← История

История · id 30010

نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى

جار الله ابن فهد المكي

Полный текст (818 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الفاسي المالكي في تاريخه شفاء الغرام. ثم نقل جواب الحافظ ابن سيد الناس (١) المذكور عن محمد بن سعد كاتب الواقدي عن عقبة مولى ابن عباس أنه قال: لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف نزل الجعرانة يقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها وذلك لليلتين بقيتا من شوال. ثم قال: هذا ضعيف. والمعروف عند أهل السير أن النبي ﷺ انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة وأقام بها ثلاث عشرة ليلة فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة ليلًا، فأحرم بعمرة ودخل مكة انتهى. قال: والجعرانة هو أفضل مواقيت العمرة من مكة لإحرام النبي ﷺ على مذهب مالك والشافعي وابن حنبل وغيرهم من العلماء ﵃. واختلف في ضبطها، فقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: الجِعرانة بكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الراء، هكذا صوابها عند إمامنا الشافعي والأصمعي وأهل اللغة ومحققي المحدثين وغيرهم ومنهم من يكسر العين ويشدد الراء وهو قول عبد الله بن وهب وأكثر المحدثين. قال صاحب الأنوار: أصحاب الحديث يشددونها وأهل الإتقان والأدب يخطئونهم ويخفّفون وكلاهما صواب (٢). ومن فضلها ما ذكره الجَنَدي (٣) في فضل مكة له (٤) بسنده عن يوسف بن

стр. 527

ماهك قال: اعتمر من الجعرانة ثلاثمائة نبي، وصلّى في مسجد الخيف سبعون نبيًا. وبالجعرانة ماء شديد العذوبة يقال إن النبي ﷺ فحص موضع الماء بيده المباركة فانحبس فشرب منه ﷺ وسقى الناس. ويقال: إنه غرز فيه رمحه فنبع الماء موضعه وهذان الخبران (١) في كتاب الفاكهي (٢). انتهى كلام الفاسي ملخصًا. ونقل جد والدي الحافظ الرحلة تقي الدين محمد بن فهد الهاشمي المكي ﵀. في كتابه الإبانة في فضل الجعرانة (٣) فضائل كثيرة اقتصرتُ منها على ما ذكرته. وقد قرأتُ هذا المؤلف من لفظي في الجعرانة بحضرة جماعة من الفضلاء منهم: أئمة الشافعية المحمدون عبد البر وأبو الخير وأبو اليمن، والبرهاني إبراهيم أولاد الإمام أبي السعادات الطبري وغيرهم. وأجزت أنا والأئمة لمن حضرنا روايته، وزرنا في المكان المسجدين المأثورين وشربنا من البئر الكبيرة العذبة الماء المشهورة على الألسنة أنها البئر المباركة النبوية. وهي مدورة وبقربها بئر مربعة وعدة أشجار جميز عظيمة في الكبر يقال بعضها قديم وبعضها محدث، ورأينا بقرب المسجد الأقصى عدة قبور للعرب النازلين بجعرانة وبالبعد منه عند الصخار الشرقية محل (٤) يقال له الصحيفة حجارة مُلْس يَعْجن فيها الزوار عجينهم ويقرصونه صغارًا ويخبزونه على النار ويتهادون به لأهل مكة عند عودهم. ولم أرَ له ذكرًا في التاريخ ولا نبّه عليه جدي، لكن يفعله السلف عن الخلف. وأقمنا بالجعرانة من بعد صلاة العصر وأحرمنا منها وعُدْنا إلى مكة المشرفة

стр. 528

واجتمع معنا خلق نحو عشرين شقدفًا ومشاة وركبانا على بهائم نحو الثلاثين. ووصلنا إلى مكة نصف ليلة الخميس ثامن عشر الشهر وطفنا (١) وسعينا وفكَّيْنا (٢) الإحرام، ولله الحمد والمنة. وسمعتُ أنه في كل عام يخرجون إليها ويقيمون بها في بعض الأحيان كثيرًا وبعض الأحيان قليلًا. وكان جد والدي ممن يلازم الاعتمار منها كل سنة كما شاهدته في مؤلفه الماضي ويقرؤه هناك. وأرجو الله تعالى أن ييسر لي ذلك بقية عمري اقتداء بالنبي ﷺ . وفي يوم الأربعاء سابع عشر الشهر مات الكيخيا .... (٣) الرومي الواصل لمكة بحرًا مع نائب جدة عام تاريخه. وكان وصل من الروم ببشارة نصرة الخنكار على أهل الأنقرس، وحصل له من نواب المملكة الشامية والمصرية يقال نحو ثلاثين ألف دينار ومعه مثلها. وخلف ذلك للسلطان غنيمة، وجهّز في يومه ودفن بالمعلاة وشيّعه الأعيان. عفا الله عنه وإيانا. وبُنِيَ له على قبره قبة على أربعة أعمدة. وفي يوم الإثنين ثاني عشريْ الشهر قدم مكة صاحبها السيد الشريف أبو نمي فتوجّه له الأعيان للسلام عليه، جعله الله قدومًا مباركًا عليه وعلينا وعلى جميع المسلمين. وفي ثاني تاريخه قدمها نائب جدة والي جلبي الجاركسي، وقيل الرومي الحلبي، والسيد علاء الدين ملك التجار وكان توجّه الجدة وسط السنة، فقصدهما الأعيان للسلام عليهما. وكثر الواصلون من البحر من الأروام وغيرهم، وخلع النائب على صاحب مكة خلعة وأعطاه مرسومه وقت السلام وأظهر له توددًا، وشكر الناس منه ذلك.

стр. 529

وفي ليلة الخميس خامس عشري الشهر مات الشيخ المعمر الصوفي عفيف الدين عبد الله بن أحمد بن عبد الله الحفاشي اليمني الشافعي نزيل مكة المشرفة بعد توعكه أشهرًا، فجهّز في ليلته وصُلّي عليه صبح تاريخه عند باب الكعبة وشيّعه جماعة من الفقراء وغيرهم في مشهد حافل، ودفن بتربة الشيخ الجنيد المشرع عند الشيخ علي الشولي بسفح الجبل بالمعلاة. وخلف زوجة وأولاد أخويه ولم يعقب وترك كتبًا كثيرة وكان حريصًا على تحصيلها ضنينًا بعاريتها مع كثرة فوائده وتودده. وأثنى الناس عليه خيرًا، رحمه الله تعالى وإيانا ونفع به. وفي ضحى تاريخه ماتت الطفلة سيدة الجميع ابنة قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة القرشي وصلّي عليها عند الحجر الأسود كعادة سلفه وشيّعها خلق من الأعيان، ودفنت بالمعلاة بتربة أهلها بالحجون وعمرها سبعة أشهر، عوض الله والديها فيها خيرًا وأخلفهما ذكرًا صالحًا. وفي صبح تاريخه شُمرت ثياب الكعبة ويقال إحرامها على العادة. ووصلت راحلة لصاحب مكة السيد الشريف أبي نمي من ينبع أخبر صاحبها بوصول الحاج سالمين إليها في تاسع عشر الشهر. وأن جماعة بني إبراهيم العاصين طلبوا الصلح مع الشريف عرار أمير عسكر صاحب مكة ويعطونه الفرس والدرع والرهائن على عادتهم القديمة. ويقال إن الشريف أبا نمي توقف في ذلك ونيته التوجّه إليهم بنفسه بعد الحج وأمر عسكره بالإقامة بينبع. فالله يقدر له وللمسلمين خيرًا. وفي عشاء ليلة الجمعة ثاني تاريخه وصل لمكة متقدما عن الحاج من ينبع عم أميرهم الشيخ شرف الدين بن يحيى الحمزاوي أخو مدبّر المملكة الأمير جانم كعادته في التقدمة للتملي بالعبادة في الخلو وإدراك صلاة الجمعة وصحبته جماعة، وأخبروا بسلامة الحجاج وكثرتهم وأن الحاج الشامي توجّه على دربه المعتاد، فالله يكتب

стр. 530

سلامته (١) ويكتب سلامة المسافرين في البر والبحر من المسلمين. وفي يوم السبت سابع عشري الشهر أضاف نائب جدة قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة فخلع عليه خلعة ومشى الفقهاء أمامه لمنزله وهنؤوه بها. وفي عصر تاريخه سافر لجدة الملك إقليم خان أمين الصدقة الهندية وناظرها خليل بن .... (٢) الكيلاني وكانا قدما مكة للوداع فتحدث الناس بتفرقتهم صدقة على أهل مكة ثم تحقق بعد سفرهم كتابة قائمة بخط الهنود جملتها ألف دينار سمي فيها لقاضي القضاة الشافعي ثمانون أشرفيًا ولكل من القضاة المتولين والمفصولين أربعين وكذا الخطيب وشيخ (٣) ولأئمة الشافعية خمسة وثلاثون ولأئمة الحنفية خمسة وعشرون ولخدام الدرجة مثلها وللفراشين مثلها وللمشائخ المدرسين من الأكابر عشرة والأصاغر خمسة ولي باسم شيخ الحديث ستة وغير ذلك من أرباب الوظائف كالمؤذنين والوقادين. وتشوّش غالب أهل الحرم لعدم ذكرهم فيها ونُسب فعل ذلك للناظر أو المباشر الشيخ أبو زرعة المنوفي وانخرمت (٤) في تفرقتها العادة في إعطاء القضاة في الألف عشرين. فالله تعالى يعوّض المستحقين خيرًا ويكتب سلامة المسافرين برًا وبحرًا. وذُكر أن المراكب الهندية تسافر للهند في رابع ذي الحجة وفي ذلك حسرة وندامة لفوات الحج، لكن الضرورات تُبيح المحظورات. وفي ليلة الإثنين تاسع عشري الشهر دخل لمكة أمير الحاج قرب نصف الليل المقر الجمالي يوسف بن المقر الأشرف الأمير جانم الحمزاوي، وطاف وسعى ماشيًا وعاد للزاهر بعد أن لاقاه صاحب مكة السيد أبو نمي الحسني وقاضي القضاة

стр. 531

الشافعي المحبي بن ظهيرة من خارج مكة. وفي صباحها خرج لملاقاته من الزاهر على العادة بعسكره صاحب مكة وقاضيها الشافعي والسيد ملك التجار ونائب جدة وغيرهم. فخلع على الشريف والقاضى والسيد ملك التجار ومحمد بن السيد عرار بن عجل زوج حماطة أخت السيد أبي نمي عوض والده لغيبته في ينبع على العسكر المقيمين بها، ودخل الجميع لمكة ما عدا أمير الحاج الجمالي يوسف الحمزاوي فنزل في محطته أمام درب المعلاة بالقرب من بركة الشامي على عادة أمير الحاج المصري قبله. ونزل جميع الحاج في بيوت مكة وتردد أمير الحاج لسكن عمه الشرفي يحيى الحمزاوي في بيت الشريفة خزيمة المجاور لمدرسة طاب الزمان في الرواق الغربي من المسجد الحرام قرب باب العمرة لقضاء مأربه وحضور بعض الصلاة في المسجد. وفي آخر يوم تاريخه طلع لجبل أبي قبيس قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة ناظر المسجد الحرام لرؤية الهلال مع جماعة من الفقهاء على العادة فلم يروه لخفائه. شهر ذي الحجة الحرام استهل كاملًا بالأربعاء من سنة ٩٣٦ هـ (١٥٣٠ م) وفي صباحها قرئت المراسيم في الحطيم بحضرة السيد أبي نمي وأمير الحاج ونائب جدة وملك التجار والقضاة الأربعة وغيرهم، ولبس الشريف أبو نمي خلعته وطاف بها ودعا له الرئيس على عادته من زمزم. وفي يوم الخميس ثاني تاريخه فُرقت المبرّة الرومية بمنزل اليازجي عليها في مدرسة الشيبي في الجهة اليمانية من المسجد الحرام بحضرة نائب جدة والقضاة الأربعة وكانت القوائم بيد نائب جدة والي جلبي واليازجي لها يكتب أسماء القابضين

стр. 532

مع الجمالي محمد بن مدهش كاتب الشريف أمير مكة وجماعة من الصيارف يعدون الفضة عن كل أشر في دينار خمسة وثلاثين كبيرًا بنقص الثمن فيه عن صرف الناس. وكل من طلع اسمه ينادى له والناس مجتمعون في المسجد الحرام فيطلع إليهم صاحب الاسم بمفرده ويقبض ما يخصه ويجمع جميع ما لكل شخص في الخزانة الشريفة والأوقاف القديمة وغيرها، وأفرز لكل من العرب قائمة تخصهم وللعجم والأروام قائمة تخصهم ليعلم النائب بجدة كثرة المقررين من العرب أو العجم. وفيها مصلحة كبيرة (١) للعرب لأن غالب التفريق للعجم والأروام (٢). وكانت التفرقة أربعة أيام متوالية استوفوا فيها جميع المرتبات من الصر والبيوت والأسماء المتفرقة ثم في يوم الإثنين سادس الشهر أخروا تفرقة الأربطة لتحرير سكانها إلى بعد الحج وتضرر أهلها من فعل ذلك. وكان في يوم الجمعة ثالث الشهر فُرّقَت الذخيرة الشريفة الواصلة من نائب الديار المصرية على العادة تفرقة هنية بحضرة مباشريها وخازندار أمير الحاج وشهود قاض بكتابة أشاهيد منهم. وذلك بالرواق الغربي من المسجد الحرام أمام منزل عم أمير الحاج الشيخ شرف الدين يحيى الحمزاوي. واستمروا على ذلك أيامًا مع تفرقة الصور الواصلة من القاهرة كأوقاف القضاة وغيرها ما عدا الحكمي والمستجد فوصلت قوائمها محالة على البرج والغازية الواصلة من الشام على العادة في السنتين المتقدمتين قبل هذه السنة. وفي يوم الأحد خامس الشهر وصل لمكة جماعة من سَبْق الحاج الشامي وتباشر الناس بها لخوفهم من تخلفه. وفي ثاني تاريخه كانت فرضة أمير الحاج من الزاهر واسمه [حاجي بك] (٣)

стр. 533

ولاقاه صاحب مكة السيد أبو نمي الحسني بعسكره وأمير الحاج المصري ونائب جدة فخلع على الشريف خلعة على عادته وأوصله إلى محطته بالأبطح. وعاد الشريف إلى منزله بمكة وفارقه أمير المصري من المعلاة. وكانت الوقفة المباركة بالخميس (١). شهر رمضان المعظم استهل كاملًا بالأحد من سنة ٩٣٨ هـ (١٥٣٢ م) في أوله كان بمكة صاحبها السيد أبو نمي الحسني، وصلها في آخر الشهر قبله على نية التوجّه لجهة الشرق يقاتل جماعة من العرب ممن عصى عليه، فنزل فريقه بالمنحنى عند بستان جان بك، وكان عمه الشريف سيسد بن محمد مريضا (٢) فتربّص لأجله نحو جمعة حتى غلب عليه ومات في ليلة الأربعاء رابع الشهر، فجهّز في وقته وصلّي عليه ضحى تاريخه وشيّعه جماعة من الأشراف وأرباب الوظائف وغيرهم، ودفن بقبة أبيه على أخيه السيد هزّاع. وخلّف أولادًا صغارًا ذكرين وبنتين من أمهات شتى وعُملت له ربعة بالمسجد والمعلاة وخُتم له في يوم الجمعة ثالث تاريخه. ثم بعد صلاة الجمعة توجّه السيد أبو نمي بفريقه إلى جهة اليمن ونأى عن جهة الشرق لمراسلة العرب له في الصلح ونزل بوادي الآبار. وكانت بقدومه الأسعار رخية في الحب والسمن واللحم وغير ذلك مع كثرة الخضر والماء. وفي ضحى يوم الثلاثاء عاشر الشهر مات القاضي الأصيل خير الدين أبو الخير ابن الشيخ العلامة الصوفي محيي الدين عبد القادر بن عمر بن أبي السعود بن ظهيرة

стр. 534

القرشي الشافعي بعد توعكه مدة من حين قدم من المدينة الشريفة في نصف شعبان. وكان واعيًا وينطق بالشهادة إلى أن حلقت روحه وهو ببيت والديه مع صغر سنه، فإن عمره نحو الثلاثين فجهّز في يومه وصلّي عليه (١) بعد صلاة العصر عند الحجر الأسود كعادة سلفه، وشيّعه خلق من الناس ودفن بالمعلاة عند تربة بني ظهيرة القديمة، وعُملت له ربعة بالمعلاة وخُتم بها، وذُكر بخير، وخلّف ولديه وزوجة، رحمه الله تعالى وعوضهم خيرًا. وفي يوم الثلاثاء سابع عشر الشهر وصل لمكة شاووش رومي صحبته شيخ الدلالين بجدة جعفر الرومي، وكان وصولهم من القاهرة بحرًا ودخلوا لجدة وتوجّهوا لفريق الشريف وأعطوه مراسيم بالقبض على نائبها والي جلبي الرومي ووضعه في الحديد وضبط مخلّفه والإرسال (٢) به بحرًا بعد الاحتفاظ عليه مع القبض على جماعته وأركان دولته. فتوجّه لجدة الشريف عرار بن عجل بجماعته من القواد عبيد الشريف أبي نمي في يوم تاريخه أو قبله بيوم، وأروه المرسوم بعزله والقبض عليه فقال له: معي مرسوم أني إذا عُزلت أكون ناظرًا على العمائر الخنكارية بمكة المشرفة. وكان قلبه حاسًا (٣) بالشر فما أمْهل وجاؤوه بزنجير وباشة (٤) ووضعوها في رقبته فضاقت عليه لغلظها فوُسعت له وأرادوا النزول به من منزله إلى فرضة الشريف فسألهم في المكث به في محله إلى الليل حتى لا يراه أهل البلد فترك في محله، وقبض على خمسة أنفس من جماعته كمباشريه محمد بن يونس المصري والجمالي محمد ابن الشيخ محيي الدين

стр. 535

الناظر وشيخ الدلالين المفصول محمد بن الخبازة والترجمان .... (١) الرومي ومقدم البحر. ووُضع الجميع في الحديد وتسلمهم جماعة الشريف وخُتم على منزليه بجدة ومكة. فأظهر الناس الشماتة بنائب جدة لتجبّره وظلمه وإظهار العظمة والجبروت لأنه كان توعك في أول شهر شعبان فلاطفه الحكيم محمود العجمي حتى فُصد، فلما دخل الحمام دق الطبول والدفوف وخلق الناس بالزعفران وقسم مالًا على ذلك وألبس حكيمه خلعة وأظهر السرور بعافيته خوفًا من الشماتة به من أهل مكة وغيرهم. والقدرة تقول إن الله يذله بأعظم من ذلك فسبحان المعزّ المذل الفعال لما يشاء ويريد، لا إله إلا هو الحي القيوم الدائم الباقي. وفي عصر يوم الأربعاء ثامن الشهر مات الأصيل كمال الدين محمد ابن الشيخ برهان الدين بن أبي بكر المرشدي وعمره ستّ عشرة سنة، فجهّز في ليلته وصلّي عليه صبح ثاني تاريخه وشيّعه جماعة ودفن في الشعب الأقصى بالمعلاة عند جده لأبيه بالقرب من السيدة خديجة الكبرى ﵂ زوج النبي ﷺ . وحزن عليه والداه (٢) وأظهر والده الصبر والاحتساب، عوضه الله خيرًا. وفي ليلة الثلاثاء رابع عشريْ الشهر مات الشيخ الصالح المعتقد عفيف الدين عبد الله بن موسى اليمني شيخ الخلف والخليف (٣) المجاور بمكة في سنة تاريخه والتي قبلها بعد زيارته للنبي ﷺ في السنتين المذكورتين، وملازمته قراءة الإحياء للغزالي على الشيخ محمد بن عبد الرحمن الحطاب المالكي، نفع الله بهما. فجهّز صبح يومه وصلّي عليه في الضحى وشيّعه خلق من الناس ودفن عند درب المعلاة عند فقير له

стр. 536

مات قبله بوصية منه، وكان وعكه نحو جمعة، وذكر الجماعة من أصحابه أن قصده التوجّه لزيارة والديه وفهم الناس منه العودة لبلده وما كان إلا وفاته، رحمه الله تعالى ونفع به. وفي ليلة الخميس سادس عشري الشهر مات قاضي القضاة الورع الزاهد رضي الدين أبو حامد ابن الشيخ زين الدين عطية بن عبد الحي بن ظهيرة القرشي الحنبلي بعد توعكه نحو شهرين بالحمى والسعال كوجع أخيه الشيخ ظهيرة المتوفى أول سنة تاريخه. فجهّز في ليلته وصُلّي عليه صبح تاريخه عند باب الكعبة ولم يوضع له فوانيس عند جنازته لوصيته بذلك مع ترك النداء له على زمزم والصلاة عند الحجر الأسود كعادة بني ظهيرة. وشيّعه خلق إلى المعلاة ودفن على أخيه الشيخ شهاب الدين أحمد بتربة الشيخ الجنيد بن موسى المشرع، وحزن الناس عليه كثيرًا لزهده وضعفه وفضله. وخلّف ولدًا صغيرًا من مستولدة قريبه قاضي جدة المرحوم الجمالي محمد بن ظهيرة وأختين وشقيقه الشيخ أبا عبد الله محمد المالكي وهو وصيّه وعليه دين يقال نحو سبعمائة دينار تكفل بها أخوه (١) عند وفاته، رحمه الله تعالى. ولم يخلف بمكة مثله في مذهبه واستُدل بذلك على بركته بالوحدة في ليلة الجمعة وليلة القدر على قاعدة مذهبه وحصلت له فضيلة بذلك، رحمه الله تعالى وإيانا. وفي ليلة السبت ثالث تاريخه وصل لمكة نائب جدة والي جلبي الرومي وهو في الحديد وسكن في منزله والترسيم عليه من جماعة الشريف والشاووش الذي وصل لأجله. وفي صباح تاريخه حضر القضاة الثلاثة خلا الحنبلي والسيد عرار بن عجل والحاكم وجماعة صاحب مكة والشاووش الرومي لضبط أموال الخنكار ونائب جدة

стр. 537

والي جلبي فوُجد من مال الخنكار أربعة وثلاثون ألف أشر في فضة وأربعة آلاف عند الشريف أبي نمي، وصرف في العمارة بمكة وجدة وغير ذلك نحو ستين ألف أشرفي. ووجد من مال والي جلبي اثنان وعشرون ألف دينار فضة غير العروض من القماش وغيره. وتعجب الناس من قلة ذلك فإنه يتهم بأكثر من مائة ألف، والله أعلم بحقيقة حاله. وفي يوم الإثنين تاسع عشريْ الشهر فرّق الشيخ العلامة المحقق تاج العارفين أبو الحسن محمد ابن الشيخ جلال الدين محمد البكري القاهري الشافعي حلوى كثيرة في معاشر من السكرية والمسك على قاضي القضاة وأعيان الفقهاء ومعارفه ودعاهم للصلاة خلف ولده المراهق محمد وحضور ختمه في مقام المالكية في الليلة الآنفة، وكان سنه ثمان سنين، فإن مولده في ليلة الجمعة عاشر ذي الحجة عام ثلاثين وتسعمائة. فحضر ذلك خلق من الأعيان وغيرهم وأوقدت الشموع والمفرعات في المقام. فصلى صلاة حسنة وخطب عقبها على منبر الوعاظ خطبة مطولة أداها تأدية لطيفة استكثر ذلك عليه لصغر سنه، لكن الولد سرّ أبيه. فالله تعالى يبارك فيه وينفع به كما نفع بأبيه. والذي فعل من تقسمة الحلوى لم يفعله إلا صاحب مكة السيد محمد بن بركات لولده هيزع والمقر الزيني بن مزهر لولده البدري محمد وقاضي المالكية النوري ابن أبي اليمن لولده. وفي يوم الإثنين المذكور وصل شاووش ثان من مصر في البحر وكان خرج من جهة الصعيد وتعوّق في الطريق ومعه مراسيم مقدمٌ تاريخها على مراسيم الشاووش الأول، وهي في الحقيقة ثانية (١) مضمونها القبض على نائب جدة والي جلبي وقتله وضبط ماله فوجد تقدمَهُ الشاووش الذي خرج بعده بإبقائه ووضعه في الحديد وضبط ماله ومال الخنكار وإرساله بحرًا. ويقال إن ذلك بمراجعة الأمير جانم

стр. 538

الحمزاوي في الروم بباب الخنكار، وقال لهم: إن قُتل يضيع المال الذي تحته (١) وفاوض نائب مصر في ذلك فتركه لهذا المعنى. فحضر الشاووش ضبط المخلف ثلاثة أيام وأخذ ترسيمه، وكذا الأول، واختلفا في التمييز فقال لهم النائب المرسم عليه: يسَق الأروام أن الترسيم لمن حضر أولًا وقصد حرمان الثاني، فلم يسمع له وأغلظ في الكلام عليه فاشترك هو والأول وأخذ جماعة الشريف ترسيمهم، ويقال إنه أعطي الشريف أبا (٢) نمي صاحب مكة أربعة آلاف أشرفي وللشريف عرار ألف وخمسمائة ولباقي الجماعة خمسمائة. فخففوا عنه من التضييق عليه بل أطلق من الحديد يوم العيد وصلى الصلاة بالمسجد الحرام وكذا مباشروه (٣). وفي ليلة الإثنين المذكور طلع قاضي القضاة الشافعي وناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة علو جبل أبي قبيس لرؤية الهلال على عادته ومعه جماعة من الفقهاء والعدول فلم يروه، وتوجّهوا معه لمنزله ومَدَّ لهم سماطا حسنا فأفطروا. وتنازع الخطيبان الوجيهي عبد الرحمن النويري والمحيوي العراقي في مباشرة خطبة العيد لأنها موالية لجمعة أولهما - وهو يستحقها على القاعدة القديمة - وأن كل ما حدث بعدها يكون لمباشرها فاتفقا عند قاضي القضاة الشافعي على أنها تكون له مع خطبة يوم عرفة وتكون خطبة السابع للمحيوي العراقي في سنة تاريخه وفي السنة الآتية للثاني ما للأول. ولام العراقي قاضي القضاة الشافعي في كتابة إشهاد بذلك ودسّ فيه دسيسة ثم تفطن بها المحب عبد الرحمن، كما يأتي ذكرها مبينًا بعد خطبة عرفة، والله أعلم بحقيقة حالهما ومن يبلغ ذلك منهما.

стр. 539

شهر شوال المبارك استهل كاملا بالثلاثاء من سنة ٩٣٨ هـ (١٥٣٢ م) في صبْحه صلى بالعيد الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري الخطبة المعتادة وترك الناس اللعب على رؤوس الجبال بالنقارة وكذا بالمعلاة لحزنهم على وفاة السيد سيسد بن محمد بن بركات الحسني عم صاحب مكة وابن صاحبها - كان - رحمه الله تعالى وإيانا. وفي مغرب ليلة السبت خامس الشهر سافر والي جلبي النائب المعزول لجدة بعد أخذ بعض حوائجه وبيع بعضها في السوق وشد محفة على جمليْن وتقدمت مع حموله وترك زوجة له بمكة وسافر بثانية. ودخل هو للمطاف وفي رقبته الزنجير من تحت الثياب فطاف وركب بغلته ولم يتصدق بشيء على خدام الدرجة فصار الدعاء عليه من العامة وغيرهم. (١). وأقام بجدة إلى ثلث الشهر ثم جهّز في ثلثه وسافر بحرًا فلاقاه بقرب جدة النائب الجديد محمد جلبي الرومي فرده معه ليكشف على عمله كما رسم به. وكان قدم إليه في العام الماضي بمرسوم ليكون عنده بجدة فمنعه وردّ مرسومه فتوجّه للروم وشكاه في باب الخنكار فوافق كثرة الشكوى فيه فولوه عوضه وأرسلوه لمحاسبته والنداء عليه للاطلاع على ظلمه .... (٢) لجدة وتوجّه لصاحب مكة السيد أبي نمي بفريقه بجهة اليمن فاجتمع به [وقدم] (٣) مرسومه فأضافه الشريف وأكرمه وعادا لمكة فدخلاها في ليلة الجمعة ثامن عشر الشهر. وسكن النائب الجديد محمد جلبي عند عياله في قاعة قاضي القضاة الشافعي الجمالي أبي السعود بن ظهيرة في السويقة ثم توجّه في صباحها لمنزل السيد أبي نمي

стр. 540

فاجتمع معه القضاة الثلاثة وأعطى كلًا (١) منهم مرسومًا من نائب مصر وورقة من الأمير جانم الحمزاوي مضمونها الكشف عن أحوال والي جلبي بعد النداء عليه بمكة وجدة ومكاتبتهم بذلك للأبواب الشريفة وتحذير كل أحد من الانتصار له أو التهاود في أمره. فأجابوا بالطاعة ثم توجه الشريف لفريقه في آخر يوم تاريخه بجدة ونائبها محمد جلبي في يوم السبت ثالثه. ثم في يوم الأحد عشري الشهر تبعه القضاة الثلاثة للنزول لجدة فأقاموا بها جمعة للتفتيش [على] (٢) والي جلبي وأحضر في الفرضة السلطانية بحضرة القضاة وأركان الدولة وهو في الحديد بعد إجهار النداء عليه لمن كان له عليه مظلمة فليأت إلى الفرضة. فجاء جماعة من التجار وغيرهم لطلب حقوقهم من الأمتعة والنقد فصادق بعضهم وأنكر بعضهم ودفع لبعضهم حقه في المجلس يقال أكثر من ألف دينار. فصالح البعض في حقه وردّ على البعض حقه، واستمر التفتيش ثلاثة أيام وحصل له غاية الذل والإهانة وظهرت (٣) منه الخيانة بحيث اطلع على دفتره وفيه الخصم للخنكار بمبلغ زائد عما فيه. واعترف بافتياته في التصرف على صرّ الرومية من غير أمر خنكاري بل أكل حق بعض من قرّره ولم يدفعه له، وشهد عليه في بعضها مباشرُه بحضرته ومع ذلك هو يظهر التجلد ويكثر الكلام، بحيث نازع قاضي جدة بديع الزمان بن الضياء عند .... (٤) لما دفعه لأخيه قاضي مكة أبي السرور من معلوم التدريس وغيره. وتفاحش الأمر في ذلك بين الأخوين ولهذا سافر القاضي أبو السرور لمكة صحبة القاضي الشافعي ولم يحضر ختان ولد أخيه. وكان شرع في ذلك في جمعة تاريخه وأرسل لمكة طلب إخوانه وأقاربه وجلس عنده قاضي المالكية

стр. 541

التاجي عبد الوهاب وسافر الشافعي والحنفي من جدة في يوم الأحد سابع عشريْ الشهر، وذهب الناس للسلام عليهما بمكة. وفي ضحى يوم الأربعاء وصلت (١) لمكة القائدة شافة ابنة عبد الله بن شكر الحسنية زوجة الخواجا عبد القادر القاري أم ابنته ستيتة وهي ميتة من وادي الدكناء من نصف الليل. فجهّزت في يوم تاريخه وصلّي عليها عصر يومها وشيّعها جماعة إلى المعلاة ودُفنت في تربة بني السنيكي أجدادها لأمها قبالة تربة الشيخ عمر العرابي. وحزن عليها زوجها وعمل لها ربعة بالمعلاة وختمًا وسبحة بالفقراء وخلفت بنْتها قندولة زوجة ابن زوجها وستيتة زوجة قاضي المالكية الذي توجّه وزوّجها. وأشهدت له بما أشهد به لها في وجعه قبلها من سنين عديدة، فسبحان المحيي المميت. ثم ذُكِر لي أنها أوقفت جميع ما اشترته عنده من الأصائل والأملاك بمكة والأودية على أولادها وباعته الباقي (٢) بستمائة أشرفي، ووصّت بجهازها بمائة واحدة وذلك احترازًا من عصَبتها بني عمها، فإن زوجها وابنتيْها لا يستغرقان ميراثها. وطالب الزوجَ العصبةُ طمعًا فيه مع علمهم أنّ جميع ما حصّلته منه أوقفته. وفي ليلة السبت سادس عشريْ الشهر مات الخواجا الأصيل المعمّر شرف الدين يحيى بن علي بن أحمد بن حسن الرحبي ويعرف بالمغربي نسبة لجده الشيخ يحيى بن محمد بن يحيى المالكي وعمره ثلاثة وسبعين سنة. فجهّز في ليلته وصلّي عليه في صباحها وشيّعه جماعة إلى المعلاة ودفن بتربة جده بين قبره وقبر أخيه. وخلّف ابنته ملّكها جميع مخلفه وأثبتَ ذلك في حياته وهي بكر، وعمرها نحو أربعين سنة فقامت بواجبه، جبرها الله تعالى ورحمه وإيانا وجميع المسلمين. وفي ليلة الأربعاء تاسع عشري الشهر طلع قاضي القضاة الشافعي بالفقهاء

стр. 542

والعدول لرؤية الهلال على العادة، فلم يروه لانطباق الغيم. ثم في صباحها جاء جماعة من العامة فشهدوا عنده برؤيته فأثبتَه، فالله تعالى يحقق ذلك مع الشهر بعده، فإنه إن كان ناقصًا تكون الوقفة بالجمعة. شهر ذي القعدة الحرام ثبتت رؤيته في صبح الأربعاء من سنة ٩٣٨ هـ (١٥٣٢ م) وفي أوله ظهرت الفاكهة بمكة من الرطب والتفاح والتوت والتين وغير ذلك. وفي ضحى يوم الخميس ثانيه ماتت .... (١) التركية أم بركات ابن الخواجا علي الدمشقي نزيل مكة. وجهّزها أخو ولدها الخواجا البرهاني إبراهيم في يومه وصلّي عليها في عصره وشيّعها جماعة لأجله ودفنت بالمعلاة، رحمها الله تعالى وإيانا. وفي ضحى يوم الجمعة ثالث الشهر مات الشيخ المعمر المقرئ الصالح شهاب الدين أحمد بن محمد الكيلاني العجمي في خلوته برباط الأشرف قايتباي بعد توعكه نحو جمعة، وأوصى تلميذه الشيخ المقرئ يوسف العجمي، وذكر أن له ابنة وأخًا في بلاده. وهو مقيم بمكة نحو أربعين سنة ملازم الإقراء وصلاة الجماعة في الصف الأول من المسجد الحرام مع كثرة الطواف والتهجّد والانجماع عن الناس، ورتّب له صرة في الرومية يستعين بها على القيام بأوده مع التقلل على طريقة السلف الصالح. فجهّز في يومه وصلّي عليه عقب صلاة ظهر يوم الجمعة في مشهد حافل وشيّعه خلق كثيرون ودفن بالمعلاة في الشعب الأقصى. فأثنى الناس عليه خيرًا رحمه الله تعالى. وفي أول الجمعة بعد هذه كان مهِمّ قاضي جدة بديع الزمان محمد بن الضياء الحنفي لختان ولده المراهق ضياء الدين محمد، وكان حافلًا عمل له فازة أمام منزله

стр. 543

عظيمة وزفة هائلة بشموع كثيرة ومفرعات عديدة ودعي فيها جماعة من الأعيان فحضرها وكانت زفة الحناء في ليلة السبت رابع الشهر من فرضة الشريف صاحب مكة جهة الساحل مرّ بها على مسجد الأبنوس وبيوت قاضي القضاة الجمالي أبي السعود بن ظهيرة إلى المكان المشهور بالنداء في جهة اليمن بالقرب من منزل والده. وعمل هناك حراقة نفط عظيمة وجعل بعده مولدا حضره نائب جدة الجديد (١) محمد جلبي والسيد عرار بن عجل الحسني ونواب جدة وتجارها وأكابرها على دكاك وسط الفازة وبعد الفراغ من المولد قام جماعة من جهة القاضي معهم صيرفي وشمعة وداروا على الجماعة الحاضرين فأخذوا منهم لصقا. فأعطى نائب جدة ذهب سليمي سبعة - عنها أشرفية عشرين - والسيد عرار والشهابي الطهاري والخواجا أبو البقاء السكري نحو العشرين، وجماعة سبعة وجماعة دونهم حتى استوفي جميع من حضر المجلس ومن غاب كتبه شيخ الدلالين في قائمة فطالبه. ويقال إنه اجتمع له نحو ألفيْ أشرفي فضة، وكان مصروفه على المهمّ نحو نصفها. وختن الولد في صباحها وعمل سماطًا هائلًا شكر الناس منه. فالله تعالى يعطيه خير ذلك ويجعله مباركًا عليه. وفي هذا الشهر غرق جماعة في عدة جلاب في مرسى أم المسك قرب جدة فيها جماعة من التجار منهم: بعض أولاد الخواجا قاسم بن الجمال الحلبي وغيره، وبجلبة لأمير الصعيد لابن عمر جاءت من القصير وكورت (٢) الباحة فيها الخواجا مصطفى مِشَدّ العين والعمائر بمكة المشرفة وخلق، وكثُر القال فيها وفي ركَبَتِها: الغرق أو السلامة، والله أعلم بما أراده. وفيها جاء جماعة من الشحر وأخبروا أن الفرنج المخذولين دخلوها وأخذوا

стр. 544

المراكب التي فيها وهي مشحونة مع خلوها من ركابها في البندر. وتشوش الناس لهذا الخبر. فالله تعالى يخذلهم وينصر المسلمين عليهم. وفي نصف شهر تاريخه وصل لمكة المشرفة جماعة من قوافل المدينة الشريفة فيها خلق من أهلها وغيرهم منهم قاضيها الشمسي المالكي محمد ابن القاضي محب الدين السخاوي بعياله، ويقال إنه مفصول بخصمه أحمد المغربي. وأخبر الواصلون برخائها وأمنها، ولله الحمد. وأشيع معهم أن القاضي الحنفي المفصول أبا النور ابن ..... (١) الخُجُنْدي وهو في بلاد الروم من السنة التي قبل تاريخها أرسل بورقة لأخيه يحيى مضمونها أنه سعى في قضاء المدينة فعارضه خصمه خضر الرومي. فعرضوا عليه قضاء مكة عوضها وهي أزمك منها، فبلغ ذلك المتولي القاضي أبا السرور بن الضياء الحنفي فصار يباشر الحكم قليلًا. وأن السيد عبد الرحمن السمهودي وُلي نصف الخطابة والإمامة في المدينة عوض القاضي أبي الفتح المدني. وفي جمعة تاريخه وقع بين أهل منى محاربة لأخذ ثأر تقدم فجرح فيه جماعة من الطرفين، ومات بينهم رجل من بني ريشة صهر لبعضهم طلب أن يفرع بينهم فقُتِل غلطًا بين الفريقين. وطلب الحاكم بمكة تقدير جراحاتهم ليأخذ راتبه فيها، فدخل بعضهم على السيد حميضة بن محمد بن بركات الحسني وبعض أولاده للتوقف بينهم لسنة كاملة، فأجار عليهم فيها فمسك كل من الفريقين نفسه، والله يقدر خيرًا. وفي صبح يوم السبت سابع عشر الشهر وصل لمكة صاحبها السيد الشريف أبو نمي محمد بن بركات الحسني ومعه عسكره وجماعته. فتوجّه الأعيان للسلام عليه فبلغه تولية قاضي المدينة لقضاء مكة فقال: لا نمكّنه من ذلك خوفًا من

стр. 545

التفات الغرباء في الولايات بها، فجزاه الله خيرًا إن تمّ هذا. واتفقت (١) وفاة قاضي القضاة الحنبلي في شهر رمضان سنة تاريخه تحدث جماعة بالسعي في وظيفته لقاضي الحنابلة بالمدينة - كان - الشمسي محمد ابن القاضي أبي الفتح الريس. وهو مجاور بمكة في سنته بعياله. وتحركت الأسعار في جميع الأقوات خصوصًا الحب بعد رخائه وكثرة وصوله من بجيلة واليمن وذلك لقلة وجود الحب المصرية وعدم وصوله من مصر، بحيث بيعت الربعية اللقيمية بثلاث محلقة صغار ونصف وكذا الدخن والذرة، والمنّ السمن بخمسين كبيرًا، والرطل اللحم بمحلق ونصف صغير، والتمر رطلان ونصف بكبير، والراوية الماء بصغير، وذلك لكثرة الخلق وصب العين في بركة الشامي، فإنها عُمرت في شهر تاريخه وشرع في ملئها للحاج. فالله تعالى يُرَخِّص (٢) أسعار المسلمين. وفي يوم الجمعة رابع عشري الشهر وصل لمكة قاصد صاحبها الشيخ مسلم البدوي وكان رافق الحاج المصري من القاهرة وأخبر بمرافقته من الأزلم وهو كبير وأسعاره رخية، وصحبته السيد علاء الدين ملك التجار وجعفر جلبي صهر الدفتردار الأعظم إسكندر جلبي وأمين الغلطة (٣) أمين الدين الروميان على نية الحج (٤) وأن أمير الحاج رومي ومعه زوجتان له. وأخبر أن ملك التجار قال: له مرسوم لقاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة بولاية قضاء جدة عوض القاضي بديع الزمان ابن الضياء. وأشيع ذلك عنه ولم يظهره المتولي لتثبّتِه وعقله. وفي صبح يوم السبت ثاني تاريخه شُمّرت ثياب الكعبة - ويقال إحرامها - على العادة.

стр. 546

وفي أول الجمعة تتابع الصريخ من أودية مكة وأهل جدة فعمل لكل منهم عرضة صبح كل يوم وختم بأهل جدة وفيها الحاكم بها عند صاحب مكة والنقارة تدق ثم أهل مكة ومعهم حاكمها مرشد الحريري والوالي النوري علي المشهور بجنيدب والنقارة خلفهما. واجتمع لذلك خلق من أهل البلد وغيرهم. وفي ليلة الأربعاء تاسع عشري الشهر وصل لمكة السيد عرار بن عجل الحسني وفارق الحاج من ينبع في حادي عشري الشهر وصحبته أوراق لجماعة منها ورقة لقاضي القضاة الشافعي من مكبر الحنفية الزيني سليمان من الشيخ أبي السعود المغربي، مضمونها بولاية قضاء جدة وأنه سمع ذلك من السيد ملك التجار وقال له: معه مرسومه من الروم وأرسل له نظيره بالعربي حتى .... (١) خليفة من البحر، وأن صحبة الحاج جعفر جلبي وعلي أمين الغلطة وشيخ الحرم النبوي السيد الرفاعي. وأن جميع الحجازيين الذين كانوا بالروم توجّهوا إلى الشام وهم واصلون صحبة حاجه. وأن الشيخ عبد المعطي الفوي حصل له اعتقاد في الروم وتقرر في مائة أشرفي ذهب، وللقاضي عبد الله ابن القاضي أبي البقاء بن ظهيرة ثلاثين أشرفيا وتقرّر في نظر البيمارستان المكي والشيخ عبد العزيز الزمزمي خمسة وعشرين. وأن الرومية (٢) ذهبًا مصرورًا في صرر على العادة القديمة. وغير ذلك مما سُرَّ الناس به. وفي عصر تاريخه طلع قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة إلى علو جبل أبي قبيس لرؤية الهلال ورفقته جماعة من الفقهاء والعدول فلم يره أحد لانطباق الغيم إلّا شخصًا روميًا ادعى رؤيته، فلما طالبه الحاضرون برؤية مكانه قال لهم: حال عليه السحاب فلما وصل الجماعة للمسجد الحرام اجتمع خلق من العوام وادعوا رؤيته. فصلى القاضي تحية المسجد خلف منبر الخطيب ونادى بعض جماعته:

стр. 547

من رأى الهلال فليتقدم، فتقدم له جماعة نحو سبعة أنفس من المصريين واليمنة، فاتفق بعضهم في رؤيته واختلف البعض فطلب القاضي الشيخ إسماعيل الزمزمي المؤقت وسأله عن محله وإمكان رؤيته فقال: رؤيته عسِرة لحديد النظر، فقبل القاضي شهادة الجماعة وأثبت رؤيته في ليلة الخميس. فالله تعالى يحقق ذلك فإن صحة وقفة الجمعة مبنية على رؤيته. والعامة يلهجون بذلك من أول السنة لكون السنة التي قبلها بالإثنين ويذكرون حديثًا: من بشّرني بحجة الإثنين بشرتُه بحجة الجمعة. وهو باطل لا أصل له، فالله تعالى يصلح أحوال المسلمين، ويرد العاقبة إلى خير. شهر ذي الحجة الحرام استهل ناقصًا بالخميس من سنة ٩٣٨ هـ (١٥٣٢ م) في ليلة تاريخه وصل جماعة من المغاربة فارقوا الحاج من خليص. وفي ضحى تاريخه وصل لمكة جماعة من الحاج منهم السيد علاء الدين ملك التجار والأمير علي أمين الغلطة وتوجّه الأعيان للسلام عليهما ومع ثانيهما محفة فيها عياله، ويقال إن الخنكار عيّنه مقدمًا على العمارة المجهّزة من السويس للفرنج في جهة الهند، وأنه استأذنه في الحج ثم يعود لها ووصل إلى باب المعلاة أمين إسطنبول جعفر جلبي صهر الدفتردار الأعظم إسكندر جلبي. ونزل في سبيل الخنكار هناك حتى يتوجّه إليه الأعيان، وعيّن لطوافه قاضي الحنفية المفصول أبو (١) السرور ابن الضياء. فتوجّه له قاضي القضاة الشافعي والسيد عرار بن عجل وغيرهم من الأعيان وقدم له تقدمة طعام القاضي الشافعي ونزل من عنده واستمرّ إلى قرب المغرب ثم نزل وطاف وتوجّه لمنزله في القصر علو باب إبراهيم وهو يعيب على صاحب مكة لعدم ملاقاته له وتقدمة طعام له قبل قدومه، فتوجّه له بعد ذلك وسلّم عليه.

стр. 548

وفي بقية النهار تتابع الحاج وكانت العرضة في صبح يوم الجمعة ثاني الشهر وأمير الحاج والمحمل الزيني مصطفى الرومي كاشف الغربية. فواجهه صاحب مكة السيد أبو نمي بعسكره من المختلع، فأخلع عليه وعلى ولده المراهق السيد أحمد وقاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة وقاضي المحمل الشيخ شمس الدين الرشيدي. وكانت ولايته من الروم، ونزل أمير الحاج بمكة في المدرسة الأشرفية ووطاقه بالمعلاة عند الدرب ورافقه المحمل إلى المدرسة بالمسعى ثم توجّه من سوق الليل إلى المعلاة مع بقية يَرَقِه من الخيل الملبّسة وغير ذلك. وابتهج الناس برؤيتها لحسنها وكثرة الخلق فيها. وفي يوم السبت ثالث الشهر اجتمع القضاة الثلاثة الشافعي والحنفي والمالكي وأمين المبرّة الرومية واسمه مصطفى واليازجي مصطفى وهما ساكنان في المدرسة الكلبرجية جوار باب الصفا، وشرعوا في تفْرقتها بعد إذن صاحب مكة فيها، ففُرقت ذهبًا خالصًا كاملًا في الوزن سكة الباشا إبراهيم على قائمة نائب جدة والي جلبي. وأعطِي لكل شخص جميع مقبوضه وتضاعف دعاؤهم لمرسلها هناك. فالله تعالى ينصره ويديم أيامه السارة، ويجعل النفوس في دولته قارّة. واستمرت تفرقتها ثلاثة أيام وأخّر سكان الأربطة إلى بعد الحج. وفي يوم الأحد ثاني تاريخه اجتمع في الحطيم صاحب مكة وأمير الحاج ونائب جدة والقاضيان الشافعي والمالكي وخلق من العسكر والعامة، وقُرئت عدة مراسيم نحو العشرة قرأ غالبها في الأرض مباشر أمير الحاج بدر الدين الجزيري (١) الحنبلي وبعضها على كرسي قرأ الشرفي قاسم بن محمد ابن العدل المكي على عادته، منها مراسيم لصاحب [مكة] (٢) مضمونها الوصية بالحاج وأميره وغير ذلك

стр. 549

كالرومية (١) وتفرقتها على مستحقها، ومن مات وله ولد يُعْطى لولده. ثم ذكر في آخر المرسوم أنّ ذلك لمن خلّفه من الذكور والإناث، وثلاثة (٢) للقاضي محب الدين الشافعي لولايته لقضاء جدة ووصيته بضبط المتحصل فيها والقبض على مال الأموات والكتابة بها إلى الأبواب الخنكارية حتى يُثبت الورثة استحقاقهم. وفي ذلك ضياع ومشقّة على أهلها. فلا قوة إلّا بالله. ومرسوم للسيد عرار بتعظيمه والوصية به. ومرسوم خاص بإبطال المظالم من المعشرات بجدة والعوائد المحدثة لاشتكاء التجار. وطلب الأمير قراءته بحضرة التجار وطلبهم في المسجد وأشير عليه بقراءته مرتين في هذا المجلس وبعده عند اجتماعهم، فأظهر انزعاجًا عند ذلك وصار يؤكد في طلب التجار والشريف يضحك منه. ففهم بعض الحاضرين قصده في طلب مصلحة منهم فأرسل إليهم جماعة فحضر منهم الخواجا زين الدين الناظر وشاه بندر - كان - أبو البقاء السكري المصري والخواجا محمد بدر الدين الحلبي والخواجا محمد ابن النميرة الشامي وغيرهم من الشاميين والمصريين والأعاجم نحو العشرين فعرضت قراءته على قارئ مراسيم الشريف فامتنع فقرأه حينئذ مباشر أمير الحاج البدري الجزيري (٣) قراءة خفية توقف في كثيرها، فأعطي لمباشر غيره فقرأه على الكرسي مرة ثانية فأعجب التجار، وتضاعف دعاؤهم للخنكار. ثم بعد ذلك لبس الشريف خلعة عظيمة وكذا قاضي القضاة الشافعي المحبي ابن ظهيرة وانفض المجلس مع الشريف إلى باب أجياد من المسجد الحرام. ثم عاد الفقهاء والخلق مع الشافعي إلى جهة جلوسه في زيادة باب السويقة وهنّأه الناس

стр. 550

بولاية قضاء جدة. وكان خصمه القاضي بديع الزمان جالسًا (١) عند مقام الحنفية يشاهدهم وهم مارون عليه، وخطّأه جميع من شاهده. وفي يوم تاريخه أمر أمير الحاج المصري بتفرقة الذخيرة الشريفة في المدرسة الأشرفية ففرقها مباشرها القاضي بدر الدين الجزيري (٢) وسار معه ولده (٣) وخازندار أمير الحاج ويكتب كل من قبض اشهادا عند قاضي المحمل ويضع ختمه عليه. وتوحد لذلك كثير (٤) ثلاثة من الشهود والختم والخازندار على كل أشرفي عثماني وهو عشرة كبار صرف مصر. ومشى حال الناس لكونها فضة. والرومية ذهبًا وهو ماش أيضًا في البيع والشراء، لكنه يتوقف في الصرف. وفي ضحى تاريخه وصل جماعة من الحاج الشامي تقدموا من الوادي وتقدم معهم قاضي الحنفية الجديد أبو النور محمد الخُجُندي المدني وغيرهم من الحاج ثم تتابعوا في بقية النهار ولله الحمد. وفي صبح يوم الإثنين خامس الشهر خرج لملاقاة أميرهم صاحب مكة السيد أبو نمي الحسني وولده السيد أحمد وعسكرهم فلاقوه بالزاهر واسمه حاجي بك الرومي نائب صفد ونابلس الذي وصل أميرهم سنة ست وثلاثين. فعرض لها هناك وألبسه خلعته وطلب أيضًا إلباس قاضي الحنفية الجديد أبي النور المدني خلعة فقام الشريف أبو نمي من المجلس ومنعه من اللبس وقال: أنت متعدّ على قضاة بلدي وما استأذنْتَني في ذلك، فتبعه وقد ركب فرسه فأكبّ على رجله ليسلم عليها فرفعها عنه فصدمت عمامته فوقعت فقرب منه الشريف عرار بن عجل وسأله في الشفاعة له.

стр. 551

فأمره بلبس الخلعة فلبسها ومشى بجانب الشريف حتى وصل إلى المعلاة. فتوجّه أمير الحاج الشامي لمنزله في الأبطح وصحبته أمير الحاج المصري وعسكره. وعاد الشريف بعسكره ومعه القاضي أبو النور بجانبه فدخل مكة في أبّهة انشرح برؤيتها أهل بلده. وكان كثير منهم وصلها معه وقبله من جملتهم زوجتان له كانتا مجاورتين بمكة، وكان كثير منهم وصلها. فلما وصل مع الشريف أبي نمي إلى أجياد أمر بمؤانسته بالمشي أمامه إلى منزله جبرًا لخاطره فأوصلوه لمنزله في باب إبراهيم عند زوجته ابنة عمه، وهنّأه الناس بولايته. وتوالى التشويش على الأخويْن من بني الضياء لعزلهما من قضاء مكة وجدة، والله الأمر. وفي ضحى يوم الثلاثاء ثاني تاريخه اجتمع القضاة الشافعي والحنفي والمالكي في مجلس القاضي الشافعي بالزيادة وحضر معهم الشريف عرار بن عجل ونائبا (١) جدة المتولي محمد جلبي والمعزول والي جلبي بالتفتيش. فحضر خلق من الناس وادعوا عليه بجملة دعاوى من المظالم التي أخذها منهم من القماش والنقد وقطع الصُرَر في المبّرة الرومية، واستطالوا عليه بالكلام، ولم يفدهم غير الملام، وهو ثابت لأخصامه يردّ عن نفسه بحجج داحضة، وإذا ألْزِم بشيء يقول: نتوجّه إلى الأبواب الخنكارية. وكتب جميع ما ادُعِيَ عليه وطال المجلس في ذلك إلى بعد الظهر وأحضر مباشره المصري وحقّق عليه بعض كشف دفتره وهو في يد خصمه المتولي الجديد. وعند انتهاء المجلس خاصمه وقال: لا أختم الدفاتر لأنك خُنْت الخنكار في فك ختمي، وقد أظهرتَ الظلم أكثر مني في مدة يسيرة، وقد أخربْتَ جهة مصر وتريد تخرب مكة، وهي لا تطيقك. فوقع بين الأميرين الخصام وانفض المجلس على غير شيء. ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

стр. 552

وفي يوم الأربعاء سابع الشهر خطب خطبة السابع المحيوي العراقي، كما وقع الاتفاق عليه بينه وبين شريكه. وتوجّه الناس لعرفة وخطب بها في مسجد نمرة الخطيب عبد الرحمن النويري. وكانت الوقفة بالجمعة - ولله الحمد - والخلق كثير والحج هنيء والأسعار رخية في جميع الأقوات خصوصًا الفاكهة من العنب والخوخ والرمان والرطب والبطيخ الأخضر، وكثرة الكباش بحيث بيع الضخم بأشرفييْن وزيادة يسيرة ودون ذلك، والبِرَك ملآنه من الماء الحلو الطيب لجرْي عين عرفة وانبسط الناس بها كثيرًا وكثر دعاؤهم لمعمّرها الخنكار، نصره الله تعالى وأدام أيامه. وأقام الناس بمنى ثلاثة أيام وهم آمنون مطمئنون. ولم يصل أحد من الشرق إلّا القليل ومعهم قليل من القماش. وكسد كثيره لجلب تجار الهند قماشهم لمنى وبيعهم له بأنفسهم بسوء تدبيرهم لأنه حسُن في آخر الموسم عند السفر. وأقام الحاج المصري بمكة تسعة عشر يومًا ثم في ليلة الإثنين تاسع عشر الشهر سافر الحاج المصري وأقام الشامي بعده جمعة ثم سافر يوم الإثنين سادس عشريْ الشهر. وكان وقع في يوم الجمعة سادس عشر نزاع بين الخطيبين وجيه الدين عبد الرحمن ابن الخطيب فخر الدين أبي بكر العقيلي النويري في الخطابة بينه وبين خصمه الحديث فيها محيي الدين بن عبد الرحمن الحمصاني الشهير بالعراقي لأجل مباشرة الخطيب عبد الرحمن النويري للخطبة يوم الجمعة. وأرسل إليه جماعة يمنعونه من الخطبة لدعواه أنها له فمسك أعلامه قريبًا من باب المنبر، فكثر الإشلاء عليهم لظلمهم. وكان حاضرا أمير الحاج الشامي فسأل عن القضية فذكروا له أن خطيبًا ثانيًا ينازعه في الخطبة فقال: أين هو؟ فقالوا: باقي، فقال: الحاضر يقدّم، فقدم الخطيب عبد الرحمن فخطب وصلّى بالناس الجمعة. ثم بعد فراغه طلبه العراقي إلى قاضي الشافعية المحبي بن ظهيرة في مصلاه بزيادة دار الندوة، وادعى عليه أنه وقع

стр. 553

الاتفاق بينهما أن خطبة يوم السابع للعراقي ويوم عرفة للخطيب عبد الرحمن وهو يوم جمعته، وكانت عادة (١) الخطباء المتقدمون تسقط يوم عن صاحبها لكونها لا تصلى فيها جمعة وهي تابعة لصاحبها. وجهل العراقي بمواكب لأعياد مستقلة غير الجمعة وأظهر بذلك مستندًا بخط الولوي أبي زرعة المنوفي وعليه خط القاضي محيي الدين ابن ظهيرة الشافعي، وأظهروا الإنكار على الخطيب عبد الرحمن في تقدمه لخطبة هذه الجمعة، وصار هو يحلف ويبكي ويقول: إن بيدي كُتُبًا لم يقع فيها اتفاق، والله أعلم بحقيقة الحال. ثم قام من المجلس وهو مقهور مكسور الخاطر وهو يدعو إلى الله تعالى بإراحته من هذه الدنيا والانتقام من أخصامه. فقدّر الله تعالى أنه أقام جمعة ثم تحرك ريح القولنج عليه في أول الجمعة الثانية وانقطع بمنزله يومًا واحدًا ثم قضى نحبه في آخر اليوم الثاني يوم الأحد خامس عشري الشهر. فجهّز في ليلته وصلّي عليه في صبحه عند باب الكعبة بعد النداء له على زمزم كعادة الأكابر. وشيّعه خلق من الأعيان وغيرهم منهم السيد أبو نمي وركب في أثناء الطريق وجلس عند قبره حتى دفن على قبر أجداده بتربة سلفه. وحزن الناس عليه كثيرًا. وخلّف بنتًا وذكرين أكبرهما عمره تسع عشرة سنة ومنع من مباشرة الخطابة لمعارضة قاضي الشافعية له، وكاتَبَ فيها لنفسه ولم تحصل له، وعيّن صاحب مكة إمام الشافعية خير الدين أبا الخير محمد ابن الإمام أبي السعادات الطبري فيها حتى يأتي جوابه من الأبواب الخنكارية. فكان قدرة الله تعالى أنه كان في بلاد الروم الزيني عبد الحق ابن الإمام أبي الخير الطبري فسعى فيها لوالده فجاءته المراسيم باسمه في آخر السنة التي بعدها ومات ولده (٢) فيها وباشرها سنة بالنيابة وسنة بالأصالة ولم تحصل لقاضي الشافعية لكونه سعى في إخراجها من بيت النويري (٣).

стр. 554

سنة تسع وثلاثين وتسعمائة ٩٣٩ هـ (١٥٣٢ - ١٥٣٣ م) فيها: كان أربعون نفسًا من كل من أهل الحرمين الشريفين وسكان المحلين المنيفين يلازمون قراءة سورة الأنعام كل يوم بعد صلاة الصبح، فأهل مكة بالحطيم وأهل المدينة تجاه حجرة النبي العظيم، وعقب ختمها يتوسلون بالدعاء لنصرة مولانا سلطان الزمان سليمان خان بن عثمان لكونه توجّه لغزو الفرنج المخذولين في جهة بني الأغراض [بلغراد] حتى وصل خبر نصرته في أحد الجمادين. وزينت أسواق مكة لذلك، وترك أهل المدينة قراءتها من أول شهر رجب بأمر ناظر المسجد النبوي السيد محمد الرفاعي وأهل مكة في أوسط شعبان بأمر نائب جدة الأمير محمد جلبي وصرف لكل شخص منهم كل يوم محلقًا كبيرًا. وكان اليازجي على الرومية في السنة قبلها مصطفى الرومي يتفوه بتقرير الجماعة مرتبًا في المبرّة الرومية كل عام. وتواترت الأخبار بنصرة الخنكار على المخذولين من الكفار ولم يتحقق ذلك مع الإشاعة بمكة المشرفة وأعمالها بوصول غراب إلى جزيرة كمران باليمن فيه جماعة من الفرنج المخذولين للكشف عن أحوال المسلمين. وارتجت مكة بذلك وغَلَت (١) أسعار القوت من الحب وغيره. ثم تحقق الخبر بتوجّه الغراب لجهة الشحر وجاءتني منها ورقة أرسلها لي صاحبنا الأوحد الأصيل الشهابي أحمد بن محمد الحروي المكّي - كتب الله سلامته - تاريخها في ثاني جماد الثاني مضمونها: "إن في ثالث جماد الأول نزل غراب إفرنجي على الشحر وكانت سافرت منه جلبة

стр. 555

إلى العامرة والعميرة فعند سماعهم نزل منها أصحابها شاردين منها، فطلع إليها الخواجا عبد الله العجمي الأقطع وأخذ منها ما أعجبه وبعض زواده وقطع حبالها وخلّاها راحت إلى البر فكسرها، ونهب أهل العميرة ما كان فيها، وهم متفقون مع الفرنج وكل يوم ينزلون إليهم ويعطونهم الأغنام وغيرها. ويقال: إن جملة مراكب متوجّهة إلى جدة من جهتهم ونحن خائفون منهم، ومعهم القبطان الذي جاء في العام الماضي إلى الشحر ونهب بعض مراكب وأخذ مركب التركي المسافر من جدة للهند كما جاء الخبر به إلينا. وفي أواخر جماد الأول وصل مركب صغير وفيه ثلاثة مغاربة وولد يوسف الخاتوني وذكروا أنهم سافروا من الديو وقد أحاط عليهم ثمانية وثلاثون (١) مركبًا للفرنج المخذولين غير الأغربة وأنه واصل بعدهم إليها مائة وخمسون (٢) مركبًا للمخذولين لأجل حصار الديو وأنهم أخذوا في هذه السنة من مراكب السفارة من المسلمين عشرين مركبًا لأهل اليمن وعدن والمهرة ومن مراكب جدة اثنين هما محترم خان الذي صار لمحمد علي وطليعة المريسي، أخذوهما بعد قتال وطردوا .... (٣) محمد مالو فحاربهم وغُلب وأرْميَ الغراب على البر ونزل الناس بأنفسهم خوفًا من المخذولين فبقي الموج يحملهم ويرميهم على الشعب ومات منهم خلق كثير يقال مائتي آدمي، وصار الأموات كالضحايا يرميهم ومنهم ولد الخواجا قادر الدين زوج ابنة الخواجا بركات الحلبي وولد الخواجا زين الدين العجمي الناظر بجدة كان وجملة أعجام وغيرهم. وشق ذلك على السلطان بهادر شاه. وأما غراب سنجقدار الرومي فسلم ودخل إلى فتّن ونجل حمله (٤) ودخل الديو

стр. 556

فارغًا فطرده الفرنج وأرماه على البر ورمى فيه النار وبقية المراكب دخلت (١) إلى سومنات بالسلامة. ثم جاءهم الفرنجي وأحرقهم فارغين أيضًا والناس محصورون .... (٢) في الهند والبلاد معتلة جدًّا. الأرز ما يُلْقَى فيه، والذي كان بتَنَكة صار بأربعة، وغالب قوتهم الذرة والدخن، والبضائع الشامية نافقة (٣) جدًّا والهندية الذي بعشرة صار بسبعة ولا له مشتر، كذا أخبر الواصلون. والسلطان بهادر شاه يتوجّه إلى جهة شتور (٤) يقاتل الكفرة وإنه أمر جميع أهل بنادره لا يسافر منها أحد خصوصًا الديو لأجل تكثير الخلق بها لخذلان العدو. والناس منتظرون (٥) وصول العمارة الخنكارية من الديار المصرية، وإذا لم تصل هذه السنة وإلّا راحت الهند وغيرها. فالله تعالى يغيث المسلمين بوصولها آمين". انتهت الرسالة. وإن صحّت هذه الأخبار لم يصل لجدة شيء من المراكب الهندية. وأيس التجار منها. وكان الخواجا نصير الدين عبد الغني بن عبد اللطيف الكازروني نزيل مكة المشرفة توفي بها في خامس عشريْ جمادى الآخرة عام تاريخه وأوصى بخمسة آلاف أشرفي لأهل مكة ومثلها لأهل المدينة وأسند أمرهما لزوجته وابن أخيها الناظر معها السيد علاء الدين ملك التجار، فقوّم قماشه بأحسن الأثمان وأخذه ملك التجار وأعطى المستحقين ثمنه، وأعطى أهل مكة حقهم في نصف شوال. وفي آخره وصل من .... (٦) مركبان كبيران فيهما بهار وعود وصيني ومن دابول مركب صغير فيه قماش قليل وابتهج التجار بذلك لأنهم أيسوا

стр. 557

من وصول هندي عام تاريخه وتحركوا في البيع والشراء ونزلوا الجدة وكذا قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة والسيد ملك التجار وأقام بها الشافعي عشرين يومًا وولدت زوجته في غيبته بعد سفره بجمعة ضحى يوم الجمعة ثامن عشري شوال ولدًا ذكرًا سمّاه محمدًا جمال الدين وهنّأه الناس به لكونه محتاج له، وبعده عدة ذكور ووجود الإناث. وفي نصف شهر تاريخه وصل لمكة صاحبها السيد أبو نمي الحسني من جهة اليمن وتردد للوادي وجاءه فيه هدية من صاحب الحبشة فيها جارية حسنة ابنة أخي الحظي سلطان الكفرة، وكان هاداه في عام تاريخه، فأرسل معها عدة طواشية وتحفًا وعنبرًا وغير ذلك عوض هدية أرسلها. فابتهج الشريف بها. ويقال إن صاحب الهدية أرسل بمبّرة لأهل الحرمين الشريفين مع شخص مغربي يقال عند السيد ثم أظهر لأهل المدينة ألف أشرفي توجّه بها إليهم وفرقها عليهم على قائمة الحسب لأهل السنّة وأعطى لشافعيها ثلاثة آلاف أشرفي لشراء نخل يوقف على قراءة وسبيل عن صاحب الهدية، ولم يَظهر لأهل مكة شيء والله يخلف بخير. وفي شهر تاريخه شرع الشريف أبو نمي في عمارة دار بجانب منزله دار السعادة لولده الشريف أحمد وبذل همته في عمارتها مع العدل والإنصاف لجيرانه وعماله. وفي صبح يوم الخميس خامس عشري ذي القعدة شمرت ثياب الكعبة ويقال إحرامها على عادتها. وفي ظهر يوم السبت سابع عشريْ الشهر وصل مرسل من صاحب ينبع لصاحب مكة وأخبار الحاج وهو قليل وصحبته الإمام إسماعيل ابن الإمام أبي السعادات الطبري المكي وعدة أوراق له فيها الأخبار مفصّلة: منها أن أمير الحاج المصري هو الذي كان في العام الماضي مصطفى الرومي النشار كاشف الغربية من المحلة، وأن المبرّة الرومية وصلت ذهبا صحبة أمين رفقتهم. وأن درويش العجمي

стр. 558

المفتش على الأوقاف وصل للقاهرة بعد خروج الحاج بثلاثة أيام ومعه النوري علي بن الحكيم محمد القزويني من الروم والزيني سليمان ابن الشيخ جمال الدين أبي السعود المغربي المعروف بالبيدق. وتوجّه الأخيران للقصير ليركبا (١) في المسماري لجدة، وهو خرج من البر ومعه قواسه فلحق الحاج في العقبة. وأخبر بولاية قاضي الحنفية أبي السرور أحمد ابن قاضي القضاة النوري علي بن الضياء عوض القاضي أبي الفوز الحُجُنْدي المدني في قضاء مكة. وأن الإمام أبا الخير الطبري ولي نصف خطابة المسجد الحرام عوض الخطيب عبد الرحمن النويري المتوفى عام تاريخه، ومعه مرسومان لهما من الروم، وأن ولد ثانيهما الإمام عبد الحق الطبري كان صحبته إلى الحالية (٢) فأقام بها لوجعه. وتوجّه إمام الحنفية الجمالي محمد بن الشهابي البخاري على درب الحاج الشامي وقد ولي نصف الإمامة عوض والده وتقرر في صُرَر وحصل له حجة بمائة سلطاني ذهب. وتقرر لكل واحد من الحجازيين بالروم خمسة عشر أشرفيا. وأن .... (٣) بالشام وحلب وكاتبها تقرر في الجوالي بالقاهرة وغيرها بعناية كبيرها الإمام جانم الحمزاوي. وابتهج الناس بأخبار الحاج ثم أنه وصل جماعة منهم في يوم الإثنين تاسع عشري الشهر وتتابعوا في آخره. وتوجه لملاقاة أمير الحاج صاحب مكة وقاضيها الشافعي المحبي بن ظهيرة، وطلع الشهود لرؤية الهلال على جبل أبي قبيس فرآه بعضهم خفيا وثبت ذلك عند قاضي القضاة الشافعي في ليلة الثلاثاء.

стр. 559

شهر ذي الحجة الحرام استهل ناقصًا بالثلاثاء من سنة ٩٣٩ هـ (١٥٣٣ م) في صباحها كانت عرضة أمير الحاج المصري وخرج للقائه من الزاهر صاحب مكة وولده أحمد وقاضيها الشافعي وملك التجار السيد علاء الدين ودخلوا معه في عرضة حافلة. ونزل أمير الحاج بوطاقه عند باب المعلاة وتوجّه إلى العرضة إلى مدرسة الأشرف قايتباي بالمسعى، فلما وصل إليها رمى بعض الأروام مكحلة فأحرقته مع جماعة بجانبه فارتج الناس لذلك، وظن الشريف أبو نمي وجماعته طلب الشر معهم فسلوا سيوفهم والتجؤوا لسيدهم، فلم يُظهر لهم شيئا. وتوجّه الشريف لمنزله بعد أن أشِيع مسكه، وخاف أهل مكة من الفتنة فأطفأها الله تعالى وأمّن خوفهم. وفي صبح يوم الأربعاء ثاني تاريخه فُرقت المبرّة الرومية على أهل الصرر وبعض البيوت تفرقة هنية في المدرسة العينية سكن الأمين عليها. واستمر ذلك ثلاثة، وفيها أعطى أسماء الأربطة لمشائخها وهم فرقوها على أربابها. وفي يوم تاريخه قُرئت المراسيم بحضرة صاحب مكة وأمير الحاج المصري والقضاة والأكابر. وفيها الوصية بأمير الحاج. وتفرقة المبرّة الرومية على أربابها. وأن من مات من أهلها وله ولد يرصد اسمه عند ثقة ويكتب إلى الأبواب الخنكارية بمعرفة ذلك حتى يقرر فيها مستحقها. وخلع على الشريف أبي نمي والقاضي الشافعي ولم يقرأ مرسوم الحنفي ولا الخطيب الجديد وهنأهما (١) الناس بولايتهما. وفي يوم تاريخه أيضًا وصلت مع قاضي المحمل المصري - وهو الشيخ زكريا بن الجمالي محمد ابن شيخنا زكريا الشافعي وهو مريض - بعض الأوقاف المصرية

стр. 560

وفرقها بالمسجد الحرام على أربابها وهو متألم لوجعه. وفي صبح يوم الخميس ثالث الشهر وصل جماعة من الحاج الشامي. وفي عشاء ليلة الجمعة ثاني تاريخه وصل أميرهم لمكة وهو الأمير حسين بك الرومي نائب البيرة وطاف وسعى وتوجّه للزاهر. وفي صباحها توجّه للقائه صاحب مكة بعسكره وعرض إلى بين الحجونين فواجهه أمير الحاج المصري من هناك وفارقه صاحب مكة وتوجّه من أسفلها إلى درب الشبيكة لمنزله وهو غير .... (١) خوفًا من فتنة تقع بين عسكره وعسكر أمير الحاج المصري، وكثر كلام الناس في ذلك. وفي يوم الأحد سادس الشهر وصلت قافلة المدينة الشريفة وفيها جماعة من أهلها منهم قضاتها الشافعي السيد عبد الله السمهودي، والحنفي خضر الرومي، والمالكي الشيخ أحمد المغربي، والحنبلي إبراهيم الإسكندراني، والخطيبان القاضي أبو الفتح بن صالح والسيد عبد الرحمن السمهودي، وغيرهم من علمائها وأفاضلها. وأخبروا أن شيخ الحرم النبوي السيد محمد الرفاعي انتقل بالوفاة إلى رحمة الله تعالى في صبح يوم سفرهم من المدينة الشريفة يوم الأحد ثامن عشري ذي القعدة من غير وجع طويل لكنه سبعة أيام. وكان عرض لأمير الحاج الشامي في ثاني عشري الشهر ولم يلبسه خلعة لغضبه (٢) عليه من جهة ما أشيع عنه أنه سمّ المباشر على عمارة سور المدينة الشريفة في عام تاريخه وهو محمود جلبي اليازجي الرومي. ووصل صحبته أخوه (٣) وأراد قتله فمنعه أمير الحاج وتخيل شيخ الحرم الرفاعي منهما ومن عزله بالأمير صندل السليمي الذي عزل به لكونه لبس خلعة إنعام من الخنكار بالروم وتوهم أنها لولايته وسبق عزله بوالي جلبي نائب جدة كان وهو

стр. 561

بالقاهرة لإشاعة أهل المدينة ذلك. فلزم منزله حتى مات، وكفى الله همه لأنه كان له ميل على الشيعة (١) ورمي الفتن بينهم وبين أهل السنة من القضاة والفقهاء والمعمارية. وفي يوم الأحد المذكور فرقت الذخيرة الشريفة بسكن أمير الحج المصري بالمدرسة الأشرفية القايتبائية بعد منعه لها ..... (٢) لمستحقيها أنه يصرف في دارها وإذا باع معلقه (٣) يصرفها لهم بمنى. فكثر الإشلاء عليه فأمر بقبضها ذهبًا وبعض فضة غالبها مغشوش عليه مع وكسه في الصرف بنقص ثلاثة كبار، وهو ماش في البيع والشراء كاملا. وخير (٤) أمير الحاج بقية أوقاف القضاة الأربعة إلى بعد الحج وضاق أهل البلد لذلك ولتأخر صر الشام وحلب كذلك. وفي يوم الإثنين سابع الشهر خطب خطبة السابع الخطيب الجديد الإمام أبو الخير محمد بن أبي السعادات الطبري، وهو أول خطَبه مستقلًا، وهي لطيفة حسنة. وفي ثاني تاريخه توجّه الحاج لأرض الموقف بعرفة. وكانت الوقفة المباركة في يوم الأربعاء تاسع الشهر. والحج هنيء والأسعار رخية والماء كثير في البرك بها. وبيع الكبش المليح بأشرفي ونصف ودون ذلك، وكذا جميع الفاكهة من الرطب والعنب والخوخ والبطيخ الأخضر والخربز الأصفر والقثاء وغير ذلك، والسمن كل مَنّ بنحو ثلاث أشرفية وزيادة. والحاج نظيف لطيف. ووقف أميرا (٥) الحاج المصري والشامي بحمليهما في موقف النبي ﷺ وصاحب مكة السيد أبو نمي محمد معتزل عنهم بجماعته قريبا منهم. وكان قدوتهم

стр. 562

في الموقف ناظر المسجد الحرام قاضي القضاة الشافعي المحي بن ظهيرة. ونفر الناس وهم آمنون فرحون مستبشرون بالرحمة والغفران والعود إلى الأوطان. وتوجّهوا لمزدلفة وباتوا بها ثم دفعوا لمنى وأقاموا بها ثلاثة أيام ونزل أمراء الحاج للبس ثوب الكعبة الشريفة مع بني شيبة. وسمعت أن بعض جماعتهم اختلس كثيرًا من ثوبها وتشوش شيخهم لذلك. وفي ليلة السبت ثاني عشر الشهر مسك أمير الحاج المصري بعض العبيد الحرامية وظن أنهما عبيد صاحب مكة وأرسلهما إليه للإشلاء عليه، فقال له الشريف: ليس هما من عبيدي وافعل فيهما ما شئت. ثم أنه أرسل بهما مع جماعته إلى تحت جمرة العقبة وأمر بجزّ (١) رقبتيهما هناك على عوديْن يتقرب بهما إلى الله تعالى في هذا اليوم المبارك. وتشوش الخلق لذلك، وعند الله تجتمع الخصوم. ثم إن الشريف أبا نمي فهم منه الشر فنادى لجماعته بعدم السفر يوم تاريخه لمكة صحبة الحاج، فتأخر هو وإياهم بمعنى إلى ثالث أيام التشريق حتى خليت منى من الحاج. ونزل أمير المصري علو المعلاة قرب الأبطح وأمير الشامي في محل المصري قبل الحج عند درب المعلاة ونصبوا خيامهم في وسط الطريق فتخيل الشريف أبو (٢) نمي منهم وأقام بمنى إلى وقت العصر من يوم الأحد ثالث أيام التشريق ثم نزل بجماعته بني حسن على خيل وركاب كثيرة وشقادف النساء من خلفهم جميعًا في موكب حفل وشقّ المسعى حتى وصل إلى منزله بأجياد. وخاف الناس وقوع فتنة بينه وبين أمير الحاج لكن الله درأها. وسببها عدم رضاء أمير الحاج المصري من أخذ عادته على صاحب مكة الشريف أبي نمي في العام الماضي وهذه السنة لكل سنة ثلاثة آلاف. وجاء معه بمرسوم من نائب مصر ليعطي

стр. 563

له أربعة آلاف، فقال الشريف: ما هي عادة، وكان الشريف عرار بن عجل متوسطا (١) بينهما في الصلح. وفي يوم الإثنين رابع عشر الشهر فُرّق صَرّ الشام في مجلس قاضي مكة الشافعي. وفي هذه السنة وصل شخص مصري زوج ابنة الخواجا شمس الدين محمد الحنائي المصري ومعه مرسوم بخلاص دراهمه التي عمّر بها [بيت] (٢) الخواجا محمد بن شمس ووضع يده عليها قاضي الحنفية - كان - بديع الزمان محمد ابن الضياء العمري. وادعى عليه عند قاضي المحمل المصري القاضي زكريا بن الشمسي محمد ابن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري. وتواصلا لأمير الحاج كاشف الغربية الزيني مصطفى الرومي وصمم عليه في وضع يده على البيت وأهانه مرة بعد أخرى بمكة ومنى. فخدم القاضي مبلغ ووعد الأمير والوكيل بنحو مائتي أشرفية فطمعوا فيه ولازموه في نقل أمتعته من البيت وانتقاله منه لبطلان ما بيده بعد ضمان عمه القاضي قوام الدين وأخيه المتولي لقضاء الحنفية عام تاريخه الشهابي أبي (٣) السرور أحمد في الحضور والإجارة للمنزل مدة سنة حتى يُحَرر أمر البيت. فخرج على نقل أمتعته من البيت فحوّل بعضها واختفى مع عمه حتى سافر أمير الحاج ثم ظهر ونوى السفر مع الحاج الشامي إلى الروم. وفي يوم الأربعاء سادس عشر الشهر سافر أهل المدينة الشريفة من مكة وتقدمهم خطيبهم أبو الفتح بن صالح إلى الوادي بيوم فسمع به ديّانه محمد الصيرفي فشكاه عند أمير الحاج المصري وصاحب مكة وأرسلوا خلفه ركائب لرده، فردوه شنيعًا شمتَ به أهل بلاده. فتوجّه لأمير الحاج وتكلم عليه وحط على أهل مكة

стр. 564

والمدينة حطًا فاحشًا خصوصًا القضاة بواسطته وواسطة القاضي بديع. ثم إنه دخل على الوزير أبي الفضل بن أبي على في جمع المبلغ لخصمه وقدره ثمانية آلاف دينار، فدفعه على أنه يقبض صَرّهُ في الرومية العام الآتي. وقد تصرف فيه سنة تاريخه لمصالحه. ولم يلتفت لدينه كما هو طبعه. فالله تعالى يوفقه وإيانا ويقضي عنا ديْن الدنيا والآخرة. ثم في ليلة الجمعة ثامن عشر الشهر سافر ركب المصري بالسلامة من مكة وتأخر أميرهم وقاضي المحمل. في صبح يوم الأحد عشري الشهر فُرقت أوقاف حلب وأعمالها وجملتها سنة وأربعون ألف عثماني عنها أشرفية ألفان وثلاثمائة على القوائم القديمة، وهي بخط الشيخ أبي زرعة المنوفي بحضرة قاضي القضاة شيخ الإسلام ناظر المسجد الحرام المحي ابن ظهيرة الشافعي وأخي الناظر بأوقافها، وكان مجاورًا بمكة عام تاريخه القاضي بدر الدين حسين ابن القاضي ضياء الدين عمر ابن قاضي القضاة الجلالي محمد النصيبي الحلبي، وذلك في مجلس قاضي القضاة الشافعي بزيادة دار الندوة من المسجد الحرام. وفي عصر تاريخه سمع من لفظي القاضي بدر الدين النصيبي مع جماعة منهم ولدي أبو الحسن علي وهو الحديث المسلسل بالأولية وبعض حديث شريف، وكتبت له إجازة حسنة اغتبط بها ولله الحمد. ثم لما فرغتْ القوائم فضَل كثير من المال لزيادته من الأوقاف فحمله معه أخو الناظر لمنزله ولازمه الناس في تقريرهم فيه وصار كل واحد يكتب له اسمه وجماعته فجمع جملة ذلك وكتبها في قائمة جديدة أبو زرعة بإذن من قاضي القضاة الشافعي. فجعل لكل واحد من أصحابه وغيرهم من المتقدم أسمائهم مائة عثماني وبعضهم دونها حتى استكمل جميع المبلغ، ثم فرّقه في مجلس ظهر يوم الثلاثاء ثاني عشري الشهر بالزيادة المذكورة. فلما اطلع بقية أهل مكة على ذلك

стр. 565

تشوش كثير منهم وسألوا أخا (١) الناظر في تقريرهم فصار يعِدهم ويطوّل باله عليهم، فبعضهم يقنع بذلك وبعضهم يطلق لسانه فيه حتى حماه الله منهم وسافر رفقة الحاج الشامي. وفي صبح يوم الجمعة خامس عشري الشهر [خرج] (٢) بعياله ورافقه قريبه الفاضل تقي الدين محمد بن أبى الخير بن حسن بن فهد وعديله الفاضل جمال الدين محمد بن إسحاق الأحوري اليمني وغيرهما من أهل مكة رفقة الحاج الشامي كقاضي القضاة بديع الزمان محمد بن الضياء الحنفي، وكان اختفى عند سفر الحاج المصري واستمر حتى سافر خوفًا من منع صاحب مكة له مع إذنه له في السفر، والشهابي أحمد بن الجمال المصري وعديله عبد العزيز الحميدي وولديْ الشيخ إبراهيم الزمزمي وجماعة من الأحداث لأجل التقرير في المبرّة الرومية وطلب الرزق. والله تعالى يفتح على الجميع ويكتب سلامة المسافرين في البر والبحر من المسلمين أجمعين آمين. سنة أربعين وتسعمائة ٩٤٠ هـ (١٥٣٣ - ١٥٣٤ م) في أولها توجّه صاحب مكة الشريف أبو نمي الحسني لجهة الشرق وأقام بها لرعي مواشيه فيها وذلك لقلة الأمطار بمكة وأعمالها مع رخص أسعارها وكثرة مياهها .... (٣) والموت فيها. ثم جاء قاصد من القاهرة في سادس عشري صفر لجدة وأخبر بموت نائبها والي جلبي الجاركسي الرومي في رابع شهر تاريخه بعد توعكه أربعة أيام بالقاهرة، ودخل الحاج المصري إليها في ثالث الشهر وصحبته مراسيم من
следующие страницы →