السؤال فوُجِد معه خمسة عشر دينارًا عتيقة وأشرفيتان (١) مساعيد وبعض محلقة له مربوطة على وسطه، فتعجّبَ الناس لذلك وقستْ (٢) قلوبهم لهذه الفِعْلة، وصار التجار يتحجّبون عن الفقراء بسبب ذلك.
وفي يوم الثلاثاء ثاني تاريخه سافرتْ الشريفة أم الكامل ابنة عجل وأختها الشريفة بيدح إلى الفريق (٣) بطلب السيد الشريف بركات لهما على ما يُقال.
ووصلت إلى مكة قافلة من اليمن فيها سمن، فنزل سعر السمن إلى عشرة محلقة ونقص عن سعره الأول محلقين، فالله تعالى يرخّص الأسعار.
وفي يوم الأربعاء عاشر الشهر بِيعَ الأرز كلّ ربعية بعشرة محلّقة ونصف وعُدِم بقية الحبوب. ووصلتْ قافلة من اليمن فيها سمن فاشتراه بعض سوقة جدة لكون السعر بها بلغ ثلاثة أرباع دينار فعُدِم السمن من السوق، فلله الأمر من قبل ومن بعد ذلك.
وفي يوم الخميس ثاني تاريخه أشيع بمكة وصول جلبتين من الشام وجلبتين من اليمن فيهما حبّ وأن الوزير بجدة الجمالي محمد بن راجح أمر بفتح شونة (٤) مخزون فيها حب للبيع على أهل جدة فرخص الحب بها وبيع كل إردب بستة عشر دينارا ذهبا (٥) وكل ربعية بأربعة محلقة ونصف وبخمسة.
стр. 107
وفي يوم الجمعة ثاني عشر الشهر جُلِبَ حمول حَبّ إلى مكة فوُضعتْ عند الحناطين في السوق فتباشر الناس بها وبيعت الغرارة المصرية بألف محلّق وأربعين محلقًا، جملتها ثلاثة وأربعون (١) دينارًا، وباع السوقة على أيديهم كل ربعية حب مصرية بخمسة محلقة ونصف.
وفي ظهر تاريخه قرأتُ مع جماعة من الفضلاء جميع صحيح البخاري خلا اليسير في أجزاء مفرّقة ودعونا الله تعالى عقب ذلك برفع الشدة عن المسلمين وذهاب (٢) الغلاء عن بلد الله الأمين، فالله تعالى يستجيب دعاءنا، وينصرنا على أعدائنا، ويؤمّننا في أوطاننا، وينصر سلطاننا.
وفي صلاة عصر يوم الجمعة المذكور قَنَتَ إمام الشافعية، ودعا الله تعالى بدفع البَلِية.
وفي يوم الإثنين خامس عشر الشهر حصل بمكة مطر غزير أرجو من الله تعالى حصول النفع به.
وفي يوم الخميس ثامن عشر الشهر ماتت المرأة الكامل شاذنة ابنة محمود الناخوذة أم الجمال محمد بن علي الفرّاش الشهير بالناخوذة، لجدّه لأمّه. فصلّي عليها عند باب الكعبة بعد صلاة العصر وشيّعها جماعة من الفقهاء وغيرهم لأجل ولدها، فإنه عنده حشمة ومودّة للناس، وعمِل لها ختمًا بالمعلاة في صباح يوم الأحد رابع يوم وفاتها حضره القضاة والفقهاء.
وفي يوم السبت عشريْ الشهر وصل لمكة أحمال من السمن فبيع كل رطل بثمانية
стр. 108
محلقة في السوق، ونادى المحتسب بأن يباع بسبعة محلقة، فتشوش أهل السوق لذلك وعزلوا دكاكينهم وقالوا: لا يخلصهم السمن من السوق، وصار يباع بالدس في البيوت بما أرادوا من الأسعار.
ثم في الإثنين ثالث تاريخه أنعم الله تعالى بوصول قافلتين من اليمن والشرق فيهما سمن كثير فبيع الرطل بسبعة محلقة ثم تناقص في هذه الجمعة إلى أن وصل لأربعة محلقة ونصف، وبأربعة.
وفي ليلة الثلاثاء ثالث عشريْ الشهر دخل الخواجا سلطان بن محمد بن علي الفومني العجمي على البنت البالغ زينب ابنة قاضي القضاة الحنفيّ المرحوم نور الدين علي بن أبي الليث بن الضياء القرشي العمري. وكان عقده في ظهر الجمعة تاسع عشر الشهر بمباشرة شقيقها القاضي أبي السرور بن أحمد وحضر ذلك عمّها فقط ولو كان أخوها الكبير بمكة ما فعّل ذلك ولا رضي به. وهنأهم بعض الناس في صباحية الدخول ولم يعمل لهم معمولا (١) على عادة أهل مكة بل مرّ الطيب بمفرده. وبعد الفراغ عُملت سفرة صغيرة لأهل البنت. فالله تعالى يجعله مباركًا عليها ويثيب المرأة، ويجعله مباركًا عليها وعلى أهلها.
وفي يوم الثلاثاء المذكور وصلتْ قافلة من المدينة الشريفة فيها الشيخ محمد بن مرزوق اليماني المعتقَد، وصحْبته جملة أوراق اطلعتُ على بعضها فيها الإخبار بغلو المدينة بحيث بيع فيها الحب المدني وهو ثلاث رباعي مكية بخمسة عشر محلقًا، والسمن كل رطل مصري بتسعة عشر محلقا، وعُدِمَ فيها الماء والخضَر، واشتد ذلك عند دخول الحاج الشامي. فالله تعالى يُرخّص أسعار المسلمين، ويكتب السلامة على الحجاج
стр. 109
والمسافرين، في البر والبحر من المسلمين.
وفيها: أنه مات بالمدينة قاضيها الحنفي كان سعد الدين سعيد ابن قاضيها أبي الفتح الزرندي رحمه الله تعالى وهو مفصول عن القضاء مدة ثلاث سنين، وكان عاقلًا ساكنًا وبيْننا وبينه مودة ورفقة في السفر، وخلف والده وأخا غائبًا في الروم، عوّضهم الله تعالى فيه خيرًا.
وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه وصل الخبر لمكة أن جلْبَة من زْيلَع وصلتْ إلى جازان وأخبرتْ كُتُبُها أن الحب فيها رخيص ثمن كل طنم (١) تسعة أشرفية، فتباشرَ أهل مكة بذلك ونزل سعر الحب الحنطة كل ربعية بخمسة محلقة واللقيمية والذرة والدخن بستة محلقة والربعية الزبيب بأربعة محلقة والرطل التمر بمحلقين إلّا ربعًا، وظهر كثير من ذلك في السوق، فالله تعالى يزيد من الرخص ويكثر الخير على المسلمين، خصوصا جيران بلد الله الأمين.
وفي يوم الخميس خامس عشريْ الشهر اتفقتْ (٢) كائنة غريبة يجب علينا إيرادها ليُسْتفاد عن حكّام زماننا، وهي أن قاضي الشافعية الصلاحي بن ظهيرة المكي حكم لوالدي حكما في سنة ٩٢٢ هـ بِسبَب أنّ شخصا تاجرا يُقال له جلال الدين القرشي خاصَمنا في جِدار تحت ظِلّة لنا سقط من مدة ثلاثين سنة وأراد الوالد إعادته فتواصلا إلى القاضي المذكور وأثبَته الوالد عنده بحضور الخصم بشهادة خطيب المسلمين محب الدين النويري وثلاث نسوة غيره، وحكم بموجب ذلك، فاشتد شقاق الخصم لمجرد عناده لنا فلازم حكّام البلد وذلك مدة ثلاث سنين، فلما مات الوالد رحمه الله تعالى لازم الخصم
стр. 110
في ذلك فنقض حكمَهُ وطلبني وأشهد مَن حضر عنده أنه رجع عن حكمه، فسألته عن السبب فقال: لم يستوف (١) الوجهَ، فقلتُ له: مذكور في المستند استيفاء ذلك. فقال: ظهر لي بعد ذلك عدم الاستيفاء. فطلبتُ منه كتابة مستند بسبب رجوعه، فتألم لذلك ثم مشى في الصلح بقسْم الجدار نصفين يترك أحدهما لمرور الخصم ويبقى لنا الثاني، فوافقتُ على ذلك كرهًا، وعند الله يجتمع الخصوم. وهذا حال حكّام هذا الزمان في بيع الدين بالدنيا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وفي يوم الجمعة ثاني عشريْ الشهر نزل سعر الحب المصرية فبيع كل ربعية بأربعة محلقة بل وثلاثة ونصف. وسبب ذلك وصول البحرية من جانب مصر واليمن، السبعة وصلتْ إلى مراسي جدة، وأن الأمير مرجان حاكم بندر عدن أمر أصحاب الجلّاب الذين عنده بالتوجّه إلى زيْلع وشحنتها حبًا لأهل مكة. جزاه الله خيرًا، وأعانه على فعل الخير.
وفي ليلة الجمعة ثاني عشريْ الشهر سقطتْ بيوت كاتب الأسرار الشريفة المقرّ الزيني بن مزهر التي في المروة الموقوفة بمكة، ومات تحت الهدْم رجلان مملوكان.
وفي يوم تاريخه طُلّقتْ زينب ابنة القاضي نور الدين بن الضياء المتقدم زواجها في يوم لكونها ما وافقتْ الزوج على بعض أغراضه الفاسدة، ووقعت بينهما مقابحات، نسأل من الله سترها وأن يعوّضها عوضه خيرًا منه وكذا أهلها.
وفي آخر الشهر سقط بيت القاضي برهان الدين بن ظهيرة الكبير الذي بحارة قريش طيْحَةً كبيرة في الزقاق، فسلم المارة والسكان لنقلتهم منه.
واتفق في أول الشهر هذا سقوط منزلي الذي أنا ساكن به، وقف الوالد ﵀،
стр. 111
وسلّمنا الله منه وعمّرتُه بسرعة ولله الحمد. وطاح بمكة جملة بيوتٍ من الأمطار.
ومات في هذا الشهر من الفقراء الطّرَحَاء في الأزقّة جوعًا وبردًا مائة وتسعون نفسًا كبيرًا على صغير، كما أخبرني بذلك الناظر على وقف الطّرَحاء الشيخ محمد الحطاب المالكي نفع الله به.
وفي يوم الإثنين تاسع عشريْ الشهر ماتتْ سيّدة التجّار أم الخواجا ولي الدين القويضي الشامي، وصلّى عليها بعد صلاة العصر، وشيّعها جماعة من الفقهاء والتجّار، ودُفنتْ بالمعلاة وولدها غائب بجدة، رحمها الله تعالى وإيانا.
شهر صفر الخير استهل في ليلة الثلاثاء ولم يره أحد من سنة ٩٢٥ هـ (١٥١٩ م)
وثبتَ في النهار عند قاضي القضاة الشافعي بشهادة جماعة من أهل مكة والغرباء.
وفي عصره وصل الخبر إلى مكة أن جلبة من زيْلع وصلتْ إلى جدة فأخبرتْ كتُبُها أنّ خلْفهم عدة جلاب، ونزل سعر الحب المصرية إلى أربعة محلّقة.
وفي ليلتها دخل الخواجا بركات الحلبي على زوجته البكر البالغ السيدة أم الحسين ابنة قاضي القضاة نور الدين علي بن الضياء الحنفي المكي في منزله. وقصده الناس للتهنئة بها. واستقلّ الناس عقْل أمّها بما وقع منها في زواج الأولى على الغريب ثم الثانية، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي يوم الخميس ثالث الشهر وصل قاصد الأمير قاسم الشرواني ممسك مملوك ترسن بن رجب الرومي لكونه أرسل إلى اليمن فكاتَب في قتل قاصده إليهم، وهو
стр. 112
يوسف الجاركسي التاجر، فإنه بلغَه مقتله في اللحيّة (١)، ويقال إن الأمير إسكندر متملك زبيد جهّزه من بلده بعد الإنعام عليه بمائتي دينار ورسم له بعشرة ورق حَبِّ في اللحيّة وأمره أن لا ينزل إلى الساحل خوفا عليه من الأتراك الذين من جهة قاصده الذي أرسل في موسم سنة ٩٢٣ هـ وقتله الأمير مصلح الدين الرومي. فقدّر أنه كان في جلبة فتبعه جماعة وأنزلوه من الجلبة وقتلوه بالحديْدة (٢) وأخذوا ما معه وقدرها مبلغ سبعة آلاف دينار. فلما سمع رجب بهذا الخبر اختفى، وأشيع أن الأمير إسكندر الجاركسي متملك اليمن وصل إلى جازان لنجدة صاحبها المهدي لرأي القرائر (٣) على قتال البغاة القُرب (٤) أهل حلي، وصُحْبته مائة مملوك خيالة وثلاثمائة راجل.
وأشيع أنّ الشريف بركات صاحب الحجاز قصد أهل حلي ووصل إلى محل يقال له دوقه (٥) وصار بينه وبينهم ثلاثة أيام وأن القرب راسلوا في الصلح فطلب منهم إعطاء الخيل والدروع، فتوقّفوا في ذلك وقالوا: نعطيك مالًا مُقَسّطًا في كل عام، فما رضي بذلك وأرسل إلى مكة لطلب راناه لحفله (٦) فالله تعالى يلطف به وينصره على عدوه (٧) فإنه (٨) بركة الحجاز، والمرجع إليه في الحقيقة لا المجاز.
стр. 113
وفي يوم تاريخه نزل سعر الحب محلقا وبيعت الربعية المصرية بأربعة محلقة بسبب إشاعة وصول ثلاثة جلاب إلى جدة فيها حب من زيْلع، وأنه وصل إلى عدن ثلاثون جلبة من الهند مشحون سفلها حبًا (١) فبيع فيها كل ثلاثة رباعي بمحلق، فالله تعالى يحقق ذلك ويُرخّص أسعار المسلمين بجاه سيد الأولين والآخرين (٢).
وفي صبح يوم الجمعة رابع الشهر شَنَق في المدعى الحاكم بمكة مبارك بن بدر عبْدًا للعرب يقال إنه قتل صغيرًا في الوادي كان يرعى بقرة وأخذها منه وذبحها.
وفي ليلة الأحد سادس الشهر نعي على يوسف الجاركسي زوجته الجديدة زبيدة ابنة إمام الحنفية شهاب الدين البخاري، ودخلتْ العدّة، وذكر أهلها أنه اختلى بها قبل سفره، ولم يُسمع بذلك قبل تاريخه، بل أشيعت (٣) عنها قبائح، الله تعالى يستر الأحوال، وذلك انتقامًا من الله لأبويها، وأنّ من شقّ جيوب الناس شقّ الناس جيوبه، فنسأل الله السلامة.
وفي ليلة الثلاثاء ثامن الشهر دخل الخواجا المحترم الرئيس تقي الدين أبو بكر بن قرموط الحلبي، الذي والده معلم دار الضرب، على زوجته البنت البالغ كمالية ابنة القاضي تقي الدين محمد ابن قاضي القضاة برهان الدين بن ظهيرة بمنزله في الجمعة الماضية، ونصتْ على أقاربها الرجال والنساء، وألصقوا عليها، ولم يحضر الزوج ذلك بل صلّى العشاء في المسجد الحرام وتوجّه إلى منزلها بحارة بني ظهيرة من السويقة وصُحْبته جميع التجّار من الشاميين والحلبيين في موكب حفل، ودخل عليها بمفرده عند انصراف
стр. 114
النساء.
وفي صباح تاريخه قصده الناس للتهنئة، فالله تعالى يجعل كلًا منهما مباركًا على الآخر بمحمد وآله.
وفي يوم الخميس عاشر الشهر ارتفعت الأسعار في الحسب بل عُدِم في السوق وظهر شيء من اللقيمية (١) كل ربعية (٢) بسبعة محلقة، والتخلية والدخن والذرة كل ربعية بخمسة محلقة ونصف.
وسبب ذلك وصول قافلة من جدة وأخبروا بوصول (٣) جلاب إليها من اليمن فيها حب وأن الوزير بها الجمالي محمد بن راجح احتكرها ومنع بيعها حتى ينفق حَبّه الذي خَزَنه في حواصله، فرماه على السوقة كلّ ربعية بأربعة محلّقة وهم يبيعونه بزيادة نصف، فتضرَّر الناس بذلك، فالله تعالى يزيل ضررهم ويُرخّص أسعارهم.
وفي يوم السبت ثاني عشر الشهر وصل إلى مكة قفل من اليمن فيه سمن كثير بيع المنّ (٤) بأربعة أشرفية ونصف يستقيم كل رطل بأربعة محلقة إلّا ربعا، وباع السوقة بذلك أول النهار ثم طلّعوا سعره آخر النهار بأربعة محلقة. وظهر في السوق لحم كثير سمين وبيع الرطل الضاني بمحلق والماعز رطل وربع، وكثُر اللبن لكنه غال، وهو أنقص من العادة يسيرًا. وأخبر العرب أن المرعى كثير والخصب مربع لكن غلو الحب أوجبَ غلو الأقوات، فإن المتسببين لها يطلبون نَفَاق ما معهم لدورانه حبا يبيعونه (٥).
стр. 115
وفي ثاني تاريخه وصل الخبر إلى مكة أن الشريف بركات وصل إليه الشيخ الطواشي وليّ أهل حلي وأميرهم قيس في طلب الصلح بينه وبين القرب، فقال لهم: لا بد لي مِن دخول بلادهم وأخذ الخيل والدروع منهم، فتوقفوا في إعطائها له حتى تسافر الأتراك من عندهم ويعطونه (١) عوضها نقدًا، فما رضيَ بذلك، فالله يقدر له وللمسلمين خيرًا.
وأشيع أن الأتراك وأميرهم إسكندر قتلوا صاحب جازان الهندي، ويقال أخوه عز الدين، لكونه طلبهم لنجدة أخيه ومساعدته على القرب، فلما وصلوا لبلد جازان بلغهم أن الشريف ما جاء لليمن إلا لمحاربتهم، فتشوّشوا من صاحب جازان من ذلك. ويقال إنهم قصدوا مواجهة الشريف، فالله تعالى يخذلهم وينصره عليهم.
وسمعتُ أن الشريف أرسل لنائب جدة قاسم الشرواني يطلبه إليه لقتالهم وأنه أشحنَ غرابين بجدة لسفره لليمن. أعانه الله على ذلك وقدّرَ للمسلمين خيرا.
وفي يوم الإثنين رابع عشر الشهر وصل قفل مِن ينبع ومعهم حبّ وتمر وسمن فوجدوا سعر الجميع ناقصًا (٢) عن رأس مالهم، فإنهم اشتروا الحب من سعر الربعية المصرية بخمسة محلقة وهي في مكة بذلك وخسروا الكراء، والرطل التمر بمحلق وفي مكة رطل وربع، والمن من السمن بستة أشرفية وفي مكة بأربعة ونصف، فخيّبَ الله ظنهم وإنه اجتمع جماعة من المتسبّبين بالخان (٣) وأولاد العرب فتوجهوا بحرًا لينبع لأجل شراء القوت وتحْكيره، فالله تعالى يخذلهم ولا يربح متجرهم.
стр. 116
ووصل معهم من بعض أهل المدينة الشريفة أوراق فيها إخبار بأنّ الحاج الشام الشامي تعرّض له بعض شيوخ بني لام (١) ويقال له جغيمان (٢) قريب بلد العُلا ووقعت (٣) بينهما محاربة ثم اصطلحوا على ثلاثة آلاف دينار، وقيل ثلاثين ألفا يدفعونها (٤) له عوض ضرره في السنين الماضية. وكان طلب منهم ذلك في مجيئهم فلم يدفعوها، فخاط الناس في ذلك وماطوا وزادوا ونقصوا، فالله تعالى لا يّحقق ذلك ويكتب سلامتهم.
وفي يوم الأربعاء سادس عشر الشهر سافر قفل إلى ينبع وامتاروا من مكة سمنًا كثيرًا فطلع السعر بها كل رطل بأربعة محلقة وربع، وصار لا يوجد في السوق وذلك من عدم الْتِفاتِ الحكّام لهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وسافر صحبتهم جماعة من أهل مكة للسفر إلى القاهرة بحرا لتَعَبهم من جهة غلُو الأقوات، فالله تعالى يرخيها.
وفي يوم الجمعة ثامن عشر الشهر وصل إلى مكة الخبر بأن ثلاثة جلاب من القصير دخلوا بندر جدة فيها حب فنزل السعر بها كل ربعية إلى ثلاثة محلقة ونصف، والإردب باثني عشر أشرفيًا، وبيع الحب بمكة، المصرية الربعية بأربعة محلقة بعد أن بلغت خمسة، والدخن بخمسة محلقة بعد أن بلغ ستة، وكذا غيرهما من الحبوب، فالله تعالى يزيد من رخص الأسعار، فإن الناس هلكوا من غلائها.
стр. 117
وفي هذه الجمعة ترك أئمة الشافعية القنوت في الصلوات مع وجود النازلة في الغلو وما عرفتُ مقصدهم في ذلك. ولعله تمام الشهر كما اتفق للنبي ﷺ في دعائه على بعض العرب شهرًا، وفي ثامن عشر الشهر كان تمام الشهر.
وفي ليلة الإثنين حادي عشريْ الشهر ماتت سعادة ابنة الشرفي أبي القاسم بن أحمد بن (١) الدويد المكي زوجة رئيس المؤذنين فخر الدين أبي بكر أم أولاده. فجهّزت في ليلتها وصُلّي عليها عند باب الكعبة بعد صلاة الصبح وشيّعها جماعة من الفقهاء وغيرهم لأجل زوجها ودُفنت بتربة سلفه بشعب النور (٢) من المعلاة وحزن عليها كثيرًا (٣) وخلّفتْ ذكرين وبنتا وأخًا. ويقال إنها تركتْ مصاغًا وبعض نقد وهو من همة زوجها لأنه كثير التحصيل والإنفاق على أهله، رحمها الله تعالى وعوض زوجها وأولادها خيرًا.
وفي يوم تاريخه قُطعت يد سارق ورجله بالمسعى بأمر مرشد ابن أخت الحاكم مبارك بن بدر. فلمّا سمع خاله لم يرْضَ بذلك وتكلّم عليه. وظهر في هذه الأيام كثير من السرقة في البيوت والشوارع حتى في أخذ الأبواب والخشب وذلك لجوعهم، فلا قوّة إلا بالله.
وفي يوم الخميس رابع عشريْ الشهر وصل جماعة من المدينة الشريفة مع أوراق لجماعة فيها الإخبار بغلو الأسعار بها، بِيعتْ الربعية الحب المصرية بخمسة محلقة والرطل السمن بخمسة عشر محلقًا والرطل اللحم بمحلقين. وطلب بعض أهلها شراء سمن من مكة
стр. 118
ويخشى من غلوه بها لذلك، فالله تعالى يفرّج عن المسلمين ويرخّص أسعارهم.
وفي ليلة الجمعة ثاني تاريخه ماتت أم الحسين ابنة صاحبنا الخواجا أبي الخير ابن الفريوات الدمشقي وعمرها نحو عشرة أشهر فصلّي عليها بعد صلاة الصبح ودُفنتْ بالمعلاة في تربة بيت المشيني أجداد أمّها، وشيّعها جماعة من الفقهاء والتجار، وبعد الفراغ من دفنها عمل الرئيس فخر الدين أبو بكر ختمًا لزوجته حضَره القاضيان الحنفي والمالكي وكثير من الفقهاء وغيرهم.
وفي صبح يوم الأحد سابع عشري الشهر وصلت أوراق من المدينة الشريفة لجماعة من التجار فيها أخبار شنيعة بأخذ الحاج الشامي بالقرب من العُلا. وذلك أن بعض شيوخ بني لام يقال له جغيمان جمع لهم عرب المفارجة وعنزة وجلس لهم في الطريق فلما حاذوه خرج عليهم فقاتلهم عند محفة زوجة نائب الشام المقر الكافلي جان بردى الغزالي، فقتل من الشاميين نحو سبعين نفسًا وأخذ العرب منهم ألفًا وثمانمائة جمل بحمولها للتجار الشاميين منهم القاضي بدر الدين البكري، وصالَحَ الحلبيون والأروام عن أنفسهم بخمسة عشر ألف دينار حتى سلموا من النهب وأعطوا العرب رهائن (١) منهم حتى يجْبُوا لهم المال، فقُدّر أنهم جَبَوّا لهم ثمانية آلاف، واستفدى بعض الشاميين حمولهم وحريمهم بِنَقْدٍ غير ذلك منهم القاضي تقي الدين القاري الناظر على أوقاف الحرمين الشريفين بالشام اشترى زوجته وولده بثلاثين دينارًا. ثم بلغ العرب وصول نجدة من الشام لهم نحو خمسمائة رامٍ بالقوس والنفط على رواحل مردفة ووراء هم غير ذلك، فهربوا عنهم بما أخذوه ولم يستكملوا المال. وبعد هربهم وصل إليهم الأمير محمد بن قرقماس وصحبته العساكر المتقدم ذكرها وأخبروا أن نائب الشام وراءهم والله أعلم
стр. 119
بحقيقة الحال فعند سَماع هذه الأخبار تشوّش التجار المقيمون بمكة وغيرهم. فالله تعالى يلطف بالمسلمين، ويكتب سلامة المسافرين، ويختم بخير آمين.
وفي ظهر تاريخه توفي الفقيه الأصيل فخر الدين أبو بكر ابن الشيخ كريم الدين عبد الكريم بن محمد بن ظهيرة القرشي الحنبلي فجهّز في يومه وصلّي عليه عند الحجر الأسود بعد صلاة العصر كعادة بني ظهيرة قريبُه قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وشيّعه خلق من الفقهاء وغيرهم، ودُفن بالمعلاة على قبر أبيه عند تربة الشيخ علي الشولي، وحزن الناس عليه كثيرًا وأثنوا عليه خيرًا. وكان صغير السن عمره نحو ثمان وعشرين سنة، وكان كثير الحشمة والمروءة وطرح التكليف، وخلف أخًا غائبًا بجدة المعمورة وثلاث أخوات، رحمه الله تعالى وعوضهم فيه خيرًا، وعُمِلتْ له رَبعة بالمعلاة صباحًا ومساءً مدة ثلاثة أيام وختم له يوم الرابع وهو يوم الخميس.
وفي يوم الثلاثاء سادس عشريْ الشهر وصل الخبر من جدة أنّ جلابًا وصلتْ إليها من ينبع فيها بعض أهل مكة، وأخبروا أن جلابًا وصلتْ الينبع من الطور فيها الشهابي أحمد المدعو شحاتة (١) بن محمد بن عكاش المكي وأخوه بركات، وأخبر أنّ معه ورقتين من مصر مفتوحتين أرسل بهما قاضي القضاة بمكة الجمالي محمد بديع الزمان ابن الضياء الحنفي والزيني عبد الحق النويري المالكي فيهما الإخبار بولايتهما لقضاء مكة عوض مَن فيهما وغير ذلك. فوقع بمكة هرَج ومرَج وصار بعض أصحابهم يؤيد هذا الخبر وبعض الناس يكذّبه لعدم إخبار غيرهما من الحجازيين الذين مصر لذلك. وأشيع أنهما وصلا لمصر في سادس ذي الحجة الحرام من سنة ٩٢٤ التي قبل تاريخها ومعهما مرسومان من الخنكار بولايتهما، والله أعلم بحقيقة الحال.
стр. 120
وفي هذه الجمعة أشيع أنّ الأمير إسكندر الجاركسي الذي في اليمن رجع من جازان إلى زبيد بسبب ما أوحِيَ إليه بأن صاحب جازان المهدي الذي أرسل يطلبه للنجدة على القرب أهل حلي مواطئ الشريف بركات سلطان مكة على قتاله، فتشوّش منه وأمر أخاه عز الدين بقتْله وأخذ بلاده فتوجّه له إلى منزله على غفلة منه وضرب بعض أخصّائه فنزل إليه ليشفع له فمسكه ووضعه في الحديد ثم عاقبه واستصفى أمواله ثم قتَلَه. وورد بذلك عتاب الشريف بركات إلى مكة، وحصل هذا بسعده لكونه في تلك الناحية وكان يخشى مِن وقوع فتنة هناك فأخمدها الله تعالى برجوع إسكندر إلى محل ولايته. وبعد هذا .... (١) الشريف بركات بأهل حلي فانهم مخالفون عليه في الباطن، وفي الظاهر يُظهرون له الطاعة، وراسلوه في ذلك فلم يقبل منهم إلّا أخذ الدرع والفرَس، فالله تعالى ينصره عليهم ويبقيه للمسلمين، فإنه رأس العنقود، وصاحب الراية التي إلى الخير تعود.
شهر ربيع الأول جعله الله شهرا مباركا ببركة مَن وُلد فيه ﷺ من سنة ٩٢٥ هـ (١٥١٩ م)
استهل كاملًا في ليلة الخميس.
وفي يوم الأربعاء سابع الشهر وصلت إلى مكة ورقتا (٢) القاضيين المتقدم ذكرهما صحبة الشيخ أبي الفضائل بن الفضائل (٣) بن الضياء الحنفي، فإنه كان بجدة وأخذهما
стр. 121
من ابني عكاش فيها.
وفرح أهلهما بذلك وصار صاحب كل ورقة يُريها للناس في الأسواق وغيرها، وسمح أصحابهما بذلك. ثم شاهدتُ ورقة القاضي بديع الزمان ابن الضياء الحنفي لأخيه أبي السرور بها إخباره بوصوله إلى القاهرة قبل تاريخها بثلاثة أيام، وهي مؤرخة بسادس عشريْ الحجة، ومقابلة ملك الأمراء نائب الديار المصرية له وإلْباسُهُ قفطانا. وكتب له الخنكار مرسومًا بولايته لقضاء الحنفية بمكة عوضًا عمّنْ بها وغير ذلك من الوظائف التي طلبها، وتاريخه في سابع رمضان، وكان وصوله مع الولاق (١) الذي أرسله الوزير الأعظم بيري باشا (٢) المقيم في البيرة قرب مدينة حلب، ويأمر أخاه بمباشرة الحكم عند وصول القاصد بَرًا صحْبَتُه مرسوم ملك الأمراء قبل المولد.
ومضمون ورقة القاضي عبد الحق النويري المالكي لولده بمعناها غير لبْس ملك الأمراء له قفطانًا وأنه تعوّضَ عن الحج بزيارة القدس والخليل ﵇. ويأمر ولده بالسيرة الحسنة مع الناس في مباشرة الأحكام وملازمة الجمالي أبي السعود بن قاسم المقري الشافعي فيها. ومنْع شاهدْين من بابه هما الشرفي أبو القاسم بن قاسم وعبد الرحمن بن إدريس بن عبد القوي وغير ذلك مما لا فائدة في ذكره.
ولم يرسل كل واحد منهما غير ورقة مفردة مفتوحة. وتعجّب الناس لذلك وكون الخبر لم يأت من غيرهما من الحجازيين المقيمين بمصر وغيرهم خصوصًا ويُخبر بعض الناس عن اللذيْن وصلت معهما الورقتان أنهما لم يسمعا بالولاية إلّا منهما، ويُعضّد ذلك إخبار شخص من التجار الشاميين يقال له ابن التُميْرة بوصول ورقة له من
стр. 122
الخواجا قاسم بن الجمال المقيم بمصر أن قاضي مكة الحنفي وصل إلى مصر ومعه مرسوم لملك الأمراء بالوصية عليه. فَفُهِم من هذا الخبر عدم الولاية، فإنها لو كانت صرح بها لهم.
واستمر القاضيان المشاع عزلهما يحكمان وهما القاضي نسيم الدين المرشدي الحنفي والقاضي جلال الدين أبو (١) السعادات المالكي.
وفي ليلة الجمعة تاسع الشهر عُمِل عقد حافل في المسجد الحرام أمام الرواق الشمالي للشهابي أحمد ابن الخواجا عباس تاجر السلطان الغوري على ابنة عمّه بدر الدين بن محمد حضره القضاة الأربعة وكثير من الفقهاء والتجار والعامة. وأسْرجتْ (٢) فيه فوانيس الحرم، وكان حفلًا بهِجًا، استكثره كثير من الناس على فاعله لكونه مسْتَحدَث النعمة.
وفي يوم الأحد حادي عشر الشهر ولد .... (٣) ابن (٤) الشيخ إبراهيم بن أبي بكر العراقي وأمه ابنة قاضي القضاة شرف الدين أبي القاسم بن الضياء الحنفي وهي مطلقة.
وفي ليلة الإثنين ثاني عشر الشهر كانت زفّة المولد الشريف من المسجد الحرام إلى مولد النبي ﷺ بعد صلاة المغرب -على العادة- مشى فيها قاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام الصلاحي بن ظهيرة (٥) القرشي من خلف مقام الحنفية إلى باب علي وصحبته القضاة الثلاثة، ثم ركب من هناك وتوجّه إلى المولد لوجعه، وعاد القضاة إلى
стр. 123
المسجد الحرام. وتوجّه في الزفة إلى المولد جماعة القاضي الشافعي وكبيرهم القاضي الزاهد عز الدين وصحبتهم غالب الفقهاء والعامة رجالًا ونساءً بمفرعات الحرم وشمعه، والفقراء يذكرون الله تعالى أمامهم ذهابًا وإيابًا، ودخل القاضي الشافعي إلى المولد الشريف وصلّى فيه ودعا له الخطيب به مع السلطان وأمير مكة على العادة، ثم عاد إلى المسجد الحرام راكبًا وسلم الناس عليه به وانصرفوا.
وفي صباح تاريخه كانت الزفة المختصرة مشى فيها القاضي تاج الدين بن ظهيرة أخو (١) قاضي القضاة الشافعي وصحْبَته بعض جماعته وكثير من الفقهاء، فزار المواليد جميعها وختم بدار الخيزران على العادة، وتوجّه إلى منزله بالجماعة وحضروا بسماط أخيه صحْبة القضاة الثلاثة وكان حسنًا، فالله تعالى يخلف عليه ويبارك للمسلمين في هذا الشهر المبارك ببركة مَن ولد فيه ﷺ .
وفي عشاء ليلة الأربعاء رابع عشر الشهر عمل عقْد حفل في بيت قاضي القضاة المالكي النجمي ابن يعقوب -رحمه الله تعالى- على ابنتيه الثيب ست الجميع ابنة القضائي النجمي على بركات ابن المعلم خير الدين بن جبريل الغزاوي الدمشقي. والبكر كمالية على الشريف أبي بكر بن الحسين القبيباتي الشامي، حضره قاضي القضاة الشافعي، وكان هو العاقد، وجماعته والفقهاء والتجار. فشربوا سكرًا مذابًا ثم انصرفوا، جعل الله ذلك مباركًا عليهم ورزقهم ذرية صالحة.
وكان كل من البنتين المزوجتين دفع لهما ابن (٢) المحيوي عبد القادر والوجيهي عبد الرحمن ابني أبي الغيث بن زبرق وسافرا إلى القاهرة، ولهما بها نحو ثلاث سنين، فرُدَّ
стр. 124
دفْعُهما لأختهما بمكة.
وفي يوم الخميس ثاني تاريخه خامس عشر الشهر وصل الخبر إلى مكة أن الأروام الذين كانوا في البحر يقطعون الطرقات اجتمعوا بالشريف بركات صاحب مكة المشرفة فعمل لهم عَرضة بفريقه في اليمن، وخلع على كبيرهم سنان الرومي، وعاتبه على فعله، فاعتذر له وسأله العفو فعفا عنهم ورتب لهم مرتبًا وأقاموا. وأشيع أنّ عرب الزيدية قاتلوا الأتراك في زبيد اليمن وقتلوا منهم أزْيد من مائة نفس وأخذوا بعض خيلهم، فضعفوا بذلك وطمع فيهم العرب وهم محصورون في اليمن. فالله تعالى يُقيم للمسلمين خيرًا.
وفي ليلة الجمعة سادس عشر الشهر ماتت فاطمة ابنة الجمال محمد بن أحمد الفاكهي فجُهّزتْ من ليلتها وصُلّي عليها بعد صلاة الصبح، ودُفنتْ بالمعلاة عند قبور سلفها (١) بشعب النور، وخلفت عَصَبة وبعضهم غائب عن مكة باليمن، وأخذ العزاء فيها بعض أقاربها وهم أبو النور بن أبي الخير الفاكهي وعبد الله بن أحمد الفاكهي، عوض والده فإنه ابن عم الذي قبله، وتخاصما بسببها وترك الحضور لأجله، فسبحان قاسم العقول.
وفي ليلة السبت ثاني تاريخه دخل الشهابي أحمد ابن الخواجا عباس على زوجته ابنة عمه وعُمل له سماط مختصر حضره التجار وغيرهم (٢).
وفي يوم تاريخه وصلت لمكة ثلاثة أوراق بحرا من الحاج مفلح بن عبد الله الحبشي عتيق الخواجا شيخ محمد قاوان لجماعة من التجار في كل منها الإخبار بولاية القاضيين الحنفي والمالكي اللذيْن بمصر عوض اللذْين بمكة، ومعهما مرسوم لملك الأمراء من الوزير
стр. 125
الأعظم بيري باشا. وأنّ السلطان مقيم في أدِرْنة، والصوفي ضعيف جدًا. وأن الأميريْن مصلح الدين وسلمان في إسطنبول وليس على نيّتهما العود إلى مكة في هذا العام، وغير ذلك من الأخبار. وتاريخها في سابع عشريْ الحجة من السنة التي قبل تاريخها، موافقة لتاريخ ورقتْي القاضيين الماضيين خلا يومًا. والذي يظهر مواطأته لهما، فإنه لم يصل الخبر من غيره، والله أعلم بحقيقة الحال.
وفي ليلة الأحد ثامن عشر الشهر ماتتْ المرحومة صفية زوجة الخواجا عباس أم ولده المتزوج في الليلة التي قبل تاريخه. وكان مُهِمّ ولدها وهي في النزع. فجُهّزتْ من ليلتها وصلّي عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة، ودفنتْ بالمعلاة.
وفي ليلة الأربعاء حادي عشريْ الشهر ماتت الطفلة زينب ابنة أبي الفتح ابن الشيخ السراجي عمر بن أبي السعود بن ظهيرة من ابنة عمه ستيت (١) ابنة القاضي خير الدين بن ظهيرة. فجهّزتْ من ليلتها وصلّي عليها بعد صلاة الصبح، ودُفنتْ بالمعلاة.
وفي ضحوة يوم تاريخه ماتت قماري الحبشية موطوءة الإمام شرف الدين يحيى ابن الإمام مكرم الطبري الشافعي فجُهّزتْ مِن يومها وصلّي عليها عند باب الكعبة بعد صلاة العصر ودفنت بالمعلاة بتربة أسلاف سيّدها تحت تربة بني ظهيرة المستجدّة بالمعلاة.
وفي عصر تاريخه تكلّم القاضي الشافعي ناظر المسجد الحرام على رئيس المؤذنين به الجمالي محمد بسبب تقصيره في السلام والتخفيق، إلى أن دخل وقت صلاة الصبح، فَفَجَرَ عليه، فأمر عبده بِصَكّهِ فصكّه في المسجد الحرام قُدَّام الناس وأمر بحبسه.
وفي مغرب تاريخه توفي الرئيس فخر الدين أبو بكر بن أبي عبد الله الرئيس الحنبلي
стр. 126
فجهّز من ليلته وصلّي عليه بعد صلاة الصبح من ثاني تاريخه. وتبعه خلق من الفقهاء، ودفن بالمعلاة بتربة أسلافه وشَمتَ به كثير من الناس لحِدّة لسانه وقوة نظمه وبيانه. وخلّفَ صبيين صغيرين (١) وثلاث بنات إحداهن شقيقة الصبيين التي ماتت أمّهم قبله بشهر في حادي عشريْ صفر في هذه السنة، واثنتان أمهاتهما شتى إحداهما وجِعة. وأشيع أن القاضي الشافعي ختم على بيته بسبب الأولاد ولم يصبّح ولم تُعمَل له ربعة ولا نُصبت على قبره خيمة، وذلك لعدم احتفال مَن خلفه مِن أمّه وأخويه علي ومحمد. فالله تعالى يرحمه ويعفو عنه. وقبْله كان للمسجد الحرام به جمال الحسن صوته ومعرفته بالأوقات والميقات والنظم والنثر، ولم يخلفه بعد موته مثله.
وفي ظهر يوم الجمعة ثالث عشريْ الشهر وُلد الولد محب الدين أبو حامد محمد ابن القاضي أبي السرور ابن قاضي القضاة نور الدين علي بن أبي الليث بن الضياء الحنفي القرشي، وأمّه فاطمة ابنة الخطيب جمال الدين محمد ابن الخطيب أبي بكر العقيلي النويري في بيت جدّته زينب ابنة الخطيب محب الدين النويري بالشبيكة. وعُملتْ له زلابية فُرقتْ على قليل من الناس مع وجع والده، عافاه الله تعالى.
وفي يوم تاريخه وصل الخبر إلى مكة أن ثمانية جلاب مشحونة حبًا وصلتْ إلى جدة من القصير (٢) وجلبتان من سواكن، وفي جلاب القصير القاضي بدر الدين بن ظهيرة أخو (٣) قاضي القضاة الشافعي ومعه مرسوم من ملك الأمراء نائب الديار المصرية لأخيه يسأله في نيابته للحكم بمكة. وأخبر أنّ القصير فيها حبٌ كثير
стр. 127
وجلاب فارغة شحن (١) منها عشرة فيها ثلاث مُرَوّسَات (٢). فنزل سعر الحب بجدة ومكة فبيع بجدة كل إردب بتسعة أشرفية، والمليح بعشرة، وكل ربعية حب الذرة بمحلقين ونصف وبمكة الربعية بثلاثة محلقة وربع وبعض الحب المليح بثلاثة ونصف، فنقصُهُ بمكة قريب محلق. وأخبر الواصلون (٣) من سواكن أنه وصل إليها مركبان (٤) من الهند، وأخبروا أنه وصل معهم من باب المندب خمسة مراكب ووراء هم عشرة، فتباشر التجّار وغيرهم لذلك. فالله تعالى يحقق هذا الخبر ويُرخّص أسعار المسلمين، بجاه سيّد المرسلين.
وفي ليلة السبت ثاني تاريخه مات الخواجا مراد بن عبد الله الرومي الناظر على أوقاف ترسن (٥) صاحب الربعة بالمسجد الحرام خلف مقام الحنفية. فجهّز من ليلته وصُلّي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة وشيّعه جماعة وغيرهم، ودفن بالمعلاة، وخلّف سبعة أولاد ذكور غالبهم صغار في بلده وبعضهم مسافر في الهند، وبمكة واحد أخذَ العزاء فيه. وأوصى بقُرَبٍ، منها لصاحب مكة مائة وخمسون دينارًا ولقاضي القضاة الشافعي خمسون دينارًا ولأهل الحرم مائتا دينار.
وفي يوم تاريخه عُمل عقد مجلس في المسجد الحرام بزيادة باب الندوة بحضرة القضاة الثلاثة خلا الحنبلي بسبب خصومة بين الخواجا بركات الحلبي والخواجا بدر الدين بن مالك في سفرة بينهما كانت تحت يد ثانيهما في الهند، وتحاسبا عنها مرة بعد
стр. 128
أخرى وتواصلا إلى القضاة الثلاثة المذكورين وثبت ذلك عند الحنفي ونُقِد عند الآخريْن ثم لم ينفصلا لعدم وفاقهما في بعض الحساب، ويقول أولهما إنه داخلَ في الحكم والثاني ينْفي ذلك ويتظلّم. فتوقف القاضي الحنفي في أمْرهما وأمَرهما بالصلح وإسقاط بعض المال فلم يرضيا مع أن أولهما نذر بالذي ثبت له يكون لأهل الحرم المكي، وقبض بعض المال وهو مائتان وستون دينارًا، ويقال إنه فرّقه على بعض الناس وكتب به قائمة باسم جماعة اختارهم.
وأشيع أنه (١) أعطى القاضي الشافعي خمسين دينارًا ولكل واحد من القضاة الثلاثة عشرة ولم يقبلها الحنفي لكون الخصومة عنده، وذُكر أن المالكي ردّ له ما يخصّه أيضًا. وعيّن لِفرّاشى (٢) الحرم عشرة ولأصهار بني الضياء عشرة، وللشيخ ابن ناصر وولديه خمسة.
وأشيع في هذه الجمعة أنّ إسكندر أمير زبيد خرج عليه عرب الزيدية في محل يعرف بالضحى فقاتلوه ومنعوه الدخول إلى زبيد وقتلوا منهم سبعين نفسًا وبعض خيل. وتخبّط اليمن وغلتْ (٣) الأسعار بزبيد وأعمالها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
شهر ربيع الثاني من سنة ٩٢٥ هـ (١٥١٩ م)
استهل ناقصًا في ليلة الجمعة.
وفي صباحها جاء الخبر إلى مكة بوصول ثلاث جلاب من اليمن في أحدها الأمير
стр. 129
سِنان الرومي الذي كان باليمن أميرًا في اللّحية، ثم ركب البحر في غراب وصار يقطع الطريق ويمنع الميرة لأهل مكة، فألهمه الله تعالى التوجّه إلى السيد بركات سلطانها في فريقه جهة اليمن وإهدائه له هدية والتكلّم معه في العفو عنه ما صدر منه، ويأذن له في التوجّه إلى مكة. فأكرمه على هديته وأثابه وأذن له في التوجّه إلى جدة فوصلها وصحْبته الشهابي أحمد بن قاسم المغربي الأصل المكي المشهور .... (١) بابن الدب. وكان في دهلك مع أخيه الوجيهي عبد الرحمن متولي البلد. فلما قُتِل فيها توجّه إلى سلطان النصارى لصحبته لأخيه. واحتال عليه سنان الرومي بالأمان والأيْمان ووعده المساعدة والنصرة على قاتل أخيه. فلما جاءه قدم إليه هدية كبيرة وطمع فيه وطلب منه فرضة مال ليصرفه على عسكره، فأعطاه ألفي دينار ثم قبض عليه فوضعه في الحديد واستولى على الذي معه، وصحبَه رفقْته إلى جدة، ففارقه منها وعاد إلى مكة فوصلها صفر اليديْن عاري الثديين، خلا ما هو على جسده، ففرح به إخوانه وأهله وجيرانه.
وفي ظهر يوم الإثنين رابع الشهر مات الشيخ المعمر عز الدين عبد العزيز بن عبد اللطيف بن أحمد بن جار الله بن زائد المكي بعد توعّكه مدة يسيرة بالإسهال، ثم قوي عليه ريح القولنج، وقيل ذات الجنب في ليلة وفاته فقضى نحبه، وعمره سبع وثمانون سنة وثلاثة أشهر، فجهّز في يومه وصلّي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة، وشيّعه جماعة من الفقهاء إلى المعلاة، ودُفن بتربة بني النويري في الشعب الأقصى على قبر أمّه وجدّاته من جهتها وهي زينب ابنة القاضي أبي الفضل النويري التي صار إليه منها التحدث على رباط والدتها السيدة أم الحسين ابنة القاضي شهاب الدين الطبري بمكة وأوقافها بها وبأعمالها. وخلّف عصَبَة فيهم عمه، هم ابنا أخيه شقيقه عبد اللطيف وأبو
стр. 130
سعيد ابنيْ عبد القادر بن علي جار الله بن زائد وعبد الباقي بن محمد الله بن عبد بن جار الله المذكور.
وفي صبْح يوم الأربعاء سادس الشهر عُمل عقد مجلس في زيادة دار الندوة عند قاضي القضاة الشافعي والمالكي بسبب الخواجا بركات الحلبي والخواجا بدر الدين بن مالك. وكان أولهما أرسل قاصدًا لصاحب البلاد السيد بركات في اليمن يُخبره بقضيته، فأرسل جوابه للحاكم بمكة القائد مبارك بن بدر عَبْد الشريف بالتوجّه صحبتهما إلى الشرع لينفصلا بحضوره. فحضر معهما وصحْبَته جماعة من أتباعه وبعض الفقهاء والتجار، وتعدّر الحضور لسقْمِه، فوقعتْ في المجلس قلاقل لا طائل تحتها، وأمِرَ الخصمان بالصلح فلم يرضيا، وطال المجلس إلى الظهر ثم انفضّ على غير فصل لتساهل القضاة واختلافهم وعدم مبالاة الأخصام بهم، وقوة شقاق التجار، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي صبح يوم الجمعة ثامن الشهر مات شيخ الحنفية مفتي الفرقة الإسلامية الورع الزاهد والقدوة العابد شمس الدين محمد ابن المقرّ النجمي دولات باي نائب الديار الشامية كان، تغمّده (١) الله بالرحمة والرضوان، وكان توعّكه نحو شهر بالحمى والإسهال، فجهّز في يومه وصلّى عليه عند باب الكعبة بعد صلاة العصر إمام الحنفية السيد عبد الله البخاري بأمر ولديْه محمد بن النجمي والبدري، وشيّعه خلق من الأعيان والعامة إلى المعلاة ودُفن بها في الشعب الأقصى في تربة لأمه أوصى أن يدفن تحت رجلها وترحّم الناس عليه لفقدهم له ولاحتياجهم إليه، وخلّف ولدين كبيرين وبنتا وزوجة، رحمه الله تعالى وأخلفهم فيه خيرًا.
وفي يوم تاريخه وصل الخبر إلى مكة أنّ قاصدًا وصل إلى جدة المعمورة من مصر
стр. 131
دوادار نائب جدة الأمير قاسم الشرواني ومعه أوراق له ولجماعة فيها الإخبار بدخول الحاج إلى مصر في سابع عشريْ الشهر بعد عادتهم بخمسة أيام، وذلك لانقطاعهم في الطريق من الغلاء والجوع وتعب الجمال. وكان ملك الأمراء أرسل لهم مُلاقين إلى الأزلم (١) فارتفقوا بها. وأنّ المباشرين الخمسة المتوجهين إلى إسطنبول صحبة المقر العلائي ناظر الخواص أسَرهم الإفرنج وأسَرَ منهم ثلاثة أنْفُس هم نقيب الجيش يونس والمقر البدري والمقر العلائي. وأنّ ملك الأمراء نائب الديار المصرية أرسل إلى الطور أربعة آلاف إردب قمح لبيعها بمكة وتفرقة مائة إردب على الفقراء بها. فتباشر الناس بها بذلك ورخصتْ الأسعار بمكة وجدة، الربعية الحب المصرية في مكة بثلاثة محلقة ونصف وبعضها ينقص ربعا، وبجدة بثلاثة محلقة إلا ربعًا. والإردب بعشرة أشرفية وقيل بتسعة، والله تعالى يُرخّص الأسعار.
وفي يوم الإثنين حادي عشر الشهر وصل الخبر بمكة بوصول شخصٍ بدويّ لجدة وهو قاصد لصاحب مكة السيد بركات معه خِلَعٌ ومراسيم له، وجملة أوراق لخلق مِن أهل مكة والمقيمين بها، فلم يعطِ أحدًا شيئًا قبل مواجهة خلا ربطة (٢) للوزير بجدة الجمالي محمد بن راجح من عند المقر الشهابي ابن الجيعان، فيها ورقة لقاضي القضاة الشافعي بمكة، وثانية للمحيوي العراقي فيها الإخبار بقضية المباشرين المأسورين وبعض أغراضه، ولم يتعرضْ لذكر القاضيين اللذْين بمصر الحنفي والمالكي، وأشاع بعض أصحابهما أنّ القاصد ذكر بجدة أن معه أوراقًا (٣) لهم، والله أعلم بحقيقة ذلك.
стр. 132
وفي يوم الأربعاء ثالث عشر الشهر وصل قاصد لمكة من جدة أخبَر أنّ مركبًا هنديًا يقال له الشاهي الكبير وصل إلى قرب جدة فيه صدقة لأهل الحرمين من عند صاحب كنباية الملك مظفر شاه ونزل منه جماعة وأخبروا بأن أربعة مراكب وصلتْ صحْبَتهم وتأخّرت (١) بعدهم في الباحة وهم يوسف التركي وطليعته وبركات الحلبي وناظر الصدقة الملك خواجا محمد بن شيخ علي الكيلاني (٢). ووصل فيها جماعة من أهل مكة المجاورين في الهند منهم الخواجا بدر الدين حسن بن حسين قاوان، والخواجا إبراهيم الشامي ابن الشيخ علي الدمشقي والشيخ عبد (٣) الرزاق ابن الشيخ عبد الله بن عامر المساوي، فتباشر التجّار وأهل الحرم بذلك، فالله تعالى يُكْثر الخير على المسلمين ويُرخّص أسعارهم.
وفي ليلة الخميس ثاني تاريخه دخل الإمام شرف الدين ابن الإمام مكرم ابن شيخنا قاضي القضاة محب الدين محمد الطبري المكي الشافعي على زوجته فاطمة ابنة الوجيهي عبد الرحمن بن علم الدين العقيلي النويري المكي، فهنأه الناس بها في صباح تاريخه على العادة، وعمل سُفرة حضرها أهله وبعض أصحابه، فالله تعالى يجعل كلًّا منهما مباركا على الآخر.
وفي عشاء ليلة السبت سادس عشر الشهر مات شيخنا العلامة المفتي القدوة الزاهد ولي الله تعالى عفيف الدين عبد الله باكثير ابن الشيخ شهاب الدين أحمد
стр. 133
ابن .... (١) الحضرمي الأصل المكي الشافعي بعد توعّكه جمعة بالحمى وانكتام باطنه. وكان قبل ذلك في الجمعة التي قبْل تاريخه صلّى في المسجد الحرام جماعة وقال: هذه جمعة الوداع وصار يودع البيت ويقول: لا أوحش الله منك. وأمر بعض أولاده بتحمّل دَيْنه في حياته فدار على مُداينيه فأخبرهم بذلك فرضُوا بذلك وبعضهم أبْرأ ذِمّته منه، وجملته مائة وعشرون (٢) دينارًا، فحينئذ طاب خاطره وصار يلازم ذكر الله تعالى وقت إفاقته وتردد الناس إليه أفواجًا وهو يسألهم الدعاء ويمازحهم كعادته، وكلّهم خائفون عليه، فقدّر الله تعالى إسكاتَه يومين وليلتين مع كونه يشير بذكر الله تعالى يفهم ذلك مَن حوله.
وُرئَيتْ له عدّة منامات حسنة يُقْضى له فيها بالخير، منها أنّ شخصًا جَبَرتِيا مباركًا يقال له الشيخ عبد الله رأي النبي ﷺ في المنام وهو يقول له: الليلة يموت الشيخ أبو كثير توجَّهْ لجنازته فإنه من أهل الخير وقل لأولاده يجعلون في قبره قطعة من كسوة الكعبة، فأخبرهم بذلك فامتثلوا أمره.
ورأى شخص آخر أنّ منائر المسجد الحرام الأربعة التي في أركانه وقعتْ، فأوّلَ بعض الناس موت أربعة من علماء البلد في هذا العام، فكان أولهم شيخ الحنفية شمس الدين محمد ابن النجمي ثم شيخنا باكثير. فجُهّز في ليلة موته وصُلّي عليه بأمر أولاده بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة الشيخ عبد الكبير بن ياسين ابن الشيخ عبد الكبير الحضرمي، نفع الله به، وشيّعه خلق من الأعيان والعامة في جنازة (٣) خلفه حُمِلتْ على
стр. 134
الرؤوس وتزاحم الناس عليها. وكان يومًا مشهودًا، والخلق فيه شهود (١)، فدُفن بالشِّعب الأقصى في تربة استجدّهَا من حياته، فحصل عليه البكاء والأسف ممن لم يعرفه ومَن له معرفة، وفقدَه الناس لخيره وعلمه وبشاشته وحلمه مع الزهد والورع وملازمة الإقراء للطلبة ونفعهم به طول النهار وعدم تكلفه لهم وإمدادهم بصالح دعواته. فصار الخلق يترددون إلى قبره صباحًا ومساء ويقرؤون له القرآن وعُمل له ختم في يوم الثلاثاء رابع يوم موته أنشدت فيه مرثيتان أولاهما (٢) لإمام الشافعية شرف الدين إسماعيل الطبري وثانيتهما (٣) للشهابي أحمد المحوجب، أولهما أحسن نظما فنذكرها هنا وهي .... (٤).
وفي ظهر يوم الأحد سابع عشر الشهر مات المعلم عمر بن أحمد المكي المعروف بشنة أحد باعة الصبغة في القفص.
وفي يوم الجمعة ثاني عشريْ الشهر كان عقد الخواجا وجيه الدين عبد الرحمن ابن المسعودي الطرابلسي المغربي على زوجته البكر السيدة المحجّبة سيّدة الجميع ابنة شيخنا قاضي القضاة بالحرمين الشريفين النجمي ابن يعقوب المالكي رحمه الله تعالى في .... (٥) والدها، حضرها قاضي القضاة الشافعي وجماعته وبعض الفقهاء والتجار، وانشِدَتْ (٦) في المجلس قصيدة حسنة لبعض المغاربة في الزوج، فأعْجبتْ الحاضرين لما
стр. 135
فيها من المعاني والبلاغة وهي .... (١).
وفي ليلة السبت ثاني تاريخه دخل الخواجا عبد الرحمن المسعودي على زوجته في بيت والدها وهنأه الناس بها وعمل له مَدّة مختصرة أطعمة مفتخرة كالمأمونية والزايرباج والرزين والضلع المحشي وغير ذلك. حضرها جماعة من أصحاب أخيها والزوج، فالله تعالى يخلف عليهما بخير ويبارك لكل منهم بمحمد وآله.
وفي يوم الإثنين خامس عشريْ الشهر وصل مرسوم السيد الشريف مع قاصد من عنده وصل من جهته حلي لقاضي القضاة الشافعي فيه الشكر منه فيما فعله مع أمير الحاج المصري وتفويض أمر الحجاز إليه. وإخباره بإرسال عسكر بحرًا للتوجّه إلى جهة الفرنج المخذولين ومساعدتهم وتجهيزهم بسرعة. وكتب الشريف معه رزمة للقاضي يخبره بوصول ورقته إليه وبلغه وصول مرسوم أخيه القاضي بدر الدين بن ظهيرة بالنيابة في القضاء لمكة، فأمره بالتوقف حتى يحضر فينظر في حاله وأنه يرسل بمرسومه إلى نائب جدة بها ليطلع عليه ويرسله له بعد ذلك. ووصل منه للحاكم بمكة القائد مبارك ورقة فيها: إنّا أرسلنا إليك بالأوراق التي وصلتْ مع قاصدنا من جهة مصر فترسلها إلى أصحابها (٢) كالقضاة الذين بمصر والتجار ويأخذ منه حلوانه على العادة. ولم يصرح بولاية أحد ولا غزله، فخاط أهل الأغراض في ذلك وماطوا، خصوصًا، واستمر القضاة الذين بمكة يباشرون الأحكام على عادتهم ولم يعتبروا إشاعة عزلهم لكونها من أخصامهم وكون الشريف لم يتعرض لولايتهم بوجه من الوجوه. والله أعلم بحقيقتها.
وفي ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه دخل الجمالي محمد ابن الشيخ زين الدين عبد الكبير
стр. 136
الحرازي على زوجته البكر المراهق أم الحسين ابنة الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الخياط المكي الشهير بروح جده وفي صباحها هنّأه الفقهاء بها وعُمل له سفرة مختصرة حضرها أقارب الزوج وأصحاب والده وغيرهم.
وفي يوم تاريخه ظهرتْ سرِقة كبيرة عند شرف الدين ابن القاضي بهاء الدين ابن قاضي القضاة جمال الدين أبي السعود بن ظهيرة مِن جارية حبشية، لبعض التجار الشاميين وكان ساكنًا في بعض بيوت بني ظهيرة في السويقة، وتوجه إلى جدة وأغلق بابه، ففتحَه وأخذ منه نقدًا كثيرًا نحو الألف وقماشًا وعنبرًا ولآلئً، وتوجّه ببعضها إلى حلي فباعه وعاد إلى مكة وأقبل على اللهو والفساد. فاطّلع التاجر على ذلك برؤية بعض ملبوسه عليه، فشكاه إلى عمّه قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة فمسكه وضربه ضربًا مؤلمًا، فأقرّ بحمله أمتعة عند جماعة من السوقة وغيرهم اشتروها منه. فدفعه عمه إلى حاكم مكة القائد مبارك بن بدر فوضعه في السجن وضربه أيضًا ضربًا مؤلمًا، وطالب المشترين منه بما أخذوه فظفر بجملة أمتعة رُدّتْ على صاحبها مع كونها قدرًا كثيرًا. وتألم أقاربه وغالب أهل مكة لذلك لكونه من بيت رئاسة. فالله تعالى يتوب عليه ويستره أو يهلكه ويقصمه.
وفي يوم الأربعاء سابع عشريْ الشهر أمر القائد مبارك بن بدر بالنداء في شوارع مكة وأسواقها بتجهيز الأروام الذين بها إلى جدة ليسافروا صحبة الأمير سنان الرومي بحرًا إلى اليمن لمواجهة السيد الشريف بها، وما عُلِم مقصده بذلك مع كونه أشيع أنّ السيد بركات نيته العود إلى مكة قبل تنجيل (١) المراكب الهندية ليحضر عشورها،
стр. 137
وتواترت الأخبار بذلك. فالله تعالى يقدر للمسلمين خيرًا ويحفظ عليهم السيد الشريف بركات ويطيل [عمره] (١) فإنه بركة الحجاز، في الحقيقة لا المجاز.
وفي يوم الخميس ثامن عشريْ تاريخه ظهر للقاضي الحنبلي المحيوي عبد القادر بن ظهيرة القرشي ابنة ثالثة من جارية حبشية سماها لطيفة، لطف الله تعالى بها وبالمسلمين. وفي ليلة الجمعة تاسع عشريْ الشهر وُلد للشيخ محيي الدين عبد القادر بن فهد ابنة ثانية مباركة إن شاء الله تعالى سمّاها أم هاني ست بني هاشم، وأمها سيدة الكل ابنة الشيخ جمال الدين محمد بن قاسم الدب المغربي الأصل المكي. فالله تعالى يجعلها مباركة عليه وعلينا وينشئها نشأً صالحًا ويُقِرّ أعْيننا بأولاد ذكور، بجاه سيد الأولين والآخرين.
وفي صبح يوم السبت ثاني تاريخه ماتت ابنة للخواجا عبد القادر بن شمس الدين المصري نزيل مكة الشهير بالمغربي من الشريفة فاطمة ابنة الشيخ إمام الحنفية شمس الدين محمد البخاري، عمرها ثمانية أشهر، فصلّي عليها بعد صلاة العصر وشيّعها جماعة من الفقهاء لأجل خالها إمام الحنفية العفيف عبد الله البخاري، وتخلف عن الطلوع معها إلى المعلاة شقيق أمّها الشيخ شهاب الدين أحمد البخاري نفسه ولأمها من مدة طويلة (٢)، وأنكر عليه ذلك بعضٌ، فإنه كان أحق بها من أخيه الثاني. فسبحان مقلّب القلوب وقاسم العقول.
شهر جماد الأول جعله الله شهرًا مباركًا من سنة ٩٢٥ هـ (١٥١٩ م)
استهل كاملًا في ليلة الأحد.
стр. 138
وفي صباحه ولد للإمام خير الدين أبي الخير بن أبي السعادات الطبري المكي الشافعي ابنة مباركة -إن شاء الله- سمّاها أم الخير سُتيْت، وأمها ستّ الجميع ابنة الخواجا قاسم المغربي الشهير بالدّبّ نزيل مكة المشرفة، وله منها ولد غيره.
وفي ظهر يوم الإثنين ثاني تاريخه وصل قاصد من عند السيد الشريف بركات من جهة اليمن ومعه جملة أوراق الجماعة من الناس، وصُحبْته أربعة مراسيم لقاضي القضاة الحنفي بديع الزمان بن الضياء والمالكي الزيني عبد الحق النويري، اثنان منها للسيد الشريف بركات، واثنان مطلقان لكل واقف عليهما (١) شاهدتُ مرسوم أولهما المطلق صورته.
في العنوان: الاسم الكريم. مرسوم كريم مطلق إلى كل واقف عليه من المقر الكريم العالي المولوي الأميري الكبيري الشريفي الزيني أمير مكة المشرفة وشيخ الإسلام الشافعي بها والأكابر والأعيان والحكام الخاص والعام بالأقطار الحجازية أعزهم الله تعالى، بأن يتقدموا باعتماد ما تضمنه هذا المرسوم الكريم والعمل به
وباطنه بالخط الشريف: بسم الله الرحمن الرحيم، الملكي المظفري خائر بك.
المرسوم بالأمر الكريم العالي المولوي الأميري الكبيري السيدي المالكي المخدومي الأعظمي السيفي خائر بك نائب السلطنة الشريفة بالديار المصرية وما مع ذلك، أعزّ الله تعالى أنصاره، وضاعف اقتداره.
إلى كل واقف عليه من المقرّ الكريم والجناب العالي والمجلس السامي الغالي الأميري والقاضوي والقضاة الكبيرية الشريفي الزيني نائب السلطنة الشريفة بمكة المشرفة والأقطار الحجازية والأكابر والأعيان والخاص والعام وولاة الأمور بمكة المشرفة أعزهم
стр. 139
الله تعالى:
نعلمكم أن المجلس العالي القاضوي الكبيري العالمي العَلّامي البليغي المفيدي البارعي المجيدي الأوحدي الأكملي الأصيلي العريفي البديعي قاضي القضاة ابن أبي الليث ابن الضياء الحنفي تغمد الله تعالى روح والده برحمته وأدام نِعَمه. المشار إليه توجّه إلى جهة خدمة الأعتاب الشريفة المقام الشريف الخنكار الأعظم مالك رقاب الأمم، خلد الله تعالى ملكه وسلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه، وعاد إلى أبوابنا العالية من حلب المحروسة وعلى يده مرسوم شريف، مشمول بالخط الشريف، يعود وظيفة قضاء القضاة الحنفية بمكة المشرفة إليه على جاري عادته، ومستقر قاعدته.
ومرسومنا لهم أن يتقدموا بتمكين نائب المشار إليه من تعاطي الأحكام الشرعية وإقامة ناموس الشرع الشريف إلى حين توجهه من أبوابنا العالية وتقْوية يده وشد عضده ومعاملته بكل جميل وكل رعاية، ومساعدته على تنفيذ الأحكام الشرعية وإقامة ناموس الشرع الشريف من غير تهاون في ذلك ولا إهمال.
وليعتمدْ هذا المرسوم الكريم كل واقف عليه وسامع وناظر إليه وليعمل بمضمونه ومقتضاه، من غير عدول عن لفظه ولا خروج عن معناه، والخط العالي أعلاه، والحجة بفحواه، إن شاء الله تعالى.
بتاريخ مستهل شهر صفر الخير سنة خمس وعشرين وتسعمائة. والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
ومرسوم المالكي بمضمونه، وكذا مرسوما (١) الشريف، وأرسل كل منهما ورقة للشريف والحنفي وورقة لقاضي القضاة الشافعي وورقة لأخيه أبي السرور بنِيابَتِهِ في
стр. 140
القضاء، وكذا لإمام الحنفية شهاب الدين أحمد بن البخاري، ولم يكتب له ورقة، وقال لأخيه العمدة في النيابة ولنائبهما ورقة لولده علي بالنيابة فقط.
فعند وصول هذا الخبر إليهم مع قاصد الحاكم مبارك بن بدر خلع على كل من أخي الحنفي وابن المالكي ثوب صوف عليه، ودقتْ النقارة على بابهما وهنأهما الناس بالولاية، وتألم كثير من الأخيار لعزل القاضيين اللذيْن قبْلهما لكِبَر سِنهما وعلمهما ودينهما، فالله تعالى يلطف بالمسلمين ويُعينهم.
ووصل مع هذا القاصد عدة أوراق للناس فيها أخبار كثيرة منها غلو الحب بالقاهرة (١)، بحيث بلغ الإردب بسبعين محلقًا ثم نزل إلى ستين محلقًا، والرطل السمن بأربعة محلقة.
وفي يوم تاريخه وصل الخبر من جدة أن مراكب الهند الأربعة دخلتْها في صباح السبت سلخ الشهر وهي الشاهي الكبير ويوسف التركي وطليعته وبركات الحلبي أربعتهم من كنباية، وظهر ففرح الناس بذلك فرحًا كثيرًا، فالله تعالى يديم أفراح المسلمين ويُرخّص أسعارهم.
وعرض عرْضة حسنة في ثاني يوم دخولهم، ونزل ناخوذة الشاهي حاملًا (٢) على رأسه بالمصحف الشريف الذي وصل به معه بخط السلطان مظفر شاه صاحب الصدقة العظيمة الواصلة في سنة تاريخه جزاه الله تعالى خيرًا وأمر بوضع المصحف في المسجد الحرام. وقرر في تقدمته الخواجا الأصيل بدر الدين حسن قاوان، وكان في الهند عنده، وقرر كثيرًا من أهل مكة من صدقة مرسل بها في هذا العام، وهي كبيرة جدًا لم يرَ
стр. 141
مثلها، ومقدارها نحو من ستين ألف دينار غالبُها لأهل مكة والباقي لأهل المدينة الشريفة. وسمعنا أن غالبها قماش ولاك ونيل (١)، ويعطي للمقررين ما قُرر لهم وللشريف خمسة آلاف وربطة قماش، والباقي يُبْنَى بها مدرسة بمكة المشرفة ويُجْعل فيها حضور عشرة أنفس كل واحد باثني عشر أشرفية وشيخهم إمام الحنفية، وتدريس لفقه الحنفية يباشره قاضيهم وغير ذلك مما لا يُتحقق، فالله تعالى يتقبل منه ذلك ويجزيه عليه الجزاء العظيم في الدنيا والآخرة. فإن ذلك وقع به عند أهل الحرمين موقعا كبيرا، لما هم فيه من ضيق (٢) الحال لغلو الأقوات واستمراره مدة طويلة.
وفي ليلة الأربعاء رابع الشهر دخل الجمال محمد ابن الشيخ فخر الدين أبي بكر ابن سليمان الشيخ المكي على زوجته البكر المراهق ابنة الشيخ العلامة بدر الدين محمد ابن أحمد الجناحي (٣) المالكي الأزهري نزيل مكة في بيت والدها. وبرز في صباحه ولم يُهنِه أحدٌ لاختياره لذلك. فالله تعالى يجعل كلًا منهما مباركًا على صاحبه. ومما قدره الله تعالى عليهما عدم الالفة والمنافع، فأقاما في خصام نحو الشهرين ثم تفارقا، فالله تعالى يُغنيهما من سعة فضله، ويعوض كلًا منهما خيرًا.
وفي يوم السبت سابع الشهر ابتُدئ في تفرقة حب صدقة السلطان (٤) الأشرف قايتباي على أهل رباطه بمكة، الواصلة بحرًا في عام تاريخه ولها سنين منقطعة، جملته
стр. 142
ثلاثمائة إردب، أصْرِف منها قدر أربعين إردبا (١)، والباقي فُرق على أهل الرباط والأيتام وأهل المجمع من طلبة العلم وجملة من الوظائف غير الصوفية (٢) لكل واحد خمسة عشر ربْعية عن كل شهر مجموع كل شهر ثلاثة وعشرين إردبًا، أعطي لكل واحد عن عشرة أشهر، فارتفق بها كثير من الناس وتضاعف دعاؤهم للواقف والناظر جزاهم الله خيرًا.
وفي مغرب ليلة الإثنين تاسع الشهر وصل إلي كتابٌ من جدة المحروسة أرسله صاحبنا الخواجا الأصيل بدر الدين حسن ابن الخواجا حسين قاوان المكي الواصل من الهند صُحْبة المراكب والصدقة المظفرية، وكان هو غائبًا في الهند في خدمة السلطان مظفر المذكور، مضمونه الإخبار بوصوله إلى بندر جدة في المركب الشاهي يوم السبت سلخ ربيع الثاني، ونزل منه ثاني شهر جماد الأول صحْبة أهل المركب والوكيل على الصدقة الملك محمد بن شيخ بن علي الكيلاني الشافعي والناظر عليها الخواجا صلاح الدين ومعهم المصحف الشريف بخط الملك مظفر شاه محمول على الرؤوس، فلما وصلوا إلى الساحل تلقاهم الأمير قاسم نائب جدة والجمالي محمد بن راجح الوزير بها وقاضيها الجمالي بن ظهيرة والتجار بها وخلق من العامة، فقبلوا المصحف ووضعوه على رؤوسهم ومشوا معه من باب الفرضة (٣) وهو محمول قدامهم إلى أن وصلوا إلى بيت الوكيل بتهليلة عظيمة وأعلام ومعهم الشيخ عبد الرزاق المساوي وكان وصل معهم من الهند.
стр. 143
وأما الصدقة الواصلة صحبتهم فهي عظيمة لم يُسْبَقْ صاحبها، وهي كلّ لكّ بخمسة آلاف أشر في فمجموعها نحو ستين ألف دينار، منها ستة لكوك ونصف لأهل مكة، وأربعة لكوك ونصف لأهل المدينة الشريفة، غير قماش وبضائع وهدايا للشريف.
تفصيل ذلك لكّان (١) عن سنتين ماضيتين، عن سنة اثنتين وعشرين والتي (٢) بعدها، وأربعة لكوك ونصف خدمة لوصول المصحف الشريف. ولأهل المدينة لكّان عن سنتين ماضيتين، ولكّان ونصف خدمة للمصحف. وقُرر في خدمة المصحف بمكة كاتب هذه الرسالة وجعلوا له في كل عام معلوم ستين دينارًا ويوضع في المدرسة التي أمر السلطان بعمارتها بمكة، وأرسل السلطان لكين تَنْكة (٣) غير الأحد عشر لكًّا يُشْترى بها بيوت وتعمر وتوقف على المدرسة ويُقَرر فيها عشرة أنْفس شيْخهم إمام الحنفية السيد عبد الله البخاري، وعشرة أنفس من الحنفية يدرسون (٤) بها وشيخهم القاضي الحنفي، وقرر لكل واحد منهم أربعة وعشرين أشرفيًا، وشيخهم ثمانية وأربعين، وعشرة أنفس يقرؤون القرآن وشيخهم إمام الحنفية ورتب لكل واحد منهم اثني عشر أشرفيًا ولشيخهم عشرين (٥) أشرفيًا، وللداعي عشرة أشرفية.
وكان السلطان اتفق مع الخواجا إبراهيم ابن الشيخ علي الشامي التاجر نزيل مكة وكان بالهند في مشترى دارهم (٦) المجاورة للمسجد الحرام بجانب باب الصفا التي صارت
стр. 144
إليهم من الخواجا إبراهيم بن الزمن على إعطائه مائة وعشرة قِطَع لكّ، ويجعلها مدرسة، فقام بعض الناس عارض في ذلك وقال: إن البيت اشتراه أخوه ومات وله أولاد، فوقف الأمر ووُضع اللكّ تحت يد الوكيل حتى ينظر المشترى والمشاطر ويتأملهم، فإن كان البيت يساوي ذلك فيشترى وإن كان فيه غبن فاحش فلا يُشترى. وبلغ السلطان أمر اللكّ في العام الماضي وما حصل للناس فيه من النقص فاغتاظ غيظًا عظيمًا وأمر الوكيل أن يبيع العروض التي جمعها ولا يقسم الصدقة إلا ذهبا نقدًا، وعين السلطان، نصره الله تعالى، لصاحب مكة الشريف بركات أيده الله تعالى ستة آلاف أشرفي وهدية تساوي أربعة آلاف أشرفي، الجملة عشرة آلاف وسأل فضله في عدم التعرض للصدقة وأخْذ الثلث منها على عادته وقال السلطان لوكيله: إن سمع الشريف ذلك حمدناه على فعله وإلا لا يُعطى شيئًا وتُخلى الصدقة مرمية ونكاتب السلطان سليم شاه وصاحب مصر ونخبرهم بما وقع ومهما أمر به نفعله، فنسأل الله تعالى أن يُصلح الأحوال ويوفق ما بينهم.
وقُررَ جماعة كثيرون من الفقهاء في هذا العام بواسطة كاتب الرسالة، وأكثر ما يكون لكل واحد إلى المائة، وأقل ما يكون إلى الخمسين والثلاثين. [وكانت المبالغ الكثيرة للصفويين بواسطة الوزير خداوند خان] (١).
وسُمَي جماعة منهم كاتب هذه الأحرف وابن أخيه وبعض أقاربه وأصهاره وغيرهم من أصحابه بواسطة ذكره لهم في رسالة أرسلها لكاتب الورقة وخاله الشيخ شرف الدين أبي القاسم بن فهد، وقال: كل مَن كان له اسم في القديم يقبض مرتين عن العام وهذه السنة، وأيضًا يقبض حصة في الخيرات العامة التي هي صحبة المصحف
стр. 145
الشريف المتجددة هذه السنة. فالله تعالى يتقبل من هذا الملك فعل الخيرات، ويغفر له السيئات، وينصره نصرًا عزيزًا، ويفتح له فتحًا مبينًا، فإنه انفرد بفعل هذا عن سلاطين زمانه، فصار بذلك أوحد عصره وأوانه، فقد فاض إحسانه على الحرمين الشريفين.
وفي عصر يوم الإثنين تاسع الشهر المذكور وقع في المدرسة الأشرفية خصام بين القاضي الحنبلي محيي الدين عبد القادر بن ظهيرة والشيخ أبي الفضائل ابن الضياء الحنفي بسبب جلوس ثانيهما على طرف إيوان صغير بجانب أولهما مُعْتَلٍ عليه، فأمره بالنزول إلى جانبه فامتنع من ذلك فقام إليه وجره إلى أسفله، وتكالما كلامًا فاحشًا، فقام إليهما القاضي شرف الدين يحيى ابن القاضي عز الدين بن الفائز بن ظهيرة ومسك ابن الضياء وتوجه به إلى مجلسه فسكن الكلام. ثم بعد الحضور طلب القاضي الحنبلي خصمه بالتوجه إلى القاضي الشافعي، فتواصلا إليه ووقع بينهما خصام بحضرته ثم انفصلا على غير طائل. وانتقد الناس على كل منهما فعله فلا قوة إلا بالله. [والحنبلي شرير سفيه جاهل] (١).
وفي مغرب ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه ماتت سيدة الجميع ابنة الخواجا جمال الدين محمد بن محمود الفومني، زوجها القاضي عز الدين الفائز بن ظهيرة، ولها معه سنة كاملة إلا يومًا، فجهّزتْ في بيت والدها بالشبيكة، وصلّي عليها بعد صلاة الصبح، وشيّعها الأعيان، ودُفنت بتربة سلفها عند الشيخ الزيلعي، وعُمل لها ربعة صباحًا ومساءً، وختم لها في يوم الجمعة رابع موتها رحمها الله تعالى. وخلفتْ زوجًا ووالدة وأخًا وأختًا شقيقين. وبلغني أنها أشْهدتْ قبل زواجها أنها ليس لها ملك بل جميع الذي معها لأمها، وما ورثتْه من أبيها ملك لأخيها، والله أعلم بحقيقة ذلك.