Полный текст (2 782 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
• قوله:
٦ - «وليس في غسل الميت حد، ولكن ينقى ويغسل وترا بماء وسدر، ويجعل في الأخيرة كافور، وتستر عورته».
هذا قول مالك -رحمه الله تعالى- في الموطإ (٥٢٢)، قال بعد روايته حديث أم عطية: «وليس لغسل الميت عندنا شيء موصوف، وليس لذلك صفة معلومة، ولكن يغسل فيطهر»، وفي المدونة: «ليس في غسل الميت حد، يغسلون، وينقون»، وعدم التحديد من أصول مذهبه، لكن المراد به هنا أن التحديد بعدد معين من الغسلات، أو بتقديم أعضاء الوضوء ليس حتما لا يكفي الغسل دونه، لكن ذلك لا ينفي فضيلة ما ذكر، بدليل قوله (ويغسل وترا)، وفي حديث أم عطية التفويض فيما زاد من الغسلات على الخمس للغاسل، إذ فيه: «أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك»، على أن يكون وترا، قال ابن حبيب: «والسنة أن يكون الغسل وترا»، وقال النخعي: «غسله وتر، وكفنه وتر، وتجميره وتر»، والتجمير التبخير.
وحديث أم عطية هو الأصل في غسل الميت وهو في الموطإ (٥٢٠) وعند الجماعة د/ ٣١٤٢) قالت: «دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا، أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني»، قالت: فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه، فقال: «أشعرنها إياه»، هذا لفظ الموطإ، والحديث يدل على أن عدد الغسلات يكون وترا، وأن أقلها ثلاث، ثم يفوض للغاسل بحسب ما يراه.
وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود (٣١٤٦) قال: «أو سبعا، أو أكثر من ذلك إن رأيتنه»، وينبغي أن يكون في إحداها سدر، أو ما يقوم مقامه في التنظيف كالصابون، ويكون في الآخرة كافور.
стр. 842
قال مالك كما في كتاب ابن القرطي: «ومن اغتسل عند الموت؛ لم يكتف بذلك الغسل إن مات»، ومراده ﵀ بذلك الرد على من زعم كفايته إذ فعله بعض الناس قبيل موتهم، ومن ذلك ما روي عن فاطمة عليها رضوان الله؛ أنها تطهرت قبيل وفاتها واغتسلت، وأوصت أن لا تكشف، ويكتفى بذلك في غسلها، وهذا مستبعد، وورد أن عليا ﵁ غسلها مع أسماء بنت عميس، واستبعد بعض أهل العلم حضور أسماء لموضع وجوب التستر على المرأة، وعلي ليس بمحرم لها.
أما ستر عورة الميت؛ فواجب كما تستر عورة الحي، فإن حرمة هذا كحرمة هذا، ومن قال بالفرق فعليه الدليل، وقال ﵊ وعلى آله: «ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة»، رواه الشيخان وأبو داود (٤٨٦٣)، عن ابن عمر من حديث، وما أكثر ما رأيت الناس يتهاونون في هذا الأمر، وفي المذهب قولان فيما يجب ستره من جسد الميت، الأول أن الواجب ستر السوأتين، وهو ما فهمه اللخمي من المدونة إذ جاء فيها: «ويجعل على عورة الميت خرقة إذا أرادوا غسله، ويفضي بيده إلى فرجه من يغسله إن احتاج إلى ذلك، ويجعل على يده خرقة إذا أفضى بها إلى فرجه،،،»، وهذا كما ترى لا يدل على ما ذهب إليه اللخمي ﵀، ولذلك رده القاضي عياض، والقول الثاني أنها من السرة إلى الركبة في حق الرجل مع مثله، ومع محرمه، وهذا هو الحق، والزيادة على ذلك للتحفظ وسد الذريعة أولى.
стр. 843
• قوله:
٧ - «ولا تقلم أظفاره، ولا يحلق شعره، ويعصر بطنه عصرا رفيقا».
وقد علّلوا ما ذكره المؤلف بأن تقليم الأظفار وحلق الشعر من الزينة، وهي للحي لا للميت، وهذا التعليل ليس صحيحا، فإن الميت يغسل ويطيب، ويكفن في الأبيض، وتجمر ثيابه، ويجعل فيها الحنوط، وثبت مشط شعر الميتة وضفره، وجعله ثلاثة قرون، كما في الصحيحين وسنن أبي داود والظاهر أن ذلك كان من النساء بعد علمهن بالجواز لأنه الأصل، كما أن الظاهر أن تغسيل الميت للتعبد وللنظافة أيضا، وكل هذا من الزينة، وعلله بعضهم بأنها أجزاء منه وأبعاض، فينبغي أن تدفن معه، فإذا أزيلت ضمت إليه، وهذا لا يتجه، فإذا جاء من الدليل ما يؤخذ منه حكم المنع، وإلا فالأصل ما ذكر، وقد ورد عن بعض السلف فعل شيء من ذلك بالموتى، أو ذهبوا إلى مشروعيته، منهم سعد بن أبي وقاص، والحسن البصري وهما في مصنف عبد الرزاق في أرقام (٦٢٢٨) و (٦٢٣٤) و (٦٢٣٥)، وفيه أيضا كراهية عطاء وأيوب وابن أبي ليلى له، كما كرهه مالك، قال في المدونة: «وأكره أن يتبع الميت بمجمرة، أو تقلم أظفاره، أو تحلق عانته، ولكن يترك على حاله، قال: وأرى ذلك بدعة ممن فعله».
أما عصر البطن فإنه من تمام تطهير الميت وتنظيفه، لكن ينبغي أن يكون برفق، وذلك قبل الشروع في الغسل، حتى لا ينزل بعده ما يلطخ كفنه، وفي مصنف عبد الرزاق (١٦٧٤) عن ابن المسيب قال: التمس علي من النبي ﷺ ما يلتمس من الميت فلم يجد شيئا، فقال: «بأبي وأمي طيبا حيا، وطيبا ميتا»، وظاهره الإرسال كما ترى، لكن رواه ابن ماجة (١٤٦٧) عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب قال: لما غسل النبي ﷺ ، فذكره نحوه، وصححه الألباني، وذهب بعض أهل العلم إلى إعادة الغسل إذا نزل من الميت شيء، وبعضهم إلى إعادة الوضوء، والظاهر عدم الإعادة، إذ لا وجه لقياس انتقاض وضوء الميت على انتقاض وضوء الحي، فأقصى ما يمكن أن يقال أن يغسل ذلك عن الميت من جديد للتنظيف، والله أعلم.
стр. 844
• قوله:
٨ - «وإن وضئ وضوء الصلاة فحسن، وليس بواجب».
تقديم أعضاء الوضوء، وكذا تقديم الميامن على المياسر في غسل الميت مما أمر به رسول الله ﷺ كما في الصحيحين، د/ ٣١٤٥) من حديث أم عطية، فإنه قال لهن في تغسيل بنته: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها»، ولأن هذه الصفة في غسل الحي، وقد عدوها من الفضائل، فتكون كذلك في غسل الميت لثبوت المشابهة بينهما.
стр. 845
• قوله:
٩ - «ويقلب لجنبه في الغسل أحسن، وإن أجلس فذلك واسع».
الميت إذا وضع على جنبه الأيسر كان ذلك هو المناسب حتى يتمكن الغاسل من البدء بغسل جنبه الأيمن، لأن الميامن مقدمة، ثم يقلبه على جنبه الأيسر فيغسله، فإن لم يتيسر ذلك فعل ما أمكن مما ليس فيه تشويه لمنظر الميت، وبناء على هذا اختلف العلماء في الوضع الذي يجعل عليه، فرأى ابن القاسم أن يقلب ظهرا وبطنا ولا يجلس، وقال القاضي عبد الوهاب يجلس الميت، لأنه أمكن في مناولة غسله، وهذا حق لكنه خلاف الأفضل لما فيه من تشويه منظره، والحاجة إلى كثرة المعالجة والتحريك للميت، مما قد يتنافى مع الرفق به وهو مطلوب.
стр. 846
• قوله:
١٠ - «ولا بأس بغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة، والمرأة تموت في السفر لا نساء معها ولا محرم من الرجال؛ فليمم رجل وجهها وكفيها، ولو كان الميت رجلا؛ يمم النساء وجهه ويديه إلى المرفقين إن لم يكن معهن رجل يغسله، ولا امرأة من محارمه، فإن كانت امرأة من محارمه؛ غسلته وسترت عورته، وإن كان مع الميتة ذو محرم؛ غسلها من فوق ثوب يستر جميع جسدها».
إذا مات الشخص فلا يخلو الحال من أربعة أقسام بالنظر إلى من مع الميت من الناس:
الأول: أن يكون مع الميت جنسه من الرجال والنساء؛ فيغسل الرجال؛ الرجال والنساء؛ النساء باتفاق، كيف وقد أسلم النبي ﷺ بنته زينب للنساء يغسلنها؟.
والثاني: أن يكون للميت زوج؛ فعلى المذهب؛ يغسل الزوج زوجته، كما تغسل الزوجة زوجها، بل المذهب أن الزوجين يقدمان، ولو توفر من يغسل الميت من جنسه، قال خليل: «وقدم الزوجان إن صح النكاح إلا أن يفوت فاسده».
والثالث: أن لا يكون مع الميت جنسه من الرجال والنساء، ولا بين الميت والحي علاقة زواج، فهذا لا يخلو من حالين: الأول: أن يكون بين الميت والحي محرمية، والمذهب أن المرأة المحرم تغسل محرمها، وتستر عورته من السرة إلى الركبة، كما يغسل الرجل محرمه المرأة ويسترها، والقياس أن يستر ما عدا رأسها وأطرافها، والتحفظ بالزيادة أولى كما تقدم.
والثاني - وهو الرابع - أن لا يكون بينهما محرمية، فمشهور المذهب أن ييمم الرجل
стр. 847
المرأة الأجنبية وجهها وكفيها، وتيمم المرأة الأجنبية الرجل وجهه ويديه لمرفقيه.
ودليل تغسيل كل من الزوجين الآخر حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: رجع رسول الله ﷺ من البقيع وأنا أجد صداعا في رأسي، وأقول وارأساه، فقال: «ما ضرك؟، لو مت قبلي، فقمت عليك، وغسلتك وكفنتك»، رواه أحمد والدارمي وابن ماجة والدارقطني، وجه الدلالة منه تمني النبي ﷺ ذلك أو ربطه به ربط الشرط بجزائه، وقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه»، تعني رسول الله ﷺ رواه أبو داود (٣١٤١) وابن ماجة، وأوصى أبو بكر أن تغسله أسماء بنت عميس زوجته، فغسلته، وأوصت فاطمة أن يغسلها علي فغسلها، ولأن كلا من الزوجين أحق بمباشرة الآخر، فإنه لما كان يحل له من الآخر ما لا يحل لغيره منه؛ كان في ذلك وجه تقديمه على غيره من جنس الميت، قال ابن القاسم في المدونة: وسألته عن رجل يغسل امرأته في الحضر، وعنده نساء يغسلنها؟، فقال: نعم»، وقال مثل ذلك في المرأة، ثم قال، فقلت له: أيستر كل واحد منهما عورة صاحبه؟، فقال: نعم، وليفعل كل واحد منهما بصاحبه كما يفعل بالموتى يستر عليهم عورتهم»، فلم يقس مالك ﵀ حال الموت على حال الحياة، وهو جواز نظر المرأة عورة زوجها، والرجل عورة امرأته، وهذا حق.
أما تغسيل الرجل محرمه من النساء، وعكسه، ففيه ثلاث روايات عن الإمام:
أولاها: ما في الموطإ (٥٢٢) من قول مالك إنه سمع أهل العلم يقولون: إذا ماتت المرأة وليس معها نساء يغسلنها، ولا من ذوي المحارم أحد يلي ذلك منها، ولا زوج يلي ذلك منها؛ يممت، فمسح بوجهها وكفيها من الصعيد»، وقال أيضا: «وإذا هلك الرجل، وليس معه أحد، ولا نساء؛ يممنه أيضا»، قوله هنا: «ولا نساء»؛ يعني محارم، وهذا يدل على أن محارم المرأة من الرجال يغسلونها، ومحارم الرجل من النساء يغسلنه، لكن هذا الإطلاق في التيمم هنا مقيد عند مالك بما ذكره ابن عبد الحكم عنه من أن المرأة تيمم الرجل غير المحرم للمرفقين، وأن الرجل يممها للكوعين، وهو بهذا التفصيل في المدونة أيضا، ووجه ذلك أن الرجل إنما يجوز له أن ينظر من المرأة وجهها وكفيها، فاقتصر على الكوعين لأن مسحهما هو الواجب في المذهب كما تقدم في التيمم.
стр. 848
قال ابن عبد البر (الاستذكار ٣/ ١٣): «ليس فيما حكاه (يعني مالكا) بين العلماء خلاف، إلا في: هل يغسل المرأةَ إذا ماتت ذو المحرم منها، أم لا؟، فإن هذا موضع اختلفوا فيه، فقال مالك في المدونة وفي العتبية من رواية سحنون وعيسى عن ابن القاسم ومن سماع أشهب؛ إنه أيضا جائز أن يغسل المرأة ذو محرم منها من فوق الثوب إذا لم يكن نساء، وكذلك الرجل تغسله ذات المحرم منه إذا لم يكن رجال، وتستره».
والرواية الثانية: أنه يكتفى في المرأة بصب الماء عليها، وهو ما رواه أشهب عن مالك في العتبية، كما رواه عنه ابن وهب، قالا عنه في امرأة ماتت بفلاة، ومعها ابنها يغسلها؟، قال: ما أحب أن يلي ذلك منها، قيل أيممها؟، قال: يصب الماء عليها من وراء الثوب أحب إلي».
والرواية الثالثة: رواية ابن غانم عنه، يممها للمرفقين، ولا يغسلها ابنها ولو بصب الماء عليها، وأخذ بهذه الرواية أشهب، لكنه رأى مع ذلك أن تغسيلها من فوق ثوب واسع، يعني أنه جائز، قال ابن عبد البر: وذكر محمد بن سحنون عن أشهب أنه لا يغسل ذو المحارم بعضهم بعضا، ولكن يممون».
قال الشوكاني عليه رحمة الله: «وإذا ألجأت الضرورة فلم يوجد الجنس غسل الجنس غير جنسه، مع ستر ما لا يجوز النظر إليه، ويكون الدلك بحائل، وإذا تعذر الدلك فالمسح، وإذا تعذر المسح فالصب، وإذا تعذر الصب ارتفع وجوب الغسل، ومحارم المرأة مع الرجال؛ أقدم من سائر الرجال، ومحارم الرجل من النساء؛ أقدم من سائر النساء للتخفيف بين المحارم في مقدار العورة».
стр. 849
• قوله:
١١ - «ويستحب أن يكفن الميت في وتر: ثلاثة أثواب، أو خمسة، أو سبعة، وما جعل له من أزرة، وقميص، وعمامة، فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر، وقد كفن النبي ﷺ قي ثلاثة أثواب بيض سحولية أدرج فيها إدراجا ﷺ ، ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم».
تكفين الميت في حدود ستره واجب، والمستحب كون الكفن وترا: ثلاثة، أو خمسا للذكر، وسبعا للأنثى لا يزاد على ذلك، هذا هو مشهور المذهب، وما ذكره المؤلف من كفن النبي ﷺ هو في الموطإ (٥٢٣) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة»، رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة، د/ (٣١٥١).
قال ابن عبد البر: «هذا أثبت ما يروى عن النبي ﷺ في كفن الميت من جهة النقل»، قولها سحولية؛ بفتح السين وضمها ثياب بيض نقية، لا تكون إلا من قطن، وقيل هي منسوبة إلى سحول قرية باليمن تصنع فيها، وقولها: «ليس فيها قميص ولا عمامة»؛ ظاهره أنه ﷺ لم يقمص ولم يعمم، وقد جاء عن الشعبي كما في طبقات ابن سعد ما يدل على أن الثلاثة الأثواب التي كفن فيها رسول الله ﷺ هي إزار ورداء ولفافة، ذكره صاحب سبل السلام، وقيل إن المعنى أن القميص والعمامة لم يعتد بهما فيما كفن فيه، والأزرة بضم الهمزة، هي الإزار، وهو للجزء الأسفل من الجسم، والرداء للأعلى منه، ومجموعهما يسمى الحلة، وقد أخذ من الحديث المتقدم استحباب الاقتصار في الكفن على ثلاثة أثواب، لما في الزيادة عليها من إضاعة المال وهي منهي عنها، إلا أن تكون بحيث لا يتم بها الستر المطلوب كما عليه الثياب التي تشترى للكفن عندنا فإنها كالشفافة، ووجه انتزاع هذا الحكم من الحديث أن الله تعالى لا يختار لنبيه إلا ما هو أفضل.
وليس في الموطإ في هذه المسألة غير الحديث المتقدم، وما رواه (٥٢٤) عن يحي
стр. 850
بن سعيد قال بلغني أن أبا بكر الصديق قال لعائشة - وهو مريض - في كم كفن رسول الله ﷺ ؟، فقالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية، فقال أبو بكر: «خذوا هذا الثوب - لثوب عليه - قد أصابه مشق، أو زعفران، فاغسلوه، ثم كفنوني فيه مع ثوبين آخرين»، فقالت عائشة: وما هذا؟، فقال أبو بكر: «الحي أحوج إلى الجديد من الميت، وإنما هذا للمهلة»، والمشق بكسر الميم المغرة بفتح الميم وسكون الغين، وهي طين أحمر، اشتبه على الراوي أي منهما الذي أصاب الثوب، مشق، أو زعفران، والمراد أنه كان فيه ما ينبغي غسله منه للتنظيف، وإلا فالثوب المستعمل يجوز التكفين فيه، ولا يتعين غسله، والمقصود أنه ﵁ حرص على أن يعلم عدد الأثواب التي كفن فيها صاحبه ﷺ ليأمر أن يفعل ذلك به، ورغب عن أن يكفن في جديد، ورأى أن الحي أولى به، لكن علماء المذهب أخذوا من الحديث المتقدم كون الكفن وترا فقالوا به، ولم يروا بالزيادة على الثلاثة بأسا، وقد ورد ما يدل على الزيادة على ثلاثة بالنسبة للمرأة فعن أم عطية قالت عن أم كلثوم بنت النبي ﷺ : «كفناها في خمسة أثواب، وخمرناها كما يخمر الحي»، نسبه الحافظ في (الفتح ٣/ ١٧١) للجوزقاني، وقال وهذه الزيادة صحيحة الإسناد»، والمشهور في المذهب كراهة الزيادة على الخمسة للرجال، وعلى السبعة للنساء، قال خليل مبينا عدد ما يكفن فيه الرجال والنساء: «وتقميصه وتعميمه وعذبة فيها، وأزرة ولفافتان، والسبع للمرأة».
وللإمام في تقميص الميت وتعميمه قولان، قال الباجي: روى ابن حبيب وابن القاسم عن مالك أن الميت يقمص ويعمم،،،، إلى أن قال: وقال القاضي أبو الحسن إن مذهب مالك أنه غير مستحب، وقد رواه يحي بن يحي عن ابن القاسم أن المستحب أن لا يقمص ولا يعمم، ونحا به نحو المنع، وبه قال الشافعي»، ثم اختار الباجي الجواز، لحديث جابر الذي فيه أن النبي ﷺ كسا عبد الله بن أبي بن سلول قميصه»، وهذا والله أعلم لا حجة فيه لا على الزيادة على ثلاثة أثواب، ولا على تقميص الميت لكون المفعول به ذلك ليس مسلما، مع أنني رايت كثيرا من أهل العلم يستدلون به على ذلك، وقد يقال أنه مسلم في الظاهر.
стр. 851
• قوله:
١٢ - «وينبغي أن يحنظ، ويجعل الحنوط بين أكفانه وفي جسده، ومواضع السجود منه».
الحنوط بفتح الحاء هو ما يطيب به الميت من مسك وعنبر ونحوهما فيستحب أن يجعل على جسد الميت، ولا سيما في مراقه، ومواضع السجود منه، ومن الحكمة فيه بعد كونه طيبا عدم إسراع التلف له، ودليله حديث ابن عباس ﵄ قال: «بينما رجل واقف مع رسول الله ﷺ بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا»، رواه البخاري ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وقصته؛ كسرته، بسقوطه من عليها، وتخمير الرأس تغطيته، ووجه الدلالة فيه أنه نهاهم عن تحنيط المحرم، فدل على أنهم كانوا يحنطون الموتى، وإلا ما احتاج إلى أن ينهاهم، لكن المشهور في المذهب أن الميت يحنط سواء أكان محرما أم لا، قال في المجموعة: «وليل تحنيط المحرم غير محرم، وليغط رأسه كما يغطى بالدفن»، النوادر (في تكفين الميت وتحنيطه)، والذي يظهر أن الإمام قد بلغه الحديث، كما بدل عليه كلامه في الموطإ، لكنه تأوله، وسيأتي ذكره في الحج ومن ثم قيل في المذهب لا يحنط من مات محرما وهو الحق، وما اعتذر به من كون الحديث السابق واقعة حال لا عموم فيها ليس بناهض لا سيما مع التعليل المصاحب لذلك، وهو قوله: «فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا».
ومما يستحب تبخير الكفن ثلاثا لحديث جابر عند أحمد قال، قال رسول الله ﷺ : «إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا»، وقوله أجمرتم الميت؛ المراد أجمرتم كفنه، قال في النوادر نقلا عن الواضحة: «فإذا فرغت من غسل الميت نشفت بلله في ثوب، وعورته مستورة، وقد أجمرت ثيابه قبل ذلك وترا،،،»، وقال ابن حبيب: «ثم يجعل الكافور على مساجده: من وجهه وكفيه وركبتيه وقدميه،،،».
стр. 852
• قوله:
١٣ - «ولا يغسل الشهيد في المعترك، ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه».
المراد بالشهيد من مات في قتال الكفار، وليس بلازم أن يكون قد قتل على أيديهم، فهذا لا يغسل، ولو علم أنه كان جنبا على المشهور، ولا يصلى عليه، والمذهب أن الغسل والصلاة متلازمان، فمن لم يغسل لم يصل عليه، ويدفن الشهيد في ثيابه، إلا إذا لم تكف لستره فيزاد عليها ما يكفي للستر، ومن حمل من المعركة حيا، ثم مات فإنه يغسل، ويصلى عليه، إلا أن يكون حين رفعه في غمرة الموت، ولم يأكل ولم يشرب، فيعطى حكم الشهيد بالفعل.
والأحكام الثلاثة المذكورة كلها جاءت في حديث جابر الذي رواه ابن وهب كما في المدونة، والبخاري والنسائي والترمذي عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم».
وعن أبي سلام عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم، فضربه فأخطأه، وأصاب نفسه، فقال رسول الله ﷺ : «أخوكم يا معشر المسلمين، فابتدره الناس، فوجدوه قد مات، فلفه رسول الله ﷺ بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه، فقالوا يا رسول الله أشهيد هو؟، قال: نعم، وأنا له شهيد»، رواه أبو داود (٢٥٣٩)، وهو حديث ضعيف يغني عنه حديث مسلم وأبي داود (٢٥٣٨) عن سلمة ابن الأكوع قال: لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالا شديدا فارتد عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك، وشكوا فيه: «رجل مات بسلاحه، فقال رسول الله ﷺ : «مات جاهدا مجاهدا»، وفيه دلالة على أن من مات في المعركة فهو شهيد ولو لم يقتله الكفار، ما لم يقتل نفسه.
стр. 853
• قوله:
١٤ - «ويصلى على قاتل نفسه، ويصلى على من قتله الإمام في حد أو قود، ولا يصلي عليه الإمام».
المراد بالحد هو العقوبات المقدرة شرعا على بعض المعاصي كالزنا والسرقة والقذف والحرابة، فما كان منها عقوبته القتلَ فهو المراد هنا، أما ما كانت عقوبته دون القتل ومات فلا يدخل فيما نحن فيه من ترك الإمام الصلاة عليه، والقود بفتحتين القصاص، والقاعدة أن المسلم يصلى عليه، وقتل النفس من أعظم الآثام، وقد يكون فاعله من وجه أكثر إثما ممن قتل غيره، لكن ذلك لا يخرجه عن دائرة الإيمان، فيغسل ويصلى عليه، وما دام مسلما فهو أحوج إلى الصلاة والدعاء له من غيره ممن لم يفعل فعله في الظاهر.
لكن قال بعض العلماء: لا يصلي عليه أهل الفضل، ليكون ذلك زجرا لغيره أن يصنع مثل صنيعه، بخلاف من قتل نفسه خطأ، فإنه يصلي عليه الناس عموما، كما يصلى على من قتل في حد وجب عليه به القتل، كالزاني المحصن، والقاتل عمدا عدوانا، والمحارب قاطع الطريق، فهؤلاء ومن كان مثلهم يصلي عليهم غير الإمام في المذهب، وغير أهل الفضل والصلاح.
وذكر الحافظ في (الفتح ٣/ ٢٨٨) عن الإمام أنه لا توبة للقاتل عمدا وهذا حق، لورود الحديث بذلك وهو مذكور في موضعه، لكنه قال: «ومقتضاه أن لا يصلى عليه»، وهذا ليس بلازم لقول الإمام، لأن عدم قبول التوبة لا يعني كفره، كما لا يدل على عدم مغفرة هذا الذنب لتعدد المكفرات، ويدل عليه ما جاء في المجموعة قال علي قال مالك: «يصلى على كل مسلم، ولا يخرجه من حق الإسلام حدث أحدثه، ولا جرم اجترمه».
وقال عنه ابن القاسم: «يصلى على قاتل نفسه، ويورث، ويصلي الناس على من قتله
стр. 854
الإمام في قود، أو رجم في زنا دون الإمام، وقال ابن حبيب: ويصلى على كل موحد، وإن أسرف على نفسه بالكبائر،،،، إلى أن قال: «وإنما يشفع للمسيء» (النوادر في الصلاة على من قتل بقود، أو في حد)، يريد ابن حبيب أنه أحوج إلى أن يصلّى عليه.
ودليل عدم صلاة الإمام على قاتل نفسه؛ ما رواه مسلم (٩٧٨) وأصحاب السنن (د/ ٣١٨٥) عن جابر بن سمرة قال: «أتي النبي برجل قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه»، والمشاقص مفردها مشقص؛ سهم عريض النصل، والظاهر أن المراد بالجمع الواحد، وبه جاءت رواية أبي داود، والظاهر من امتناع النبي ﷺ من الصلاة عليه إنما هو للزجر، يدل عليه قوله كما في رواية النسائي: «أما أنا فلا أصلي عليه»، وجاء أنه قال في الغال: «صلوا على صاحبكم»، رواه أبو داود (٢٧١٠) والنسائي وابن ماجة، وغيرهم عن زيد بن خالد الجهني، وفيه أبو عمرة مولى زيد المذكور، قال في التقريب مقبول، وقال الألباني في (الإرواء/ ٧٢٦) بعد إثبات كلام للذهبي: «فهو مجهول العين»، والمقصود أن امتناع النبي ﷺ من الصلاة على بعض الموتى لا يدل ولا بد على عدم مشروعيتها، يدل على ذلك أكثر من واقعة، وثبت أنه ﷺ لما أمر برجم الغامدية ورجمت صلى عليها، فقال له عمر: «أتصلي عليها يا نبي الله وقد زنت»؟، فقال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى»؟، رواه مسلم (١٦٩٦) والأربعة (د/ ٤٤٤٠) عن عمران ابن حصين، وقول عمر أتصلي عليها،،،؟، قرينة على أنه ﷺ صلى عليها بنفسه، وقد اختلف في ماعز هل صلى عليه النبي ﷺ بعد رجمه أو لا؟.
فروى البخاري (٦٨٢٠) عن جابر أن النبي ﷺ قال له خيرا وصلى عليه، قال: «ولم يقل يونس وابن جريج عن الزهري فصلى عليه»، فاعتبر بعض أهل العلم هذه زيادة من ثقة لم تقع منافية فيؤخذ بها، ويؤيدها ما تقدم من الصلاة على الغامدية، وهذا رأي الشوكاني، لكن اعتبرها الألباني شاذة (د/ ٤٤٣٠)، إذ أنه وإن كان السكوت لا ينافيه الإثباث، إلا أن بعضهم صرحوا بعدم الصلاة وهم أكثر، فتكون رواية من أثبت شاذة، وقد جمع الحافظ في (الفتح ١٢/ ١٦٠) بين الروايتين جمعا حسنا بالاعتماد على ما رواه عبد الرزاق من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قصة ماعز أنه قيل للنبي ﷺ أتصلي عليه؟، قال: «لا»، فلما
стр. 855
كان من الغد قال: «صلوا على صاحبكم»، فصلى عليه رسول الله ﷺ والناس»، وقد يختلف الأمر بحسب المقام كأن يتوب مرتكب ما يستوجب الحد ويعترف فيصلي عليه الفاضل، ويترك الصلاة على غيره ممن لم يقع منه ذلك.
والظاهر أن الفاضل هنا هو من شأنه أن يحصل الانزجار بتركه الصلاة على من ذكر، ومن لم يكن معروفا بين الناس بالعلم، أو بالفضل أو بالتقديم؛ لا يحصل بتركه الصلاة شيء من ذلك، ولو كان ذا هيئة حسنة شرعية، أو فاضلا غير معروف في الناس، فهذا خير له أن ينفع أخاه بالدعاء له، وينفع نفسه بحصول الأجر، والله أعلم.
قال خليل عن مكروهات الجنازة ممزوجا بقول شارحه أحمد الدردير: «وكره صلاة فاضل بعلم أو عمل، أو إمامة على بدعي ردعا لمن هو مثله، أو مظهر كبيرة كزنا وشرب خمر، إن لم يخف عليهم الضيعة،،،».
وفي المدونة: أرأيت قتلى الخوارج أيصلى عليهم؟، فقال: قال مالك في القدرية والإباضية: «لا يصلى على موتاهم، ولا يتبع جنائزهم، ولا تعاد مرضاهم، فإذا قتلوا فذلك أحرى عندي أن لا يصلى عليهم»، قال زروق: «قال سحنون أدب لهم، فإن خيف عليهم الضياع غسلوا وصلي عليهم، وقال ابن عبد الحكم يصلى عليهم ابتداء».
стр. 856
• قوله:
١٥ - «ولا يتبع الميت بمجمر».
هذا مما لا يجوز أن تتبع به الجنازة، وقد جاء ذلك في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار»، رواه أبو داود (٣١٧١)، وفيه مجهولان، مجهول عين ومجهول حال، لكن قال الألباني في (أحكام الجنائز ٩١): «يتقوى بشواهده المرفوعة، وبعض الآثار الموقوفة»، وفي الموطإ (٥٣٠) عن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت لأهلها: أجمروا ثيابي إذا مت، ثم حنطوني، ولا تذروا على كفني حناطا، ولا تتبعوني بنار»، وروى أيضا الأخير عن أبي هريرة، قال يحي: «سمعت مالكا يكره ذلك».
واتباع الجنائز بالنار قد انقطع عندنا والحمد لله، لكن ما زال الغالب أن يصحب إخراج الجنازة من الدار رفع الصوت بالبكاء والعويل، بل أصبحت النساء يتحرين إخراج الجنازة ليحضرن ذلك، ويقفن على الأبواب والشرفات، ويصحب ذلك الصراخ، والظاهر أن رفع الصوت منهي عنه على العموم، ولا يختص برفعه بالبكاء، فيشمل مثلا قراءة البردة وهي قصيدة البوصيري في مدح النبي ﷺ التي لا تكاد تخلو جنازة من رفع الصوت بها، وكثيرا ما يرددها من لا يفقه شيئا من معانيها، وفي بعض أبياتها ما لا يجوز قوله فضلا عن اعتقاده، ففعل ذلك بدعة بلا ريب، وهكذا الجهر بقراءة القرآن والتهليل وسائر الأذكار التي هي مشروعة في الأصل، فإنها من قبيل البدع، لأنها ليس هذا موضعها، وكون بعض الأحاديث جاء فيها التنصيص على البكاء غير مانع مما قلت، فإنه بعض أفراد العام، والعام ما عم شيئين فصاعدا، ولأن جعل رفع الصوت هنا العويل كالتعطيل للحديث، لأن أدلة النهي عن النياحة معروفة، وقد تقدم بعضها، ومما يدل على ذلك قول قيس بن عباد: «كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز»، وقد رواه عنه ابن المبارك في كتاب الزهد له.
وقد تقدم إثبات ما جاء في المدونة من قول مالك: «وأكره أن يتبع الميت بمجمرة،
стр. 857
إلى أن قال: «وأرى ذلك بدعة ممن فعله»، فحكم على كل ما ذكر بأنه بدعة، لأنه لم يكن من هدي النبوة، ولا فعله السلف، فقراءة البردة من هذا القبيل.
وقال ابن أبي زيد في النوادر (وجه العمل في حمل الميت): «سمع سعيد بن جبير الذي يقول استغفروا له، فقال: «لا غفر الله لك»، ومشهور المذهب كراهة ذلك، قال خليل ذاكرا المكروهات: «وكره حلق شعره، وقلم ظفره، وهو بدعة، وضم معه إن فعل، ولا تنكأ قروحه، ويؤخذ عفوها، وقراءة عند موته، كتجمير الدار، وبعده، وعلى قبره، وصياح خلفها، وقول استغفروا لها».
قلت: لكن جاء في حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت؛ وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل»، رواه أبو داود (٣٢٢١)، فمن نبه الناس إلى ذلك أحيانا، ولم يتخذ من ذلك تعلة للخطبة كما عليه الحال عندنا فقد وفق للحق إن شاء الله، لكن هذا إنما يكون عند الفراغ من الدفن.
стр. 858
• قوله:
١٦ - «والمشي مع الجنازة أفضل».
مما يستدل به على أفضلية المشي مع الجنازة على الركوب؛ ما رواه أبو داود (٣١٧٩) والترمذي وغيرهما عن ابن عمر أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة»، وهو في الموطإ (٥٢٦) بنحوه مرسلا، فهذا فيه أمران:
أولهما: المشي، وهو أولى من الركوب، قال ابن عبد البر: «ليس الركوب بمحظور، ولكن المشي لمن قدر عليه أفضل إن شاء الله»، قال ابن أبي زيد في نوادره: «ويكره أن يشيعها راكبا تقدمها، أو تأخر عنه … ».
قلت: مما يستدل به على كراهة الركوب للقادر على المشي حديث ثوبان الذي رواه داود (٣١٧٧) أن رسول الله ﷺ أتي بدابة وهو مع الجنازة، فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له، فقال: «إن الملائكة كانت تمشي، فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت»، قوله «فقيل له»، حذف المقول للعلم به، أي لمَ أبيت الركوب؟.
والأمر الثاني الذي في حديث ابن عمر هو كون الماشي أمام الجنازة، وهو جائز أيضا، لوروده من فعل النبي ﷺ رواه أصحاب السنن الأربعة (د/ ٣١٧٩) عن سالم عن أبيه قال: «أنه رأى النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وهم يمشون أمام الجنازة».
وقد يفضل المشي خلفها لاعتضاد فعله ﷺ بظاهر قوله في حقوق المسلم على المسلم الست: «وإذا مات فاتبعه»، وظاهر تصرف الإمام مالك من الآثار التي أوردها في الموطإ أنه يرى المشي خلف الجنازة مخالفا للسنة.
فإن كان المشيع للجنازة راكبا فينبغي أن يكون خلفها لظاهر قوله ﵌: «الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها، وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها قريبا منها … »، الحديث، رواه أبو داود (٣١٧٩) وابن ماجة عن المغيرة بن شعبة، وفيه زيادة على ما تقدم المشي قريبا من الجنازة عن يمينها وعن يسارها.
стр. 859
وقد روى عبد الرزاق عن عبد الرحمن بن أبزى قال: كنت أمشي مع علي في جنازة وهو آخذ بيدي وهو يمشي خلفها، وأبو بكر وعمر يمشيان أمامها، فقلت له في ذلك، فقال: إن فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها؛ كفضل صلاة المكتوبة على صلاة النافلة، وإنهما ليعلمان ذلك، ولكنهما يسهلان على الناس»، فهذا فيه بيان الداعي لفعل الصاحبين، فإنهما لما علما جواز ذلك فعلاه تيسيرا على الناس، وبين علي الأفضل، ف ﵃ جميعا.
فإن قلت: لم لم يتعرض المؤلف لبيان مكان المشيع من الجنازة؟. قلت: لعله سكت عنه لما علمت من الخلاف فيه، وقد قال في النوادر بعد أن ذكر قول ابن شهاب الذي في الموطإ: «والمشي خلفها من خطإ السنة»؛ قال: «وروي عن علي ابن أبي طالب أن المشي خلفها أفضل، وأراه واسعا للاختلاف»، وبهذا يتبين لك أن ما حكاه الباجي في المنتقى من الإجماع السكوتي على المشي أمام الجنازة بعيد عن الصواب، والله أعلم.
قال مطرف قال مالك: «ولم يزل شأن الناس الازدحام على حمل جنازة الرجل الصالح ولقد انكسر تحت سالم بن عبد الله نعشان، وكسر تحت عائشة ثلاثة أنعش، وذلك حسن ما لم يكن فيه أذى»، وفي كتاب ابن القرطي أن الركاب يمشون خلفها كما في النوادر.
قال ابن حبيب: «ولا يمشى بالجنازة الهوينا، ولكن مشية الرجل الشاب في حاجته»، انتهى، وهو في النوادر (وجه العمل في حمل الميت)، والهوينا تصغير الهونى، والمراد مشية فيها بطء وتثاقل، وهي مشية الكفار يفعلون ذلك بكبرائهم وزعمائهم إذ يشيعونهم في السيارات، وقد قلدهم في ذلك كثبر من المسلمين، لكن الذي نراه من الإسراع في السير ليس مشروعا، إذ لا يكاد معظم الناس يسيرون مع الجنازة، فالمراد بالإسراع هو ما فوق المشي المعتاد.
стр. 860
• قوله:
١٧ - «ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن، وينصب عليه اللبن، ويقول حينئذ: «اللهم إن صاحبنا قد نزل بك، وخلف الدنيا وراء ظهره، وافتقر إلى ما عندك، اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به، وألحقه بنبيه محمد ﷺ ».
وضع الميت في قبره على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة، ورأسه يمين مستقبلها، ورجلاه يساره؛ مما جرى به عمل المسلمين من عهد نبيهم ﷺ إلى الآن لا يختلفون في ذلك، وقد تقدم أن النائم يشرع له أن يكون على جنبه الأيمن، ويشرع أن يجعل المحتضر كذلك، فإذا قيل يجعل الميت في قبره على هذه الصفة كان ذلك متجها، وقد تقدم ذكر الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي والحاكم عن عبيد بن عمير عن أبيه أن رجلا قال يا رسول الله، ما الكبائر؟، قال: «هي سبع»، وذكر منها «واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا»، وقد حسنه الألباني في الإرواء (ح/ ٦٩٠)، وقد يقال إن كونها قبلتنا أمواتا لا يلزم منه وضع الميت على الصفة المذكورة، فيقال بعضها مأخوذ من وضعه للصلاة عليه، وباقيها مما عمل به المسلمون كما تقدم.
واللبن بفتح اللام وكسر الباء واحده لبنة، وضبطها كضبط الجمع، وهي ما تبنى به الجدران، كانت تعمل من طين وتبن، وربما صنعت بدون تبن، وقد روى مسلم (٩٦٦) أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: «ألحدوا لي لحدا، وانصبوا علي اللبن نصبا كما صنع برسول الله ﷺ »، وإنما شرع نصب اللبن إكراما للميت بعدم وضع التراب على جسمه، وقد قال بعضهم: ما جنبي الأيمن أحق بالتراب من الأيسر، وأمر أن يحثى عليه التراب دون غطاء، قلت لا يطاع الشخص في هذا ولا يؤخذ بوصيته، بل يفعل به المشروع، وما له ولهذا؟، نعم ذهب ابن حبيب إلى أن سن التراب على الميت من غير لبن
стр. 861
خير من التابوت، لكونه من فعل غير المسلمين.
فأما الدعاء حين وضع الميت في قبره بهذا اللفظ الذي ذكره المؤلف؛ فما وقفت عليه، وغالب الظن أنه أخذه عن بعض المتقدمين كما هي عادته، وقد وجدت بعد ذلك أبا الحسن يقول: «واختار المصنف هذا الدعاء لأنه مروي عن بعض السلف، لا أنه يتعين دون غيره، ثم ذكر نحو ما رواه أبو داود (٣٢١٣) والترمذي (١٠٤٦) عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: «بسم الله، وعلى سنة رسول الله»، لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: «بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله»، وقال حسن غريب، فهذا هو الذي ينبغي الاقتصار عليه.
فائدة: لا يصح أن يقال عن الميت أنه انتقل إلى مثواه الأخير، كما هو الغالب على الناس يقولون شيع إلى مثواه الأخير، وإنما ذلك هو الجنة أو النار.
стр. 862
• قوله:
١٨ - «ويكره البناء على القبور، وتجصيصها».
البناء على القبر يكون بإحاطته بالجدران، ولا يهم إن كان على شكل قبة، أو بناء عادي، مع تسقيف أو بدون تسقيف، ويكون أيضا ببناء جوانب القبر ونصب الشواهد في جهتي الرأس والرجل، فهذا كله يصدق عليه أنه بناء، وهو مخالفة للنهي الصريح عن ذلك، كما سيأتي، لكن الأول أعظم خطرا، لأن فيه الاستحواذ في بعض صوره على ملك الغير، وأخطر من ذلك كله ما فيه من الافتتان بالميت: بقصده ودعائه، أو الدعاء به، أو الدعاء عنده، والتبرك ببنائه، وقد يصل إلى الذبح عنده، وقد علل أهل المذهب كراهة هذا النوع من البناء بما فيه من تفضيل الميت على غيره من المقبورين، ولو كانت هذه هي العلة وحدها لكان الأمر أهون، واشترطوا لبقاء الحكم في حيز الكراهة التنزيهية كما هو المشهور بالنسبة للنوع الأول شروطا: أولها أن يكون في أرض موات أو مملوكة للباني، والثاني أن لا يأوي إلى البناء أهل الفساد، والثالث أن لا يباهى به، وقالوا إنه يحرم في الأرض المحبسة مطلقا، وبهذا يتبين لك أن بناء القبب والضرائح على الموتى محرم عند أهل المذهب حتى على القول بحمل نهي النبي ﷺ عن البناء على الكراهة التنزيهية، وما ذلك الحمل بمتجه، كما سيتبين لك إن شاء الله.
ودليل المنع من البناء حديث جابر ﵁، قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه»، رواه مسلم (٩٧٠) وأبو داود (٣٢٢٥)، وجاء النهي عن الكتابة أيضا في رواية الترمذي (١٠٥٢)، والجص بفتح الجيم، وكسرها - ومثله القصة بفتح القاف - هو الجير، وتجصيص القبر- ويقال تقصيصه - طليه بالجص، وغير الجص مثله، وحقيقة القعود معروفة، وحمل مالك ﵀ القعود على قعود قضاء الحاجة وهو مجاز، لكن جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم (٩٧٢) مرفوعا: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها»، وقوله ﷺ : «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى
стр. 863
جلده؛ خير له من أن يجلس على قبر»، والأحاديث ورواياتها يكمل بعضها بعضا، ويفسر بعضها بعضا.
قال الشيخ الطاهر بن عاشور في كشف المغطى محتجا لما حمل مالك عليه الحديث: «ووجه هذا المحمل أن الشريعة منزهة عن كراهة أو تحريم شيء في حق الميت يجوز مثله في حق الحي، فإن القبر بيت الميت، ولا مانع من القعود على سطح بيت أحد، أو على سرير فوق سريره كبيوت المدارس، وفرش مراكب البحر، فتعين تأويل اللفظ على محمل صحيح فصيح الاستعمال،،،»، والتأصيل الذي ذكره ليس صحيحا، لا سيما وقد ادعى تنزيه الشريعة عن الكراهة والتحريم معا لما يفعل بالحي أن يفعل بالميت، وهذا عجيب غريب، وما ذا يقول عن البناء على القبر؟، وهو مشروع للحي، وما ذا يقول عن الصلاة إلى القبر، وقد صح النهي عنها؟، وقد كان النبي ﷺ يصلي وعائشة ممدودة أمامه، والأحياء يسكن منهم أكثر من واحد في بيت، ودفن أكثر من واحد قي قبر واحد مقصور على حال الشدة والضرورة، والأحياء يقصون شواربهم ويقلمون أظفارهم، ويمشطون شعورهم ويضفرونها، وكل ذلك مكروه في المذهب فعله بالميت، وبعضه بدعة فيه كما هو في مختصر خليل، وقد تقدم الكلام عليه، ثم يقال إن من منع من القعود على سطح بيته فلا يجوز القعود عليه، والميت ليس له من يمنع ذلك عنه، فتولى الشارع المنع إكراما له، وذودا عنه أن يهان، نظيره أنه أوجب على المتوفى عنها عدة الوفاة، وما ذكره من بيوت المدارس وفرش مراكب البحر، معاملة حي لمثله، وهذا حي مع ميت، فليس صحيحا في القياس لو لم يكن القياس من أصله فاسد الاعتبار فكيف وهو كذلك؟، ثم أقول إن قضاء الحاجة على القبر تنفر منها الطباع السليمة وتستبشعها فتأوبل الحديث بها كالتعطيل له، والله أعلم.
وإنما أطلت الكلام في القعود على القبر لأني رأيت كثيرا من الناس عندنا يفعلون ذلك، بل رأيت بعضهم يبني مقعدا من رخام ليجلس عليه إذا جاء يزور القبر، وموضع جلوسه فوق الميت لأن صورة القبر في حال اللحد لا يوجد الميت فيها، ولذلك رأيت الشق في بلدنا أولى لهذه العلة، وللمشي بين القبور بالنعال، وهو منهي عنه.
стр. 864
والظاهر أن النهي عن البناء وما معه للتحريم، لأنه الأصل، ولا قرينة تصرفه هنا عنه، وإذا كان مجرد التجصيص وهو الطلي منهيا عنه، لما فيه من جلب الانتباه؛ فكيف بالبناء كيفما كان نوعه وهيئته؟، ولعل المشهور من إطلاق الكراهة التنزيهية على البناء المعتمد فيه على قول الإمام في المدونة: «أكره تجصيص القبور، والبناء عليها، وهذه الحجارة التي يبنى عليها»، فيقال إنه من المعلوم أن إطلاق لفظ الكراهة على ما يثاب على تركه، ولا يعاقب على فعله؛ إنما هو اصطلاح حادث، فلا ينبغي تحكيمه في أقوال المتقدمين من السلف المرحومين، ولأنهم كانوا زيادة على هذا يتحرجون من التصريح بالحرمة، بل أقول إنه يندر أن تعثر على التصريح بالحرمة في الموطإ، والكراهة في اللغة تستعمل في المنع كما في الحديث الصحيح: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم كثرة السؤال، وقيل وقال، وإضاعة المال»، وإضاعة المال محرمة.
قال خليل ذاكرا المكروهات: «وتطيين قبر، أو تبييضه، وبناء عليه، أو تحويز، وإن بوهي به حرم»، انتهى، وتحويز القبر البناء حوله، فأنت ترى أنه ناط حرمة ما ذكر بالمباهاة، وهذا بعيد، فإن المباهاة أمر محرم لذاته، لا يحتاج إلى نهي آخر، إلا فيما استثناه الشارع، كالتباهي على الكفار في الحرب، وعليه يكون التباهي مع البناء شر على شر، كالاختيال مع جر الثوب، فلا ينبغي تقييد حرمة البناء بالتباهي، ولا حرمة جر الثوب بالاختيال.
وقد علق سحنون في المدونة على الأثرين اللذين أثبتهما فيها في تسوية القبور بعد قول مالك المتقدم، فقال: «فهذه آثار في تسويتها، فكيف بمن يريد أن يبني عليها»؟، يعني أنه لو كان التسامح سائغا لتسومح في ذلك بعد أن تبنى، فإنه قد يتسامح في الاستمرار ما لا يتسامح في الابتداء، فلما لم يتسامح فيه بعد فعله، فكيف يتسامح فيه قبله؟.
ومثل ما تقدم في لفظ الكراهة قول ابن القاسم عن نكاح الحربيات في المدونة (٢/ ٢١٥): «بلغني عن مالك أنه كرهه»، ومع ذلك جزم القرطبي في تفسيره (٥/ ٦٩) بالحرمة، قال: «وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربا، فلا يحل»، قال: «وكره مالك تزوج الحربيات لعلة ترك الولد في دار الحرب، ولتصرفها في الخمر والخنزير»، وقد عبر مالك بالكراهة أيضا في بناء المساجد على القبور كما رواه عنه ابن القاسم في العتبية، وهو في
стр. 865
النوادر (البناء على القبور) فهل يفسر هذا بأنه الكراهة الاصطلاحية؟، وفيها وكره ابن القاسم أن يجعل على القبر بلاطة، ويكتب فيها، ولم ير بالحجر والعود والخشبة بأسا، يعرف الرجل به قبر وليه، ما لم يكتب فيه، ولا أرى قول عمر: «ولا تجعلوا على قبري حجرا»، إلا أنه أراد من فوقه على معنى البناء»، ومما أطلق مالك عليه الكراهة والظاهر أنه يريد الحرمة كتابة ما لا يعرف من الكلام لتعليقه على المريض، قال: «ولا بأس بما تعلقه الحائض والصبيان من القرآن إذا أخرز عليه، أو جعل في شيء يكنه، ولا بأس أن يكتب للحبلى يعلق عليها من القرآن، وذكر الله وأسمائه، وأما ما لا يعرف، والكتاب العبراني؛ فأكرهه، وكره العقد في الخيط»، فهل يقول من يعرف مالكا وتسننه، وتوقيه من الابتداع وشدة نفوره من المخالفة للسنة؛ أن كتابة ما لا يعرف معناه هو مكروه كراهة تنزيه؟، اللهم لا.
فإن قلت: إن كان الأقدمون قد تحرجوا من إطلاق لفظ الحرمة، فلنفعل مثلهم، فنتحفظ في إطلاقها، فلا نقول بتحريم البناء على القبور، فالجواب: أن لكل قصده، وهو مأجور عليه، وقد يكون اللائق بزماننا غير اللائق بزمانهم، فإن لفظ الكراهة اعتمد عليه بعض الناس فاجترأوا على محارم الله، فصار متعينا أن يصرح بالحرمة متى وجد دليلها، ولكل وجهة هو موليها، وقد روى مسلم والترمذي (١٠٤٩) عن أبي وائل أن عليا قال لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟: لا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته»، فكيف تلتقي الكراهة التنزيهية التي هي خلاف أصل دلالة النهي مع الأمر بالتسوية بعد حصول المخالفة وبوقت طويل؟، ولا أريد أن أستدل بدلالة الاقتران حيث جمع في هذا الحديث بين الأمر بتسوية القبور، والأمر بطمس الثماثيل؛ فقد قالوا إنها ضعيفة، والتماثيل مما أجمع على تحريمه.
فإن قيل: إن البناء يحافظ به على القبر حتى يعلم فيزار للاستغفار له وللعبرة والاتعاظ، فالجواب: أن هذا رأي في مقابل النص فيكون فاسدا، ومفاسد العالمَ كلها راجعة إلى تقديم العقل على الشرع، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]، ثم إن القبر يمكن أن يعلم بغير البناء،
стр. 866
ويمكن أن يقال عند الحاجة بجواز كتابة أقل ما يتم به المقصود، لا ما نشاهده من التوسع في الكتابة: كتابة الاسم واللقب وتاريخ الميلاد والدعاء والقرآن.
قال خليل: «وجاز للتمييز كحجر، أو خشبة بلا نقش»، انتهى، ثم إن تعليم القبر لزيارته ليس المقصود منه أن يظل معروفا أبدا، وإلا لضاقت الأماكن التي يدفن فيها، وقد قال المعري:
خفف الوطء ما أرى أديم ال … أرض إلا من هذه الأجساد
سر إن استطعت في الهواء رويدا … لا اختيالا على رفات العباد
رب لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحك من تزاحم الأضداد
أو لا ترى أن عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفا جما غفيرا لا يعرف قبر واحد منهم على وجه الجزم إلا قبر نبينا محمد ﷺ ، فلو كان حفظ القبور مقصودا شرعا بحيث لا تنسى لكانوا أولى بذلك من غيرهم.
стр. 867
• قوله:
١٩ - «ولا يغسل المسلم أباه الكافر، ولا يدخله قبره إلا أن يخاف أن يضيع فليواره».
إنما نص على عدم تغسيل الأب الكافر؛ ليدل على أن غيره من الأقارب أولى أن لا يفعل به ذلك، فإن الأب مطلوب البر به حتى مع كفره، قال مالك في المدونة: «لا يغسل المسلم والده إذا مات الوالد كافرا، ولا يتبعه، ولا يدخله قبره، إلا أن يخشى أن يضيع فيواريه»، لكن هذا مقيد بما إذا وجد من يقوم بشأنه من أمثاله من الكفار، وإلا فإنه إن لم يوجد تعين عليه ستره، ومواراته.
قال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه قال في كافر مات بين المسلمين، وليس عندهم كفار، قال: «يلفونه في شيء، ويوارونه»، والمستند في ذلك مواراة علي بن أبي طالب أباه بأمر من النبي ﷺ كما رواه أبو داود (٣٢١٤) عن علي ﵁ قال: قلت يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال اذهب فوار أباك، ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني، فذهبت فواريته وجئته، فأمرني فاغتسلت، ودعا لي».
لكن ظاهر الحديث لا يدل على اشتراط عدم وجود من يتولاه من أهل ملته، فقد كان هناك من يواري أبا طالب من الكفار، وقد يقال إن ذلك هو الأصل، وهو أن لا يتولى المسلم الكافر، فقيد جواز مواراته بذلك، اما ما في الحديث فقد يكون خشية منة الكفار على المسلمين وتشنيعهم عليهم بعدم مواراة أقاربهم، والله أعلم.
стр. 868
• قوله:
٢٠ - «واللحد أحب إلى أهل العلم من الشق، وهو أن يحفر للميت تحت الجرف في حائط قبلة القبر، وذلك إذا كانت تربة صلبة لا تتهيل، ولا تتقطع، وكذلك فعل برسول الله ﷺ ».
اللحد أن يحفر في جدار القبر جهة القبلة جيب يسع الميت فيوضع فيه، والشق أن يحفر وسط القبر حفرة يوضع فيها الميت، واللحد أولى لقول النبي ﷺ : «اللحد لنا، والشق لغيرنا»، رواه أصحاب السنن الأربعة (د/ ٣٢٠٨) عن ابن عباس، وهو الذي اختاره الله لنبيه ﷺ ، فقد روى ابن ماجة عن أنس قال: «لما توفي رسول الله ﷺ كان رجل يلحد والآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأُرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا له»، وهو في الموطإ (٥٤٦) بنحوه عن هشام بن عروة عن أبيه، ولولا أن الصحابة كانوا يرون الأمرين جائزين لتركهم ذلك من غير اختيار منهم، لكانت صيغة حديث ابن عباس دالة على كراهة الضرح، وقد بين المؤلف أن الضرح يتعين إذا كانت التربة غير صلبة بحيث تتهيل وتنهدم كالأرض الحديثة بالردم، وأقول وبناء على هذا فإن الأفضل عندنا الضرح، لأن الناس كلهم يسيرون بين القبور، وفي الضرح يكون الميت في الموضع الذي لا يسير فيه الناس، وفي العتبية من سماع ابن غانم عن مالك: «اللحد والشق كل واسع، واللحد أحب إلي».
وينبغي أن يوسع القبر من قِبَل الرأس ومن قِبَل الرِّجْلين، حتى لا يكون تعلة لترك السنة، وهي إدخال رأس الميت أولا من جهة الرجلين في القبر، لا كما عليه فعل الناس عندنا، ودليله ما رواه ابن أبي شيبة وأبو داود عن أبي إسحاق قال: «أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال: «من السنة»، وهذا له حكم الرفع.
стр. 869
٢١ - باب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميت
الجنائز جمع جنازة بفتح الجيم هو الميت، وهو المراد هنا، وبكسرها ما يوضع عليه الميت من الخشب ونحوه، والصلاة على الجنازة من فروض الكفاية، ومثلها في الحكم غسل الميت وتكفينه ودفنه، فهذه كلها واجبة على المسلمين إزاء موتاهم وجوب الكفاية، وإنما عطف المؤلف الدعاء للميت على الصلاة عليه مع أنه داخل فيها ليشعر بأن صلاة الجنازة إنما شرعت لأجل الدعاء للميت، والاستشفاع له عند الله تعالى، فإنها من مكفرات ذنوبه، فأوجب الله على المؤمن أن ينفع بها أخاه المسلم بالدعاء، لا مطلقا، بل مع صلاة ذات إحرام وتسليم، وهي من جنس الصلاة التي هي أعظم عبادة بعد التوحيد.
وقد ورد الحض على الاستكثار من عدد المصلين على الميت، وكونهم من أهل الصلاح في أحاديث منها قول النبي ﷺ : «ما من مسلم تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له؛ إلا شفعوا فيه»، رواه مسلم (٩٤٧)، والترمذي عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، وروى مسلم (٩٤٨) عن ابن عباس مرفوعا - وفيه قصة -: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه»، وقد قال النبي ﷺ : «إذا صليتم على الميت؛ فأخلصوا له الدعاء»، رواه أبو داود (٣١٩٩) عن أبي هريرة، وقوله «أخلصوا له الدعاء» يحتمل أن معناه خصوه به، ويقويه أن الدعاء في صلاة الجنازة خاص بالميت في معظم صيغه المأثورة، بخلاف الأدعية في غير صلاة الجنازة، ويحتمل أن المقصود ادعوا للميت مخلصين لله تعالى في دعائكم لأن ذلك أقرب إلى قبوله وانتفاع الميت به، ولا مانع من إرادة الأمرين معا.
وروى مسلم عن عقبة بن عامر ﵁ قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم
стр. 870
قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضَيفُ الشمس للغروب حتى تغرب»، ومخالفة هذا النهي يقع فيها معظم الناس في بلادنا لأمرين: أولهما أن وقت قيام قائم الظهيرة ليس من الأوقات التي تكره فيها الصلاة في المذهب، وقد تقدم القول في ذلك، وبيان ما فيه، والثاني حرص الناس على أن يحضر الجنازة عدد أكبر من المشيعين، والذي يتحقق به هذا هو هذا الوقت، ومن أراد إقامة السنة فليمتنع من الصلاة فيما بين الساعة الثانية عشرة والنصف، إلى ما بعد الزوال بتوقيتنا، وهو توقيت غرينتش زائد ساعة واحدة.
وينبغي اجتناب دفن الميت ليلا إلا في حالة الاضطرار، ومنها الخوف عليه أن يفسد، فقد روى ابن ماجة عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا»، ورى مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابرا يحدث أن النبي ﷺ خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض، فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلا، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ : «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه»، وقد نعارضت الأدلة في المسألة مع اختلاف أهل العلم في علة المنع.
стр. 871
• قوله:
١ - «والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات، يرفع يديه في أولاهن، وإن رفع في كل تكبيرة فلا بأس، وإن شاء دعا بعد الأربع ثم يسلم، وإن شاء سلم بعد الرابعة مكانه».
فرائض صلاة الجنازة في المذهب خمسة هي النية، والقيام، وأربع تكبيرات، والدعاء عقب كل تكبيرة، والسلام، وليس فيها قراءة الفاتحة ولا غيرها، قال مالك: ليست القراءة على الجنازة مما يعمل به ببلدنا»، وفي الموطإ (٥٣٧) عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يقرأ في الصلاة على الجنازة»، وروي عدم القراءة عن غير ابن عمر، منهم عمر وعلي وأبو هريرة وجابر، وكثير من التابعين، ذكر ذلك في النوادر وفي الاستذكار، ويدعم ذلك أن القراءة لم ترد تصريحا من فعل النبي ﷺ ، ولا صحت من قوله، وما رواه الترمذي (١٠٢٦) عن ابن عباس أن النبي ﷺ قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، فهو ضعيف، قال الترمذي: إبراهيم بن عثمان هو أبو شيبة الواسطي منكر الحديث، يضاف إلى هذا أن النبي ﷺ إنما أمر بإخلاص الدعاء للميت، ومن العجب استدلال بعضهم على عدم وصول ثواب قراءة القرآن للميت بعدم مطلوبية القراءة في صلاة الجنازة، ونظرا إلى أن القراءة على الجنازة سر؛ فقد خفي هذا الأمر على كثير من الناس، لكن من حفظ حجة على من لم يحفظ.
فالصواب: مشروعية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، وقال أشهب قراءتها واجبة، وهو في المنتقى للباجي، وشرح زروق على الرسالة، وقال زروق: «والعمل به ورع للخروج من الخلاف»، وحكى القرافي قولا بوجوبها، ورجح شيخ الإسلام بن تيمية الاستحباب، ودليله ما صح عن ابن عباس ﵄ أنه صلى على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: «لتعلموا أنها سنة» (خ/ ١٣٣٥)، وقول الصحابي عن شيء إنه سنة له حكم الرفع، وورد ما يدل على مشروعية قراءة السورة، فانظر أحكام الجنائز للمحدث الألباني ص (١٥١).
стр. 872
وأما عموم قوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا»، وهي صلاة، فالجواب أنها صلاة ناقصة إذ لا ركوع فيها ولا سجود، فلا يلزم أن يقرأ فيها بأم القرآن ومن ثم لا يشملها الحديث في دلالته على البطلان، والقراءة تكون عقب التكبيرة الأولى، اعتبارا بقراءتها في الصلاة، ولم يأت في دعاء الاستفتاح شيء.
فأما أن عدد التكبيرات أربعة؛ فلما في حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بقبر رطب، فصفوا عليه وكبر عليه أربعا»، رواه الشيخان، وأبو داود (٣١٩٦)، كما كبر النبي ﷺ في الصلاة على النجاشي أربعا، وهو في الموطإ (٥٣٢) والصحيحين (مسلم ٩٥١) من حديث أبي هريرة، وكبر على المرأة السوداء أربعا، لكن ورد عنه ﷺ أنه كبر أكثر من ذلك، ففي صحيح مسلم (٩٥٧) وأبي داود (٣١٩٧) عن ابن أبي ليلى قال كان زيد - يعني ابن أرقم - يكبر على جنائزنا أربعا، وإنه كبر على جنازة خمسا، فسألته، فقال: «كان رسول الله ﷺ يكبرها»، وهذا يدل على أن غالب فعل النبي ﷺ كان أربع تكبيرات، وقد ثبت التكبير ستا وسبعا وثمانيا وتسعا، فقال قوم إن الإجماع قد انعقد فيما بعد على أربع، وممن ذكر هذا الإجماع الباجي وابن عبد البر قال في (الاستذكار ٣/ ٣٠): «اتفق الفقهاء أهل الفتوى بالأمصار على أن التكبير على الجنائز أربع لا زيادة، على ما جاء في الآثار المسندة من نقل الآحاد الثقات، وما سوى ذلك عندهم شذوذ لا يلتفت إليه اليوم، ولا يعرج عليه»، ثم ذكر ما يدل على أن التكبير أربعا إجماع، ومال إلى هذا الشوكاني في السيل الجرار، بل اعتبر أن النقص عن أربع، والزيادة عليها من البدع، وفي هذه الدعوى نظر.
ولما كانت التكبيرات الأربعة من واجبات صلاة الجنازة، فإن من تعمد ترك إحداها بطلت صلاته على المذهب، وهكذا من نسي إحداها وطال الزمن، قال خليل: «وإن والاه، أو سلم بعد ثلاث، أعاد»، يعني إذا والى التكبير من غير دعاء، والقول بالبطلان شديد مع وجود من قال بثلاث تكبيرات.
ومشهور المذهب أن الإمام إذا زاد على أربع لم ينتظره المأموم، بل يسلم، قال ابن القاسم في العتبية عن مالك: «وإن كان الإمام ممن يكبر خمسا؛ فليقطع المأموم بعد الرابعة، ولا يتبعه»، وعلى هذا جرى خليل فقال: «وإن زاد لم ينتظر»، والرواية الثانية رواية ابن
стр. 873
حبيب عن ابن الماجشون عن مالك أن المأموم يسكن أي يسكت، فإذا كبر الخامسة سلم بسلامه، وهذا هو الأقيس، وهو قول أشهب ومطرف، بل الصواب إن شاء الله: متابعته في عدد التكبير.
أما رفع اليدين عند التكبيرة الأولى في صلاة الجنازة فأمر متفق عليه في المذهب، إلا ما ذكره الفاكهاني عن مالك كما في حاشية الشيخ علي الصعيدي، على شرح أبي الحسن للرسالة، وأخشى أن يكون الفاكهاني قد توهم؛ فنسب لمالك ما روي عن ابن القاسم من ذلك كما في النوادر، أما رفع اليدين في باقي التكبيرات ففيه روايتان: أولاهما لابن وهب عن الإمام أنه استحب رفع اليدين في كل تكبيرة، وقال إنه ليعجبني، ووجهها أنه ثبت ذلك من فعل ابن عمر ﵄، علقه البخاري في صحيحه، باب سنة الصلاة على الجنائز، ووصله في جزء رفع اليدين، كما ثبت الرفع عن غير ابن عمر من الصحابة ومن دونهم، وقد ذ كر بعضهم في المدونة، والرواية الثانية لابن القاسم وابن زياد يرفع في الأولى فقط، ووجهها عدم صحة المرفوع فيما عدا الأولى، ويظهر أن قول المؤلف فلا بأس أشار به لقول أشهب حيث رأى التخيير في الرفع في التكبيرات الثلاثة، والتعبير بالتخيير فيه شيء.
أما الدعاء بعد الرابعة فهو الذي اختاره اللخمي، كما أشار إليه خليل بقوله: «ودعا بعد الرابعة على المختار»، ويبدو أن اللخمي اختاره من اختلاف سحنون وغيره، فقد كان سحنون يرى الدعاء بعد الرابعة، قالوا إنه قاسه على بقية التكبيرات، وليس بلازم أن يكون قياسا، لاحتمال اطلاعه على النص كما سيأتي، وقال ابن أبي زيد في النوادر: «وفي غير موضع لأصحابنا إذا كبر الرابعة سلم، وكذلك في كتاب ابن حبيب وغيره، قال ابن حبيب: وروي أن ابن عمر كان يدعو بعد الرابعة لنفسه ولوالديه»، والذي اختاره اللخمي هو الحق لحديث أبي يعفور عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «شهدته وكبر على جنازة أربعا، ثم قام ساعة - يعني يدعو - ثم قال: أتروني كنت أكبر خمسا؟، قالوا: لا، قال: إن رسول الله ﷺ كان يكبر أربعا»، رواه البيهقي بسند صحيح كما قال المحدث العلامة الألباني في أحكام الجنائز.
стр. 874
• قوله:
٢ - «ويقف الإمام في الرجل عند وسطه، وفي المرأة عند منكبيها».
وقوف الإمام من الرجل عند وسطه، ومن المرأة عند منكبيها؛ هو مشهور المذهب، وهو مخالف للسنة، بعكس ما ورد فيها، قال أشهب كما في المجموعة: ويقف الإمام من الميت عند وسطه أحب إلي، وذلك واسع،،،»، وقال خليل في مندوبات صلاة الجنازة: «ووقوف إمام بالوسط، ومنكبي المرأة: رأس الميت عن يمينه»، وفي المدونة عن ابن مسعود أنه يقف من المرأة عند منكبيها، لكن قال المؤلف في النوادر (ما يجب من الصلاة على الجنازة): «ورأيت لابن غانم أنه روى عن مالك أنه يقف عند وسط المرأة»، انتهى.
قلت: هذا هو منطوق ما جاء في حديث سمرة بن جندب عند الشيخين (خ/ ١٣٣٢) وأبي داود (٣١٩٥) قال: «صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها؛ فقام عليها للصلاة وسطها»، ولفظ المرأة له مدخل في موضع الوقوف، وإذا كان ما هنا يحتمل أنه للستر كما قيل، فقد جاء ما ينفي ذلك الاحتمال، وهو ما رواه أبو داود (٣١٩٤) وغيره عن نافع أبي غالب - في حديث طويل - أن أنس بن مالك صلى على رجل فقام عند رأسه، وجيء بامرأة فصلى عليها، فقام وسطها، فسأله بعض الحاضرين عن اختلاف موضع قيامه من الرجل والمرأة قائلا: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله ﷺ يقوم حيث قمت؟، فأجابه بنعم»، وقد علل بعضهم هذا الاختلاف في الوقوف بأنه كان لستر المرأة عن الناس، حيث لا نعش، وهو في النوادر، ولعل اعتمادهم في ذلك على زيادة عند أبي داود، قال أبو غالب: «فسألت عن صنيع أنس في قيامه على المرأة عند عجيزتها، فحدثوني أنه إنما كان لأنه لم تكن النعوش فكان الإمام يقوم حيال عَجيزتها يسترها من القوم»، وقد رد ذلك الألباني في أحكام الجنائز من أوجه ثلاثة، أحدها أن المرأة التي صلي عليها كانت في النعش، والثاني أن ذلك الكلام لا يعرف قائله، والثالث أنه خلاف ما فهمه الحاضرون كما في بعض روايات الحديث.
стр. 875
قلت: وقد ادعى بعضهم أن الوقوف وسط المرأة خاص بالنبي ﷺ لكونه مبرأ من خواطر السوء، والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ثم إن الخواطر أخطر من أن يزيلها موضع القيام، ثم كيف يستر الإمام المرأة عن الناس وهو ينظر إليها؟، فهل هو مبرأ؟، إنها ظنون وهواجس لا تغني من الحق شيئا.
стр. 876
• قوله:
٣ - «والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة خفية للإمام والمأموم».
التسليمة الواحدة تكفي في الخروج من الصلاة، وقد تقدم الحديث عن ذلك في الصلاة ذات الركوع والسجود، فأحرى أن يكون الأمر هنا كذلك، والمذهب أن التسليمة هنا واحدة وأنها سر، ففي المدونة قال مالك في السلام من الصلاة على الجنائز: «يسمع نفسه، وكذلك من خلف الإمام يسمع نفسه، وهو دون سلام الإمام تسليمة واحدة للإمام وغيره»، وقد ورد في حديث ابن مسعود ﵁ قوله: «ثلاث خلال كان رسول الله ﷺ يفعلهن تركهن الناس، إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم من الصلاة»، فيظهر من التشبيه أنه يقصد تسليمتين، وثبتت التسليمة الواحدة أيضا بحديث أبي هريرة عند الدارقطني والحاكم أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، فكبر عليها أربعا، وسلم تسليمة واحدة».
أما أن التسليم يكون سرا فقد قالوا: هو إحدى روايتين عن الإمام أشار إلى ذلك الباجي، وسيأتي أنه قول واحد، فوجه رواية الجهر أنه سلام للخروج من الصلاة فيجهر به على الأصل لإعلام المقتدين بذلك، أما وجه الإسرار وهو مخالف للأصل؛ فلما جاء في حديث أبي أمامة ﵁: أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة؛ أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات (الثلاث) لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرا في نفسه حين ينصرف عن يمينه، والسنة أن يفعل من وراءه ما فعل إمامه»، رواه الشافعي في الأم، وانظر الفقرة (٧٩) من كتاب أحكام الجنائز للألباني ص (١٥٥).
لكن معتمد الإمام في التسليم سرا فعل ابن عمر ﵄ الذي رواه في الموطإ (٥٤٣)
стр. 877
أنه كان إذا صلى على الجنائز يسلم حتى يسمع من يليه»، ويظهر منه ومما تقدم من قول مالك في المدونة أنه ليس له في صفة التسليم إلا قول واحد، على أن يكون المراد بالإسرار ما في فعل ابن عمر، وقد سبق لك أن رأيت ما في المدونة أنه في الوقت الذي قال فيه مالك عن كل من الإمام والمأموم يسمع نفسه، قال عن المأموم إنه دون الإمام في ذلك، فعقلنا أنه يقصد بإسرار الإمام أن يسمع نفسه ومن يليه، وقد جاء ذلك عن الإمام صريحا في العتبية من رواية ابن القاسم قال: «ويسلم واحدة يسمع نفسه ومن يليه ويسلم من خلفه في أنفسهم، يريد متكلمين»، قال خليل في أركان صلاة الجنازة: «وتسليمة خفيفة، وسمع الإمام من يليه»، على أنه لو كان المراد بالإسرار ذاك الذي ليس معه إلا حركة اللسان؛ فلا يجوز أن تضرب الأمثال للسنة، فيقال: وكيف يعلم الناس انتهاء الصلاة؟، فيقال يعلمون بالتفات إمامهم أو بانصرافه، وأي ضير فيما لو تأخروا حتى ينصرف؟.
стр. 878
• قوله:
٤ - «وفي الصلاة على الميت قيراط من الأجر، وقيراط في حضور دفنه، وذلك في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا».
رحم الله ابن أبي زيد فإنه لم يكن من أهل الفقه الذين جردوه مما عدا أفعال الجوارح، فإنه لا يفتأ يذكر بفضائل أعمال الباطن، ويرغب في ابتغاء وجه الله بأعمال الجوارح، وقد ورد في فضل تشييع جنازة المسلم والصلاة عليه حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه (خ/ ١٣٢٥) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شهد الجنازة حتى يصلي؛ فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن؛ فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟، قال: مثل الجبلين العظيمين»، وقد ورد في المرفوع أن القيراط مثل أحد، وورد أنه أعظم من أحد، والمراد التمثيل لعظم ثواب الصلاة والتشييع في ميزان العبد يوم القيامة بأمر محسوس، وفضل الله واسع، وعطاؤه لا يقدر قدره المخلوق.
ومما يذكر هنا؛ أن مشهور المذهب عدم التيمم لصلاة الجنازة للحاضر الصحيح فاقد الماء إلا إذا تعينت عليه، قال ابن حبيب: «ولم ير مالك التيمم للجنازة يخاف فواتها في الحضر، إلا في موضع يجوز التيمم فيه للصلاة، وكان ابن شهاب، ويحي بن سعيد، والنخعي، والشعبي؛ يرون إن خاف فواتها أن يتمم لها، وإن كان في الحضر، وبذلك أخذ الليث وابن وهب، قال ابن حبيب والأمر في ذلك واسع».
وإذا علمت أن الانتظار حتى يدفن الميت سبب في حصول هذا الأجر العظيم، فلا ينبغي للمشيع أن يفرط فيه إلا لمانع، لكن إذا تم ذلك فلا وجه للبقاء في المقبرة انتظارا لما يسمى عندنا بالتعزية، فإنها من البدع، كيف وقد أصبح الناس يرونها من جملة أحكام الجنازة التي لا تستقيم ولا تتم بدونها، تلقى فيها الخطب، ويكثر فيها الكلام، ويستمع فيها للمواعظ، وكثيرا ما يتجاوز ذلك إلى ذكر محاسن الميت، والتنويه به، ثم يختم ذلك
стр. 879
بالتعزية الجماعية، والذي عرف عن النبي ﷺ أنه فعله هو ما جاء في حديث البراء بن عازب الذي رواه أبو داود وأحمد وغيرهما، وفيه أنه جلس وجلس أصحابه حوله، وذكرهم بخروج روح المؤمن، وما تلاقيه من الخير والإحسان، وبخروج روح الكافر والفاجر وما تلاقيه من التثريب والهوان، حتى إذا انتهي من الدفن انصرفوا، وهكذا ما رواه البخاري وغيره عن علي بن أبي طالب أنهم كانوا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله،،، الحديث، وقد ثبت أنه قال لأصحابه عن بعض من دفنوه: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل»، وهذا هو الذي يقتضيه العقل السليم، والذهن المستقيم، وهو تحديث الناس إن كان ولا بد وقت الدفن كي يشتغلوا بما جاءوا من أجله، حتى إذا انتهوا منه انصرفوا لشؤونهم.
واعلم أن معظم المشيعين للجنازة حاضرون بأشباحهم لا بأرواحهم، يفوتهم الاتعاظ والاعتبار بالموت، لاشتغالهم عنه بالحديث في شؤون حياتهم، وكثيرا ما يتجاوزون ذلك إلى اللغو واللهو، بل وإلى ما حرم عليهم، وقد كان سلفهم على خلاف ذلك، ففي النوادر (الاستكانة في الجنازة)، قال ابن حبيب: ويكره الضحك والاشتغال بالحديث والخوض، وكان يُرى على النبي ﷺ فيها كآبة، ويرون أنه يحدث نفسه بأمر الموت، وما هو صائر إليه، وسمع فيها أبو قلابة صوت قاص فقال: «كانوا يعظمون الموت بالسكينة»، قال مطرف بن عبد الله: «وكان الرجل يلقى الخاص من إخوانه في الجنازة له عنده عهد؛ فما يزيده على التسليم، ثم يعرض عنه، حتى كأن له عليه موجدة، اشتغالا بما هو فيه، فإذا خرج من الجنازة ساءله عن حاله ولاطفه، وكان منه أحسن ما كان يعهد»، وقال أسيد ابن الحضير: «ما شهدت جنازة فحدثت نفسي إلا بما تقول، أو يقال لها حتى أنصرف».
стр. 880
• قوله:
٥ - «ويقال في الدعاء على الميت غير شيء محدود، وذلك كله واسع».
المطلوب في الصلاة على الميت إخلاص الدعاء له، فإذا دعا له بالرحمة والمغفرة كفاه ذلك، وقد حكى ابن الحاجب وغيره أنه لا يستحب دعاء معين، ولعل ذلك لأنه قد ورد في الدعاء للميت صيغ كثيرة دعا بها النبي ﷺ لأفراد من أمته، فيحسن بالمسلم أن يحفظ شيئا منها يدعو به فذلك خير له، ومن لم يقدر دعا بما تيسر له، لكن لا يستقيم للمسلم أن يرتب دعاء طويلا يخترعه ويدعو به ويعرض عن المأثور كيفما كان جمال هذا الدعاء، ومهما كانت عباراته فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ .
следующие страницы →