← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وسط الصلاة، والمستدل حمله على الثنائية كالفجر، فأين هذا من هذا؟، ومما يقوي ما ذهبت إليه في معنى قوله «إذا جلس في الركعتين»؛ قول ابن المبارك في وصف صلاة التسبيح كما رواه الترمذي (٤٨١)، فإنه استعمل نفس العبارة مع أن هذه الصلاة فيها أربع ركعات متصلات، والخلاصة أن هيئة الجلوس للتشهد في الصلاة الثنائية تكون مع التورك، وقد تبين لك أن لا دلالة على الافتراش فيما استدل به القائلون بذلك، وإن كان هناك دليل غير ما ذكر فلا أعلمه، والله أعلم.

стр. 562

• قوله: ١٧ - «ثم تتشهد، والتشهد: «التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات، الصلوات لله، السلام عليك أيها النبيء، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله»، فإن سلمت بعد هذا أجزأك». سمّي ما يقال من الذِّكْر في جلوس الصلاة تشهدا؛ لاشتماله على الشهادتين تغليبا لهما على بقية أذكاره لشرفهما، والمذهب أنه سنة مؤكدة، فمن تركه سجد قبل سلامه، فإن طال بطلت صلاته لاشتماله على الجلوس والذكر ولفظه الذي اختاره أهل المذهب، ومثله في هذا التركيب قراءة السورة كما تقدم، وروى أبو مصعب عن مالك وجوبه، وقال من تركه بطلت صلاته، وقد ثبت الأمر به، لكن ترك الواجب لا يلزم منه البطلان، وإن لزم منه الإثم مع العمد. واللفظ المذكور هو إحدى الصيغ الواردة في التشهد والفرق بينها يسير، قال الشوكاني في (نيل الأوطار ٢/ ٣١٦): «ولولا وقوع الإجماع كما قدمنا على جواز كل تشهد من التشهدات الصحيحة؛ لكان اللازم الأخذ بالزائد فالزائد من ألفاظها». واعلم أن لفظ التشهد من حيث الجملة متواتر عن النبي ﷺ ، ومما صح منه تشهد عبد الله بن مسعود الذي في الصحيحين، وهو أرجحها عند المحدثين، وثمة تشهد أبي موسى الأشعري، وابن عباس عند مسلم وأبي داود (٩٧٢) و (٩٧٤)، وتشهد عائشة، وهو في الموطإ (٢٠٢) موقوفا، وتشهد ابن عمر رواه أبو داود (٩٧١) وهو في الموطإ (٢٠١)، فأما اللفظ المذكور فهو موقوف على عمر، وقد رواه مالك في موطإه (٢٠٠) عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر يعلم الناس التشهد يقول: قولوا فذكره إلا جملة «وحده لا شريك له»، فإنها غير موجودة فيه، لكنها في حديث

стр. 563

أبي موسى عند مسلم، وحديث عائشة الموقوف في الموطإ، وقد قالوا إن تشهد عمر له حكم المرفوع، لأنه مما لا يقال بالرأي، فإنه قاله في ملإ من الصحابة معلما، ولم ينكروه، ولعل مالكا اختاره لجريان العمل به فآثره على غيره من رواية الآحاد، وله نظائر كثيرة في موطئه، والله أعلم. وفي تشهد ابن عمر وهو في الموطإ قال «السلام على النبي»، بدل صيغة الخطاب، قال الحافظ ابن حجر في (الفتح ٢/ ٤٠٦): «وورد في بعض طرق حديث ابن مسعود ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ ، فيقال بلفظ الخطاب، وبعده فبلفظ الغيبة، فروى البخاري في الاستئذان من طريق أبي معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهد قال: وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا السلام يعني على النبي،،،»، والتشهد من خواتم الكلم، كما قال رسول الله ﷺ : «أُعطيت فواتح الكلم وخواتمه»، قلت يا رسول الله: علّمنا مما علّمك الله ، فعلّمنا التشهد» رواه أبو يعلى عن أبي موسى، وهو في الصحيحة. والتحيات جمع تحية، يقال حياه إذا قال له حياك الله، فهي دعاء بالحياة، وهذا المعنى لا يليق بالله سبحانه، فإنه الحي لا يموت، بل المراد أن الله تعالى هو المستحق لأنواع التحيات التي تليق به وهي التعظيم والثناء، ولذلك وصفت في حديث ابن مسعود بالمباركات، وفي حديث أبي موسى الأشعري بالطيبات، وحذفت هنا لكون ذلك معروفا، أو لأن المراد منها الملك، إذ تطلق عليه لكون الملوك هم الذين يحيون بتلك الكلمة، وكانوا يحيون بالانحناء والركوع الذي لا يستحقه غيره سبحانه، أما وجه جمعها فلاستغراق أنواع تلك التحيات، فقد كان بعض العظماء يتميزون بتحيات خاصة، أو لتشمل مظاهر الملك من الظاهر والخفي والقريب والبعيد، فهي جميعا لله سبحانه بخلاف غيره، ومن إطلاقها على الملك قول القائل: ولكل ما نال الفتى … قد نلته إلا التحية وقال الآخر: تحية كسرى في الأنام وتبع … لربعك لا أرضى تحية أربع

стр. 564

والزاكيات جمع زاكية من الزكاة وهي الصفاء والخلوص، أو النمو والكثرة، وهي صفة لموصوف محذوف أي الأعمال الخالصة لله، ولم تذكر إلا في تشهد عمر، والطيبات جمع طيبة عكس الخبيثة، والمراد الأقوال والأعمال والهيئات الطيبة لله، فلا يتقرب إليه بالخبيث منها، والصلوات جمع صلاة وهي الدعاء، أو الصلوات المعروفة، وكل منها لا يكون إلا لله، وتشهد عمر أبلغ من غيره من جهة إفراد تلك الجمل دون عطف، وإيرادها مستقلة كما ترى. وبعد الانتهاء من تمجيد الله وتعظيمه ثنى بالسلام على رسوله ﷺ ، والسلام اسم من أسماء الله تعالى، والمراد الأمان والنجاة من الآفات والمكاره، والرحمة الإحسان، والبركات الزيادة من كل خير، وعدل عن صيغة الغيبة إلى الخطاب تكريما للنبي ﷺ في حياته لكون وجوده من أعظم النعم على المسلمين، وقد علمنا رجوع الصحابة إلى صيغة الغيبة بعد وفاته، وقوله: السلام علينا،،، الخ قدم السلام على النبي ﷺ ثم ثنى بالنفس، وثلث بصالح المؤمنين، ومعناه أنه أثنى على الله ثم على رسوله، ثم دعا لنفسه، ثم لغيره وهذا سنة الدعاء، فقد كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، رواه الترمذي عن أبي بن كعب، والصالحون هم القائمون بما يجب عليهم من حقوق الله وحقوق عباده، فلا يحظى بهذا الدعاء من الناس إلا من كان عبدا صالحا، وإلا حرمه، ومن لم يصل فقد هضم حق ربه، فلم يذكره بذلك الذكر العظيم، وبخس نبيه ﷺ حقه، فلم يسلم عليه، وكذلك عباد الله الصالحين، وفي حديث ابن مسعود: «فإنكم إذا فعلتم سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض».

стр. 565

• قوله: ١٨ - «ومما تزيده إن شئت: وأشهد أن الذي جاء به محمد حق، وأن الجنة حق، وان النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم صل على ملائكتك والمقربين، وعلى أنبيائك والمرسلين، وعلى أهل طاعتك أجمعين، اللهم اغفر لي ولوالدي، ولأئمتنا ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزما، اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك، وأعوذ بك من كل شر استعاذك منه محمد نبيك، اللهم اغفر لنا ما قدمنا، وما أخرنا، وما أسررنا، وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب النار، وسوء المصير، السلام عليك أيها النبيء، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». جمع المؤلف في هذا الدعاء بين أمور، كلها واردة في السنة بعد التشهد، وهي الصلاة على النبي ﷺ ، والتعوذ بالله من أربع، ثم تخير المكلف من الدعاء ما أحب، وقوله: «وأشهد أن الذي جاء به محمد حق»،،، الخ كأنه مأخوذ من حديث ابن عباس الذي في الصحيح (خ/ ١١٢٠): «كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد؛ قال: «اللهم لك الحمد،،،

стр. 566

وفيه: «أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق،،،» الحديث، هذا من حيث الجملة. أما التفصيل فإن الصلاة على النبي ﷺ في التشهد حكمها الاستحباب في المذهب، وهو مذهب الجمهور، وذهب فريق من الصحابة، والسلف منهم الشافعي إلى وجوبها، وقال بذلك ابن العربي، والصيغة التي ذكرها المؤلف ليست في شيء من الأحاديث الصحيحة، ولا الحسنة، وقد أخذها عليه بعض العلماء ومنهم القاضي أبو بكر بن العربي حيث قال: «وهم شيخنا أبو محمد وهما قبيحا، خفي عليه الأثر والنظر فزاد «وارحم محمدا»، وهي كلمة لا أصل لها إلا في حديث ضعيف، لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه»، ذكره في مسالك الدلالة، وقال في العارضة: «حذار ثم حذار من أن يلتفت أحد إلى ما ذكره ابن أبي زيد، فيزيد في الصلاة على النبي ﵇: وارحم محمدا، فإنها قريب من البدعة، لأن النبي ﵇ علم الصلاة بالوحي، فالزيادة فيها استقصار له، واستدراك عليه، ولا يجوز ان يزاد على النبي ﵇ حرف،،،»، وقال: «وهذا من تحريف الشريعة وتبديلها»، ذكره الشيخ زروق في شرحه، وانظر المسالك في شرح موطإ مالك (٣/ ١٥٦) لابن العربي. قلت: لا يصح أن يقال هذا عن ابن أبي زيد، فإنه من حماة الشريعة، لا من مبدليها، ولعل مستنده فيما ذكره بعض الأحاديث التي ورد فيها ذكر الرحمة، ومنها حديث بريدة عند أحمد مرفوعا: «اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد، وآل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد»، وفيه داود الأعمى وهو ضعيف جدا، متهم بالوضع، قاله في التحفة، والعبرة التي رميت إليها من إثبات كلام ابن العربي حرص العلماء على التزام الألفاظ الواردة عن النبي ﷺ تعبدا، وهو حرص قد يبدر بسببه من العالم إغلاظ في القول، ووصف للعمل بأنه بدعة، لكنه لا يصف الفاعل بالمبتدع، إذ ما كل من فعل بدعة هو مبتدع، فكيف إذا كان ذلك على الاحتمال؟، ولا يحتاج هذا الأمر إلى ذكر أمثلة، لكن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، فكيف مع العلماء الربانيين؟. ومن الصيغ الثابتة في الصلاة على رسول الله ﷺ التي يصلى بها عليه في التشهد:

стр. 567

«اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد»، رواه الشيخان، وأبو داود (٩٧٦) عن كعب بن عجرة، قلنا: يا رسول الله أمرتنا أن نصلي عليك، وأن نسلم عليك، فأما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك؟، قال: قولوا: فذكره، ومنها: «اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد»، رواه مالك (٣٩٥) والشيخان وأبو داود (٩٧٩). والملاحظ أن الأحاديث التي فيها بيان كيفية الصلاة على النبي ﷺ ، وهي أحاديث كل من كعب بن عجرة، وأبي حميد، وهما في الصحيحين، وكذا حديث أبي مسعود الأنصاري؛ جاءت بعد طلب الصحابة ذلك من نبينا ﷺ ، والعبرة في ذلك أنهم تحرجوا من أن يخترعوا صيغة يصلون بها عليه مع معرفتهم بالعربية، وبطرق تعظيمه، ومع أنهم لو صلوا عليه امتثالا للأمر القرآني بصيغة ما؛ فإن ذلك قد يكون كافيا في براءة ذممهم؛ مما يدل على أن طرق تعظيمه توقيفية عندهم ولأن لفظ الصلاة فيه إجمال لم يجرأوا على ذلك، بخلاف الناس عندنا اليوم، فإن كثيرا منهم يخترعون ألفاظا يزعمون أنهم يعظمون بها صاحب الشريعة ﷺ ، ولو كانت صالحة بمضمونها؛ لكان في الإقدام عليها استبدالٌ للذي هو أدنى بالذي هو خير، ولعلك لاحظت أن نبينا ﷺ علم أصحابه السلام عليه قبل الصلاة، والذي يظهر أنه آثر تقديم ما يعمه ويعم غيره، ثم تشوفوا من ذلك إلى معرفة كيف يصلون عليه، فسألوه، وحسبك من صيغة الصلاة عليه، أنه أرشدهم إلى أن يسألوا الله أن يثني عليه لأنه أعلم بما يستحقه، فإن الصلاة من الله عليه هي الثناء عليه، وهو دليل واضح على أنه ينبغي للمؤمن أن يجعل دينه حارسا لعاطفته، قيما على شعوره إزاء نبيه ﷺ حتى لا يغلو فيه، ومرد ذلك إلى أن طرق تعظيم النبي ﷺ توقيفية، وإلا لاخترع كل طريقة لتعظيمه، والله المستعان. وقول الصحابة: «فأما السلام فقد عرفناه»، يعنون بذلك ما في جميع صيغ التشهد

стр. 568

التي حفظوها عن النبي ﷺ ، وهو: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته»، ولما كان التسليم شرع في التشهد، تعين أن تكون الصلاة فيه أيضا، وهذا من الأدلة القوية على وجوب الصلاة عليه فيه، فإن قيل التشهد سنة، قيل ليس مسلما، ومنها الأمر بذلك كما تقدم، ودل الدليل على أن سؤالهم كان عن كيفية الصلاة عليه في الصلاة، جاء ذلك في رواية ابن خزيمة: «فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا»؟، ذكره الحافظ في بلوغ المرام (ح/ ٣٣٦). والصلاة من الله تعالى قيل إنها الرحمة، وقيل هي الثناء عليه في الملائكة، فعن أبي العالية كما في صحيح البخاري من كتاب التفسير: «صلاة الله على رسوله ثناؤه عليه عند الملائكة»، والآل قيل أتباعه، وقيل من تحرم عليهم الصدقة، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وقيل أهل بيته، وقيل ذريته وأهل بيته، قال ابن عبد البر ﵀ في (الاستذكار ٢/ ٣١٩) - وقد عزاه لبعض أهل العلم -: «إن قوله ﷺ في حديث ابن مسعود ومن روى مثل روايته: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد»؛ مجمل محتمل للتأويل يفسره قوله في حديث أبي حميد الساعدي ومن تابعه: «اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته». قلت: وهذا كما ترى قوي جدا، فلا ينبغي نرك الصلاة على آله فإن من لم يفعل ذلك؛ لم يصل كما أمره، لكن اللفظ الذي فيه «الآل» أعم، فهو مقدم، ولفظ الأزواج ينبغي أن يشاع ولا سيما في هذا العصر الذي فشا فيه الرفض، قال الشيخ محمد إسماعيل الكحلاني في (سبل السلام ١/ ١٩٢): ومن هنا تعلم أن حذف كلمة الآل من الصلاة كما يقع في كتب الحديث ليس كما ينبغي،،،، إلى أن قال: وكأنهم حذفوها تقية خطأ (الصواب خطا) لما كان في الدولة الأموية من يكره ذكرهم، ثم استمر عليه عمل الناس متابعة من الآخر للأول، فلا وجه له»، انتهى، ولا ينبغي أن يقال إن هذا قد يصب في خانة تقوية التشيع، فإن الجواب أن مقاومة الباطل تكون بالحق لا بالباطل، ولا بجحد الحق، وما عاقبت أحدا عصى الله فيك، بمثل أن تطيع الله فيه، ومن غلا في حب الآل الكرام فغلوه مردود عليه، بل يرد عليه بما قاله واحد من الذرية الطاهرة، وهو علي بن الحسين بن علي

стр. 569

﵃ كما رواه الحاكم - وهو صحيح - عن يحي بن سعيد قال: «كنا عند علي بن الحسين فجاء قوم من الكوفيين، فقال علي: يا أهل العراق أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارا، سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس لا ترفعوني فوق قدري، فإن الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا». فأما استشكال طلبنا أن يصلي ربنا على نبينا محمد وآله كما صلى على إبراهيم وآله، مع أن نبينا سيد ولد آدم؛ فللعلماء في توجيه ذلك أقوال منها أن الكاف للتعليل، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، أي أنك يا ربنا صليت على إبراهيم فصل عليه، أو أنها لإلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر، يعني حينئذ، وقيل يصلح تشبيه ما هو أعظم بما هو دونه كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥]، وقيل كان هذا قبل علمه، وقيل قاله تواضعا، والله أعلم. وأما التعوذ بالله من أربع؛ ففي حديث عائشة عند البخاري أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم»، وجاء الأمر به في حديث أبي هريرة عند مسلم، وأبي داود (٩٨٣) قال ﷺ : «إذا تشهد أحدكم فليقل،،،»، وفي رواية: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع»، وعذاب القبر يكون للجسد والروح معا، والفتنة الامتحان والاختبار، والمسيح الدجال يظهر قرب قيام الساعة، والدجال كثير الدجل، وهو الكذب، وصف بذلك لتمييزه عن المسيح عيسى بن مريم ﵇، وفتنة المحيا ما يعرض للإنسان مما يفتتن به من عرَض الدنيا والشهوات والجهالات، وفتنة الممات فتنة الموت، وقيل فتنة القبر، وهي غير عذاب القبر المذكور قبلها، والمأثم الإثم، والمغرم الدين. أما الدعاء في التشهد؛ وقد جاء ما يدل على أنه بعد الاستعاذة من أربع؛ فدليله ما جاء في حديث ابن مسعود الذي رواه البخاري (٨٣٥) وأبو داود، وفيه بعد ذكر لفظ التحيات قول النبي ﷺ : «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو»، وفي المجموعة قال ابن القاسم

стр. 570

عن مالك: يبدأ المصلي بالتشهد قبل الدعاء، والتشهد في الجلستين سواء، والجلسة الثانية أطول، ويدعو فيها، وذلك واسع»، قاله في النوادر. وقد كرر المؤلف قوله: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،،، الخ، وهذا ورد في تشهد عبد الله بن عمر الموقوف، ووجهه أنه أعاده ليفصل بين التشهد والسلام بالدعاء، وروى علي بن زياد عن مالك استحبابه، قاله الزرقاني والباجي، ثم قال: «ولا يثبت»، وقال الشيخ علي الصعيدي العدوي: «هو خاص بالمأموم، على هذه الرواية، كما نص عليه القرافي،،،،» إلى أن قال: «والحاصل أن هذه الزيادة ضعيفة، ومع ضعفها هي خاصة بالمأموم».

стр. 571

• قوله: ١٩ - «ثم تقول: السلام عليكم تسليمة واحدة تقصد بها قبالة وجهك، وتتيامن برأسك قليلا، هكذا يفعل الإمام والرجل وحده، وأما المأموم فيسلم واحدة يتيامن بها قليلا، ويرد أخرى على الإمام قبالته، يشير بها إليه، ويرد على من كان سلم عليه على يساره، فإن لم يكن سلم عليه أحد؛ لم يرد على يساره شيئا». لا يتم الدخول في الصلاة إلا بالتكبير، ولا تنهى إلا بالتسليم، والتسليم لابد فيه من مرة فتكون الثانية سنّة، فمن لم يسلم لم يخرج منها، فإن تعمد ما ينافيها قبله؛ بطلت صلاته، وإن سها عنه وذكره بالقرب رجع فسلم، ولفظه عند أهل المذهب (السلام عليكم) معرفا بالألف واللام، والمشهور أن الفذ والإمام يسلم تسليمة واحدة يتيامن بها بمقدار ما ترى صفحة وجهه، عند الكاف والميم، وأما المأموم فيسلم واحدة عن يمينه، وأخرى يرد بها على إمامه، فإن كان على يساره أحد رد عليه كذلك، واختلف فيما إذا كان مسبوقا وعلى يساره أحد سلم وانصرف، فقيل يرد، وقيل لا يرد. قال خليل في واجبات الصلاة: «وسلام عرف ب «أل»، وأجزأ في تسليمة الرد «سلام عليكم»، و «عليك السلام»، وقال في سنن الصلاة: «ورد مقتد على إمامه، ثم يساره وبه أحد». وفي المجموعة قال مالك: «وكما تدخل في الصلاة بتكبيرة واحدة فكذلك تخرج منها بتسليمة واحدة»، وهذا كالقياس، لكنه لا يدل على أنه لا يرى التسليمة الثانية، بل يدل على إجزاء الأولى وكفايتها. لكن ورد عنه قوله من رواية أشهب في العتبية: «وعلى ذلك كان الأمر في الأئمة

стр. 572

وغيرهم، وإنما حدث بتسليمتين منذ كان بنو هاشم». وقال عنه ابن القاسم: «أما الإمام فما أدركنا الأئمة إلا على تسليمة واحدة تلقاء وجهه، ويتيامن قليلا»، قيل: «فالمصلي وحده، أيسلم تسليمتين»؟، قال: «لا بأس إذا فصل بالواحدة، أن يسلم عن يساره، ومن سمع تسليم الإمام فسلم، ثم سمعه يسلم أخرى فليسلم أخرى»، فهو يرى متابعة الإمام. وروى عنه ابن القاسم في العتبية: «إذا كان الإمام يسلم تسليمتين؛ فلا يقوم المأموم لقضاء ما عليه حتى يسلمهما» النوادر (في قضاء المأموم)، ويظهر لك جليا من هذه النقول أن الإمام مالكا قد علم بالتسليمتين، وإلا ما قال إن الفذ يسلم ثنتين، وكذلك قوله من سمع إمامه يسلم ثنتين، سلم ثنتين، لكنه مع ذلك راعى ما جرى العمل به في بلده وما عليه أئمتها، فعزف ﵀ عن مخالفتهم، وهذا كثير في مذهبه ﵀، فمن سلم تسليمتين وافق السنة الغالبة، ولم يخالف مذهب مالك عند التحقيق. واعلم أن المتواتر عن النبي ﷺ أنه كان يسلم تسليمتين، وهو الذي كان عليه غالب أمره، قال الغماري: «ورد عنه من حديث سبعة وعشرين صحابيا»، أما التسليمة الواحدة فقد ورد فيها حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة، ثم يميل إلى الشق الأيمن شيئا» رواه ابن ماجة والترمذي (٢٩٥)، ومال إلى تضعيفه، قال الغماري: وضعفه أبو حاتم، والطحاوي، والترمذي، والبيهقي، والدارقطني، وابن عبد البر، والبغوي، والنووي، قال الحافظ: «وغفل الحاكم فصححه»، انتهى، والحديث مع ذلك صححه المحدث الألباني، وانظر حديث أنس عند الطبراني في الأوسط وهو في الصحيحة برقم (٣١٦)، قال الترمذي بعد أن ذكر أن أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم على التسليمتين: «ورأى قوم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم تسليمة واحدة في المكتوبة، قال الشافعي: «إن شاء سلم تسليمة واحدة، وإن شاء سلم تسليمتين»، انتهى، ويظهر أن مراد الشافعي الإجزاء، وقد صارت التسليمة الواحدة شعارًا للولاء، وعوقب بعض الناس على التسليمتين، فَلِمَ كل هذا؟ وأهل المذهب يرون أن الرد على الإمام والمأموم سنة، بخلاف رد السلام خارج

стр. 573

الصلاة فإنه واجب، ووجهه أن المصلي لا يقصد بسلامه الناس، بل الخروج من الصلاة، فلم يجب الرد، وقد قيل إن البخاري رام الرد على ذلك بترجمة: (باب من لم ير رد السلام على الإمام واكتفى بتسليم الصلاة)، وروى تحته حديث عتبان بن مالك الأنصاري في صلاتهم خلف النبي ﷺ ، قال: «ثم سلم، وسلمنا حين سلم»، وهذا ليس نصا في رد قول أهل المذهب. ومما يستدل به لما تقدم حديث الحسن عن سمرة بن جندب قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نرد على الإمام، وأن نتحاب، وأن يسلم بعضنا على بعض»، رواه أبو داود (١٠٠١)، وسكت عنه، والخلاف في سماع الحسن من سمرة معروف، وفيه سعيد بن بشير؛ فإن كان هو الأزدي؛ فضعيف، وإن كان الأنصاري؛ فمجهول، كما في التقريب، لكن ابن ماجة رواه من طريق همام عن قتادة به بلفظ: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نسلم على أئمتنا، وأن يسلم بعضنا على بعض في الصلاة»، قال الحافظ في التلخيص الحبير (ح/ ٤٢١): زاد البزار «في الصلاة»، وإسناده حسن»، وفي الموطإ (٢٠١) عن نافع أن عبد الله بن عمر - بعد ذكر تشهده - كان يقول: «السلام عليكم عن يمينه، ثم يرد على الإمام، فإن سلم عليه أحد عن يساره رد عليه»، وهو موقوف صحيح، والمدار في القول بهذا الحكم على ثبوت الحديث، وذهب ابن العربي إلى بدعية التسليم الثالث في المسالك (٢/ ٣٩٦).

стр. 574

• قوله: ٢٠ - «ويجعل يديه في تشهده على فخذيه، ويقبض أصابع يده اليمنى، ويبسط السبابة يشير بها، وقد نصب حرفها إلى وجهه، واختلف في تحريكها، فقيل يعتقد بالإشارة بها أن الله إله واحد، ويتأول من يحركها أنها مقمعة للشيطان، وأحسب تأويل ذلك أن يذكر بذلك من أمر الصلاة ما يمنعه إن شاء الله عن السهو فيها، والشغل عنها، ويبسط يده اليسرى على فخذه الأيسر، ولا يحركها ولا يشير بها». جاء في هيئة وضع اليدين في التشهد حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على اليمنى، وعقد ثلاثا وخمسين، وأشار بإصبعه السبابة، رواه مسلم (٥٨٠)، وفي رواية له - ولأبي داود (٩٨٧) نحوها، وهي في الموطإ (١٩٥) والمدونة -: «،،، وقبض أصابعه كلها، وأشار بالتي تلي الإبهام،،،»، وهذه الرواية الأخيرة هي التي تناسب ما ذكره المؤلف، ويحصل عدد ثلاث وخمسين بطي الوسطى والبنصر والخنصر، وبسط الإبهام على الوسطى، وقوله: «وقد نصب حرفها إلى وجهه»، هذا محتمل في رواية مسلم الثانية لحديث ابن الزبير (٥٧٩) حيث قال: «ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى»، فإن الوضع ظاهر في كونها فوقها، مع احتمال خلاف ذلك، والله أعلم ومن الكيفيات ما جاء في حديث وائل بن حجر عند أبي داود (٩٥٧): «،،، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحد مرفقه الأيمن على فخذه الأيمن، وقبض ثنتين، وحلق حلقة، ورأيته يقول هكذا، وحلق بشر الإبهام والوسطى وأشار بالسبابة»، ومعنى يقول هكذا؛ يفعل، ومنها حديث عبد الله بن الزبير عند مسلم وأبي داود (٩٨٨)، وفيه: «،،، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه».

стр. 575

وتحريك السبابة حتى الانتهاء من التشهد وما بعده من الصلاة على النبي ﷺ والدعاء إلى ما قبيل السلام؛ هو المشهور في المذهب، وهو قول ابن القاسم، قال خليل: «وتحريكها دائما»، وقيل لا يحركها، وقد جاء في الحديث ذكر الإشارة فقط، وجاء إثبات التحريك وجاء نفيه. فأما الإشارة بها فهي الغالبة في الأحاديث، في حديث عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ووائل بن حجر، وقد جاء في بعض روايات حديث وائل بن حجر في وصف صلاة النبي ﷺ «فرأيته يحركها يدعو بها»، رواه ابن خزيمة والبيهقي كما قال في التلخيص الحبير (ح/ ٤٠١)، وإثبات الإشارة لا ينفي التحريك لعدم التنافي بينهما، لكن جاء في بعض روايات وائل بن حجر نفي التحريك: «كان يشير بأصبعه إذا دعا ولا يحركها، ولا يجاوز بصره إشارته» (د/ ٩٨٩)، وانظر التلخيص الحبير (ح/ ٤٠٢)، فإذا ثبت هذا الحديث، أو ثبت في غيره نفي النحريك؛ احتاج الأمر إلى الترجيح أو الجمع، والجمع مقدم متى أمكن، فيقال بجواز الأمرين لتعدد وصف صلاته ﷺ ، أو يؤخذ برواية المثبت لأنها زيادة، أو لأنه مقدم على النافي، والله أعلم.

стр. 576

والمقمعة بكسر الميم آلة القمع، أي الطرد والإبعاد، وبفتح الميم موضع القمع، وقد شنع ابن العربي على من اعتبر تحريكها طردا للشيطان، فقال في (العارضة ٢/ ٨٥): «وعجبا ممن يقول إنها مقمعة للشيطان إذا حركت، اعلموا أنكم إذا حركتم للشيطان أصبعا حرك لكم عشرا، إنما يقمع الشيطان بالإخلاص والخشوع والذكر والاستعاذة، فأما بتحريكه فلا، وإنما عليه أن يشير بالسبابة،،،» وقال: «إياكم وتحريك أصابعكم في التشهد، ولا تلتفتوا لرواية العتبية، فإنها بلية»، انتهى. ويشرع للمصلي أن يرمي ببصره نحو سبابته كما كان النبي ﷺ يفعل، فيجمع بين النطق باللسان بالذكر، والإشارة بالسبابة، ورمي البصر إليها، وقد جاء عن ابن عمر بسند حسن: «لهي أشد على الشيطان من الحديد يعني السبابة»، وهو في صفة الصلاة للمحدث الألباني، وهذا مما لا يقال بالرأي، فيرد به على الإمام ابن العربي ما تقدم من قوله.

стр. 577

• قوله: ٢١ - «ويستحب الذكر بإثر الصلوات: يسبح الله ثلاثا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثا وثلاثين، ويكبر الله ثلاثا وثلاثين، ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». هذا من جملة ما ورد بعد السلام من الأذكار، لكن جاء عن النبي ﷺ ما الظاهر أنه كان يقوله قبل هذا الذي ذكره، ومن ذلك أنه كان إذا انصرف من صلاته قال: «أستغفر الله، استغفر الله، أستغفر الله»، وقال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، رواه مسلم (٥٩١) وأبو داود (١٥١٣) عن ثوبان ﵁، والسلام من أسماء الله ﵎، وقوله: «ومنك السلام»؛ أي الأمان والسلامة لا يكونان إلا منك وبقدرتك ومشيئتك، وهو احتراس من أن يظن أن وصف الله تعالى بالسلام كوصف غيره به، وتباركت تكاثرت صفات جلالك وتعاظمت، والجلال العظمة، والإكرام الإحسان، وروى الشيخان (خ/ ٨٤٤) وأبو داود (١٥٠٥) عن وراد مولى المغيرة بن شعبة أن معاوية كتب إلى المغيرة بن شعبة: أي شيء كان رسول الله ﷺ يقول إذا سلم من الصلاة؟، فأملاها المغيرة عليه (يعني على وراد مولاه) وكتب إلى معاوية: «كان رسول الله ﷺ يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، والجد بفتح الجيم؛ هو الغنى وقيل الحظ، أي لا ينفع ذا الحظ عندك حظه وغناه، وروى أبو داود (١٥٢٢) وغيره عن معاذ أن رسول الله ﷺ أخذ بيده، وقال له يا معاذ، والله إني لأحبك،، والله إني لأحبك، فقال: «أوصيك يا معاذ: لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». أما ما ذكره من التسبيح وغيره فينبغي أن يقال بعد الصلاة من غير فصل معتبر، إلا

стр. 578

بالأذكار التي ثبت أنها تقال بعد السلام، وقد ورد في الحديث الصحيح خ/ ٨٤٣) عن أبي هريرة قوله ﷺ : «تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين»، وهذا يحتمل أن المجموع ثلاث وثلاثون، ويحتمل أن كلا منها يقال ثلاثا وثلاثين، وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر»، وفي رواية أن التكبير أربع وثلاثون، رواه مسلم (٥٩٧)، ودلت أحاديث أخرى على أن كلا من هذه الثلاثة يصح أن يقال عشر مرات، وإحدى عشرة، وخمسا وعشرين، فليفعل منه كل مصل بحسب ما يتيسر له، ومن أتى بالعدد الأكبر فهو خير، لكن شرط إحضار القلب حين الذكر، فإن سبحان الله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، وقال النبي ﷺ : «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، رواه البخاري في ختام صحيحه عن أبي هريرة. وقال الشيخ زروق: وقد صحّ الترغيب في ذلك عشرا، فكان شيخنا أبو عبد الله القوري يأخذ به إن أعجله أمر. ومما يشرع بعد الصلوات قراءة آية الكرسي، وكذا سور الإخلاص والمعوذتين مرّة مرّة، غير المغرب والصبح فثلاث مرّات، ويقول بعد هاتين الصلاتين: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير عشر مرّات. وعلى العموم فإن الذكر بعد الصلاة والدعاء قد تظافرت الأدلة على إثباته وتكاثرت، لكن شأنه أن يأتي به المصلي منفردا سرا، ولعل الأمر كان بخلاف ذلك في بدايته، فعن ابن عباس ﵄ قال: «كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير»، وفي رواية أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ رواه البخاري (٨٤٢) ومسلم (٥٨٣)، قال ابن بطال: «لم أقف على ذلك عن أحد من السلف إلا ما حكاه ابن حبيب في «الواضحة» أنهم كانوا يستحبون التكبير في العساكر عقب

стр. 579

صلاة الصبح تكبيرا عاليا ثلاثا، قال وهو قديم من شأن الناس»، انتهى، وانظر الفتح (٢/ ٤٢٠). وإنما ذكرت هذا لأن بعض الناس عندنا يستدلون به على ما يفعل في بعض المساجد من الذكر الجماعي جهرا فيشوش به على المسبوقين، والمتنفلين، وقد قال مالك عن ذلك في العتبية: «إنه من الأمر المحدث»، وظاهر كلام ابن عباس أنه لم يكن معمولا به في الوقت الذي قال فيه هذا الحديث، وإلا ما ذكر ذلك، فإنه لو كان الأمر في وقته مثل ما كان الأمر الذي ذكره ما كان في كلامه فائدة، ولذلك حمله الشافعي على أنهم جهروا به وقتا يسيرا لأجل تعليم صفة الذكر، فمن استدل به على ما يفعل في بعض المساجد اليوم من رفع الأصوات بالذكر وقراءة القرآن؛ يرد عليه بما يشير إليه قول ابن عباس راويه، وهو ما كان سائدا في زمان خير القرون، وقد قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٦٦ و ١٦٧) وهو برمته في كتابي المخرج من تحريف المنهج ص (٣٥): «طلب العلم درجات ومناقل ورتب، لا ينبغي تعديها، ومن تعداها جملة؛ فقد تعدى سبيل السلف ﵏، ومن تعدى سبيلهم عامدا ضل، ومن تعداه مجتهدا زل،،،،». واستعمال الأنامل في عد التسبيح وغيره مما تقدم؛ هو المشروع، فقد جاء الأمر به في السنة القولية والفعلية، فروى أبو داود (١٥٠١) عن حميضة بنت ياسر عن يُسيرة، أخبرتها أن النبي ﷺ أمرهن أن يراعين بالتكبير والتقديس والتهليل، وأن يعقدن بالأنامل، فإنهن مسؤولات مستنطقات»، ورواه الترمذي (٣٤٨٦) بنحوه، وقولها «يعقدن»، المراد يعددن، و «الأنامل» جمع أنملة مثلثة الهمزة والميم؛ هي رؤوس الأصابع، وتطلق على بقية أجزاء الأصبع، و «مستنطقات»؛ اسم مفعول، أي مأمورات بالنطق، فتتكلم لتشهد لمن فعل ذلك بخلق الله تعالى النطق فيهن، وفيه الحض على حساب تلك الأذكار بالأصابع لما في ذلك من شهادتها للفاعل، وروى أبو داود (١٥٠٢) من طريق عبيد الله بن عمر بن ميسرة، ومحمد بن قدامة في آخرين عن عبد الله بن عمرو قال: «رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح»، وفي رواية ابن قدامة: «بيمينه»، وهو في سنن الترمذي (٣٤١١) وقال حسن غريب، وليس فيه ذكر اليمين.

стр. 580

فأما ما رواه أبو داود (١٥٠٠) (والترمذي والنسائي نسبه إليهما في عون المعبود) من حديث سعد أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح بهن فقال: «أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا، أو أفضل»؟، فقال: «سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما خلق بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك»، فإن من ضعف الحديث فلا يلزمه، ومن أثبته ففيه تقريره ﷺ لهذه المرأة ومثلها سائر المكلفين على استعمال الحصى والنوى في العد، مع بيان أن استعمال الأنامل أفضل، فلا ينبغي العدول عنه إلى المفضول لمن كان غرضه الاتباع، فإن فعل؛ فليعلم أن الحصى والنوى ليس كالسبحة تعد لذلك وتشترى، فليتحفظ، وليحذر أن يشتهر ويتظاهر بها، فضلا عن تعليقها في العنق، واختيار حباتها في حجم معين من الكبر وطيها على اليد، وتحريك حباتها مع الاشتغال بغيرها، وتبرك بعضهم بها يمسح بها وجهه ويده، ولو لم يكن في هذا الأمر المفضول إلا ما آل إليه من المبالغة والتظاهر، وكونه أصبح شعارا لبعض أهل الباطل؛ لكان المطلوب الاستغناء عنه بما أرشد إليه صاحب الشريعة، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وقد ألفت في المسألة رسائل، وللمانعين والمجوزين حجج، فمن شاء أن يطلع عليها فليقرأ رسالة المنحة للسيوطي، وليقرأ ما في التحفة للمباركفوري، وما قلته هو ما اطمأنت إليه نفسي. ومما يذكر هنا أن الإمام لا يستمر مستقبلا القبلة إلا بمقدار؛ ما ذكر في حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان النبي ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، رواه مسلم (٥٩٢)، هذا هو المذهب، ولم يفرقوا بين الصلاة التي يتنفل بعدها والتي لا يتنفل بعدها كما عليه بعض أهل العلم أخذا من حديث جلوسه ﷺ في مصلاه إثر صلاة الصبح وسيأتي، ففي المدونة في باب (ما جاء في التشهد والسلام): «قال مالك في إمام مسجد الجماعة، أو مسجد من مساجد القبائل، قال إذا سلم فليقم، ولا يقعد في الصلوات كلها، قال: وأما إن كان إماما في السفر، أو إماما في فنائه ليس بإمام جماعة فإذا سلم إن شاء تنحى وإن شاء أقام»، وروى ابن

стр. 581

وهب عن أبي الزناد كما في المدونة (١/ ١٣٤) قال: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت يعيب على الأئمة قعودهم بعد التسليم، وقال: «إنما كانت الأئمة ساعة تسلم تنقلع (من؟) مكانها». وقال القرافي: «كره مالك ﵁ وجماعة من العلماء لأئمة مساجد الجماعات الدعاء عقب الصلوات المكتوبة جهرا للحاضرين، فيجتمع لهذا الإمام التقديم، وشرف كونه ينصب نفسه واسطة بين الله تعالى وبين عباده في تحصيل مصالحهم على يديه في الدعاء، فيوشك أن تعظم نفسه، ويفسد قلبه، ويعصي ربه في هذه الحالة أكثر مما يطيعه»، ذكر ذلك أبو الحسن في شرحه. ومما يتعلق بما نحن فيه، مسألة رفع الأيدي عند الدعاء أدبار الصلوات، فالذي يتضح أنه إن كان هناك ما يستدعي الدعاء كالاستسقاء؛ فإن دعاء واحد وتأمين الباقين مشروع، لأنه أحد أوجه الاستسقاء الواردة في السنة، أما رفع الواحد يديه في الدعاء بعد الصلاة؛ فقد علمت طائفة من الأدعية والأذكار التي تقال عقب الصلاة، فإذا جاء المرء بتلك الأذكار، ثم بدا له أن يزداد من الدعاء ورفع يديه فلا حرج في ذلك، فقد ورد عن النبي ﷺ رفع يديه في وقائع كثيرة حتى صار ذلك مما يمثل به للمتواتر المعنوي في السنة، فمن حفظ تلك الوقائع ورفع فيها؛ فهذا أقوم في المتابعة، لكن ذلك لا يمنع من مشروعية الرفع في غير ما ذكر من تلك الوقائع، للعمومات الواردة في رفع اليدين كقول ﷺ : «إن ربكم ﵎ حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا»، رواه أبو داود (١٤٨٨) والترمذي وابن ماجة، والصفر بكسر الصاد الخالي الفارغ، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد وغيره، وقد ورد في خصوص رفع اليدين بعد الصلاة أحاديث لم تسلم من طعن ذكر بعضها المباركفوري في شرحه لجامع الترمذي المسمى تحفة الأحوذي (١/ ٢٤٥)، باب ما يقول إذا سلم، نعم الذي ينبغي أن يجتنب هو أن يبادر المصلي بمجرد انتهاء صلاته إلى رفع يديه للدعاء مع اختصاره صلاته وتركه الدعاء في التشهد، وبخاصة في السجود الذي العبد فيه أقرب ما يكون من ربه ، وهكذا لا يشرع للإمام أن ينتصب للدعاء عقب الصلاة، وينتظره المأمومون فيرفعون مثله، وربما جهر

стр. 582

بالدعاء فيؤمنون، فهذا مما لا دليل عليه، إلا في مثل الاستسقاء. وخير للمرء أن يرغب عن أن يشتهر بين الناس بعدم رفعه يديه في الدعاء، فيظن به السوء من لا يعرف حقيقة الأمر، وهو إنما يقصد اتباع السنة حسبما فهم، فينبغي له أن ينفي عن نفسه هذه التهمة، مع ما في رفع يده عقب النافلة أحيانا، وحتى عقب الفريضة لغير الإمام بعد الفصل بما ذكر من الأدعية من نشر الحق، والسنة بين الغالي والجافي، والله أعلم. وروى ابن القاسم في المجموعة عن مالك فيمن يمسح وجهه بيديه في آخر دعائه، وقد بسط كفيه قبل ذلك، فأنكره، وقال: «ما علمته»، وفي المسألة حديث ابن عباس عند أبي داود (١٤٨٥) قال، قال رسول الله ﷺ : «لا تستروا الجدر، من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه إنما ينظر في النار، سلوا الله ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا وجوهكم»، قال أبو داود: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف أيضا، وانظر التلخيص الحبير (ح/ ٣٧٢)، وقال ابن عبد السلام: «لا يمسح وجهه إلا جاهل». وقال مالك عن الدعاء عند ختم القرآن: «ما علمته من عمل الناس، وما أرى أن يفعل، وكره للقوم أن يقفوا يدعون،،، وكره مالك أن يقول في دعائه: يا سيدي، أو يا حنان، وليدع بما في القرآن، ويما دعت الأنبياء ﵈»، وإذا ثبت أن الحنان اسم من أسماء الله فليدع المرء به. وقد دأب بعض الناس على المصافحة بمجرد التسليم ممن هو إلى جنبه، وهذا خلاف الصواب، وقد صرّح ابن تيمية بأنه بدعة، لكن ينبغي الرفق والتعليم وترك التعنيف والزجر.

стр. 583

• قوله: ٢٢ - «ويستحب بإثر صلاة الصبح التمادي في الذكر والاستغفار والتسبيح والدعاء إلى طلوع الشمس، أو قرب طلوعها، وليس بواجب». هذا القدر بعد صلاة الصبح زائد على المعتاد في أدبار الصلوات الأخرى، ويحصل بالأذكار المشروعة من التسبيح والتحميد والتكبير والحوقلة والاستغفار وقراءة القرآن، ويدل على فضيلة ما ذكر ما رواه الترمذي (٥٨٦) وحسنه عن أنس ابن مالك قال، قال رسول الله ﷺ : «من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين؛ كانت له كأجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة»، ولا يقاس فضل الله تعالى بحساب البشر، فإن خزائن كل شيء عنده، وفضله يؤتيه من يشاء، وقد روى الطبراني عن أبي أمامة قال، قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاة الغداة في جماعة، ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم قام فصلى ركعتين، انقلب بأجر حجة وعمرة»، وإسناده جيد كما قال المنذري. وكان هذا شأن النبي ﷺ وصحبه، فقد روى مسلم (٦٧٠) وأبو داود والترمذي (٥٨٥) عن سماك بن حرب، قال قلت لجابر بن سمرة: «أ كنت تجالس رسول الله ﷺ ؟، قال: «نعم، كثيرا، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم رسول الله ﷺ »، وقد روى مسلم بعد الحديث المتقدم حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها»، وحيث إن المساجد خير البقاع؛ فليقض المؤمن فيها وقته الذي لا يحتاج إلى صرفه في مصالح دنياه، أو مصالح دينه مما يكون خارجه.

стр. 584

• قوله: ٢٣ - «ويركع ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح، بعد الفجر، يقرأ في كل ركعة بأم القرآن يسرها». المشهور أن ركعتي الفجر رغيبة، وليس ثمة ما يوصف بذلك غيرها، ولمالك فيها قولان السنية والرغيبة، قال الباجي: «إن الفقهاء من أصحابنا قد أوقعوا هذه الألفاظ على ما تأكد من المندوب إليه، وكانت له مزية على النوافل المطلقة»، ونحوه قول ابن العربي ناقلا المذهب: «إنهما من الرغائب»، وهذا يعني أن الرغائب فوق الرواتب الأخرى، ولهذا قال مالك عنها: «لا ينبغي تركها»، لكنها دون السنن وهي الوتر، والعيدان، والكسوف، والاستسقاء، وصلاة الخوف. وقد يقال: لم خصوا هاتين الركعتين بهذا الوصف، وقد ورد الترغيب في غيرهما؟، والجواب: أنه قد ورد في وصفهما لفظ الرغائب كما في الحديث الذي رواه الطبراني عن ابن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تدعوا الركعتين قبل صلاة الفجر، فإن فيهما الرغائب»، وهو في (ضعيف الترغيب) للألباني، ولأن هذا مصطلح لهم في التفريق بين السنن كما حدوها، وبين غيرها. وورد فيهما صحيحا مرفوعا «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»، يعني خير من متاع الدنيا، وإلا فإن الدنيا وعاء للأعمال الصالحات التي منها ما هو أعظم من ركعتي الفجر بكثير، قال ابن العربي: «لا خلاف بين العلماء أن تسبيحة واحدة خير من الدنيا وما فيها، فكيف بركعتي الفجر؟،،،»، وقال النبي ﷺ : «لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل»، وهو في سنن أبي داود (١٢٥٨) عن أبي هريرة، وفي سنده عبد الرحمن بن إسحاق المدني متكلم فيه، وفي الصحيحين: خ/ (١١٦٩) وم/ ٧٢٤) ود/ ١٢٥٤) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: إن النبي ﷺ لم يكن على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح»، والمراد

стр. 585

بالمعاهدة المداومة والاستمرار. وركعتا الفجر مذكورة في جملة الرواتب - لكنها أقوى منها في المشروعية حتى قيل بوجوبها - ففي حديث ابن عمر ﵄ قال: «حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح، وكانت ساعة لا يدخل على النبي ﷺ فيها»، وفي رواية: «وركعتين بعد الجمعة في بيته»، رواه الشيخان: خ ١١٨٠). وتصلى ركعتا الفجر بعد طلوع الفجر قبل الفريضة، فإن صليت الفريضة؛ فلا تقضى على المذهب إلا بعد طلوع الشمس رعاية للنهي الوارد عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، وينتهي قضاؤها في المذهب بزوال الشمس، وقد روى مالك بلاغا عن ابن عمر أنه صلاهما بعد طلوع الشمس، بل صح ذلك مرفوعا لكن بقيد النوم عن الفريضة حتى طلعت الشمس، ويجوز أن تصلى بعد صلاة الصبح، ولا ينتظر بها الشروق لحديث الترمذي (٤٢٢) وابن ماجة عن محمد بن إبراهيم عن جده قيس قال: «خرج رسول الله ﷺ فأقيمت الصلاة، فصليت معه الصبح، ثم انصرف النبي ﷺ فوجدني أصلي، فقال: «مهلا يا قيس، أصلاتان معا؟، فقلت: يا رسول الله إني لم أكن ركعت ركعتي الفجر، قال: فلا إذن»، ورواه أبو داود (١٢٦٧) بنحوه عن قيس بن عمرو قال: «رأى رسول الله ﷺ رجلا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال: رسول الله ﷺ : «صلاة الصبح ركعتان»،،، الحديث، وقوله: «أصلاتان معا»؛ إنكار لإعادة الصلاة من غير موجب، كأنه ﷺ حمل صلاته على إعادة الصبح، وقوله «فلا إذن»، معناه إذا كان الأمر كما تقول؛ فلا مانع من الصلاة، وقد روى مالك في الموطإ نحوا من هذا لكن فيمن قام يصلى هاتين الركعتين بعد أن أقيمت صلاة الصبح، فقال: «أصلاتان معا؟، أصلاتان معا»؟. فإن قلت: فقد روى أحمد والحاكم والترمذي - وقال غريب - عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «من لم يصل ركعتي الفجر؛ فليصلهما بعد ما تطلع الشمس»، فإن فيه تقييد قضائهما بما بعد طلوع الشمس؛ فالجواب: أنه لا معارضة بين هذا، وما في حديث قيس من الإقرار على صلاتهما قبلها، فيحمل على أن المراد عدم فواتهما بالطلوع، والله أعلم.

стр. 586

والمشهور في المذهب استحباب القراءة فيهما بالفاتحة فقط، قال ابن القاسم عن مالك: «أما أنا فلا أزيد فيهما على أم القرآن في كل ركعة، لحديث عائشة، رواه عنه ابن القاسم، وابن وهب، وهو في (الاستذكار ٢/ ١٢٧)، كما رواه عنه علي بن زياد، وقد أخذ ذلك مما رواه في الموطإ (٢٨٢) ومسلم (٧٢٤) وسنن أبي داود (١٢٥٥) والنسائي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: «إن كان رسول الله ﷺ ليخفف ركعتي الفجر، حتى إني لأقول: أقرأ فيهما بأم القرآن أم لا»؟، وقولها «إن كان»؛ «إن» هذه؛ هي المخففة من الثقيلة، واللام في قولها «ليخفف»؛ هي اللام الفارقة بينها وبين النافية، ولم تذكر في رواية مسلم للاستغناء عنها بالقرائن، ويؤخذ من الحديث أمران: الأول أنه كان يسر بالقراءة في هاتين الركعتين، إذ لو جهر لعلمت ما قرأ، لكن سيأتي أن ابن عباس وأبا هريرة سمعا قراءته، وأن ابن عمر رمقه شهرا وقد ذكر السورتين اللتين كان يقرأ بهما، فيقال إن الغالب كان الإسرار، والثاني أنه كان يخففهما بما في ذلك القراءة، ولو كان هذا وحده في الباب لكان محتملا لما قيل من ترك قراءة السورة، مع أنه يحتمل التخفيف فيها مع قراءتها، لأن ذلك هو الأصل، فإن النبي ﷺ كان ربما رتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، كما رواه الترمذي، فالمراد من كلام عائشة التخفيف كما هو صريح ما رواه مالك (٢٨٠) ورواه مسلم (٧٢٣) من طريق يحي بن يحي قال قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر عن حفصة أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وبدا الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة»، وورد في تخفيفهما أيضا ما رواه الترمذي (٤٦١) عن أنس بن سيرين قال سألت ابن عمر فقلت: أطيل في ركعتي الفجر؟، فقال: كان النبي ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة، وكان يصلي الركعتين والأذان في أذنه»، يعني يخفف، ومع هذا الاحتمال فقد عارض الحديث المذكور ما هو نص، فيقدم عليه ولو كان ظاهرا في الترك، كيف وقد أخرج مسلم (٧٢٦) والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد»، وروى الترمذي (٤١٧) وحسنه عن ابن عمر أنه رمق النبي ﷺ شهرا فكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر بهما»، وذكر في النوادر أنه في موطإ ابن وهب عن ابن عمر.

стр. 587

وفي المنتقى للباجي (١/ ٢٢٧) أن ابن وهب ذكر ذلك لمالك فأعجبه، وفي صحيح ابن خزيمة من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها-:،،، وكان يقول نعمت السورتان يقرأ بهما في ركعتين قبل الفجر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وروى مسلم (٧٢٧) وأبو داود (١٢٥٩) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾، الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وفي رواية لابن عباس أنه ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]، والتي في آل عمران: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]، ولأبي داود (١٢٦٠) عن أبي هريرة نحوه، وهذا هو الصواب إن شاء الله. وعليه الرواية الأخرى لابن القاسم عن مالك أنه يقرأ فيهما بالفاتحة، وسورتين من قصار المفصل، وفي النوادر (ما جاء في ركعتي الفجر) أنه جعل القراءة لغيره، وأما هو فقال: «أما أنا فما أزيد على أم القرآن في كل ركعة»، فهذا يضم إلى ما خص فيه نفسه بشيء يخالف فتواه للناس، ومن ذلك سجوده في المفصل. وقد أثبت ابن عبد البر ترك القراءة مطلقا، فلا يستفاد منه التفريق المذكور، وقراءة سورتين ينبغي أن يكون الغالب، لأن السورة هي المتحدى بها. قال خليل مبينا بعض أحكام ركعتي الفجر: «وهي رغيبة تفتقر لنية تخصها، ولا تجزئ إن تبين تقدم إحرامها للفجر، ولو بتحر، وندب الاقتصار على الفاتحة، وإيقاعها بمسجد، ونابت عن التحية، وإن فعلها ببيته لم يركع، ولا يقضى غير فرض إلا هي فللزوال،،،»، انتهى، والله أعلم.

стр. 588

• قوله: ٢٤ - «والقراءة في الظهر بنحو القراءة في الصبح من الطوال، أو دون ذلك قليلا، ولا يجهر فيها بشيء من القراءة، ويقرأ في الأولى والثانية في كل ركعة بأم القرآن وسورة سرا، وفي الأخيرتين بأم القرآن وحدها سرا». تقدم أن المذهب تطويل القراءة في الصبح والظهر، ومن الأدلة على ذلك ما رواه مسلم (٤٥٢) وأبو داود (٨٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك»، والثلاثون آية نحو سورة السجدة، وسورة الملك، وقوله عن الأخيرتين في الظهر والعصر «نصف ذلك»؛ مشعر بقراءة زائدة على الفاتحة، وهذا قاله بعض العلماء، والمذهب عدم الزيادة على الفاتحة في الأخيرتين، لحديث أبي قتادة عند مسلم (٤٥١) وأبي داود (٧٩٨) - وهو نص - أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، ويسمعنا الآية أحيانا، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب»، وفيه «أنه كان يطول في الركعة الأولى من الظهر ويقصر الثانية، وكذلك الصبح»، وهذا يدل على أن التطويل وإن كان مشروعا في صلاة الصبح فهو يختلف بين الركعة الأولى والثانية، ويدل عليه أيضا حديث سعد بن أبي وقاص المتفق عليه، ومن الحكمة في ذلك إدراك المسبوق الصلاة، مع مناسبة أخرى ظاهرة، وهي أن القوة تتوفر في أول الأمر ما لا تتوفر في نهايته، وبعد كتابة هذا وجدت الشيخ الطاهر بن عاشور يشير إلى ذلك في كشف المغطى، وقوله: «ويسمعنا الآية أحيانا»؛ يدل على أنه كان يسر القراءة في الظهر والعصر، ويدل عليه أيضا حديث خباب إذ سألوه: «أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟، قال: نعم، فقلنا: بم كنتم تعرفون ذلك؟،

стр. 589

قال: «باضطراب لحييه» -مثنى لَحي بفتح اللام- رواه البخاري وأبو داود (٨٠١)، ومما يذكر أنهم لم يروا السجود على من زاد السورة في الأخيرتين أو الأخيرة، قال خليل ذاكرا ما لا سجود فيه: «أو زاد سورة في أخرييه، أو خرج من سورة لغيرها»، وصح أنه ﷺ قرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر بنحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك»، رواه مسلم وأبو داود عن جابر بن سمرة، وفي سنن أبي داود (٨٠٥) والترمذي (٣٠٧) عنه أن النبي ﷺ كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق ونحوهما من السور.

стр. 590

• قوله: ٢٥ - «ويتشهد في الجلسة الأولى إلى قوله: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله». روى أبو داود (٩٩٥) والترمذي (٣٦٦) - وقال حسن - عن أبي عبيدة عن أبيه؛ أن النبي ﷺ كان في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف»، وهو منقطع لعدم سماع عبيدة من أبيه عبد الله بن مسعود كما صرح به الترمذي، والرضف بفتح الراء وسكون الضاد جمع رضفة وهي الحجارة المحماة على النار، وقد استدل به من قال بتخفيف التشهد الأول، وعدم الزيادة على لفظه كما قال المؤلف، والحديث مع ضعفه لا يدل إلا على التخفيف، وكون التشهد الأول أقل طولا من الثاني، وربما أخذ منه هيئة الجلوس وهي الافتراش في التشهد الأول كما تقدم، لكن قال الترمذي: «والعمل على هذا عند أهل العلم يختارون أن لا يطيل الرجل القعود في الركعتين الأوليين، ولا يزيد على التشهد شيئا في الركعتين الأوليين، وقالوا إن زاد على التشهد شيئا فعليه سجدتا السهو». قلت: ذهب ابن حزم إلى وجوب الاستعاذة بالله من الأربعة المذكورة سابقا في التشهد الأول والثاني، للإطلاق الذي في حديث أبي هريرة عند مسلم: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع،،،»، كما ذهب إلى استحباب الصلاة على النبي ﷺ فيهما، فانظر المحلى المسألتين: (٣٧٣ و ٣٧٤)، واستدل المحدث الألباني ﵀ في (تمام المنةص ٢٢٤) على ذلك بحديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- الذي أخرجه أبو عوانة في صحيحه ومسلم (٧٤٦) في صفة صلاته ﷺ من الليل، قالت: «كنا نعد لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره، فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربه ويصلي على نبيه ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد، ثم يحمد ربه ويصلي على نبيه ﷺ ويدعو، ثم يسلم تسليما يسمعنا،،، الحديث، وذكر أنه لا ينبغي أن

стр. 591

يعترض بأنه في النافلة، لأن الأصل تساوي الفرض والنفل، إلا ما دل الدليل على خلافه. قلت: وهذه المشروعية لا تجعله في طول التشهد الثاني، فلا مناص من القول باستحباب ذلك، وفي رواية لمالك ما يوافق هذا، قال في النوادر: «واختلفت الرواية عنه في الدعاء بعد تشهد الجلسة الأولى، فقال عنه ابن نافع: «لا بأس أن يدعو بعده»، وهذا قول ابن القاسم في العتبية، وقال علي بن زياد عنه: «وليس في التشهد الأول موضع للدعاء»، ودليل رواية ابن نافع ما رواه النسائي وغيره عن عبد الله قال: «كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين غير أن نسبح، ونكبر، ونحمد ربنا، وأن محمدا ﷺ علم فواتح الخير وخواتمه، فقال: «إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله،،، الحديث، وفي نهايته قوله ﷺ : «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه»، وهو في صحيحة المحدث الألباني برقم (٨٧٨)، وحمل قوله ﷺ : «ثم ليتخير،،، الخ ظاهر في غير الصلاة على النبي ﷺ ، والله أعلم. وعد بعضهم المواضع التي يكره فيها الدعاء ونحوه فإذا هي ستة: بعد تشهدي السجود القبلي، والبعدي، وبعد التشهد الأول، وبعد تسليم الإمام، ومن كان بصدد النفل يوم الجمعة والإمام على المنبر، ومن أقيمت عليه الصلاة وهو في نافلة، والدعاء بعد التشهد الأول ثابت، وسيأتي الكلام على بعض هذه المواضع التي نظمها الشيخ عثمان بن عمر بن سداق فقال: يكره في تشهد القبلي … دعاؤنا تشهد البعدي تشهد أول يا همام … وبعد أن يسلم الإمام أو يدخل في جمعة ومثل ذا … من في صلاة وعليه فادر ذا أقيمت الصلاة يا من قد فضل … خذه ولا تعبأ بمن لك عذل

стр. 592

• قوله: ٢٦ - «ثم يقوم فلا يكبر حتى يستوي قائما، هكذا يفعل الإمام والرجل وحده، وأما المأموم فبعد أن يكبر الإمام يقوم المأموم أيضا، فإذا استوى قائما كبر، ويفعل في بقية الصلاة من صفة الركوع والسجود والجلوس نحو ما تقدم ذكره في الصبح». ما في هذه الفقرة قد تقدم الكلام عليه، فأما ما ذكره من التكبير؛ فإن تكبيرات الانتقال كلها يعمر بها الركن، وقد تقدم ما في ذلك، أما التكبير بعد التشهد الأول؛ فلا يكون في المذهب إلا بعد أن يستقل المصلي قائما، والعمدة فيه إما لأن أصل الصلاة ركعتان، فما بعدهما إنما يبتدأ فيه بعد القيام، حتى كأنه صلاة أخرى فحينئذ يشرع التكبير، وهذه حجة بنيت على حديث عائشة في فرض الصلاة، وأنها فرضت ركعتين ثم زيد في صلاة الحضر، وإما أنها عقلية يردها مجرد مخالفتها لبقية مواضع التكبير، وهو كونه يشرع فيه مع حركة الانتقال، فهذا كاف في الرد، لأن استصحاب الأصل حق عند عدم الدليل الناقل عنه، ومع هذا فقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ في وصف صلاة النبي ﷺ : «ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في الإثنتين»، وهو في صحيح البخاري (٨٠٣). قال ابن العربي في (العارضة ٢/ ٥٥ و ٥٦): «اختلفوا في تكبير القيام من اثنتين، فرأى مالك أنه لا يكبر مع القيام حتى يستوي بناء على أن الركعتين مزيدتان، وأنه في محل افتتاح صلاة أخرى وصلت بالأولى، فكان عندهم القيام، وهذا أمر نسخ وذهب إن كان، والذي جاء في الحديث الصحيح أنه كان يكبر إذا نهض، فعليه فعولوا».

стр. 593

• قوله: ٢٧ - «ويتنفل بعدها، ويستحب له أن يتنفل بأربع ركعات يسلم من كل ركعتين، ويستحب له مثل ذلك قبل صلاة العصر». لابد أن يُشار هنا إلى فصل الصلاة عن الصلاة، وحسبُك شرا من وصل الصلاة بالصلاة أنها من فعل اليهود، وصلاة النافلة في البيوت بخمس وعشرين درجة، وقد شرّع الله تعالى لنا صلاة النافلة قبل بعض الصلوات المفروضة وبعدها، وهي التي تسمى الرواتب، وشرع نوافل مرتبة على أسباب، إذا حصل السبب فعلت، وهناك النفل المطلق الذي ليس يندرج في واحد منهما، ومن عرف أهمية الصلاة وما فيها من الأجر والمثوبة؛ أدرك ما في هذا الاشتراع من المصلحة للمكلفين، فإن الصلاة خير موضوع، فمستقل منه ومستكثر، وطول القيام فيها من أفضل الأعمال، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وفي الرواتب القبلية استعداد المصلي للفريضة، وفيها وفي البعدية جبران لما قد يكون في الصلاة من نقص وخلل، فإن الصلاة أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة فإن نجا منها نجا، والله تعالى يأمر يوم القيامة أن ينظر هل لعبده من تطوع تجبر به صلاته، بل إن التطوع من سائر جنس الفرائض تجبر به الفرائض، فقد روى الترمذي (٤١٣) وابن ماجة عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء؛ قال الرب ﵎: انظروا هل لعبدي من تطوع؟، فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك»، وأفلح فاز، وأنجح؛ نال مطلوبه، وخاب بحرمان المثوبة، وخسر بوقوع العقوبة، والحديث فيما بين المرء وربه، فلا تعارض بينه وبين ما ورد من أن أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة الدماء، فلما كانت الصلاة بهذه المثابة، وكانت فرائضها محدودة لا يمكن الزيادة فيها؛

стр. 594

تنوعت نوافلها من رواتب، وتحية المسجد، والركعتين عقب الوضوء، وركعتي الطواف، وركعتي الاستخارة، والصلوات الأخرى التي تتكرر في أوقات معينة، أو لأسباب معينة كالعيدين، والاستسقاء، والكسوف، وغيرها، أما تحديد النوافل بعدد؛ ففي المدونة. قلت: هل كان مالك يوقت قبل الظهر للنافلة ركعات معلومات، أو بعد الظهر، أو قبل العصر، أو بعد المغرب فيما بين المغرب والعشاء، أو بعد العشاء؟، قال: لا، قال: وإنما يوقت في هذا أهل العراق»، وهذا ليس كلام مالك ﵀، وإنما هو فهم ابن القاسم استنادا إلى مبدإ عدم التوقيت والتقييد إذا كان مستنده الرأي، يدل عليه قول مالك في العتبية من رواية ابن القاسم عنه: «قد جاء في صلاة الليل إحدى عشرة ركعة، وثلاث عشرة ركعة،،،»، فاعتمد كما ترى على المروي رغم تعدده، وأعداد رواتب النهار والليل أوضح من أن تخفى على مثل الإمام ﵀، والله أعلم. واعلم أنه قد دل الدليل على مشروعية التنفل قبل كل صلاة من الصلوات الخمس ما عدا صلاة الجمعة، وذلك لعموم قول النبي ﷺ : «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، لمن شاء»، والمقصود بالأذانين الأذان والإقامة فهو تغليب، وللظهر راتبتان: قبلية وبعدية، ولم يذكر المؤلف القبلية، والدليل على أربع ركعات قبلها؛ قول عائشة -رضي الله تعالى عنها- «أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة»، رواه البخاري (١١٨٢)، وفي حديث أم حبيبة عند أبي داود (١٢٦٩)، مرفوعا: «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرم على النار»، وفي حديث ابن عمر الصحيح وقد تقدم أنه كان يصلي اثنتين قبل الظهر، فيحتمل أنه تارة كان يفعل هذا، وتارة يفعل الآخر، ويحتمل أن ابن عمر وصف ما رأى في المسجد ولم ير ما في المنزل، فأما التنفل قبل العصر، ففيه قوله ﷺ : «رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا» رواه أبو داود (١٢٧١) عن ابن عمر، وقال النبي ﷺ : «من صلّى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتًا في الجنة». أما أن التسليم من كل ركعتين؛ فمراده أن لا يصلي أربع ركعات متصلات، والمذهب أن نوافل الليل والنهار كلها يسلم فيها من ركعتين، وهو الذي عليه الجمهور، ودليلهم فعل النبي ﷺ المستفيض في صلاته ركعتين، وقوله ﷺ : «صلاة الليل والنهار

стр. 595

مثنى، مثنى»، رواه أصحاب السنن د/ ١٢٩٥) عن ابن عمر، وأصله في الصحيحين بدون ذكر النهار، وفي إسناده علي بن عبد الله البارقي، احتج به مسلم، وقال الذهبي: «ما علمت لأحد فيه جرحة»، وقال الحافظ في التقريب: «صدوق ربما أخطأ»، وصحح الحديث البخاري حين سئل عنه، كما صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، ولم ير في (منتقى الأخبار) بين حديثي ابن عمر تضاربا، لأن الأول خرج على سؤال، والثاني ليس كذلمك، فهما حديثان، وقال النسائي: «هذا خطأ»، وضعفه يحي بن معين، وانتقد الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع (٢١/ ٢٨٩ - ٢٩٢)، سندا ومتنا، والنص السابق في الموطإ (٢٥٩) موقوفا على ابن عمر ﵄: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يسلم من كل ركعتين»، قال مالك: «وهو الأمر عندنا»، وهذا من ابن عمر ﵁ فيما يبدو كالتفسير للحديث المرفوع يعني أنه لا يؤخذ بمفهوم اللقب فيه إذا لم يصح مرفوعا. والذي يظهر والله أعلم أن كون صلاة الليل مثنى أمر أغلبي، يدل عليه فعل النبي ﷺ كما في الصحيح حيث كان يصلي أكثر من ثنتين بتسليمة واحدة، وحيث إن قول النبي ﷺ : «صلاة الليل مثنى، مثنى»؛ صحيح، ومع صحته وجد ما يخالف مفهوم اللقب فيه على ضعفه، وهو أن النبي ﷺ صلى أكثر من ركعتين بسلام واحد في صلاة الليل، فما اختلف في ثبوت منطوقه أولى أن لا يؤخذ بمفهومه، وقد روى مالك في الموطإ (٢٦١) ومسلم والترمذي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- في صلاة الليل: «،،، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا،،، الحديث. فإن قيل: إن غالب ظواهر النصوص تدل على كون صلاة النهار مثنى مثنى كتحية المسجد، وركعتي الطواف، والرواتب، وصلاة الاستخارة، وصلاته ﷺ في الكعبة، وصلاته في بيت مليكة، وفي بيت عتبان بن مالك؛ قيل: أجل، لكن هذه النصوص لا تدل على المنع، وقد جاء ما يدل على الجواز كصلاة التسبيح، وهي أربع ركعات عند من أخذ بالحديث، والإيتار بثلاث ركعات متصلات، وبخمس، مع الجلوس في الرابعة، وغير ذلك، ينضم إلى هذا ظواهر نصوص أخرى محتملة في الرواتب، حيث ذكر فيها أربع ركعات، كما تقدم قبل الظهر وبعدها وقبل العصر، ومما يدل على ذلك فيما أرى حديث

стр. 596

عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ كان إذا لم يصل أربعا قبل الظهر صلاهن بعدها»، رواه الترمذي (٤٢٦)، وقال حسن غريب، ووجه الاستدلال به أن يضم إليه ما جاء في رواية لابن ماجة (١١٥٨) من تقييد قضاء الأربع الفائتة بأنها بعد راتبة الظهر البعدية، فإذا تم ذلك، فإن عائشة -رضي الله تعالى عنها- تكون قد علمت بأنه قضى راتبة الظهر القبلية بعد راتبته البعدية لكونه صلاها أربعا متصلة، وإلا كيف عرفت أن هذه قضاء لو صلى اثنتين ثم اثنتين، فإنه لم يرد تصريحه ﵌ بأن هذه الأربعة المتأخرة هي الراتبة القبلية، فتعين أن تكون علمتها بصفتها، والله أعلم. ومما جاء منصوصا قول النبي ﷺ : «أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء»، رواه أبو داود (١٢٧٠) عن أبي أيوب، وفيه عُبَيْدة بن مُعَتِّب الضَّبِيِّ ضعيف واختلط بآخرة، كذا في التقريب، وحسنه الألباني، وقوله «تفتح لهن أبواب السماء»؛ معتاه حسن القبول، وروى الترمذي (٤٧٨) وحسنه من حديث عبد الله بن السائب أن رسول الله ﷺ كان يصلي أربعا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: «إنها ساعة تفتح لها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح»، وهذا والله أعلم شاهد قوي لحديث أبي أيوب المتقدم، وعليه يكون حديث صلاة الليل مثنى مثنى المراد به الإرشاد إلى الأيسر والأخف، وهكذا الآخر إذا ثبت يحمل على ما هو الأرفق بالمكلف، قال ابن العربي في (العارضة ٢/ ٢٢٨): «أما التنفل بأكثر من ركعتين؛ فقد ثبت عن النبي ﵇ أنه صلى ركعتين وثلاثا وخمس ركعات وتسعا، لا يجلس إلا في آخرهن، وخرجه مسلم عن عائشة وفي الموطإ،،، وما صح عنه ﷺ ؛ فلا وجه لإنكاره، ولا معنى للنزاع فيه، أما قوله صلاة الليل مثنى مثنى فيدل على أنه الأفضل». وقد روى مالك في الموطإ (١٧١) أن عبد الله بن عمر كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعا في كل ركعة بأم القرآن، وسورة من القرآن، وكان يقرأ أحيانا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة من صلاة الفريضة، ويقرأ في الركعتين من المغرب كذلك بأم القرآن وسورة سورة»، وإنما سقته هنا لأن قوله «يقرأ في الأربع جميعا»؛ يحتمل أنه صلى الفريضة وحده، وهذا هو مراد مالك من سوق هذا الأثر في الباب، ويؤيده ما جاء في رواية

стр. 597

محمد بن الحسن للموطإ من زيادة «من الظهر والعصر»، أما استعمال لفظ كان الذي شأنه في الأصل الدوام فلا يعكر على ذلك، لأنه قال إذا صلى وحده، ولو كانت نافلة ما احتاج إلى هذا القيد، لأن النافلة يصليها المرء وحده، ويحتمل على ضعف أن الصلاة نافلة فيتم المراد. وقال الباجي في (المنتقى ١/ ١٤٧) شارحا أثر ابن عمر السابق: «ويحتمل أن يفعل ذلك في النافلة، غير أن لفظ الأربع ركعات في الفريضة أظهر، لأنه لا عرف في الشرع لأربع ركعات من النافلة،،، إلى آخر كلامه، وقوله: «لا عرف في الشرع»؛ مصادرة على المطلوب، وقد تفصى منه بأنه كان سهوا منه، فجمع بين أربع ركعات بسلام واحد، ولعل التوجيه الذي ذكرته هو المناسب لهذا الأثر. وقد روى يحي بن سعيد الأنصاري عن نافع أن ابن عمر كان يتطوع بالنهار أربعا لا يفصل بينهن بتسليم»، ذكره المباركفوري في (التحفة ١/ ٣٢٧)، ولم أقف على من رواه عن يحي بن سعيد، وقد ذكر الزرقاني في شرحه على (الموطإ ١/ ٢٤٥) عن الشافعي أن ابن عمر كان يصلي أربع ركعات لا يفصل بينهن، وتأوله إذا صح على معنى أنه لا يفصل بالتقدم أو بالتأخر أو بالجلوس الطويل، وهذا مجاز، والأصل الحقيقة. وقال الترمذي في (باب أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى): «وقد روي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان بصلي بالليل مثنى مثنى وبالنهار أربعا»، ومما يدل على ذلك عند بعضهم حديث علي ﵁ عند الترمذي (٤٢٩) قال: «كان النبي ﷺ يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين»، وقد اختلف في تأويل قوله يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين،،، هل المراد به التشهد، أو تسليم التحليل؟، والظاهر أن المراد التشهد، وينشأ عنه إشكال تشبيه النافلة بالفريضة، وقد ذهب إلى هذا المعنى إسحاق بن إبراهيم، إذ رأى أن يصلي المرء قبل العصر أربع ركعات، ذكره عنه الترمذي في جامعه (باب ما جاء في الأربع قبل العصر)، حيث ذكر الحديث مختصرا، وكرره في (باب كيف كان تطوع النبي ﷺ بالنهار) مستقصى، لكن الذي يظهر أن لا دليل في الحديث على صلاة أربع ركعات متصلات إذا

стр. 598

تجاوزنا ما فيه من المخالفة للثابت عن النبي ﷺ في الرواتب، كما في حديث عائشة وابن عمر الصحيحين، متى حملت كان على بابها من المداومة والاستمرار، ولعل الصواب حمل الحديث على أنه كان يسلم من كل ركعتين، فذكر التشهد ولم يذكر التسليم، لأن الصلاة بدونه تشبه الصلاة الرباعية المفروضة، وقد جاء النهي عن الإيتار بثلاث ركعات مع الفصل بالتشهد، لكونها تشبه صلاة المغرب، فكذلك الأمر هنا، لولا الزيادة التي في آخر الحديث، وهي «بجعل التسليم في آخره» وانظر الصحيحة (٢٣٧)، والله أعلم. وقد روى علي بن زياد عن مالك فيمن لم يدر في النافلة أصلى ركعة أو ركعتين فبنى على ركعة، فلما صلى ثانية أيقن أنها ثالثة؛ فليأت برابعة ويسجد بعد السلام»، وكذلك ذكر عنه فيمن قام من اثنتين حتى ركع في الثالثة فإنه يتم أربعا ويسجد قبل السلام، فهذا يدل على أنه يصحح الأربع ركعات في مثل هذه الحالة، ولا يعتبرها باطلة كما هو المذهب أن الزيادة سهوا إذا بلغت مثل الصلاة في العدد أبطلتها. وفي ختام هذا البيان، فإني أنصح من يؤم الناس في التراويح مثلا أن يقتصر على ما اعتادوه من كون الصلاة مثنى مثنى، فقد علمت أن هذا أمر متفق عليه، وأنه الأيسر، وهو الذي يعلمه الناس، وأن يجتنب الإيتار بثلاث ركعات متصلات رغبة منه في العمل بالسنن التي جاءت على أنحاء مختلفة، وقد وقفتَ في هذا الشرح على أمثلة من منهج الإمام مالك في هذا الأمر، ويمكن الراغب في ذلك التنويع أن يفعل صور النافلة الأخرى إذا كان منفردا، أو مع من يفقه ذلك، ولا بأس أن يشير إليه في دروسه، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا، كما قال عمر بن عبد العزيز ﵁، فإذا تعلّم الناس أسلسوا القياد، وقال علي بن أبي طالب ﵁: «حدثوا الناس بما يعرفون - يعني يفهمون - أترضون أن يكذب الله ورسوله؟، وقال ابن مسعود ﵁: «ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة»، وإذا كان هذا في مجرد تحديثهم فكيف إذا أجبروا على فعل ما لا يعلمون»؟.

стр. 599

• قوله: ٢٨ - «ويفعل في العصر كما وصفنا في الظهر سواء، إلا أنه يقرأ في الركعتين الأوليين مع أم القرآن بالقصار من السور، مثل (والضحى) و (إنا أنزلناه) ونحوهما». تقدم أن القراءة في العصر على النصف من القراءة في الظهر، وقد قرأ النبي ﷺ في الظهر بنحو ثلاثين آية، وعدد آي سورة الضحى إحدى عشرة، وقرأ النبي ﷺ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك»، وهو في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر بن سمرة.

стр. 600

• قوله: ٢٩ - «وأما المغرب؛ فيجهر بالقراءة في الركعتين الأوليين منها، ويقرأ في كل ركعة منهما بأم القرآن وسورة من السور القصار، وفي الثالثة بأم القرآن فقط، ويتشهد ويسلم». قد علمت أن مشهور المذهب كون وقت المغرب يقدر بأدائها بعد تحصيل شروطها، وقد يكون القول بالقراءة فيها بقصار المفصل مبنيا على هذا، وإلا فإن مالكا ﵀ قد روى في الموطإ ما يدل على خلاف ذلك، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قرأ فيها بسورة المرسلات، رواه مالك (١٦٩) والشيخان، وأبو داود (٨١٠) عن أم الفضل، وفي الموطإ (١٦٨) وصحيح البخاري عن جبير بن مطعم أنه قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بالطور في المغرب». وفي سنن أبي داود (٨١٢) عن عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم قال: «قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بطولى الطوليين؟، قلت: «ما طولى الطوليين»؟، قال: «الأعراف والأخرى الأنعام»، قال: «وسألت ابن أبي مليكة، فقال لي من قبل نفسه: المائدة، والأعراف»، وهو في صحيح البخاري مختصرا»، وقوله: «طولى»؛ مؤنث أطول، و «الطوليين»؛ مثنى الطولى، ويظهر في الحديث أن القراءة بقصار المفصل في المغرب كانت شائعة في المدينة. ويدل على ذلك أيضا حديث أبي هريرة قال: «ما رأيت رجلا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان، لإمام كان بالمدينة،،، الحديث، رواه النسائي، وقد تقدم، فلعل معتمد القول بالقراءة بقصار المفصل هو كونه كان شائعا في المدينة، وقد روى أبو داود (٨١٣) عن هشام بن عروة أن أباه كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو ما تقرؤون (والعاديات) ونحوها من السور، قال أبو داود: «هذا يدل على أن ذاك منسوخ»، يقصد باسم الإشارة ما رواه عروة
следующие страницы →