Полный текст (2 782 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
إذا انحط ساجدا في حال الانحطاط،،،».
والذي يظهر لي: أن قول الإمام هذا لا يلزم منه ما فهموه من تعمير الركن بالتكبير والتسميع، فإن فيه شيئا من التكلف مع ما يؤدي إليه من الزيادة في المد في لفظ الجلالة وتمطيطه، ولأن الناس يختلفون في مدة الانتقال، وعليه فالتكبير يكون مع بداية الانتقال، وقد ترجم البخاري بقوله (باب إتمام التكبير في الركوع)، وقال مثل ذلك في السجود.
وقال الحافظ: «أي مده بحيث ينتهي بتمامه، أو المراد إتمام عدد تكبيرات الصلاة في الركوع، قاله الكرماني»، ثم ذكر الحافظ مايضعف الاحتمال الأول، وقد انتزع الحافظ بنفسه هذا الحكم أيضا من حديث البخاري (٨٠٣) عن أبي هريرة في وصفه صلاة النبي ﷺ بفعله، قال الراوي عنه: «ثم يكبر حين يهوي ساجدا»، انتهى.
أقول: وفي هذا الاستدلال كالذي قبله نظر، فقد روى أبو يعلى في مسنده من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يسجد كبر ثم سجد، وإذا قام من القعدة كبر ثم قام»، وهو في الصحيحة للألباني برقم (٦٠٤)، وظاهر قوله: «ثم سجد»، التكبير قبل الشروع أو معه.
وفي المذهب استثناء القيام من اثنتين، فإنه لا يكبر حتى يستقل قائما، وسيأتي ما فيه، ويكبر المنفرد والمأموم سرا، روى ابن وهب عن مالك: «وأحب للمأموم أن لا يجهر بالتكبير، وبربنا ولك الحمد، ولو جهر بذلك جهرا يسمع من يليه فلا بأس بذلك، وترك ذلك أحب إلي، وأحب إلي أن لا يجهر معه إلا بالسلام جهرا دون ما يسمع من يليه».
ووضع اليدين على الركبتين جاء فيه قول عمر بن الخطاب: «إن الركب سنت لكم فخذوا بالركب»، رواه الترمذي (٢٥٨)، وقال حسن صحيح، وقوله «سنت لكم» له حكم الرفع على الصحيح، وروى أبو داود (٨٦٣) والنسائي عن سالم البراد قال: أتينا عقبة بن عمرو الأنصاري أبا مسعود فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقام بين أيدينا في المسجد فكبر فلما ركع وضع يديه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، وجافى بين مرفقيه، حتى استقر كل شيء منه، ثم قال سمع الله لمن حمده، فقام حتى استقر كل شيء منه،،، الحديث، وقال هكذا رأينا رسول الله ﷺ يصلي»، جافى: باعد.
стр. 527
وللركوع عندهم صفتان: صفة إجزاء، وصفة كمال، والثانية هي التي ذكرها المؤلف، وهي تمكين اليدين من الركبتين، بتفريق أصابعهما، وهي التي وردت في المدونة: قال: «ولكن يمكن يديه من ركبته في الركوع، ويمكن جبهته وأنفه من الأرض في السجود»، وصفة الإجزاء هي وضع اليدين قرب الركبتين، أو عليهما دون تمكين، وهي التي قال فيها مالك من رواية ابن القاسم كما في النوادر: «ومن ركع فلم يضع يديه على ركبتيه، رفع شيئا أو نزل شيئا؛ فذلك يجزئه»، انتهى، والظاهر وجوب التمكين لثبوت الأمر به.
أما تسوية الظهر؛ ففيها قول النبي ﷺ : «لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود»، رواه أبو داود (٨٥٥) وابن ماجة (٨٧٠) عن أبي مسعود البدري، ومن الأدلة على تسوية الظهر نصا ما في حديث وابصة بن معبد عند ابن ماجة (٨٧٢)، فإنه قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي، فكان إذا ركع سوى ظهره، حتى لو صب عليه الماء لاستقر»، وفيه طلحة بن زيد وهو ضعيف، لكنه صححه الألباني ﵀، وفي سنن أبي داود (٨٥٩) من حديث رفاعة بن رافع في حديث المسيء صلاته: «وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك»، وفي حديث أبي حميد في وصف صلاته ﷺ : «ثم هصر ظهره غير مقنع رأسه، ولا صافح بخده»، وهصر ظهره ثناه في استواء، وقوله: «غير صافح بخده»؛ يعني غير مبرز خده إلى جهة.
أما كيف يكون الرأس حال الركوع؛ ففيه حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا ركع لم يُشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك»، رواه مسلم، وابن ماجة (٨٦٩)، وإشخاص الرأس رفعه، وتصويبه خفضه، ومثل ذلك ما في حديث أبي حميد الساعدي الذي وصف فيه صلاة النبي ﷺ في عشرة من أصحابه، وهو في سنن أبي داود (٧٣٠) قال: «ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصب رأسه، ولا يقنع،،،»، يقال أقنع رأسه إذا رفعه، قال تعالى: «مهطعين مقنعي رؤوسهم»، وصبه إذا خفضه، لأن المصبوب شأنه النزول إلى أسفل.
وفي العتبية قال أشهب عن مالك لا يتطأطأ المصلي في الركوع، ولا يرفع رأسه فيه، وأحسنه اعتدال الظهر، وهو في النوادر جامع العمل في الصلاة.
стр. 528
وقوله «تجافي ضبعيك» أي تباعدهما عن جنبيك، والضبعان تثنية ضبع بفتح العين وسكون الباء، وسط العضد من الداخل، وجمعه أضباع، وقد تقدم في حديث عقبة بن عمرو الأنصاري أبي مسعود في وصف صلاة النبي ﷺ قال: «فلما ركع وضع يديه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، وجافى بين مرفقيه، حتى استقر كل شيء منه، رواه أبو داود (٨٦٣) والنسائي، وفي حديث أبي حميد في وصف الصلاة: «فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه»، رواه أبو داود (٧٣٤)، والترمذي (٢٦٠) وقال حسن صحيح، وقوله «وتر»؛ يعني جعل جنبه كالقوس، ويده كالوتر.
والمذهب عدم الدعاء في الركوع؛ لقول النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه حين خرج على الصحابة وهم في الصلاة: «يا أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وإني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم»، رواه مسلم، وأبو داود (٨٧٦) عن ابن عباس، قمن بكسر الميم وفتحها؛ حقيق، وفي قوله: «لم يبق من مبشرات النبوة،،»؛ إلماح إلى قرب وفاته، وفي خطابه لهم وهم في الصلاة جواز إصغاء المصلي وقتا يسيرا للمتكلم ممن هو خارج الصلاة، فأحرى إذا تعلق الأمر بإصلاحها، قال في المدونة: «كان مالك يكره الدعاء في الركوع، ولا يرى به بأسا في السجود»، وواضح من تفريقه ﵁ بينهما أن معتمده الحديث المتقدم، لكنه لا يدل على امتناع الدعاء في الركوع لأن تلك الدلالة دلالة مفهوم، ولأنه لو أخذ بها دون نظر في غير هذا الحديث لاقتضى ذلك ترك التسبيح في السجود، كما يترك الدعاء في الركوع، ولأن الحديث فيه النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، فلو كان الدعاء مثلها لنهي عنه، فكيف إذا جاء في الدعاء ما هو نص كحديث عائشة في الصحيحين (مسلم/ ٤٨٤)، و (سنن أبي داود ٨٧٧): «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»، يتأول القرآن، والظاهر أن الإمام يرى الدعاء في الصلاة حيث ورد به دليل، لعموم قوله المتقدم الذي رواه أبو داود، وقد ذكرته في الحديث على دعاء الاستفتاح، وقال في الموطإ في باب (العمل في الدعاء).
стр. 529
قال يحي: وسئل مالك عن الدعاء في الصلاة المكتوبة، فقال: لا بأس بالدعاء فيها».
وقوله: «وتعتقد الخضوع بذلك بركوعك وسجودك».
هذا ما ينبغي أن يكون عليه المصلي في كل حركاته وسكناته في صلاته، من حضور القلب، وخشوع الجوارح، واستحضار عظمة الله الذي يقف بين يديه ويناجيه، فيخضع له، ويذل، ويعتقد أنه متعبد بهذه الصور والكيفيات، وليست مجرد أشكال يأتيها، فإنه ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها، وهو قول لبعض الصحابة، وروى أحمد وأبو داود (٧٩٦) عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرجل لينصرف، وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها»، والانتهاء إلى النصف يشير إلى أن معظم الناس لا ينتفعون بصلاتهم كما ينبغي، ومن ثم لا يترتب عليها أثرها الكامل، ومنه ما أخبر الله تعالى به في قوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وإنما تقام الصلاة لذكر الله، والذكر ضد النسيان، فمن ذكر الله تعالى بقراءة القرآن وبالتسبيح والتحميد وغير ذلك، وكان قلبه غافلا غائبا فإن حصيلة صلاته ضئيلة، فإن الله تعالى إنما امتدح الخاشعين في الصلاة وأثبت لهم الفلاح، فمن لم يخشع فيها؛ فليس ممن أثبت لهم ذلك، قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، وقد روى أبو داود (١٢٩٦) عن عبد المطلب عن النبي ﷺ قال: «الصلاة مثنى مثنى، أن تشهد في كل ركعتين، وأن تباءس وتمسكن، وتقنع يديك وتقول: اللهم، اللهم، فمن لم يفعل فهي خداج»، ورواه الترمذي (٣٨٥) بنحوه عن الفضل بن عباس، وفيه: «وتخشع، وتضرع، وتمسكن»، وهو حديث ضعيف، والتبؤس إظهار البؤس والفاقة، والتمسكن إظهار السكون، أو المسكنة، وكذلك تخشع، وتضرع، والخشوع تذلل الباطن، والخضوع تذلل الظاهر، والتضرع الإلحاح في السؤال والدعاء، وفيه تكلف هذه الأشياء حتى تحصل للمرء.
وقد اختلف العلماء في صحة الصلاة إذا خلت من الخشوع، فذهب فريق إلى بطلانها، وعدم إجزائها، وقال آخرون بصحتها في الظاهر مع أنه لا يعتد في الثواب إلا بما
стр. 530
عقل منها، وهذا مؤيد بالحديث المتقدم، لكن يظهر أنه لا مناص من القول بشرطية الخشوع في جزء منها، وهو زمن النية، وقد حكى الاتفاق على هذا أبو الحسن في شرحه، فالله أعلم، ولابن القيم في كتابه مدارج السالكين كلام نفيس فانظره.
وروى أشهب عن مالك قال: قرأ عمر بن عبد العزيز في الصلاة، فلما بلغ ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ [الليل: ١٤]؛ خنقته العَبرة، فسكت، ثم قرأ فنابه ذلك، ثم قرأ فنابه ذلك، فتركها وقرأ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾، وهو في النوادر في باب التسبيح للحاجة.
وفي النوادر - باب جامع وهو آخر أبواب الصلاة - قيل: فالرجل يصلي لله سبحانه، ثم يقع في نفسه أنه يحب أن يعلم بذلك، أو يحب أن يلقى في طريق المسجد؟، قال: إن كان أول ذلك لله، لم يضره ذلك إن شاء الله، وإن المرء ليحب أن يكون صالحا، وربما كان من الشيطان ليمنعه ذلك، ولما قال النبي ﷺ : «ما شجرة لا يسقط ورقها في شتاء ولا صيف»؟، قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، وأردت أن أقوله، فقال له عمر: «لأن تكون قلته أحب إلي من كذا، وكذا»، ومثل هذا قد يكون في القلب لا يملك،،،».
والتخيير في قول المؤلف: «وتقول إن شئت: سبحان ربي العظيم وبحمده، وليس في ذلك توقيت قول، ولا حد في اللبث»، هو تخيير في نوع الذكر، لكونه قد وردت في الركوع أذكار أخرى غيره، فلم يروا إلزام المصلي بواحد منها، إذ الكل سنة، هذا هو الذي يظهر، وهذا المعنى هو الذي أرى أن يحمل عليه أيضا ما ورد عن الإمام من إنكار ذلك، فإنه منقول بالمعنى، وبعضه يفسر بعضا، من ذلك قوله في المدونة: «قال مالك في قول الناس في الركوع: «سبحان ربي العظيم وبحمده»، وفي السجود: «سبحان ربي الأعلى»؛ قال: لا أعرفه، وأنكره، ولم يحد فيه دعاء موقوتا، ولكن يمكن يديه من ركبته في الركوع، ويمكن جبهته وأنفه من الأرض في السجود، وليس لذلك عنده حد».
ومما ورد من أذكار الركوع والسجود ما جاء في حديث عائشة الصحيح وقد تقدم: «كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي».
ومن ذلك قولها: «كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سبوح قدوس،
стр. 531
رب الملائكة والروح»، وهو في صحيح مسلم، وسنن أبي داود (٨٧٢)، وسبوح بضم السين وفتحها المسبَّح، أي المبرأ من النقائص، وقدوس بالضبط السابق المقدس، أي الطاهر مما لا يليق به.
ومن ذلك قول عوف بن مالك الأشجعي أنه ﷺ قال في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة»، رواه أبو داود (٨٧٣) عن عوف بن مالك الأشجعي، والجبروت مبالغة في الجبر وهو القهر والغلبة، والملكوت مبالغة في الملك.
ومن ذلك ما في حديث حذيفة عند مسلم، وأبي داود (٨٧١) أنه ﷺ كان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم»، وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلى».
стр. 532
• قوله:
٧ - «ثم ترفع رأسك وأنت قائل: سمع الله لمن حمده، ثم تقول: اللهم ربنا ولك الحمد، إن كنت وحدك، ولا يقولها الإمام، ولا يقول المأموم: سمع الله لمن حمده، ويقول: اللهم ربنا ولك الحمد».
الرفع من الركوع ركن أيضا، يقول الفذ في بداية رفعه: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وله أن يقول: ربنا لك الحمد، واللهم ربنا ولك الحمد، وبدون واو، والمذهب أن الإمام يقول: «سمع الله لمن حمده»، ولا يقول: «ربنا ولك الحمد»، وأن المأموم يقول الثانية، ولا يقول الأولى، والحجة في ذلك قول النبي ﷺ : «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده؛ فقولوا اللهم ربنا لك الحمد، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه»، رواه مالك (١٩٤) وصاحبا الصحيح خ/ ٧٩٦) عن أبي هريرة، وموضع الحجة منه أنه ذكر ما يقوله الإمام، وما يقوله المأموم، والجواب أنه إنما أراد بيان وقت قول المأموم كلمة التحميد، وليس فيه نفي أنهما يقولان غير ذلك، وهذه المسألة نظير مسألة التأمين المتقدمة.
فأما قول الإمام «ربنا ولك الحمد»؛ فقد روى البخاري (٧٩٥) عن أبي هريرة قال: «كان النبي ﷺ إذا قال سمع الله لمن حمده، قال اللهم ربنا ولك الحمد، وكان إذا ركع وإذا رفع رأسه يكبر، وإذا قام من السجدتين قال: «الله أكبر»، ومثله حديث عبد الله بن أبي أوفى عند مسلم، وأبي داود (٨٤٦) قال: «كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع يقول: «سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد»، فهذا فيه إثبات قول الإمام ربنا ولك الحمد، وهذا أيصا في حديث ابن عمر في الموطإ وفي البخاري، لكنهم حملوه على صلاته منفردا وليس صحيحًا.
أما قول المأموم سمع الله لمن حمده؛ فلقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي»،
стр. 533
وبالقياس على الإمام، ولأن الأصل أن المصلي يناجي ربه، فلا ينبغي أن يفتر عن مناجاته، وإنما تقام الصلاة ليذكر فيها الله تعالى، وقال النووي: «ولأن الصلاة مبنية على أن لا يفتر عن الذكر في شيء منها، فإن لم يقل بالذكرين في الرفع والاعتدال بقي أحد الحالين خاليا منها»، (بالنقل عن كتاب تمام المنة ص (١٩١) للمحدث الألباني).
стр. 534
• قوله:
٨ - «وتستوي قائما مطمئنا مترسلا».
أشار بقوله تستوي إلى الاعتدال، الذي هو نصب القامة، قال أبو الحسن إنه سنة عند ابن القاسم في كل أركان الصلاة، واجب عند أشهب، وقول أشهب هو الحق، لقوله ﷺ : «لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل - يعني - صلبه في الركوع والسجود»، رواه أصحاب السنن الأربعة عن أبي مسعود الأنصاري، وصححه الترمذي (٢٦٥)، والصلب بضم الصاد هو الظهر، ولقوله ﷺ للمسيء صلاته: «ثم ارفع حتى تعتدل قائما»، وهو متفق عليه من حديث أبي هريرة.
وفي الصحيح (خ/ ٧٩١) أن حذيفة رأى رجلا لا يتم الركوع ولا السجود، قال: «ما صليت، ولو مت؛ مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدا ﷺ «، واقرأ هذا الحديث: إن الرجل ليصلي ستين سنة، وما تقبل له صلاة، ولعله يتم الركوع، ولا يتم السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع» وهو في الصحيحة، معزوا للأصبهاني في الترغيب برقم (٢٥٣٥.
لكن الذي يظهر أن نسبة القول بسنية الاعتدال، أولى أن ينسب للإمام، ففي العتبية من رواية ابن القاسم عن مالك في الذي يرفع من الركوع فلا يعتدل قائما حتى يسجد؛ قال: يجزئه، ولا يعود، وقال نحو ما تقدم فيمن رفع من السجود، لكن لا ينبغي أن يفهم من قوله هذا أنه لا يقول بالاطمئنان، وقد عرفت الفرق بينهما، وهو ما أشار إليه المؤلف بقوله مطمئنا، فإن الطمأنينة هي استقرار الأعضاء زمنا ما، وقد تكون من غير اعتدال، وهي فرض في المذهب، ودليل ذلك ما في حديث أبي هريرة من قوله ﷺ : «ثم اركع حتى تطمئن راكعا»، وذكر ذلك في السجود والجلوس بين السجدتين» فيجب المكث في الأركان من ركوع، ورفع منه، وسجود، ورفع منه؛ بقدر ما تستقر الأعضاء، وهو ما أشار إليه في المدونة: «قدر ذلك أن يمكن في ركوعه يديه من ركبتيه، وفي سجوده جبهته من الأرض، فإذا تمكن مطمئنا؛ فقد تم ركوعه وسجوده»، وإذا علمت أن الإمام مالكا يقول بركنية
стр. 535
الطمأنينة، وله رواية بعدم وجوب الاعتدال؛ فلا ينبغي التسوية بينه وبين الإمام أبي حنيفة الذي لا يرى وجوب الطمأنينة، لكن الشوكاني جمعهما معا في هذا الأمر، فانظر (نيل الأوطار: ٢/ ٢٨١).
وليس في المذهب ذكر بعد الرفع من الركوع، لذلك رأوا التطويل فيه مكروها، لكن قالوا إن من فعله لا سجود عليه، قال خليل في فصل سجود السهو ذاكرا ما لا سجود فيه: «كطول بمحل لم يشرع به على الأظهر»، وأفرط ابن شعبان فقال ببطلان صلاة فاعله كما في شرح زروق، ومما لا يشرع فيه التطويل عندهم أيضا الجلوس بين السجدتين، والحق أن الرفع من الركوع من مواطن الذكر والتطويل، لحديث أبي سعيد أن رسول الله ﷺ كان يقول سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، رواه مسلم، وأبو داود (٨٤٧).
стр. 536
• قوله:
٩ - «ثم تهوي ساجدا لا تجلس، ثم تسجد، وتكبر في انحطاطك للسجود، فتمكن جبهتك وأنفك من الأرض، وتباشر بكفيك الأرض، باسطا يديك مستويتين إلى القبلة، تجعلهما حذو أذنيك، أو دون ذلك، وكل ذلك واسع».
فيه تقديم اليدين قبل الركبتين في الهوي أي النزول للسجود، وأن لا يفصل النزول عن السجود بجلوس، ويستدل لتقديم اليدين في الهوي إلى السجود بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه»، رواه أبو داود (٨٤٠)، وروى هو (٨٤١) والترمذي (٢٦٩) عنه أن النبي ﷺ قال: «يعمد أحدكم فيبرك في صلاته كما يبرك الجمل»؟.
واعلم أن بروك الجمل يكون بتقديم يديه، وركبتاه فيهما، فمخالفته تكون بأن يقدم المصلي يديه؛ لأن ركبتيه ليستا فيهما، بل مع رجليه، وبذلك يتبين لك أن ما ظنه الحافظ ابن قيم الجوزية ﵀ من كون الحديث مقلوبا ليس صحيحا، بل الأمر فيه واضح، لكون ركبتي البعير في قائمتيه الأوليين، وقد ذكر هذا بعض علماء اللغة، وركبتا الإنسان ليستا في يديه، وهذه الكيفية في النزول للسجود وفي القيام منه مع قيام الدليل الصحيح عليها؛ هي الأقرب إلى التواضع، وأليق بالخشية، مع ما فيها من اليسر، والبعد عن التكلف، واحتمال السقوط، ولذلك يستغرب قول من قال إن تقديم الرجلين أرفق بالمصلي، وقال الشيخ العلامة العثيمين في (الشرح الممتع ٣/ ١٥٦): «،،، الوضع الطبيعي للبدن أن ينزل شيئا فشيئا، كما أنه يقوم من الأرض شيئا فشيئا، فالأسفل منه ينزل قبل الأعلى، وإذا قام شيئا فشيئا؛ فالأعلى يكون قبل الأسفل، وعليه فيكون هذا الذي عليه عامة أهل العلم هو الموافق للمنقول والطبيعة»، انتهى.
قلت: بل الوضع الطبيعي في القيام والنزول هو تقديم اليدين نزولا وتأخيرهما صعودا، فهذا هو الذي نراه في قيام الناس وجلوسهم في غير الصلاة، لا يختلف في ذلك اثنان، يعتمدون على أيديهم ليسر ذلك عليهم، فإن الذي يرجع على صدور قدميه يوشك
стр. 537
إن لم يتثبت أن يسقط على قفاه، وقد أشار إلى هذا المعنى مالك ﵀ في قوله: «كذلك صلاة الناس في الاعتماد على اليدين، فأما الوثوب فهذا يريد أن يصارع»!! (النوادر باب جامع العمل في الصلاة)، فعضد ﵀ النقل بما يتفق مع الطبيعة، فإنه قال أيضا: «ما رأيت من أقتدي به يرجع على صدور قدميه».
وقد ورد ما يدل على تقديم الركبتين في النزول وتأخيرهما في النهوض من فعل النبي ﷺ كما في حديث عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه قال: «رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه»، رواه أبو داود (٨٣٨)، والترمذي (٢٦٨)، وحسنه، لكن فيه شريك بن عبد الله القاضي الكوفي، وهو صدوق يخطئ كثيرا، وفيه عبد الجبار بن وائل، وهو لم يسمع من أبيه، وروى نحوه أبو داود (٨٣٩) عن عاصم بن كليب عن أبيه مرفوعا، ووالد عاصم هو كليب بن شهاب لم يدرك النبي ﷺ ، فحديثه مرسل، قال ابن العربي في (العارضة ٢/ ٦٩): «والترجيح بين الحديثين من طريق الأصول لو صحا وجهل تاريخهما، ولم يقم دليل من السنة بقوة أحدهما؛ أن المكلف مخير بينهما، وإذا كانا ضعيفين؛ فالهيئة التي رأى مالك منقولة في صلاة أهل المدينة فترجحت بذلك على غيره» انتهى، وهو الذي ذهب إليه صاحب التلقين.
والسجود يكون على سبعة أعضاء، قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أسجد على سبعة آراب»، رواه الشيخان وأبو داود (٨٩٠)، عن ابن عباس، والآراب هي الأعضاء، جمع إرب بكسر الهمزة، وسكون الراء، وقد بُينت في رواية مسلم وأبي داود وهي الوجه، والكفان، والركبتان، والقدمان».
والمذهب سنيّة السجود على هذه الأعضاء غير الجبهة؛ فإن السجود عليها واجب، أما الأنف فقيل إن السجود عليه مندوب، وهو قول ابن القاسم كما في المدونة، فمن سجد على الجبهة دونه أعاد في الوقت، ومن سجد على الأنف وحده أعاد أبدا، قال خليل: «وسجود على جبهته، وأعاد لترك أنفه بوقت»، وقد ذهب ابن حبيب إلى وجوب السجود عليهما معا، قال: «ولا يجزئه عندي في الوجهين»، يعني السجود على واحد منهما، والظاهر وجوب السجود عليهما لما ورد في بعض روايات مسلم لحديث ابن عباس: «أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر ولا الثياب: الجبهة والأنف واليدين،،، الحديث، بل جاء عند الدار قطني نفي صلاة من لم يُصب أنفه من الأرض ما يُصيب جبينه،
стр. 538
وقد ورد ذلك من الفعل كما في حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ رئي على جبهته وعلى أرنبته أثر طين من صلاة صلاها بالناس»، متفق عليه، وانظر سنن أبي داود (٨٩٤)، والأرنبة طرف الأنف فوق الحاجز الذي بين المنخرين.
ومن الأدلة على مباشرة الأرض بالكفين؛ قول سعد بن أبي وقاص: «أمر النبي ﷺ بوضع اليدين، ونصب القدمين»، رواه الترمذي (٢٧٧)، وقال عن الحكم الوارد في الحديث: «وهو الذي أجمع عليه أهل العلم واختاروه»، وقد حسن الألباني هذا الحديث، وفي صحيح مسلم (٤٩٤) من حديث البراء مرفوعا: «إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك».
أما جعل اليدين حذو الأذنين في السجود؛ فلما في حديث أبي حميد عند أبي داود وغيره في صفة صلاة النبي ﷺ : «ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه،،، الحديث، وفي الصحيح من حديث وائل بن حجر في وصف الصلاة: «فلما سجد؛ سجد بين كفيه»، مسلم/ ٤٠١)، وله عند أبي داود (٧٣٦) «فلما سجد وضع جبهته بين كفيه، وجافى عن إبطيه»، وهو منقطع، وروى مالك في الموطإ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: من وضع جبهته بالأرض؛ فليضع كفيه على الذي يضع عليه جبهته، ثم إذا رفع؛ فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه»، وجاء نحو هذا مرفوعا عن ابن عمر عند أبي داود والنسائي وأحمد.
أما توجيه اليدين في السجود إلى القبلة؛ فلأنهما يوضع الرأس بينهما، ولأنهما عضوان من المصلي يسجدان، وهو ملزم بأن يتجه إلى القبلة، فكذا ما أمكن من أعضائه، وبالقياس على توجيه الرجلين إلى القبلة مع ما في توجيههما من الكلفة بخلاف اليدين، وفي المدونة من قول الإمام: «يوجه يديه إلى القبلة».
واعلم أن الخرور للسجود ينبغي أن يكون بسكينة ووقار، وأن لا ينزل المصلي سريعا كالسهم كما نراه عند بعضهم زاعمين أن هذا هو الخرور، ذلك أن المصلي مطالب بالهدوء والسكينة قبل أن يدخل الصلاة، فكيف به وهو فيها؟، كما يتعين على المأموم أن لا ينزل للسجود حتى يرى إمامه قد بلغه، وقد صح ذلك من فعل الصحابة مع النبي ﷺ كما في حديث البراء في الصحيحين (خ/ ٨١١).
стр. 539
• قوله:
١٠ - «غير أنك لا تفترش ذراعيك في الأرض، ولا تضم عضديك إلى جنبيك، ولكن تجنح بهما تجنيحا وسطا، وتكون رجلاك في سجودك قائمتين، وبطون إبهاميهما إلى الأرض».
افتراش الذراعين أن يبسطهما على الأرض، وهو منهي عنه، لقوله ﷺ : «اعتدلوا في السجود، ولا يفترش أحدكم ذراعيه افتراش الكلب»، متفق عليه من حديث أنس، وانظر سنن أبي داود (٨٩٧)، ورواه الترمذي (٢٧٥) عن جابر، وقال: «حسن صحيح»، وفي المدونة: «أكره أن يفترش الرجل ذراعيه في السجود».
وفي حديث مالك بن بحينة الصحيح خ/ (٨٠٧) أنه ﷺ كان إذا صلى فرج يديه حتى يبدو بياض إبطيه»، وهذا صالح للركوع والسجود، إذ لم يخص واحدا منهما، قال ابن العربي في (العارضة ٢/ ٦١): «وهو أكمل في الهيئة، وأشد في التكليف، وكثير من الناس يغفلون عنه، فيلصقون أعضاءهم بأجسامهم»، أقول وكثير من الناس يبالغون فيه فيتجاوزون الحد المطلوب، ويكادون يلصقون بطونهم بالأرض، وقد نبه المؤلف إلى التوسط في التجنيج، بحيث لا يبالغ فيه، وَحَده أن لا يحمل بطنه على فخذيه، كما جاء ذلك في رواية أبي داود (٧٣٥) لحديث أبي حميد: «إذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه».
ومن المطلوب في السجود أن يمد المصلي ظهره، ويرفع عَجيزته - بفتح العين وكسر الجيم - ويجافي عضديه عن جنبيه، دل على ذلك حديث ميمونة عند مسلم (٤٩٦) قالت: «كان النبي ﷺ إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت»، والبهمة بفتح الباء وسكون الهاء جمعها بهم بضمها صغار الغنم مطلقا، ومرور البهمة لا يكون مع شدة الانبساط في التمدد، وقد نبه مالك إلى هذا التوسط في التجنيح، ففي المدونة قلت لابن
стр. 540
القاسم: ما قول مالك في سجود الرجل في صلاته؟، هل يرفع بطنه عن فخذيه، ويجافي بضبعيه؟، قال: نعم، ولا يفرج ذلك التفريج، ولكن تفريجا متقاربا»، ويعني بالإشارة إلى البعيد المبالغة.
أما هيئة الرجلين التي ذكرها، وهي كون الرجلين قائمتين وبطون إبهامهما إلى الأرض، فيدل عليها ما في صحيح البخاري (٨٢٨) من حديث أبي حميد الساعدي في وصف صلاة النبي ﷺ قال: «فإذا سجد وضع يديه غير مفترش، ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة».
قال الحافظ: «قال الزين بن المنير: «المراد أن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما، وعقباه مرتفعتان، فيستقبل بظهور قدميه القبلة»، وقال أخوه: ومن ثم ندب ضم الأصابع في السجود لأنها لو تفرجت انحرفت رؤوس بعضها عن القبلة».
وقال في التلخيص الحبير (ح/ ٣٨٥): «وفي حديث أبي حميد عند البخاري: «فإذا سجد وضع يديه غير مفترش، ولا قابضهما إلى القبلة»، وما وقفت عليه هو ما نقلته باللفظ المتقدم عن البخاري.
стр. 541
• قوله:
١١ - «وتقول إن شئت في سجودك: «سبحانك ربي ظلمت نفسي، وعملت سوءا، فاغفر لي»، أو غير ذلك إن شئت، وتدعو في سجودك إن شئت، وليس لطول ذلك وقت، وأقله أن تطمئن مفاصلك متمكنا».
جاء الحض على الدعاء في السجود في قول النبي ﷺ : «أما الركوع؛ فعظموا فيه الرب، وأما السجود فادعوا فيه بما شئتم، فقمن أن يستجاب لكم»، وهذا مقيد بما ليس إثما، ولا قطيعة رحم، وقمن معناه حقيق وقال ﷺ : «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء»، رواه مسلم، وأبو داود (٨٥٧) وصح قول النبي ﷺ في ركوعه: «سبحان ربي العظيم»، وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلى»، وورد ما يدل على عدد ما يقال كما في حديث لأبي داود (٨٨٥) عن السعدي عن أبيه أو عن عمه قال: رمقت النبي ﷺ في صلاته فكان يتمكن في ركوعه وسجوده قدر ما يقول: «سبحان الله وبحمده ثلاثا»، لكن فيه السعدي قال في التقريب لا يعرف، ولم يسم»، وصححه الألباني، وورد العدد ثلاثا في حديث عون بن عبد الله عن ابن مسعود مرفوعا: «إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات سبحان ربي العظيم، وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل: «سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه»، رواه أبو داود (٨٨٦)، وقال هذا مرسل، عون لم يدرك عبد الله»، يعني أنه منقطع، وورد تكرير التسبيح في الركوع أكثر من مرة في حديث حذيفة في ذكره صلاة النبي ﷺ في الليل، وهو عند أبي داود (٨٧٤).
ومما كان النبي ﷺ يقوله في السجود والركوع: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح»، وكان يقول فيهما: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»، متفق عليه من حديث عائشة، ومن دعائه في السجود: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره»، رواه مسلم وأبو داود (٨٧٨)، عن أبي هريرة، والدق بكسر الدال القليل،
стр. 542
والجل بكسر الجيم الكثير، ومن دعائه فيه: «أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»، روياه أيضا عن عائشة، (د/ ٨٧٩)، وفيه الاستعاذة بصفات الله تعالى كالرضا والمعافاة، وفيه الاستعاذة بصفات الله وبصفاته كالرضا والمعافاة، ولهذا لم يحد أهل المذهب في الذِّكْر والدعاء في الركوع والسجود شيئا، لكن يظهر أن للمكلف أن يتخير من الدعاء النبوي ما يراه، بعد قوله في الركوع سبحان ربي العظيم وترا، وفي السجود سبحان ربي الأعلى كذلك، وقد علمت ما ورد في العدد، والله أعلم.
قال مالك في المجموعة: «ولا بأس أن يدعو في صلاته بحوائج دنياه، وقد كان عندنا رجل يدعو في صلاته، فلا يقول إلا اللهم ارزقني، وهو كثير الدراهم، فلا أحب هذا، وليحتط، وقد دعا الصالحون، فليدع بما دعوا، وبما في القرآن: «ربنا لا تؤاخذنا»، الآية، قيل: أفيدعو في كسوته؟، قال: أيريد أن يذكر السراويل؟!!، ليدع بما دعا الصالحون»، انتهى، وقد كنت أسمع بعض الناس يدعو في صلاته: اللهم أعطني الخبز، اللهم أعطني الماء، وأنا أعرف أنه لا حاجة إليه في ذلك، فأستحسن ما أسمع من حيث إظهاره الفقر والحاجة مع الكفاية، وكنت لا أملك إذا سمعته سوابق العَبرة، ونزول الدمعة، فإن الخلق محتاجون إلى ربهم لا غنى لهم عن نواله طرفة عين، لكن خير الدعاء أجمعه.
стр. 543
• قوله:
١٢ - «ثم ترفع رأسك بالتكبير، فتجلس، فتثني رجلك اليسرى في جلوسك بين السجدتين، وتنصب اليمنى، وبطون أصابعها إلى الأرض، وترفع يديك عن الأرض على ركبتيك، ثم تسجد الثانية كما فعلت أولا».
هذا الرفع من أركان الصلاة، وهو للفصل بين السجدتين، ولا بد فيه من الاطمئنان والاعتدال كما مر في حديث المخطئ صلاته من قوله ﷺ : «ثم اجلس حتى تطمئن جالسا»، وصفة الجلوس بين السجدتين أن تثني رجلك اليسرى، وتنصب رجلك اليمنى وأصابعها إلى القبلة، وتضع يديك على فخذيك، وقد اختلف فيمن لم يرفع يديه عن الأرض هل تصح صلاته أو لا، والمشهور الصحة، ولم يذكر المؤلف هل يفترش المصلي رجله اليسرى أو يتورك، ويبدو لي من حديثه الآتي عن الجلسة الأخيرة حيث قال: «وثنيت اليسرى، وأفضيت بأليتيك إلى الأرض، ولا تقعد على رجلك اليسرى»؛ أنه يرى الافتراش، أو التخيير، وإلا فإن مشهور المذهب أن الجلوس في الصلاة كلها يكون بالتورك.
قال خليل: «والجلوس كله بإفضاء اليسرى للأرض»، وهذا أحد أقوال العلماء في المسألة، والثاني أن الجلوس كله بالافتراش، والثالث أنه كله بالافتراش إلا الجلوس الأخير، وهذا المذهب هو الحق لأن فيه الجمع بين الأحاديث الواردة في وصف صلاة النبي ﷺ بحمل مطلقها على مقيدها، وثمة قول للإمام أحمد بالافتراش في الصلاة ذات الجلوس الواحد، والله أعلم.
وفي الموطإ (١٩٨) (خ/ ٨٢٧) عن ابن عمر: «إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني رجلك اليسرى،،،»، وهذا كما ترى مجمل لأن ثني اليسرى يمكن أن يكون مع التورك ومع الافتراش، وفيه أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى، وثنى رجله اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ولم يجلس على قدمه، ثم
стр. 544
قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك»، وهذا جلوس التشهد وهو عموم يشمل الأول والثاني.
وقد استدل في مسالك الدلالة لقول المؤلف في الجلوس بين السجدتين بحديث أبي حميد في وصف الصلاة: «ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها»، وهذا من حيث الحكم حق، لكن الاستدلال به هنا ليس كما ينبغي، لما علمت من أن صفة الجلوس كله في المذهب هو التورك، وستأتي بقية الكلام على كيفية الجلوس
والمشهور أن الجلوس بين السجدتين لا يكره فيه الدعاء، قال خليل: «لا بين سجدتيه»، وقيل بالكراهة، قال في النوادر: «وليس بين السجدتين دعاء ولا تسبيح، ومن دعا فليخفف»، والحق أن الدعاء فيه مطلوب، فقد ورد أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي، رب اغفر لي»، رواه النسائي عن حذيفة، ويقول: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني»، رواه الترمذي (٢٨٤) عن ابن عباس، واجبرني أصله من جبر الكسر، فيشمل طلب جبر الكسر الحسي والمعنوي، وقد أثبت هذا الدعاء أو بعضه زروق، وعمر بن سداق، والنفراوي، وغيرهم.
стр. 545
• قوله:
١٣ - «ثم تقوم من الأرض كما أنت معتمدا على يديك، لا ترجع جالسا لتقوم من جلوس، ولكن كما ذكرت لك، وتكبر في حال قيامك، ثم تقرأ كما قرأت في الأولى، أو دون ذلك، وتفعل مثل ذلك سواء».
هذا القيام الذي تحدث عنه هنا من الركعة الفرد، هو الذي تعقبه جلسة الاستراحة عند فريق من أهل العلم، ويكون قبل القيام إلى الثانية والرابعة، وقد ورد في حديث مالك بن الحويرث الليثي أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا»، رواه البخاري (٨٢٣)، والترمذي (٢٨٧)، وهي جلسة خفيفة ليس فيها ذِكْر، ولا بعد النهوض منها تكبير، ولم يقل بها الأئمة عدا الشافعي ورواية عن أحمد، قيل إنه رجع إليها.
وقد عورض ذكر مالك بن الحويرث لجلسة الاستراحة؛ بعدم ذكر غيره لها ممن وصف الصلاة كأبي حميد الساعدي، ورد بأن أبا داود (٧٣٠) روى عنه ذكرها في وصف الصلاة بمحضر عشرة من الصحابة، فأقروه على ذلك، ومما جاء في وصفه بعد ذكر السجدة الثانية: «ويرفع رأسه، فيثني رجله اليسرى، فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك».
وعورضت أيضا بعدم ذكرها في حديث المخطئ في صلاته، وليس بجيد، لأن كثيرا من الأحكام لم تذكر في ذلك الحديث، ولأنها ليست من أركان الصلاة، ولا من واجباتها عند من قال بها، على أن البخاري (٦٢٥١) قد روى في كتاب الاستئذان عن أبي هريرة قصة المسيء صلاته، وفيها ذكر هذه الجلسة، حيث قال النبي ﷺ للرجل: «،،، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا،،،»، لكن البخاري رجح رواية أبي أسامة، وفيها: «وارفع حتى تطمئن قائما».
قلت: وفي هذه الرواية من حيث المعنى شيء، لأن اشتهار الاطمئنان في القيام لا يحتاج معه إلى تقييده به، فإن القراءة التي أمره بها النبي ﷺ لا تتم إلا بزمن يقع فيه الاطمئنان، وقد اعتمد
стр. 546
الحافظ في الفتح ترجيح البخاري، لكنه قال في التلخيص الحبير (ح/ ٣٩٠): «إنها في حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته عند البخاري في كتاب الاستئذان».
وعورضت أيضا بأن النبي ﷺ قال: «لا تبادروني بركوع ولا بسجود، فإنه مهما أسبقكم به؛ إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت، إني قد بدنت»، رواه أبو داود (٦١٩) عن معاوية بن أبي سفيان، و «بدنت» بتشديد الدال؛ كبرت وأسننت، قاله ابن الأثير، ومعناه أنه كان يفعلها لكبر سنه، بحيث لا يقدر على القيام من السجود إلى الركعة الموالية، وهذا يتضح ضعفه بأمور: أولها: أن النهي عن مبادرته بالقيام والقعود لا يلزم منه أن تكون تلك الجلسة معللة بما ذكر، وثانيها: أن أفعاله ﷺ على المشروعية حتى يرد ما ينقلها عنها، لقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فلو كانت هذه الجلسة مما لا يشرع الاقتداء به فيه ﷺ ؛ لاستثناها من عموم قوله، لأنه مكلف بالبيان، وثالثها أن من جلس بعد السجود هنيهة، يكون ذلك أشق عليه مما لو قام دون جلوس، لأنه يزيد من الحركات.
وقد قال بهذه الجلسة القاضي أبو بكر بن العربي، كما في عارضة الأحوذي (٢/ ٨٢): «وهذا حسن في صفة القيام، ولم يره مالك»، وقال: «وقد روي عن علمائنا أنه إن أتى بهذه الجلسة سهوا فعليه السجود، وهذا وهم عظيم».
قلت: ما قاله العلماء من السجود صحيح، لأن هناك فرقا بين من أتى بهذه الجلسة تسننا، ومن أتى بها غير معتقد مشروعيتها، بل فعلها سهوا.
والذي يظهر أن المصلي إذا علم أن إمامه لا يأتي بها؛ فالأولى أن يتركها لأن متابعة الإمام أرجح من هذه الجلسة، لما في فعلها من المخالفة الظاهرة، فإن كان المصلي إماما أتى بها، ومن علم بذلك من المأمومين؛ كان مطالبا بالإتيان بها متابعة له كذلك، أما القول بأن التأخر عن الإمام في هذه الجلسة خفيف، يشبه التأخر عنه في حال القيام حتى يسجد؛ فلا يستقيم التنظير به، لأن تأخر القائم حتى يسجد إمامه ليس فيه مخالفة، ولو كان كذلك لكان منصوصا، وما نحن فيه ليس كذلك، والله أعلم.
стр. 547
• قوله:
١٤ - «غير أنك تقنت بعد الركوع، وإن شئت قنت قبل الركوع بعد تمام القراءة».
المراد بالقنوت الدعاء بخاصة في صلاة الصبح في محل مخصوص، وهو فضيلة في المشهور من المذهب، ومن تركه لا سجود قبلي عليه، بل قال بعضهم إن سجد له قبل السلام بطلت صلاته، قال في المدونة: «فمن نسي القنوت في صلاة الصبح لا سهو عليه»، وقد نص الباجي في كتابه (إحكام الفصول، في أحكام الأصول)؛ على أن مذهب مالك أن هذا القنوت يفعل ويترك، ولعل مرد ذلك إلى قول مالك فيما رواه ابن وهب عنه «القنوت في صلاة الصبح ليس بسنة»، يعني بنفي السنة عنه أنه لا يداوم عليه، لا أنه لا يشرع، وهذا كما قال في حديث الصلاة قبل المغرب: «خشية أن يتخذها الناس سنة»، لكن روى علي بن زياد عن مالك أن من تركه عمدا يعيد الصلاة، ذكره القرطبي في تفسير سورة آل عمران في الآية (١٢٨) وأخذ منه القرطبي أنه يقول بسنيته، لأن مذهب علي بن زياد بطلان الصلاة بعدم السجود للسنن، ويظهر أن هذا ليس كلام مالك، بل قول علي بن زياد كما في شرح الشيخ زروق.
أما موضع القنوت؛ فهو في الركعة الثانية بعد تمام القراءة على المشهور، وقالوا إن الحكمة في ذلك تطويل الركعة حتى يدركها من تأخر، وقيل بعد الرفع من الركوع، وهذا هو الذي رجحه المصنف.
وبقطع النظر عن خصوص القنوت الذي قال به المالكية والشافعية؛ فقد ورد الحديث بالقنوت قبل الركوع وبعده، والأخير هو الغالب، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قنت بعد الركوع»، ورويا عن ابن سيرين قلت لأنس: «قنت
стр. 548
رسول الله ﷺ في الصبح»؟، قال نعم، بعد الركوع يسيرا»، وفي الصحيحين عن عاصم الأحول قال: «سألت أنسا عن القنوت أكان قبل الركوع أم بعده»؟، قال: «قبله»، قلت: «فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع»، قال: «كذب، إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرا»، ومعنى قوله: «كذب»؛ أخطأ، وهي لغة الحجازيين، وفي المدونة قال مالك في القنوت في الصبح: كل ذلك واسع، قبل الركوع وبعد الركوع،،، والذي آخذ به في خاصة نفسي قبل الركوع»، وقال البيهقي: «رُوَاة القنوت بعد الركوع أكثر وأحفظ وعليه دَرَجَ الخلفاء الراشدون»، كذا في نيل الأوطار
لكن هذه النصوص أو بعضها إنما تصلح للاستدلال على موضع القنوت الذي دلت الأدلة الصحيحة على مشروعيته، وهو قنوت النوازل في جميع الصلوات، فالاستدلال بها على القنوت الذي قال به المالكية والشافعية في صلاة الصبح مع عدم القول بقنوت النوازل ليس كما ينبغي، وهو الذي فعله الحافظ الغماري في مسالك الدلالة.
ويمكن القول بعدم وجود حديث صحيح صريح في هذا القنوت، ومع ذلك فهو خلافية كبرى لما في النصوص من الاحتمال، مع كثرة من كان على هذا الأمر من السلف حسب نقلة الأخبار منهم الخلفاء الأربعة، وغيرهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة الأمصار، مع تعارض النقل عن كثير منهم نفيا وإثباتا، ويبدو أن المنفي عن بعضهم هو هذا القنوت، وأن المثبت غيره، وقد سمى الحازمي في الاعتبار منهم نحو الأربعين، وقال قبل ذلك: «اتفق أهل العلم على ترك القنوت من غير سبب في أربع صلوات، وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، واختلف الناس في القنوت في صلاة الصبح،،،».
ومن أشف ما استدل به المثبتون لهذا القنوت؛ ما رواه الدارقطني بسند صحيح عن أنس قال: «ما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا»، وهذا ليس صريحا فيما نحن بصدده، فإن للقنوت معاني منها الطاعة، والسكوت، والخشوع، وطول القيام، وغيرها، ويظهر أن معنى الحديث المتقدم طول القيام، كما قال النبي ﷺ : «أفضل الصلاة طول القنوت»، رواه مسلم (٧٥٦) عن جابر، وقد تقدم دليل تطويل النبي ﷺ
стр. 549
القراءة في صلاة الصبح، حتى سميت في كتاب الله قرآن الفجر، ومع هذا الاحتمال لا يصح الاستدلال، وروى مسلم وأبو داود (١٤٤١) والترمذي (٤٠١) وقال حسن صحيح عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ كان يقنت في صلاة الصبح والمغرب»، وهذا كما ترى لا حجة فيه، لأن القائلين بالقنوت في الصبح لا يرونه في المغرب، وقد تقدم نقل الحازمي الاتفاق على عدم القنوت في الصلوات الأربعة لغير سبب، فما قالوه في ترك القنوت في المغرب يقال لهم في ترك القنوت في الصبح، والظاهر أن المراد في حديث البراء هذا هو قنوت النوازل، وذكر البراء لصلاتي المغرب والصبح لا ينفي القنوت في غيرهما، قال الترمذي: «وقال أحمد وإسحاق لا يقنت في الفجر، إلا عند نازلة تنزل بالمسلمين، فإذا نزلت نازلة؛ فللإمام أن يدعو لجيوش المسلمين»، والنوازل جمع نازلة، وهي ما ينزل بالمسلمين من النوائب كحربهم للكفار، والأمراض العامة، والجوائح ونحو ذلك، وقد ذهب ابن حزم إلى أن القنوت في جميع الصلوات حسن لسبب ولغيره.
ويمكن أن يحمل ما ثبت عن الخلفاء وغيرهم على هذا القنوت، أعني قنوت النوازل لما رواه الترمذي (٤٠٢) وابن ماجة وغيرهما عن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: «يا أبت إنك صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب هاهنا بالكوفة نحوا من خمس سنين، أكانوا يقنتون»؟، قال: «أي بني محدث»، فهذا إما أن يحمل على أنه لم يعرف القنوت مطلقا كما قال ابن حزم، أو يحمل على نفي قنوت خاص دائم، وهو الذي قال به الإمامان في الصبح، ولا يصح أن يقال إنه نفى القنوت مطلقا، فقد تقدم إثباته في النوازل، ولأن السؤال كان عن القنوت في صلاة الصبح بخاصة، يدل عليه ما في رواية ابن ماجة لهذا الحديث: «أكانوا يقنتون في الفجر»؟.
أما قنوت النوازل؛ فأدلة إثباته كثيرة منها حديث أبي هريرة عند الشيخين وأبي داود (١٤٤٢) قال: «قنت رسول الله ﷺ شهرا في صلاة العتمة يقول في قنوته: «اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف»، قال أبو هريرة: «وأصبح
стр. 550
رسول الله ﷺ ذات يوم فلم يدع لهم، فذكرت ذلك له، فقال: «وما تراهم قد قدموا»؟، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود (١٤٤٣) «أنه ﷺ قنت شهرا متتابعا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سليم على رعل وذكوان وعصية، ويؤمن من خلفه»، ومن ذلك ما ورد عن أنس أن النبي ﷺ قنت شهرا بعد الركوع يدعو على أحياء من العرب، ثم تركه»، رواه البخاري ومسلم، وفي رواية منه لأحمد والدارقطني (صفة القنوت ومواضعه: ١٠) زيادة: «وأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا»، وهذا الاستثناء لو صح يدل على القنوت الذي ذهب إليه الإمامان مالك والشافعي، لأنه لا يصح أن يكون القنوت الذي أثبته في الصبح بمعنى طول القيام، وهو مخالف للقنوت الذي أخبر أنه تركه بعد شهر؛ إلا على بعد، لكن في سنده أبو جعفر الرازي، وقد وثقه قوم، ووصفه آخرون بالغلط والخطإ والخلط وسوء الحفظ، ومن أدلة قنوت النوازل وهي أقوى مما تقدم في النفي قول أنس: «كان رسول الله ﷺ لا يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على آخرين»، رواه ابن خزيمة وصححه كما قال الحافظ في بلوغ المرام.
ومع ما تقدم من كون مذهب مالك مشهوره القنوت في الصبح؛ فإني أميل إلى أن مذهبه الذي مات عليه ترك القنوت فيه، فيكون هو الذي رجع إليه بعد القول بسنيته تارة، وبفضيلته تارة أخرى، كما تقدم، والدليل على ذلك أنه ترجم في موطإه بقوله: (القنوت في الصبح) ثم روى تحت الترجمة «عن نافع أن عبد الله ابن عمر كان لا يقنت في شيء من الصلاة».
قلت: بل روي عنه أنه قال بدعة، وأستبعد أن لا يكون مالك قد اطلع على النصوص المتعلقة بهذا الأمر مما ينفيه أو يثبته كما تقدمت الإشارة إليه، ولا سيما النقل عن الخلفاء الراشدين وهم بالمدينة، وسبب عدم إيراده شيئا منها أنها لما تعارضت عنده ظاهرا كما قد علمت أثبت أثر ابن عمر كما يفعل كثيرا في مثل هذه المواضع، مع ما عرف عن ابن عمر من شدة تمسكه بالسنة، فيكون هذا مذهبه الذي انتهى إليه، وموطِأه مقدم على غيره لكونه
стр. 551
ما زال يمارسه ويدرسه بخلاف ما أخذ عنه في زمان محدود، أما ترجيح كثير من العلماء للمدونة أو غيرها على الموطإ فإن لذلك دوافع وأسبابا لا يتسع المقام لذكرها.
قال الباجي: «لم يدخل في الترجمة ما فيه قنوت على معتقده من القنوت في الصبح، بل أدخل فعل ابن عمر مخالفا لمعتقده»، انتهى.
قلت: كونه مخالفا لمعتقده محتاج إلى دليل فأين هو؟، ولم لا يكون هو معتقده الأخير؟.
وقال ابن عبد البر: «لم يذكر في رواية يحي غير ذلك، وفي أكثر الموطآت بعد حديث ابن عمر: «مالك عن هشام بن عروة أن أباه كان لا يقنت في شيء من الصلاة ولا في الوتر، إلا أنه كان يقنت في صلاة الفجر قبل أن يركع في الركعة الأخيرة إذا قضى قراءته»، انتهى.
قلت: ومالك يقدم ابن عمر في الإئتساء على عروة كما هو معلوم، ومما يؤيد ما ذهبت إليه أن يحي بن يحي الليثي كان لا يرى القنوت في الصبح مخالفا لعلماء المذهب قاطبة، بل صرح بأنه بدعة كما في شرح زروق، وقد كنت أربط بين مذهبه هذا وبين ما في تلك الترجمة من الموطإ، ثم وقفت على كلام لابن ناجي يرى فيه هذا الربط، قال: «وقال يحي بن يحي لا يقنت، وإنما قال ذلك لما في الموطإ: «كان ابن عمر لا يقنت، قال بعض الشيوخ: واستمر العمل بعد ذلك في مسجد يحي بعد موته»، انتهى.
وقال ابن حزم في (المحلى المسألة ٤٥٩): «وكان يحي بن يحي الليثي، وبقي بن مخلد لا يريان القنوت، وعلى ذلك جرى أهل مسجديهما بقرطبة إلى الآن».
فإن قلت: فما العمل فيما إذا كان الإمام لا يرى القنوت وبعض من خلفه يراه، والحاكم يلزم الإمام به؟، فالجواب: أنه لا ينبغي التدخل في أمر العبادات، بحيث يرغم المرء على فعل ما لم يقتنع به منها، أو ترك ما يراه مشروعا مطلوبا منها، فإن حصل فقد علمت ميلي إلى أن مذهب مالك تركه، فمن اقتنع به فذاك، وإلا فإن القنوت عند أهل المذهب يكون قبل الركوع وبعده، فليطل الإمام القيام بعد الركوع، ويدعو بالدعاء الذي ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقوله، ومن شاء من المصلين أن يدعو بدعاء القنوت المشهور
стр. 552
عند المالكية أو بغيره فليفعل، أما إن كان المأموم غير مقتنع بالقنوت، وإمامه يقنت؛ فليقرأ القرآن إذا سكت إمامه وكان يأتي بالقنوت قبل الركوع، أو يدعو إذا كان إمامه يأتي بالقنوت بعد الركوع، فذلك إن شاء الله خير من السكوت، فإن المصلي يناجي ربه كما تقدم، ولا سكوت في الصلاة دون أن يكون المأموم منصتا، والله أعلم.
وليحذر من اقتنع بعدم مشروعية هذا القنوت، او اتبع من لا يرى تلك المشروعية أن يصفه بالبدعة أو يلوم من يفعله، فإن هذا من ضيق العطن أو قلة العلم، وليستحضر ما نقله ابن القيم عن الإمام أحمد حين سئل عن الصلاة خلف من كان يقنت من أهل البصرة، فقال: «قد كان المسلمون يصلون خلف من يقنت وخلف من لا يقنت»، بالنقل عن صحيح فقه السنة لأبي مالك (١/ ٣٦٧).
ومما يذكر هنا أن بعضهم يرى أنه لا قنوت في النوازل إلا بإذن الإمام، وقد روي ذلك عن الإمام أحمد، ولعل قائل ذلك قد سمع فتوى بعض أهل العلم المعاصرين، فظن أن هذا الأمر مما تستوي فيه البلدان، وما ظنه ليس بصحيح.
ومما قلته في كتابي (المخرج من تحريف المنهج): وإن شئت أن أضرب لك مثلا؛ ذكرت من المسائل المعاصرة أمرين مرتبطين بهذه الحرب التي شنها الكفار على أرض الإسلام: أحدهما قنوت النوازل أثناء هذه الحرب التي شنتها أمريكا وأنجلترا ومن تحالف معهما على العراق، إذ رفع بعضهم عقيرته يعارض هذا القنوت، لأنه سمع فتوى لبعض العلماء يشترط فيه إذن الحاكم، وغالب ظني أنه سمع كلاما لبعض علماء المملكة السعودية يرون اشتراط إذن الحاكم مراعاة لأوضاع بلدهم، مع وجود تلك الرواية عن أحمد، وقد قلت يومها: إن هذا قول صدر في ظرف خاص، ولموجب رآه أهل العلم لبلدهم، وهم محقون فيه، لكننا لا نعتبره ملزما لنا، إذ كيف نخصص السنة الفعلية الثابتة بأفعال الناس وآرائهم؟، ومما يدل على مراعاتهم أوضاع بلدهم وموقف حكومتهم؛ أنهم قنتوا أثناء حرب اليهود على جنوب لبنان منذ أكثر من عقدين من الزمان، إذ لا يتسبب ذلك في إثارة خلاف ظاهر بين الحاكم والعالم، فالوضع في المملكة يختلف عن الوضع عندنا،
стр. 553
فلنفسر هذه الفتاوي من أهل العلم بأنها سد لباب الفتنة في هذا البلد بحكم مجاورته للكويت المشاركة في العدوان على العراق، ونظير هذا أننا لم نر مشروعية قنوت النوازل حين انطلقت هذه الفتنة في بلدنا، منذ ثنتي عشرة سنة، لأن (القانتين) مختلفون، يستغل كل منهم القنوت لما يميل إليه، فيدعو هذا لجهة، ويدعو الآخر على تلك الجهة، فتركه متعين سدا للذريعة، على أن قنوت النوازل لا ينحصر في فتنة الحروب.
وقد يقال إن ما يخشي من النوازل أن يتسبب القنوت فيه في إحداث فتنة، كأن يكون أمر النازلة مما يخفى، ويكون في الحديث عنه وذكره في القنوت فتنة؛ ينبغي أن لا يفعل حتى يأذن الإمام، وما كان منها ظاهرا كالزلازل والفيضانات والأعاصير وقانا الله منها لا يحتاج الأمر فيه إلى إذن، والله أعلم.
стр. 554
• قوله:
١٥ - «والقنوت: اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونخنع لك، ونخلع، ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق، ثم تفعل في السجود والجلوس كما تقدم في الوصف».
القائلون بالقنوت في صلاة الصبح من غير سبب اختلفوا فيما يدعى به فيه، فقال مالك: «وليس في القنوت دعاء معروف، ولا وقوف مؤقت»، لكنه مع ذلك قال باستحباب الدعاء الذي أورده المؤلف، وقال بعض العلماء منهم القاضي عبد الوهاب بالجمع بين هذا وبين الدعاء الذي علمه النبي ﷺ للحسن بن علي رضي اله عنهما، ويسمي بعضهم الدعاء الذي ذكره المؤلف بالسورتين، ويرون أنه كان في مصحف أبي بن كعب، انظر (الاستذكار ٢/ ٢٩٥)، وقد رواه ابن وهب كما في المدونة عن خالد بن أبي عمران قال: «بينما رسول الله ﷺ يدعو على مضر إذ جاء جبريل فأومأ إليه أن اسكت، فسكت، فقال: «يا محمد، إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا، وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨]، ثم علمه هذا القنوت: «اللهم إنا نستعينك،،، الخ»، وهو في مراسيل أبي داود السجستاني عن خالد بن أبي عمران أيضا كما ذكره القرطبي، وروى سحنون في المدونة عن علي أنه قنت في الفجر فقال نحوه، وذكر الغماري في مسالك الدلالة «أن الطحاوي رواه في معاني الآثار عن عبيد بن عمير قال: «صليت خلف عمر صلاة الصبح فقنت فيها بعد الركوع وقال في قنوته،،،»، فذكر نحوه، وكذلك رواه البيهقي موقوفا على عمر، بألفاظ مختلفة مطولة ومختصرة»، انتهى، فهذا عن مرجع ألفاظ هذا الدعاء، وقال الشافعية يدعو بقوله: «اللهم اهدني فيمن هديت،،، الدعاء الذي علمه النبي ﷺ للحسن بن علي ﵄ ليقوله في الوتر، وهو في سنن
стр. 555
الترمذي بإسناد حسن.
أما ابن العربي في (العارضة ٢/ ١٩٢) فبعد أن أثبت القنوت على النحو الذي يفعل في المذهب، وخير في موضعه قبل الركوع وبعده؛ قال: «ولكن ليس فيه دعاء خاص، فخذوا من دعاء النبي ﷺ ما ثبت، ولا تلزموا هذا الذي يرويه الناس، فإنما روي في قنوت الوتر ولم يصح».
ولنعتن الآن بذكر شيء من معاني هذا الدعاء، فقوله: «نستعينك»؛ نطلب منك العون، ولا يكون ذلك إلا من الله فيما لا تقوم أسبابه، و «نستغفرك»؛ نسألك مغفرة ذنوبنا، والمغفرة ستر الذنب، والمراد محوه، وعدم المؤاخذة به، و «نتوكل عليك»؛ نعتمد عليك، و «نخنع لك»؛ نذل غاية الذل، ونخضع غاية الخضوع، ومن ذل لله تعالى حقا، أطاعه، ففعل ما أمر به، وترك ما نهاه عنه، و «نخلع»؛ الخلع الإزالة والمفعول محذوف، أن نخلع المعاصي والمخالفات ونجتنبها، وأولاها بالاجتناب ما يمس التوحيد الذي هو الحق الأول لله على العبيد، و «ونترك من يكفرك»؛ أي نتبرأ منه، فلا نحب دينه، ولا يقوم بيننا وبينه ولاء، ولا نواده، ولا نتخذه بطانة من دون المؤمنين، وفي قوله: «إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد»؛ حصر، أي لا نفعل ذلك إلا لك، ثم أعلنوا أنهم يخصونه سبحانه بأهم العبادات وهي الصلاة، ثم ذكر أعظم ما في الصلاة، وهو السجود، وقوله: «نسعى»؛ السعي العمل بجد، والمعنى أننا نتجه بأعمالنا كلها جادين فيها إليك، فعم بعد أن خص، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ [الأنعام: ١٦٢]، فإن الله تعالى إليه المنتهى، و «نحفد»؛ نسارع إليك، أي في عمل ما يرضيك، فلا نتوانى فيه، ولا نؤخره عن وقته، و «نرجو رحمتك»، بين دافعهم إلى ما تقدم ذكره، وهو رجاؤهم رحمته، وخوفهم عذابه، ومن عاش يرجو رحمة الله ويخاف عذابه أمنه الله تعالى يوم القيامة، وفيه رد على الذين يزعمون أنهم يعبدون الله غير خائفين من ناره، ولا راغبين في جنته، قال تعالى عن عباده الصالحين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء: ٥٧]، و «الجد»؛ صفة للعذاب، أي أنه لا مرية فيه، وهو جد لا هزل، واقع بمن
стр. 556
مات على الكفر لا محالة، وبمن مات غير تائب من المعاصي ممن لم يغفر لهم الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ [الطور: ٧ - ٨]، وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾ [المعارج: ١ - ٣]، و «ملحق»، بضم الميم اسم مفعول، معناه يلحقه الله بالكفار وينالهم حتما، وقيل بكسر الحاء من ألحق اللازم، وقيل من المتعدي، أي أن العذاب يُلحق بالكفار الهوان، والقياس أن يقال لاحق، والله أعلم.
وقوله: «ثم تفعل في السجود والجلوس كما تقدم في الوصف»، هذا مما لا خلاف فيه، ولقول النبي ﷺ للمخطئ صلاته «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها».
стр. 557
• قوله:
١٦ - «فإذا جلست بعد السجدتين؛ نصبت رجلك اليمنى وبطون أصابعها إلى الأرض، وثنيت اليسرى، وأفضيت بأليتك إلى الأرض، ولا تقعد على رجلك اليسرى، وإن شئت حنيت اليمنى في انتصابها، فجعلت جنب بهمها إلى الأرض فواسع».
تقدم أن مشهور المذهب تساوي صفة الجلوس في الصلاة كلها، وأنه يكون بالتورك أي الإفضاء بالأَلية اليسرى إلى الأرض، وهو منصوص المدونة من قول مالك، وذكرت قبل أن كلام المؤلف في صفة جلوس التشهد يشعر بأنه يرى أن جلوس الصلاة في غير التشهد مخالف لجلوسها في التشهد، وتقدم دليل ذلك، ويدل على ما قلته تصريحه هنا بقوله: ولا تقعد على رجلك اليسرى، بخلاف ما تقدم في الجلوس بين السجدتين، ولأنه جلوس يعقبه قيام فهو مناسب للاستيفاز - أعني التهيؤ للنهوض - بعد ثبوته شرعا، وذهب القاضي ابن العربي إلى هذا أيضا فقال: «والجلوس على الرجل اليسرى في الرفع من السجود والجلسة الوسطى، ولا يكون جفاء بالرجل، ولكنه جلوس استيفاز، فلم يتمكن فيه، ولم ير ذلك مالك، وإني لأراه مندوبا مستحبا، وأنا أفعله في كل صلاة، اقتداء بسيد البشر، لصحة الخبر»، (عارضة الأحوذي: ١/ ١٠١)، وأقول إن عذر الإمام قائم، وهو كونه لم يطلع على غير ما رواه في موطئه وسترى ما يكتنفه من الإجمال الذي يسوغ معه ما ذهب إليه الإمام، والله أعلم.
واعلم أن مالكا ﵀ لم يرو في الموطإ من الأحاديث في صفة الجلوس التي نحن بصددها؛ إلا ما أخذه القاسم بن محمد من عبد الله بن عبد الله بن عمر، وهو أن الجلوس في التشهد يكون بنصب الرجل اليمنى، وثني الرجل اليسرى، والجلوس على الورك الأيسر، الموطأ (١٩٩)، واعتبر علماء المذهب هذه الرواية مبينة لما أجمل في رواية عبد الرحمن
стр. 558
بن القاسم، التي فيها من قول ابن عمر: «إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني رجلك اليسرى»، الموطأ (١٩٨)، خ/ ٨٢٧)، وهو في سنن النسائي، وهذه الرواية فيها إطلاق، لأن الرجل اليسرى تثنى سواء تورك المصلي أو افترش، بدليل مقابلة ذلك بنصب اليمنى، فبينت رواية القاسم بن محمد أن التورك يكون في التشهد، وبقي ما عداه من الجلوس بين السجدتين دون بيان، فلما جاء الدليل الذي بين مخالفة هيأة التشهد لغيره؛ لزم العمل به، ولو لم يرد دليل لأمكن القول بتعميم هيئة الجلوس، لأن الأصل تساوي الهيآت التي تتكرر في الصلاة، ويدل على ما ذكرته أن علماء المذهب المتقدمين لما لم يجدوا ما يعتمدون عليه من النصوص في بيان هيئة الجلوس التي نتحدث عنها؛ لجأوا إلى القياس، ولو اطلعوا على النص وهو حديث أبي حميد؛ لفرقوا بين جلوس وآخر، كما أنهم لو قارنوا بين ما ورد في وصف الصلاة بالافتراش مطلقا، وما ورد مقيدا لحملوا مطلقه على مقيده لأنهم من القائلين بحمل المطلق على المقيد، والدليل على ذلك موقف ابن العربي المتقدم، واقرأ ما قاله الباجي ﵀ في (المنتقى ١/ ١٦٦) لتتأكد من ذلك، قال: «والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك الحديث الذي يأتي بعد هذا (يقصد قول ابن عمر: إنما سنة الصلاة،،،»)، ومن جهة القياس أن هذا فعل يتكرر في الصلاة، فوجب أن يتكرر على صفة واحدة كالقيام والسجود»، انتهى، فأنت ترى بأنه إنما اعتمد في صفة الجلوس في غير التشهد على القياس على الجلوس في التشهد، فإذا ثبت أن هذا التشهد هو الأخير اختص التورك به.
وقد قال الحافظ ﵀ في (الفتح ٢/ ٣٩٦) عند شرح حديث ابن عمر المتقدم: «على أن الصفة المذكورة - يقصد التورك - قد يقال إنها لا تخالف حديث أبي حميد، لأن في الموطإ أيضا عن عبد الله ابن دينار التصريح بأن جلوس ابن عمر المذكور كان في التشهد الأخير»، انتهى.
قلت: وفي المدونة من طريق ابن لهيعة عن أبي حميد ذكر التورك في الجلوس الأخير، أما حديث أبي حميد الذي أشار إليه الحافظ؛ ففيه التفريق بين الجلوس الأخير وغيره، وقد رواه البخاري (٨٢٨)، وأبو داود (٧٣٠ و ٩٦٣) عنه في صفة الصلاة، وفيه قوله:
стр. 559
«فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته»، وبهذا يتبين لك أن قول ابن عمر وهو مرفوع حكما نص مجمل، وقد تبين أنه في التشهد الأول، فلا يكون بينه وبين حديث أبي حميد تعارض، ويلزم المالكية القول به، والله أعلم.
وقد روى النسائي (٢/ ٢٣٦) عن وائل بن حجر قال: «أتيت رسول الله ﷺ فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى ونصب اليمنى،،،» الحديث، وقد استدل به المحدث الألباني كما في تمام المنة ص (٢٢٣) على أن الجلوس في تشهد الصلاة الثنائية يكون بالافتراش كما يقول الإمام أحمد ﵀، قال بعد ذكر الحديث: «فهذا ظاهر في أن الصلاة التي وصفها كانت ثنائية، ويقويه حديث عائشة وابن عمر اللذان تقدما عند المؤلف في صفة الجلوس بين السجدتين، فثبت ما قلناه والحمد لله».
قلت: الحديث ليس بظاهر فيما قاله الشيخ لأمرين، أولهما: أن قوله «أضجع»، يصدق مع الافتراش والتورك، والإضجاع مع التورك أكمل في الدلالة، والمعتاد أن يقال ثنى رجله وقعد عليها، أو افترش اليسرى، فهذا يكون نصا، فلا يكون في تلك العبارة دليل على ما ذهب إليه الشيخ، ولو سلمنا أن المراد بها الافتراش؛ فإن هناك عقبة أخرى تقوم أمام الاستدلال لما ذهب إليه، وهو أن قوله «إذا جلس في الركعتين»؛ محتمل أن يراد به جلوس التشهد الأول، وهذا هو الظاهر، وقد يكون الراوي اختصر وصف الصلاة، فذكر أهم الأمور، يدل على ذلك حديث أبي حميد الذي رواه البخاري وقد تقدم، فإنه جاء فيه التعبير ذاته، لكنه مستقصى حيث قال: «فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته»، ويظهر أن النسائي راويه قد اعتبره كذلك، إذ ترجم عليه بقوله: (باب موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول)، ويضاف إلى هذا أن غالب صلوات النبي ﷺ في المسجد كانت الفرائض وفيها أكثر من تشهد عدا الصبح، أما حديثا عائشة وابن عمر اللذان أشار إليهما؛ فليس فيهما ما يقوي هذا الذي ليس بقوي.
стр. 560
وقد استدل صاحب المغني (المسألة ٧٥٣) على ذلك بهذين الحديثين، ونص حديث وائل كما ذكره: «لما جلس للتشهد افترش رجله اليسرى ونصب رجله اليمنى». وقالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفترش رجله اليسرى، وينصب اليمنى، رواه مسلم، وهذان يقضيان على كل تشهد بالافتراش إلا ما خرج منه،،،»، انتهى.
قلت: حديث وائل لا حجة فيه، لأننا لا ندري أي تشهد فعل فيه ذلك، وقد تقدم الكلام عليه، وحديث عائشة يظهر أنه في جلوس الصلاة عموما لا خصوص جلوس التشهد، والأولى أن نثبت نص الحديث كما هو في سنن أبي داود (٧٨٣) حتى يتبين لنا الأمر، قالت -رضي الله تعالى عنها-: «كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما، وكان إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي قاعدا، وكان يقول في كل ركعتين التحيات، وكان إذا جلس يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقب الشيطان، وعن فرشة السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم».
فقولها «وكان يفترش رجله اليسرى، وينصب اليمنى»؛ لا ينصرف إلى ما قبله من الجلوس في الركعتين، وإلا لما كانت ثم حاجة إلى أن تعيد ذكر كان، فهي لم تكن في هذا الحديث تصف الصلاة منسوقة مرتبة، لذلك أدخلت في حديثها بعض أقواله، وذكرت الصفة الغالبة على الجلوس وهي الافتراش، ومن راجع الحديث في صحيح مسلم (٤٩٨)، باب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به،،، أيقن أو كاد يوقن بذلك، والله أعلم.
وقد استدل الشيخ حسين بن عودة العوايشة وفقه الله في الموسوعة الفقهية الميسرة (٢/ ٧٦) على الافتراش في الثنائية فقال تحت عنوان (الجلوس للتشهد وصفته): «أن يجلس مفترشا فخذه اليسرى، إذا كانت الصلاة ركعتين كالفجر، وقد أمر به المسيء صلاته فقال له: فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد»، انتهى، وهذا كما ترى لا حجة فيه، فإن لم تكن قد تبينت ذلك، فلأن الحديث فيه صفة الجلوس في
стр. 561
وسط الصلاة، والمستدل حمله على الثنائية كالفجر، فأين هذا من هذا؟، ومما يقوي ما ذهبت إليه في معنى قوله «إذا جلس في الركعتين»؛ قول ابن المبارك في وصف صلاة التسبيح كما رواه الترمذي (٤٨١)، فإنه استعمل نفس العبارة مع أن هذه الصلاة فيها أربع ركعات متصلات، والخلاصة أن هيئة الجلوس للتشهد في الصلاة الثنائية تكون مع التورك، وقد تبين لك أن لا دلالة على الافتراش فيما استدل به القائلون بذلك، وإن كان هناك دليل غير ما ذكر فلا أعلمه، والله أعلم.
стр. 562
• قوله:
١٧ - «ثم تتشهد، والتشهد: «التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبيء، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله»، فإن سلمت بعد هذا أجزأك».
سمّي ما يقال من الذِّكْر في جلوس الصلاة تشهدا؛ لاشتماله على الشهادتين تغليبا لهما على بقية أذكاره لشرفهما، والمذهب أنه سنة مؤكدة، فمن تركه سجد قبل سلامه، فإن طال بطلت صلاته لاشتماله على الجلوس والذكر ولفظه الذي اختاره أهل المذهب، ومثله في هذا التركيب قراءة السورة كما تقدم، وروى أبو مصعب عن مالك وجوبه، وقال من تركه بطلت صلاته، وقد ثبت الأمر به، لكن ترك الواجب لا يلزم منه البطلان، وإن لزم منه الإثم مع العمد.
واللفظ المذكور هو إحدى الصيغ الواردة في التشهد والفرق بينها يسير، قال الشوكاني في (نيل الأوطار ٢/ ٣١٦): «ولولا وقوع الإجماع كما قدمنا على جواز كل تشهد من التشهدات الصحيحة؛ لكان اللازم الأخذ بالزائد فالزائد من ألفاظها».
واعلم أن لفظ التشهد من حيث الجملة متواتر عن النبي ﷺ ، ومما صح منه تشهد عبد الله بن مسعود الذي في الصحيحين، وهو أرجحها عند المحدثين، وثمة تشهد أبي موسى الأشعري، وابن عباس عند مسلم وأبي داود (٩٧٢) و (٩٧٤)، وتشهد عائشة، وهو في الموطإ (٢٠٢) موقوفا، وتشهد ابن عمر رواه أبو داود (٩٧١) وهو في الموطإ (٢٠١)، فأما اللفظ المذكور فهو موقوف على عمر، وقد رواه مالك في موطإه (٢٠٠) عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول: قولوا فذكره إلا جملة «وحده لا شريك له»، فإنها غير موجودة فيه، لكنها في حديث
стр. 563
أبي موسى عند مسلم، وحديث عائشة الموقوف في الموطإ، وقد قالوا إن تشهد عمر له حكم المرفوع، لأنه مما لا يقال بالرأي، فإنه قاله في ملإ من الصحابة معلما، ولم ينكروه، ولعل مالكا اختاره لجريان العمل به فآثره على غيره من رواية الآحاد، وله نظائر كثيرة في موطئه، والله أعلم.
وفي تشهد ابن عمر وهو في الموطإ قال «السلام على النبي»، بدل صيغة الخطاب، قال الحافظ ابن حجر في (الفتح ٢/ ٤٠٦): «وورد في بعض طرق حديث ابن مسعود ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ ، فيقال بلفظ الخطاب، وبعده فبلفظ الغيبة، فروى البخاري في الاستئذان من طريق أبي معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهد قال: وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا السلام يعني على النبي،،،»، والتشهد من خواتم الكلم، كما قال رسول الله ﷺ : «أُعطيت فواتح الكلم وخواتمه»، قلت يا رسول الله: علّمنا مما علّمك الله ، فعلّمنا التشهد» رواه أبو يعلى عن أبي موسى، وهو في الصحيحة.
والتحيات جمع تحية، يقال حياه إذا قال له حياك الله، فهي دعاء بالحياة، وهذا المعنى لا يليق بالله سبحانه، فإنه الحي لا يموت، بل المراد أن الله تعالى هو المستحق لأنواع التحيات التي تليق به وهي التعظيم والثناء، ولذلك وصفت في حديث ابن مسعود بالمباركات، وفي حديث أبي موسى الأشعري بالطيبات، وحذفت هنا لكون ذلك معروفا، أو لأن المراد منها الملك، إذ تطلق عليه لكون الملوك هم الذين يحيون بتلك الكلمة، وكانوا يحيون بالانحناء والركوع الذي لا يستحقه غيره سبحانه، أما وجه جمعها فلاستغراق أنواع تلك التحيات، فقد كان بعض العظماء يتميزون بتحيات خاصة، أو لتشمل مظاهر الملك من الظاهر والخفي والقريب والبعيد، فهي جميعا لله سبحانه بخلاف غيره، ومن إطلاقها على الملك قول القائل:
ولكل ما نال الفتى … قد نلته إلا التحية
وقال الآخر:
تحية كسرى في الأنام وتبع … لربعك لا أرضى تحية أربع
стр. 564
والزاكيات جمع زاكية من الزكاة وهي الصفاء والخلوص، أو النمو والكثرة، وهي صفة لموصوف محذوف أي الأعمال الخالصة لله، ولم تذكر إلا في تشهد عمر، والطيبات جمع طيبة عكس الخبيثة، والمراد الأقوال والأعمال والهيئات الطيبة لله، فلا يتقرب إليه بالخبيث منها، والصلوات جمع صلاة وهي الدعاء، أو الصلوات المعروفة، وكل منها لا يكون إلا لله، وتشهد عمر أبلغ من غيره من جهة إفراد تلك الجمل دون عطف، وإيرادها مستقلة كما ترى.
وبعد الانتهاء من تمجيد الله وتعظيمه ثنى بالسلام على رسوله ﷺ ، والسلام اسم من أسماء الله تعالى، والمراد الأمان والنجاة من الآفات والمكاره، والرحمة الإحسان، والبركات الزيادة من كل خير، وعدل عن صيغة الغيبة إلى الخطاب تكريما للنبي ﷺ في حياته لكون وجوده من أعظم النعم على المسلمين، وقد علمنا رجوع الصحابة إلى صيغة الغيبة بعد وفاته، وقوله: السلام علينا،،، الخ قدم السلام على النبي ﷺ ثم ثنى بالنفس، وثلث بصالح المؤمنين، ومعناه أنه أثنى على الله ثم على رسوله، ثم دعا لنفسه، ثم لغيره وهذا سنة الدعاء، فقد كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، رواه الترمذي عن أبي بن كعب، والصالحون هم القائمون بما يجب عليهم من حقوق الله وحقوق عباده، فلا يحظى بهذا الدعاء من الناس إلا من كان عبدا صالحا، وإلا حرمه، ومن لم يصل فقد هضم حق ربه، فلم يذكره بذلك الذكر العظيم، وبخس نبيه ﷺ حقه، فلم يسلم عليه، وكذلك عباد الله الصالحين، وفي حديث ابن مسعود: «فإنكم إذا فعلتم سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض».
стр. 565
• قوله:
١٨ - «ومما تزيده إن شئت: وأشهد أن الذي جاء به محمد حق، وأن الجنة حق، وان النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم صل على ملائكتك والمقربين، وعلى أنبيائك والمرسلين، وعلى أهل طاعتك أجمعين، اللهم اغفر لي ولوالدي، ولأئمتنا ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزما، اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك، وأعوذ بك من كل شر استعاذك منه محمد نبيك، اللهم اغفر لنا ما قدمنا، وما أخرنا، وما أسررنا، وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب النار، وسوء المصير، السلام عليك أيها النبيء، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين».
جمع المؤلف في هذا الدعاء بين أمور، كلها واردة في السنة بعد التشهد، وهي الصلاة على النبي ﷺ ، والتعوذ بالله من أربع، ثم تخير المكلف من الدعاء ما أحب، وقوله: «وأشهد أن الذي جاء به محمد حق»،،، الخ كأنه مأخوذ من حديث ابن عباس الذي في الصحيح (خ/ ١١٢٠): «كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد؛ قال: «اللهم لك الحمد،،،
следующие страницы →