← История

История · id 30010

نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى

جار الله ابن فهد المكي

Полный текст (818 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مثلها، ومقدارها نحو من ستين ألف دينار غالبُها لأهل مكة والباقي لأهل المدينة الشريفة. وسمعنا أن غالبها قماش ولاك ونيل (١)، ويعطي للمقررين ما قُرر لهم وللشريف خمسة آلاف وربطة قماش، والباقي يُبْنَى بها مدرسة بمكة المشرفة ويُجْعل فيها حضور عشرة أنفس كل واحد باثني عشر أشرفية وشيخهم إمام الحنفية، وتدريس لفقه الحنفية يباشره قاضيهم وغير ذلك مما لا يُتحقق، فالله تعالى يتقبل منه ذلك ويجزيه عليه الجزاء العظيم في الدنيا والآخرة. فإن ذلك وقع به عند أهل الحرمين موقعا كبيرا، لما هم فيه من ضيق (٢) الحال لغلو الأقوات واستمراره مدة طويلة. وفي ليلة الأربعاء رابع الشهر دخل الجمال محمد ابن الشيخ فخر الدين أبي بكر ابن سليمان الشيخ المكي على زوجته البكر المراهق ابنة الشيخ العلامة بدر الدين محمد ابن أحمد الجناحي (٣) المالكي الأزهري نزيل مكة في بيت والدها. وبرز في صباحه ولم يُهنِه أحدٌ لاختياره لذلك. فالله تعالى يجعل كلًا منهما مباركًا على صاحبه. ومما قدره الله تعالى عليهما عدم الالفة والمنافع، فأقاما في خصام نحو الشهرين ثم تفارقا، فالله تعالى يُغنيهما من سعة فضله، ويعوض كلًا منهما خيرًا. وفي يوم السبت سابع الشهر ابتُدئ في تفرقة حب صدقة السلطان (٤) الأشرف قايتباي على أهل رباطه بمكة، الواصلة بحرًا في عام تاريخه ولها سنين منقطعة، جملته

стр. 142

ثلاثمائة إردب، أصْرِف منها قدر أربعين إردبا (١)، والباقي فُرق على أهل الرباط والأيتام وأهل المجمع من طلبة العلم وجملة من الوظائف غير الصوفية (٢) لكل واحد خمسة عشر ربْعية عن كل شهر مجموع كل شهر ثلاثة وعشرين إردبًا، أعطي لكل واحد عن عشرة أشهر، فارتفق بها كثير من الناس وتضاعف دعاؤهم للواقف والناظر جزاهم الله خيرًا. وفي مغرب ليلة الإثنين تاسع الشهر وصل إلي كتابٌ من جدة المحروسة أرسله صاحبنا الخواجا الأصيل بدر الدين حسن ابن الخواجا حسين قاوان المكي الواصل من الهند صُحْبة المراكب والصدقة المظفرية، وكان هو غائبًا في الهند في خدمة السلطان مظفر المذكور، مضمونه الإخبار بوصوله إلى بندر جدة في المركب الشاهي يوم السبت سلخ ربيع الثاني، ونزل منه ثاني شهر جماد الأول صحْبة أهل المركب والوكيل على الصدقة الملك محمد بن شيخ بن علي الكيلاني الشافعي والناظر عليها الخواجا صلاح الدين ومعهم المصحف الشريف بخط الملك مظفر شاه محمول على الرؤوس، فلما وصلوا إلى الساحل تلقاهم الأمير قاسم نائب جدة والجمالي محمد بن راجح الوزير بها وقاضيها الجمالي بن ظهيرة والتجار بها وخلق من العامة، فقبلوا المصحف ووضعوه على رؤوسهم ومشوا معه من باب الفرضة (٣) وهو محمول قدامهم إلى أن وصلوا إلى بيت الوكيل بتهليلة عظيمة وأعلام ومعهم الشيخ عبد الرزاق المساوي وكان وصل معهم من الهند.

стр. 143

وأما الصدقة الواصلة صحبتهم فهي عظيمة لم يُسْبَقْ صاحبها، وهي كلّ لكّ بخمسة آلاف أشر في فمجموعها نحو ستين ألف دينار، منها ستة لكوك ونصف لأهل مكة، وأربعة لكوك ونصف لأهل المدينة الشريفة، غير قماش وبضائع وهدايا للشريف. تفصيل ذلك لكّان (١) عن سنتين ماضيتين، عن سنة اثنتين وعشرين والتي (٢) بعدها، وأربعة لكوك ونصف خدمة لوصول المصحف الشريف. ولأهل المدينة لكّان عن سنتين ماضيتين، ولكّان ونصف خدمة للمصحف. وقُرر في خدمة المصحف بمكة كاتب هذه الرسالة وجعلوا له في كل عام معلوم ستين دينارًا ويوضع في المدرسة التي أمر السلطان بعمارتها بمكة، وأرسل السلطان لكين تَنْكة (٣) غير الأحد عشر لكًّا يُشْترى بها بيوت وتعمر وتوقف على المدرسة ويُقَرر فيها عشرة أنْفس شيْخهم إمام الحنفية السيد عبد الله البخاري، وعشرة أنفس من الحنفية يدرسون (٤) بها وشيخهم القاضي الحنفي، وقرر لكل واحد منهم أربعة وعشرين أشرفيًا، وشيخهم ثمانية وأربعين، وعشرة أنفس يقرؤون القرآن وشيخهم إمام الحنفية ورتب لكل واحد منهم اثني عشر أشرفيًا ولشيخهم عشرين (٥) أشرفيًا، وللداعي عشرة أشرفية. وكان السلطان اتفق مع الخواجا إبراهيم ابن الشيخ علي الشامي التاجر نزيل مكة وكان بالهند في مشترى دارهم (٦) المجاورة للمسجد الحرام بجانب باب الصفا التي صارت

стр. 144

إليهم من الخواجا إبراهيم بن الزمن على إعطائه مائة وعشرة قِطَع لكّ، ويجعلها مدرسة، فقام بعض الناس عارض في ذلك وقال: إن البيت اشتراه أخوه ومات وله أولاد، فوقف الأمر ووُضع اللكّ تحت يد الوكيل حتى ينظر المشترى والمشاطر ويتأملهم، فإن كان البيت يساوي ذلك فيشترى وإن كان فيه غبن فاحش فلا يُشترى. وبلغ السلطان أمر اللكّ في العام الماضي وما حصل للناس فيه من النقص فاغتاظ غيظًا عظيمًا وأمر الوكيل أن يبيع العروض التي جمعها ولا يقسم الصدقة إلا ذهبا نقدًا، وعين السلطان، نصره الله تعالى، لصاحب مكة الشريف بركات أيده الله تعالى ستة آلاف أشرفي وهدية تساوي أربعة آلاف أشرفي، الجملة عشرة آلاف وسأل فضله في عدم التعرض للصدقة وأخْذ الثلث منها على عادته وقال السلطان لوكيله: إن سمع الشريف ذلك حمدناه على فعله وإلا لا يُعطى شيئًا وتُخلى الصدقة مرمية ونكاتب السلطان سليم شاه وصاحب مصر ونخبرهم بما وقع ومهما أمر به نفعله، فنسأل الله تعالى أن يُصلح الأحوال ويوفق ما بينهم. وقُررَ جماعة كثيرون من الفقهاء في هذا العام بواسطة كاتب الرسالة، وأكثر ما يكون لكل واحد إلى المائة، وأقل ما يكون إلى الخمسين والثلاثين. [وكانت المبالغ الكثيرة للصفويين بواسطة الوزير خداوند خان] (١). وسُمَي جماعة منهم كاتب هذه الأحرف وابن أخيه وبعض أقاربه وأصهاره وغيرهم من أصحابه بواسطة ذكره لهم في رسالة أرسلها لكاتب الورقة وخاله الشيخ شرف الدين أبي القاسم بن فهد، وقال: كل مَن كان له اسم في القديم يقبض مرتين عن العام وهذه السنة، وأيضًا يقبض حصة في الخيرات العامة التي هي صحبة المصحف

стр. 145

الشريف المتجددة هذه السنة. فالله تعالى يتقبل من هذا الملك فعل الخيرات، ويغفر له السيئات، وينصره نصرًا عزيزًا، ويفتح له فتحًا مبينًا، فإنه انفرد بفعل هذا عن سلاطين زمانه، فصار بذلك أوحد عصره وأوانه، فقد فاض إحسانه على الحرمين الشريفين. وفي عصر يوم الإثنين تاسع الشهر المذكور وقع في المدرسة الأشرفية خصام بين القاضي الحنبلي محيي الدين عبد القادر بن ظهيرة والشيخ أبي الفضائل ابن الضياء الحنفي بسبب جلوس ثانيهما على طرف إيوان صغير بجانب أولهما مُعْتَلٍ عليه، فأمره بالنزول إلى جانبه فامتنع من ذلك فقام إليه وجره إلى أسفله، وتكالما كلامًا فاحشًا، فقام إليهما القاضي شرف الدين يحيى ابن القاضي عز الدين بن الفائز بن ظهيرة ومسك ابن الضياء وتوجه به إلى مجلسه فسكن الكلام. ثم بعد الحضور طلب القاضي الحنبلي خصمه بالتوجه إلى القاضي الشافعي، فتواصلا إليه ووقع بينهما خصام بحضرته ثم انفصلا على غير طائل. وانتقد الناس على كل منهما فعله فلا قوة إلا بالله. [والحنبلي شرير سفيه جاهل] (١). وفي مغرب ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه ماتت سيدة الجميع ابنة الخواجا جمال الدين محمد بن محمود الفومني، زوجها القاضي عز الدين الفائز بن ظهيرة، ولها معه سنة كاملة إلا يومًا، فجهّزتْ في بيت والدها بالشبيكة، وصلّي عليها بعد صلاة الصبح، وشيّعها الأعيان، ودُفنت بتربة سلفها عند الشيخ الزيلعي، وعُمل لها ربعة صباحًا ومساءً، وختم لها في يوم الجمعة رابع موتها رحمها الله تعالى. وخلفتْ زوجًا ووالدة وأخًا وأختًا شقيقين. وبلغني أنها أشْهدتْ قبل زواجها أنها ليس لها ملك بل جميع الذي معها لأمها، وما ورثتْه من أبيها ملك لأخيها، والله أعلم بحقيقة ذلك.

стр. 146

وفي عصر يوم الجمعة ثالث عشر الشهر ماتت عائشة شقيقة خوند زوجة الأشرف قايتباي زينب ابنة العلائي علي بن خاص بك بعد توعكها نحو جمعة بالحمى. فعمل لها فسقية جانب تربة الأمير تَنِبِك الجمالي (١) في حضيرة مختص الخادم (٢) بالمعلاة في يوم وليلة. واستمرتْ في منزلها إلى أن تغيرتْ وأرْوحت، فجهّزت في ظهر ثاني تاريخه وصلّي عليها عند باب الكعبة قبيْل صلاة العصر، وحصل على نعشها بشخانة خفيفة كعادة الخوندات بالقاهرة، وشيّعها جماعة قليلون لبروزهم بنعشها في هذا الوقت وخوفهم من ازدياد الرائحة الكريهة. فدُفنتْ في الفسقية التي أعِدتْ لها، رحمها الله تعالى وخلفتْ ابنة بالقاهرة من الأمير الدوادار وضُبِط موجودها بعد يومين وهو قليل بالنسبة إلى حالها، فإنها تزوجتْ ستة أمراء، مقدمين مات كل منهم معها وورثته، لكن الأروام صادروها وأخذوا منها نحو مائتي ألف دينار على ما يُقال. وفي يوم الإثنين سادس عشر ضرب النويري علي بن عبد الحق المالكي الجديد الزيني عبدوه ابن الشيخ نور الدين بن ناصر بيده ورمى (٣) عمامته من على رأسه بسبب أنه تكلم على بعض الرسل الذين أرسلهم القاضي المذكور خلف شخص هرب منه إلى الكعبة الشريفة ولزمها فقال للرسول: أنا أؤدي الخصم للقاضي، فلما توجّه به إليه سبه سبًا فاحشًا ومنعه من الشهادة على بابه. فتشوش كثير من الناس لفعله هذا وجرأته على الخصم وغيره من الناس بالضرب والسب الذي لا يليق فعله لأكثر منه، لكن الولد سر أبيه فالله يهلكهما ويُريح المسلمين من أحكامهما القراقوشية وأفعالهما الطاغوتية والجبروتية.

стр. 147

وفي عشاء ليلة الأربعاء ثامن عشر الشهر وصل إلى مكة ميتًا الوزير بجدة الجمالي محمد بن راجح بن شُمَيْلة الحفيصي الجدي، وكان موته فجأة بخارجها في الليلة قبل تاريخه، وحُمل منها في صباحها فجهّز في ليلته وصلّي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة وظهرت له رائحة كريهة فصار بعض الناس يُقلّ الرحمة عليه. وشيّعه جماعة من الأعيان ودُفن بالمعلاة في تربة أعدها لشيخه العارف بالله الجنيد بن محمد المشرع اليمني في حياته، ودُفن بجانبه لطلب بركته، نفع الله به وغفر للميت بسببه، فإنه كان كبير العشارين بجدة والمتسبب في الغلاء لأهل مكة لتحكيره لأقواتهم الواصلة بحرًا، وتقتْيره على المتسببين برأ فالله تعالى يسامحه، وإن شَمَتَ به خلق من الناس. وأنشد فيه بعض الشعراء الأكياس: هلك الكلب فجأة … أيها الناس كبروا وأشعلا قبره لظى … يا نكير و منكر وخلف ابنة صالحة وذكرًا مراهقًا اسمه إسماعيل يغلب عليه البَلهُ وبنتًا بالغًا، فخُتِمتْ بيوته وعُلقت الفرضة السلطانية، وتعطل أهل المراكب الهندية من التنجيل حتى تولى الشريف حمن (١) وتولى عوضه. وفي صبح يوم الجمعة عشرين الشهر عُمل له ختم بالمعلاة وتوجه ولده وأولاد أخيه إلى الشريف في جهة اليمن بسببه، فالله تعالى يعفو عنه ويعوضهم فيه. وفي عصر تاريخه سافر قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة القرشي إلى جدة المعمورة بسبب موسم الهندي ووادَعَه جماعة من الأعيان في منزله وتوجه صحبته ابن أخيه المحيوي ابن القاضي بهاء الدين.

стр. 148

وفي ليلة الأحد ثاني عشريْ الشهر وصلت إلى مكة الشريفتان (١) أم السعود وبيدح ابنتا (٢) السيد عجل أختا (٣) الشريفة أم الكامل زوجة السيد الشريف بركات صاحب عند أختها بفريق زوجها في اليمن وأخبرتا (٤) بتكلم الشيخ علي العماري الحجاز من صاحب حلي مع الشريف بركات في الصلح بينه وبين عرب القرب عبيد بن يعقوب على إعطاء أربعين درعا وأربعين فرسًا ويرجع عنهم وهو متوقف في ذلك، فالله تعالى يقدر له خيرًا ويُعامله بلطفه فإنه بركة الحجاز على الإطلاق، وملكه بالاستحقاق. وفي ليلة السبت ثامن عشريْ الشهر ولد لقريبنا الإمام أبي اليمن محمد ابن الإمام أبي السعادات محمد ابن شيخنا قاضي القضاة الإمام محب الدين الطبري المكي الشافعي ولد مبارك إن شاء الله تعالى سماه .... (٥) وأمه الشريفة .... (٥) ابنة الشريف أبي الخير محمد الحسني الفاسي، فالله تعالى ينشؤه نشأً صالحًا، ويجعله ولد الحياة عالمًا فالحًا. وفي ليلة الأحد ثاني تاريخه ماتت المرأة الجليلة زينب ابنة الخواجا محمد بن عبد الرحمن المسيني البصري الأصل المكي بعد وجعها مدة طويلة فجهّزها صهرها زوج ابنتها صاحبنا الخواجا أبو الخير بن عبد القادر ابن فريوات الدمشقي في ليلتها، وصلّي عليها عند باب الكعبة الشريفة بعد صلاة الصبح، وشيعها جماعة من الأعيان ودفنت بتربة سلفها بالمعلاة، وخلفت بنتًا وأخًا وأختًا، وحضر جهازها الشرائف صاحباتها (٦)

стр. 149

وأمعنوا في جهازها، وما وسع المتقدم في ذلك إلا الموافقة. فالله تعالى يخلف عليهم بها .... (١) عمل خيرًا ويُعظم لهم الأجر، ويُجْزل لهم الثواب والصبر. وفي يوم تاريخه وصل الخبر إلى مكة بولاية يحيى بن سبيع الجدي لوزر جدة عوض عمه الجمالي محمد بن راجح، وأشرك ابن عمه المراهق إسماعيل وجعل عليهم مالًا، يُقال سبعة آلاف دينار وأرسل الشريف معهم قاصدًا لتسلم المال، فدخلا جدة قبل تاريخه وباشرا الوظيفة وهنأهما الناس بها، فالله تعالى يعينهما ويوفقهما لفعل الخير. شهر جماد الثاني، أهل باليمن والبركة من سنة ٩٢٥ هـ (١٥١٩ م) استهل في ليلة الإثنين ناقصًا. وفي يوم السبت سادسه جاءت أوراق إلى مكة وإلى جدة (٢) بأخبار تفرقة الصدقة المظفرية الهندية على يد وكيلها في يوم الخميس رابع الشهر، فهرع كثير من الفقهاء للتوجه إليها فلما وصلوا الجدة وجدوا جماعة الشريف منعوا الوكيل من التفرقة حتى وصل الشريف من اليمن. وكان قبض جماعة القاضي الشافعي بني ظهيرة وكثير من الأعاجم، فتشوش الناس لذلك وحصل لهم .... (٣) بتكلفِهم للشخوص وطلبهم وعدم قضاء حوائجهم، وتوجه بعض الناس في الكتابة له عند باب القاضي الشافعي بجدة فبلغه ذلك فتكلم عليه ومنعه من الكتابة. فصار الناس لا يُخْلونه من المباطنة في المنع وتعليم

стр. 150

جماعة الشريف ذلك، وكثر تشويش الناس معه خصوصًا وصار كثير من الفقهاء يتزاحمون في المجيء من مكة ويترددون إلى الوكيل، ويقول لهم: هاتوا لي خط القاضي الشافعي. وفي يوم الإثنين خامس عشر الشهر وصل من مكة قاضيا القضاة الحنفي نسيم الدين المرشدي والمالكي الجلال الأنصاري وهما منفصلان عن القضاء لطلب استحقاقهما من المخاصمين لهما المتوليَيْن للقضاء عنهما لغيبتهما وحضور نوابهما، وجاء الخبر يوم وصولهما من عند السيد بركات بفتح الفرضة وتعشير الهندي ففرح الناس بذلك وتباشروا بوصوله خصوصًا وقد حصل الصلح بينه وبين أهل حلي عبيد بني يعقوب المشهورين بالقرب وأنهم بذلوا له أربعين فرسًا وثلاثين درعًا وعشرة آلاف دينار، وقصد العود إلى مكة، فالله تعالى يمن بوصوله ويفرج عن المسلمين ما هم فيه من التحير وعدم قضاء حوائجهم. وفي يوم الجمعة تاسع عشر الشهر وصلتْ إلى جدة قافلة المدينة الشريفة وفيها أميرها السيد باز بن فارس بن شامان من طريق .... (١) السيد بركات صاحب مكة المشرفة وتوجه إليه بها من خارج جدة ودخل هو ورفقاؤه وهم شيخ الحرم النبوي قاضي القضاة بالقاهرة كان شرف الدين يحيى بن البرديني الشافعي وصُحْبَته ولده، وقاضي القضاة الشافعي بالمدينة الشريفة الشرفي أبو (٢) الفتح بن صالح وقاضي القضاة الحنفي شمس الدين بن الخجُنْدي، والشيخ شمس الدين محمد بن عمر وولده، وخادم الحجرة الشريفة عنبر الشجاعي الخازندار، وغيره لأجل الصدقة الهندية الواصلة لأهل

стр. 151

المدينة الشريفة الملك مظفر شاه صاحب الأعمال الكجراتية، نصره الله تعالى وأدام أيامه، فتوقف أمرهم حتى يحضر الشريف كأهل مكة، فلا قوة إلا بالله تعالى. وفي هذه الجمعة فُتِحتْ شُونة الحَب الواصلة بحرًا من ملك الأمراء نائب السلطنة الشريفة بالديار المصرية للتوسعة على أهل مكة وبيعها على سعر الوقت ليرخّص في أسعارهم ومقدارها ألف وثمانمائة إردب، منها مائة إردب صدقة على أهل الحرم الشريف جعل أمرها للخواجا الأجل شرف الدين يحيى ابن شيخ سوق الدهشة الحلبي، فأخّر أمرها حتى توجّه إلى مكة، وبيع كل إردب بأحد عشر أشرفيًا وربع مصاريف، ثم زاد دينارًا آخر، فارتفق الناس به كثيرًا فصار يعطي كل شخص إردبًا واحدًا، فارتفق الناس به كثيرًا (١) وجعل للسوق في كل يوم عشرة أرادب. واتفق في هذه الجمعة إرسال الشريف بركات إلى جدة بغلو الفرضة السلطانية التسعير بها حتى يحضر أو يرد ما أخذه بواسطة موت الشخص الرومي الذي خلف حبا وضع يده عليه نائب جدة الأمير قاسم الشرواني لمساعدة ابن أخ له أوصى به عند موته مع ديون ذكرها. فعند وصول الخبر بذلك كاتب الشريف نائب جدة وأركان الدولة بها بأن (٢) مخلف الرومي يُرد الجماعة الشريف وتُفْتح الفرضة لتفريج الهنود والتوسعة لهم لضيق الوقت عليهم في السفر. ففُتحت بعد رد جواب الشريف. وفي صبح يوم السبت عشريْ الشهر دخل الشريف بركات إلى مكة المشرفة محرمًا وطاف وسعى وتكلم معه في الطواف بعض المغاربة المبارَكين المجاورين بمكة في أمر تحكير الأقوات بها وأنه ينظر في أمر الرعية فإنه مسؤول عنهم. فرده الشيخ نور الدين بن

стр. 152

ناصر الشافعي وقال له: ليس هذا محل ذلك، فأنكر عليه الناس ذلك فسكت، وأعجب الشريف فعله وأقبل عليه وسأله الدعاء وقال له الغلاء والرخص من الله وهذا ليس مختصًا (١) بمكة، ووعده بالنداء وإظهار القوت فنُودِيَ بذلك في شوارع مكة، فقدّر الله تعالى ازدياد الأمر وارتفاع الأسعار خصوصًا الحب، فبِيعت الربعية الحَب المصرية بخمسة محلقة بعد أن كانت بثلاثة ونصف والربعية اللقيمية بستة محلقة، والأرز بخمسة ونصف، والذرة بخمسة، والرطل السمن بثمانية محلقة، والجبن بمحلقين ونصف، والعسل بثلاثة ونصف، واللحم كل رطل بمحلق ونصف ولا يوجد، والراوية (٢) الماء بمحلقين إلا ربعًا، والقربة بمحلق وربع. فتشوش الناس لذلك وكانوا يترجوْن الرخص لكن [كان] (٣) أمر الله قدرا مقدورا، واستمر الشريف بركات بمكة هو وولده الشريف أبو نميْ وثانيهما متوعك وبعض الحكماء يتردد إليه حتى شُفيَ (٤)، ثم توجّه إلى وادي مر بأرض حسان في يوم الثلاثاء ثالث عشريْ الشهر. ونزل السعر بعدهم بمكة قليلًا، وتكلم جماعة الشريف بجدة مع المسعر على حَب ملك الأمراء ومنعه من البيع حتى يحضر الشريف بركات وينظر في مُوجِبه فامتنع من البيع، وانحصر الناس لذلك وطلعتْ أسعار الحب بجدة، فلا قوة إلا بالله. وفي يوم الأحد ثامن عشريْ الشهر دخل إلى جدة أتراك الشريف نحو خمسين نفسًا وأخبروا بوصوله بعدهم فتباشر الناس بذلك.

стр. 153

وفي صبح ثاني تاريخه وصل ركابة الشريف إلى جدة فنزل في ظاهرها عند صهريج الخواجا محمد بن يوسف القاري في جهة الشام فهرع الناس من أركان الدولة وغيرهم للسلام عليه أفواجًا أفواجًا، وعمل له نُوابهُ هناك سماطًا حسنًا حضره جماعته فقط. وفي يوم تاريخه مات بمكة الشيخ العالم الصالح شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمار النوري الحلبي نزيل (١) مكة المشرفة وقارئ الحديث بها، من غير وجع سابق، بل تحركتْ عليه دموية فأُدخل المارستان المنصوري في عشية يومه فبات به ليلة ثم مات. فجهّز ضحوة تاريخه وصلّي عليه عند باب الكعبة ودفن على والدته بالمعلاة، وخلف بعض كتب وولدا غائبًا ببلده، رحمه الله تعالى ونفع به. شهر رجب الفرد جعله الله شهرًا مباركًا وقضى فيه حوائجنا من سنة ٩٢٥ هـ (١٥١٩ م) استهل كاملًا في ليلة الأربعاء ونحن بجدة المعمورة وكذا سلطان مكة السيد الشريف بركات وأولاده وقضاة القضاة والأعيان فتوجه الجميع إلى (٢) الشريف للسلام عليه في فريقه خارج البلد. وأنشده قاضي القضاة الحنفي نسيم الدين المرشدي متع بحياته قول بعضهم في التهنئة بالشهر. قد أقبل الشهر فأهلًا به … تَهَنَّ مولانا بإقباله فالله يُبقيك لأمثالنا … والله يُحيك لأمثاله

стр. 154

فأعجب الشريف بهذين البيتين وصار يكررهما، وخلع على وكيل الصدقة الهندية الشيخ العلامة الملك شمس الدين محمد بن شيخ علي القيلاني (١) الشافعي خلعة قفطان مدنّر فدخل بها إلى البلد وهو معجب بها. وفي ثاني تاريخه دخل السيد الشريف إلى جدة ونزل في بيت قاضي القضاة الشافعي، ثم توجّه راكبًا إلى نائب جدة الأمير قاسم الشرواني وسَقاه سكرًا مُذابًا ثم عاد إلى بيت قاضي القضاة الشافعي، فاجتمع به جماعة من الأعيان قضاة مكة فسلموا عليه وتكلموا مع القاضي الشافعي في أمرهم، فأمر السيد الشريف بالقاضي بعد توجهِهِ من عنده فحضّره الشريف عرار بن عجل ثم قدّم للشريف حلوى فأكل القضاة معه وانصرفوا. وأقام الشريف إلى قريب الظهر ثم توجّه إلى فريقه فعاد القضاة إلى القاضي الشافعي فوجدوا الشريف عرار عنده فتكلموا في معلوم القضاء بين القضاة المتولين والمعزولين، وتخاصم بعضهم ثم وقع الاتفاق على أن يُعطى لقاضي الدين المرشدي الحنفي نحو ثلث المعلوم لمباشرته للوظيفة عن أقل من سنة ثلاث وعشرين ونصف سنة تاريخه، والباقي لنائب القاضي المتولي قاضي القضاة بديع الزمان بن الضياء عن سنة لولايته عن سنة اثنين وعشرين والتي بعدها، ولقاضي القضاة الجلالي المالكي قريب النصف لولايته عن سنة ثلاث وعشرين ونصف سنة تاريخه، والباقي للقاضي المتولي الزيني عبد الحق النويري. وحصة كل سنة أربعين دينارًا هي معلوم سنتين ماضيتين سنة اثنين وعشرين والتي بعدها، وإنعام عن سنة تاريخه لوصول المصحف الشريف وتأخير الهند معلوم - سنتين على ما يقال - هما سنة تاريخه والتي قبلها. وحصل بوصول هذه الصدقة لأهل الحرمين الشريفين غاية الخير والرفق.

стр. 155

وفي صبح يوم الجمعة ثالث الشهر توجّه الوكيل والناظر إلى فريق السيد الشريف فوقع الكلام في الصرف للمستحقين المقيمين بجدة، فأنْعم الشريف بالصرف لهم وألبس الناظر والمباشر على الصدقة خلعة حسنة ودخلا إلى البلد. ثم اجتمع الخلق إلى منزل قاضي القضاة الشافعي وكَتب كل واحد من المستحقين إشهادًا بما يقبضه فكُتِب له عليه وتوجّه به إلى الوكيل فكتب له بالصرف إلى الصيْرفي فقبض الناس استحقاقهم ثاني تاريخه وانفرجوا بعد الضيق، وفرح لهم كل صاحب وصديق، فالله تعالى يُجزي المحسنين، ويُصلح أحوال المسلمين، ويفرج الهمّ (١) عن المدينين، ويكتب السلامة على المسافرين، وينْصر غُزاة الموحدين، بجاه سيد الأولين والآخرين. وفي فجر يوم الإثنين سادس الشهر وُلد بمكة النجل السعيد إن شاء الله تعالى نجم الدين محمد ابن القاضي تاج الدين عبد الوهاب ابن شيخنا قاضي القضاة بالحرمين الشريفين نجم الدين محمد بن يعقوب المالكي المكي، وأمه السيدة الجليلة سيدة قريش ابنة قاضي القضاة بالحرمين الشريفين محيي الدين عبد القادر ابن الشيخ العلامة نجم الدين محمد بن ظهيرة القرشي الحنبلي. وكان والده وجده لأمه بجدة فأُرسِل قاصد لوالده، ففرح بذلك هو وأصحابه. جعله الله ولدًا مباركًا وأنشأه نشًا صالحًا وأقر به عين أبيه، ووالدته ومحبيه. وفي هذه الجمعة عاد إلى مكة الفقهاء الذين بجدة بعد قبضهم لتعلقهم في الصدقة المظفرية. وفي مغرب ليلة الأربعاء ثامن الشهر وصلت إلى جدة زعيمة من ينبع أخبَر رَكَبَتُها بوصول جلاب إلى الطور، وفيها قاضي القضاة الحنفي بديع الزمان ابن الضياء القرشي،

стр. 156

ووصل منه فيها كتاب لأخيه القاضي أبي السرور الحنفي مضمونه: الشكر ملك الأمراء والمقر الشهابي بن الجيعان، وأن رفيقه القاضي المالكي الزيني عبد الحق النويري توجه من مصر إلى الصعيد على نية العود منها إلى مكة، وأن إمام الحنابلة البدري حسن الزيني ولي قضاء المدينة الشريفة وهو يسعى في قضاء مكة، وكان للفخري أبي بكر ابن الشيخ كريم الدين بن ظهيرة. ثم بلغهم موته، وسبب ذلك ما أشيع عن المتولي قذف عرضه ولفعْلِهِ في ابنته، فبلغه ذلك فكتب محضرًا مضمونه براءته مما نُسبَ إليه وأن الناس راضون به في أحكامه وليس في البلد غيره من الحنابلة يصلح للقضاء، فكتب له فيه صاحب البلاد السيد بركات والقضاة والفقهاء والأعيان من أهل البلد وغيرهم من الغرباء الأروام، وتوجه به إلى جدة على نية السفر به ثم نأى عن ذلك وأرسل به مع نائبه الشهابي أحمد ابن الشيخ كريم الدين بن ظهيرة الحنبلي بحرًا ليوصله إلى ملك الأمراء بالديار المصرية. والله تعالى يلطف بالمسلمين ويقدر لهم خيرًا وفي ليلة الثلاثاء رابع عشر الشهر سافرت قافلة المدينة الشريفة من مكة المشرفة وفيها جماعة من الأعيان، منهم القاضي العلامة الزاهد عز الدين الفائز ابن قاضي القضاة بجدة ابن الخطيب فخر الدين أبي بكر بن ظهيرة القرشي الشافعي وأخوه القاضي الرئيس جلال الدين محمد بن ظهيرة وزوجته السيدة الجليلة أم الحسين ابنة قاضي القضاة الجمالي أبي السعود بن ظهيرة شقيقة قاضي القضاة الصلاحي والشيخ الأديب محيي الدين عبد القادر ابن الشيخ عبد الرحمن العراقي المكي ومعه زوجته وعزم على أمها وأخيها الزيني جعفر بن عبد القوي واختهما، وغيرهم من الأعاجم والسوقة ما يأتي مقدار حمولهم نحو مائة حمل، فأقاموا في وادي الجموم إلى الظهر ثم رحلوا منها ووادَعْتُهم بها، كتب الله سلامتهم وتقبل زيارتهم.

стр. 157

وبلغني أن الشريف عرار بن عجل الحسني توجّه من جدة بقافلة أخرى على نية التوجه إلى المدينة الشريفة ثم إلى ينبع. وفي ليلة الجمعة رابع عشريْ الشهر وصل إلى مكة المشرفة المتحدث على الصدقة المظفرية الهندية الملك محمد ابن شيخ علي القيلاني وصُحْبَتُه المصحف الشريف المظفري جماعة الشريف وبعض قواسة من جماعة نائب جدة، فسكن في بيت الشيبي المعروف قديمًا بدار عمرو بن العاص عند باب العجَلة أحد أبواب المسجد الحرام وتوجه الناس للسلام عليه، وتردد له جماعة من العامة لأجل الصرف عليهم فوعدهم بعد عوْده إلى جدة وبيْعه بقية القماش والأمتعة التي تحت يده. فتشوشوا لذلك وأرادوا رَجْمه فتخوفوا من الجماعة الذين صُحبته من الدولة. وفي عصر يوم السبت مات القاضي نور الدين علي بن خالص المغربي (١) نزيل مكة بها، وكان نائبَ جدة مدة في زمن الأتراك، فجُهّز في ليلته وصُلّي عليه بعد صلاة الصبح من ثاني تاريخه وشيّعه جماعة ودفن بالمعلاة، وخلف أولادًا صغارًا، ﵀. وفي ليلة الأحد المذكورة دخل السيد أبو (٢) بكر بن … (٣) القبيباتي الدمشقي على زوجته البكر كمالية ابنة شيخنا قاضي القضاة بالحرمين الشريفين النجمي محمد بن (٤) يعقوب المالكي المكي في منزل والدها، وهنأه الناس بها. فالله تعالى يجعل كلًا منهما مباركًا على صاحبه.

стр. 158

وفي عصر تاريخه زُف المصحف الشريف المظفري الواصل من الهند منزل حامله الوكيل على الصدقة، فمشى معه القضاة والأعيان من الفقهاء وأركان الدولة وغيرهم ومعهم أعلام الفقراء وهم يهللون أمامه وهو محمول على الرؤوس وله رؤية عظيمة وأبهة جسيمة ورفقته كرسي له من صندل مصفح بالفضة ودكة من خشب مخَرمة يُوضَع عليها وعدة أمتعة يوضع في وسطها من حرير وغيره، ثم وضعوه في المدرسة التي اشتراها كأبيه السلطان الأعظم والخاقان المكرم مظفر شاه نصره الله، وهي عند باب الصفا - أحد أبواب المسجد الحرام - ومطلة عليه، وكانت دارا للخواجا إبراهيم بن الزمن ثم صارت لورثة عبد الرحمن ابن الشيخ علي الدمشقي. وأمر الوكيل بالقراءة فيه إمام الحنفية السيد العلامة الصالح عفيف الدين عبد الله ابن السيد إمام الحنفية وشيخ المدرسة الحلجية (١) شمس الدين محمد البخاري الحنفي، فقرأ ابنه جانبًا من القرآن العظيم بحضرة الجماعة الحاضرين ثم بعد الفراغ دُعي لسلطان الحرمين الشريفين ولصاحب مكة ثم لصاحب الهند الملك مظفر شاه كاتب المصحف الشريف ولوزيره المسند العالي خداوند خان ثم سُلم المصحف الشريف ومفتاح المدرسة لصاحبنا الخواجا بدر الدين حسن قاوان المكي، وكان في الهند ووصل صُحبته، وجعل له على ذلك معلوم ستين دينارًا، ولم يعين القارئ في المصحف من هناك. وفي عصر تاريخه أحرم الوكيل الملك محمد القيلاني بعمرة للسلطان مظفر شاه، وبعد العشاء من ليلة الإثنين سابع عشريْ الشهر عَمل مولدًا له في المسجد الحرام حضره الأعيان من الفقهاء وغيرهم وأوقد فيه الثريات والشموع ودعي له فيه. فالله تعالى يتقبل منه ذلك ويجزي السلطان على أفعاله الجميلة أحسن المسالك.

стр. 159

وفي ثاني تاريخه سافر الوكيل الملك محمد القيلاني إلى جدة على نية العود إلى مكة. وفي هذا الشهر كان معظم الصيف، وبيع فيه الرطب غاليًا وكان رطل بُرني بمحلق ونصف ثم نزل إلى محلق، وكذا اللبان واللوز، بل بيعت اللبانة بجدة كل رطل بمحلقين للهنود، وكل حمل بخمسين دينارًا. وكيله نحو الغرارتين، عشرين مدًا مكيًا (١). وارتفع السعر في الأقوات فبيع السمن كل رطل بسبعة محلقة واللحم كل رطل بمحلق ونصف وزيادة، والحب كل ربعية بأربعة محلقة وزيادة أيضًا مع وجود الصرام في الأودية في الحب الذرة، والقربة الماء بمكة بمحلق ونصف والرطل العنب بمحلق، والخوخ كل رطل وربع بمحلق، والناس في ضرورة (٢) بسبب ذلك. فالله تعالى يرخّص الأسعار، ويكتب سلامة السفر في البراري والبحار، بمحمد وآله الأخيار. شهر شعبان المبارك، إن شاء الله تعالى من سنة ٩٢٥ هـ (١٥١٩ م) استهل ناقصًا في ليلة الخميس. وفي ليلة الجمعة ثانيه مات الشيخ المبارك ناصر الدين الواسطي البصري نزيل مكة بها وعمره نحو سبعين سنة، وقَدِمَها في العشرين من عمره، فصار يتردد إلى اليمن للمتجر ويبيع البز ثم ترك ذلك وأقبل على العبادة، وسمع على الوالد كثيرًا من الحديث، وخلف أولادًا ذكورًا وغيرهم، فجهّز في ليلته وصلّي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة، ودفن بالمعلاة بالقرب من قبر سلَفِه، رحمه الله تعالى.

стр. 160

وفي يوم الأحد سادس الشهر وصل السيد الشريف بركات من جدة إلى أرض حسان (١) بوادي مَر ومعه ولده الشريف أبو نمي وبقية جماعته. وفي ظهر يوم الجمعة تاسع الشهر برز بعض المراكب الهندية إلى خارج المرسى بجدة. وفي ثاني تاريخه برز الباقي، وفي ثالثه سافروا وهم ثلاثة مراكب (٢) الشاهي المظفري الكبير والتركي وطليعته وبركات الحلبي، وسافر فيهم خلق من التجار المجاورين بمكة من الأروام والشاميين والحلبيين والأعاجم وغيرهم، لأجل التجارة والربح الذي ما سُمع مثله في الزمن الماضي. وحصل للمركب الشاهي شدة عند خروجه من البندر ثم سلمه الله تعالى، فالله يكمل له السلامة، وكذا جميع المسافرين ولا أعْقَبَهم ندامة. وأرسلتُ مع بعض المسافرين إلى الهند مؤلفيْن عملتُهما في الشهر الماضي، أحدهما للسلطان الأعظم مظفر شاه سميته حسن السلوك في فضل الملوك، وهو مشتمل على أحاديث شريفة، وآثار منيفة، مرتب على مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة. وثانيهما لوزيره المسند العالي خداوند خان سميْتُه تحفة المسند العالي بنخبة الأسانيد العوالي، لشيخنا الحافظ السخاوي جمعتُه له بسؤال بعض أصدقائه من الهند وهو خالي الصالح الشيخ شرف الدين أبو القاسم بن فهد، نفع الله به، وجمع شملنا برؤيتِه.

стр. 161

وأرسل كثير من أهل الحرمين الشريفين جملة قصص وقصائد للسلطان مظفر شاه، نصره الله تعالى. وسافر إلى الهند جماعة لطلب الرزق من أهل مكة منهم الشيخ محمد بن أبي الخير الحريري الموقت، والشيخ نور الدين علي بن عبد الرؤوف بن ظهيرة قريب قاضي جدة، يقال بمحضر من القاضي الشافعي، وعبد الوهاب الأحمدي المنشد ورفيقه محمد البدري الحضاء (١)، والشيخ ناصر المحدث وتزاحم أهل المراكب على حمله ثم اختار الركوب مع بركات الحلبي، فالله تعالى يرزقنا وإياهم القبول، ويبلغنا غاية الأمل ونهاية السول. وفي يوم السبت عاشر الشهر وصل القاضي الشافعي إلى مكة وأقام بها جمعة، وفي يوم السبت سابع عشر الشهر توجّه إلى وادي أرض خالد (٢) أحد أودية وادي مر وصحبته ابن أخيه المحجبي ابن القاضي بهاء الدين وأحد العدول الرضي الحناوي وابنه المحبي محمد لأجل كتابة أشاهيد بين صاحب البلاد السيد بركات وإخوانه الذكور والإناث من جهة براءة بينهم لما وضع يده عليه لهم بعد وفاة والده وإرضائهم في ذلك. فوقع الإشهاد في ليلة الخميس ثاني عشريْ الشهر على الإناث، وفي صباحها على الذكور بوادي الدكناء (٣) وكُتِب بذلك مكتوب أثبت على القاضي الشافعي. وفي تاريخه سلم الشيخ عبد الكبير ابن الشيخ ياسين ابن الشيخ عبد الكبير الحضرمي المكي ما كان تحت يده من الوديعة التي وضعها عنده السيد قايتباي أمير مكة المشرفة لأولاده بحضرة عمهم صاحب البلاد السيد بركات. يُقال إنها سبعة آلاف دينار

стр. 162

نقدًا. وكتب بذلك إشهادًا بعد إذن القاضي الشافعي بدفعها لهم، فإن بعض الورثة صغار (١) وبعضهم غائب. وفي يوم الأربعاء حادي عشريْ الشهر دخل إلى جدة ثلاثة جلاب من الطور فيها حمل أمير الحاج وتليها ركبة، وفيهم قاضي القضاة الحنفي الجديد بديع الزمان بن الضياء الحنفي فتوجه إليه أخوه أبو السرور وقريبه الشيخ أبو الفضائل فلاقياه من الجلبة ونزلا معه إلى البلد فواجه نائبها وأراه مراسيمه بولاية القضاء وأكرمه بالترحيب والإنعام فأقام نحو جمعة، ثم خرج منها وتوجه إلى الشريف بركات بوادي الدكناء فواجهَهُ بها وأراه مراسيمه الثلاثة: اثنان من السيد الخنكار وواحد من ملك الأمراء نائب مصر بالوصية به والإعلام بولايته للقضاء، فقرأها وكتب على أحدها (٢) "امتثال الأمر والإجابة بالولاية". وأضافه وأعطاه فرسًا للركوب عليها عند الدخول لمكة بسؤاله. فدخل إلى مكة في ليلة الخميس تاسع عشر الشهر محرمًا وطاف وسعي وفرحتْ (٣) به والدته وإخوانه وأصحابه وهنأه الناس في صباحها بالولاية، وعُملت له سفرة طعام ودقتْ النقارة عنده. وكان قبل تاريخه بيوم توجّه القاضي الشافعي من الوادي إلى مكة فدخلها ليلة الأربعاء تاسع عشريْ الشهر فوجد مات (٤) فيها أحد جماعته المنتمي إلى أهله الشهابي أحمد بن مصطفاي الجندي الشهير بأبيه وكان صائفًا في الوادي بأرض خالد ومتوجعًا

стр. 163

زمنًا طويلًا، فقوي عليه المرض فحُمِل إلى مكة .... (١) الجميع مخلفه على جماعته منهم ابنة أخيه ووالدته وزوجته، وجعل وصيه القاضي الشافعي وأقر له بأشياء كانت محصولة له تجاه والده وأهله بحيث تياسر (٢) من ذلك وحصل الدور والأصائل وعامل وعُد من أهل اليسار. وكان عنده أدب وخفة روح وملقًى حسن (٣)، ﵀. وسمعتُ أن الدولة ختموا على بيته بالشبيكة يوم موته حتى يُنْظر في أمره ويُراجع الشريف، فلذلك لم يظهر شيء مما أوقفه وأوصى به عند موته، ولكل امرئ عمله. وفي ليلة الخميس ثامن عشريْ الشهر وُلِد للقاضي تاج الدين محمد ابن قاضي القضاة الجمالي محمد أبي السعود بن ظهيرة ولد سماه أبو السعود باسم أبيه، وكان ظهر له قبل ذلك وُلِد فسماه باسمه ومات. وأمه سعادة ابنة الشيخ نجم الدين بن ظهيرة القرشي الشافعي. وفي ليلة الإثنين سادس عشريْ الشهر مات بمكة الشيخ وجيه الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن محمد القلهاني الأصل المكي أخو (٤) الشيخ زائد الشاهد عم البرهاني السمرقندي زوج أمه، وكان نائبه في كتابة الغيبة في المدرسة الأشرفية القايتبائية بمكة، بعد توجعه لمدة طويلة، فجُهّز في ليلته وصُلّي عليه طلوع الشمس عند باب الكعبة ودُفن بالمعلاة. وفي يوم الجمعة ثالث عشريْ الشهر مات الطفل نجم الدين محمد ابن القاضي تاج الدين المالكي المولود في شهر رجب من هذه السنة بعد وجعه مدة يسيرة فجُهّز من وقته

стр. 164

وصلّي عليه عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة في تربة جده لأمه السيد أصيل، وحزن عليه والِدَاهُ كثيرًا وكذا جدتَاه وعَماته، فالله تعالى يعوضهم فيه خيرًا ويُعْظم لهم الأجر. شهر رمضان المعظم عرفنا الله ببركته وجعلنا الله فيه من المقبولين من سنة ٩٢٥ هـ (١٥١٩ م) استهل كاملًا في ليلة السبت، وابتدئ في أوله بعمل خبز للفقراء المنقطعين بمكة صدقة ملك الأمراء نائب الديار المصرية المقر الكافلي خائر بك كل يوم ألف رغيف يُعمل من إردب حب مصرية على يد الخواجا الأجل المحترم المؤتمن نخبة الملوك والسلاطين شرف الدين ابن شيخ سوق الدهشة الحلبي كما رسم بذلك له، وحصل بفعل ذلك النفع للفقراء. وفُرّق على جماعة من الفقهاء وأرباب الوظائف بالمسجد الحرام من الأئمة والمدرسين لكل واحد وَيْبة حب فارتفقوا بها مع وجود الغلاء في سائر الأقوات خصوصًا الحب واللحم والسمن فإن العمدة عليها (١) بحيث بيعت (٢) الربعية الحب المصرية بأربعة محلقة وزيادة واللقيمية بخمسة محلقة والذرة بأربعة إلّا ربعًا، والرطل اللحم الضاني بمحلقين مع عزته والرطل الجملي بمحلق والماعز بمحلق ونصف والرطل السمن بسبعة محلقة، والراوية الماء الحلو بثلاثة محلقة والقِربة بمحلق ونصف. وتألم الناس لذلك، فالله تعالى يُرخّص أسعارهم. واستمر عمل الدشيشة للفقراء في هذا الشهر مع اللذيْن قبله من عند الخواجا الكبير محيي الدين عبد القادر القاري، كان الله له وعافاه، ومن الأسواء كفاه.

стр. 165

وقرأ فيه القاضي الشافعي صحيح البخاري بالمسجد الحرام في وقت واحد بعد صلاة الصبح وبعد ظهر الجمعة وكان الصبح وقت قراءة الشفاء لبعض الملوك المتقدمين وتركه مع قراءة البخاري في الظهر والعصر وذلك لضعف بدنه واستيلاء الحَب الفرنجي (١) عليه، وما هو إلا بكثرة دعاء الناس عليه وانتقام الناس منه بما يفعله معهم، فالله تعالى يُصلحه ويوفقُه ويُلْهمه رشده. وفي يوم الأحد ثاني الشهر وُلد لقاضي القضاة الجلالي أبي السعادات المالكي ولد سّماه عبد اللطيف وسمّتْه أمه سيد الناس، وهي اسمها خديجة ابنة المعلم عمر بن محمد الحضرمي الخراز، وكان تزوجها سرًا فحملتْ منه، فلما وضعتْ (٢) هذا الولد أظهرها وتشوش أولاده وأمهم وأحباؤه لذلك، فالله تعالى يَقيه شر ما هنالك، ويسلك بنا وبه أحسن المسالك. وفي ضحى يوم الأربعاء خامس الشهر وُلد للقاضي (٣) شرف الدين أبي القاسم بن قاضي القضاة الجلالي المالكي ابنة سماها سعادة وأمها ابنة عمه ست قريش ابنة الإمام زين الدين عبد المعطي ابن الإمام مكرم الطبري الشافعي، فالله تعالى يجعلها مباركة عليه. وفي هذه الجمعة وصلت أوراق من المدينة الشريفة وفيها الإخبار أن جماعة من العرب وصلوا من الشام إلى العلاء وذكروا أن السلطان سليمان شاه ابن عثمان نوي

стр. 166

الحج في هذا العام في أربعة عشر سنجقًا كل سنجق ألف نفس ويكون صحبته نائب الشام ملك الأمراء جان بردي الغزالي، والله أعلم بحقيقة ذلك. ووصل بجدة المعمورة كاتب الصدقة الرومية سِنان بك وأخبر أنها وصلتْ معه عن معلوم السنة الماضية ذهبٌ سليمية، ففرح الناس بها وتضاعف دعاؤهم للسلطان بسببها. وفي يوم الإثنين عاشر الشهر وصل إلى مكة الملك شيخ محمد القيلاني الناظر على الصدقة الهندية المظفر شاهية، وبعده في هذه الجمعة وصل إليها نائب جدة الأمير قاسم الشرواني وكاتب الصدقة الرومية سنان بك وذكر أنه ينتظر وصول الأمين عليها بحرًا فإن أمر تفْرقتها إليه، وأفاد عزل الجماعة الذين فوض إليهم ملك الأمراء تفرقتها وهم الشيخ نور الدين حمزة الرومي والقاضي مصطفى والآغا صند الخصي نائب الديار المصرية، وذلك أنهم سألوا السلطان في تعيين مبلغ لهم لأجل سفرهم إلى المدينة الشريفة لتفرقة الصدقة، فأُعْفُوا لذلك. وفي ليلة الثلاثاء حادي عشر (١) الشهر ماتت مستولدة الشيخ عبد الله الشيبي المدعوة سنية الهندية أم أبنائه الموجودين (٢). فجهزت في ليلتها وصلّي عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة، ودُفنتْ بتربة سيدها بالمعلاة، رحمها الله تعالى وأخلف (٣) بنيها خيرًا.

стр. 167

وفي صبح يوم الخميس ثالث عشر الشهر ابتدئ في قراءة ربعة خلف مقام الحنفية بعد صلاة الصبح عقب ربعة السلطان سليم، شاه، قرر فيها ثلاثين نفرًا الخواجا الأجل المحترم شرف الدين ابن شيخ سوق (١) الدهشة الحلبي، وقال: إن قصده استمرارها إن شاء الله تعالى، لكن القصد شهر رمضان، فإنه باع حمل دقيق بأحد وأربعين دينارًا ففرقه على الجماعة الذين عينهم، كل واحد دينار وثلث، فالله تعالى يتقبل ذلك منه بمنه وكرمه. وفي ظهر يوم الجمعة رابع عشر الشهر ابتدئ في قراءة ربعة السلطان مظفر شاه الكجراتي في المدرسة التي اشتُريتْ له على باب الصفا، وقرر وكيل الملك محمد القيلاني فيها أربعة أنفس، هم إماما الحنفية البخاريان والقاضي تاج الدين المالكي وأعجمي والستة الباقين فوض أمرهم إلى قاضي القضاة الشافعي فقرر فيها أخويه البدري والتاجي وابن أخيه المحبي بن البهائي وقريبه القاضي شرف الدين ابن الفائز والبرهاني إبراهيم ابن عمه القاضي شهاب الدين ومحمد ابن الشيخ عبد الكبير الحضرمي وشيخ الفراشين النوري البيسقي في تفْرقة الأجزاء، والشرفي الصلاحي في الدعاء، واستناب كلًا من الأخيريْن في ذلك، وصرف لكل منهم نصف معلوم سنة وهو ستة أشرفية، وعَين الحضور في كل يوم بعد صلاة العصر ويترك يوم الثلاثاء، وتكون بعد صلاة الجمعة قراءة إمام الحنفية الكبير في المصحف الشريف الذي كتبه السلطان مظفر شاه بيده، تقبل منه ذلك. وقرر في طلب الدرس في المدرسة المذكورة عشرة أنفار، عين ثمانية أنفار منهم قاضي القضاة الحنفي الجديد بديع الزمان بن الضياء القرشي وهم: ١ - ولده المولود علي

стр. 168

٢ - وشقيقه أبو السرور ٣ - وعمه قوام الدين - ٤ - وإمام الحنفية شهاب الدين البخاري ٥ - وجار الله ابن القاضي أمين الدين بن ظهيرة ٦ - وابن عمه الشرفي يحيى السامي ٧ - والشيخ أبو (١) الفضائل ابن الضياء ٨ - والشرفي يحيى الرسولي. وأرسل لقاضي القضاة الشافعي تعيين تكملة العشرة أخذًا من جماعته فعين الشيخ شهاب الدين الحرازي والشيخ نور الدين علي بن عبد الرحمن المرشدي، فعين لكل واحد منهم أربعة وعشرين أشرفيًا، والشيخهم ثمانية وأربعين، وصرف لكل منهم نصف المعلوم. فتكلم القضاة الحنفي المعزول نسيم الدين المرشدي مع الوكيل وعيّن له وظيفة من العشرة، وأسقط من معلوم كل واحد من الطلبة دينارين وجعل ذلك لكل من كان قاضيًا حنفيًا معزولًا، فحُمِد على ذلك. وفي يوم الجمعة المذكور جاء الخبر إلى مكة بوصول أمين الصدقة الرومية إلى جدة فتباشر الناس به ثم لم يصح ذلك، وقيل إنه وصل إلى ينبع، والله أعلم بحقيقته، كتب الله سلامته. وفي ليلة الإثنين سابع عشر الشهر عمل الفقيه محمد ابن الشيخ عثمان بن إبراهيم الكلوي المقدسي وليمة حسنة بعد الإفطار حضرها جماعة من الأعيان لأجل زواجه بابنة الشيخ أيوب المقدسي، فدخل عليها في ليلة تاريخه، وهنأه الناس في صباحها. جعلها الله مباركة عليه. وفي يوم الثلاثاء ثامن عشر الشهر نُودي في شوارع مكة باجتماع الفقراء الرجال ثاني تاريخه في الحلقة السلطانية في المدعى لأجل تفرقة الصدقة الهندية فحضر

стр. 169

الفقراء لذلك في ثاني تاريخه فأعطى الوكيل لكل واحد أشرفيًا واحدًا (١) ثم تكاثر الناس عليه فأعطى كل واحد نصف دينار وأقل من ذلك، وأقام عندهم إلى قرب الظهر ثم انصرف عنهم ولم يعُمهم لكثرتهم، ورضى الناس غاية لا تُدرك. وفي ليلة الخميس عشريْ الشهر مات الرئيس على زمزم النوري علي بن أبي عبد الله الكازروني الأصل المكي بعد طول وجعه بالحب الفرنجي، فجُهّز من ليلته وصُلّي عليه بعد صلاة (٢) عند باب الكعبة، وشيّعه جماعة من الفقهاء ودفن بالمعلاة في تربة أسلافه، وخلف أمًا وأخًا، وكان نزل بوظيفته من الرئاسة من مدة طويلة لشقيقه الفخري أبي بكر. فلما مات قبله أخذ النزول وجحد فعل ذلك، وفرح بموت أخيه، وأخذه الله بسرعة لشماتته بموت أخيه، لكنه أشهد على نفسه قبل موته بمدة أن نزوله لأخيه صحيح وذلك بواسطة قريبه الشيخ شهاب الدين العليف وتحذيره عاقبة ذلك، فإن أخاه خلف أيتامًا صغارًا (٣) عوضهم الله خيرًا وصبرهم. وفي يوم تاريخه فرق الوكيل على الصدقة الهندية على الفقراء من النساء فكثر ازدحامهن (٤) عند ذلك فوقع الضرب عليهن (٥) من الغلمان الذين رفقته من أركان الدولة فتضررن (٦) بذلك كثيرًا وقد صرن (٧) يدعون عليه. وقد أساء التدبير في فعل ذلك،

стр. 170

فإنه لا يعرف أحوال الناس ولا يقدر على رضى كل أحد بل بلغني أن بعض أركان الدولة الذين كانوا صحبته خطفوا بعض المال الذي معه. وفي يوم تاريخه قسم الأمير قاسم الشرواني نائب جدة المعمورة مَبَرة من عنده، يقال خمسمائة دينار على أرباب الشعائر بالمسجد الحرام وغيرهم من الفقراء كل واحد بحسب حاله بِهَنَاوَةٍ من غير مشقة، فإنه طلبَهم إلى منزله وأدخلهم عنده ثم أعطى كل واحد نصيبه وأخرجه. فصاروا يدعون له وذريته كذلك، فالله تعالى يؤيده ويخلف عليه خيرًا منه. وكان أعطى قضاة القضاة ومعهم أرباب الشعائر من جدة كل واحد عشرين أشرفيًا وأكثر وأقل فوقع لذلك موقعًا عندهم وتضاعف دعاؤهم وثناؤهم عليه. وفي ليلة الأحد ثالث عشريْ الشهر كان ختم الزمامية في صلاة التراويح بالمسجد الحرام على العادة فدُعي فيه لملك الأمراء نائب الديار المصرية بإشارة محبه وأحد المقربين عنده الخواجا شرف الدين ابن شيخ سوق الدهشة الحلبي فإنه أمر المقرئ بذلك. وكان ختم إمام الشافعية في ليلة أحد وعشرين فلم يدع له، وكان الدعاء له بعد السلطان سليم شاه والسيد بركات صاحب مكة، وبعده دعي لناظر المسجد الحرام ثم نائب جدة. وكانت العادة عدم الدعاء لنائب جدة لكنه أمر بذلك وتشوش لتأخيره بالدعاء بعد الناظر، فقُدم عليه بعد ذلك في ختم الحنفي في ليلة خامس عشريْ الشهر. وفي ليلة الأربعاء سادس عشريْ الشهر حصل بمكة بعد المغرب رياح عاصفة وغيم مُطبق ثم انجلى ذلك من غير مطر وحصل سيل طالب (١) من خارج مكة بعد

стр. 171

العشاء فدخلها وصار الناس يخوضون فيه ساعة ثم وقف. فالله تعالى يُكثر الأمطار، ويُرخّص الأسعار ببركة شهر الصيام، ونبينا محمد خير الأنام. وفي يوم الخميس ثانيه كتب الوكيل أوصالًا كثيرة الجماعة من الفقهاء في الصدقة الهندية جعل لكل واحد خمسة أشرفية وأربعة وثلاثة ودون ذلك، وبعض الأكابر من الأئمة ثمانية أشرفية، وكذا المولود من بني ظهيرة وأصاغرهم ومَن يلوذ بهم، بإشارة كبيرهم (١) قاضي القضاة الشافعي. فتشوش الناس لذلك وأطلقوا ألسنتهم بالسب والدعاء لمن كان السبب في ذلك، والله أحْكم الحاكمين. وفي ليلة تاريخه ختم النوري علي ابن الحكيم الشيخ العلامة شمس الدين محمد القزويني المقيم بالروم عند السلطان ابن عثمان في مقام الحنابلة، وصلّى خلفه جماعة من الأعيان وخطب بعد الفراغ خطبة حسنة، فالله يبارك فيه، ويجمع شمله بأبيه. وأبوه حكيم السلطان سليم ورأس الأطباء عنده. وفي ليلة الجمعة ثاني تاريخه وصل إلى مكة قاضي القضاة المالكية الجديد الزيني عبد الحق النويري من عند الشريف بعد وصوله من جدة وإتيانه بحرًا من الصعيد متوليًا القضاء، فهناه الناس لذلك واغتم بعضهم بولايته، فالله تعالى يلطف بالمسلمين. [فإنه جاهل سفيه قليل الدين] (٢). وفي ظهر تاريخه ختم قاضي القضاة الشافعي صحيح البخاري على العادة، حضره القضاة المتولون (٣) خلا الحنبلي وجماعة من الفقهاء أقل من العادة، وخُلِع على القاري

стр. 172

وشيخ الفراشين وأنشد علي الجندار قصيدة من نظم غيره، وفرق الريحان على العادة وهنئ القاضي بذلك فالله تعالى يلطف به. وفي ليلة الأحد تاسع عشريْ الشهر طلع الشهود إلى جبل أبي قبيس لرؤية الهلال وتخلف القاضي الشافعي عن ذلك لوجعه فلم يُرَ الهلال لصغر، قوسه وصام الناس تامًّا بحمد الله تعالى. شهر شوال المبارك استهل كاملًا ليلة الإثنين من سنة ٩٢٥ هـ (١٥١٩ م) وفي صباحها عَيّدَ أهل مكة ونواحيها وخطب للعيد الشرفي يحيى النويري خطبة لطيفة توقف في كثير منها وعاب ذلك السامعون له. فالله تعالى يوفقه ويُلهمه صحة الخطبة. وفي مغرب ليلة الأربعاء ثالث الشهر وصل إلى مكة صاحبها السيد الشريف بركات وإخوانه حميْضة وأبو الغيث وسيسد من أجل حضور عقد ابن أخي قاضي القضاة، الشافعي، فهرع الأعيان للسلام عليه [وأظهر التألم لولاية عبد الحق النويري وعبد القادر الحنبلي، فلا تخفى أحوالهما] (١). وفي صباحها بُل سكر العقد المذكور عند بيت والد الزوجة القاضي شهاب الدين بن ظهيرة بحارة قريش وحضره القضاة المتولون (٢) وقاضي القضاة الجلالي المالكي

стр. 173

المفصول وبعض الفقهاء، وبعد الفراغ عُملتْ مَدة لطيفة ثم مدة لطيفة ثم شرب الحاضرون سكرًا وانصرفوا. وفي عصر تاريخه قُرئ في المسجد الحرام مرسوما القاضيين الجديدين (١) الحنفي بديع الزمان بن الضياء والمالكي الزيني عبد الحق النويري، حضر ذلك قليل من الناس وذلك بسؤالهم للشريف، ولم يحضر معهم القاضي الشافعي واعتذر عن ذلك. [ولم يفرح بولايتهما أحد] (٢). وفي عشاء ليلة الخميس ثاني تاريخه عُمل العقد المشار إليه أمام الرواق الشمالي بالقرب من مقام الحنفية جُعل فيه شموع كثيرة (٣) في فوانيس صغار وكبار نحو السبعة، لم تُعمل في غيره كانت مدخرة عند جديْ (٤) العريسين لأبيهما. وهما القاضي الرئيس كريم الدين محب الدين أحمد ابن القاضي بهاء الدين محمد ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام ناظر المسجد الحرام جمال الدين أبي السعود بن ظهيرة القرشي الشافعي، والمحجبة الأصيلة البكر سيدة الكل ابنة عم أبيه أقضى القضاة شهاب الدين أحمد ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام ناظر المسجد الحرام البرهاني إبراهيم بن ظهيرة القرشي الشافعي. حضره السيد الشريف، صاحب الحجاز المنيف، زين الدين بركات وإخوانه الثلاثة الماضي ذكْرهم والقضاة المتولون (٥) ونائب جدة المعمورة الأمير قاسم الشرواني

стр. 174

وخلق من الفقهاء والتجار والعامة الرجال والنساء. فابتهج الناس به وسُروا برؤيته وباشر العقد عم العريس وابن عم الزوجة الزوجة قاضي القضاة شيخ الإسلام خطيب الخطباء وناظر المسجد الحرام صلاح الدين أبو (١) المحاسن محمد بن ظهيرة القرشي الشافعي، فكان العقد على قاعدة بني ظهيرة بمائتي مثقال. وبعد الفراغ شرب الحاضرون سكرًا مذابًا بعد البخور والماورد على العادة، وأنشد المقربون بعض قصائد، ودُعيَ بعد ذلك للسلطان سليم شاه ثم ملك الأمراء نائب الديار المصرية ثم لصاحب مكة ثم لنائب جدة ثم لناظر المسجد الحرام، وانصرف الخلق بعد تهنئة العريس وعمه، فالله تعالى يجعل ذلك مباركًا عليهم. وفي عصر يوم الجمعة خامس الشهر ابتدئ في لعب العيري أمام منزل والد الزوجة بحارة قريش. وفي ليلة السبت سادس الشهر ماتت نور الصباح الحبشية مستولدة الشيخ كمال الدين أبي البركات بن أبي الفضل الزين المكي، وكان توعكها نحو نصف شهر في الوادي وغيره وجاءت إلى مكة، فجهزت في ليلتها، وصلّي عليها ضحى تاريخها عند باب الكعبة، وشيّعها جماعة من الفقهاء ودفنت بتربة أسلاف سيدها في المعلاة بالقرب من الفضيل بن عياض رحمها الله تعالى وعوض سيدها خيرًا، وخلفت بنتًا سباعية. وفي صبح يوم الإثنين ثامن الشهر عُملت فازة لعرس ابن أخي قاضي القضاة الشافعي في منزله بحارة بني ظهيرة في السويقة حضرها القضاة المتولون والمفصولون (٢)

стр. 175

وغيرهم من أهل الزوجين والفقهاء، وقدم لهم حلوى سكرية ولوز مُلبس، وكانت العادة معمولًا. وفي صبح يوم الأربعاء عاشر الشهر حضر في فازة قاضي القضاة الشافعي خلق من قضاة القضاة المتوليين والمفصولين وغيرهم من الفقهاء والتجار الموجودين بمكة على دِكَكٍ من خشب متعددة لأجل خروج المؤذنة على العادة. فخرجتْ مؤذنتان إحداهما لجماعة الزوج وثانيتهما (١) للزوجة. فتوجهتْ إحداهما إلى القضاة المتولّين وهم في جهة من الفازة، وثانيتهما (٢) للقاضيين المفصوليين وهما في ناحية، فألصق كل واحد من القضاة على كل واحدة دينارين، ثم اجتمعتا عند غيرهم فألصق غالب الحاضرين على كل واحدة دينارًا واحدًا (٣) وبعضهم نصف دينار، فالتمّ من ذلك نحو الثمانين دينارًا وأكثر، ودقت الطبلخانة والمغاني عند خروجهما على العادة. وبعد ذلك قدم للحاضرين حلوى سكرية ومعمولًا عظيمًا، وسلم الناس على الزوج وعمه وانصرفوا. وفي ليلة الخميس ثاني تاريخه كانت الغمرة من غير زفة للعريس لأنه وعمه لم يرضيا بفعلها. وكان السيد الشريف بركات سأل قاضي القضاة الشافعي عنها فقال: لم يفعلها، فلزما ذلك، ولعب النساء على العادة في ستارة فُعِلَتْ لهن (٤) أمام منزل والد الزوجة في حارة قريش.

стр. 176

وفي ليلة السبت ثالث عشر عُمل شراع (١) حافل في الستارة المذكورة حضره القضاة، المتوليان والمفصولان (٢) وقرابة الزوجين خلا القاضي أمين الدين بن ظهيرة وقريبه القاضي أبي البقاء لتشوشهما (٣) من عم الزوج وهجرهما له وغيرهم من الفقهاء والتجار والعامة. فلعب المغاني على العادة وقدم لهم حلوى سكرية وملبسًا وانصرفوا من غير لصق، وحمد الناس فعل ذلك. وفي ليلة تاريخه وصل الأمين على الصدقة الرومية الأمين علي بك الرومي ونزل في المدرسة العينية وتباشر الناس به وبما في يديه من الصدقة الرومية عن عامين. وفي صباحها هنأه الناس بوصوله، ونصت العروس على زوجها .... (٤) وفي السماط في منزل قاضي القضاة الشافعي، وكان هائلًا معظمًا، فيه المأمونيتان الحموي والسكب والهريسة الفستق والرغيف الأسيوطي والجرجانية والمروزية والرزان الحلوي والمفلفل والضلع المحشي والمشورات وغير ذلك من الأطعمة المفتخرة، فحضره القضاة والفقهاء والتجار والعامة ومن لا يُحصى ذكره ولم يتغير لكبره. وبعد ذلك مُد للنساء مدة لطيفة فيها من جميع الألوان المذكورة. وفي يوم تاريخه اجتمع التجار عند الخواجا بيري الرومي بعد أكلهم من السماط وجمعوا للقاضي الشافعي نقده، يُقال مائة وخمسين دينارًا ليستعين بها، كان ذلك بقية اللصق.

стр. 177

وفي ليلة الأحد رابع عشر الشهر دخل القاضي محب الدين بن ظهيرة على زوجته في منزل عمه قاضي القضاة الشافعي المعروف بِبَيْت المال، فهنأه الناس فيه وقدم لهم معمولًا حسنًا، فالله تعالى يخلفه عليهم ويجعله مباركًا بمحمد وآله آمين. وفي صباحها وصل إلى مكة الشريف عبد الله بن حسين الفراش المكي من جدة، وكان وصل بحرًا من الروم صحبة الأمين ووصلت معه جملة أوراق وأخبار، منها أن السلطان سليم شاه ابن عثمان منع أبناء العرب من دخول الروم، ومن دخلها مُنِع من الخروج منها، وأنه خرج فارًا مستخدمًا مع الأمين، وكان أهل المدينة جعلوه وكيلًا على الصدقة الرومية ولم يحصل على طائل. وجاءتني معه ورقة من أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عبد الله محمد العباسي وهو مقيم في إسطنبول مضمونها السلام وسؤال الدعاء والوصية برباط جَدهِ العباس بمكة وإخباره أنه وعد بالتوجه إلى مكة إذا قدم السلطان إلى إسطنبول ويستقر بها إلى الممات. الله تعالى يحقق له ذلك ويرزقه الثبات. وفي الأوراق الواصلة صحبته: الإخبار بموت كاتب الأسرار الشريفة كان المقر المحبي ابن الأجا الحلبي بها وبَلَدِيّه شيخ الإسلام حسام الدين حسن بن علي السيوفي الشافعي. وغلو القاهرة في جميع الأقوات بحيث بيع الإردب الحب بثلاثة أشرفية ونصف، وعُدم الخبز والدقيق في الأسواق وذلك لتوقّف بحر النيل. ثم مَنْ الله تعالى بجريانه في شهر شعبان وزاد زيادة عظيمة لم يُسمع بمثلها، ويشاع أنها عشرة أصابع من إحدى وعشرين ذراعًا، فإن صح ذلك حصل به خير كبير (١) ورخصتْ الأسعار بعد الزيادة وبيع الإردب بأربعين محلقًا ثم بثلاثين.

стр. 178

ووصل من الروم مرسوم بالقبض على الأخويْن المباركين صاحبنا المحدّث شمس الدين محمد بن علي الداودي المالكي وأخيه الشيخ شهاب الدين أحمد وتسليمهما إلى الوالي حتى يدفعا المال المودَع عندهما للأمير طقطباي نائب القلعة كان المدفون في تربته، الذي أولهما متحدث عليها (١) فقبض عليهما الوالي ولم يجد عندهما شيئًا من المال وظهر كذب الناقل لذلك. وأقاما عنده حتى يراجع في أمرهما ويدفعان كل يوم ترسيمًا نحو الدينارين. فالله تعالى يفرّج عنهما ويسلّمهما ويكفيهما شرّ المؤذين ويفرج عنهما. وفي ضحى يوم الإثنين خامس عشر الشهر اجتمع الشريف عرار بن عجل والأمين على الصدقة الرومية عند الأمير قاسم الشرواني نائب جدة، وتكلموا في أمر الصدقة الرومية وأنّ الأمين يؤخّر تفرقتها حتى يواجه الشريف بركات ويُريه المراسيم الواصلة صحبته على ما جرتْ به العادة، فأظهر الأمين تشويشًا لذلك وعتبًا على جماعة الشريف بما فعلوه معه في بندر ينبع ثم جدة. فاعتذر له الشريف بعدم معرفتهم له، وتفرّقا على نية التوجّه إلى الشريف بالوادي. ثم في آخر النهار أشيع توجّه الشريف إلى جهة جدة فتوقف الأمين عن التوجّه إليه. وفي يوم تاريخه ماتت المرأة المباركة المعمّرة عائشة ابنة سعادة الهندية والدة المعلم إبراهيم الخياط، وصلّي عليها عند باب الكعبة بعد صلاة العصر، وشيّعها جماعة إلى المعلاة، ودُفنت بتربة الهنود بالقرب من تربة الخواجا محمد سلطان، رحمها الله تعالى. وكان عمرها أزْيَدَ مائة سنة، وكفّ نظرها وخلفت ولدها إبراهيم، تحرّق عليها كثيرًا. ورأت أولاد أولاد أحفادها، فإنها رُزقت عدة أولاد مات في حياتها سبعة وخلّفت ذكرًا وبنتين هما فاطمة وزينب وبنت فاطمة سُتيت، وولدت هذه عائشة،

стр. 179

وولدت هي شمسية فسُميّة ابنة عائشة ابنة ستيت ابنة (١) فاطمة ابنة عائشة. وهذا أكثر ما رأيتُ في زماننا من إدراك زمن الأحفاد بالأجداد. وفي ليلة تاريخه مات المعلم عمر ابن المعلم أحمد بن علي بن إسماعيل السحولي المكي الخطا (٢) بعد توعّكه مدة يسيرة، فجُهّز في ليلته وصُلّي عليه بعد صلاة الصبح ودفن عند والده بالمعلاة. وكان مباركًا فاضلًا حفظ كتبًا منها الأربعين للنووي والمنهاج له واشتغل قليلًا ولازم طريقة التصوف والصلاة مع الجماعة وكثرة الطواف، رحمه الله تعالى ونفع به. وفي ليلة الخميس ثامن عشر الشهر مات الشريف حميدان بن شامان ابن .... (٣) الحسيني الشرفي صهر صاحب الحجاز السيد بركات بن محمد وابن خال أبيه. وكان قدم عليه في شهر رمضان بأرض حسان فتوعّك بها عند ابنته الشريفة غنية (٤) والدة الشريف أبي نمي وثقبة، ثم قوي عليه الألم فحُمل إلى مكة وصحبته ابنته فجهّزته وصلّي عليه بعد صلاة الصبح من يوم تاريخه عند باب الكعبة ونادى عليه الرئيس في المطاف، وشيّعه جماعة من الأعيان ودفن بالمعلاة عند قبور الأشراف خلف قبّة ابن أخته السيد محمد بن بركات. وعُمل له ختم في رابع وفاته حضره القضاة والأعيان وعزى ابنته جميع الأشراف بمكة. ولم يحضر وفاته صهره ولا أحفاده، رحمه الله تعالى وإيانا. ولأجل وفاته بطل القاضي من عمل سابع لابن أخيه، وذلك حزنًا عليه.

стр. 180

وفي ليلة السبت عشريْ الشهر سقط سقف المدرسة الجمالية وكان نائما فوقها الكاتب على الصدقة الرومية وولده فتألما لذلك وحصل لهما عاطل في يديهما، ويقال إنّ الولد يُخشى عليه، فالله تعالى يسلّمهما. وفي صباحها انتقل الكاتب منها إلى المدرسة البنجالية، المتحدث عليها الشيخ عبد الله الشيبي. وفي صبح يوم الأحد عُمل ختم بالمعلاة للشريف حميدان صهر صاحب الحجاز. وفي يوم تاريخه ماتتْ زوجة قاضي القضاة الحنبلي محيي الدين عبد القادر بن ظهيرة القرشي وشيّعها جماعة من الفقهاء بعد الصلاة عليها ضحى عند باب الكعبة، ودفنها القاضي الحنبلي في تربة السادة المشائخ الصوفية الفضيل بن عياض وعبد الله أسعد اليافعي، وكان والده دفن بها. وأخذ العزاء فيها مع أرملة مطلقة منه وهي مصرية تزوج بها في القاهرة. وتزوجتْ البنت في العام الماضي على مملوك الشريف بركات وهو غائب عن مكة لم يحضر وفاتها. رحمها الله تعالى. وفي صبح يوم الإثنين ثاني عشريْ الشهر اجتمع الشريف عرار والقاضي الشافعي ونائب جدة عند الأمين على الصدقة الرومية وتكلموا في أمرها من جهة تعلّق الشريف، صاحب الحجاز المنيف، ورأوا الدفتر وفيه أسماء له، وطالب جماعة الشريف بركات بمتعلّقه فيها، فأخرج الأمين هدية السلطان له وهي قماش بمائتي دينار فأكثر، فأخذها جماعة الشريف منه وأمروه بتأخير القسمة حتى يكاتبوا الشريف ويأتي جوابه. وحضر في المجلس الشريف عبد الله الفراش ومعه مرسوم بولاية وظيفة المشدية في المدرسة القايتبائية بمكة المشرفة ومعلومها ستون دينارًا، فعارضه الشريف عرار وقال علينا جواب السلطان وقصْدنا حدان (١) جماعة السمرقندي وأنت ابن خالته، فتشوش لذلك وانتهر
следующие страницы →