الوسائل ما هو أقوى في الإثبات؛ تعين علينا الانتقال إليه، مع ما هو معروف من الفرق بين رؤية الشخص الواحد التي تحتمل من الخطإ والغلط ما لا تحتمله حسابات الفلكيين في هذا العصر، وأن الذين يستبعدون علم الفلك بإطلاق من هذا الأمر يتناقضون، فإننا لا نعلم من يراقب الظل ليثبت وقت الظهر حين يشرع الفيء في الزيادة، ولا من يراقبه ليعلم وقت العصر بزيادة الظل على القامة بعد ظل الزوال، وحتى غروب الشمس قل من يرقبه لإثبات وقت المغرب مع يسر ذلك، والواقع في هذا عامل بحساب الفلكيين في بعض الأحكام الشرعية تارك لبعضها فهو متناقض، فإما أن يعمل بأقوال الفلكيين وإما أن يتركها.
وقد قال الشيخ رشيد رضا في تفسيره المنار (٢/ ١٨٨): «وأما هذا الاختلاف وترك النصوص في جميع المواقيت عملا بالحساب، ما عدا مسألة الهلال؛ فلا وجه ولا دليل عليه، ولم يقل به إمام مجتهد، بل هو من قبيل: «أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض»، انتهى.
قال كاتبه: إذا لم يقل بهذا إمام مجتهد؛ فقد قاله رسول رب العالمين ﷺ ، فلندع كل قول غير قوله، ثم إن العمل بحساب الفلكيين في إثبات أوائل الشهور؛ ليس كالعمل بحسابهم في بيان وقت طلوع الفجر وغروب الشمس ومغيب الشفق، لأن هذا مرتبط بحركة الشمس الظاهرة ودوران الأرض حولها، وهو أمر لا يرتاب من له أدنى اطلاع في أنه لا يتخلف، فمن عرف طلوع الشمس متى كان يوم أمس في بقعة ما من الأرض؛ يمكن أن يجزم بوقت طلوعها في اليوم الموالي في تلك البقعة إذا أخذ في الاعتبار الاتجاه الذي يأخذه الليل والنهار أهو نحو الزيادة أو نحو النقصان، بل إن معرفة ذلك في يوم ما من العام؛ تكفي لمعرفته في غيره من الأعوام في نفس البقعة واليوم إذا لم يطرأ عليها تغير بالارتفاع والانخفاض، أما الهلال فلا يمكن انضباط أمره، فإنه يظهر في نهاية هذا الشهر في موضع، ونهاية شهر آخر في موضع غيره، ويرى أحيانا نهاية الشهر بعد الغروب على ارتفاع ما عن الأفق، ونهاية شهر آخر على ارتفاع أدنى أو أعلى، ويرى في موضع من الأرض، ولا يرى في موضع آخر منها، وما قالوه بأنه متى رؤي في بلد من المشرق فلا بد أن يرى في بلد إلى الغرب منه ليس على إطلاقه إذا اختلفت خطوط العرض.
стр. 912
قال ابن تيمية ﵀: «فإن الله سبحانه لم يجعل لمطلع الهلال حسابا مستقيما، بل لا يمكن أن يكون لرؤيته طريق مطرد إلا الرؤية»، انتهى، وهذا الذي قاله العلماء الربانيون منذ قرون قد علمت مصداقه في هذا العصر.
وأذكر أن مولود قاسم وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية وكان من المتحمسين لاعتماد الحساب في إثبات أوائل الشهور القمرية؛ التقى بالمجلس الإسلامي الأعلى لتدارس هذا الأمر، وكان الشيخ سعيد الصالحي من الرافضين له، فلما نظر إلى الساعة وقال إن وقت العصر قد دخل؛ قال له الوزير: هل راقبت الظل؟، كيف تعتمد على الفلكيين في إثبات أوقات الصلوات، ولا تعتمد عليهم في إثبات الصيام، والصلاة أعظم منه؟، وظن الوزير أن الشيخ محجوج، لأنه سكت، وليس الأمر كما ظن رحمهما الله، وقد علمت الفرق.
وليس ببعيد أن يؤخذ عدم انضباط الهلال بقاعدة مطردة في إثباته من قول النبي ﷺ : «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، يعني تمام ثلاثين»، رواه الشيخان عن ابن عمر، إذ ليس المراد من الحديث نفي الكتابة والحساب عن الأمة بإطلاق.
ولا يستقيم أن يكون المراد بالأمة ما قاله الحافظ من أنهم «أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة، وهو محمول على أكثرهم، أو المراد نفسه ﷺ »، انتهى، وقد قاله ابن بزيزة أيضا كما في شرح الأبي، لأنه يشعر أن عدم الاعتماد على الحساب معلل بافتقاد الحاسبين والكاتبين وقد توفروا الآن، بل الغرض نفي الاعتماد على علم الفلك بالخصوص في إثبات بداية صوم رمضان وفي الإفطار منه لما تقدم، وكذا بقية الشهور فإن الله تعالى أخبر أنه جعل الأهلة مواقيت للناس.
ولا يستقيم أن يقال إن المسلمين لم يكن فيهم يومئذ علماء فلك، وقد توفروا الآن والحمد لله، لأن النبي ﷺ نفى الكتابة والحساب عن الأمة، وهو يتكلم عن أمته قاطبة، وقد كان فيها يومئذ الكاتبون والحاسبون، وإن كانوا قلة، ثم إن قوله ﷺ : «إنا أمة أمية،،،»؛ يتعذر أن يراد به نفي الكتابة والحساب عن الأمة في كل شيء، فإنه ﷺ كما أخبر عنه ربه؛
стр. 913
جاء يعلمنا الكتاب والحكمة، والأمية وإن كانت في حقه ﷺ كمالا ومعجزة لاستغنائه عنها، لكونها مجرد وسيلة، فإنها في حقنا نقص، فكيف يتمدح بالنقص عموما؟، فالذي يعطيه الحديث لمن فتح الله قلبه للحق أن الأمية هنا ليس المراد من مرعاتها إلا ما وردت في سياقه، وهو إثبات الشهور، أو ما لم يكن متسيرا يومئذ إثباته إلا بالشمس عينا أو أثرا كما في أوقات الصلوات.
ولا يصح أن يؤخذ من الحديث التنفير من علم النجوم والفلك كما ظن بعضهم، فقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦].
وعن عمر ﵁ قال: «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر، ثم أمسكوا»، أما الحديث الذي فيه: «وإذا ذكر النجوم فأمسكوا»؛ فهو إمساك عن أمر آخر، ومنه استعمالها في معرفة البخوت والحظوظ فإنه ضرب من الكهانة، فالحاصل أن علم النجوم وإن كان مشروعا، لكن الاعتماد عليه في أمرنا هذا لا يصلح لعدم الانضباط والاطراد، لأنه يتناقض مع المراد من الحساب الذي شأنه الدقة والضبط، وبهذا يتبين أن الحديث مخصوص بالسياق الوارد فيه، ومن أمثلته في كتاب الله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، ومن ذلك حديث أبي سعيد ﵁ الذي فيه ذكر الأجناس الربوية الستة، وهو في الصحيح، فإنه في رواية البيهقي زيادة: «وكل ما يكال أو يوزن»، وهذه إن صحت؛ فإنه يجوز أن يكون المراد منها خصوص ما هو ثمن للأشياء، أو الطعام وما يصلحه، فيكون السياق معينا على هذا التقييد، فلا يكون فيه حجة ليشمل الحديد والنحاس بل والتراب والحجر وسائر ما يوزن أو يكال، وإذا ظهر المعنى فإن اللفظ صورة له ووسيلة إليه، فلا ينبغي تطويل العكوف عليه، وقد تنبه إلى هذا الأمر العز بن عبد السلام وابن القيم.
وقال ابن دقيق العيد في شرح عمدة الأحكام (٢/ ٢١٦): «السياق طريق إلى بيان المجملات، وتعيين المحتملات، وتنزيل الكلام على المقصود منه، وفهم ذلك قاعدة كبيرة من قواعد أصول الفقه، ولم أر من تعرض لها في أصول الفقه بالكلام عليها، وتقرير
стр. 914
قاعدتها مطولة إلا بعض المتأخرين ممن أدركنا أصحابهم، وهي قاعدة متعينة على الناظر، وإن كانت ذات شغب على المناظر»، انتهى.
وقوله: «كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما»؛ يريد أن الشهر يكون كذلك فإذا رؤي هلال رمضان؛ وجب الصوم، ولو كان شهر شعبان تسعة وعشرين، كما أنه إذا رؤي هلال شوال؛ وجب الفطر، ولو كان رمضان تسعة وعشرين، فإن عدد أيام الشهر العربي لا ينزل عن تسعة وعشرين، ولا يزيد على الثلاثين، وهذا يترتب عليه؛ أن من صام على رؤية بلد، وسافر إلى بلد آخر؛ أفطر مع أهل البلد الذي هو فيه، ولو كانت العدة عندهم أقل من بلده، ما لم يترتب على ذلك صوم ثمانية وعشرين يوما؛ فإنه يقضي يوما.
وقد روى البخاري (٥٢٨٩) والترمذي (٦٨٩) عن أنس قال: «آلى النبي ﷺ من نسائه شهرا، وكانت انفكت رجله، فأقام في مشربة له تسعا وعشرين، ثم نزل، فقالوا: يا رسول الله إنك آليت شهرا، قال: «الشهر تسع وعشرون»، والمشربة بضم الراء وفتحها الغرفة، فبين لهم أن الشهر يكون تسعا وعشرين، يعني ويكون ثلاثين، وهو العدد الذي كانوا يظنونه لازما للشهر، وليس المراد بالحديث حصر عدد ليالي الشهر في تسع وعشرين على ما يعطيه ظاهر اللفظ، ولهذا روى الترمذي قبله عن غير واحد من الصحابة الشهر يكون تسعا وعشرين، وهو رواية في صحيح البخاري (١٩١١) أيضا عن أنس وأم سلمة، وقال ابن مسعود: «ما صمت مع النبي ﷺ تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين»، رواه الترمذي وأبو داود (٢٣٢٢).
ولما كانت معرفة أول رمضان بالرؤية، أو بإكمال شعبان ثلاثبن؛ متوقفة على معرفة أول شعبان بالرؤية، أو بإكمال رجب ثلاثين، أمر النبي ﷺ بما يتحقق به ذلك فقال: «أحصوا هلال شعبان لرمضان»، رواه الترمذي (٦٨٧) عن أبي هريرة، وصححه ابن العربي في العارضة.
واعلم أنه إذا ثبتت بداية الشهر ثبوتا شرعيا في بلد؛ ففي المذهب روايتان فيمن يلزمه الصوم والفطر، فعن ابن القاسم والمصريين عن مالك إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد رأوه؛ فعليهم القضاء»، وهذا يدل على أنه يرى لزوم الصوم للجميع وإن تباعدت ديارهم، وهو
стр. 915
المشهور في المذهب، وقيده ابن عبد البر بما إذا لم يكن البعد كثيرا كالأندلس من خراسان، وهذا القيد ليس لعدم بلوغ الخبر فيما يظهر، لأن أقصى موضع يمكن بلوغ الخبر له يومئذ لا يتعدى (١/ ٦٠) من هذه المسافة، والأمر الآن مختلف، فقد يسر الله تعالى من الوسائل ما يجعل الخبر يصل في ثوان، وروى المدنيون عن مالك وهو قول ابن الماجشون وغيره أن الرؤية لا تلزم غير أهل البلد الذي وقعت فيه، وهذا هو الذي ينبغي أن يعتمد، فمتى كان أهل البلد مستندهم الرؤية، فإن الخير للناس موافقة أهل بلدهم، لما في المخالفة من الفتنة والتفرقة، ولقول النبي ﷺ : «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون»، رواه الترمذي (٦٩٧) وحسنه، وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة، وهو في سنن أبي داود (٢٣٢٤) مع فقرات أخرى تتعلق بالمناسك، قال الترمذي: «وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا؛ أن الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس»، وهذا الحديث يرد كل التقولات من نوع: قرر الفلكيون أن الهلال لا يرى، أو ما يقوله بعضهم إن الهلال كبير، أو الشهر ناقص، ونحو ذلك من القيل والقال، ومثله في هذا المعنى قول النبي ﷺ : «شهران لا ينقصان شهرا عيد: رمضان وذو الحجة»، رواه الشيخان وأصحاب السنن عن أبي بكرة، لا ينقصان في الأجر ولو كانا تسعا وعشرين، وقيل لا ينقصان عن ثلاثين يوما والحس يرده، وينصح من صام مستنندا إلى رؤية بلد آخر أن لا يجاهر بذلك.
وقد جاء أن من علامات الساعة انتفاخ الأهلّة، وابقاؤه على الظاهر هو الحق، وتأويله على معنى آلات التقريب والتكبير ممكن، والله أعلم.
وقد تسمع من يقول: كيف لا يتفق المسلمون على بدايات الشهور، وأعداؤهم يسخرون منهم، والجواب أن هذا الاختلاف لا يضر المسلمين لو استقامت أمورهم الأخرى على منهاج الله، كما لم يضر ذلك سلفَهم الصالح، وقد كانت خلافتهم الجامعة لهم قائمة، ومتى كان أعداؤنا حريصين على ما فيه خيرنا، وكتاب الله بين أيدينا يخبرنا ببغضهم لنا، وانطواء صدورهم على كراهيتنا، واستمرارهم على مقاتلتنا ليردونا إن استطاعوا عن ديننا؟.
стр. 916
وقد روى مسلم (١٠٨٧) وأبو داود (٢٣٣٢) والترمذي عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام، فقضيت حاجتها، واستهل علي هلال رمضان، وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال فقال: «متى رأيتم الهلال»؟، فقلت: «رأيناه ليلة الجمعة»، فقال: «أنت رأيته ليلة الجمعة»؟، فقلت: «رآه الناس، فصاموا وصام معاوية»، فقال ابن عباس: «لكن رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوما، أو نراه»، فقلت: «ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه»؟، قال: «لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ »، لكن مع هذا؛ فالحديث لا حجة فيه لمن قال إن لكل بلد رؤيتهم، فإن قول ابن عباس ﵄ «هكذا أمرنا رسول الله ﷺ »؛ اجتهاد منه في فهم حديث رسول الله ﷺ الذي رتب فيه وجوب الصوم والإفطار على رؤية الهلال، وقد أخذ به الشافعي ﵀ في قوله باختلاف المطالع وعدم لزوم الصوم للجميع، وانظر ما قاله في ذلك الشوكاني في نيل الأوطار فقد بين أن لا حجة فيه على ذلك.
ومن الأمور التي يتساءل عنها في هذا العصر أن المسلمين في بلاد الكفار يطلب منهم أن يخبروا بيوم عيدهم مسبقا حتى يتأتى للشركات والهيآت ترتيب عطل العبد التي هي حق لهم، فيقال إن من كان منهم مخالفا للشرع بإقامته فعلى نفسه جنى، ومن كان أصله من تلك البلدان فهذا مستضعف، فعيده هو عيد المسلمين، وإن أخذ العطلة بحساب الفلك فيرجى.
стр. 917
• قوله:
٣ - «فإن غم الهلال؛ فيعد ثلاثين يوما من غرة الشهر الذي قبله، ثم يصام، وكذلك في الفطر».
يقال غم الهلال بضم الغين، إذا حجبه سحاب أو غبار، وغرة الشهر بضم الغين أوله، أي إذا لم ير الهلال أكمل الشهر ثلاثين يوما لأن ذلك أقصاه، وذلك بحساب الشهر من أوله، ولا يتأتى هذا إلا إذا عرف أول شعبان برؤية، أو بإكمال رجب ثلاثين، وقد تقدم ما يتحقق به ذلك من إحصاء شعبان، وما لا يتم هذا الواجب إلا به؛ فهو واجب على الكفاية.
стр. 918
• قوله:
٤ - «ويبيت الصيام في أوله، وليس عليه البيات في بقيته».
شروط الصوم سبعة هي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والنقاء من الحيض والنفاس، والإمساك عن المفطرات، والقدرة على الصوم، والسابع النية، ويشترك فيها الوجوب والصحة، والنية هي القصد إلى الصوم لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، ووقتها من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، أو مع الطلوع، وهذا من التوسعة والتيسير في هذا الدين السمح، لصعوبة اقتران النية بأول العبادة كما هو الشأن في غير الصوم، فلله الحمد، والمقصود بالنية القصد إلى فعل العبادة، ويستحضر المكلف التقرب إلى لله بها، لا مجرد القصد إلى كونه صوما، أو صلاة، أو زكاة.
وقد روى أحمد وأصحاب السنن (د/ ٢٤٥٤) عن أم المؤمنين حفصة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ قال: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر؛ فلا صيام له»، وهو في الموطإ (٦٣٨) موقوفا على ابن عمر وحفصة وعائشة ﵃، وفيه قول ابن عمر: «لا يصوم إلا من كان أجمع الصيام قبل الفجر»، وقد وهم ابن رشد فعزاه في بداية المجتهد للبخاري، وقد اختلف في رفعه ووقفه.
قال ابن حزم: «الاختلاف يزيده قوة»، وقال ابن العربي في العارضة (٣/ ٢٦٤): «هذا حديث صحيح عزيز لم يقع لأحد من أهل المغرب قبل رحلتي، وهو من فوائدي الخمسين التي انفردت بها بإبلاغها عن الشريعة إلى أهل المغرب، فظنوا أنه لا يوجد صحيحا،،،»، انتهى.
وقوله «يجمع» من الرباعي بضم الياء؛ معناه يعزم على الصيام، وظاهر قوله: «قبل الفجر»، أن النية لا تجزئ مع الفجر، لكن دل على إجزائها قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، إذ هو صريح في جواز
стр. 919
الأكل والشرب إلى التبين، أو يكون المراد من الفجر في الحديث تبينه لا أوله لعسر ذلك.
والرواية المشهورة عن الإمام أن نية الصوم في أول ليلة تكفي فيما يجب تتابعه كصوم رمضان، والكفارات الواجبة التتابع، إلا إذا قطع الصوم لمانع كالحيض والنفاس، والسفر، فيتعين تجديد النية، والحجة في ذلك أن الصوم الواجب التتابع عبادة لا خيار للمكلف في قطعها، فكأنها عبادة واحدة أجزاؤها متصلة، وهو الواجب المضيق، فتكفي النية في أوله، والرواية الثانية التي أشار إليها ابن العربي في العارضة (٣/ ٢٦٦) ورجحها وعليها الجمهور؛ أنه لا بد من تجديد النية في كل ليلة، لا فرق بين واجب التتابع وغيره، وذلك لأن صيام أيام الشهر عبادات منفردة، لا يفسد بعضها بفساد بعض، ويتخللها ما ينافيها كالأكل والشرب في الليل، فهي ليست كالصلاة والحج والعمرة، والمتأمل يدرك قرب ما بين المذهبين، فإن من كان في رمضان لا يعزب عنه أنه سيصوم، فكيف إذا ضم إلى ذلك تسحره وقيامه للصلاة وغير ذلك من القرائن التي تدل على استحضار النية؟ فإذا قطع الصوم لمانع أو عذر فالجميع متفقون على تجديد النية.
стр. 920
• قوله:
٥ - «ويتم الصيام إلى الليل».
وهذا لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ففي الأية بيان لبداية الصوم ونهايته، وبه يظهر أنه يصام جزء من الليل إذا لا ينبغي الفطر إلا بعد تيقن الغروب استصحابا للأصل، لكن من كان بحيث يرى الشمس فليس عليه صيام جزء من الليل كما في حديث ابن أبي أوفى الصحيح، وفي المقابل فإنه يجوز أكل جزء من النهار؛ استصحابا للأصل كذلك، أقصد أنه ما لم يتبين فهو على الأصل، ولا حاجة إلى إيجاب إمساك جزء من الليل تحت قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لأنها هنا واقعة في مجابهة المنصوص عليه وهو التبين، ولا حجة في حديث أنس عن زيد بن ثابت عند البخاري قال: «تسحرنا مع النبي ﷺ ، ثم قام إلى الصلاة»، قلت: «كم كان بين الأذان والسحور»؟، قال: «قدر خمسين آية»، فإن هذا لم يكن بالأمر الدائم، ولا كان المراد منه تحديد وقت للإمساك، ولعل القائلين بالإمساك عشر دقائق قبل طلوع الفجر؛ اعتمدوا عليه، وترتيب هذا على الناس من البدع، لكن ينبغي التنبيه إلى أن التبين إنما يكون في حق من يتأتى له، أما من كان في منزله وقد أغلق عليه أبوابه، وهو غالب شأن الناس اليوم؛ فينبغي له الاعتماد على المؤذن، فإذا سمعه؛ وجب عليه الإمساك، وهكذا غير المؤذن من الوسائل، أما الحرص على فعل المستحب وهو التأخر في الإمساك، مع القصد إلى مخالفة ما عليه الناس في إمساكهم وإفطارهم؛ فليس مما تقام به السنن، إلا أن يكون الإناء على يد المرء؛ فليتم ما هو بصدده لقول النبي ﷺ : «إذا سمع أحدكم النداء، والإناء على يده، فلا يضعه؛ حتى يقضي حاجته منه»، رواه أبو داود (٢٣٥٠) وغيره عن أبي هريرة، وحمله بعضهم على المؤذن يؤذن قيل الفجر اعتمادا على الحديث الذي رواه الطبراني في المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٣١١) عن يحيى بن عباد، عن جده شيبان أنه غدا إلى المسجد، فجلس إلى
стр. 921
بعض حجر النبي ﷺ ، فسمع صوته، فقال: «أبا يحيى»؟ قال: نعم، قال: «ادخل، فدخل، فإذا النبي ﷺ يتغذى، فقال: «هلم إلى الغداء»، فقال: يا رسول الله، إني أريد الصيام، قال: «وأنا أريد الصيام، إن مؤذننا في بصره سوء، أذن قبل الفجر»، وهذا تشغيب لا فائدة فيه، فإنه بعد تجاوز ما قيل في بعض رجال الحديث، فإنه واقعة خاصة، وحديث أبي هريرة شرع عام، ومن تيقن أن المؤذن أذن قبل الوقت فله أن يأكل، لكن في بلدنا من توسع في هذا الأمر، فكان إذا سمع النداء؛ طلب من أهله إعداد السحور تحت زعم أن الأذان يعتمد فيه على حساب الفلكيين، وهو متقدم على طلوع الفجر الصادق، وقد ذكرت ما في هذا الأمر في الجزء الأول.
стр. 922
• قوله:
٦ - «ومن السنة تعجيل الفطر، وتأخير السحور».
الفطر اسم مصدر، والمصدر الإفطار، والسحور بضم السين؛ هو الفعل أي التسحر، وبفتح السين هو ما يؤكل وقت السحر، والسحر بفتح الحاء آخر الليل، والمعنى أن الواجب هو صوم النهار، فإذا انقضى؛ فقد أفطر الصائم حكما، فعليه أن يبادر بالفطر فعلا، وهذه المبادرة لا تكون إلا بعد أن يتيقن دخول الليل، لقول النبي ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم»، رواه الشيخان عن عمر بن الخطاب، (خ/ ١٩٥٤)، ومعنى «أفطر الصائم»؛ دخل في وقت الإفطار، وقيل معناه هو مفطر حكما، والأول أولى، بدلالة إذن النبي ﷺ في المواصلة إلى السحر كما في حديث أبي سعيد عند البخاري: «لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل؛ فليواصل إلى السحر»، ولم يكتف النبي ﷺ بذكر غروب الشمس، بل ذكر قبلها أمرين، فينبغي البحث عن مغزى ذلك، كيف وهو الذي أوتي جوامع الكلم؟، والسبب أن إقبال الليل يكون من جهة المشرق، بازرقاق جزء السماء الملاصق للأفق، لأن الشمس تكون حينئذ قد نزلت عنه في المغرب، وإدبار النهار يكون من جهة المغرب، فإذا غابت الشمس فيما يرى الناظر، غير أنها لما تزل في مرتفع إلى الشرق منه؛ فإن الليل لم يقبل، وإذا حجب الشمس سحاب، فظهرت الظلمة في المغرب والمشرق، فليس ذلك بوقت إفطار الصائم، وقد روى نافع عن مالك أن المرء لا يأكل عند أذان المؤذنين للفجر، وإن رأى هو الفجر لم يطلع، ولا يفطر حتى يؤذنوا، وإن رأى هو الشمس قد غربت، لأنهم موكلون بذلك ورعاته»، نقله ابن العربي في المسالك باب ما جاء في الفطر من الموطإ، وهذا ينطبق علينا في المدن، ولمالك قول لا يخالف هذا، لأنه فيمن يعرف الفجر، وكان في موضع ينظر إليه، وهو صالح لأهل البوادي ممن يعرفون ذلك، وقال الشيخ علي الصعيدي: «تحقق دخول الليل يكون بتحقق غروب جميع قرص
стр. 923
الشمس لمن ينظره، أو دخول الظلمة، وغلبة الظن بالغروب لمن لم ينظر قرص الشمس، كمحبوس بحفرة تحت الأرض، ولا مخبر له».
أما المبادرة إلى الإفطار لمجرد اعتقاد المرء أن حساب الفلكيين متأخر قليلا عن غروب الشمس بالفعل كما عليه بعضهم، وهم لا يرون غروب الشمس لكونها محجوبة عنهم بالبنيان؛ فليس بحق.
قال ابن العربي في العارضة (٣/ ٢٢٢) بعد أن بين مراد الشارع من الترغيب في التعجيل بالإفطار وما يحترز منه في التعجيل به: «ولا ينبغي أن يحملكم ذلك على الإسراف فيه، حتى تقعوا في الفطر قبل محله وفي غير محله، لما روى أبو أمامة عن النبي ﷺ قال: «بينما أنا قائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضَبْعَيَّ (١)، وساق الحديث، وفيه: «ثم انطلقا بي، فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل دما، قلت: من هؤلاء؟، قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل محل صومهم، قال: خابت اليهود والنصارى»!!، انتهى (٢).
وقد جاء في تعجيل الفطر ما رواه مالك (٦٣٩) وأحمد والشيخان والترمذي (٦٩٩) عن سهل بن سعد قال، قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»، وفي رواية لأحمد زيادة: «وأخروا السحور».
قال الشيخ الطاهر بن عاشور في كتابه كشف المغطى: «وإنما لم يزد عليه «وأخروا السحور»، لأنه قد علم أن كثيرا من أصحابه كان يحب التملي من الصوم، والاستكثار من الخير والقربة، حتى رام كثير منهم أن يصل صوم اليوم بصوم اليوم الموالي له،،،» انتهى، قال كاتبه: نبينا ﷺ لا يشرع لزمانه فحسب، حتى يقتصر في بيان الحكمة على ما كان عليه الأمر يومئذ، وكلمة الناس في حديثه من ألفاظ العموم، ثم إن الشيخ ﵀ قال عن الروايات والأحاديث الواردة في هذا الباب: «لم يتضح المراد بالخير في كلام رسول الله ﷺ لشراح هذا الحديث، ولم يظهر وجه التسبب بين تعجيل الفطر ودوام الخير للأمة، فجعل بعض
стр. 924
الرواة يرويه بالمعنى الذي بدا له،،،»، وقد أشار إلى بعض الروايات والأحاديث، والخطورة في قوله: «فجعل بعض الرواة يرويه بالمعنى الذي بدا له»، فإن شأن العلماء أن يصبروا على الروايات المختلفة، ويأخذوا بالزائد منها، ويردوا ما كان ضعيفا، أما أن يقال عن خير الأمة إنهم يروون الأحاديث بالمعنى الذي بدا لهم، وأن الذي دفعهم إلى هذا هو خفاء العلاقة عندهم بين تعجيل الفطر، ودوام الخير للأمة؛ فكلام بعيد عن التحقيق، ومجانب لما عليه علماء هذا الفن، أما الربط بين بقاء الخير وبين تأخير السحور وتقديم الإفطار؛ فلأن الأمة معه تكون عالمة بأحكام دينها، بعيدة عن اتباع أهل الملل الأخرى في الغلو والجفاء.
وقد جاء في رواية البيهقي ما يبين وجه ذلك الربط: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، فإن اليهود يؤخرون»، ومن ذلك قوله ﷺ : «لا تزال أمتي بخير، أو قال على الفطرة؛ ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم»، رواه أحمد وأبو داود (٤١٨)، ويبينه أيضا أجلى بيان ما في صحيح مسلم وسنن أبي داود (٢٣٤٣) عن عمرو بن العاص مرفوعا: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر»، والأكلة بفتح الهمزة المرة الواحدة من الأكل، وإن كثر المأكول، وقد قال العلماء إن التسحر يحصل بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب، وقد ورد في الحديث ولو بجرعة ماء، وبيّن الشيخ الطاهر بعد قوله السابق؛ الحكمة من تعجيل الفطر وتأخير السحور، وهو كلام نفيس فاقرأه إن استطعت، ومن شمائله ﵌: «أنه كان لا يصلِّي المغرب وهو صائم حتى يُفطر ولو على شَربة ماء» رواه الطبراني عن أنس، وهو في الصحيحة.
ومن الحكمة في تعجيل الفطر وتأخير السحور الاقتداء بالنبي ﷺ وهذا يجمع كل خير، ومنها أن لا يزاد في العبادات قصدا، مع ما فيه من الاستجابة لحاجة الجسم، ومنها مخالفة أهل الكتاب فإنهم لا يتسحرون، ومنها التَّقوِّي على العبادة، ومنها مدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع عند بعض الناس، ومنها كون التسحر سببا في الذكر والدعاء في هذا الوقت الفاضل، وهو وقت النزول الإلهي، ومنها أداء صلاة الصبح في وقتها، ومنها أن يتنبه لنية الصيام من غفل عنها، ومنها الإقبال على صلاة المغرب وقد فرغ بال الصائم من
стр. 925
التعلق بالطعام، ومنها أنه إذا أفطر على تمر أو رطب أو حسوات من ماء كما كان النبي ﷺ يفعل؛ كان ذلك خفيفا، فلا يكون حائلا بين الصائم وبين المبادرة إلى الصلاة، مع أن نفع الحلو للجسم سريع كما ذكره أهل الاختصاص، وهو مجرب في سرعة ارتفاع نسبة السكر في الدم بمجرد ابتلاع شيء حلو كما يفعل ذلك بمن انخفضت نسبة السكر في دمائهم، ولذلك رأى بعض أهل العلم الإفطار على مطلق الحلو إن لم يوجد التمر.
وفي الصحيحين (خ/ ١٩٢٣) وغيرهما عن أنس أن النبي ﷺ قال: «تسحروا، فإن في السحور بركة»، وهذا التعليل وحده يكفينا في الترغيب فيه، وعن العرباض بن سارية قال دعاني رسول الله ﷺ إلى السحور في رمضان، فقال: «هلم إلى الغداء المبارك»، رواه أبو داود (٢٣٤٤)، والغداء هنا هو الطعام نفسه، ويراد به طعام الغدوة بضم الغين، وهي ما بين الفجر وطلوع الشمس، ويقابل الغداء العشاء، وقد كان غداء العرب صباحا.
قال الباجي في المنتقى (٢/ ٤٢): «تعجيل الفطر ألا يؤخر بعد غروب الشمس على وجه التشدد والمبالغة واعتقاد أنه لا يجزئ الفطر عند غروب الشمس على حسب ما تفعله اليهود، وأما من أخر فطره باختياره لأمر عَنَّ له؛ مع اعتقاده أن صومه قد كمل؛ فلا يكره ذلك، رواه ابن نافع عن مالك في المجموعة»، انتهى.
قلت: «المبادرة إلى الإفطار بشرطها مرغوب فيها، ولو لم يكن الشخص يرى أن التأخر فيه تعبد لإطلاق الأدلة، إلا من لم يكن لديه ما يفطر عليه، ولعله لهذا روى في الموطإ (٦٤١) عقب روايته حديث سهل ومرسل سعيد بن المسيب في تعجيل الفطر أثر حميد بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا، ثم يفطران بعد الصلاة، وذلك في رمضان».
стр. 926
• قوله:
٧ - «وإن شك في الفجر؛ فلا يأكل».
هذا مبناه على الاحتياط للعبادة، ففي المدونة: «كان مالك يكره للرجل أن يأكل إذا شك في الفجر؟، فقال: نعم»، والظاهر من هذه الكراهة المنع، يدل عليه قوله قبله: «ما قول مالك فيمن شك في الفجر في رمضان، فلم يدر أكل فيه، أو لم يأكل؟، قال، قال مالك: «عليه قضاء يوم مكانه»، وبهذا يعلم ما في كلام صاحب مسالك الدلالة ﵀ حيث قال: «وليس في المدونة إلا الكراهة، فمن فهم منها المنع فقد أبعد»، انتهى.
ويقوي ما ذكرته من تحريم الأكل على الشاك في المذهب؛ ما في النوادر والزيادات من قول مالك: «فإن أكل بعد شكه؛ فعليه القضاء، ولا يُكَفِّرْ»، انتهى، لكن منع الشاك من الأكل يعارضة أمران: الأول استصحاب الأصل وهو هنا الجواز، أعني الاستمرار على ما كان عليه المرء من قبل، والثاني الغاية التي في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، بخلاف الصائم، قيستصحب الأصل أيضا وهو الصوم، فلا يفطر إلا بيقين، وعن ابن عباس ﵄ قال: «كل ما شككت حتى لا تشك»، رواه البيهقي عنه بإسناد صحيح، وقد اعتمد عليه ابن حبيب في القول بجواز أكل الشاك، وانظر المصنف لعبد الرزاق الأثر (٧٣٦٥) وما بعده، لكن الشاك هنا ليس الذي يغلق عليه بابه ونوافذه فإذا استيقظ قال إني شاك، فيجوز لي الأكل، مع ما عنده من وسائل التوقيت التي لم تكن متوفرة من قبل، بل المراد والله أعلم من كان يرى الأفق غير أنه لم يدر أطلع الفجر أم لا، أو كلف غيره بذلك فشك، وعن عطاء ما يخالف هذا كما في المصنف لعبد الرواق.
стр. 927
• قوله:
٨ - «ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان، ومن صامه كذلك لم يجزه وإن وافقه من رمضان، ولمن شاء صومه تطوعا؛ أن يفعل».
ويوم الشك؛ هو اليوم المكمل الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيمة، فلم تثبت الرؤية، كما هو في كتاب المعونة للقاضي عبد الوهاب، وعند الشافعية هو اليوم الذي يشيع فيه على ألسنة من لا تقبل شهادته أنه من رمضان، وقد رجح ابن عبد السلام قول الشافعية بحجة أننا مطالبون ليلة الثلاثين في حالة الغيم بإكمال العدد، ولا شك في هذه الصورة، والمقصود أن يوم الشك لا يصام احتياطا لرمضان، فإن صيم وتبين أنه أول رمضان، كأن رؤي الهلال ليلة التاسع والعشرين من صومنا؛ فإنه لا يجزئ لعدم جزم النية، وقد تقدم أن ابن عمر كان يصومه إذا كانت السماء مغيمة، وعليه أحمد بن حنبل، وهو مجزئ عنده متى تبين أنه من رمضان، أما من صامه متطوعا، فلا يخلو: إما أن تكون عادته قد جرت بصومه أو لا، فإن جرت بذلك عادته؛ فصومه مشروع، لظاهر قول النبي ﷺ : «لا تقدموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه»، رواه أحمد ومسلم (١٠٨٢) وأصحاب السنن (د/ ٢٣٣٥) عن أبي هريرة، أما إن لم تجر له عادة بذلك؛ فالظاهر تحريم صومه، لقول عمار بن ياسر ﵁: «من صام اليوم الذي يشك فيه؛ فقد عصى أبا القاسم»، رواه أبو داود (٢٣٣٤) والترمذي، وقال: «حسن صحيح»، وهو وإن كان موقوفا في اللفظ، إلا أنه من المرفوع في الحكم، لأنه مما لا يقال بالرأي، على أنه قد دل على هذا الحكم حديث أبي هريرة الذي قبله.
وظاهر كلام المصنف جواز صوم يوم الشك مطلقا في التطوع، لأنه لم يفرق بين من جرت له عادة ومن لم تجر له، وهو قول الإمام إذ قال: «إنه سمع أهل العلم ينهون أن يصام اليوم الذي يشك فيه من شعبان إذا نوى به صيام رمضان،،، إلى أن قال: «ولا يرون بصيامه
стр. 928
تطوعا بأسا»، انتهى.
وقد عللوا الجواز بقولهم «كل يوم لم يكره أن يُتطوع بصومه على وجه؛ لم يكره أن يُتطوع به على وجه الابتداء»، ذكره القاضي عبد الوهاب والباجي رحمهما الله، وهو كما ترى رأي في مواجهة النص، ويبدو أن مراد الشارع من النهي عن صوم يوم الشك وهكذا نهيه عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، ومثله النهي عن الصوم متى انتصف شعبان؛ إنما هو سد الذريعة إلى الزيادة في العبادة، أو الاحتياط لها بمثل هذا، لا لكون ذلك قد يؤدي إلى ضعف الفاعل عن صوم رمضان، بدليل أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان إلا أقله، أو كان يصومه كله، ولم يأت ما يدل على اختصاصه به، وصوم الشهر كله أدعى إلى الضعف من صوم بعض الأيام.
قال الشعبي كما في تفسير البغوي (١/ ١٥٠): «لو صمت السنة كلها؛ لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، فيقال من شعبان، ويقال من رمضان، وذلك أن النصارى فرض عليهم شهر رمضان، فصاموا قبل الثلاثين يوما، وبعدها يوما، ثم لم يزل القرن الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله؛ حتى صاروا إلى خمسين يوما»، وهذا المعنى هو الذي حدا ببعض أهل العلم ومنهم مالك إلى كراهة المبادرة بصوم الستة أيام من شوال عقب عيد الفطر حتى قال ابن العربي ﵀: «ولذلك كره علماء الدين أن تصام الأيام الستة متصلة برمضان مخافة أن يعتقد أهل الجهالة أنها منه، ورأوا أن صومها من ذي القعدة إلى شعبان أفضل، لأن المقصود منها حاصل بتضعيف الحسنة بعشر أمثالها متى فعلت، ومن اعتقد أن صومها مخصوص بثاني يوم العيد؛ فهو مبتدع سالك سنن أهل الكتاب في الزيادات، داخل في وعيد الشرع حيث قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم»، انتهى باختصار.
قال كاتبه: ينبغي أن يعلم أن حديث صوم ستة أيام من شوال الذي رواه مسلم وغيره (د/ ٢٤٣٣) عن أبي أيوب ليس بمؤسس لقاعدة مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها، فإنها معروفة في غيره من كلام الله تعالى وكلام رسول الله ﷺ ، فإذا حمل قوله عن فضل صوم هذه ألأيام: «فكأنما صام الدهر» على معنى أنه كالصائم للسَّنَةِ، فلا يكون فيه زيادة على غيره من النصوص التي تضمنت قاعدة المضاعفة.
стр. 929
ومن ثم رأى ابن العربي والله أعلم أن ذلك الأجر يحصل لمن صام تلك الأيام في غير شوال، ولا سيما في الشهور التي ثبت فضل الصيام فيها، ويحتمل الحديث معنى آخر، وهو أن من صامها بعد صوم رمضان كان كمن صام الدهر بقطع النظر عن كونه صامها في عام آخر أو لا، وهذا المعنى هو الذي تفرد به هذا الحديث، فإن استقام كما هو اعتقادي؛ كان صومها في شوال لا يقوم مقامه صومها في غيره، والقيد لا بد من اعتباره في كلام العقلاء فكيف بكلام الشارع؟، ولم يتكلم المؤلف على صوم التطوع في هذا الباب، بل تحدث عنه في باب جامع، فعسى أن أبلغه في شرحي، فأتكلم عليه.
стр. 930
• قوله:
٩ - «ومن أصبح فلم يأكل ولم يشرب، ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان؛ لم يجزه، وليمسك عن الأكل في بقيته، ويقضيه».
إنما لم يُعتد بصوم هذا الذي لم يأكل ولم يشرب، ووجب عليه القضاء؛ لأنه لم يبيت النية من الليل، وهي شرط في صحة الصوم، لكن جاء ما أخذ منه الاعتداد بصوم من لم يبيته من الليل إذا لم يأكل ولم يشرب، ثم علم أن اليوم من رمضان، وهو ما رواه الشيخان (خ/ ١٩٢٤) عن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: «أن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل»، وهو قول عبد الملك بن الماجشون كما في المعونة للقاضي عبد الوهاب والمنتقى للباجي.
قال الحافظ (٤/ ١٨٢): «وكل ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء، وقد جاء ذلك صريحا فيما رواه أبو داود والنسائي من طريق قتادة عن عبد الرحمن بن سلمة عن عمه أن أسلم أتت النبي ﷺ فقال: «صمتم يومكم هذا»؟، قالوا: «لا»، قال: «فأتموا بقية يومكم واقضوه»، انتهى، قال أبو داود: يعني عاشوراء، قلت: إن الحديث في مسند أحمد أيضا، ولا حجة فيه لأن «فاقضوا» زيادة تفرد بها عبد الرحمن بن سلمة وهو مجهول.
أما وجوب الإمساك على من علم أن اليوم من رمضان بعد ذهاب وقت النية؛ فدليله ما في الحديث المتقدم، ولحرمة الشهر، ولا فرق في وجوب الإمساك عندهم بين من لم يأكل ولم يشرب، وبين من فعل.
стр. 931
• قوله:
١٠ - «وإذا قدم المسافر مفطرا، أو طهرت الحائض نهارا؛ فلهما الأكل في بقية يومهما».
المسافر يجوز له الفطر والصوم، والحائض يحرم عليها الصوم، فإذا قدم المسافر من سفره مفطرا في النهار، أو طهرت الحائض نهارا؛ جاز لهما الأكل في بقية اليوم، ومثلهما المريض يصح، لأنهم أفطروا بوجه مشروع، ومثلهم المجنون يفيق، والصبي يبلغ، والكافر يسلم، والفرق بين هؤلاء وبين من أفطر، ثم تبين له أن اليوم من رمضان؛ أن الفطر جائز في حقهم في نفس الأمر وفي الظاهر، أما المفطر الذي لم يعلم أن اليوم من رمضان؛ فإنما جاز له الفطر في الظاهر، لا في نفس الأمر، ويستفاد ذلك من أمر النبي ﷺ بالإمساك يوم عاشوراء حين كان فرضا كما تقدم في حديث سلمة بن الأكوع.
ومن فروع هذه المسألة أن المسافر إذا قدم نهارا مفطرا وكانت امرأته قد طهرت من حيضها؛ جاز له قربانها، وقال مالك: «فإن كانت نصرانية وهي طاهر في يومها؛ فليس له وطؤها، لأنها متعدية فيما تركت من الإسلام والصوم»!!، وأحسب أنه لا يقول بالمنع، قال الشيخ علي الصعيدي العدوي في حاشيته: «وتحمل الكتابية - يعني التي يجوز لزوجها القادم من سفر قربانها - على من لم تكن صائمة، حيث لا يفسد الوطء صومَها في دينها، لأنه لا يجوز له إكراهها على ما لا يحل لها في دينها،،،»!!.
стр. 932
• قوله:
١١ - ومن أفطر في تطوعه عامدا، أو سافر فيه فأفطر لسفره؛ فعليه القضاء، وإن أفطر ساهيا؛ فلا قضاء عليه، بخلاف الفريضة».
الصوم أحد أشياء سبعة تجب بالشروع فيها في المذهب، وباقيها الصلاة، والاعتكاف، والطواف، والحج، والعمرة، والاقتداء، وقد تقدم ذكرها في كتاب الصلاة، وأثبت هنا ما قاله مالك في الموطإ في ترجمة «قضاء التطوع»، وهو يؤصل لمبدإ وجوب النفل بالشروع، بعد أن ثبتت بعض أفراده بالنص، قال: «ولا ينبغي أن يدخل الرجل في شيء من الأعمال الصالحة: الصلاة، والصيام، والحج، وما أشبه هذا من الأعمال الصالحة التي يتطوع بها الناس؛ فيقطعه حتى يتمه على سنته، إذا كبر لم ينصرف حتى يصلي ركعتين، وإذا صام لم يفطر حتى يتم صوم يومه، وإذا أهل لم يرجع حتى يتم حجه، وإذا دخل في الطواف لم يرجع حتى يتم سُبوعه، ولا ينبغي أن يترك شيئا من هذا إذا دخل فيه؛ إلا من أمر يعرض له مما يعرض للناس من الأسقام التي يعذرون بها، والأمور التي يعذرون فيها، وذلك أن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فعليه إتمام الصيام كما قال الله، إلى أن قال: «فكل أحد دخل في نافلة؛ فعليه إتمامها إذا دخل فيها، كما يتم الفريضة، وهذا أحسن ما سمعت».
وذكر المؤلف في هذه الفقرة ثلاثة أمور: إفطار الصائم عمدا في التطوع، وإفطاره نسيانا فيه وفي الفرض، وإنما لم يذكر الرابع وهو الفطر عمدا في الفرض لوضوحه، فالمفطر في التطوع ناسيا لا شيء عليه، والمتعمد من غير عذر، كشدة الجوع والعطش، أو أمر من تجب طاعته كالوالد؛ يجب عليه القضاء، ومثل العامد الجاهل في المشهور، وهكذا من أفطر في التطوع لأجل السفر، إذ لا قياس في الرخص، ولهذا قالوا لا يقدم الوتر مع العشاء المجموعة جمع تقديم، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ جوابا لمن سأله هل علي
стр. 933
غيرها؟، قال: «لا، إلا أن تطوع»، فإنه يحتمل أن يكون المعنى إلا أن تدخل في تطوع، فيلتحق بالواجب بالشروع فيه، فيكون الاستثناء متصلا.
ومن الأدلة ما رواه مالك في الموطإ (٦٨١) من حديث عائشة عن حفصة أنها قالت يا رسول الله إني أصبحت أنا وعائشة صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا طعام، فأفطرنا عليه، فقال رسول الله رسول الله ﷺ : «اقضيا مكانه يوما آخر»، وهو في سنن أبي داود (٢٤٥٧) والترمذي والنسائي، واختلف في وصله وإرساله، وهو ضعيف عند نقاد الحديث، لكن قال الحافظ في الفتح: «ورد من طرق كثيرة يتعذر معها الحكم بضعفه»، انتهى.
ولو ثبت وحمل القضاء فيه على الوجوب؛ لكان معارضا بما هو أقوى منه في الثبوت كما سيأتي، ومما احتجوا به على لزوم قضاء النفل بالشروع؛ ما صح من أن النبي ﷺ ترك الاعتكاف في إحدى المرات، ثم اعتكف عشرين يوما.
قالوا: هذا نفل لم يشرع فيه، ومع ذلك قضاه، فكيف بما شرع فيه منه؟، والجواب: أن النبي ﷺ كان إذا فعل شيئا أثبته، فلما فاته الاعتكاف، وكان ذلك عادته؛ قضاه، كما قضى راتبة الظهر بعد العصر حين شغله عنها وفد عبد قيس.
ومما يعارض ما سبق؛ قول النبي ﷺ لأم هانئ يوم الفتح حين أفطرت: «فلا يضرك إن كان تطوعا»، رواه أبو داود (٢٤٥٦)، والترمذي (٧٣١)، لكن جاء قوله لها: «إن كان قضاء من رمضان فاقضي يومًا مكانه، وإن كان تطوُّعًا فإن شِئت فاقضي، وإن شئتِ فلا تقضي» رواه أحمد والدارمي، ومنها قوله ﷺ : «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر»، رواه أحمد والترمذي (٧٣٢) عن أم هانئ.
وورد ذلك من فعله أيضا كما رواه مسلم (١١٥٤) وأصحاب السنن (د/ ٢٤٥٥) عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم من شيء؟، فقلنا: لا، فقال: «فإني إذن صائم، ثم أتانا يوما آخر فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: أرينيه، فلقد أصبحت صائما، فأكل»، الحيس بفتح الحاء وسكون الياء والسين المهملة يتخذ من السمن والأقط والتمر، فالصواب إن شاء الله: أنه يستحب قضاء صوم التطوع لمن أفطر عامدا، وهو استحباب مؤكد، وإلا فإن الاستحباب في الأصل قائم من غير قضاء.
стр. 934
أما الاستدلال على ذلك بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]، فقد رد بأن المراد الإبطال بالشرك والرياء، ولأن من أذن له الشارع في الفطر لضيافة ونحوها فقد أبطل عمله على وفق ما يقولون، قال ابن عبد البر: «من احتج في هذه المسألة بقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾؛ فجاهل بأقوال أهل العلم فيها،،،».
قلت: احتج بها ابن المنذر وغيره، وقد شنع الغماري على من احتج بها، وليس بمستقيم فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن يقال إن الأدلة قد دلت على جواز إفطار الصائم فيكون مستثنى، ولأن المضي في العمل وعدم تركه هو الأصل، قال ابن العربي في العارضة (٣/ ٢٧٢): «عول مالك على أن هذا الحديث يعضده المعنى من أنه خير شرع فيه، فلا يحسن نقضه، والحسن ما حسنته الشريعة، وحديث سلمان وعائشة المسند الصحيح أولى وأحق أن يتبع»، يعني بحديث سلمان قصته مع أبي الدرداء حين عزم عليه أن يفطر فأفطر وقال عنه الصادق المصدوق ﷺ : «صدق سلمان»، وهو في صحيح البخاري، لكن ابن العربي قال خلاف ما تقدم في المسالك (٤/ ٢٢٧)، وزعم أن أكل النبي ﷺ يحمل على أنه كان مجهودا بالجوع، وهي كانت غالب أحواله، فكان يصوم إذا عدم؛ رغبة في الأجر، ويفطر إذا وجد؛ للحاجة في الأكل»، انتهى.
قلت: هذا أمر فيه شناعة، وإن كان ظاهر بعض ألفاظ الحديث يعطيه، لأنه يجعل كلا من الصوم والفطر غير مقصود للنبي ﷺ ، بل هما تابعان لما ذكره من وجود ما يؤكل وعدم وجوده، وهذا لا يليق بحال الواحد العادي من أمته، فكيف بمن كان ربه يطعمه ويسقيه؟.
أما من أفطر في الفرض ناسيا؛ فعليه القضاء في المذهب، وهو المشهور، وهو ما بينه المؤلف بقوله: «بخلاف الفريضة»، قال مالك في الموطإ (٦٧٩): «من أكل أو شرب في رمضان ساهيا أو ناسيا، أو ما كان من صيام واجب عليه؛ أن عليه قضاء يوم مكانه»، انتهى، وحجتهم أن هذا لم يكمل العدة المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾.
قلت: إكمال العدة وارد في المريض والمسافر ونحوهما من المأمورين بالقضاء، ومن الحجج؛ أن المكلف مطالب أن يأتي بيوم سالم من الخرم، والأوامر لا تسقط بالنسيان.
قلت: هذا إن كان خرما فإن الشرع لم يعتد به، بل سمى الفاعل صائما، أما القاعدة
стр. 935
المذكورة فغير مطردة، وفي المسألة حديث أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : «من نسي وهو صائم، فأكل، أو شرب؛ فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه»، رواه الشيخان وأبو داود (٢٣٩٨)، والترمذي (٧٢١)، وهو كما ترى عموم يدخل فيه كل صائم، وقد حمله أهل المذهب على صوم التطوع لخفته بقرينة ما تقدم.
قال كاتبه: حمله على صوم الفرض أولى، لأن الفرض هو الذي يشترك في فعله المكلفون، وإنما يتطوع من شاء، قالوا: ولأن الحديث اقتصر فيه على الأمر بإتمام الصيام، ولم يذكر قضاء، ولا تعرض له.
قلت: النص المتقدم كاف في الدلالة على عدم القضاء، يدل عليه أنه قال فليتم صومه، فاعتبره صوما، وأمر بإتمامه، على أنه قد جاء ما هو نص في صوم رمضان عند الدارقطني: «من أفطر في شهر رمضان ناسيا؛ فلا قضاء عليه ولا كفارة».
قال القرطبي في تفسيره: «فزال الاحتمال، وارتفع الإشكال»، وقد علق ابن العربي القول به على صحته في شرحه المسمى بالقبس، وما دل عليه هذا الحديث نصا هو رواية أبي بكر الأثرم عن الإمام مالك، قال: «سمعت أبا عبد الله يسأل عمن أكل ناسيا في رمضان، قال: ليس عليه شيء على حديث أبي هريرة، ثم قال أبو عبد الله مالك: وزعموا أن مالكا يقول عليه القضاء، وضحك!!»، ذكرها القرطبي في تفسيره للآية (١٨٧) من سورة البقرة (٢/ ٣٢٢).
قلت: هذا كلام أحمد ﵀، وقد كنت أظن منذ سنين أنه كلام مالك لما في تفسير القرطبي من الإيهام لقوله: قال أبو عبد الله مالك وزعموا،،،»، ثم علمت أن الخلل الذي في نقل القرطبي هو الذي قادني إلى ذلك، وأن الأصل هو قال أبو عبد الله: مالك زعموا أنه يقول عليه القضاء، وضحك»، فظننت أن مالك عطف بيان وإنما هو مقول قول أحمد رحمهما الله، ثم إن الأثرم لم يسمع مالكا، وانظر الاستذكار لابن عبد البر (٣/ ٣١٩)، وللشيخ الطاهر بن عاشور في كشف المغطى كلام نفيس في تعليل الفرق بين إلزام المفطر الناسي بالقضاء في الصوم الواجب، وعدم إلزامه في التطوع، غير أنه إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، ولا تداني صبغة الله صبغة.
стр. 936
• قوله:
١٢ - «ولا بأس بالسواك للصائم في جميع نهاره».
هذا موافق لقول مالك في الموطإ (٦٩١): «إنه سمع أهل العلم لا يكرهون السواك للصائم في رمضان في ساعة من ساعات النهار،،،»، انتهى، وقد وردت مشروعية الاستياك من أقوال النبي ﷺ وأفعاله من غير قيد بزمان، وقد تقدم بعضها في الطهارة، فهذا وحده كاف في مشروعية الاستياك للصائم استصحابا للأصل، ولأنه ﷺ كان كثير الصوم، يصوم حتى يقولوا لا يفطر، وكان يصوم شعبان كله أو معظمه، فهل يقال إنه كان لا يتسوك كلما كان صائما وصومه كثير؟.
وقد جاءت مشروعية الاستياك في خصوص الصائم فيما رواه أبو داود (٢٣٦٤) والترمذي وقال حسن، وعلقه البخاري في صحيحه بصيغة التمريض عن عامر بن ربيعة قال: «رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم»، لكن فيه عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر، وهو ضعيف، ويوشك أن يكون متنه صحيحا لما ذكرت، وقد رام المصنف بقوله «في جميع النهار»؛ الرد على من رأى عدم مشروعية الاستياك في النصف الثاني من اليوم، لأنه لم يصح ما يؤخذ منه ذلك، وقد استدل قائله بكونه الزمن الذي يظهر فيه خلوف فم الصائم، والخلوف بضم الخاء تغير رائحة الفم لخلو المعدة من الطعام.
وقد رتب عليه من الفضل ما جاء في الموطإ (٦٨٩) والصحيح عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده؛ لخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، فالصيام لي وأنا أجزي به، كل حسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فهو لي، وأنا أجزي به»، لكن لا يلزم من هذا أن استبقاء تغير الرائحة مطلوب، بل المراد والله أعلم طمأنة الصائم بأن ذلك حيث وقع ليس بضاره شيئا، لأن صدور تلك الرائحة ليست من اختياره وكسبه حتى يكلف رفعها أو يؤاخذ
стр. 937
بها ولئلا يستقذره وينفر منه غيره في تلك الحال، ولعل مالكا إنما جمع بين القول الذي ذهب إليه في استياك الصائم، وبين الحديث الذي فيه ذكر خلوف فم الصائم؛ ليرد على من استنبط منه كراهة الاستياك، ونظير هذا أن لا تؤخذ مطلوبية استبقاء الظلمة وتعمد السير فيها من قول النبي ﷺ : «بشر المشائين إلى المساجد في الظلمات بالنور التام يوم القيامة»، رواه أبو داود (٥٦١)، فإن المقصود من حصل له ذلك اتفاقا، لما في السير في الظلمة من المشقة، ولا يؤخذ منه تعمد المشي في الظلمات لمن أمكنه أن يمشي في الضوء، وهكذا ما ذكر من الأجر في أبوال الخيل وروثها لمن رصدها في سبيل الله، والمشهور أن الاستياك يكون باليابس، لأن الأخضر يتحلل، فمن استاك به فليمُجه وقال ابن سيرين: «لا بأس بالسواك الرطب»، قيل: «له طعم»، قال: «والماء له طعم وأنت تمضمض به»، انتهى، وهو في صحيح البخاري، لكن لا يؤخذ منه عدم اللفظ.
стр. 938
• قوله:
١٣ - «ولا تكره له الحجامة إلا خيفة التغرير».
عمدة من منع الصائم من الحجامة؛ قول النبي ﷺ : «أفطر الحاجم والمحجوم»، جاء من حديث ثوبان، وشداد بن أوس، ورافع بن خديج، وأبي هريرة، وعائشة، وأسامة بن زيد (د/ ٢٣٦٧)، وقال السيوطي: متواتر، لكن روى البخاري وغيره عن ابن عباس أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم»، وورد أنه ﷺ نهى عن المواصلة والحجامة ولم يحرمهما، والنظر في مجموع الأدلة الواردة؛ يدل على واحد من أمرين: إما نسخ هذا الحديث إن كان المراد بما فيه الإخبار عن حكم شرعي، وإما أنه مؤول بإحدى التأويلات التي ذكرها أهل العلم، فيصرف بذلك عن ظاهره، وأمثل هذه التأويلات ما في الحجامة للصائم من التغرير إذ قد يضعف فيفطر، وما فيها للحاجم من الذريعة إذ يوشك أن يمتص شيئا من الدم فيفطر، فجاء التعبير عن المحتمل بالواقع، وقد ثبت أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم، وورد أنه ﷺ أرخص في الحجامة للصائم، رواه النسائي عن أبي سعيد.
وثبت الاحتجام حال الصيام عن ابن عمر وهو في الموطإ، وذكر البخاري جماعة ممن ثبت عنهم في صحيحه، والاحتجام يختلف عن التبرع بالدم في زماننا للفرق بينهما في الكمية المأخوذة، ولذلك لا يصح قياس هذا على هذا، ولو قدرنا أن مريضا توقفت سلامته على الدم المتبرع به مع عدم إمكان تأجيل ذلك؛ لكان سائغا لمن عنده فصيلته أن يتطوع بمده بالدم، ويفطر لما يلحقه من ضعف، ويقضي، والله أعلم.
стр. 939
• قوله:
١٤ - «ومن ذرعه القيء في رمضان؛ فلا قضاء عليه، وإن استقاء فقاء؛ فعليه القضاء».
يقال ذرعه القيء؛ إذا غلبه، واستقاء إذا استدعى القيء، وقد فرق الشارع بين الأمرين، فأوجب القضاء على من استقاء دون من ذرعه القيء، قال النبي ﷺ : «من ذرعه قيء وهو صائم، فليس عليه قضاء، ومن استقاء؛ فليقض»، رواه الأربعة (د/ ٢٣٨٠) و (ت/ ٧٢٠) عن أبي هريرة، وقال حسن غريب، وهو قول عبد الله بن عمر كما في الموطإ (٦٧٨) وفي المدونة: «إن ذرعه القيء؛ فلا شيء عليه، وإن استقاء فعليه القضاء».
стр. 940
• قوله:
١٥ - «وإذا خافت الحامل على ما في بطنها؛ أفطرت، ولم تطعم، وقد قيل تطعم، وللمرضع إن خافت على ولدها، ولم تجد من تستأجر له، أو لم يقبل غيرها؛ أن تفطر وتطعم، ويستحب للشيخ الكبير إذا أفطر؛ أن يطعم».
الحامل إذا خافت على حملها عند مالك؛ هي بمثابة المريض، تفطر ولا تطعم، وعليها القضاء، وقد صرح بإلحاقها بالمريض في الموطإ (٦٨٣)، ولم ير عليها الفدية، مع أنه أثبت في موطئه (٦٨٣) بلاغا قول ابن عمر أنها تفطر وتطعم وتقضي، وقد أشار إليه المؤلف بصيغة التمريض، وهو رواية ابن وهب عن مالك، أما المرضع؛ ففطرها لأجل غيرها، فعلة إفطارها خارجة عنها، فلم تشبه الحامل التي ألحقت بالمريض، فرأى أن الفدية واجبة عليها مع القضاء، والرواية الثانية مساواتها بالحامل، فتقضي ولا فدية عليها، أما الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم؛ فلا قضاء عليه ولا فدية، هذا هو ظاهر ما في المدونة، وقيل تستحب له الفدية، لأن الذي في المدونة نفي الوجوب، ولا يلزم من نفيه نفي ما دونه، ومرد الحكم فيمن ذكر إلى قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].
قال ابن عباس: «أثبتت للحبلى والمرضع»، رواه عنه أبو داود (٢٣١٧)، وظاهر هذا أنهما تفتديان ولا تقضيان، لأن مراده بالإثبات؛ أن الأمر كان على التخيير بين الصيام والإطعام عند نزول هذه الآية، ثم نسخ التخيير بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وبقي الحكم المنسوخ ثابتا للحبلى والمرضع، وكونها منسوخة هو في صحيح البخاري (٤٥٠٧) عن سلمة بن الأكوع، ومعنى ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ على هذا؛ يقدرون على الصيام.
وفي صحيح البخاري أيضا عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال ابن عباس ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا»، ويطوقونه في الآية على قراءة ابن عباس بفتح الطاء وشد
стр. 941
الواو، مبني للمجهول، أي يتكلفون الصوم بمشقة، فيفطرون ويُكَفِّرُونَ.
ويخالف رواية ابن عباس هذه ما رواه أبو داود (٢٣١٨) عنه في الآية وهو قوله: «كانت رخصة للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام؛ أن يفطرا ويطعما كل يوم مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا»، قال أبو داود: «يعني على أولادهما»، فهذه الرواية فيها المخالفة للتي قبلها في أمور منها إثبات الاستطاعة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، والكبير المستطيع وغيره في التكاليف سواء، وإنما الترخيص لمن لم يستطع، ومنها ما ذكره من أن الآية تشمل الحبلى والمرضع، لكن هذا لا يعد اضطرابا، لأن الرواية الأولى لا حصر فيها، والثالث قوله كانت رخصة،،، فإن معناه أنها نسخت، ولذلك حكم عليها المحدث العلامة الألباني بالشذوذ كما في الإرواء (ح/ ٩١٢) وبين أن الشذوذ أتاها من اختصار أصل الحديث اختصارا أخل بالمراد منه.
ومن أدلة المسألة؛ قول النبي ﷺ : «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم»، رواه أبو داود (٢٤٠٨) والترمذي (٧١٥) وحسنه عن أنس بن مالك القشيري، فجمع ﷺ بين المسافر والحبلى والمرضع في نسق واحد، وهذه دلالة اقتران، وهي وإن كانت ضعيفة؛ فإذا لم يأت ما هو نص يجب الأخذ به في تفسير الآية؛ اعتمد على ما دل عليه ظاهر الحديث من تساوي الثلاثة في القضاء باعتبار وجوبه على المسافر بالإجماع، وبالقياس عليه في الحبلى والمرضع، وهو الذي أميل إليه، وقد يختلف الأمر إذا توالى على المرأة الحمل والإرضاع، بحيث ينقضي الوقت الموسع، ولا تتمكنان من القضاء، ومثلهما كل من كان عليه صوم لم يتمكن من قضائه حتى انقضى الوقت الموسع؛ فليقل هنا بالفدية، ثم وجدت أن هذا مذهب الشافعي وغيره، وحكاه ابن المنذر عن مالك وغيره، ولينظر هنا شرح المهذب للنووي ﵀، ففيه بيان القائلين بهذا فلله الحمد.
أما ما ذكره المؤلف من الشرط في المرضع بقوله «ولم تجد من تستأجر له، أو لم يقبل غيرها»؛ فهو محل نظر، ومثل الأم المرضع المستأجرة متى كانت في حاجة إلى الأجرة، والله أعلم.
стр. 942
• قوله:
١٦ - «والإطعام في هذا كله؛ مد عن كل يوم يقضيه».
الإطعام في باب الصيام كله واحد، كفارة كان أو فدية، والمذكور منه في الكتاب والسنة هو الإطعام، قال الله تعالى: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وقال النبي ﷺ : «هل تجد ما تطعم به ستين مسكينا»، لكن اختلف العلماء في تقدير ذلك، والمذهب أنه مد بمد النبي ﷺ ، وهو ربع صاع، وهو في الموطإ (٦٨٣) عن ابن عمر بلاغا، وقال في المدونة: وكيف الطعام عند مالك؟، قال: «مدا، مدا، لكل مسكين»، ومن أشبع مسكينا من أوسط طعام أهله كفاه، وقد ورد ذلك عن أنس أنه أطعم بعد ما كبر عاما أو عامين كل يوم مسكينا خبزا ولحما وأفطر، علقه البخاري جازما في كتاب التفسير.
стр. 943
• قوله:
١٧ - «وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر».
الظاهر أن قضاء صوم رمضان واجب على التراخي، وأن زمانه يمتد إلى ما قبل رمضان المقبل، لكن الأولى مبادرة من ليس له عذر بالقضاء من غير خلاف، لظواهر النصوص الكثيرة التي فيها امتداح المسارعين إلى الخيرات، وهي تشمل المندوبات، والمفروضات أوكد منها، ويدل على أنه على التراخي قول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «إن كان ليكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان»، رواه الشيخان، (خ/ ١٩٥٠) وأصحاب السنن، (د/ ٢٣٩٩).
فمن أخر قضاء رمضان من غير عذر حتى دخل عليه شهر رمضان الذي يليه؛ فقد أثم، وعليه القضاء، ويفتدي بإطعام مسكين عن كل يوم مما أخر قضاءه، وفي المدونة (الكفارة في رمضان): «ما قول مالك فيمن كان عليه صيام رمضان، فلم يقضه؛ حتى دخل عليه رمضان آخر؟، قال: يصوم هذا الرمضانَ الذي دخل فيه، فإذا أفطر؛ قضى ذلك الأول، فأطعم مع هذا الذي يقضيه،،،» وقد استدل على ذلك بما رواه الدارقطني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في رجل مرض في رمضان فأفطر، ثم صح ولم يصم حتى أدركه رمضان آخر، فقال: «يصوم الذي أدركه، ثم يصوم الشهر الذي أفطر فيه، ويطعم عن كل يوم مسكينا»، لكنه ضعيف، والصحيح موقوف على أبي هريرة كما بينه الدارقطني، وعلقه البخاري عنه وعن ابن عباس بصيغة التمريض، وكلاهما في مصنف عبد الرزاق برقمي (٧٦٢٠) و (٧٦٢٨)، وروي الإطعام عن عمر وابنه ﵄، وقد مال البخاري إلى عدم الفدية محتجا بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولم يذكر الإطعام، وليس بجيد لأن الدليل لا ينحصر في الكتاب الكريم، وقد قيل إنه عن ستة من الصحابة لا مخالف لهم، فالأحوط الإطعام، وانظر فتح الباري ترجمة (متى يقضى قضاء رمضان)؟، وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٤/ ٣١٨): «الظاهر عدم الوجوب».
стр. 944
• قوله:
١٨ - «ولا صيام على الصبيان حتى يحتلم الغلام، وتحيض الجارية، وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة، قال الله سبحانه: «وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا».
هذا مما لا خلاف فيه، لأن الصبي ممن رفع عنهم التكليف، وقد سبق ذكر الحديث الذي رواه الترمذي (١٤٢٣) عن علي ﵁ مرفوعا: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل»، وبلوغ الأطفال يكون بأمور بعضها مشترك بين الجنسين، وبعضها خاص بكل منهما، فالمشترك نزول المني، ونبات شعر العانة، والخاص الحمل والحيض، وقيل إن الحمل ليس علامة، لأنها لا تحمل إلا وقد أنزلت، فيقال: الأمر كذلك، لكنه علامة ظاهرة على البلوغ، فيستند إليها في الأحكام التي للقاضي والإمام رعايتها، وذلك لا يعني براءة الذمة من التكاليف التي فرط فيها قبل ذلك، بل عليه أن يقدر الوقت الذي فات، ويتدارك ما فرط فيه، فإن لم يظهر شيء من ذلك؛ فببلوغ ثمانية عشر عاما، وقال ابن وهب هو خمس عشرة سنة، ووجه الأول أنه سن لا يبلغه أحد إلا أدرك.
قال في النوادر (في صيام الصغير): «والمعروف من قول مالك وأكثر أصحابه إذا فقد الحيض والاحتلام والإنبات؛ رفعا إلى سن لا يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك من سبع عشرة سنة إلى ثماني عشرة سنة، وقد أجابوا عن إجازة النبي ﷺ ابن عمر يوم الخندق وعمره خمس عشرة سنة؛ بأنه نظر إلى إطاقته القتال، وذلك أمر ظاهر للعين، ولم ينظر إلى بلوغه الاحتلام، فإذا بلغ الأطفال ذلك؛ وجب عليهم ما يجب على سائر المكلفين، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٦٠]، ووجه الدلالة منها أن الله تعالى لم يوجب عليهم الاستئذان فيما قبل الاحتلام إيجابه على الكبار، ثم أخبر أن ذلك واجب عليهم مثل الكبار إذا بلغوا الحلم، وأوامر الله تعالى التكليفية جنس واحد، فإذا وجب شيء منها؛ وجب غيره ما لم
стр. 945
تنعدم الاستطاعة.
لكن عدم وجوب الصوم على الصبيان إلا بالبلوغ؛ لا يلزم منه عدم مشروعية تدريبهم وتعويدهم عليه، ولا ينهض التفريق بينه وبين الصلاة بأن فيه تعذيبا للصغير بعبادة غير متكررة في السنة، فلا يتأتى فيه تمرين.
وقد أشار المؤلف في مقدمة كتابه هذا إلى قياس غير الصلاة عليها حيث قال» … فكذلك ينبغي أن يعلموا ما فرض الله على العباد من قول وعمل قبل بلوغهم، ليأتي عليهم البلوغ وقد تمكن ذلك من قلوبهم، وسكنت إليه أنفسهم، وأنست بما يعملون من ذلك جوارحهم».
وقد كان السلف يدربون الصبيان على الصوم، بل ورد ما يؤخذ منه أنهم كانوا يصومون الرضع بأمر النبي ﷺ ، وقد ترجم بذلك البخاري فقال (باب صوم الصبيان)، وقال عمر لنشوان في رمضان: ويلك وصبياننا صيام!!، فضربه، وساق بعده حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء (خ/ ١٩٦٠) في تصويم الصبيان.
قال الشيخ علي الصعيدي العدوي عند قول المؤلف وشارحه أبي الحسن (ولا صيام على الصبيان لا وجوبا ولا استحبابا): «أي فلا ثواب لهم، لأن الثواب إنما يكون في فعل ما يؤمر به الفاعل، قاله عج»، انتهى.
قال كاتبه: وما ذا يقال في التي قالت للنبي ﷺ عن حج الصبي: «ألهذا حج»؟، قال: «نعم ولك أجر»، مع أن الحج لا يجب إلا مرة في العمر، ثم ما هو الحج الذي أثبته النبي ﷺ للصبي ونحن نعلم أنه لا يجزئه عن حجة الإسلام بالنص؟، فلم يبق إلا أنه يؤجر على حجه، مع أنه غير مأمور به أمر إيجاب، فالحمد لله على فضله وإحسانه، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، ثم إن ذلك القول يخالف ما هو معروف في المذهب من كون الصبيان مخاطبين بغير الواجبات والمحرمات من الأحكام الشرعية، وقد ذكر ذلك ابن رشد في البيان وفي المقدمات، كما ذكره القرافي في كتاب اليواقيت في أحكام المواقيت، تجد هذا في شرح الشيخ علي بن عبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي لنظمه المسمى مراقي السعود عند قوله:
قد كلف الصبي على الذي اعتمي … بغير ما وجب والمحرم
стр. 946
• قوله:
١٩ - «ومن أصبح جنبا ولم يتطهر، أو امرأة حائض طهرت قبل الفجر، فلم يغتسلا إلا بعد الفجر؛ أجزأهما صوم ذلك اليوم».
لما كان الصوم إنما يجب في النهار، وكان الأكل والشرب وسائر المباحات تجوز في الليل إلى أن يتبين الفجر؛ فإن هذا ينتج جواز أن يصبح المرء جنبا وهو صائم، لأن الجنابة أثر الجماع، وهو كغيره من المفطرات مباح إلى تبين طلوع الفجر، وعن عائشة وأم سلمة ﵄ أن النبي ﷺ كان يصبح جنبا من جماع، ثم يغتسل ويصوم»، رواه مالك (٦٤٥) والشيخان (خ/ ١٩٢٥).
أما إن طهرت الحائض بعد طلوع الفجر؛ فإنها لا تدع الفطر بقية يومها كما تقدم، وقد أنكر مالك قول الأوزاعي الذي فيه أنها إن لم تكن أكلت؛ فلتتم صيام ذلك اليوم فقال: «ولقد احتمل عظيما من أفتى بهذا، وإن كان لرجلا صالحا، ولكنكم كلفتموه فتكلف»، وهو في النوادر (صيام الجنب والحائض).
стр. 947
• قوله:
٢٠ - «ولا يجوز صيام يوم الفطر، ولا يوم النحر، ولا يصوم اليومين اللذين بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا، واليوم الرابع لا يصومه متطوع، ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك».
صوم يومي الفطر والأضحى محرم بالإجماع، لا يصامان في نذر ولا في كفارة، ولو كان تتابعها واجبا، فقد روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري «أن رسول الله ﷺ نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر»، وهو في الموطإ (٦٦٩) عن أبي هريرة، والأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر هي أيام التشريق، وقد جاء فيها قول النبي ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله »، رواه مسلم (١١٤١) عن نبيشة وهو متواتر كما قال الألباني، وسميت كذلك؛ لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي تنشر للشمس لتيبس، وقيل في تسميتها غير ذلك، وفي الحديث دلالة على أنها لا تصام في الفرض، لكن ورد ما يخصص ذلك عند أهل المذهب؛ وهو أن يصومها المتمتع الذي لم يجد الهدي، لكونه مطالبا بصيام ثلاثة أيام في الحج، وأعمال الحج تفوت بانقضاء هذه الأيام، قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي»، رواه البخاري (١٩٩٨)، ولا يضر هذا الاحتجاج؛ أن يكون الفعل مبنيا لما لم يسم فاعله، لأن الذي له الترخيص هو النبي ﷺ ، ولو لم يصح الحديث مرفوعا؛ لأمكن الرجوع بالاستدلال إلى القرآن، لأن أعمال الحج لا تنتهي إلا باليوم الرابع، وقد أمر الله تعالى المتمتع الذي لم يجد الهدي بصوم عشرة أيام، ثلاثة منها في الحج، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فتكون الآية مخصصة لحديث نبيشة الذي تضمن النهي عن صومها، والمذهب أن هذا الحكم خاص باليومين اللذين بعد العيد، أما اليوم الثالث بعده؛ فإنه لما كان يوم اختيار في الرمي
стр. 948
والمبيت؛ كان أمره أخف، فلا يصام في التطوع، ولكنه يصومه من نذره، أو من شرع قبله في صوم واجب التتابع.
واعلم أن الحافظ ﵀ قد قال في الفتح باب صيام أيام التشريق (٤/ ٣٠٩):»،،، فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإذن، وعموم الحديث المشعر بالنهي، وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد؛ نظر لو كان الحديث مرفوعا، فكيف وفي كونه مرفوعا نظر، فعلى هذا يترجح القول بالجواز، وإلى هذا جنح البخاري»، انتهى.
وإنما أثبت كلامه ﵀ لأنه قد يلتبس على قارئه الأمر، فإن الآية خاصة بمن لم يجد الهدي، فيصوم في الحج، وتلك الأيام داخلة فيه، وحديث نبيشة عام فيمن لم يجد الهدي وغيره، فنخصصه بها، فلا يواجهنا اختلاف العلماء في تخصيص المتواتر بالآحاد، ثم إن الحافظ كما ترى قد ذهب وهله في كلامه السابق إلى حديث عائشة، ومراده حديث نبيشة، لأن حديث عائشة هو الذي اختلف في الترخيص الذي فيه هل هو من النبي ﷺ ، أو من غيره، أو هو مما فهمته أم المؤمنين وغيرها من الصحابة من الآية المذكورة، وعلى هذا فلا يكون مرفوعا، أما حديث نبيشة؛ فإنه صريح في الرفع كما لا يخفى، ولأن حديث عائشة داخل في عموم الآية، فلا يصح القول بالتعارض بينه وبينها، وقد نقل المباركفوري في التحفة كلام الحافظ من غير أن يعلق عليه.
стр. 949
• قوله:
٢١ - «ومن أفطر في نهار رمضان ناسيا؛ فعليه القضاء فقط، وكذلك من أفطر فيه لضرورة من مرض».
تقدم أن من أفطر في رمضان ناسيا؛ فعليه القضاء، وذلك مخالف لحديث أبي هريرة الصحيح الصريح، وقد بين المؤلف هنا أن عليه القضاء فقط، يعني بذلك أن لا كفارة عليه، سواء أفطر بأكل أو شرب أو جماع، ويظهر أنه رام بقوله فقط؛ الرد على من ذهب إلى وجوب الكفارة عليه إذا نسي فجامع، وهو رواية ابن الماجشون وابن نافع في الواضحة عن مالك قال: «إن من وطئ في نهار رمضان ناسيا؛ فعليه الكفارة» النوادر (٢/ ٤٧)، وقد استند من قال بذلك إلى حديث الكفارة، فإن الرجل حين قال «هلكت وأهلكت»، لم يستفصله النبي ﷺ : هل فعل ذلك عامدا أو ناسيا؟، وترك الاستفصال في وقائع الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال، قال ابن أبي زيد عن ابن الماجشون عقب ما تقدم: «واحتج أن الذي قال للنبي ﷺ : وطئت أهلي، ولم يذكر عمدا، ولا سهوا».
قلت: لم يذكر ذلك صراحة، لكن القرائن المحتفة يتبين بها أن الرجل تعمد ذلك، منها قوله: هلكت، وقوله احترقت، ومنها نتفه شعره، والرواية التي عليها قول المؤلف هي في المدونة، «قال: أرأيت من أكل أو شرب أو جامع امرأته في رمضان ناسيا أعليه القضاء في قول مالك؟، قال نعم، ولا كفارة عليه».
أما الفطر لأجل المرض؛ فهو منصوص القرآن، وفي كتاب الله إطلاق إباحة الفطر للمريض، فإن كان شديدا يخشى معه على النفس وجب الفطر، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، وإن كان المريض بحيث يقدر على الصوم؛ كان الفطر مباحا للإطلاق المذكور، لكن الذي في المذهب وهو قول الجمهور أنه إنما يفطر إذا شق عليه الصوم مع المرض، أو خاف طوله، أو زيادته، أو تأخر برئه، فإن
стр. 950
أفطر لمجرد المرض من غير شيء مما تقدم؛ فعليه القضاء والكفارة في المذهب، وإيجاب الكفارة على هذا ليس بالمرضي.
وفي العتبية قال ابن نافع عن مالك: «رأيت ربيعة أفطر في مرض له، لو كان غيرَه قلت يقوى على الصوم، فإنما ذلك بقدر طاقة الناس».