← История

История · id 30010

نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى

جار الله ابن فهد المكي

Полный текст (818 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وفي ليلة السبت ثالث عشر عُمل شراع (١) حافل في الستارة المذكورة حضره القضاة، المتوليان والمفصولان (٢) وقرابة الزوجين خلا القاضي أمين الدين بن ظهيرة وقريبه القاضي أبي البقاء لتشوشهما (٣) من عم الزوج وهجرهما له وغيرهم من الفقهاء والتجار والعامة. فلعب المغاني على العادة وقدم لهم حلوى سكرية وملبسًا وانصرفوا من غير لصق، وحمد الناس فعل ذلك. وفي ليلة تاريخه وصل الأمين على الصدقة الرومية الأمين علي بك الرومي ونزل في المدرسة العينية وتباشر الناس به وبما في يديه من الصدقة الرومية عن عامين. وفي صباحها هنأه الناس بوصوله، ونصت العروس على زوجها .... (٤) وفي السماط في منزل قاضي القضاة الشافعي، وكان هائلًا معظمًا، فيه المأمونيتان الحموي والسكب والهريسة الفستق والرغيف الأسيوطي والجرجانية والمروزية والرزان الحلوي والمفلفل والضلع المحشي والمشورات وغير ذلك من الأطعمة المفتخرة، فحضره القضاة والفقهاء والتجار والعامة ومن لا يُحصى ذكره ولم يتغير لكبره. وبعد ذلك مُد للنساء مدة لطيفة فيها من جميع الألوان المذكورة. وفي يوم تاريخه اجتمع التجار عند الخواجا بيري الرومي بعد أكلهم من السماط وجمعوا للقاضي الشافعي نقده، يُقال مائة وخمسين دينارًا ليستعين بها، كان ذلك بقية اللصق.

стр. 177

وفي ليلة الأحد رابع عشر الشهر دخل القاضي محب الدين بن ظهيرة على زوجته في منزل عمه قاضي القضاة الشافعي المعروف بِبَيْت المال، فهنأه الناس فيه وقدم لهم معمولًا حسنًا، فالله تعالى يخلفه عليهم ويجعله مباركًا بمحمد وآله آمين. وفي صباحها وصل إلى مكة الشريف عبد الله بن حسين الفراش المكي من جدة، وكان وصل بحرًا من الروم صحبة الأمين ووصلت معه جملة أوراق وأخبار، منها أن السلطان سليم شاه ابن عثمان منع أبناء العرب من دخول الروم، ومن دخلها مُنِع من الخروج منها، وأنه خرج فارًا مستخدمًا مع الأمين، وكان أهل المدينة جعلوه وكيلًا على الصدقة الرومية ولم يحصل على طائل. وجاءتني معه ورقة من أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عبد الله محمد العباسي وهو مقيم في إسطنبول مضمونها السلام وسؤال الدعاء والوصية برباط جَدهِ العباس بمكة وإخباره أنه وعد بالتوجه إلى مكة إذا قدم السلطان إلى إسطنبول ويستقر بها إلى الممات. الله تعالى يحقق له ذلك ويرزقه الثبات. وفي الأوراق الواصلة صحبته: الإخبار بموت كاتب الأسرار الشريفة كان المقر المحبي ابن الأجا الحلبي بها وبَلَدِيّه شيخ الإسلام حسام الدين حسن بن علي السيوفي الشافعي. وغلو القاهرة في جميع الأقوات بحيث بيع الإردب الحب بثلاثة أشرفية ونصف، وعُدم الخبز والدقيق في الأسواق وذلك لتوقّف بحر النيل. ثم مَنْ الله تعالى بجريانه في شهر شعبان وزاد زيادة عظيمة لم يُسمع بمثلها، ويشاع أنها عشرة أصابع من إحدى وعشرين ذراعًا، فإن صح ذلك حصل به خير كبير (١) ورخصتْ الأسعار بعد الزيادة وبيع الإردب بأربعين محلقًا ثم بثلاثين.

стр. 178

ووصل من الروم مرسوم بالقبض على الأخويْن المباركين صاحبنا المحدّث شمس الدين محمد بن علي الداودي المالكي وأخيه الشيخ شهاب الدين أحمد وتسليمهما إلى الوالي حتى يدفعا المال المودَع عندهما للأمير طقطباي نائب القلعة كان المدفون في تربته، الذي أولهما متحدث عليها (١) فقبض عليهما الوالي ولم يجد عندهما شيئًا من المال وظهر كذب الناقل لذلك. وأقاما عنده حتى يراجع في أمرهما ويدفعان كل يوم ترسيمًا نحو الدينارين. فالله تعالى يفرّج عنهما ويسلّمهما ويكفيهما شرّ المؤذين ويفرج عنهما. وفي ضحى يوم الإثنين خامس عشر الشهر اجتمع الشريف عرار بن عجل والأمين على الصدقة الرومية عند الأمير قاسم الشرواني نائب جدة، وتكلموا في أمر الصدقة الرومية وأنّ الأمين يؤخّر تفرقتها حتى يواجه الشريف بركات ويُريه المراسيم الواصلة صحبته على ما جرتْ به العادة، فأظهر الأمين تشويشًا لذلك وعتبًا على جماعة الشريف بما فعلوه معه في بندر ينبع ثم جدة. فاعتذر له الشريف بعدم معرفتهم له، وتفرّقا على نية التوجّه إلى الشريف بالوادي. ثم في آخر النهار أشيع توجّه الشريف إلى جهة جدة فتوقف الأمين عن التوجّه إليه. وفي يوم تاريخه ماتت المرأة المباركة المعمّرة عائشة ابنة سعادة الهندية والدة المعلم إبراهيم الخياط، وصلّي عليها عند باب الكعبة بعد صلاة العصر، وشيّعها جماعة إلى المعلاة، ودُفنت بتربة الهنود بالقرب من تربة الخواجا محمد سلطان، رحمها الله تعالى. وكان عمرها أزْيَدَ مائة سنة، وكفّ نظرها وخلفت ولدها إبراهيم، تحرّق عليها كثيرًا. ورأت أولاد أولاد أحفادها، فإنها رُزقت عدة أولاد مات في حياتها سبعة وخلّفت ذكرًا وبنتين هما فاطمة وزينب وبنت فاطمة سُتيت، وولدت هذه عائشة،

стр. 179

وولدت هي شمسية فسُميّة ابنة عائشة ابنة ستيت ابنة (١) فاطمة ابنة عائشة. وهذا أكثر ما رأيتُ في زماننا من إدراك زمن الأحفاد بالأجداد. وفي ليلة تاريخه مات المعلم عمر ابن المعلم أحمد بن علي بن إسماعيل السحولي المكي الخطا (٢) بعد توعّكه مدة يسيرة، فجُهّز في ليلته وصُلّي عليه بعد صلاة الصبح ودفن عند والده بالمعلاة. وكان مباركًا فاضلًا حفظ كتبًا منها الأربعين للنووي والمنهاج له واشتغل قليلًا ولازم طريقة التصوف والصلاة مع الجماعة وكثرة الطواف، رحمه الله تعالى ونفع به. وفي ليلة الخميس ثامن عشر الشهر مات الشريف حميدان بن شامان ابن .... (٣) الحسيني الشرفي صهر صاحب الحجاز السيد بركات بن محمد وابن خال أبيه. وكان قدم عليه في شهر رمضان بأرض حسان فتوعّك بها عند ابنته الشريفة غنية (٤) والدة الشريف أبي نمي وثقبة، ثم قوي عليه الألم فحُمل إلى مكة وصحبته ابنته فجهّزته وصلّي عليه بعد صلاة الصبح من يوم تاريخه عند باب الكعبة ونادى عليه الرئيس في المطاف، وشيّعه جماعة من الأعيان ودفن بالمعلاة عند قبور الأشراف خلف قبّة ابن أخته السيد محمد بن بركات. وعُمل له ختم في رابع وفاته حضره القضاة والأعيان وعزى ابنته جميع الأشراف بمكة. ولم يحضر وفاته صهره ولا أحفاده، رحمه الله تعالى وإيانا. ولأجل وفاته بطل القاضي من عمل سابع لابن أخيه، وذلك حزنًا عليه.

стр. 180

وفي ليلة السبت عشريْ الشهر سقط سقف المدرسة الجمالية وكان نائما فوقها الكاتب على الصدقة الرومية وولده فتألما لذلك وحصل لهما عاطل في يديهما، ويقال إنّ الولد يُخشى عليه، فالله تعالى يسلّمهما. وفي صباحها انتقل الكاتب منها إلى المدرسة البنجالية، المتحدث عليها الشيخ عبد الله الشيبي. وفي صبح يوم الأحد عُمل ختم بالمعلاة للشريف حميدان صهر صاحب الحجاز. وفي يوم تاريخه ماتتْ زوجة قاضي القضاة الحنبلي محيي الدين عبد القادر بن ظهيرة القرشي وشيّعها جماعة من الفقهاء بعد الصلاة عليها ضحى عند باب الكعبة، ودفنها القاضي الحنبلي في تربة السادة المشائخ الصوفية الفضيل بن عياض وعبد الله أسعد اليافعي، وكان والده دفن بها. وأخذ العزاء فيها مع أرملة مطلقة منه وهي مصرية تزوج بها في القاهرة. وتزوجتْ البنت في العام الماضي على مملوك الشريف بركات وهو غائب عن مكة لم يحضر وفاتها. رحمها الله تعالى. وفي صبح يوم الإثنين ثاني عشريْ الشهر اجتمع الشريف عرار والقاضي الشافعي ونائب جدة عند الأمين على الصدقة الرومية وتكلموا في أمرها من جهة تعلّق الشريف، صاحب الحجاز المنيف، ورأوا الدفتر وفيه أسماء له، وطالب جماعة الشريف بركات بمتعلّقه فيها، فأخرج الأمين هدية السلطان له وهي قماش بمائتي دينار فأكثر، فأخذها جماعة الشريف منه وأمروه بتأخير القسمة حتى يكاتبوا الشريف ويأتي جوابه. وحضر في المجلس الشريف عبد الله الفراش ومعه مرسوم بولاية وظيفة المشدية في المدرسة القايتبائية بمكة المشرفة ومعلومها ستون دينارًا، فعارضه الشريف عرار وقال علينا جواب السلطان وقصْدنا حدان (١) جماعة السمرقندي وأنت ابن خالته، فتشوش لذلك وانتهر

стр. 181

الرومي المتولي عليه، فالله تعالى يلطف بالمسلمين. وفي يوم تاريخه أشيع أن الشريف توجّه إلى العزيب (١) جهة اليمن، فانتظره الأمين الجمعة سادس عشريْ الشهر فلما أبطأ الجواب اتفق مع الكاتب ونائب جدة على التفرقة بعد صلاة الجمعة فحضر الجميع في بيت الكاتب وصحْبتهم الشيخ الرئيس مصطفى الرومي وبعض المستحقين والأعاجم وتأخر القضاة والأعيان لأجل الدولة المكية، فبلغ جماعة الشريف فعلهم فجاء الحاكم القائد مبارك بن بدر إلى الأمين وقال له: الأدب مطلوب، كان ينبغي لكم انتظار جواب الشريف. فأجابه الأمين بأني ما فرقت الصدقة العامة وهذه صُرر أمانة معي لأربابها، فتكلم الحاكم على بعض الحاضرين من الفقهاء فلم يجبه أحد منهم واستمرتْ القسمة إلى بعد آذان العصر. وكان في المجلس قبض الشيخ نور الدين حمزة الرومي صررًا له ولبعض جماعته وقدر ذلك مائتي دينار وتوجّه بها إلى منزله وردّ منها واحدًا زاعمًا أنه زاد معه في العدد. فتكلم الناس ذلك وقال بعض الأروام في المجلس: لا يُعرف الرجل .... (٢) وإظهار الزهد والثناء عليه غير جميل. وكان إذا حضر في مثل هذا المجلس يؤذي المستحقين، فأراحهم الله منه (٣) وعوضهم بالأمير قاسم الشرواني نائب جدة والعلامة المدرّس مصطفى الرومي فإنهما كثيرا (٤) النفع لقضاء الحوائج ومساعدة المستحقين جزاهما الله خيرًا وكثر من أمثالهما.

стр. 182

وفي صبح يوم السبت ثاني تاريخه اجتمعوا أيضًا وأرسلوا للقضاة وجماعة الشريف فحضر الجميع وروّح الأمين تعلّق الشريف من الأسماء الواردة في الدفتر لصهره الشريف عرار بن عجل، واتفقوا على التفرقة وإرضاء الشريف بعد ذلك. وحصل في أول المجلس خصام بين القاضيين الحنفي الجديد والحنبلي بسبب تعصّب ثانيهما مع القاضي الحنفي المفصول في معلوم تدريس الحنفية كان من مقابيض الحنفي الجديد وأبيه من قبله، ووقع بينهما كلام لا طائل تحته، وانتصر نائب جدة للحنفي الجديد وتكلم على الحنبلي بل من المجلس وخرج منه، ثم عاد بطلب منه ثم عاد بطلب منه للصلح بينهما. وتشوّش كثير من الناس لذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وبعد ذلك قُسم المعلوم بين القاضيين فأخذ المتولي الثلثين (١) وهو عشرون دينارًا والمفصول الثلث وفرق بقية الصرر وشرع في البيوت فأعطى بعضهم وانصرفوا بعد أذان الظهر والناس راضون بتفرقتهم داعون لسلطانهم. فالله تعالى ينصر سلاطين المسلمين ويرخص أسعارهم ويقضي الدين عن المدينين. وفي صبح يوم الأحد ثامن عشريْ الشهر فرّق غالب البيوت في الصدقة الرومية ولم يحضرها الأمين لتوعكه، عافاه الله تعالى وشفاه. وفي ثالث تاريخه وقع خصام بين نائب جدة الأمير قاسم الشرواني والشيخ المدرس مصطفى الرومي الحنفي بحضرة الكاتب على الصدقة الرومية وقت تفرقتها في منزله، وذلك أنّ الأمير - نصره الله - قصد الجميل مع أهل مكة لكونه لم ير (٢) لهم مرتبًا في الصدقة الرومية كالأعاجم والأروام فقال: يُنظر في الفائض من مال السلطان مع الأسماء الشاغرة من الأموات والغياب فيُقرر الأعيان من المستحقين من أهل مكة، فقال

стр. 183

له الشيخ مصطفى: الأروام يستحقون ذلك أكثر منهم، فقال له الأمير: السلطان ما قصد إلا أهل مكة والرومية لا يُسَمّى إلّا لهم، وليس لهم فيها مرتب. فترادا في الكلام، فقام الأمير من المجلس وتركهم فانفضوا بعده ولم يفرّقوا على أحد لأنه الناظر على التفرقة كما رسم به السلطان في مرسوم أرسله في هذا العام مع الأمين والكاتب. فكثر الدعاء من أهل مكة للأمير والوقيعة في المعارض له، فالله تعالى يخذله ويؤيد الأمير وينصره. وفي آخر النهار اجتمع جماعة من الأروام وتوجهوا بالشيخ مصطفى إلى منزل الأمير وأصلحوا بينهما، فعفا عنه واتفقوا على ما يريده من الخير، فالله يُكثر من أمثاله ويدفع عنه شرّ كل وضيع. وأشيع في هذه الجمعة وصول مركبين من عدن وأخبار ثماني مراكب بعدها. فالله تعالى يحقق ذلك ويرخّص أسعار المسلمين، ويكتب السلامة على المسافرين، بجاه سيد الأولين والآخرين. شهر ذي القعدة الحرام استهل كاملًا كالذي قبله من سنة ٩٢٥ هـ (١٥١٩ م) ويُشاع أنه رئي في بعض الأودية التي حوالي مكة بالثلاثاء ولم أتحقق صحة ذلك. ويُذكر أن قاصدًا وصل بَرًا من القاهرة إلى جدة وتوجه لصاحب البلاد الحجازية السيد بركات في جهة اليمن ويقال أخبر بإشاعة وصول الفرنج إلى جدة وحرقهم المراكب بها. وتوجّه الشريف إلى اليمن فأرسل ملك الأمراء نائب الديار المصرية عسكرًا من البحر نحو خمسمائة رومي وغير ذلك من الرماة والأتراك وعين ثلاثة آمار (١) للتوجه

стр. 184

مع الحاج بحرًا، منهم باش ومحتسب مكة وهو الأمير بكتاي الأزبكي، وأن الحاج الشامي قصدهم الوصول من طريق غزة ثم في درب المصري، والله أعلم بحقيقة ذلك. وفي صبح يوم الخميس ثاني الشهر عمل الخواجا الكبير بيري الرومي أحد أعيان الدولة الرومية سماطًا هائلًا في سطح منزله بالسويقة لأجل زواجه على ..... (١) ابنة الخواجا الأجل المحترم زين الدين عبد القادر القاري الدمشقي. وكان عقده عليها في العام الماضي في .... (٢) ربيع الأول، واستغل مونة معرفته (٣) عند جماعة أصحابه التجار. وكان فيه أطعمة مفتخرة كثيرة لم يتّفقْ فعلها لكثير من الأكابر بمكة في وقت تاريخه واجتمع فيه من الصحون الكبار والصغار قريب الألف، وما رُئيَ (٤) أطول منه ولا أعرض. وجعل فيه ألوانًا كثيرة من الحلويات والدجاج والأرز والغزلان والخرفان، يقال إنه اشترى خمسين خروفًا بمائة وخمسين دينارًا ومائتي دجاجة بنحو المائة وغير ذلك من المؤن كالسمن والعسل والأرز والقمح والخضر بما يُعْجَز عن حصره. ويقال كَلّفتْه أكثر من ألف دينار. واجتمع فيه من الألوان المفتخرة الرّزّان الحلو والمفلفل والمأمونيتان الحموي والسكب وهريستا الفستق واللحم وما بهما من الأرز والحب والزايرباج والماوردية والرغيف الأسيوطي والششيرك الحلو والحامض وغير ذلك من أطعمة العرب والعجم.

стр. 185

وفي صدره غزال مشوية وحولها أربع أوزات، وباقيه متساو في الأطعمة من الحلويات وغيرها، وكل من (١) جلس في موضع يرى منه أنه الصدر لتساوي الأطعمة فيه. وحضره نائب جدة الأمير قاسم الشرواني وكان هو القائم بأمره، ويبدأ (٢) الأعيان من القضاة والفقهاء والتجار فحضروا جميعهم في نُوَبٍ متعددة، وبعد الفراغ لم يتحرك السماط لكبره. فالله تعالى يخلف على صاحبه ويعينه على مُهِمّهِ. وفي ليلة الأحد خامس الشهر مات الخواجا الأجل النوري علي بن الزين بن عبد الحق النويري. وفي يوم تاريخه وصل قاصد من الديار المصرية وخرج منها في الثلث الأول من شوال وكان توجّه إلى السيد بركات صاحب الحجاز إلى جهة اليمن، فعاد من عنده ومعه مرسوم لنائب جدة الأمير قاسم الشرواني مضمونه الإخبار بوصول مكاتبته والشريف بركات لملك الأمراء نائب الديار المصرية. وفيها الإخبار بوجود الغلاء بمكة في القمح وغيره وذلك لخراب بوجود الأتراك بها وتخبيط المهرة (٣) في البحر وقحط بلاد زيلع لوجود اللعين (٤) بها. وأمرنا بتجهيز خمسمائة في البحر ليقيموا بجدة حفظًا للمراكب التي بها من الفرنج المخذولين، وإرسال ثلاثمائة مملوك مع الحاج المصري ومائتي فارس وخمسة إمارة فينظر في أمرهم وإن أمكن تجهيزهم إلى اليمن فيجهّزون

стр. 186

وإلّا يقيمون (١) بجدة. وحقّق القاصد خروج ركب شامي قليل على درب غزة شامي قليل على درب غزة، فقرأ الأمير قاسم مرسومه في منزله بحضرة جماعة من الأعيان. فتشوش الناس لهذه الأخبار لإقامة العسكر بمكة وأعمالها خوفًا من ازدياد الغلاء في الأقوات، فالله تعالى يلطف بالمسلمين ويقدّر لهم خيرًا. وفي صبح ثاني تاريخه عمل نائب جدة عقد مجلس عنده بالقضاة الثلاثة خلا الشافعي فإنه تعذر عن الحضور بسبب مسْتَنَدٍ كتَبَه منصور ابن الخواجا شمس الدين محمد الحموي بوقفية منزل والده الكبير بمكة وكانت أخته قد ادّعتْ الملك فيه وشهد لها جماعة بذلك منهم الخواجا جلال الدين القرشي والشريف علي الأخصاصي مع كون الأب أوصى ولم يتعرض لذلك. فطعن الولد في شهودها وأقام بينة بوقْفيته عليه وأثبتَ ذلك عند القاضي المالكي الجديد بشهادة الفقيه جمال الدين محمد بن موسى الطاهري والصلاحي صلاح الدين بن أبي البركات ابن الشيخ عبد القادر النويري والبرهاني إبراهيم بن الجمال محمد ابن الشيخ إسماعيل بن أبي يزيد، وطلب تسجيله على القاضي الحنفي الجديد بديع الزمان محمد بن الضياء فأمر بذلك فكُتِبَ السّجِل. وهؤلاء الشهود مناسبون (٢) لهذا القاضي، وأستُشهِد في ذلك بكلام بعض المتقدمين وهو: زمانك والشهود وأنت قاض … قريب من قريب من قريب فسمع القاضي المالكي والد المثبت بذلك فأرسل إلى الشاهد الزيني عبدوه ابن الشيخ نور الدين بن ناصر وطلب منه المستند فأراه له، فقال له: أتركْه عندي حتى أتأمّله

стр. 187

فتركه عنده وذهب ثم طُولِبَ به فأنكره، فاشتكى ابن الحموي الشاهد عند نائب جدة فأحضره وأراد ضربه فأخبره بقضيته مع القاضي المالكي، فأرسل إليه قواسًا فأحضره وسأله عن المستند فأنكر وتكلّم على الشاهد وقال: مثل هذا يصدق عليّ وهو عدوي وابن عبدوي؟ فأرسل الأمير إلى القاضي الشافعي وأخبره بالقضية فقال: ما جرّبْنا على الشاهد كذبًا، وتلزم القاضي المالكي يمين أنه ما أخذ المستند، فحلّف الأمير القاضي في المجلس أنه ما أخذه ولا رآه فحلف بذلك، فقال الشاهد كان أخذه للمستند بحضرة الشهابي أحمد بن بربس العطار والده … (١) هو فأرسل الأمير إليه رسالة عن ذلك، فقال: كنتُ الرسول بينهما في طلبه فحينئذ سبّ الأمير القاضي المالكي، ثم استشهد الشاهد بعبد المدّعي وهو معتوق فقال: أخذه القاضي وطالبتُه به مرارًا ووعدني به ثم أنكره. فحينئذ سبّ الأمير القاضي سبًّا فاحشًا وتهدده بالترسيم والعزل وقال الشاهبندر وكان حاضر المجلس: اليسق العثماني مَن كذب وخان يُعزل، ولعمري إنّ هذا هو الشرع، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وعند ذلك قال الشيخ نور الدين البيسقي شيخ الفراشين بمكة وهو في المجلس يمكن إعادة كتابة المستند ويؤخذ عليه خط القاضي والشهود فأمر الأمير بكتابة المستند فأحْضر الشاهد نسخة أخرى نظيرة المستند المفقود ليس عليها خط الشهود، فقال الأمير يؤخذ عليها خطهم وانفضّ المجلس على ذلك. وتشوّش الأخيار من هذه الفعلة القبيحة والوقيعة الشنيعة التي تصمّ عنها الآذان، وتنكرها قلوب أهل النظر والعميان، فالله المستعان، وعليه التكلان. وفي ضحى يوم تاريخه مات الفخري أبو بكر ابن الخواجا جمال الدين محمد بن بسطام العجمي التبريزي الأصل المكي فجهّز في يومه وصلّي عليه بعد صلاة العصر

стр. 188

وشيّعه جماعة إلى المعلاة ودُفن بتربة أبيه وحده. وخلّف ولديْن ذكريْن وغيرهما، فالله تعالى يرحمه وإيانا. وفي يوم الثلاثاء سابع الشهر شرع الكاتب على الصدقة الرومية في تفرقتها على الربط فبدأ برباط السلطان الأشرف قايتباي فحجز على أبناء العرب الساكنين به كثيرًا ومنعهم من الإعطاء ودفع للأروام والأعاجم استحقاقهم وقال: السلطان أرسل مرسومًا بأن مَن له منزل وزوجة لا يُعطى في الرباط فقيل له: في المجلس كثير من الأروام والأعاجم له منزل وزوجة وأعْطيَ، فلم يَلتفتْ لهذا الكلام. وكان حاضرًا الأمير قاسم الشرواني نصره الله فقام من المجلس مغضبًا بسبب أبناء العرب. فالله تعالى يؤيّده ويزيده من الخير. وفي ليلة الجمعة عاشر الشهر وصلتْ قافلة من المدينة الشريفة، على الحالّ بها أفضل الصلاة والسلام، فيها الشيخ محيي الدين العراقي الأديب وأصهاره أولاد الشيخ فضل بن عبد القوي الزيني جعفر وأبو (١) المكارم وكان عزم عليهما مع والدتهما وأختهما لأجل زوجته شقيقتهم، فهنأهم الناس بالزيارة، فالله تعالى يتقبلها منهم، ويخلف عليهم الإنفاق فيها. وأخبروا بغلو الأقوات فيها لسعر مكة في غالب الأطعمة خلا اليسير وهو التمر والحب واللحم، وعدم الجمال للكراء فلذلك تخلّف الزوار بها من السادة بني ظهيرة، وأنّ قفلا لاقاهم عند خروجهم منها وصل من ينبع فيها حب ورفقتهم القاضي بدر الدين حسن بن الزين الحنبلي المتولي قضاء المدينة في سنة تاريخه من نائب الديار المصرية، وقصده قراءة مرسومه بالمدينة ثم العود لمكة. [وعظم ذلك على أهل المدينة لعدم لياقته

стр. 189

للمنصب] (١). وكان الفقهاء من أهل المدينة لما سمعوا بولايته كتبوا فيه محضرًا بالحطّ عليه وسؤالهم في ولاية بَلَديّهم البرهاني إبراهيم ابن القاضي بها كان شمس الدين محمد السكندراني الحنبلي. وتوجّه بها بحرًا إلى القاهرة. فالله تعالى يقدر للمسلمين خيرًا. [فإن كلًا منهما جاهل لا يليق] (٢). وفي يوم تاريخه قسم الأروام على بعض الأربطة وحجروا على السكان بها ومنعوا بعض أهل الخلاوي من القبض، فتشوّش الناس لذلك وأطلقوا ألسنتهم بالسبّ والدعاء لمن كان السبب في قطع أرزاقهم. فالله يتقبّل ذلك، ويخلف على أهل مكة وكل قاطن بها الخير سالك. وفي يوم السبت ثاني تاريخه اجتمع الكاتب على الصدقة الرومية ونائب جدة فأخذوا من الأسماء الموفّرة مقدار ألف ذهب ناقصه (٣) وحملوها إلى وكالة الأشرف قايتباي عند الحناطين المعروفة بالحلقة وجمعوا فيها خلقًا من الفقراء الرجال والنساء ثم دفعوا لكل واحد مقدار أشرفي وبعضهم نصف وربع وأقل من ذلك إلى محلقين. فانشرح الفقراء لذلك ودعوا للسلطان، ولم يكن هذا الفعل عادة للأروام. وفي يوم تاريخه وصل الخبر إلى مكة من جدة بوصول العسكر الرومي إلى ينبع فزاد غلو الأسعار بمكة وطلع الحب بحيث بيعت الربعية المصرية بخمسة محلقة بعد أن كانت بأربعة، والنخلية بزيادة نصف بعد أن كانت بأربعة ونصف، وزادت بعد ذلك نصفًا آخر.

стр. 190

واتفق يوم تاريخه بلوغ نائب جدة أنّ عربًا وصلوا من الحجاز ومعهم أغنام كثيرة وضعوها بأرض عرفة فأرسل إليهم عبيده وقواسة له، فتوجهوا لهم إليها فما وجدوا إلا أهل البلد ونهبوا غنمهم ودخلوا بها إلى مكة. فتوجّه أهلها من العرب إلى الحاكم القائد مبارك بن بدر وعرّفوه محالّهم فتوجّه إلى الأمير وقال له: هؤلاء عرب مكة الجالبين لِلَبنِها وهم لا يبيعون غنمهم ويتولّد من فقد ذلك ضرر كبير، فرد الأغنام للحاكم وقال له الكالي أبو الفضل بن أبي علي الوزير: ترى الآن أنا أحصل لك غنمًا، فحصل له نحو ثلاثمائة رأس غنم في هذه الجمعة. والله أعلم بحقيقة ذلك. وفي عشاء ليلة الأحد ثالث عشر الشهر على رؤية أهل مكة والظاهر أنها ليلة رابع عشر على القاعدة. خسف القمر خسوفًا كاملًا لم ير مثله من زمان طويل فوجلتْ القلوب عند رؤيته ودمعتْ العيون عند مشاهدته، وصلّى له بالمسجد الحرام جماعة أمّهم الخطيب الأصيل شرف الدين يحيى ابن الخطيب فخر الدين أبي بكر النويري صلاة طويلة أخْفَى قراءته فيها، وبعد الفراغ خطب له خطبة حسنة شكرها السامعون لها، فالله تعالى يختم بخير، ويدفع عنا كل شرّ وضيْر. وفي ليلة تاريخه بعد انجلاء القمر وصلت قافلة من المدينة فيها الشيخ العارف بالله قدوة الشاهدين، وعمدة المسلكين، الغوث الفرد الجامع، ولي الله تعالى جمال الدين محمد ابن الشيخ المسند المعمّر نور الدين علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن صالح بن يوسف بن عراق الموسوي الدمشقي ثم الصالحي الشافعي (١)، متع الله بحياته وأدام النفع بعلومه وبركاته، وصحبْتُه ولده الشيخ القدوة المقرئ المسلك مربي المريدين، وأوحد الصوفية

стр. 191

المعتقدين، نور الدين علي والشيخ العلامة الزاهد مفتي المسلمين القاضي عز الدين الفائز ابن قاضي القضاة الخطيب فخر الدين أبي بكر بن ظهيرة القرشي المكي وأخوه لأبيه القاضي الأصيل الجليل عين الأمائل المعتبرين جلال الدين أبو (١) البقاء محمد والفقيه العالم الأصيل عفيف الدين عبد الله ابن الشيخ شهاب الدين أحمد بن علي الفاكهي وزوجة ثانيهم ابنة ابن عمه السيدة المصونة الجوهرة المكنونة أم الحسين ابنة المرحوم قاضي القضاة شيخ الإسلام الجمالي أبي السعود بن ظهيرة ووالدته مصباح الحبشية وغيرهم من أتباع الشيخ والجماعة بني ظهيرة وبعض أهل المدينة منهم الزيني عبد الحق ابن الخطيب شمس الدين محمد زين الدين القطان وطاهر ابن قاضي الحنفية شمس الدين محمد بن جلال الخُجُنْدي وهما من فقراء الشيخ ابن عراق. فهنأهم الناس بالزيارة والسلامة، فالله تعالى يتقبل منهم. ولم يظهر الشيخ ابن عراق في هذا اليوم وظهر في ثاني تاريخه فهرع الناس للسلام عليه في المسجد الحرام. وكان أول ما قدم سكن في حدرة (٢) القرارة عند بيت النيربي في منزل فقيره فخر الدين الحمصي المعروف بابن التراب، فخلى ولده وعياله به، ثم انتقل هو إلى منزل للخواجا عبد القادر القاري بالقرب من المسجد في زقاقنا المعروف قديمًا بابن عُطَيْعط وحديثا بالفهود. فتردد الناس إليه للسلام عليه، نفع الله به وأعاد علينا من بركاته. وفي ليلة الثلاثاء خامس عشر الشهر ماتت جانسوار التركية زوجة الأغا صندل بن عبد الله الخصي عتيق السلطان بايزيد بن عثمان، فجهّزتْ في ليلتها وصلّي عليها بعد

стр. 192

صلاة الصبح وشيّعها قضاة القضاة وخلق من الأعيان، ودفنت بالمعلاة في تربة … (١) الشيخ أيوب الأزهري المكي بالقرب من مقابر الشيخ فضيل بن عياض وغيره من السادة. وحزن عليها زوجها حزنًا (٢) كثيرًا، وعمل لها حتمًا في صبح يوم الجمعة بالمعلاة، رحمها الله تعالى، وأظهر عليها أسفًا واحتراقًا. وفي ضحى يوم تاريخه وصل الخبر إلى مكة بوصول العساكر المصرية إلى جدة المعمورة فسمع بذلك نائب جدة الأمير قاسم الشرواني وهو يقسم الصدقة الرومية على أهل رباط كلالة صحبة الكاتب عليها فانْوَهَج (٣) عند سماع هذا الخبر وقام من المجلس قبل أن يُكْمل التفرقة على أهل الرباط، وتوجه إلى منزله وطلب جماعة ممن يتعلق على الرمل فضربوا له به وأمروه بالتوجّه يوم تاريخه إلى جدة فإنه يوم مبارك، فاهتم للسفر وطاف بعد صلاة العصر وخرج من باب حزورة ووادعه جماعة من الأعيان كالقضاة والفقهاء وغيرهم. وكان السيد الشريف كاتب فيه إلى مصر. وفي صبح ثاني تاريخه فرّق الأروام على بعض الأربطة بحضرة دوادار نائب جدة لكونه له النظر على ذلك. وفي صبح يوم الخميس سابع عشر الشهر وصل الخبر إلى مكة بقبض العساكر الواصلة إليها بحرًا على نائب جدة الأمير قاسم الشرواني ووضعه في الحديد وحمْله في غراب إلى البحر بأمر نائب مصر. وسبب ذلك أنه لما وصل إلى جدة في صباح يوم الأربعاء توجّه بموكبه وصحبته

стр. 193

قاضي جدة ومباشروها (١) وغلمانه إلى محل العرضة في مكان يقال له أبو صريف (٢)، فوجد العسكر نازلين (٣) به في خيام فسلم عليهم وأكرموه بالقيام له وجلّسوه صدر المجلس والتأدب معه فأمرهم بالعرضة والركوب إلى البلد، فقالوا له: نحن الآن تِعابًا وفي غد ندخل إلى البلد، فانفض المجلس على ذلك وأقام عندهم للتأنّس بهم فأظهروا له مرسومًا من ملك الأمراء نائب الديار المصرية فيه الطلب بالتوجه إلى الأبواب الشريفة الخندكارية وعزله من نيابة جدة وتولية أمير العسكر حسين بك الرومي عوضه. فأجابه بالسمع والطاعة فقبضوا عليه فلما رأى ذلك عبيده وغلمانه المستخدمين معه أرادوا الهرب منهم ووقوع فتنة في البلد، فقبض العسكر على كثير منهم وقال الأمير قاسم الشرواني للنائب عوضه: بعضهم ملكي ويكون عندك وبعضهم مستخدم معي. قال: الأمر لهم يفترق كل ضعيف على حدة فافترقوا. فلما علم ذلك أخذ أسلحة المستخدمين من المدافع وغيرها وأطلقهم ووضع يده على العبيد المملوكين فوصى هو حسينا على أولاده وعياله ومخلّفه من الأثاث وغيره، وأرسل إلى مكة لولده الكبير إبراهيم ودواداره بها يوصيهما أيضًا فنقلا حوائجه من سكنه عند باب العمرة إلى منزل أولاده بالسويقة. وهي تحفٌ كثيرة فكان نقلهم لها يومًا وليلة. فالله تعالى يؤمنه ويُحسن خلاصه ويكتب له السلامة ويجعل عاقبته إلى خير فإنه لا بأس به في حق العرب. ويقال إن السبب في عزله والقبض عليه مكاتبة السيد الشريف بركات صاحب الأقطار الحجازية بالحط عليه. وقيل سخط ملك الأمراء نائب الديار المصرية عليه لكونه

стр. 194

بلغه أنه يتعاظم عليه ويقول: أنا مثله عمل ولقب قبله (١)، وكل منا صاحب سنجق. وقيل السبب أعظم من ذلك لأن الخنكار بلغه أنه يكاتب الصوفي الخارج، وله ميل إليه، بل أحرق الأغربة بجدة وأبقى بعضها للسفر فيها إليه، والله أعلم بحقيقة الحال. وفي صبح يوم الجمعة ثامن عشر الشهر كمّل الأروام تفرقة الصدقة الرومية على أهل الأربطة وبها تمتْ ثلاث جُمَع وهم يفرقون فيها الصدقة المذكورة، فالله تعالى يجعلها مقبولة. وفي يوم الثلاثاء حادي عشريْ الشهر وصل إلى مكة المشرفة أوائل العسكر المنصور الواصل بحرًا صحبة نائب جدة الجديد وغالبهم جراكسة وبعضهم أروام. ويقال عدة الجميع قريب خمسمائة نفس، فالله تعالى يعطي أهل مكة خيرهم. وفي صبح يوم الأربعاء ثاني تاريخه وصل إلى مكة سلطانها وابن سلطانها الشريف أبو نمي محمد ابن السيد بركات وصحبته أخوه ثقبة وبعض أعمامه وعسكره فهرع الأعيان للسلام عليه. ووصل عشاء ليلة الجمعة رابع عشريْ الشهر - على رؤية أهل مكة - نائب جدة الأمير حسين بك، فطاف وسعى ماشيًا ومعه الشيخ العلامة المدرس الزاهد مصطفى الرومي وهو المطوّف والمُسَعّي له بطلب من النائب وامتناعه مرة بعد أخرى. وبعد فراغه توجّه إلى الزاهر وبات به على العادة. وفي صبح تاريخه صلّي عند باب الكعبة على المرأة الكبيرة .... ابنة .... (٢) الجوبري المكي، جده المحجي محمد ابن الشيخ أيوب لأمه، فشيّعها جماعة من الفقهاء

стр. 195

وغيرهم إلى المعلاة، ودُفنتْ بالقرب من الفضيل بن عياض، رحمها الله تعالى. وفي يوم تاريخه شُمّرتْ الكعبة الشريفة وجُردت عنها ثيابها إلى نحو ثلثها، على العادة، وكان إحرامها في الخامس من شهر تاريخه. وقُدّم ذلك لوصول العسكر أو لاختلاف الرؤية في مكة وجهاتها. واتفق يوم تاريخه عمل عرْضة حسنة لنائب جدة من الزاهر خرج للقائه الشريف أبو نمي وعسكره وقاضي القضاة الشافعي وخلق من العامة، فخلع على الشريف أبي نمي وأخيه ثقبة والقاضي الشافعي والناظر بجدة القاضي زين الدين المحتسب، فدخلوا من باب المعلاة في أبّهة عظيمة وقُدّامهم العسكر بعضهم على خيل وغالبهم مشاة وأمامهم النفط وخلفهم السناجق السلطانية وطبلخانة الشريف والطبل والزمر. فلما وصلوا إلى باب السلام دخلوا منه إلى المسجد الحرام وجلسوا بالحطيم، فقرئ به مرسومان (١) من ملك الأمراء نائب الديار المصرية أحدهما للسيد بركات وثانيهما لنائب جدة مضمونهما الإخبار بولاية نائب جدة المشار إليه وعزل مَن تقدمه وتجهيزه بحرًا إلى الأبواب الشريفة، والوصية بالنائب الجديد والشكر منه ووُصِف بأوصاف حسنة من العقل والدين والمعرفة التامة وتَقَرّبه من الخنكار وملك الأمراء وإخبار الشريف بوصول مكاتباته إلى الديار المصرية والأعمال الرومية. وفيها الإخبار بوجود القحط والغلاء بمكة وسببه خباط اليمن من الأتراك المقيمين فيها، ووجود المهرة في البحر وقطْعهم الطرقات ونهبهم بعض الجلاب وقتل بعض وأخذ مالهم وتعرّضهم لجلاب القصير، وإشاعة إصلاح الفرنج المخذولين نحو خمسين مركبًا صغارًا في بلد

стр. 196

كشي (١) من جهة الهند، ونيتهم التوجّه إلى جدة في هذا العام لأجل المراكب بها. فتشوشنا لذلك وجهّزنا هذا العسكر للإقامة بجدة وحفظ المراكب التي بها وإرسال بعضها (٢) إلى اليمن لإصلاحه. والحاضر يرى ما لا يراه الغائب. وعوّلوا في أمرهم على الشريف وأكّدوا عليه في الوصية بنائب جدة والعساكر المنصورة وإظهار التودد والمحبة له، أدام الله أيامه، وخلّد عليه إنعامه. وبعد الفراغ من قراءة المراسيم دعى القراء للخنكار وملك الأمراء والشريف وولده ونائب جدة وناظر المسجد الحرام القاضي الشافعي. وتوجه كل منهم إلى منزله من غير طواف، وهنّأ الناس نائب جدة والشريف والقاضي. وسكن النائب في مسكن النائب قبله المطلّ على المسجد الحرام بالقرب من باب العمرة، وبعد توجّهه إلى منزله خلع خلعة على كبير التجّار من الأروام الخواجا بيري القرماني، ونادى في شوارع مكة بالأمان والاطمئنان وتنظيف الطرقات وأبواب المسجد الحرام. وسمعتُ أنه جعل أمر أبواب المسجد إلى جماعة من الأتراك الذين صحْبته وأعطاهم معلوما لذلك. فشرع الناس في التنظيف بهمّة زائدة ثم كشف عليهم بعد ذلك في ثاني تاريخه. وفي ليلته دخل الخواجا بيري الرومي على زوجته .... (٣) ابنة الخواجا عبد القادر القاري وتوجّهَتْ له إلى منزله بالسويقة ومعها قليل من النسوة فلما

стр. 197

دخلتْ عليه انصرفن (١) عنها بأمْره وطلبه لذلك لكونه يكتم ذلك مع علمه بالسماط الماضي وطول تراخيه في الدخول فإن بين عقده ودخوله قريب السنتين وله مقصد في ذلك الله أعلم به، فإنه كثير العظمة مع التحيّل. وأقامتْ معه مدّة أشهر وطلقها لعدم التفاته إليها ومناكدتها له. وفي صبح يوم الأحد سادس عشريْ الشهر أمر نائب جدة بجمع نُظّار الأوقاف من الرّبط والمياضي التي بمكة واجتمع عنده منهم جماعة فذكر لهم ترجمانه أن أصحاب الأوقاف مقصدهم خير (٢) وهو يعين على فعله (٣) ومن كان تحت يده وقف يصلحه ويُكثر من الماء فيه ولا يحجره على أحد. فذكر بعض الحاضرين أن الربط أمرها منحصر على ساكنيها ويحصل من الطارئ عليهم، فطولِب بشرط الواقف وحصوله متعذر في غالب الأوقات لتقادم الزمن واختلاف النّظار وانفضّ المجلس على إصلاح الجهات، وإذا لم يكن للمحل وقف يَصرف عليه من عنده، جزاه الله خيرًا. وفي ضحى تاريخه وصل إلى مكة سلطانها السيد الشريف بركات، أعزه الله تعالى، من جهة اليمن فهرع الناس للسلام عليه ودخل إلى مكة جماعة من الأعراب سرجًا (٤) لعرضة الحاج على العادة ولعبوا عند بيت الشريف صباحًا ومساءً على النّقّارة. وفي صبح تاريخه دخل إلى مكة المشرفة جماعة من الحاج وأخبروا بقِلّتِه ورخاء السعر معه وطلوع ركب شامي على درب المصري رفقة الركب الغزّاوي.

стр. 198

وفي يوم تاريخه ولد ابن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن أبي بكر العراقي شيخ البيمارستان المكي وأمه .... (١) ابنة القاضي محيي الدين ابن رقيط، أحد المباشرين بجدة. وكان زواجه في سنة تاريخه. وفي مغرب تاريخه اجتمع السيّد الشريف بركات بنائب جدة الجديد في المسجد الحرام لأجل السلام عليه. ووصل من الحاج شيخ العرب بالأعمال الشريفة من جهة الصعيد الأمير إسماعيل الجويلي، ويُذكر عنه كرم وإحسان للفقراء، أكثر الله من أمثاله. وصحِبه الشهابي أحمد ابن شيخ الفراشين بمكة عفيف الدين عبد الله بن بيسق المكي، وكان في القاهرة من مدة ثلاثة أعوام، وأخبر بأن جماعة من المكيين وصلوا صحبة الركب هم الشهابى أحمد والعفيف عبد الله ابنا الشيخ نور الدين بن ناصر والشرفي أبو القاسم المرشدي والوجيه عبد الرحمن بن زربق ووالدته أم كمال ابنة أبي البركات الحنفي والشهابي أحمد بن عمر بن الجمال المصري والقاضي برهان الدين إبراهيم ابن القاضي شمس الدين السكندراني المدني متوليًا بقضاء المدينة الشريفة عوض القاضي بدر الدين حسن الزين المكي المتولّي لها في الشهر الماضي، مع أنّ كلًا منهما لم يُشكر، لكن أهل المدينة تعصبوا لبلديّهم وكتبوا له محضرًا وسألوا في ولايته. فالله تعالى يقدّر للمسلمين خيرًا، ولم يتهنّأ الزين بالقضاء. وذكر أنّ السيد الشريف عفيف الدين عبد الله بن عبد الكريم السمهودي فوّض إليه قضاء الشافعية في المدينة الشريفة عوض القاضي بها الشرفي أبي (٢) الفتح ابن القاضي صلاح الدين بن صالح وعوض الحنفي بها شخص رومي يقال له خضر كان في المدينة

стр. 199

قبل ذلك محضرًا في باب المعزول القاضي شمس الدين بن جلال، وولاية القاضي ناصر الدين بن صالح لنصف مشيخة المسجد النبوي مع غيرها من الوظائف من الروم، ثم عزله عنها بعد سفره بمدة يسيرة بسعي عبد الشيخ المعزول. واجتمعا بمصر فتوقف الشافعي عن التوجّه لبلده حتى يعود إلى الروم وينظر في أمره. وسبب ذلك عدم معرفة أركان الدولة بأحوال الناس، فلله الأمر. وأعظم من ذلك عزل قاضي مكة الشافعي وابن قضاتها بأكثر من ستين سنة .... (١) نحو مائة وعشرين سنة بمن كان شاهدًا عند أبيه وجدّه ولم يُحمَد في سيرته الشيخ نور الدين علي بن ناصر النجار أبوه البلبيسي الأصل المكي (٢) مع كبر سِنّهِ واختلاطه في أمره. ويقال إنّ السبب في ذلك شكوى بعض الناس من القاضي الشافعي الصلاحي بن ظهيرة عند الوزراء بالروم فعزل منها وأرسل بذلك إلى نائب الديار المصرية فسأل عن العلماء بمكة فعُيّن له المتقدم ذكره ففوّض إليه القضاء وجعل له مبلغًا من عنده لفقره، يقال نحو ثلاثمائة دينار، مع جعل معلوم الذخيرة للقاضي الشافعي له وهو ثلاثمائة أخرى. فلما جاء الخبر له بذلك فرح به وانبسط بسماعه، وكان الناس يظنونه بخلاف ذلك، فإنه كان يُظهر التقشّف والزهد في الدنيا وإظهار المسكنة. لكن الظلم كمين في النفس، الضعف يُخفيه والقدرة تُظهره، وصار عند الناس ضحكة بقبوله لذلك والعقلاء يبكون من أفعال هذه المسالك. ولله بعض الشعراء حيث قال في هذا المثال: أمورٌ يَضحك السفهاء منها … ويبكي من عواقبها اللبيب وشمتَ بعض الناس بعزل القاضي المفصول وقال فيه أبياتًا يحمد الله على عزله

стр. 200

ويهنِّئ أهل مكة بولاية غيره وهي: لله حمدًا ثم شكرا دائما … سمع الإله لمن دعا بيقين زال الفساد عن البلاد أم القرى … وحقيقة جاها صلاح الدين يهنئكم يا أهل مكة أبشروا … رضي الإله عليكم في الحين وسلوه دومًا لا يعيد فسادها … أبدًا إلى مرّ الدهور سنين وفي عصر يوم الإثنين سابع عشريْ الشهر توجّه السيد الشريف بركات وصحبته القاضي الشافعي صلاح الدين بن ظهيرة إلى أمير الحاج المقر الأشرف برسباي الجاركسي بالزاهر لأجل السلام عليه، فسلما عليه وعادا بسرعة. ولم أعلم ما وقع في المجلس من أمر القاضي الشافعي، لكن الشريف بركات لما عاد إلى منزله خرج إلى جهة اليمن وترك ولديه بمكة لأجل عَرضة أمير الحاج. ويقال إنه تكلّم مع الأمير في جهة القاضي الشافعي المفصول فقال له: كنْ في نفسك، فتخيّل من ذلك، فالله تعالى يحميه ويحرسه بعيْنه التي لا تنام، فإنه بركة الحجاز. وفي صبح تاريخه خرج للقائه أبو نمي وأخوه ثقبة وعسكرهما ونائب جدة وعسكره فخلع على كل منهم خلعة فدخلوا مكة من المعلاة بعرضة عظيمة فيها خيول كثيرة للشريف وأمير الحاج فمشوا معه إلى باب سَكَنه بالمدرسة الأشرفية القايتبائية بالمسعى المعظم، ثم توجّهوا إلى منزلهم ولم يضفْ الأمير القاضي الشافعي. وطولب المعزول فأحال على المتولّي. وكانت العادة يعشّي الشريف صاحب البلاد وبعده ثاني يوم القاضي الشافعي. وفي ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه دخل إلى مكة أمير الحاج الشامي السيفي جان بلاط ابن عبد الله الجاركسي نائب السلطنة الشريفة بغزة المحروسة ودوادار المقر الكافلي جان

стр. 201

بردي الغزالي نائب الديار الشامية كان، فطاف وسعى وعاد إلى الزاهر وأقام به إلى الصباح، فخرج للقائه أبو نمي وأخوه ثقبة بعسكرهما ومعهما خيول كثيرة وأمير الحاج المصري -وهو غير العادة- ونائب جدة الرومي. فلبس كل من الشريفين خلعة وتوجهوا مع أمير الشامي إلى محطته بالأبطح ووصّلوه إلى منزله وعادوا إلى البلد وهم في أبّهة عظيمة وخيول جسيمة. فالله يؤيدهما ويحفظ والدهما. وفي يوم تاريخه تكامل الركب الشامي والغزاوي في محطتهم بالأبطح، وكان ركبهما قليلًا بالنسبة إلى العادة. فالله يعطي الناس خير الحاج، ويقضي حوائج المحتاج، ويجعل ما قاله الشاعر مقبولًا وهو: أقبل الموسم المبارك فيه … من جميع الجهات خلق كثير أعطنا خيْرَهم إله البرايا … واكفنا شرّهم فأنت القدير شهر ذي الحجة الحرام، استهل كاملًا بالخميس من سنة ٩٢٥ هـ (١٥١٩ م) وكان في ليلته أمر أمير الحاج المصري القاضي الشافعي الجديد النوري ابن ناصر بطلوع جبل أبي قبيس لرؤية الهلال فاعتذر لضعفه وكِبر سِنّهِ وأمر أولاده بذلك فطلع معهم شهود باب السلام فقط، فجلس هو عند باب الصفا، فلما رأوا الهلال نزلوا إليه وأدّى عنده بعض الشهود برؤيته فتوجّه بهم إلى أمير الحاج في المسجد الحرام وأخبره بذلك. فاستخف الناس به واستنقصوه لفعله حيث أزرى المنصب لأنه ليس بأهل له، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وفي صباح تاريخه توجّه غالب الفقهاء لقاضي القضاة الشافعي المفصول الصلاحي

стр. 202

ابن ظهيرة لتهنئته بالشهر وغير ذلك. وعزم القاضي الشافعي الجديد لأمير الحاج المصري لمنزله في المدرسة الأشرفية القايتبائية وحضر معه القضاة الثلاثة المتولون (١) وجلسوا على ميْسرة أمير الحاج وهو على ميمنته وتخلّف الشريف وأولاده عن الحضور يقال بواسطته. والذي يظهر أنّ أمير الحاج طلب حضور الشريف بركات بنفسه فامتنع من ذلك لتخيّلِهِ الشر هناك منه، وعادته يرسل أولاده فيلبسهم خلعة فلم يتفق ذلك. وقرئ في المجلس مرسوم للقاضي الجديد وفيه الشكر منه والعلم والدين وولايته لقضاء الشافعية عوض مَن كان قبله من غير تعرّض لقضاء جدة ونظر المسجد الحرام. فاستقبل القاضي القبلة عند سماع ذلك وسجد شكرًا الله تعالى لولايته لمنصب القضاء، فَمَقَتَه جميع مَن حضر المجلس وكذا من سمعه. وكان السلف الصالح يكرهون التلبّس بالقضاء ويستحيون بسببه وهو فرح، فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى. وقُرئ في المجلس مرسوم مطلق للشريف والحكام بمكة وتوصيتهم بالأوقاف وعمارتها وتنْزيه المسجد الأقذار والبدع. وبعد ذلك لبس القاضي الجديد خلعة قفطان مدنّر، وخرج من عند أمير الحاج وصحبته القضاة الثلاثة وهم حاجبون له ففارقه الحنفي والمالكي من باب المدرسة وتوجّه الحنبلي معه إلى مجلسه بباب السلام وذلك لتشويشه من قريبه القاضي المفصول. وسجد المتولي بعد وصوله إلى منزله سجدة شكر ثانية فمُقِتَ لها أيضًا وبالله المستعان. وهنأه قليل من الناس بولايته واغتمّ لها كثير منهم، وتوجّه بعد لبْسه للشريف بركات صاحب البلاد للسلام عليه فمنعه من الدخول إليه ازدراء به.

стр. 203

وفي عصر تاريخه اتفقتْ (١) واقعة بين جماعة الشريف والأروام ثم أخمدها الله تعالى. وسببها أنّ شخصًا روميًا من جماعة نائب جدة اشترى من بعض العبيد بأجياد حشيشًا للدواب، فلم يوافقه على المبيع، فسطا به الرومي فحمي له جماعته فاجتمع الأروام وبنو حسن لذلك وتقابلوا .... (٢) ومدافع النفط وغير ذلك من بعد العصر إلى قرب العشاء. فتشوّش الشريف وأمير الحاج المصري لذلك فقام ثانيهما بنفسه وتوجّه إليهم بعد إرساله للشريف الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة الحلبي والخواجا عباس المصري فوجداه متألمًا لذلك وهو مقيم في منزله ويحفظ جماعته. وكان يظن أن الفتنة لها أصل من أمير الحاج ونائب جدة. فلما تحقّق الشريف عدم ذلك وعدم رضاهما بذلك ركب بنفسه وردّ جماعته وردّ أمير الحاج جماعته الأروام وأصابتْه (٣) نشّابة في يده لكنّها سليمة. ثم أرسل الشريف لأمير الحاج والي مكة علي الجنيدب ويقول له: هذه الفتنة أصلها من الأروام وأنا لا يعجبني ذلك ومهما حدث من جماعتي أنا أقوم وأنا طائع الخنكار. ونادى في البلد بالأمان والاطمئنان وعَسّ جماعة الشريف الحاج الشامي في الأبطح وأرسل خيلًا إلى درب جدة لحفظ حمل أمير الحاج الواصل بحرًا. وكان في فعل ذلك لطفٌ كبير، ولله الحمد. والذي يظهر أنهم أرادوا أن يمكروا فسلّم الله تعالى. ومات في هذه الوقعة من جماعة بني حسن وجرح خلق منهم ومن الأروام. فممن مات عبد العزيز بن الحسني أحد الفرسان الشجعان، ومحمد بن علي بن

стр. 204

عبد الكريم بن سكر، وجُرح ولد للشريف حميضة، والعفيف عبد الله النغر وغيرهما، ولولا ظلام الليل وخمود الفتنة لكان ما لا خير فيه، لكن كفى الله المؤمنين القتال، والله تعالى يؤمّننا في أوطاننا. وفي يوم الجمعة ثاني الشهر وصل حمل كثير من جدة لأمير الحاج ورخصتْ الأسعار به بحيث بيع الرطل الدقيق بمحلق ونصف والربعية .... (١) بخمسة محلقة وبأربعة محلقة وبأقل. وفي ظهر تاريخه فُرّقت الذخيرة عند أمير الحاج المصري بالمدرسة الأشرفية وكان القبض لها هنيًا وكملتْ تفرقتها في ثالث تاريخه. وتنازع القاضي الشافعي الجديد مع القاضي المفصول في قبض الثلاثمائة دينار (٢) المرتّبة في الذخيرة للقاضي صلاح الدين بن ظهيرة وكانت باسمه ومن قبله باسم أبيه وجده (٣) فكُتب في الدفتر اسم القاضي الشافعي من غير تعيين. فأظهر القاضي المفصول مربعة باسمه وأنه تلقاها عن أبيه وجده، وليس لها علقة بالقضاء. وساعده على قبْضها الخواجا شرف الدين ابن شيخ سوق الدهشة أحد المقربين لنائب الديار المصرية، وعرّف أمير الحاج باستحقاقه لها بحضرة المتولي، ولم يحضر المفصول لكن أخواه البدري والتاجي حضرا التكلّم ووعد أمير الحاج بإقباضها للمفصول. وتألّم المتولي وأولاده لذلك ولم يتوصلوا للكلام هناك. وفي يوم السبت ثالث الشهر وصل الخبر إلى مكة بقتل دوادار نائب جدة الرومي مع ثلاثة أنفس معه في وادي جدة. يقال إن القاتل لهم جماعة الشريف عوض مَن قُتِل من

стр. 205

أصحابهم، وأخذوا أمْتِعَتَهم وتوجهوا بها إلى اليمن. والله أعلم بحقيقة ذلك. [ولم ينتطحْ في ذلك عنزان] (١). وفي ليلة الأحد رابع الشهر فُرّق الصر الشامي في قبّة الفراشين حضره جماعة من الفقهاء وبعض القضاة. وكان المتولي لتفرقته حامله الجناب العالي علي باي دوادار أمير الحاج الشامي، وهي في خرَقٍ مصرورة على العوائد القديمة. وكانت بطلتْ من مدة طويلة، وطلع مع الصر المعتاد هذا العام وقفٌ جديد من الشام يقال له وقف فرمة المعتصرة أوقفه المرحوم بكتمر بن عبد الله الحسامي. وكان الجراكسة وضعوا (٢) أيديهم ولم يوصلوه لمستحقيه من أهل الحرمين الشريفين. وقَرّر فيه الناظر القاضي تقي الدين القاري جماعة منهم كاتبه، وحمل لهم على حكم الصر المتقدم ذكره وقدره مائتا دينار منها ستون لسكان الأربطة بمكة غير منهم عشرون (٣)، فحصة كل رباط ديناران (٤) ونصف، وعشرة للشيخ أبي تراب في فقرائه في دار الخيزران بمكة، جزاه الله تعالى والواقف خيرًا بمحمد وآله. وفي عصر يوم الإثنين خامس الشهر فُرِّق المبلغ الواصل من الشام من جهة البرج والغازية في قبة الفراشين بالمسجد الحرام، ولم يحضره أحد من القضاة، وكان مضافًا إلى الصرّ المصري. وكان قاضي مصر الشافعي ومباشره زين الدين أبو (٥) بكر الظاهري كَتَبَا

стр. 206

مرسومًا من نائب الديار المصرية لقاضي القضاة الشافعي المفصول الصلاحي بن ظهيرة بإضافة هذا المبلغ إلى صرّهم المحمول من القاهرة ليكمل به، فإن أصل الوقف بالشام يُحمل إلى مصر، فامتنع الحامل له وهو أمير الشامي جان بلاط نائب غزة وأمر بتفرقته وحده على يد دواداره علي باي الأحدب. ففرّق على قائمة الحكمي والمستجد، ووصل مبلغ ستين دينارًا تفرقتْ شذر مذر على جماعة تجاهَوْا في تفرقته عليهم، وهذا أول تفرقتها على هذا الحكم، فلا قوة إلا بالله. وفي مغرب ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه ماتت المرأة الجليلة المحترمة أم هاني ابنة المرحوم الشيخ العلامة فخر الدين أبي بكر بن عبد الغني المرشدي الحنفي بعد توعّكها أزيد من نصف سنة بالحمى والسعلة ووصيّتها لأخويْها شقيقيها الجمالي محمد والبرهاني إبراهيم بتمليك ما يخصّها في العقار من زمن طويل وتَبَرّيها لذلك مع وجود ولدها الشهابي أحمد ابن الخواجا شمس الدين الحلبي وتخصيصه بالمصاغ وأثاث البيت، وإعطاء أخويها النقد الذي معها قرب موتها وهو خمسمائة دينار، على ما يقال. فجهّزها ولدها وحزن عليها مع إخوانها الأربعة، وصلّي عليها صبح تاريخه عند باب الكعبة. ودُفنت بتربة أسلافها بالشعب الأقصى من المعلاة جوار السيدة خديجة والفضيل بن عياض وعبد الله بن أسعد اليافعي، ﵃ ونفع بهم. وعاشت إحدى وخمسين سنة، ومولدها في سنة أربع وسبعين وثمانمائة، وتزوجتْ الخواجا الحلبي ورزقتْ منه ولدها الماضي، ثم طلقها وتألمت بعده وأقامتْ عند والدها وإخوانها، مع عقلها وحسنها وتوددها وكثرة عبادتها وخيرها، رحمها الله تعالى وإيانا. وفي عصر تاريخه وصلتْ قافلة من المدينة الشريفة فيها جماعة من الأعيان وقضاتها وغيرهم مع قضاتها الأربعة الشافعييْن المتولي والمفصول والحنفييْن أيضًا. فالرومي خضر

стр. 207

الجديد وصل مع الركب المصري والمالكي المتولي والحنبلي المفصول، وأقام بها الحنبلي الجديد وتوجّه الجميع عند وصولهم للشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد بن عراق فسلّموا عليه وأضافهم ورحّب بهم، نفع الله به وكثّر من أمثاله. وفي يوم تاريخه قبض الشافعي الجديد النوري ابن ناصر معلوم الذخيرة المنازع فيه بواسطة انحراف أمير الحاج المصري من القاضي المفصول الصلاحي بن ظهيرة بتعليم أخيه القاضي بدر الدين بن ظهيرة له لما رآه متشوشًا من مكافأته لهديته بنزْر يسير، فقال له الدوادار الثاني: كون (١) لما حج أعطاه خمسمائة دينار وأعطاك نصفها وهديتك بقدرها، فأصبح حينئذ أمير الحاج وأعطى ابن ناصر القاضي الجديد معلوم الذخيرة المذكورة ودفع له مفتاح حاصل الزيت والشمع وفوّض إليه نظر المسجد الحرام وقضاء جدة وصار مساعدًا له بعد أن كان متوقّفًا. وأثبت ذلك عند قاضي المحمل زين الدين بشر الحنفي بشهادة جماعة على ملك الأمراء وغيره بعزل المفصول عن جميع الوظائف وتولية القاضي الجديد لها. وموجب ذلك تعاظُم المفصول وعدم إرضائه للأمير وقاضي المحمل. وذكروا أن بَدْوهم وقع فيها قتال بين سلطانهم مقرن بن زامل وبين قريبه في قرية قريبة منه (٢) وكان دُعِيَ له في بعض البلدان، فغيّب الشيخ مقرن على القاضي محمد بن فرق (٣) فخشي وفرّ إلى بلدة أخرى خارجة عن أعمال بلاده، فالله تعالى يحميه. وهادى أمير الحاج الشريف بركات بهدية قيمتها أزْيَد من ألف دينار فأعْطِيَ ضعفها من التحف الهندية ومن النقد سبعة آلاف دينار، فسبحان قاسم العقول.

стр. 208

وفي يوم الأربعاء سابع الشهر وصل جماعة قليلون من بني خير لأجل الحج. وفيه خطب الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري بعد صلاة الظهر خطبة السابع على العادة وخرّفَ فيها. وفرّق القاضي الشافعي الجديد المبلغ الواصل من نائب طرابلس وهو خمسمائة دينار يقال إنها بدل وقف جعله لأهل مكة يصل لهم في كل عام، والله أعلم بحقيقته، فحصل لكل قاض خمسة أشرفية ولغالب الناس أرباب الشعائر وغيرهم من أهل البيوت كل واحد ديناران أو نصفهما وبعض الناس نصف دينار ودونه. وتصدّى لذلك شيخ الفراشين النوري علي بن بيسق المكي وأولاد القاضي الشافعي الجديد وفرحوا بأنفسهم وصار لهم أمر ونهي، فسبحان المعْطي. وفي يوم الجمعة تاسع الشهر كانت الوقفة المباركة وهي هنيّة حسنة مع أن الناس كانوا خائفين وجلين، فطمّنهم الله تعالى وأمّن خوفهم ولله الحمد بعد أن كادت الفتنة تقع. وموجب ذلك أن الشريف بركات سلطان الحجاز وقف بعيدًا عن الموقف الشريف درءًا لوقوع الفتنة بينه وبين أمير الحاج ونائب جدة الرومي. وطلع على الجبل القاضي الشافعي الجديد النوري ابن ناصر ودعا بالناس وهو لابس ثيابه مقنّع بالطيلسان. ولما نفر الناس بعد الغروب تقرّب الشريف بركات إلى جبل الرحمة ووقف به جماعته فكان مأنوسًا بالخيرات محفوفًا، فالله تعالى يحرسه ويحميه، ومن الأسواء يقيه، ببركة جده ﷺ . وبات الحاج بمزدلفة ودفعوا منها إلى منى صباح يوم السبت عاشر الشهر ورمى أمير الحاج جمرة العقبة وتوجّهوا إلى مكة لكسوة الكعبة على العادة وطافوا وسعوا

стр. 209

وعادوا إلى منى. وفي ليلة الأحد ثاني تاريخه نزل الشريف بركات إلى مكة وطاف وسعى وعاد إلى منى. وأقام أمير الحاج المصري بمنى إلى رابع أيام التشريق، وكذا الشريف وكان نوى مواجهة أمير الحاج المصري في صباح تاريخه ظنًا لسفر نائب جدة إلى مكة فتخلف هو بمنى وترك الشريف ذلك وأقام بها إلى الليل ثم دخل مكة بعد العشاء في ليلة الأربعاء رابع عشر الشهر وهو في غاية الحذر والتّوَقّي. وفي صباحها سافر أمير الحاج المصري وتوجّه الشريف بركات لموادعته بالزاهر فوجده رحل إلى الوادي فتبعه ولحقه بالقرب منه فنزل في خيمة له واعتذر له من عدم مواجهته بأمور قَبِلَها وقال له: أنا طائع للخنكار وملك الأمراء وإذا طلبتَ التوجّه صُحْبَتك توجّهْتُ معك فأعجبه ذلك وانشرح به. وكان في فعل ذلك درء فتنة كبيرة، فإن الأمير تخيّل منه وكان قصده التكلم فيه والشكوى منه، فزال ذلك منه ولله الحمد. وسافر مع الركب المصري قليل لغلو كراء الجمال، فإن الجمل وصل إلى أربعين دينارًا وأكثر وأقل وذلك لقلة الجمال وضعفها. ورافق الحاج إلى القاهرة القاضي محيي الدين عبد القادر ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات الأنصاري المالكي لأجل السعي في وظيفة قضاء المالكية لأبيه، فالله تعالى يقضي حوائجه ويحْميه. وفي ثاني تاريخه سافر الحاج الشامي والغزاوي وكتب معهم محضرًا بالشكر من نائبها ملك الأمراء جان بردي الغزالي والناظر على أوقاف الحرمين الشريفين القاضي تقي الدين القاري بها والحطّ على المتكلم بالأوقاف المصرية زين الدين الظاهري. وأرسل ذلك صحبة الشمسي محمد السكندراني المدني ورافق الحاج الشامي وهم في

стр. 210

غاية الخوف والوجل من عرب جغيمان وبني لام. وفي صبح تاريخه سافر القاضي بدر الدين بن ظهيرة أخو قاضي القضاة الشافعي المفصول الصلاحي بن ظهيرة وردّ في ثالث يومه إلى مكة، ويقال إن السبب في ردّه جماعة الشريف بركات لأمره لتكلم (١) أخيه معه وخوفه من شكواه لملك الأمراء بالديار المصرية. وقيل إنّ الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة الحلبي المسافر معهم أشار عليه بعدم سفره في هذا العام وأنه يقضي له حوائجه على ما يريد ويأخذ له منصب القضاء. وفي يوم الجمعة سادس عشر الشهر سافر إلى جدة نائبها الأمير حسن بك الرومي ووادعه بعد صلاة الجمعة القاضي الشافعي الجديد النوري ابن ناصر وفوّض إلى ولده الثالث الشهابي أحمد قضاء جدة بحضرته ووصاه به فقال له: إذا فعل الشرع لا يحتاج مني وصية. فقال له والده: أولادي مكمّلون بحمد الله تعالى، فضحك لذلك هو والحاضرون، وأرسل معه ولده الثاني عبدوه الذي استخلفه ليكون موثقًا عنده في بندر جدة. وكان نائب جدة تكلّم مع قاضي القضاة الحنفي بديع الزمان بن الضياء في النزول إلى جدة والحكم بها أو نيابة حنفي فيها فمال لفعل ذلك، فبلغ الشافعي الجديد ذلك فوقعت (٢) منه كلمات في حقه فترك لكون العادة جرت بحكم جدة للشافعي وحده. وكان مترددًا في تفويض ذلك إلى نائبها الأصلّي القاضي جمال الدين محمد ابن القاضي محب الدين بن ظهيرة وغيره. فامتنع من القبول مراعاة لقريبه المفصول، مع أن نائب جدة

стр. 211

كان له ميل إليه ويودّ تكلّمُه في ذلك لعقله ومداراته. ولكن الأمور بيد الله تعالى، ولكلّ أجل كتاب. وفي يوم الثلاثاء عشريْ الشهر ولدتْ سيدة الكل ابنة القاضي تقي الدين بن ظهيرة القرشي توأمين ذكرًا وأنثى من الخواجا تقي الدين أبي بكر بن قرموط الحلبي، وكان توجّه إلى الهند مع المراكب، كتب الله سلامته وجمع الشمل به. وفي يوم الإثنين سادس عشريْ الشهر فُرّق الصر المصري المحمول من القاضي الشافعي بها المعروف بالحكمي والمستجد، وهما من أوقاف القاهرة، وكان مالهما رُصد عند الأديب المحبي بن عبد القادر العراقي المكي لكونه حمل ناقصًا على حكم النصف من القاضي الماضي، وذلك من تصّرف الشيخ زين الدين الظاهري المتحدث على الأوقاف بالقاهرة وأعمالها، لكون وقف البرج والغازية حُمل من الشام في هذا العام والذي قبله إلى مكة وفُرّق على أربابه، وقال: إنه كان من مضافاته في الزمن الخالي ثم استولتْ (١) عليه الدولة، واستنجز مرسومًا بإضافة ما يُحمل من الشام إلى ما أرسل من مصر ويُفرق جميعه، فامتنع أمير الحاج الشامي من ذلك وقال: كل واحد يفرّق وحده، كما تقدم ذكره. وقصد الفقهاء بتأخير تفرقته الإشلاء على مُرسله وأنه لم يفرّق لنقصه ثم اتفقوا على تفرقته بعد سفر الحاج، وكان ذلك في منزل قاضي القضاة الشافعي المفصول الصلاحي بن ظهيرة لكون مرسله فوّض إليه ذلك وأرسل له مرسومًا من ملك الأمراء نائب الديار المصرية بذلك وأضرب عن القاضي الجديد، ففرق على حكم النصف، ولله

стр. 212

الأمر من قبل ومن بعد، [وفرح الناس بتكلّم القاضي المفصول] (١). وفي ليلة الثلاثاء سابع عشريْ الشهر مات الطفل نور الدين علي ابن الإمام أمين الدين أبي اليمن الطبري المكي الشافعي، فجهّز في يومه وصلّي عليه بعد صلاة العصر بساعة ودفن بالمعلاة بتربة أسلاف والده، وحزن عليه مع أمه وأصحابه لكونه ليس معه غيره إلّا ابنة واحدة، فالله تعالى يحييها له ويرزقه ذكرا معها بمحمد وآله. وفي ظهر يوم الخميس تاسع عشريْ (٢) الشهر توجّهت صحبة سيدي الشيخ القدوة العارف بالله تعالى مرشد السالكين، بقية السلف الصالحين، ناصر الدين محمد المهاجر ابن الشيخ المسند المعمر علاء الدين علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يوسف بن صالح بن أبي بكر بن موسى الكناني الموسوي الدمشقي الشافعي الشهير بابن عراق، نفع الله به في جميع الآفاق، وأعاد علينا من بركته وأرشدنا لسيرته، لزيارة جبل حراء المعظم ورفقته جماعة من الإخوان منهم ابن الشيخ المشار إليه سيدي الأخ السالك الناسك المقرئ المؤلف ذو (٣) الفضل الجلي نور الدين علي. وبِتْنا فيه إلى الصباح، والشيخ جمال الدين محمد الحدب والسيد زين العابدين الحسني المالكيان والشيخ أبو السعود المسيري والخواجا أحمد بن محمد القاري والشيخ يونس نقيب الشيخ وغيرهم، ثم في صبح تاريخه توجهنا من خلفه إلى جهة التنعيم، لنفوز بالعمرة والنعيم. فأنشدني في الطريق أعزّ الأحباب الذي هو كالأخ الشقيق سيدي نور الدين علي ابن الشيخ محمد بن عراق المشار إليه، أدام الله نعمه وأعاد عليّ من بركتهما، وحشرني

стр. 213

في زمرتهما، قوله بديها في المعنى وعمرتنا من التنعيم بعد زيارة غار حراء: تدانى لنا التكريم بالأنس في حِرا … وكيف بغار حله سيّد الورى وسرنا إلى التنعيم بالفتح تلوه … فحرم حتما ما سوى الله لو يرى فقلنا جميعًا حقّق الظن واتركن … لصرفك وامدد سفرة البِشْر للقرى ولقد شاهدتُ وجميع الجماعة الذين كانوا صحبة الشيخ محمد بن عراق منه الكرامة عند توجّهِنا للعمرة واعتمارنا منها وإدراكنا لصلاة الجمعة وتحققنا أنه (١) زيدَ في الوقت لأننا ذكرنا للشيخ أنّ وقت الجمعة فات ولا ندرك صلاتها، فقال لنا وعزة ربّي لا أتوجّه للنافلة وتفوتني الفريضة، فتقدم الشيخ مع بعض الجماعة وطُويت له الأرض حتى طاف وسعى وأدرك الخطبة وأرسل لبقية جماعته فأدركوا الصلاة عند إقامتها. وعَدَدْنا ذلك من كرامته فيها.

стр. 214

سنة ست وعشرين وتسعمائة ٩٢٦ هـ (١٥١٩ م - ١٥٢٠) أحسن الله عاقبتها وجعلها مباركة رخية بجاه خير البريّة ﷺ أولها شهر محرم الحرام، استهلّ كاملا في ليلة السبت المبارك. وفي هذه الليلة المباركة اجتمعتُ بعد صلاة العشاء بالشيخ القدوة المحقق العارف بالله تعالى شيخ الطريقين، وإمام الفريقين مرشد السالكين، ومربي المريدين شمس الدين محمد ابن الشيخ المعمر أحد الأمراء المنقطعين بالشام علاء الدين علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يوسف بن صالح بن أبي بكر بن موسى الكناني الموسوي الدمشقي ثم الصالحي الشافعي نفع الله به والمسلمين ببركاته، وأغاثنا بصيْب علومه ونفحاته، فلقّنني الذكر الشريف وأرْخى لعمامتي عذَبة اقتداء بفعل النبي المعظم المنيف وذلك جهة اليسار، قصد إثبات (١) السنة على القلب والسكينة والوقار، نفعني الله بذلك وأرشدني أحسن المسالك. وألّفْتُ بسبب ذلك تأليفي بلوغ الأرب، في حكم تيجان العرب وقرّضها لي جماعة نظمًا ونثرًا، واستمررتُ (٢) على فعل العذبة وتقصير الأكمام، بعض أشهر وأعوام، فظهر لي في ذلك الرياء فعرضته على الشيخ فقال لي: حالك الأول ألْيَقُ بك، فعُدتُ إلى كبر العمامة مما كنتُ أفعله أولًا. والأعمال بالنيات، والله الهادي للأفعال الصالحات. شهر صفر الخير المبارك استهل ناقصًا في ليلة الأحد من سنة ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) وفي أوله أرخصتْ الأسعار في الحب لوصول جلاب من القصير لجدة، فبيع

стр. 215

الحب المصرية بمكة كل ربعية بمحلقين ونصف وثلاثة إلّا ربعًا يومًا واحدًا، ثم طلع السعر إلى ثلاثة وربع وأزيد قليلًا وأنقص من ذلك، ولزم السمن سعره عن كل رطل أربعة محلقة، والجبن الرطل بمحلق ونصف، واللحم الضاني بمحلقين، والقربة الماء الحلو بربع محلق. فالله تعالى يزيد في رخص الأسعار ويُصلح الأحوال. وفي يوم الأربعاء رابع الشهر تخاصم الجمالي محمد ابن قاضي القضاة نسيم الدين المرشدي الحنفي مع شخص ساكن في أوقاف والد زوجته الخواجا حسن الظاهري لمطالبته بحصة زوجته فقال له الناظر: القاضي المالكي الجديد الزيني عبد الحق النويري أمرني أن لا أعطيك شيئًا، فقال له: ليس له النظر وإنما النظر للقاضي المفصول الجلالي أبي السعادات، فتوجها إلى المتولي فلما رآهما أغلق بابه وغُيّب عنهما فلقيا في طريقهما ولده النوري علي وهو نائبه في الحكم فقال له المكتري: والدك أمرني بعدم الإعطاء، فقال له: لا تعطه (١) شيئًا، فقال له الجمالي المرشدي: آخذ منه حق زوجتي على رغم أنفه، فسبّه ابن المالكي فرد عليه ما قال له فمدّ ابن المالكي يده إليه فتعاطى منه بمثل ما فعل معه، ثم أنهما تخانقا وتواصلا إلى الشريفة أم المسعود ابنة عجل أخت (٢) زوجة الشريف بركات، فجاء ابن الحنفي ببينة عندها أنّ ابن المالكي هو البادئ عليه وأنه انتصر لنفسه فقالت لهما: توجّها إلى الحاكم القائد مبارك بن بدر، فتوجّها إليه وحضرتْ البيّنة الأولى عنده فقال لهما: لا أدخل بينكما وكل منكما ابن قاض. فصار ابن المالكي يتكلم ويقول: أنا نائب الشرع وهو سوقي. فلعمري إذا كان نائب الشرع لا يفعله ويقابل الأخصام بالشر والخصام فماذا يحصل له، لكنه ابن أبيه بالحمق والتعدّي على الناس. فلما سمع والده بالقضية كتب محضرًا بأن ولد الحنفي محمد المرشدي ظالم على
следующие страницы →