمع الله تعالى بعضه على بعض»، فقال النبي ﷺ : «كلكم أصاب»، والحديث وارد في خروجه ﷺ ليلا ووجوده كلا من أبي بكر وعمر وبلالا يصلون وسيأتي ذكره إن شاء الله في الإسرار والجهر في قراءة النوافل، ومحل الاستدلال منه أنه لم يذكر فيه إلا كونه من هذه السورة وهذه السورة، لكنه في النافلة، وقد احتج المحدث الألباني في كتابه (تمام المنة ص ١٨١) للقراءة بالخواتيم في الصلاة بقراءة النبي ﷺ في سنة الفجر بآية من سورة البقرة، وأخرى من سورة آل عمران، واستدرك ذلك على الشيخ سابق، وعلى ابن القيم رحم الله جميعهم، والآيتان ليستا من الخواتيم كما ترى، بل من أواسط السورتين المذكورتين، وهو سبق قلم من المؤلف ليس غير، والوهم في الفهرس أيضا، وهذا نصه: «قراءته ﷺ في سنة الفجر من آخر سورة البقرة»!!. والمذهب على أن الصبح يطول فيها القراءة استحبابا، وكذلك الظهر، ويتوسط في

стр. 523

العشاء، ويقرأ بالقصار في العصر والمغرب، قال ابن عاشر ذاكرا مندوبات الصلاة: تطويله صبحا وظهرا سورتين … توسط العشا وقصر الباقيين والمراد بالمفصل سور الحجرات فما بعدها في المصحف، سمي كذلك لكثرة الفصل فيه بالبسملة، وطواله - بكسر الطاء - سوره الطويلة من الحجرات إلى سورة النازعات، ومتوسطاته تنتهي إلى سورة الليل، وقصاره من سورة الضحى إلى سورة الناس، وفي القصار ما لا ينقص عن المتوسطات كسورة البينة، لكن الغالب ما ذكر، نظم ذلك علي الأجهوري فقال: أول سورة من المفصل … الحجرات لعبس، وهو جلي ومن عبس لسورة الضحى وسط … وما بقي قصاره بلا شطط وما ذكر في المذهب من التفصيل في القراءة في الصلوات يدل عليه حديث سلمان بن يسار عن أبي هريرة قال: «ما رأيت رجلا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان، لإمام كان بالمدينة، قال سلمان: فصليت خلفه، فكان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف الآخرتين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل»، قال الحافظ في بلوغ المرام أخرجه النسائي بإسناد صحيح، وما ذكره أبو هريرة من التشبيه؛ يحتمل أنه في بعض الصلاة، ويحتمل جميعها، وهو الظاهر، لكن المؤكد أن ما ذكر من التفصيل في القراءة في الصلوات غير مطرد إلا في الصبح وفي العشاء مع شيء من الاستثناء، وسيأتي الكلام على القراءة في بقية الصلوات. ومن قراءته ﷺ في الصبح بطوال المفصل قراءته بسورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ [ق: ١]، ولعل ذلك هو المراد من حديث قطبة بن مالك عند مسلم أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾ [ق: ١٠]، وعن عمرو بن حريث عند مسلم أنه قرأ في الفجر ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾، وفي سنن أبي دود (٨١٧) عنه قال: كأني أسمع صوت النبي ﷺ يقرأ في صلاة الغداة: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ [التكوير: ١٥ -

стр. 524

١٦]، لكنه ثبت عنه أنه قرأ بأكثر من ذلك، ففي الصحيح: خ/ ٧٧١) من حديث أبي برزة السلمي قال: «وكان يصلي الصبح فينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة»، وقرأ بسورة الطور كما في حديث أم سلمة، وبالمؤمنون ولم يكملها، غير أنه كان ينتهي من الصلاة وقت الغلس كما تقدم، وهذا هو وجه قول المصنف: «وإن كانت أطول من ذلك فحسن بقدر التغليس». وقد روى مالك في الموطإ عن هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر الصديق صلى الصبح فقرأ فيها سورة البقرة في الركعتين كلتيهما»، وروى الزهري عن أنس مثله، وفيه أنه قيل له حين سلم: كادت الشمس تطلع، فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين، ذكره ابن عبد البر في (الاستذكار ١/ ٤٤٠)، وقال: «وما بالاقتداء بالصديق ﵁ بأس، فإنه من الذين هدى الله، فأين المهرب عنه»؟.

стр. 525

• قوله: ٦ - «فإذا تمت السورة؛ كبرت في انحطاطك للركوع، فتمكن يديك من ركبتيك، وتسوي ظهرك مستويا، ولا ترفع رأسك، ولا تطأطئه، وتجافي بضبعيك عن جنبيك، وتعتقد الخضوع بذلك بركوعك وسجودك، ولا تدعو في ركوعك، وقل إن شئت: سبحان ربي العظيم، وبحمده، وليس في ذلك توقيت قول، ولا حد في اللبث». الركوع ركن من أركان الصلاة، والتكبير في كل خفض ورفع مطلوب، لا يستثنى من ذلك إلا الرفع من الركوع، فإن المصلي يقول فيه: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، وقد قال عبد الله بن مسعود: «كان رسول الله ﷺ يكبر في كل رفع وخفض، وقيام وقعود، وأبو بكر وعمر»، رواه النسائي والترمذي (٢٥٣)، وقال حسن صحيح، وقال الترمذي: «وعليه عامة الفقهاء، والعلماء». لكن اختلف أصحاب المذهب: هل جميع التكبير سنة واحدة ما عدا تكبيرة الإحرام؟ - ومثله التسميع والتحميد - وهو قول أشهب، أو كل تكبيرة سنة مستقلة؟، وهو قول ابن القاسم، ذكرهما أبو الحسن، وبناء على الأخير - وهو الراجح - رأوا السجود القبلي على من ترك تكبيرتين، أو تحميدتين، أو تسميعتين، أو ثنتين ملفقتين. وقوله «في انحطاطك» الانحطاط النزول، يريد الانحناء، وربما أخذ منه بعضهم ما سموه بتعمير الركن بحيث يستغرق التكبير مدة الانتقال كلها، وفي النوادر قال مالك: «التكبير في الصلاة مع العمل»، أي لا يكون قبله، ولا بعده. وفي المدونة: «تكبير الركوع والسجود كله سواء: يكبر للركوع إذا انحط للركوع في حال الانحطاط، ويقول: سمع الله لمن حمده في حال رفع رأسه، وكذلك في السجود يكبر

стр. 526

إذا انحط ساجدا في حال الانحطاط،،،». والذي يظهر لي: أن قول الإمام هذا لا يلزم منه ما فهموه من تعمير الركن بالتكبير والتسميع، فإن فيه شيئا من التكلف مع ما يؤدي إليه من الزيادة في المد في لفظ الجلالة وتمطيطه، ولأن الناس يختلفون في مدة الانتقال، وعليه فالتكبير يكون مع بداية الانتقال، وقد ترجم البخاري بقوله (باب إتمام التكبير في الركوع)، وقال مثل ذلك في السجود. وقال الحافظ: «أي مده بحيث ينتهي بتمامه، أو المراد إتمام عدد تكبيرات الصلاة في الركوع، قاله الكرماني»، ثم ذكر الحافظ مايضعف الاحتمال الأول، وقد انتزع الحافظ بنفسه هذا الحكم أيضا من حديث البخاري (٨٠٣) عن أبي هريرة في وصفه صلاة النبي ﷺ بفعله، قال الراوي عنه: «ثم يكبر حين يهوي ساجدا»، انتهى. أقول: وفي هذا الاستدلال كالذي قبله نظر، فقد روى أبو يعلى في مسنده من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يسجد كبر ثم سجد، وإذا قام من القعدة كبر ثم قام»، وهو في الصحيحة للألباني برقم (٦٠٤)، وظاهر قوله: «ثم سجد»، التكبير قبل الشروع أو معه. وفي المذهب استثناء القيام من اثنتين، فإنه لا يكبر حتى يستقل قائما، وسيأتي ما فيه، ويكبر المنفرد والمأموم سرا، روى ابن وهب عن مالك: «وأحب للمأموم أن لا يجهر بالتكبير، وبربنا ولك الحمد، ولو جهر بذلك جهرا يسمع من يليه فلا بأس بذلك، وترك ذلك أحب إلي، وأحب إلي أن لا يجهر معه إلا بالسلام جهرا دون ما يسمع من يليه». ووضع اليدين على الركبتين جاء فيه قول عمر بن الخطاب: «إن الركب سنت لكم فخذوا بالركب»، رواه الترمذي (٢٥٨)، وقال حسن صحيح، وقوله «سنت لكم» له حكم الرفع على الصحيح، وروى أبو داود (٨٦٣) والنسائي عن سالم البراد قال: أتينا عقبة بن عمرو الأنصاري أبا مسعود فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقام بين أيدينا في المسجد فكبر فلما ركع وضع يديه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، وجافى بين مرفقيه، حتى استقر كل شيء منه، ثم قال سمع الله لمن حمده، فقام حتى استقر كل شيء منه،،، الحديث، وقال هكذا رأينا رسول الله ﷺ يصلي»، جافى: باعد.

стр. 527

وللركوع عندهم صفتان: صفة إجزاء، وصفة كمال، والثانية هي التي ذكرها المؤلف، وهي تمكين اليدين من الركبتين، بتفريق أصابعهما، وهي التي وردت في المدونة: قال: «ولكن يمكن يديه من ركبته في الركوع، ويمكن جبهته وأنفه من الأرض في السجود»، وصفة الإجزاء هي وضع اليدين قرب الركبتين، أو عليهما دون تمكين، وهي التي قال فيها مالك من رواية ابن القاسم كما في النوادر: «ومن ركع فلم يضع يديه على ركبتيه، رفع شيئا أو نزل شيئا؛ فذلك يجزئه»، انتهى، والظاهر وجوب التمكين لثبوت الأمر به. أما تسوية الظهر؛ ففيها قول النبي ﷺ : «لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود»، رواه أبو داود (٨٥٥) وابن ماجة (٨٧٠) عن أبي مسعود البدري، ومن الأدلة على تسوية الظهر نصا ما في حديث وابصة بن معبد عند ابن ماجة (٨٧٢)، فإنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي، فكان إذا ركع سوى ظهره، حتى لو صب عليه الماء لاستقر»، وفيه طلحة بن زيد وهو ضعيف، لكنه صححه الألباني ﵀، وفي سنن أبي داود (٨٥٩) من حديث رفاعة بن رافع في حديث المسيء صلاته: «وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك»، وفي حديث أبي حميد في وصف صلاته ﷺ : «ثم هصر ظهره غير مقنع رأسه، ولا صافح بخده»، وهصر ظهره ثناه في استواء، وقوله: «غير صافح بخده»؛ يعني غير مبرز خده إلى جهة. أما كيف يكون الرأس حال الركوع؛ ففيه حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا ركع لم يُشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك»، رواه مسلم، وابن ماجة (٨٦٩)، وإشخاص الرأس رفعه، وتصويبه خفضه، ومثل ذلك ما في حديث أبي حميد الساعدي الذي وصف فيه صلاة النبي ﷺ في عشرة من أصحابه، وهو في سنن أبي داود (٧٣٠) قال: «ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصب رأسه، ولا يقنع،،،»، يقال أقنع رأسه إذا رفعه، قال تعالى: «مهطعين مقنعي رؤوسهم»، وصبه إذا خفضه، لأن المصبوب شأنه النزول إلى أسفل. وفي العتبية قال أشهب عن مالك لا يتطأطأ المصلي في الركوع، ولا يرفع رأسه فيه، وأحسنه اعتدال الظهر، وهو في النوادر جامع العمل في الصلاة.

стр. 528

وقوله «تجافي ضبعيك» أي تباعدهما عن جنبيك، والضبعان تثنية ضبع بفتح العين وسكون الباء، وسط العضد من الداخل، وجمعه أضباع، وقد تقدم في حديث عقبة بن عمرو الأنصاري أبي مسعود في وصف صلاة النبي ﷺ قال: «فلما ركع وضع يديه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، وجافى بين مرفقيه، حتى استقر كل شيء منه، رواه أبو داود (٨٦٣) والنسائي، وفي حديث أبي حميد في وصف الصلاة: «فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه»، رواه أبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٦٠) وقال حسن صحيح، وقوله «وتر»؛ يعني جعل جنبه كالقوس، ويده كالوتر. والمذهب عدم الدعاء في الركوع؛ لقول النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه حين خرج على الصحابة وهم في الصلاة: «يا أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وإني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم»، رواه مسلم، وأبو داود (٨٧٦) عن ابن عباس، قمن بكسر الميم وفتحها؛ حقيق، وفي قوله: «لم يبق من مبشرات النبوة،،»؛ إلماح إلى قرب وفاته، وفي خطابه لهم وهم في الصلاة جواز إصغاء المصلي وقتا يسيرا للمتكلم ممن هو خارج الصلاة، فأحرى إذا تعلق الأمر بإصلاحها، قال في المدونة: «كان مالك يكره الدعاء في الركوع، ولا يرى به بأسا في السجود»، وواضح من تفريقه ﵁ بينهما أن معتمده الحديث المتقدم، لكنه لا يدل على امتناع الدعاء في الركوع لأن تلك الدلالة دلالة مفهوم، ولأنه لو أخذ بها دون نظر في غير هذا الحديث لاقتضى ذلك ترك التسبيح في السجود، كما يترك الدعاء في الركوع، ولأن الحديث فيه النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، فلو كان الدعاء مثلها لنهي عنه، فكيف إذا جاء في الدعاء ما هو نص كحديث عائشة في الصحيحين (مسلم/ ٤٨٤)، و (سنن أبي داود ٨٧٧): «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»، يتأول القرآن، والظاهر أن الإمام يرى الدعاء في الصلاة حيث ورد به دليل، لعموم قوله المتقدم الذي رواه أبو داود، وقد ذكرته في الحديث على دعاء الاستفتاح، وقال في الموطإ في باب (العمل في الدعاء).

стр. 529

قال يحي: وسئل مالك عن الدعاء في الصلاة المكتوبة، فقال: لا بأس بالدعاء فيها». وقوله: «وتعتقد الخضوع بذلك بركوعك وسجودك». هذا ما ينبغي أن يكون عليه المصلي في كل حركاته وسكناته في صلاته، من حضور القلب، وخشوع الجوارح، واستحضار عظمة الله الذي يقف بين يديه ويناجيه، فيخضع له، ويذل، ويعتقد أنه متعبد بهذه الصور والكيفيات، وليست مجرد أشكال يأتيها، فإنه ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها، وهو قول لبعض الصحابة، وروى أحمد وأبو داود (٧٩٦) عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرجل لينصرف، وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها»، والانتهاء إلى النصف يشير إلى أن معظم الناس لا ينتفعون بصلاتهم كما ينبغي، ومن ثم لا يترتب عليها أثرها الكامل، ومنه ما أخبر الله تعالى به في قوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وإنما تقام الصلاة لذكر الله، والذكر ضد النسيان، فمن ذكر الله تعالى بقراءة القرآن وبالتسبيح والتحميد وغير ذلك، وكان قلبه غافلا غائبا فإن حصيلة صلاته ضئيلة، فإن الله تعالى إنما امتدح الخاشعين في الصلاة وأثبت لهم الفلاح، فمن لم يخشع فيها؛ فليس ممن أثبت لهم ذلك، قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، وقد روى أبو داود (١٢٩٦) عن عبد المطلب عن النبي ﷺ قال: «الصلاة مثنى مثنى، أن تشهد في كل ركعتين، وأن تباءس وتمسكن، وتقنع يديك وتقول: اللهم، اللهم، فمن لم يفعل فهي خداج»، ورواه الترمذي (٣٨٥) بنحوه عن الفضل بن عباس، وفيه: «وتخشع، وتضرع، وتمسكن»، وهو حديث ضعيف، والتبؤس إظهار البؤس والفاقة، والتمسكن إظهار السكون، أو المسكنة، وكذلك تخشع، وتضرع، والخشوع تذلل الباطن، والخضوع تذلل الظاهر، والتضرع الإلحاح في السؤال والدعاء، وفيه تكلف هذه الأشياء حتى تحصل للمرء. وقد اختلف العلماء في صحة الصلاة إذا خلت من الخشوع، فذهب فريق إلى بطلانها، وعدم إجزائها، وقال آخرون بصحتها في الظاهر مع أنه لا يعتد في الثواب إلا بما

стр. 530

عقل منها، وهذا مؤيد بالحديث المتقدم، لكن يظهر أنه لا مناص من القول بشرطية الخشوع في جزء منها، وهو زمن النية، وقد حكى الاتفاق على هذا أبو الحسن في شرحه، فالله أعلم، ولابن القيم في كتابه مدارج السالكين كلام نفيس فانظره. وروى أشهب عن مالك قال: قرأ عمر بن عبد العزيز في الصلاة، فلما بلغ ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ [الليل: ١٤]؛ خنقته العَبرة، فسكت، ثم قرأ فنابه ذلك، ثم قرأ فنابه ذلك، فتركها وقرأ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾، وهو في النوادر في باب التسبيح للحاجة. وفي النوادر - باب جامع وهو آخر أبواب الصلاة - قيل: فالرجل يصلي لله سبحانه، ثم يقع في نفسه أنه يحب أن يعلم بذلك، أو يحب أن يلقى في طريق المسجد؟، قال: إن كان أول ذلك لله، لم يضره ذلك إن شاء الله، وإن المرء ليحب أن يكون صالحا، وربما كان من الشيطان ليمنعه ذلك، ولما قال النبي ﷺ : «ما شجرة لا يسقط ورقها في شتاء ولا صيف»؟، قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، وأردت أن أقوله، فقال له عمر: «لأن تكون قلته أحب إلي من كذا، وكذا»، ومثل هذا قد يكون في القلب لا يملك،،،». والتخيير في قول المؤلف: «وتقول إن شئت: سبحان ربي العظيم وبحمده، وليس في ذلك توقيت قول، ولا حد في اللبث»، هو تخيير في نوع الذكر، لكونه قد وردت في الركوع أذكار أخرى غيره، فلم يروا إلزام المصلي بواحد منها، إذ الكل سنة، هذا هو الذي يظهر، وهذا المعنى هو الذي أرى أن يحمل عليه أيضا ما ورد عن الإمام من إنكار ذلك، فإنه منقول بالمعنى، وبعضه يفسر بعضا، من ذلك قوله في المدونة: «قال مالك في قول الناس في الركوع: «سبحان ربي العظيم وبحمده»، وفي السجود: «سبحان ربي الأعلى»؛ قال: لا أعرفه، وأنكره، ولم يحد فيه دعاء موقوتا، ولكن يمكن يديه من ركبته في الركوع، ويمكن جبهته وأنفه من الأرض في السجود، وليس لذلك عنده حد». ومما ورد من أذكار الركوع والسجود ما جاء في حديث عائشة الصحيح وقد تقدم: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». ومن ذلك قولها: «كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس،
следующие страницы →