← Фикх малики

Фикх малики · id 30008

العجالة في شرح الرسالة

ابن حنيفة العابدين

Полный текст (2 782 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

• قوله: ٣ - «والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة خفية للإمام والمأموم». التسليمة الواحدة تكفي في الخروج من الصلاة، وقد تقدم الحديث عن ذلك في الصلاة ذات الركوع والسجود، فأحرى أن يكون الأمر هنا كذلك، والمذهب أن التسليمة هنا واحدة وأنها سر، ففي المدونة قال مالك في السلام من الصلاة على الجنائز: «يسمع نفسه، وكذلك من خلف الإمام يسمع نفسه، وهو دون سلام الإمام تسليمة واحدة للإمام وغيره»، وقد ورد في حديث ابن مسعود ﵁ قوله: «ثلاث خلال كان رسول الله ﷺ يفعلهن تركهن الناس، إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم من الصلاة»، فيظهر من التشبيه أنه يقصد تسليمتين، وثبتت التسليمة الواحدة أيضا بحديث أبي هريرة عند الدارقطني والحاكم أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، فكبر عليها أربعا، وسلم تسليمة واحدة». أما أن التسليم يكون سرا فقد قالوا: هو إحدى روايتين عن الإمام أشار إلى ذلك الباجي، وسيأتي أنه قول واحد، فوجه رواية الجهر أنه سلام للخروج من الصلاة فيجهر به على الأصل لإعلام المقتدين بذلك، أما وجه الإسرار وهو مخالف للأصل؛ فلما جاء في حديث أبي أمامة ﵁: أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة؛ أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات (الثلاث) لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرا في نفسه حين ينصرف عن يمينه، والسنة أن يفعل من وراءه ما فعل إمامه»، رواه الشافعي في الأم، وانظر الفقرة (٧٩) من كتاب أحكام الجنائز للألباني ص (١٥٥). لكن معتمد الإمام في التسليم سرا فعل ابن عمر ﵄ الذي رواه في الموطإ (٥٤٣)

стр. 877

أنه كان إذا صلى على الجنائز يسلم حتى يسمع من يليه»، ويظهر منه ومما تقدم من قول مالك في المدونة أنه ليس له في صفة التسليم إلا قول واحد، على أن يكون المراد بالإسرار ما في فعل ابن عمر، وقد سبق لك أن رأيت ما في المدونة أنه في الوقت الذي قال فيه مالك عن كل من الإمام والمأموم يسمع نفسه، قال عن المأموم إنه دون الإمام في ذلك، فعقلنا أنه يقصد بإسرار الإمام أن يسمع نفسه ومن يليه، وقد جاء ذلك عن الإمام صريحا في العتبية من رواية ابن القاسم قال: «ويسلم واحدة يسمع نفسه ومن يليه ويسلم من خلفه في أنفسهم، يريد متكلمين»، قال خليل في أركان صلاة الجنازة: «وتسليمة خفيفة، وسمع الإمام من يليه»، على أنه لو كان المراد بالإسرار ذاك الذي ليس معه إلا حركة اللسان؛ فلا يجوز أن تضرب الأمثال للسنة، فيقال: وكيف يعلم الناس انتهاء الصلاة؟، فيقال يعلمون بالتفات إمامهم أو بانصرافه، وأي ضير فيما لو تأخروا حتى ينصرف؟.

стр. 878

• قوله: ٤ - «وفي الصلاة على الميت قيراط من الأجر، وقيراط في حضور دفنه، وذلك في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا». رحم الله ابن أبي زيد فإنه لم يكن من أهل الفقه الذين جردوه مما عدا أفعال الجوارح، فإنه لا يفتأ يذكر بفضائل أعمال الباطن، ويرغب في ابتغاء وجه الله بأعمال الجوارح، وقد ورد في فضل تشييع جنازة المسلم والصلاة عليه حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه (خ/ ١٣٢٥) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شهد الجنازة حتى يصلي؛ فله قيراط، ومن شهد حتى تدفن؛ فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟، قال: مثل الجبلين العظيمين»، وقد ورد في المرفوع أن القيراط مثل أحد، وورد أنه أعظم من أحد، والمراد التمثيل لعظم ثواب الصلاة والتشييع في ميزان العبد يوم القيامة بأمر محسوس، وفضل الله واسع، وعطاؤه لا يقدر قدره المخلوق. ومما يذكر هنا؛ أن مشهور المذهب عدم التيمم لصلاة الجنازة للحاضر الصحيح فاقد الماء إلا إذا تعينت عليه، قال ابن حبيب: «ولم ير مالك التيمم للجنازة يخاف فواتها في الحضر، إلا في موضع يجوز التيمم فيه للصلاة، وكان ابن شهاب، ويحي بن سعيد، والنخعي، والشعبي؛ يرون إن خاف فواتها أن يتمم لها، وإن كان في الحضر، وبذلك أخذ الليث وابن وهب، قال ابن حبيب والأمر في ذلك واسع». وإذا علمت أن الانتظار حتى يدفن الميت سبب في حصول هذا الأجر العظيم، فلا ينبغي للمشيع أن يفرط فيه إلا لمانع، لكن إذا تم ذلك فلا وجه للبقاء في المقبرة انتظارا لما يسمى عندنا بالتعزية، فإنها من البدع، كيف وقد أصبح الناس يرونها من جملة أحكام الجنازة التي لا تستقيم ولا تتم بدونها، تلقى فيها الخطب، ويكثر فيها الكلام، ويستمع فيها للمواعظ، وكثيرا ما يتجاوز ذلك إلى ذكر محاسن الميت، والتنويه به، ثم يختم ذلك

стр. 879

بالتعزية الجماعية، والذي عرف عن النبي ﷺ أنه فعله هو ما جاء في حديث البراء بن عازب الذي رواه أبو داود وأحمد وغيرهما، وفيه أنه جلس وجلس أصحابه حوله، وذكرهم بخروج روح المؤمن، وما تلاقيه من الخير والإحسان، وبخروج روح الكافر والفاجر وما تلاقيه من التثريب والهوان، حتى إذا انتهي من الدفن انصرفوا، وهكذا ما رواه البخاري وغيره عن علي بن أبي طالب أنهم كانوا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله،،، الحديث، وقد ثبت أنه قال لأصحابه عن بعض من دفنوه: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل»، وهذا هو الذي يقتضيه العقل السليم، والذهن المستقيم، وهو تحديث الناس إن كان ولا بد وقت الدفن كي يشتغلوا بما جاءوا من أجله، حتى إذا انتهوا منه انصرفوا لشؤونهم. واعلم أن معظم المشيعين للجنازة حاضرون بأشباحهم لا بأرواحهم، يفوتهم الاتعاظ والاعتبار بالموت، لاشتغالهم عنه بالحديث في شؤون حياتهم، وكثيرا ما يتجاوزون ذلك إلى اللغو واللهو، بل وإلى ما حرم عليهم، وقد كان سلفهم على خلاف ذلك، ففي النوادر (الاستكانة في الجنازة)، قال ابن حبيب: ويكره الضحك والاشتغال بالحديث والخوض، وكان يُرى على النبي ﷺ فيها كآبة، ويرون أنه يحدث نفسه بأمر الموت، وما هو صائر إليه، وسمع فيها أبو قلابة صوت قاص فقال: «كانوا يعظمون الموت بالسكينة»، قال مطرف بن عبد الله: «وكان الرجل يلقى الخاص من إخوانه في الجنازة له عنده عهد؛ فما يزيده على التسليم، ثم يعرض عنه، حتى كأن له عليه موجدة، اشتغالا بما هو فيه، فإذا خرج من الجنازة ساءله عن حاله ولاطفه، وكان منه أحسن ما كان يعهد»، وقال أسيد ابن الحضير: «ما شهدت جنازة فحدثت نفسي إلا بما تقول، أو يقال لها حتى أنصرف».

стр. 880

• قوله: ٥ - «ويقال في الدعاء على الميت غير شيء محدود، وذلك كله واسع». المطلوب في الصلاة على الميت إخلاص الدعاء له، فإذا دعا له بالرحمة والمغفرة كفاه ذلك، وقد حكى ابن الحاجب وغيره أنه لا يستحب دعاء معين، ولعل ذلك لأنه قد ورد في الدعاء للميت صيغ كثيرة دعا بها النبي ﷺ لأفراد من أمته، فيحسن بالمسلم أن يحفظ شيئا منها يدعو به فذلك خير له، ومن لم يقدر دعا بما تيسر له، لكن لا يستقيم للمسلم أن يرتب دعاء طويلا يخترعه ويدعو به ويعرض عن المأثور كيفما كان جمال هذا الدعاء، ومهما كانت عباراته فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ .

стр. 881

• قوله: ٦ - «ومن مستحسن ما قيل في ذلك أن يكبر ثم يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا والحمد لله الذي يحيي الموتى، له العظمة والكبرياء والملك القدرة والثناء، وهو على كل شيء قدير، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم إنه عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، أنت خلقته، وأنت رزقته، وأنت أمته، وأنت تحييه، وأنت أعلم بسره وعلانيته، جئناك شفعاء له، فشفعنا فيه، اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له، إنك ذو وفاء وذمة، اللهم قه من فتنة القبر وعذاب جهنم، اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه، اللهم إنه قد نزل بك وأنت خير منزول به فقيرا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، تقول هذا بإثر كل تكبيرة، وتقول بعد الرابعة: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وحاضرنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم متقلبنا ومثوانا، ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، وأسعدنا بلقائك، وطيبنا للموت، وطيبه لنا،

стр. 882

واجعل فيه راحتنا ومسرتنا»، ثم تسلم، وإن كانت امرأة قلت: اللهم إنها أمتك ثم تتمادى بذكرها على التأنيث، غير أنك لا تقول: وأبدلها زوجا خيرا من زوجها، لأنها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن، لا يبغين بهم بدلا، والرجل قد يكون له زوجات كثيرات في الجنة، ولا يكون للمرأة أزواج». هذا الدعاء هو الذي اختاره ابن أبي زيد في النوادر، فإنه قال قبل أن يذكره بنحو ما هنا: «وقد جمعت مما جاء من السلف من الدعاء للميت مما في كتاب ابن حبيب وغيره، ومما جاء عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وعوف بن مالك، وعن عثمان، وعن غيره، وجعلت فيه ما استحسن ابن حبيب وغيره من الثناء على الله سبحانه، والصلاة على نبيه، وذلك أن يقول إذا كبر الأولى: ثم ذكره بنحوه، ونقف من هذا الدعاء على أمور: أحدها: ما ذكره من الصلاة على النبي ﷺ ، فقد تقدم دليلها في حديث أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة؛ أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات (الثلاث)،،، الحديث، وينبغي التقيد فيه بالصيغ الثابتة نقلا، وقد ذكرت بعضها في التشهد للصلاة، وموضع الصلاة على النبي ﷺ بعد التكبيرة الثانية، والحمد والصلاة على النبي ﷺ قبل الدعاء؛ عدها أهل المذهب من المستحبات في صلاة الجنازة، قال خليل: «وابتداء بحمد وصلاة على نبيه ﵊»، وقد روى مالك في الموطإ (٥٣٥) عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه أنه سأل أبا هريرة كيف تصلي على الجنازة؟، فقال أبو هريرة: «أنا لعمر الله أخبرك، أتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت، وحمدت الله، وصليت على نبيه،،،».

стр. 883

الثاني: قوله: اللهم إنه عبدك وابن عبدك إلى آخره، هذا جاء من دعاء أبي هريرة في أثره السابق، ونصه: «اللهم إنه عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيآته، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده»، وقوله في بدايته: «اللهم إنه عبدك إلى قوله وأنت أعلم به»؛ وسيلة للدعاء له، كما في قوله ﷺ : «اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك،،، قدمه وسيلة بين يدي دعاء الحاجة، أعني الثناء على الله تعالى وتمجيده قبل سؤاله سبحانه، وهو الذي علمنا ربنا إياه في فاتحة الكتاب. الثالث: قوله: اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه،،، هذا من أصح ما جاء في الدعاء، وقد رواه مسلم عن عوف بن مالك قال: «صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظت من دعائه: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وأدخله الجنة، وقه فتنة القبر وعذاب النار». الرابع: قوله: «اللهم اغفر لحينا وميتنا،،، هذا جاء فيما رواه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا صلى على جنازة يقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحيته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده»، وقوله «صغيرنا»؛ يحتمل الصغير الذي لم يبلغ الحلم، وهو الظاهر، فيكون الدعاء له لما يستقبل مما عسى أن يقع منه، ولا مانع من ذلك فقد جاء في أحاديث عدة وعد الله تعالى بمغفرة ما تأخر من ذنب العبد إذا عمل من الصالحات ما رتبت عليه المغفرة، ويحتمل الصغر بالنسبة إلى من هو أكبر سنا منه، أي صغار المكلفين وكبارهم، لاستغراق الأمة كلها بالدعاء، ولاستكمال المتقابلات المذكورة، وبهذا يظهر لك أن من استشكل الدعاء بمغفرة ذنوب غير المكلفين لم يصب، وقد حمل خفاء المعنى العلامة الكحلاني على القول بأن المراد بالمغفرة للصغير طلب التثبيت له عند التكليف على الأعمال الصالحة لكونه لا

стр. 884

ذنب له، كما استشكل هذا الدعاء ابن عمر شارح الرسالة، وقوله «من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان»، إنما ذكر الحياة على الإسلام؛ لأن المقصود أن يعيش عاملا بالشرع بجوارحه، وفي ظاهره، وذلك لا يصح إلا بالإيمان، أما الممات فالمطلوب أن يموت المسلم على التوحيد، فإن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة يوما من دهره، وقد عكس المصنف ذلك كما ترى، وهي رواية أبي داود (٣٢٠١)، وقد يكون المقصود أن كلا من اللفظين يشمل الآخر كما هو المعروف فيهما وما كان نحوهما إذا انفردا، والأول أولى، والله أعلم. الخامس: قوله جئناك شفعاء له، فشفعنا فيه، اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له، إنك ذو وفاء وذمة، هذا ورد نحوه في حديث أبي هريرة عند أبي داود (٣٢٠٠) أن رسول الله ﷺ دعا في الصلاة على الجنازة فقال: «اللهم أنت ربها وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئناك شفعاء فاغفر له». السادس: في شرح بعض الكلمات الواردة في هذا الدعاء: قوله: «له الملك»؛ هو عبارة عن التصرف في خلقه بالهداية والإضلال، والثواب والعقاب، وغير ذلك، وقوله: «نستجير بحبل جوارك»؛ المراد بالحبل هنا العهد والميثاق، كان الواحد من العرب إذا أراد سفرا وخاف على نفسه؛ أخذ عهدا من سيد كل قبيلة، يستجير به ما دام في حدودها، فكيف بمن استجار بالله تعالى، وهو مالك الملك؟، أي نطلب منك الإجارة والأمن متمسكين بوعدك، وقوله «إنك ذو وفاء وذمة»؛ أي صاحب عهد ووفاء، قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]. وقوله: «وأكرم نزله»، النزل بضمتين؛ ما يعد للنزيل والضيف من القرى بكسر الراء، أي اجعل نزله حسنا كريما، قال تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)﴾ [فُصِّلَت: ٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧]. وقوله: «وسع مدخله»؛ يعني وسع موضع دخوله، وسعة موضع الدخول مشعرة بسعة ما بعده من موضع الإقامة، وهو القبر فيفسح له فيه، وقوله: «واغسله بالماء والثلج

стр. 885

والبرد»، المراد الدعاء بالتطهير من الذنوب بغفران الله تعالى له، حتى يصير أهلا لدخول الجنة، فإن الجنة لا يدخلها خبيث، وقوله: «كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»، إنما اختير اللون الأبيض في التشبيه لأنه إذا غسل لا يحمل الدنس لا ظاهرا ولا باطنا، بخلاف غيره، فقد لا يظهر عليه الدنس، ومع ذلك يكون منتنا، وقوله: «وثبت عند المسألة منطقه»؛ المسألة؛ سؤال الملكين وهما منكر ونكير، و «منطقه»؛ نطقه، بأن يجيب عما سئل عنه، إذ يقال له من ربك؟، وما دينك؟، ومن نبيك؟»، وقوله: «وطيبنا للموت»؛ أي هيئنا وأعدنا له، بتوفيقنا للطاعات، وتيسيرنا للقربات، حتى تتوفانا يا ربنا طيبين كما قلت في كتابك: «الذين تتوفاهم الملائكة طيبين»، وقوله: «واجعل فيه مسرتنا وراحتنا»، جاء في الحديث الصحيح عن أبي قتادة بن ربعي مرفوعا: «مستريح، ومستراح منه: العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب»، وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، ومن خرج من سجنه يفرح ولا بد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فُصِّلَت: ٣٠]، وقوله: «لأنها قد تكون زوجا في الجنة … إلخ، فيه قول النبي ﷺ : «المرأة لآخِر أزواجها»، رواه الطبراني عن أبي الدرداء فعت ذلك أمُّ الدرداء حين خطبها معاوية ﵄، فأبت، وقالت: ولست أريد بأبي الدرداء بدلا، وانظر الصحيحة (١٢٨١).

стр. 886

• قوله: ٧ - «ولا بأس أن تجمع الجنائز في صلاة واحدة، ويلي الإمام الرجال إن كان فيهم نساء، وإن كانوا رجالا جعل أفضلهم مما يلي الإمام، وجعل من دونه النساء والصبيان من وراء ذلك إلى القبلة، ولا بأس أن يجعلوا صفا واحدا ويقرب إلى الإمام أفضلهم». إذا كان هناك أكثر من جنازة، وصلي على كل منها على حدة؛ فلا بأس بذلك، لأن هذا هو الأصل، ولأن فيه تكثيرا للعمل الصالح، وتكريرا للدعاء، وإن جمعت الجنائز فلا حرج، وقال الشيخ علي الصعيدي إن الجمع مستحب، وكيفية وضع الجنائز إن جمعت للصلاة عليها إن كان فيها رجال ونساء؛ أن يجعل الرجال مما يلي الإمام، والنساء بعدهم مما يلي القبلة، ودليله حديث عمار مولى الحرث بن نوفل أنه شهد جنازة أم كلثوم وابنها فجعل الغلام مما يلي الإمام، فأنكرنا ذلك، وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السنة»، رواه أبو داود (٣١٩٣) والنسائي، وإذا جعل الغلام مما يلي الإمام والصلاة عليه مستحبة، مع أن المصلى عليها معه أمه؛ فكيف بغير الغلام من المكلفين؟، وروى مالك في الموطإ (٥٤٢) بلاغا أن عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وأبا هريرة كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة: الرجال والنساء، فيجعلون الرجال مما يلي الإمام، والنساء ما يلي القبلة»، أما جعل الفاضل من الرجال مما يلي الإمام؛ فلعل ذلك بالقياس على أفضلية الرجال على النساء، ولأنه عكس ما في جمع الموتى في قبر واحد، حيث يجعل إلى جهة القبلة - وهي فاضلة - أفضلهم، وهنا عكس ذلك، فيجعل أفضلهم أقرب إلى الإمام والمأمومين، أصله قول النبي ﷺ : «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى»، والله أعلم. والصورة الثانية أن يجعل الموتى صفا واحداً ويجعل أفضلهم أقرب إلى الإمام.

стр. 887

• قوله: ٨ - «وأما دفن الجماعة في قبر واحد؛ فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة». لما ذكر المصنف صفة وضع الجنائز إذا صلي عليها جميعا؛ بين صفة دفن أكثر من ميت في قبر واحد، للمناسبة التي بين الأمرين، ولم يذكر حكم هذا الجمع، فيقال إن الأصل أن يدفن كل ميت في قبر خاص به، فإن تعذر ذلك، أو كان فيه مشقة كبيرة؛ ساغ دفن أكثر من ميت في قبر واحد، والسنة في هذه الحال أن يجعل أفضلهم مما يلي القبلة، عكس ما تقدم في جمعهم في الصلاة، ودليل ذلك حديث هشام بن عامر قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ يوم أحد، فقلنا: يا رسول الله الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال رسول الله ﷺ : «احفروا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الإثنين والثلاثة في قبر»، فقلنا: «فمن نقدم يا رسول الله»، فقال: «قدموا أكثرهم قرآنا»، رواه الترمذي والنسائي، وهذا الحديث أصرح في أن مشروعية هذا الجمع مقيدة بحال التعذر أو العسر من حديث جابر المتقدم ذكره في ترك تغسيل الشهيد، وقد رواه ابن وهب كما في المدونة والبخاري والترمذي (١٠٣٦) والنسائي وابن ماجة عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن، فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم». فإن قلت: قد يكون الفاضل غير الأكثر أخذا للقرآن، فالجواب: أن المدفونين في هذا الحديث سوت بينهم الشهادة في سبيل الله في ظاهر الأمر، فلم يعد من مرجح غير أكثرية الحفظ، فاعتمدها النبي ﷺ ، أو يقال إن الأفضلية قد يختلف الناس فيها، فسلك فيها مسلك الإمامة، لأن الحفظ أمر ظاهر، فهو أقطع للنزاع، ونوط الترتيب على أكثر الحفظ يدلك على أن هذا الأمر كان لا يخفى عندهم، والله أعلم. وقد جرت عادة كثير من الناس عندنا أن ينبشوا القبر ويدفنوا الميت مع آخر، إما لوصيته بذلك، أو لما يرونه من أن الدفن إلى جوار فلان أنفع ونحو هذا، وقد علمت أن

стр. 888

الأصل أن يدفن كل ميت في قبر ابتداء، إلا من ضرورة أو عسر، فكيف إذا كان الميت قد دفن، وصار قبره دارا له، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]، مع ما في ذلك من هتك حرمته، وقد تكسر عظامه، وقد قال رسول الله ﷺ : «كسر عظم الميت ككسر عظمه حيا»، رواه أبو داود (٣٢٠٧) عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، والظاهر أن معناه في الإثم، إذ لا قصاص بينهما، وفي الموطإ (٥٥٠) عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: «ما أحب أن أدفن بالبقيع، إنما هو أحد رجلين: إما ظالم فلا أحب أن أكون معه، وإما صالح فلا أحب أن تنبش لي عظامه»، وليس معنى ذلك أن عروة يجيز نبش عظام الظالم، بل ذكر هنا ما يحبه من مجاورة الصالح، وما يكرهه من مجاورة الظالم، قال ابن عبد البر: «وفي خبر عروة هذا دليل على أن الناس بظلمهم يعذبون في قبورهم، والله أعلم، ولذلك استحبوا الجار الصالح في المحيا والممات»، وقال مالك في الموطإ: «لا بأس أن يدفن الرجلان والثلاثة في قبر واحد من ضرورة ويجعل الأكبر مما يلي القبلة»، وقال أشهب كما في النوادر: «وإذا صادف الحافر للقبر قبرا؛ فليرد ترابه ويدعه، فإن حرمة كسر عظامه ميتا كحرمته حيا»، وفي النوادر أيضا أن من كفن أكثر من ميت في كفن واحد، أو دفن أكثر من ميت في قبر واحد فله حظه من الإساءة، وقال خليل: «والقبر حبس لا يمشى عليه، ولا ينبش ما دام به»، قال الدردير شارحه: (ولا ينبش)، أي يحرم، (ما دام) الميت، أي مدة ظن دوام شيء من عظامه غير عجب الذنَب (به)، أي فيه، وإلا جاز المشي والنبش للدفن فيه، لا بناؤه دارا، ولا حرثه للزراعة».

стр. 889

• قوله: ٩ - «ومن دفن ولم يصل عليه وووري؛ فإنه يصلى على قبره، ولا يصلى على من قد صلي عليه». إذا دفن الميت من غير صلاة خطأ أو عمدا؛ صلي عليه في القبر؛ إن خشي تغيره، فإن لم يخش تغيره؛ أخرج وصلي عليه، وإن لم يظن بقاؤه فلا يصلى عليه، وهذا كله إذا كان قد غسل، فإن لم يغسل لم يصل عليه حتى يخرج إلا أن يخشى تغيره، وذلك لتلازم الغسل والصلاة كما تقدم، وذهب أشهب وسحنون إلى أنه لا يصلى على القبر، وليدع لصاحبه، قال سحنون: «لا أجعله ذريعة إلى الصلاة على الجنائز في القبور»، مراده أن التساهل في هذا الأمر يفسح المجال لدفن الميت ثم الصلاة عليه بعد ذلك في قبره، فتسد الذريعة بمنع الصلاة على القبر، ويحتج لهذا الأمر بحديث أبي هريرة ﵁ أن امرأة سوداء أو رجلا كان يقم المسجد ففقده النبي ﷺ ، فسأل عنه، فقيل مات، فقال: ألا آذنتموني به؟، قال: دلوني على قبره، فدلوه، فصلى عليه»، رواه الشيخان، وأبو داود (٣٢٠٣)، وروى مالك (٥٣٣) نحوه مرسلا عن ابن شهاب أن أبا أمامة بن سهل بن حنيف أخبره فذكره، يقم المسجد يكنسه، وهذا الخبر متواتر، ولهذا قال أحمد: ومن يشك في الصلاة على القبر؟ والحديث يدل على الحكم المتقدم بالأولوية، لأن المرأة التي صلى عليها النبي ﷺ في القبر سبق أن صلي عليها، وهو دال على خلاف ما قرره المؤلف من عدم تكرير الصلاة، فإنه إذا كانت الصلاة قد كررت على القبر، فكيف بمن لم يدفن بعد؟. قال الباجي -رحمه الله تعالى- مبينا وجه عدم تكرير الصلاة: «والدليل على ذلك أن هذا حكم يجب فيه بعد موته، فوجب أن لا يتكرر مع بقاء حكم الأصل كالغسل»، وهذا كما ترى رأي في مقابل فعل النبي ﷺ ، والأصل فيه الإئتساء، نعم ذكر الباجي ما اعتبره مانعا من الإئتساء به في هذا الأمر، وهو تعليل الصلاة على من صلى عليه بما لا علم لنا به كما قال،

стр. 890

وهو أن القبر مملوء ظلمة، وأن الله تعالى يضيئه على الميت بصلاته عليه، واحتج بأن هذا الذي صلي عليه في قبره لم يسبق أن صلي عليه فانظره في (المنتقى ٢/ ١٤)، وفي كل هذا نظر، وقد روى ابن وهب عن مالك قال: «من فاتته الصلاة على الجنازة فليصل على القبر، إذا كان قريبا: اليوم والليلة، كما صلى النبي ﷺ على قبر المسكينة»، وهو الذي اختاره ابن عبر البر كما في الاستذكار (٣/ ٣٥).

стр. 891

• قوله: ١٠ - «ويصلى على أكثر الجسد، واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل». المشهور أن صلاة الجنازة إنما تشرع على أكثر الجسد، قال ابن حبيب عن مالك كما في النوادر: «لا يصلى على الرأس وحده، ولا على يد أو رجل، ولا على رأس مع يدين أو رجلين، وأن لا يصلى إلا على البدن، أو أكثره، مجتمعا غير مقطع»، لكن روى ابن القاسم عن مالك في العتبية: «إذا كان جل البدن مجتمعا أو مقطعا صلي عليه وغسل، وإن لم يكن جله فلا، ولكن يدفن ذلك بلا غسل ولا صلاة»، وقد وجه ابن رشد ترك الصلاة على مثل اليد والرجل فقال: إنما منع مالك ذلك لأنها صلاة على غائب، ذكره الشيخ زروق، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: «يغسل ما وجد منه، ويصلى عليه، كان رأسا، أو يدا، أو رجلا، أو عضوا، وينوى بالصلاة عليه الميت». قلت: يخرج هذا على قول مالك بجواز الصلاة على الغائب كما حكاه عنه ابن القصار، وهو في شرحي زروق وابن ناجي، وقال بهذا أيضا ابن حزم ﵀، وقد جاء في الصلاة على الرجل والعظام والرؤوس آثار عن أبي أيوب وعمر وأبي عبيدة ﵄، وهي موقوفات ضعيفة كما في الإرواء، لكن ينبغي أن تقيد الصلاة على ما ذكر من اليد والرجل بما إذا علمت الموت، أما الصلاة على الغائب فلتكن على مثل من صلى عليه رسول الله ﷺ ، وهو النجاشي، بحيث يعلم أنه لم يصل عليه، والله أعلم.

стр. 892

٢٢ - باب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسله • قوله: ١ - «تثني على الله ﵎، وتصلي على نبيه محمد ﷺ ، ثم تقول: «اللهم إنه عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، أنت خلقته، ورزقته، وأنت أمته، وأنت تحييه، اللهم فاجعله لوالديه سلفا وذخرا وفرطا وأجرا، وثقل به موازينهم، وأعظم به أجورهم، ولا تحرمنا وإياهم أجره، ولا تفتنا وإياهم بعده، اللهم ألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وعافه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم»، تقول ذلك في كل تكبيرة، وتقول بعد الرابعة: «اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا ولمن سبقنا بالإيمان، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، واغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، ثم تسلم». لما كان الطفل ينفرد بأحكام خاصة في تغسيله والدعاء له؛ أفرده بالذكر، وقد ابتدأ بما يقال من الدعاء في الصلاة عليه، والدعاء المذكور هنا تقدم بعضه في الدعاء لغير الطفل، وأذكر هنا معاني ما يحتاج من هذا الدعاء إلى بيان، فمن ذلك قوله «اللهم فاجعله لوالديه

стр. 893

سلفا وذخرا وفرطا وأجرا»، فإنها ألفاظ متقاربة المعنى، المراد منها أن يكون الطفل سببا في حصول الأجر لوالديه، فقوله «سلفا؛ السلف المتقدم، وقد يكون المراد الدعاء بأن يلتحق به والدوه على ما مات عليه وهو الفطرة، فإن كل مولود يولد على الفطرة، وذخرا؛ الذخر ما ينتفع به مما يتخذه المرء ويخبئه ويعده لوقت الحاجة، والمراد الدعاء أن يدخر الله تعالى أجر فقده لوالديه عنده، وفرطا؛ الفرط بفتح الراء الذي يتقدم الواردة فيهيء لهم الأرسان والدلاء ويمدر الحياض - يطينها - ويستقي لهم، والمقصود الدعاء بأن يكون لهم أجرا يتقدمهم حتى يردوا عليه، كما يتقدم الفرط الواردة، والتعبير بهذه الألفاظ من قبيل التشبيه البليغ، وقوله «وأعظم به أجورهم»؛ يدل الجمع فيه على أن المراد بقوله لوالديه الجمع، فيدخل أجداده وجداته، وليس خصوص الوالدين الأب والأم، أي كثر أجورهم بسبب فقدهم له، فإن موت الابن مع الصبر والاحتساب فيه أجر عظيم. وقوله: «وعافه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم»؛ يشعر بأنه قد يتعرض لذلك، وقد روى مالك في الموطإ (٥٣٦) عن يحي بن سعيد قال: «سمعت سعيد بن المسيب يقول: صليت خلف أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط، فسمعته يقول: «اللهم أعذه من عذاب القبر»، قال الباجي: «يحتمل أن أبا هريرة اعتقده لشيء سمعه من المصطفى ﷺ أن عذاب القبر عام في الصغير والكبير، وأن الفتنة فيه لا تسقط عن الصغير بعدم التكليف في الدنيا»، وقال أبو عبد الملك: يحتمل أنه قال ذلك على العادة في الصلاة على الكبير، أو ظن أنه كبير، أو دعا له على معنى الزيادة كما كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تدعو الله أن يرحمها وتستغفره»، انظر شرح الزرقاني على الموطإ (٢/ ٦٢)، وقال النووي: «أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة»، اللهم أورثنا إياها بفضلك. واعلم أنه لم يثبت دعاء خاص فيما أعلم يدعى به في الصلاة على الطفل، إلا أنه قد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود (٣١٨٠) وسيأتي ذكره أنه يدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة، وقد يناسب أن يدعى في الصلاة عليه بما في الحديث الذي رواه مسلم وأصحاب

стр. 894

السنن الأربعة عن أبي هريرة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ إذا صلى على جنازة يقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحيته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده»، والله أعلم.

стр. 895

• قوله: ٢ - «ولا يصلى على من لم يستهل صارخا، ولا يرث ولا يورث». استهلال الصبي تصويته عند ولادته، فإذا لم يصرخ الطفل حين ولادته ومات، فلا يعطى حكم الحي، ولو تحرك أو بال أو عطس أو رضع قليلا، وعليه؛ فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يرث من تقدمه بالموت، ولا يورث ما تصدق به عليه، أو وهب له، بل يرد ذلك على واهبه والمتصدق به، لأن الميراث فرع ثبوت الحياة، فإن استهل صارخا؛ فله حكم الحي في جميع أموره، وإن مات من فوره بلا خلاف بينهم، ودليل ذلك أنه لم تستقر فيه الحياة فلا يعطى حكم الحي، ومن الأدلة على اشتراط استهلال السقط في الصلاة عليه حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث حتى يستهل» رواه الترمذي (١٠٣٢)، وهذا لفظه، ورجح وقفه، وابن ماجة ولفظه: «إذا استهل الصبي صلي عليه وورث»، وقال الحافظ في التلخيص الحبير (ح/ ٧٥٣) عن رواية الترمذي: «وفيه إسماعيل المكي عن أبي الزبير عنه وهو ضعيف … ، وتتبع بقية الروايات بالنقد فانظره، لكنه في صحيح الترمذي للألباني، مع أنه قد ضعفه في أحكام الجنائز، وروى ابن عدي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إذا استهل الصبي صلي عليه وورث»، قال الغماري في مسالك الدلالة بعد أن ذكره: «حسنه الحافظ في إتمام الدراية»، قلت وقال في التلخيص: «قواه ابن طاهر في الذخيرة»، وهذا كالإقرار بالتقوية، وأنت ترى بأن هذا قد قيد بالاستهلال، وقد ورد عن النبي ﷺ من حديث المغيرة بن شعبة قوله: « … السقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة»، رواه أبو داود (٣١٨٠) وهذا لفظه، والنسائي بلفظ الطفل، وابن ماجة (١٥٠٧) مختصرا، وقيل يصلى على السقط إذا بلغ أربعة أشهر، فإذا ثبت الحديث الأول المقيد لمشروعية الصلاة على الطفل بالاستهلال، فكيف بالسقط وهو المولود ميتا، وقد يكون غير مكتمل؟، فالحاصل أنه متى ما صح الحديث القاضي باشتراط الاستهلال كانت قواعد الأصول قاضية بحمل ما ورد في مشروعية الصلاة على

стр. 896

السقط مطلقا على هذا القيد، إذ اشتراط الاستهلال في الطفل مانع من الصلاة على السقط من باب أولى، فلا يصلى على من لم يستهل، بل ينبغي تأويل لفظ السقط، وعلى كل حال فإن تغسيل غير البالغ والصلاة عليه لا يتجاوز الاستحباب، والله أعلم. وفي المدونة: «قال مالك لا يصلى على الصبي، ولا يرث، ولا يورث، ولا يسمى، ولا يغسل، ولا يحنط؛ حتى يستهل صارخا، وهو بمنزلة من خرج ميتا».

стр. 897

• قوله: ٣ - «ويكره أن يدفن السقط في الدور». الأصل أن يدفن الناس غير الأنبياء في المقابر، هكذا كان شأن المسلمين، لم يتميز الصالحون منهم وكبراؤهم بأن يدفنوا في دورهم، ولا في أماكن خاصة، ولا في المساجد، وقد كان بإمكان أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن تدفن في بيتها إلى جوار النبي ﷺ ، لكنها أمرت أن تدفن مع أزواجه بالبقيع، ومن شؤم ذلك أن يفوت على الموتى الذين يدفنون في أماكن خاصة ترحم زائريهم عليهم والاستغفار لهم، والاعتبار بهم، وأن يتسبب ذلك في منكرات لا تخفى على أحد من شد الرحال إليهم، والطواف بضرائحهم، ونقل تربتهم، واتخاذ قبورهم مساجد، وبطلان الصلاة في الأماكن التي دفنوا فيها، وهو الحق متى كانت القبور في المصلى. وقد استجاب الله تعالى دعاء نبيه ﷺ فدفن في بيت زوجه عائشة ﵁، إذ الأنبياء يدفنون حيث قبضوا، فكان ذلك من خصائصه، ودفن معه صاحباه تبعا له، ولو دفن كما يدفن الناس في المقابر لأبرز قبره كما قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-، ومنع الله بذلك أن يتخذ قبره وثنا، وصرف به فتنة عظيمة عن الناس، وهل تظن أنهم ينركون قبره من غير بناء لو لم يكن في بيت عائشة؟ ثم امتد المسجد ليشمل البيت، وهو من فعل الناس على كل حال؟، لا أرى أن قبره يبقى بغير بناء، وإلا لنبش وأخذ جسده، فإن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، ولا يخفى عليك أمر العواطف، وإذا وجد البناء فما يكون الحال؟، يكون مخالفة لدينه الذي قضى أن لا يبنى على القبور، ولحصل من المساوئ والمخالفات حول ذلك البناء ما الله به عليم، وهل يستبعد أن يقتتل المسلمون على قبره، وأن يتجدد ذلك بين الحين والحين، كيف ومعظمهم لا يضبطون عواطفهم بالشرع؟، أو لم تعلم بهذه المظاهرات التي مات فيها تسعة منهم في بلد واحد هو ليبيا بعد الذي نشرته تلك الصحيفة الدانماركية من الرسوم التي رامت بها الإساءة إلى نبيِّنا محمد ﷺ ، وهل يضر السماء نباح الكلاب؟، فهاجت عواطف

стр. 898

جماهير المسلمين، وتحرك ما كان مستكنا في الصدور، لكن المسلمين لو فقهوا لعلموا أن خير ما يردون به على ذلك هو التمسك بدينهم، واتياع نبيهم ﷺ ، أما غير ذلك فلا نفع فيه، وهو ما يريده الكفار، وها هي ذي صحيفة سويدية قد صنعت ما صنعت الصحيحفة الدانماركية، فما فعل المسلمون شيئا، وإني لأعجب من دولة تونس تمنع النساء من تغطية رؤوسهن، والرجال من إعفاء لحاهم، وتلزم المصلين بمساجد لا يبرحونها إلى غيرها إلا ببطاقة، والمخالفات طويلة، ثم تحتج لدى الدانمارك على تلك الفعلة، والأمر ليس عندنا بالجديد، ففي كتاب ربنا ذكر لما كان يستنقص به المشركون نبينا ﷺ ، وهم المفترون الكاذبون، وأرشد الله نبيه إلى ما يدفع به ضيق الصدر، وهو الدوام على طاعته، والثبات على دينه، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحِجر: ٩٧ - ٩٩]. ولنعد إلى ما كنا فيه، فذلك خير لنا من البكاء، وذلك أن دفنه ﷺ في بيت عائشة على النحو الذي بينته، فيه من المصالح ودفع المفاسد ما لا يخفى، وقد تقدم ما رواه مالك في الموطإ (٤١٤) مرسلا عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وهو في مسند أحمد موصولا صحيحا، لكن القبوريين لا يفتأون يعترضون بوجود قبره ﷺ في بيته وامتداد المسجد ليشمله؛ على خلاف شرعه، ويستدلون بذلك على رد محكمات نصوص حديثه، وهي قاضية بحرمة الدفن في المساجد، واتخاذها قبورا، ذلك بأنهم قوم لا يفقهون، ولا عجب في هذا، فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]. أما السقط: فهو من خرج من بطن أمه قبل تمام خلقه، وعلة كراهة دفنه في الدار إما خوف أن يباع معها، أو خوف أن ينبشه مشتريها، هكذا قالوا، وقد فيل إن دفنه فيها عيب، وهذا صواب، لكراهة النفوس ذلك، وقيل ليس بعيب، وإذا كان هذا حكم دفن السقط فغيره أولى، وقد ورد في الأنبياء أنهم يدفنون حيث يقبضون، فيكون غيرهم بخلافهم.

стр. 899

• قوله: ٤ - «ولا بأس أن يغسل النساء الصبي الصغير ابن ست سنين، أو سبع، ولا يغسل الرجال الصبية، واختلف فيها إن كانت لم تبلغ أن تشتهى، والأول أحب إلينا». تقدم الكلام على من يشرع له تغسيل الميت من جنسه، ومن غير جنسه، وأن الأجنبي ييمم الرجل المرأة لكوعيها، وتيممه هي للمرفقين، والكلام هنا في تغسيل الرجال الصبية والنساء الصبي، وقد حكى ابن المنذر الإجماع على جواز تغسيل النساء الصبي، فقال: «أجمع كل من نحفظ من أهل العلم على أن المرأة تغسل الصبي الصغير»، ولا يخفى أن الصبي قد رفع عنه القلم، وقد استثنى الله تعالى من جملة من يجوز للنساء إبداء زينتهن لهم الأطفال، فقال: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]، كما استثناهم من الاستئذان في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]، وفي كلام المؤلف التردد في السن التي يغسل فيها النساء الصبي بعد الاتفاق على تغسيلهن إياه، أما ابن ست سنين فيستدل لجواز تغسيل النساء إياه بأننا لم نؤمر بأمره بالصلاة، فأشبه من دونه ممن اتفق على تغسيله ممن لا تعتبر عوراتهم، أما ابن سبع سنين فليس كذلك، هذا معنى ما استدل به الغماري في مسالك الدلالة، أما تغسيل الصبية فكلام أهل المذهب فيها يكتنفه الاضطراب، وحاصل ما قالوه أن التي في سن الرضاع ونحوها يغسلها الرجال، فإن بلغت أن تشتهى فلا يغسلونها، وإذا لم تبلغ ذلك كبنت أربع أو خمس، فقد اختلف فيها، فقيل يحرم على الرجل تغسيلها، وهو ما في المدونة كما حكاه النفراوي، ونقله ابن مزين، وقيل يجوز، وهو نقل ابن حبيب، ولا يخفى عنك أن ما استدل به على مشروعية تغسيل النساء الصبي لو صح دليلا لكان شاملا للصبي والصبية بلا فرق، لأننا مأمورون بأمر كل منهما بالصلاة إذا بلغوا سبعا، فيحتاج من

стр. 900

فرق بينهما إلى دليل، والله أعلم. وفي النوادر قال مالك وأصحابه: «ولا بأس أن تغسل المرأة الصبي ابن ست سنين أو سبع، ولا بأس أن يغسل الرجل الصبية الصغيرة إن احتيج إلى ذلك»، وقال ابن حبيب بعد ذكر نحو ما تقدم في الصبي: « … ، ولا يغسل الرجل الصبية بنت سبع سنين ونحوها، إلا الصغيرة جدا، قال ذلك مالك وأصحابه»، والمؤلف أشار إلى الاختلاف في تغسيل الرجال الصبية إذا لم تبلغ أن تشتهى، واختار عدم تغسيلهم لها، ومستنده فيه ما في النوادر من قوله، قال عنه ابن مزين: «وإن صغرت جدا»، والله أعلم، وبهذا انتهى الجزء الأول من العجالة في شرح الرسالة، ويليه إن شاء الله الجزء الثاني، وأوله باب في الصيام.

стр. 901

٢٣ - باب في الصيام الزكاة قرينة الصلاة فكان حقها أن تقرن بها، وتقديم المؤلف الصيام لأنه أعم من الزكاة في شمول المكلّفين، والتعبّد لله فيه أظهر، وجاء في صحيح البخاري تقديم أحدهما على الآخر، وكذا تقديم الحج، ويظهر أنه من تصرف الرواة، وقد كان ابن عمر ينكر على من نقل عنه تقديم الصوم على الزكاة وسيأتي ذكر حديثه. والصيام في اللغة: الإمساك مطلقا، ومنه الإمساك عن الكلام كما في قول الله تعالى عن مريم ﵍: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ٢٦]، وفي الشرع: هو الإمساك عن شهوتي الفرج والبطن وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية عبادة الله تعالى، قبل الفجر أو معه». قال ابن القيم ﵀ في كتابه مفتاح دار السعادة (٢/ ٩): «وأما الصوم فناهيك به من عبادة، تكف النفس عن شهواتها، وتخرجها عن شبه البهائم، إلى شبه الملائكة المقربين، فإن النفس إذا خُليت ودواعيَ شهواتها؛ التحقت بعالم البهائم، فإذا كفت شهواتها لله، ضيقت مجاري الشيطان، وصارت قريبة من الله بترك عاداتها وشهواتها محبة له، وإيثارا لمرضاته، وتقربا إليه، فيدع الصائم أحب الأشياء إليه، وأعظمها لصوقا بنفسه، من الطعام والشراب والجماع من أجل ربه، فهو عبادة لا تتصور حقيقتها إلا بترك الشهوة لله،،، وهذا معنى كون الصوم لله ﵎، وبهذا فسر النبي ﷺ هذه الإضافة في الحديث فقال: «يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشرة أمثالها، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي»، وأي حسن يزيد على حسن هذه العبادة التي تكسر الشهوة، وتقمع النفس، وتحيي القلب، وتزهد في الدنيا وشهواتها، وترغب فيما عند الله، وتذكر الأغنياء بشأن المساكين، وأحوالهم، وأنهم قد أخذوا بنصيب من عيشه،

стр. 902

فتعطف قلوبهم عليهم، ويعلمون ما هم فيه من نعم الله، فيزدادوا له شكرا»، انتهى وقد بيّن الله تعالى حكمة افتراضه الصيام على عباده بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ومرجع الخيرات كلها إلى تقوى الله، ومن أفرادها أن الصوم وقاية من المعاصي، كما قال النبي ﷺ : «الصوم جنة» رواه مسلم عن أبي هريرة، إذ حرم الله فيه مؤقتا ما به قوام حياة الصائم من المباحات، فيكون في ذلك تعويد له على ترك المحرمات من باب أولى في رمضان وغيره، وهذا ملحوظ في غير الصوم كالصلاة والاعتكاف والحج والعمرة. ورمضان مطلوب فيه أقصى الإمساك حتى تعتاد النفس وترتاض على ذلك في بقية الشهور، إذا علمت هذا؛ تبين لك وجه الربط في قول النبي ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، رواه البخاري (١٩٠٣) وأبو داود والترمذي وابن ماجة (١٩٨٦). إذ كيف يترك المرء ما هو مباح، ثم يرتكب ما هو محرم من قول الباطل والعمل على وفقه؟، إن من ترك طعامه وشرابه من أجل ربه؛ لا يفعل ذلك، بخلاف من تركه تقليدا ومتابعة. وقد نقل الحافظ في فتح الباري (٤/ ١١٧) في معرض شرحه لحديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»؛ عن السبكي قوله: «في حديث الباب والذي مضى في أول الصوم دلالة قوية للأول لأن الرفث والصخب وقول الزور والعمل به مما علم النهي عنه مطلقا، والصوم مأمور به مطلقا، فلو كانت هذه الأمور إذا حصلت فيه لم يتأثر بها لم يكن لذكرها فيه مشروطة معنى يفهمه، فلما ذكرت في هذين الحديثين نبهتنا على أمرين: أحدهما زيادة قبحها في الصوم على غيره، والثاني البحث على سلامة الصوم عنها، وأن سلامته منها صفة كمال فيه، وقوة الكلام تقتضي أن يقبح ذلك لأجل الصوم، فمقتضى ذلك أن الصوم يكمل بالسلامة عنها، قال فإذا لم يسلم عنها نقص، ثم قال: ولا شك أن التكاليف قد ترد بأشياء وينبه بها على أخرى بطريق الإشارة، وليس

стр. 903

المقصود من الصوم العدم المحض كما في المنهيات، لأنه يشترط له النية بالإجماع، ولعل القصد به في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات لكن لما كان ذلك يشق خفف الله، وأمر بالإمساك عن المفطرات، ونبه الغافل بذلك على الإمساك عن المخالفات، وأرشد إلى ذلك ما تضمنته أحاديث المبين عن الله مراده، فيكون اجتناب المفطرات واجبا، واجتناب ما عداها من المخالفات من المكملات والله أعلم». قلت: التعبير عن إتيان المخالفات بقوله: «لكن لما كان ذلك يشق» … ؛ مرغوب عنه، ويريد بقوله: «واجتناب ما عداها من المخالفات؛ من المكملات»؛ أي من المكملات لصحة الصوم، فالصوم ليس المقصود منه مجرد الامتناع من المفطرات، فإن ذلك صورة من صور العبادات، وهي أنواع، وهي وإن كانت مطلوبه ولا تؤخذ إلا من الشرع؛ لكن روحها ولبها واحد في جميع الصور، ولما كان لبها أعظم مطلوبية منها كان التسامح قد يحصل في الصورة للعذر، إما باشتراع بدلها، أو بالنيابة فيها، أو بالترخيص في تركها، أو بنسخها، لكن لا يتسامح في روحها ولبها المقصود منها، وقد قال النبي ﷺ عن الطواف: «الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه؛ فلا يتكلمن إلا بخير»، رواه الترمذي (٩٦٠) والحاكم والبيهقي عن ابن عباس. وقد اختص الصوم بعدم معرفة مقدار مضاعفة الحسنات التي لصاحبه كما جاء في الحديث: «كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، قال الله إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فمه أطيب عند الله من ريح المسك»، رواه مالك (٦٨٩) وأحمد ومسلم (١١٥١) عن أبي هريرة. وقد كان نبينا ﷺ جوادا، غير أنه كان في رمضان أجود من الريح المرسلة حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان يحصل له بالصوم من الفرح والتلذذ والتنعم بالطاعة والقرب من الله والأنس به ما يجعله كالآكل الشارب، فلا يشعر بالحاجة إلى ذلك، ولهذا قال: «إني

стр. 904

لست كهيئة أحدكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»: لها أحاديث من ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد! لها بوجهك نور يستضاء به … ومن حديثك في أعقابها حاد!

стр. 905

• قوله: ١ - «وصوم شهر رمضان فريضة». ينقسم الصوم إلى واجب ونفل، والواجب أقسام: واجب بزمن وهو صوم ومضان، وواجب بنذر، وواجب كفارة، وقد دل على وجوب صوم شهر رمضان كتاب الله تعالى في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقال النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»، رواه الشيخان والترمذي (٢٦٠٩) وغيرهم عن ابن عمر، وأجمع المسلمون على ذلك، فمن أنكر وجوبه؛ فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتله الحاكم، ومن أقر بوجوبه وامتنع من صومه؛ أكرهه عليه الحاكم، فإن لم يمتثل قتله حدا.

стр. 906

• قوله: ٢ - «يصام لرؤية الهلال، ويفطر لرؤيته، كان ثلاثين يوما، أو تسعة وعشرين يوما». يعني أنه يصام لرؤية هلال رمضان، ويفطر لرؤية هلال شوال، وهذا واحد مما يعتمد عليه في إثبات الصيام والفطر، وقد دلّ عليه قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ولما كان المفروض صوم شهر معين هو رمضان؛ كان ظهور الهلال هو المرجع في بداية الشهر ونهايته. وقال النبي ﷺ : «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له»، رواه مالك (٦٣٤)، والبخاري ومسلم عن ابن عمر، واختلف في معنى (اقدروا له)، فقيل قدروه بالحساب، وقيل قدروه موجودا تحت السحاب وصوموا، والصواب: أن معناه؛ أتموا الشهر ثلاثين، لأن قوله «اقدروا له»؛ مجمل، ولا تعارض بين المجمل والمبين، والمبين هو حديث ابن عباس الذي فسر المراد بالتقدير، وهو في الموطإ (٦٣٦) وغيره، إذ قال النبي ﷺ : «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم؛ فأكملوا العدة ثلاثين»، وقد قطع النزاع في معنى (اقدروا له) رواية مسلم عن ابن عمر: «فإن أغمي عليكم؛ فاقدروا له ثلاثين». وبداية الشهر ومثلها نهايته تَثبت عند المسلمين اتفاقا واختلافا بواحد من أشياء أربعة: رؤية، وغير رؤية، والرؤية إما من جماعة مستفيضة يستحيل تواطؤهم على الكذب، أو من غيرهم، والثالثة إكمال الشهر ثلاثين، والرابعة حساب منازل القمر. والمذهب أنه لا بد من شاهدي عدل في بداية الشهر ونهايته، حتى إنه لما قيل لسحنون: «أرأيت إن أخبرك الرجل الفاضل أنه رآه؟، قال: «ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز ما صمت بشهادته ولا أفطرت، ولا يجب ذلك إلا بشاهدين»، وهو في النوادر

стр. 907

والزيادات (٢/ ٩)، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها، فإن غم عليكم؛ فأتموا ثلاثين، فإن شهد شاهدان مسلمان؛ فصوموا وأفطروا»، رواه أحمد والنسائي (٤/ ١٣٢) عن زيد بن الخطاب قال: جالست أصحاب رسول الله ﷺ وسألتهم، وأنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: فذكره، وجهالة الصحابة لا تضر لعدالتهم، وهو في صحيح الجامع. وقوله وانسكوا؛ من نسك ينسك نسكا إذا ذبح متقربا، والنسك بضم النون والسّين وسكونها؛ هو الطاعة والعبادة، والمراد هنا إما ألأضحية، أو غير الصوم من العبادات مما هو مؤقت كالكفارة، والعدة، ويلحق بهما آجال البياعات ونحوها فإن المعتبر فيها الشهر أيضا، سواء كان ثلاثين، أو تسعا وعشرين، فهو من عطف العام على الخاص. والمقصود هنا أنه اشترط شاهدين كما ترى، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط، ودونه في الدلالة على شرطية شهادة اثنين؛ حديث ربعي بن خراش عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: «اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ لأَهَلَّ الهلال أمس عشية، فأمر رسول ﷺ الناس أن يفطروا، وأن يغدوا إلى مصلاهم»، رواه أبو داود (٢٣٣٩). لكن هذين الحديثين إنما دلا على الشاهدين بالمفهوم في الأول شرطا، وفي الثاني عددا، فلما جاء ما دل على إجزاء الشاهد الواحد منطوقا في إثبات الصوم؛ كان المطلوب تقديم المنطوق لقوة دلالته على مفهومي الشرط والعدد. وقد روى أصحاب السنن (د/ ٢٣٤٠) و (ت/ ٦٩١) عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: «إني رأيت الهلال»، قال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟، أتشهد أن محمدا رسول الله»؟، قال: «نعم»، قال: «يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدا»، وهو ضعيف، يغني عنه ما رواه ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه»، رواه أبو داود (٢٣٤٢)، وصححه الحاكم، وابن حبان، وابن حزم، وهو في صحيح أبي داود للألباني. وقد ذكر النفراوي في شرحه على الرسالة (١/ ٤٦٦) أن الواحد ولو عبدا أو امرأة

стр. 908

يكفي في إثبات الهلال إذا كان ذلك في موضع لا يعتنى فيه بمراقبة الهلال، قلت: هو شبيه بما ذهب إليه بعض أهل العلم من كفاية غير العدل في الشهادة متى تعذر وجود العدل كي لا تضيع الحقوق، ثم جاء التوثيق بالكتابة الرسمية الذي غدا لازما في هذا العصر ليحل محل هذا الذي كاد يفقد، ومن هذا القبيل الشروط المطلوب توفرها في الحاكم، فإنها في الغالب مفقودة، فهذا أمر معمول به اليوم وإن كان أهل العلم لا يتعرضون له ويتجاهلونه. والمسألة لها علاقة باختلاف العلماء في إثبات الهلال: هل هو من قبيل الخبر؛ فيقبل فيه الواحد، أو من قبيل الشهادة؛ فلا يقبل إلا اثنان، والذي يظهر أنه إخبار، ولا سيما على أصل المالكية في لزوم الصوم للجميع كما بيّنه القرافي في الفروق، والشرع إنما احتاط في إثبات الحقوق باشتراط رجلين، أو رجل وامرأتين في الأموال، أو شاهد ويمين، أو أربعة رجال في إثبات الزنا، والمهم أن النص وهو حديث ابن عمر قد رجح الأول، وقال ابن العربي في العارضة (٣/ ٢١٠) إنهما سواء، ولكن الخبر الذي يشترط فيه العدد إنما هو في حق يقع فيه تنازع، فأما مناسك الله؛ فإن أصله يثبت بخبر الواحد فكيف تفصيل وجوبه»، انتهى، فانظر كيف ترك مذهبه للحق بما تبين له!!، وهو يريد بالأصل أننا ملزمون بالعمل بما تضمنه خبر الآحاد من أصول الشرائع، فكيف ينكر العمل بما فيها من التفاصيل، ومنها إثبات أوائل الشهور؟. أما الفطر من رمضان؛ فقد قال الترمذي في باب ما جاء في الصوم بالشهادة: «ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين»، وذكر مثله النووي في شرحه صحيح مسلم واستثنى أبا ثور. وقد احتج بعضهم على عدم الإفطار إلا بشهادة اثنين؛ بما في حديث طاوس قال: «شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلى واليها، وشهد عنده على رؤية هلال رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته، فأمراه أن يجيزه، وقالا: إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين»، وقد ضعفه الدارقطني لتفرد حفص بن عمر الأيلي به وهو ضعيف، وقد اعتبر الحافظ ﵀ في التلخيص الحبير هذا الحديث هو نفسه حديث ابن عمر المتقدم

стр. 909

الذي فيه قوله: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته،،، إذ قال بعد أن ذكر الأول: وأخرجه الدارقطني والطبراني في الأوسط من طريق طاوس قال … »، فليتأمّل ذلك. وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٢/ ٣٥) عن حديث طاوس: «فإن قلت هذا الحديث ضعيف فكيف يصح الاحتجاج به على عدم جواز شهادة رجل واحد في الإفطار؟؛ قلت: أصل الاحتجاج بحديث عبد الرحمن بن زيد، وحديث الحرث بن حاطب المذكورين، فإن قوله ﷺ : «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا»؛ في حديث عبد الرحمن بن زيد، وقوله: «فإن لم نره، وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما»؛ في حديث الحارث؛ يدلان بمفهومهما على عدم جواز شهادة رجل واحد في الإفطار، ولا يعارضه منطوق، بل منطوق حديث ابن عمر وابن عباس وإن كان ضعيفا يؤيدهما»، انتهى. والحديثان اللذان ذكرهما روى الأول منهما أحمد والنسائي (٤/ ١٣٢)، وقد تقدم، وقال عنه الشوكاني: «لا بأس بإسناده»، وروى الثاني أبو داود (٢٣٣٨) والدارقطني، وقال: «إسناد متصل صحيح»، وصححه الألباني، وانظر التلخيص الحبير (ح/ ٨٧٧). أما الرؤية المستفيضة؛ فقال عنها محمد بن عبد الحكم: «وقد يأتي من رؤيته ما يشتهر، حتى لا يحتاج فيه إلى الشهادة والتعديل، مثل أن تكون قرية كبيرة، فيراه فيها الرجال والنساء والعبيد ممن لا يمكن فيهم التواطؤ على باطل، فيلزم الناسَ الصوم بذلك من باب استفاضة الأخبار، لا من باب الشهادات،،». أما إثبات الهلال بحساب المنازل؛ فقد نسب إلى الشافعي، ولم يصح عنه، وقد قال شيخ الإسلام بن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٣٢) ضمن رسالته عن الهلال: «فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العمرة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لايرى؛ لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النبي ﷺ بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا، ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتفقهين الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب،،،»، انتهى، وقد علمت اعتماد بعضهم في القول بالحساب على جملة «اقدروا له»، وبطلان ذلك

стр. 910

الاستدلال، وراويها هو عبد الله بن عمر الذي حفظ قول النبي ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب،،،» الحديث؟. ويستفيد الناس الآن من حساب الفلكيين، فمنهم من يعتمد عليه وحده، ويثبت به أول الشهر، ولو لم تكن الرؤية البصرية المجردة ممكنة لقرب الهلال من الشمس عند الغروب، ومنهم من يعتمد عليه في نفي الرؤية لا في إثباتها، ومقصوده أن الفلكيين إذا قالوا إن الهلال لا يرى الليلة؛ فلا عبرة برؤية من رآه ولو كانوا عشرة!!، سمعت هذا من أحد كبار أهل العلم في بلد مشرقي عن هلال شهر ذي الحجة في موسم حج (١٤٢٨)، أما إن قالوا إنه موجود بعد الغروب وتمكن رؤيته؛ فلا يعتمد عليهم إلا إذا رؤي الهلال، فاعجب لهذا، وابحث عن الفرق بين الاعتماد عليهم في نفي إمكان الرؤية، وعدم الاعتماد عليهم في إثباتها وإمكانها لعلك تعثر عليه، لا أرى هذا إلا محاولة للتوفيق بين أمرين لا يمكن التوفيق بينهما، قال ابن تيمية وهو من كلامه السابق: « … حتى بلغني أن من القضاة من كان يَرُدُّ شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب إنه يرى أو لا يرى، فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه، وربما أجاز شهادة غير المرضي لقوله». وخير للناس أن يستريحوا من هذا الاضطراب، وأن يرصدوا منهم من يراقب الهلال فيصوموا لرؤيته، ويفطروا لرؤيته، وقد عشنا في كثير من السنين تناقضات الفلكيين في الإثبات والنفي، وفي هذا اليوم (٢٧) رمضان (١٤٢٩) قرأت لبعضهم كلاما بأن الهلال لا يمكن أن يرى في كل بقاع العالم ليلة الشك، لكنه يرى من بقعة ما على الأرض!!، مما يستوجب المراقبة العالمية للهلال!!، فما الحاجة إلى هذه المراقبة؟، وما الجدوى من وراء ذلك؟، وهل كلفنا الله أن نراقب الهلال في بقاع الأرض القفراء، أو في المحيطات على صفحات الماء؟، وقالت جماعة فلكية بعد أن بينت وقت الاقتران إن رؤية الهلال ستكون في تلك الليلة مستحيلة!! ثم ثبتت بداية الشهر بالرؤية المجردة في دولة تقع إلى الشرق منا بثلاث ساعات. فإن قلت: إننا لسنا متعبدين بالرؤية نفسها، كما أننا لسنا متعبدين بمراقبة الظل لإثبات أوقات الصلوات، وإنما الرؤية وسيلة إلى إثبات وقت الواجب، فإذا هيأ الله لنا من

стр. 911

الوسائل ما هو أقوى في الإثبات؛ تعين علينا الانتقال إليه، مع ما هو معروف من الفرق بين رؤية الشخص الواحد التي تحتمل من الخطإ والغلط ما لا تحتمله حسابات الفلكيين في هذا العصر، وأن الذين يستبعدون علم الفلك بإطلاق من هذا الأمر يتناقضون، فإننا لا نعلم من يراقب الظل ليثبت وقت الظهر حين يشرع الفيء في الزيادة، ولا من يراقبه ليعلم وقت العصر بزيادة الظل على القامة بعد ظل الزوال، وحتى غروب الشمس قل من يرقبه لإثبات وقت المغرب مع يسر ذلك، والواقع في هذا عامل بحساب الفلكيين في بعض الأحكام الشرعية تارك لبعضها فهو متناقض، فإما أن يعمل بأقوال الفلكيين وإما أن يتركها. وقد قال الشيخ رشيد رضا في تفسيره المنار (٢/ ١٨٨): «وأما هذا الاختلاف وترك النصوص في جميع المواقيت عملا بالحساب، ما عدا مسألة الهلال؛ فلا وجه ولا دليل عليه، ولم يقل به إمام مجتهد، بل هو من قبيل: «أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض»، انتهى. قال كاتبه: إذا لم يقل بهذا إمام مجتهد؛ فقد قاله رسول رب العالمين ﷺ ، فلندع كل قول غير قوله، ثم إن العمل بحساب الفلكيين في إثبات أوائل الشهور؛ ليس كالعمل بحسابهم في بيان وقت طلوع الفجر وغروب الشمس ومغيب الشفق، لأن هذا مرتبط بحركة الشمس الظاهرة ودوران الأرض حولها، وهو أمر لا يرتاب من له أدنى اطلاع في أنه لا يتخلف، فمن عرف طلوع الشمس متى كان يوم أمس في بقعة ما من الأرض؛ يمكن أن يجزم بوقت طلوعها في اليوم الموالي في تلك البقعة إذا أخذ في الاعتبار الاتجاه الذي يأخذه الليل والنهار أهو نحو الزيادة أو نحو النقصان، بل إن معرفة ذلك في يوم ما من العام؛ تكفي لمعرفته في غيره من الأعوام في نفس البقعة واليوم إذا لم يطرأ عليها تغير بالارتفاع والانخفاض، أما الهلال فلا يمكن انضباط أمره، فإنه يظهر في نهاية هذا الشهر في موضع، ونهاية شهر آخر في موضع غيره، ويرى أحيانا نهاية الشهر بعد الغروب على ارتفاع ما عن الأفق، ونهاية شهر آخر على ارتفاع أدنى أو أعلى، ويرى في موضع من الأرض، ولا يرى في موضع آخر منها، وما قالوه بأنه متى رؤي في بلد من المشرق فلا بد أن يرى في بلد إلى الغرب منه ليس على إطلاقه إذا اختلفت خطوط العرض.

стр. 912

قال ابن تيمية ﵀: «فإن الله سبحانه لم يجعل لمطلع الهلال حسابا مستقيما، بل لا يمكن أن يكون لرؤيته طريق مطرد إلا الرؤية»، انتهى، وهذا الذي قاله العلماء الربانيون منذ قرون قد علمت مصداقه في هذا العصر. وأذكر أن مولود قاسم وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية وكان من المتحمسين لاعتماد الحساب في إثبات أوائل الشهور القمرية؛ التقى بالمجلس الإسلامي الأعلى لتدارس هذا الأمر، وكان الشيخ سعيد الصالحي من الرافضين له، فلما نظر إلى الساعة وقال إن وقت العصر قد دخل؛ قال له الوزير: هل راقبت الظل؟، كيف تعتمد على الفلكيين في إثبات أوقات الصلوات، ولا تعتمد عليهم في إثبات الصيام، والصلاة أعظم منه؟، وظن الوزير أن الشيخ محجوج، لأنه سكت، وليس الأمر كما ظن رحمهما الله، وقد علمت الفرق. وليس ببعيد أن يؤخذ عدم انضباط الهلال بقاعدة مطردة في إثباته من قول النبي ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، يعني تمام ثلاثين»، رواه الشيخان عن ابن عمر، إذ ليس المراد من الحديث نفي الكتابة والحساب عن الأمة بإطلاق. ولا يستقيم أن يكون المراد بالأمة ما قاله الحافظ من أنهم «أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة، وهو محمول على أكثرهم، أو المراد نفسه ﷺ »، انتهى، وقد قاله ابن بزيزة أيضا كما في شرح الأبي، لأنه يشعر أن عدم الاعتماد على الحساب معلل بافتقاد الحاسبين والكاتبين وقد توفروا الآن، بل الغرض نفي الاعتماد على علم الفلك بالخصوص في إثبات بداية صوم رمضان وفي الإفطار منه لما تقدم، وكذا بقية الشهور فإن الله تعالى أخبر أنه جعل الأهلة مواقيت للناس. ولا يستقيم أن يقال إن المسلمين لم يكن فيهم يومئذ علماء فلك، وقد توفروا الآن والحمد لله، لأن النبي ﷺ نفى الكتابة والحساب عن الأمة، وهو يتكلم عن أمته قاطبة، وقد كان فيها يومئذ الكاتبون والحاسبون، وإن كانوا قلة، ثم إن قوله ﷺ : «إنا أمة أمية،،،»؛ يتعذر أن يراد به نفي الكتابة والحساب عن الأمة في كل شيء، فإنه ﷺ كما أخبر عنه ربه؛

стр. 913

جاء يعلمنا الكتاب والحكمة، والأمية وإن كانت في حقه ﷺ كمالا ومعجزة لاستغنائه عنها، لكونها مجرد وسيلة، فإنها في حقنا نقص، فكيف يتمدح بالنقص عموما؟، فالذي يعطيه الحديث لمن فتح الله قلبه للحق أن الأمية هنا ليس المراد من مرعاتها إلا ما وردت في سياقه، وهو إثبات الشهور، أو ما لم يكن متسيرا يومئذ إثباته إلا بالشمس عينا أو أثرا كما في أوقات الصلوات. ولا يصح أن يؤخذ من الحديث التنفير من علم النجوم والفلك كما ظن بعضهم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦]. وعن عمر ﵁ قال: «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر، ثم أمسكوا»، أما الحديث الذي فيه: «وإذا ذكر النجوم فأمسكوا»؛ فهو إمساك عن أمر آخر، ومنه استعمالها في معرفة البخوت والحظوظ فإنه ضرب من الكهانة، فالحاصل أن علم النجوم وإن كان مشروعا، لكن الاعتماد عليه في أمرنا هذا لا يصلح لعدم الانضباط والاطراد، لأنه يتناقض مع المراد من الحساب الذي شأنه الدقة والضبط، وبهذا يتبين أن الحديث مخصوص بالسياق الوارد فيه، ومن أمثلته في كتاب الله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، ومن ذلك حديث أبي سعيد ﵁ الذي فيه ذكر الأجناس الربوية الستة، وهو في الصحيح، فإنه في رواية البيهقي زيادة: «وكل ما يكال أو يوزن»، وهذه إن صحت؛ فإنه يجوز أن يكون المراد منها خصوص ما هو ثمن للأشياء، أو الطعام وما يصلحه، فيكون السياق معينا على هذا التقييد، فلا يكون فيه حجة ليشمل الحديد والنحاس بل والتراب والحجر وسائر ما يوزن أو يكال، وإذا ظهر المعنى فإن اللفظ صورة له ووسيلة إليه، فلا ينبغي تطويل العكوف عليه، وقد تنبه إلى هذا الأمر العز بن عبد السلام وابن القيم. وقال ابن دقيق العيد في شرح عمدة الأحكام (٢/ ٢١٦): «السياق طريق إلى بيان المجملات، وتعيين المحتملات، وتنزيل الكلام على المقصود منه، وفهم ذلك قاعدة كبيرة من قواعد أصول الفقه، ولم أر من تعرض لها في أصول الفقه بالكلام عليها، وتقرير

стр. 914

قاعدتها مطولة إلا بعض المتأخرين ممن أدركنا أصحابهم، وهي قاعدة متعينة على الناظر، وإن كانت ذات شغب على المناظر»، انتهى. وقوله: «كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما»؛ يريد أن الشهر يكون كذلك فإذا رؤي هلال رمضان؛ وجب الصوم، ولو كان شهر شعبان تسعة وعشرين، كما أنه إذا رؤي هلال شوال؛ وجب الفطر، ولو كان رمضان تسعة وعشرين، فإن عدد أيام الشهر العربي لا ينزل عن تسعة وعشرين، ولا يزيد على الثلاثين، وهذا يترتب عليه؛ أن من صام على رؤية بلد، وسافر إلى بلد آخر؛ أفطر مع أهل البلد الذي هو فيه، ولو كانت العدة عندهم أقل من بلده، ما لم يترتب على ذلك صوم ثمانية وعشرين يوما؛ فإنه يقضي يوما. وقد روى البخاري (٥٢٨٩) والترمذي (٦٨٩) عن أنس قال: «آلى النبي ﷺ من نسائه شهرا، وكانت انفكت رجله، فأقام في مشربة له تسعا وعشرين، ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله إنك آليت شهرا، قال: «الشهر تسع وعشرون»، والمشربة بضم الراء وفتحها الغرفة، فبين لهم أن الشهر يكون تسعا وعشرين، يعني ويكون ثلاثين، وهو العدد الذي كانوا يظنونه لازما للشهر، وليس المراد بالحديث حصر عدد ليالي الشهر في تسع وعشرين على ما يعطيه ظاهر اللفظ، ولهذا روى الترمذي قبله عن غير واحد من الصحابة الشهر يكون تسعا وعشرين، وهو رواية في صحيح البخاري (١٩١١) أيضا عن أنس وأم سلمة، وقال ابن مسعود: «ما صمت مع النبي ﷺ تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين»، رواه الترمذي وأبو داود (٢٣٢٢). ولما كانت معرفة أول رمضان بالرؤية، أو بإكمال شعبان ثلاثبن؛ متوقفة على معرفة أول شعبان بالرؤية، أو بإكمال رجب ثلاثين، أمر النبي ﷺ بما يتحقق به ذلك فقال: «أحصوا هلال شعبان لرمضان»، رواه الترمذي (٦٨٧) عن أبي هريرة، وصححه ابن العربي في العارضة. واعلم أنه إذا ثبتت بداية الشهر ثبوتا شرعيا في بلد؛ ففي المذهب روايتان فيمن يلزمه الصوم والفطر، فعن ابن القاسم والمصريين عن مالك إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد رأوه؛ فعليهم القضاء»، وهذا يدل على أنه يرى لزوم الصوم للجميع وإن تباعدت ديارهم، وهو

стр. 915

المشهور في المذهب، وقيده ابن عبد البر بما إذا لم يكن البعد كثيرا كالأندلس من خراسان، وهذا القيد ليس لعدم بلوغ الخبر فيما يظهر، لأن أقصى موضع يمكن بلوغ الخبر له يومئذ لا يتعدى (١/ ٦٠) من هذه المسافة، والأمر الآن مختلف، فقد يسر الله تعالى من الوسائل ما يجعل الخبر يصل في ثوان، وروى المدنيون عن مالك وهو قول ابن الماجشون وغيره أن الرؤية لا تلزم غير أهل البلد الذي وقعت فيه، وهذا هو الذي ينبغي أن يعتمد، فمتى كان أهل البلد مستندهم الرؤية، فإن الخير للناس موافقة أهل بلدهم، لما في المخالفة من الفتنة والتفرقة، ولقول النبي ﷺ : «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون»، رواه الترمذي (٦٩٧) وحسنه، وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة، وهو في سنن أبي داود (٢٣٢٤) مع فقرات أخرى تتعلق بالمناسك، قال الترمذي: «وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا؛ أن الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس»، وهذا الحديث يرد كل التقولات من نوع: قرر الفلكيون أن الهلال لا يرى، أو ما يقوله بعضهم إن الهلال كبير، أو الشهر ناقص، ونحو ذلك من القيل والقال، ومثله في هذا المعنى قول النبي ﷺ : «شهران لا ينقصان شهرا عيد: رمضان وذو الحجة»، رواه الشيخان وأصحاب السنن عن أبي بكرة، لا ينقصان في الأجر ولو كانا تسعا وعشرين، وقيل لا ينقصان عن ثلاثين يوما والحس يرده، وينصح من صام مستنندا إلى رؤية بلد آخر أن لا يجاهر بذلك. وقد جاء أن من علامات الساعة انتفاخ الأهلّة، وابقاؤه على الظاهر هو الحق، وتأويله على معنى آلات التقريب والتكبير ممكن، والله أعلم. وقد تسمع من يقول: كيف لا يتفق المسلمون على بدايات الشهور، وأعداؤهم يسخرون منهم، والجواب أن هذا الاختلاف لا يضر المسلمين لو استقامت أمورهم الأخرى على منهاج الله، كما لم يضر ذلك سلفَهم الصالح، وقد كانت خلافتهم الجامعة لهم قائمة، ومتى كان أعداؤنا حريصين على ما فيه خيرنا، وكتاب الله بين أيدينا يخبرنا ببغضهم لنا، وانطواء صدورهم على كراهيتنا، واستمرارهم على مقاتلتنا ليردونا إن استطاعوا عن ديننا؟.
следующие страницы →