بالقاهرة لإشاعة أهل المدينة ذلك. فلزم منزله حتى مات، وكفى الله همه لأنه كان له ميل على الشيعة (١) ورمي الفتن بينهم وبين أهل السنة من القضاة والفقهاء والمعمارية.
وفي يوم الأحد المذكور فرقت الذخيرة الشريفة بسكن أمير الحج المصري بالمدرسة الأشرفية القايتبائية بعد منعه لها ..... (٢) لمستحقيها أنه يصرف في دارها وإذا باع معلقه (٣) يصرفها لهم بمنى. فكثر الإشلاء عليه فأمر بقبضها ذهبًا وبعض فضة غالبها مغشوش عليه مع وكسه في الصرف بنقص ثلاثة كبار، وهو ماش في البيع والشراء كاملا. وخير (٤) أمير الحاج بقية أوقاف القضاة الأربعة إلى بعد الحج وضاق أهل البلد لذلك ولتأخر صر الشام وحلب كذلك.
وفي يوم الإثنين سابع الشهر خطب خطبة السابع الخطيب الجديد الإمام أبو الخير محمد بن أبي السعادات الطبري، وهو أول خطَبه مستقلًا، وهي لطيفة حسنة.
وفي ثاني تاريخه توجّه الحاج لأرض الموقف بعرفة.
وكانت الوقفة المباركة في يوم الأربعاء تاسع الشهر. والحج هنيء والأسعار رخية والماء كثير في البرك بها. وبيع الكبش المليح بأشرفي ونصف ودون ذلك، وكذا جميع الفاكهة من الرطب والعنب والخوخ والبطيخ الأخضر والخربز الأصفر والقثاء وغير ذلك، والسمن كل مَنّ بنحو ثلاث أشرفية وزيادة. والحاج نظيف لطيف.
ووقف أميرا (٥) الحاج المصري والشامي بحمليهما في موقف النبي ﷺ وصاحب مكة السيد أبو نمي محمد معتزل عنهم بجماعته قريبا منهم. وكان قدوتهم
стр. 562
في الموقف ناظر المسجد الحرام قاضي القضاة الشافعي المحي بن ظهيرة. ونفر الناس وهم آمنون فرحون مستبشرون بالرحمة والغفران والعود إلى الأوطان. وتوجّهوا لمزدلفة وباتوا بها ثم دفعوا لمنى وأقاموا بها ثلاثة أيام ونزل أمراء الحاج للبس ثوب الكعبة الشريفة مع بني شيبة. وسمعت أن بعض جماعتهم اختلس كثيرًا من ثوبها وتشوش شيخهم لذلك.
وفي ليلة السبت ثاني عشر الشهر مسك أمير الحاج المصري بعض العبيد الحرامية وظن أنهما عبيد صاحب مكة وأرسلهما إليه للإشلاء عليه، فقال له الشريف: ليس هما من عبيدي وافعل فيهما ما شئت. ثم أنه أرسل بهما مع جماعته إلى تحت جمرة العقبة وأمر بجزّ (١) رقبتيهما هناك على عوديْن يتقرب بهما إلى الله تعالى في هذا اليوم المبارك. وتشوش الخلق لذلك، وعند الله تجتمع الخصوم.
ثم إن الشريف أبا نمي فهم منه الشر فنادى لجماعته بعدم السفر يوم تاريخه لمكة صحبة الحاج، فتأخر هو وإياهم بمعنى إلى ثالث أيام التشريق حتى خليت منى من الحاج. ونزل أمير المصري علو المعلاة قرب الأبطح وأمير الشامي في محل المصري قبل الحج عند درب المعلاة ونصبوا خيامهم في وسط الطريق فتخيل الشريف أبو (٢) نمي منهم وأقام بمنى إلى وقت العصر من يوم الأحد ثالث أيام التشريق ثم نزل بجماعته بني حسن على خيل وركاب كثيرة وشقادف النساء من خلفهم جميعًا في موكب حفل وشقّ المسعى حتى وصل إلى منزله بأجياد.
وخاف الناس وقوع فتنة بينه وبين أمير الحاج لكن الله درأها. وسببها عدم رضاء أمير الحاج المصري من أخذ عادته على صاحب مكة الشريف أبي نمي في العام الماضي وهذه السنة لكل سنة ثلاثة آلاف. وجاء معه بمرسوم من نائب مصر ليعطي
стр. 563
له أربعة آلاف، فقال الشريف: ما هي عادة، وكان الشريف عرار بن عجل متوسطا (١) بينهما في الصلح.
وفي يوم الإثنين رابع عشر الشهر فُرّق صَرّ الشام في مجلس قاضي مكة الشافعي.
وفي هذه السنة وصل شخص مصري زوج ابنة الخواجا شمس الدين محمد الحنائي المصري ومعه مرسوم بخلاص دراهمه التي عمّر بها [بيت] (٢) الخواجا محمد بن شمس ووضع يده عليها قاضي الحنفية - كان - بديع الزمان محمد ابن الضياء العمري. وادعى عليه عند قاضي المحمل المصري القاضي زكريا بن الشمسي محمد ابن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري. وتواصلا لأمير الحاج كاشف الغربية الزيني مصطفى الرومي وصمم عليه في وضع يده على البيت وأهانه مرة بعد أخرى بمكة ومنى. فخدم القاضي مبلغ ووعد الأمير والوكيل بنحو مائتي أشرفية فطمعوا فيه ولازموه في نقل أمتعته من البيت وانتقاله منه لبطلان ما بيده بعد ضمان عمه القاضي قوام الدين وأخيه المتولي لقضاء الحنفية عام تاريخه الشهابي أبي (٣) السرور أحمد في الحضور والإجارة للمنزل مدة سنة حتى يُحَرر أمر البيت. فخرج على نقل أمتعته من البيت فحوّل بعضها واختفى مع عمه حتى سافر أمير الحاج ثم ظهر ونوى السفر مع الحاج الشامي إلى الروم.
وفي يوم الأربعاء سادس عشر الشهر سافر أهل المدينة الشريفة من مكة وتقدمهم خطيبهم أبو الفتح بن صالح إلى الوادي بيوم فسمع به ديّانه محمد الصيرفي فشكاه عند أمير الحاج المصري وصاحب مكة وأرسلوا خلفه ركائب لرده، فردوه شنيعًا شمتَ به أهل بلاده. فتوجّه لأمير الحاج وتكلم عليه وحط على أهل مكة
стр. 564
والمدينة حطًا فاحشًا خصوصًا القضاة بواسطته وواسطة القاضي بديع. ثم إنه دخل على الوزير أبي الفضل بن أبي على في جمع المبلغ لخصمه وقدره ثمانية آلاف دينار، فدفعه على أنه يقبض صَرّهُ في الرومية العام الآتي. وقد تصرف فيه سنة تاريخه لمصالحه. ولم يلتفت لدينه كما هو طبعه. فالله تعالى يوفقه وإيانا ويقضي عنا ديْن الدنيا والآخرة.
ثم في ليلة الجمعة ثامن عشر الشهر سافر ركب المصري بالسلامة من مكة وتأخر أميرهم وقاضي المحمل.
في صبح يوم الأحد عشري الشهر فُرقت أوقاف حلب وأعمالها وجملتها سنة وأربعون ألف عثماني عنها أشرفية ألفان وثلاثمائة على القوائم القديمة، وهي بخط الشيخ أبي زرعة المنوفي بحضرة قاضي القضاة شيخ الإسلام ناظر المسجد الحرام المحي ابن ظهيرة الشافعي وأخي الناظر بأوقافها، وكان مجاورًا بمكة عام تاريخه القاضي بدر الدين حسين ابن القاضي ضياء الدين عمر ابن قاضي القضاة الجلالي محمد النصيبي الحلبي، وذلك في مجلس قاضي القضاة الشافعي بزيادة دار الندوة من المسجد الحرام.
وفي عصر تاريخه سمع من لفظي القاضي بدر الدين النصيبي مع جماعة منهم ولدي أبو الحسن علي وهو الحديث المسلسل بالأولية وبعض حديث شريف، وكتبت له إجازة حسنة اغتبط بها ولله الحمد.
ثم لما فرغتْ القوائم فضَل كثير من المال لزيادته من الأوقاف فحمله معه أخو الناظر لمنزله ولازمه الناس في تقريرهم فيه وصار كل واحد يكتب له اسمه وجماعته فجمع جملة ذلك وكتبها في قائمة جديدة أبو زرعة بإذن من قاضي القضاة الشافعي. فجعل لكل واحد من أصحابه وغيرهم من المتقدم أسمائهم مائة عثماني وبعضهم دونها حتى استكمل جميع المبلغ، ثم فرّقه في مجلس ظهر يوم الثلاثاء ثاني عشري الشهر بالزيادة المذكورة. فلما اطلع بقية أهل مكة على ذلك
стр. 565
تشوش كثير منهم وسألوا أخا (١) الناظر في تقريرهم فصار يعِدهم ويطوّل باله عليهم، فبعضهم يقنع بذلك وبعضهم يطلق لسانه فيه حتى حماه الله منهم وسافر رفقة الحاج الشامي.
وفي صبح يوم الجمعة خامس عشري الشهر [خرج] (٢) بعياله ورافقه قريبه الفاضل تقي الدين محمد بن أبى الخير بن حسن بن فهد وعديله الفاضل جمال الدين محمد بن إسحاق الأحوري اليمني وغيرهما من أهل مكة رفقة الحاج الشامي كقاضي القضاة بديع الزمان محمد بن الضياء الحنفي، وكان اختفى عند سفر الحاج المصري واستمر حتى سافر خوفًا من منع صاحب مكة له مع إذنه له في السفر، والشهابي أحمد بن الجمال المصري وعديله عبد العزيز الحميدي وولديْ الشيخ إبراهيم الزمزمي وجماعة من الأحداث لأجل التقرير في المبرّة الرومية وطلب الرزق. والله تعالى يفتح على الجميع ويكتب سلامة المسافرين في البر والبحر من المسلمين أجمعين آمين.
سنة أربعين وتسعمائة ٩٤٠ هـ (١٥٣٣ - ١٥٣٤ م)
في أولها توجّه صاحب مكة الشريف أبو نمي الحسني لجهة الشرق وأقام بها لرعي مواشيه فيها وذلك لقلة الأمطار بمكة وأعمالها مع رخص أسعارها وكثرة مياهها .... (٣) والموت فيها. ثم جاء قاصد من القاهرة في سادس عشري صفر لجدة وأخبر بموت نائبها والي جلبي الجاركسي الرومي في رابع شهر تاريخه بعد توعكه أربعة أيام بالقاهرة، ودخل الحاج المصري إليها في ثالث الشهر وصحبته مراسيم من
стр. 566
نائبها بضبط مخلفه بمكة.
ثم في ظهر ثاني تاريخه وصل قاصد ثان بترك ضبطها وإعطائها لورثته وهم زوجته المقيمة بمكة وابنته التي بالقاهرة حصتهما وتسلّم لوكيلها الشيخ بهادر الرومي الذي عمر [من] (١) المآثر بركة الماجن في السنة التي قبل تاريخه.
ثم تتابعت القصّاد لصاحب مكة السيد أبي نمي محمد ابن السيد بركات الحسني من ملك الأمراء نائب الديار المصرية جانم الحمزاوي بطلب المال الذي جعل عليه في أول ولايته لمكة عقب موت والده من نحو عشر سنين وهو ألفا (٢) لأجل مساعدة ملك الروم سلطان الزمان سليمان خان لكونه نوى التوجّه لجهة العجم ومحاربة ملكها ابن الخارجي شاه إسماعيل الصوفي.
وتواترت الأخبار بوصول الوزير الأعظم إبراهيم باشا إلى جهة حلب وأنّ الأمير جانم الحمزاوي يُوَجّه إليه بيرقا كبيرا (٣) من التحف والسلاح والخيول والجمال والأمتعة وغير ذلك، وأنه استدان من التجار المقيمين بالقاهرة وكذا نائبها ونائب الشام وحلب، فاقتدى بهم صاحب مكة السيد أبو (٤) نمي فوزع المال الذي جُعل عليه على أركان دولته من المباشرين بمكة وجدة، ولم يستكمل المبلغ حتى قدم مكة في رابع شهر رمضان وأقام بها نحو جمعة وطلب التجار المقيمين بها، وطلب منهم على طريق القرض - كعادة من تقدمه سلفه - يقال نحو عشرة آلاف أو خمسة آلاف.
فجعل كل تاجر بقدر حاله من خمسمائة أشرفي ودونها، وبعضهم دفعها عن طيبة نفس وبعضهم اختفى فلم يفده ذلك حتى فتّش عليه وأخذ ما جعل عليه.
стр. 567
وكان فعل الشريف لذلك انتقامًا من الله تعالى على التجار لأنهم قلّ نفعهم وكثر ضورهم لخزنهم الأقوات، وإظهار الضرورات، ويحتجون بعدم وصول المراكب الهندية لبندر جدة، ثم منّ الله بوصول عدة منها بعد الإياس من وصولها.
وتحدث الشريف عرار بن عجل الحسني قاصد صاحب مكة بالسفر من البر للقاهرة في أول شهر رمضان وفضله بالمال ثم نأى عن ذلك فتشوش منهم الحمزاوي لذلك. ويقال إنه أرسل مرسوم عند سفره من القاهرة لنائب جدة محمد بك الرومي بمطالبة صاحب مكة بمال له عنده، وأمره بالاحتفاظ من مال السلطان في بندر جدة. فوقع بينه وبين الشريف عرار كلام كثير (١) واستطال كل منهما على صاحبه وتشوّش صاحب [مكة] (٢) من ذلك ولأجله قدم الجدة ولم يجتمع به نائبها لتوجّهه لمكة. ثم إن السيد أبا نمي قدمها بعده على نية التوجّه لجهة الشرق خوفًا من وقوع الفتنة معه أو في أيام الحج في سابع ذي الحجة (٣). فالله تعالى يلطف بالمسلمين ويلهم ولاة الأمر العدل المبين.
وتواترت الأخبار بهجوم الطاعون في القاهرة وأنه يموت في كل يوم أكثر من ألف، وهرب جماعة منها إلى جبل الطور وبعضهم سافر بحرًا على نية الحج فوصل لمكة بعضهم في أواخر شهر رمضان مع قاصد من البر ومعه عدة أوراق بذلك. وأن إبراهيم باشا وصل لحلب مع أوائل العسكر المنصور وأن الأمير جانم الحمزاوي توجّه لملاقاته.
ووصل في أوراقه مِن كُتُب وغيرها أرسلها لجماعة منهم قريبي الفاضل الأصيل تقي الدين محمد بن أبي الخير بن محمد بن فهد، كتب الله سلامته وجميع المسلمين.
стр. 568
ومضمونها وصوله لحلب سابع عشر ربيع الأول ولم يحصل لأحد من الحجازيين قدوم بها واجتمعوا فيها نحو العشرين نفسًا ثم ارتحلوا منها: أولاد الزمزمي عبد السلام وعبد المعطي وعبد الله الواسطي ومصطفى السيوفي ومحمد الطاهري وعلي بن عبد الباقي. وصرّح باقي الحجازيين بالإقامة لعدم الدراهم، فدخلنا على القاضي حسين النصيبي في أخذ شيء من القدوم فأخذ لكل واحد خمسة وعشرين أشرفيًا، وأخذ عني وعن رفيقي تكملة الأربعين من الكراء خفية.
ثم ارتحلنا من حلب سلخ ربيع الأول صحبة قُفْل فيه الخواجا أقدر الدين العجمي وبِتْنا خارج حلب وارتحلنا نصف الليل وخرج الحرامية على أقدر الدين فهاش عليهم بالسيف فأثخنوه جراحًا بالنشاب فهرب لحلب على بغله وترك حمله فأخذه أهل القفل معهم ثم أرسلوه مع عبده الحلب. فلحقنا أربعة من الولاق فردونا إلى حلب بعد التهديد لنا (١) فوجدنا أقدر الدين على الهلاك.
وارتحلنا من حلب يوم الإثنين أول ربيع الآخر ووصلنا إلى أدرنة سابع الشهر وأقمنا بها جمعة لسماعنا بقدوم (٢) الباشا إبراهيم. ثم قال بعض الأروام: مجيئُهُ محال وذلك لدخول الشتاء وكثرة الأمطار. فارتحلنا إلى قونيا فأقمنا بها خمسة عشر يومًا حتى قدم الباشا.
وقدم من الحجازيين ثمانية أنفس عبد المعطي الزمزمي ومحمد الطاهري وعلي بن زائد وثلاثة من أهل المدينة واثنان حرب (٣) وهم ملازمون في طلب الصرة وكان .... (٤) واجههم في الطريق فأرسل إسكندر إلى إسطنبول فوقف
стр. 569
الحجازيون .... (١) فأرسل له ولاقاه في قونيا فوقفنا نحن وهم وإسكندر فيها فقال: المحلول مائة وعشرون .... (٢) أربعين. وأحالنا على عبد جلبي، فما زلنا نتردد إليه وإلى مصطفى بن جلال وهم يعِدون من مرة إلى أخرى، ثم واجهنا الباشا في بعض الطريق فقال: .... (٣) فقلنا: لا، فوعدنا إلى أده، فوصلنا إليها، فكتب المصطفى بن جلال وقرر لكل واحد خمسة عشر أشرفيًا بالسوية ومن الجماعة ستة من أهل المدينة واثنان حرب والباقي من أهل مكة مسافرين ومقيمين عمر الفاكهي ويحيى الذروي ولم يخبرونا.
ثم إن الحجازيين الذين بحلب وهم الجمالي المصري وأبو القاسم المرشدي ومحمد الحلفاوي وغيرهم نحو الخمسة عشر دخلوا إلى الباشا في طلب الصر فقال لهم: فرغ المحلول وقسمناه، وطلبوا كتابة مراسيم لهم، فقال: لا يمكن.
وقد رجعنا إلى حلب وعلينا الديْن وقاسينا من التعب والنصب وشدة البرد وجمود الماء وزحمة العسكر ما لا يعلمه إلّا الله ودخلنا إلى الباشا وشكونا عليه حالنا فأنعم لكل شخص بثلاثمائة عثماني للذين كانوا يرحلون معه.
وإن القاضي بديع بن الضياء والخطيب أبا الفتح ابن صالح طيبين، والظاهر من حالهم عدم قضاء حاجتهم من عند الباشا. فالله تعالى يقضي الحوائج.
وفي هذا العام توالى التفات الباشا لنا وما وعد به ولم يقرر أحدًا (٤) من الحجازيين لأن إسكندر قال لهم: التقرير إلى إسطنبول، وقوَّمَ بهم فأرسل للدفتر حتى رده الباشا جزاه الله تعالى خيرًا. وأن محمد ابن الخطيب عبد الرحمن النويري
стр. 570
وصل معنا لحلب وذكر أنه أخذ الوظيفة بأجمعها وهو واصل مع المصري. والسلام وطلب الدعاء. كتب الله سلامته وجمع الشمل به في عامه.
واستقر خاطر أهل المسافرين بهذه الورقة مع أوراق غيرها وصلت مع قاصد وصل من القاهرة. وانحلتْ أسعار مكة في القوت من الحب وغيره .... (١) قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة أنه طلع بجبل أبي قبيس أواخر شعبان لرؤية هلال رمضان فلم يره، ولما نزل جاءه رجلان وشهدا برؤيته فأثبته وأمر بإسراج المنائر والنداء بالصوم في غد فصام الناس.
وعمل في آخره ختمين له على العادة في المسجد الحرام أولهما في صبح حادي عشري رمضان لقراءة الشفاء للقاضي عياض، وثانيهما في ظهر يوم الجمعة سادس عشري الشهر. وامتُدح فيهما بنحو عشرين قصيدة وبالغوا في مدحه طلبًا لنائله وهو يُظهر الانشراح والسرور. وكان ختمًا مشهودًا، والناس فيه شهود.
واتفق بعده في آخر شهر تاريخه طلوعه بجبل أبي قبيس لرؤية هلال شوال فلم تتفق رؤيته وظهر عليه التشويش حين جلس على سماط الفطور في منزله على عادته وسلفه، فقدر الله أن في تكملة الثلاثين لم يُر الهلال في المسجد فكبّر رئيس المؤذنين على ظلة زمزم بعد دعاء صلاة المغرب وافترق الناس فرقتين الشافعية والحنفية يقولون بتكملة العدة كما ورد في الحديث الشريف. وقال المالكية: لا بد من رؤية الهلال وإلّا يصومون في عدة ويؤدب الشاهدان لرمضان فإنهما شاهدا سوء كما قاله إمامهم. وطلع بعض الفضلاء من أهل البلد والمعارفة لطلب رؤيته فرُئي الهلال بعد جهد وزمن طويل فأقر الله الخواطر.
ثم صلّى العيد في صبح يوم الأربعاء الإمام خير الدين أبو الخير محمد الطبري الشافعي الخطيب الجديد في سنة تاريخه وطول في صلاته حتى نَسي تكبير الركعة
стр. 571
الثانية. واختلف أهل المذاهب في صحتها أيضًا وطوّل الخطبة وهي حسنة مع تغييره لمعناها ولم يستنكره الناس في تأديتها. وموجب ذلك عدم ممالاته لمن (١) سمعها. فالله تعالى يلطف بالمسلمين.
وفي العشر الأول من شوال توعك قاضي القضاة الشافعي وانقطع بمنزله فهرع الناس للسلام عليه أفواجًا من الكبار والصغار وهم مبالغون في ذلك. فقدر الله تعالى أنه حصل له الشفاء وتوجّه لجدة في نصف الشهر وكتب للناس أوصالًا بتفرقة الحب الواصل من أمير الصعيد الأمير داود بن عمر في أول السنة وقد تلف بالخزن وأخذ صاحب مكة جملة منه، لكل نفر ربع ويبة وأخِذتْ من جدة، وتلقى الناس في أخذها شدة، خصوصًا من هو فقير وليس له قدرة فكثر الكلام من الخاص والعام.
وكان نزوله الجدة لأجل موسم الهندي فإنه وصل الجدة سبعة بعد الإياس منها وأربعة من كاليكوت وثلاثة من غيرها وقبض معلوما (٢) من نائب نائبه القاضي شرف الدين يحيى بن الفائز.
ثم إن القاضي أقام بجدة نحو جمعتين فتحرك عليه وجعه وهو ريح القولنج والإسهال فعاد لمكة وهرع الناس للسلام عليه فانقطع بمنزله تكملة الجمعة ومنع الناس في يوم الأحد من الدخول عليه. وتحركت عليه حرارة ويقال إنه شرب شربة وانحبس الريح في .... (٣) وعجز الحكيم من ملاطفته فأيقن بالموت وكتب وصية بيده وعبّأ جهازه بنفسه، وعُدّ ذلك من تمام سعده ففجع الخلق وجميع أهله له. ومات في فجر يوم السبت تاسع ذي القعدة فجهّز في يومه وصلى عليه قريبه القاضي عز الدين الفائز بن ظهيرة بعد صلاة العصر عند الحجر الأسود كعادة سلفه بعد نداء الرئيس له فوق ظلة زمزم كالأكابر بألقاب كثيرة هيجت الناس لفقده، وكثر البكاء عليه
стр. 572
والأسف ممن يعرفه ومن لم يعرفه، وشيّعه خلق من الخواص والعوام في مجمع حفل لم تر العيون نظيره. ودفن بالمعلاة في تربة سلفه على أبيه، وعُمل له ختم بالمسجد الحرام والمعلاة ثلاثة أيام وختم له في رابعها. وأنشدت فيه ثلاث مراث (١) كان لكل منها وافي (٢) وكثر الثناء عليه وعلى حشمته وعقله وتودده مع صغر سنه. فالله تعالى يعوّضه في شبابه الجنة ويرزق والدته وأقاربه بل أهل بلده الصبر .... (٣).
وفي يوم ختمه توجّه أقاربه لصاحب مكة الشريف أبي نمي في جهة الشرق لأجل عزائه وطلبها التقدمة في منصبه فواجههم بالإكرام وإظهار الحزن العام ووعدهم بكل خير فالله يكون لكل منهم وكيل وكفيل. فعادوا جميعًا بعد جمعة ودخلوا مكة في يوم الإثنين تاسع عشر الشهر.
وفي ثاني تاريخه دخل لمكة صاحبها السيد الشريف أبو نمي وعزى جماعة القاضي محب الدين ﵀.
وفي الجمعة التي بعد وفاته ذكر أهل مكة حسن تصرفاته لأنه وصل لهم من الهند مبرّة من القماش نحو الألف دينار فوضع نائب جدة يده على ثلثها و .... (٤) الهندي خادم صاحب الروم على ثلثها الثاني وأرسلوا بثلثها الثالث لبيت قاضي جدة، وتصرف الأولان فيها بالشدة والقوة. قيل طلب نائب جدة قاضي المالكية التاجي ابن يعقوب وأخذ من وصية الحاج فحيمة (٥) المغربي لأهل الحرم - يقال مائة دينار - وأمر بتفرقة باقيها على جماعة من الخواص والعوام لكل نفر عشرة كبار. فسخط كثير من الأكابر ورد ما عين له، منهم كاتبه، وصار المالكي يتبرأ من
стр. 573
فعل ذلك وينسبه للنائب هنالك. والله أعلم بحقيقة الحال، وقادر على الانتقام في الحال والمآل.
وفي هذا الشهر وصل لمكة شيخ الحرم الشريف النبوي محمود اليازجي الرومي متوليًا لذلك من الروم وواجه صاحب مكة وذكر أن الخنكار أمره بقراءة سورة الأنعام بالحرمين الشريفين لأجل توجّهه لمحاربته الخارجي في بلاد العجم. فالله تعالى ينصره ويؤيده. وشرع (١) أهل مكة بقراءتها سادس عشري الشهر بالحطيم على العادة وعددهم أربعون نفرًا من القضاة والأكابر والمشايخ وغيرهم.
وفي يوم الإثنين خامس عشري ذي القعدة شُمرت ثياب الكعبة كعادتها، ويسمونه الإحرام.
وفي ثاني تاريخه وصل قاصد من ينبع وأخبر بوصول الحاج تاسع عشر الشهر كعادته، وأنه كبير وفيه قاضي مصر المفصول بير أحمد جلبي الرومي والشيخ القدوة أبو الحسن البكري بوالدته وزوجته بنت الشيخ شمس الدين الحلبي كمالية في محفّة مع موت ابنة لهم في عجرود (٢).
وقد انتشر (٣) في إقليم مصر في هذا العام انتشارًا عجيبًا ولم يبق بلدٌ إلّا دخلها من العريش إلى سواب (٤) فعمّ الإقليم عمومًا وفني عالم كبير، ووُجد الطاعون في كثير من الحيوانات حتى السمك، وبلغ عدد الموتى في كل يوم نحوًا من سبعمائة إلى غير ذلك.
وكذا قاضي مصر وكذا أمير الحاج اثنتان من المحفّات ومع غيرهم ثلاث
стр. 574
محفات.
واسم أمير الحاج سليمان بك [لنائب مصر سليمان باشا ووصل في ركبه الشيخ نور الدين علي بن إبراهيم العسيلي المنزلاوي] (١).
وفي صبح يوم الخميس ثامن عشري الشهر دخل أمير الحاج المصري لمكة في عشاء ليلة الجمعة وصلى في المطاف وتوجّه عقبها للسعي وعلى يمينه قاضي المحمل زين الدين زكريا ابن المرحوم الجمالي محمد ابن شيخ الإسلام قاضي القضاة زكريا الأنصاري الشافعي وعلى ميْسرته المباشر لسعيه المحيوي عبد القادر بن علي المزين المكي. وعاد إلى الزاهر وبات به إلى الصباح.
وفي صبح ثاني تاريخه توجّه له صاحب مكة السيد الشريف نجم الدين أبو (٢) نمي محمد بن بركات الحسني وصحبته نجله السيد شهاب الدين أحمد - وهو مراهق - فخلع (٣) عليهما أمير الحاج خلعتين عظيمتين، ودخلا معه بعسكرهما من الخيل والرجل، ومع أمير الحاج كثير من الخيل النجائب (٤) نحو سبعين ومن الركائب المزيّنة بالحرير والزركش نحو الخمسين والخيول الملبسة بالحديد مع ركابها نحو أربعة. ومن الإنكشارية أصحاب الاسكفاب الذهب (٥)
стр. 575
والحياصة (١) المموهة نحو أربعين وغيرهم من عَجَل النفط المركبة على الخيل نحو أربعة، بحيث كانت لرؤيتهم أبهة عظيمة.
ونزل أمير الحاج بوطاقه عند درب المعلاة وفارقه صاحب مكة حتى دخل إلى المسعى وشقّها إلى منزله بعسكره ويَرَق أمير الحاج صحبته إلى أن وصل إلى الميل الملاصق لمنارة باب على وفارقوه من هناك إلى جهة سوق الليل وعادوا لمنزل أمير الحاج بالمعلاة.
ووصل مع الركب كسوة الكعبة من داخلها وهي حسنة كعادتها ووُضعت محلّ الكسوة الأولى في ثاني الشهر مدة ثلاثة أيام.
شهر ذي الحجة الحرام استهل كاملًا في ليلة الأحد من سنة ٩٤٠ هـ (١٥٣٤ م)
وكان شهود باب السلام طلعوا لرؤيته علو جبل أبي قبيس بأمر صاحب مكة للقاضي برهان الدين إبراهيم بن أحمد ابن قاضي القضاة البرهاني بن ظهيرة الشافعي له في ذلك وأمره بفتح ختم حاصل زيت المسجد الحرام وإخراج الزيت والشمع لأجل وَقِيد المسجد والمنائر على العادة.
وفي صبح أول الشهر حضر في الحطيم صاحب مكة السيد أبو (٢) نمي وولده وأمير الحاج سليمان بك الرومي وعسكرهما وخلق من الخاصة والعامة، منهم
стр. 576
القاضيان الشهابي أبو السرور أحمد بن الضياء الحنفي والتاجي عبد الوهاب بن يعقوب المالكي والسيد ملك التجار. وكان الشريف أرسل للقاضي برهان الدين إبراهيم بن ظهيرة محتسب مكة ليحضر قراءة المراسيم، وتفوّه (١) بأنه يريد له لبس خلعة من أمير الحاج لأجل النيابة فلم يتفق ذلك لعدم موافقة أمير الحاج في المجلس. وتشوش الشريف من ذلك وقام من المجلس وطاف وصحبته الشريف عرار بن عجل لابسًا خلعة معظمة، ودعا له الرئيس علو زمزم.
وغالب المراسيم فيها الوصية بأمير الحاج وأنه يُصَلّى على أم الخنكار المتوفاة عام تاريخه بالمسجد الحرام ومسجدي نمرة ومنى ويدعى لها بأرض عرفات. وصلّي عليها بعد صلاة الجمعة سادس الشهر بالمسجد الحرام بعد نداء الرئيس لها علو زمزم بألقاب كثيرة من التعظيم لها ولولدها سلطان زماننا بما لم يُعهد قبل وقتنا، ثم بعد الصلاة قُرئت لها ربعة أمام مدرسة الأشرف قايتباي حضرها أمير الحاج وصاحب مكة والفقهاء وخلق لا يحصيهم إلّا الله. ضاعف [الله] (٢) لها الثواب ورحمها وإيانا وجميع المسلمين، آمين.
وفي أول الشهر فُرقت المبرّة الرومية في المدرسة الكَلَبَرقية بباب الصفا وحضرها القاضيان الحنفي والمالكي وغيرهما من جماعة صاحب مكة. وكانت تفرقتها سهلة في أربعة أيام متوالية وأعطيت أسماء أهل الأربطة لمشائخها وتضاعف الدعاء لمرسلها.
وفي ضحوة يوم ثالث الشهر وصل لمكة سبق الحاج الشامي وتتابعوا بعده حتى دخل أمير الحاج في ليلة الأربعاء ثاني تاريخه وطاف وسعى ونزل مع غالب حاجه بالأبطح ثم توجّه للزاهر ولاقاه فيه صاحب مكة بعسكره فخلع عليه ومشى
стр. 577
معه وصحبتهم أمير الحاج المصري إلى بين الحجونين، وفارقهم صاحب مكة من ذي طوى وتوجّه لمنزله من باب الشبيكة أسفل مكة كما فعله في السنة قبلها حسما لمادة الشر من وجوده بين العسكر النازل في البر من المصري وأهل مكة.
ووصل مع الحاج الشامي الشيخ السالك (١) المربي العارف بالله تعالى علي بن أحمد بن محمد الصوفي الحلبي الشهير بالكيزواني. واجتمعتُ به وسمعتُ من فوائده.
ووصل مع الحاج الشامي عدة مطالعات من قاضي القضاة بديع الزمان ابن الضياء الحنفي لصهره قاضي المالكية التاجي عبد الوهاب وعمه قاضي المسلمين قوام الدين ابن الضياء الحنفي وغيرهما لإخبارهم أن الباشا أنعم عليه بجميع وظائفه من قضاء مكة وجدة ونظر المسجد الحرام وأنه فوّض قضاء مكة لأخيه وقضاء جدة لابن عمته الشرفي يحيى ابن الشيخ جمال الدين محمد الرضي الحنفي الصوفي ونظر المسجد للقاضي أبي البقاء بن ظهيرة الشافعي وإن لم يرض يكون عوضه الشيخ أبو الحسن علي ابن شيخ الشيوخ سيدي محمد بن عراق.
فتوجّه صهره لصاحب مكة السيد أبي نمي ومعه ورقة من الأمير جانم الحمزاوي له بمضمون ما أنعم به عليه من وظائفه وهي قضاء مكة عوض أخيه وجدة والنظر عوض المرحوم قاضي الشافعية المحبي بن ظهيرة. ولم يقبل صاحب مكة ذلك بل تفوّه (٢) باستنابة القاضي برهان الدين إبراهيم ابن قاضي المسلمين شهاب الدين ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام البرهاني الشافعي في الحكم بمكة والتكلم على نظر المسجد الحرام، وأراد لبس خلعة من أمير الحاج لذلك فلم يوافقه. وأظهر صاحب مكة الشريف أبو نمي التعصب له وألبسه خلعة من عنده في مغرب ليلة السبت سابع الشهر، ومشى معه بعض الفقهاء إلى منزله وهنؤوه بها، وفي الظهر (٣) خطب
стр. 578
المحيوي العراقي خطبة السابع.
وفي صبحها وصل لمكة (١) حاج كبير من الشرق فيهم الشيخ مبارك محمد ابن سلطانها الشيخ مبارك راشد المسعفي، ويقال عدد من معه فوق عشرة آلاف نفس، ورخص القماش الهندي بوصوله صحبتهم وموافقة وصول مراكب الهند (٢) بجدة. وكثر الجلب من الجهات مع رخص الأسعار في القوت من الحب والدقيق والسمن والعسل واللحم والماء بحيث بيعت الربعية القمح بثلاثة صغار والرطل الدقيق بكبير والسمن بكبيرين والراوية الماء بكبير وزيادة، ولاطف الله الحاج برخاء الأسعار.
وكانت الوقفة المباركة في يوم الإثنين، وكانت هنية والماء كثير في بِرَك الحاج بعرفة ووجوده عنى ورخص الغنم والسمن، وعمل كل من أمير الحاج المصري والشامي حراقة نفط في محطتهم أمام مسجد الخيف في ليلة ثاني التشريق بمنى. وكان الإمام في الموقف بجبل عرفة القاضي إبراهيم بن أحمد نيابة.
واتفق فيها لصاحب مكة الشريف أبي نمي أنه ظفر بتسعة أنفس من عرب بني شعبة أرادوا تبييت حاج أهل الشرق النازلين أمام منزله بمعنى لكونه يمشي حولهم وأمر بشنقهم على جمرة العقبة فشُنِقوا جميعهم ورفقتهم وكفوا عن إذاية الحاج. وتضاعف الدعاء له وإن كان فيه تسامح بوضعهم في موضع مشاعر الحج، وذلك بعد أن رضوا يدفع مبلغ عظيم فلم يوافقوا عليه.
وفي ثالث أيام منى سافر جميع الحاج على عادتهم ونزل أمير الشامي في محطة المصري أسفل درب المعلاة عند البِرَك، وطلع أمير الحاج المصري إلى علو الدرب لقربه من الحجون لسفره. وأقام الحاج المصري عشرين يومًا، وسافر منها في ليلة
стр. 579
الثلاثاء سابع عشر الشهر وأنجز جميع الحاج .... (١).
وفي مغرب تاريخه مات الخواجا أحمد بن الحسين بن إبراهيم القاري بعد وصيته لقاضي المالكية التاجي ابن يعقوب فجهّز في ليلته ودفن صبح تاريخه بالمعلاة.
وكانت الصرر المجهّزة من مصر صحبته رفقة أمير الحاج المصري من أوقاف القضاة الأربعة وكذا الذخيرة الشريفة ما عدا غيرها من الأوقاف مع جماعة فرقت قبل الحج مع الذخيرة وتأخر الباقي صحبته إلى بعد الحج وفرقها قاضي المحمل الزيني زكريا بحضرة سليمان بك أمير الحاج وقاضي القضاة المالكي التاجي عبد الوهاب بن يعقوب وغيره من الفقهاء المستحقين.
وكان ذلك في ليلتين متواليتين قبل سفرهما. كان في أولهما تفرقة أوقاف الحنفي والمالكي والحنبلي، وفي ثانيهما الحكمي والمستجد أوقاف الشافعي. ولم يكمل المال المجهّز من القاهرة للمستحقين وبقي الباقي منهم مع التكملة محالًا به على البرج والغازية المجهّز من الشام ولم يقبض من أميرها إلا بعد سفر الحاج المصري.
وكان أمير الحاج الشامي محمد بك دالي الرومي جلس في مقام الحنفية عقب صلاة الجمعة ثالث عشر الشهر وطلب المستحقين من أهل الصرّ محضر القاضيين (٢) الحنفي أبي السرور بن الضياء والمالكي التاجي عبد الوهاب بن يعقوب وغيرهما من الفقهاء وأرباب الوظائف ومعه شيخ الحرم النبوي محمود حلبي الرومي المتولي في عام تاريخه والواصل بحرا. وأحضروا دفاتر الشامية ومالها ومال وقف حلب وغيرهما كمبرّة أم الخنكار المتوفية في عام تاريخه وصار أنه مبلغ خمسمائة ذهب، فرضي ووضع المال في تفرقتها بأمر الأمير بقيام من حضر في المجلس ما عدا أرباب
стр. 580
الوظائف. فأقامهم الأروام. فكثر الإشلاء عليه والكلام، ولم يفده إلّا الملام.
ثم في صبح ثاني تاريخه جلس في زيادة دار الندوة وطلب أرباب الوظائف والفقهاء وفرق عليهم صر الصندوق الشامي وغالب الأوقاف الواصلة صحبته من الشام وطلب في أثناء المجلس كرسيًا لطيفًا علوه دون ذراع فجلس عليه محاذيًا للقضاة. وأنكر عليه الخلق ذلك لجبروته وعظمته. فألقى الله عليه النوم بل يقال إنه حُمّ في المجلس فقام منه إلى آخر الزيادة ونام هناك حتى فُرقت القسمة بحضرة بعض جماعته وقاضي محمله، وعدّ ذلك من لطف الله تعالى بجيرانه وقمْع المتجبّر على أهله.
وفي يوم الأحد خامس عشر جلس أمير الحاج الشامي بالزيادة على الكرسي وفرش تحته القضاة والفقهاء فأرسل إليهم فتعذر حضورهم لشغلهم عند أمير الحاج المصري فقام من المجلس وهو حقير ظاهر عليه الذل والمسكنة.
ثم إنه بعد سفر الحاج المصري يوم الأربعاء ثامن عشر الشهر سكن أمير الشامي في المدرسة الأشرفية القايتبائية عوض أمير الحاج المصري وطلب القضاة والفقهاء بها لأجل تفرقة الصر الحلبي والباقي من الشامية، وجلس هو في الإيوان الكبير القبلي وأمر جلوس قاضي محمله و خازنداره ومدبره الأمير علي بن طولون الدمشقي في الإيوان الصغير الموالي للمسعى فحصل منه الرفق وعدم إهانة المستحقين في دخولهم وصرفهم وخصامهم بعضا لبعض. وعدّ ذلك اللطف بهم ولله الحمد.
ولم يظهر قائمة صر أوقاف حلب لإخفائها في آخر هميان المال.
وفرقت على المستحقين بالقائمة القديمة التي كتبها الشيخ أبو زرعة في العام الماضي وبعض المال عما فيها مع أن الناظر والأمير أرادا التقرير الجماعة منهم كاتبه وغيره كما وصلني ذلك في ورقة أخي الواقف القاضي بدر الدين حسين النصيبي فالله تعالى يعوضني فيها خيرًا. وقال أمير الحاج للمستحقين إن المال الذي حمله من حلب جملته أربعة وثلاثون ألف درهم شامية، والمكتوب في القائمة تسعة وثلاثون
стр. 581
ألفا بزيادة خمسة آلاف وإنه كان ينتظر وصول باقيها إليه فلم يصل له، والله أعلم بحقيقة حاله.
وكتب له القضاة محضرًا بتفرقتها والخلاص من عهدتها على ما جرت به العادة. ثم سافر أمير الحاج الشامي بركبه بعد إقامة جمعة عقب الحاج المصري وذلك في يوم الأربعاء خامس عشري الشهر. وتضرر أهل مكة من إقامته لغلو الأسعار في القوت والماء قليل (١) ثمّ فرَّج الله عنهم بسفرهم. فالله تعالى يكتب سلامتهم وسلامة جميع الحاج والمسافرين في البر والبحر أجمعين.
وسافر رفقتهم جماعة من أهل مكة نيتُهم التوجّه للروم، منهم رئيس زمزم أبو عبد الله والشيخ زين الدين عبد اللطيف ابن شيخنا باكثير والمحيوي عبد القادر (٢) المزين وابن الشيخ حسين بن ناصر ومحمد الطباطبي.
وعزم قاصد صاحب مكة الشريف عرار بن عجل رفقتهم لمواجهة الحاج المصري في ينبع وصحبته مال للخنكار من السيد أبي نمي صاحب مكة مما طلب منه (٣)، وقدره تسعون ألف أشرفي، غير هدايا لنائب مصر وأمينها الأمير جانم الحمزاوي وأركان الدولة. ومعه عرض للقاضي برهان الدين بن ظهيرة القرشي الشافعي في استمراره عوض قريبه المتوفى في قضاء الشافعية بمكة وجدة ونظر المسجد. فالله تعالى يقبله ويقضي حوائجه ويرده إلى وطنه سالمًا غانمًا، بمحمد وآله آمين.
стр. 582
سنة إحدى وأربعين وتسعمائة ٩٤١ هـ (١٥٣٤ - ١٥٣٥ م)
فيها حدثت (١) جملة حوادث منها مباشرة قاضي المسلمين برهان الدين إبراهيم الشافعي ابن أقضى القضاة الشهابي أحمد ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام البرهاني إبراهيم بن ظهيرة في الحكم بمكة والتحدث على نظر المسجد الحرام وجهاته بأمر صاحب مكة، كما كتب به خطة، وتوجّه قريبه أقضى القضاة الشرفي محيي ابن القاضي عز الدين الفائز ابن قاضي القضاة بجدة وخطيب المسجد الحرام الفخري أبي بكر بن ظهيرة الشافعي لقضاء جدة بأمر صاحب مكة ومباشرة الحكم بها.
وفي شهر ربيع الأول بعث صاحبها لحاكمها بمكة بأن يهتم مع القاضي برهان الدين بن ظهيرة في زفة المولد الشريف ويأمر القضاة والفقهاء بالمشي معه على عادة سلفه ومن وافاه كان واصلًا بالشريف أبي نمي صاحب مكة ومن تخلف عنه كان انفصاله في الزمان الباقي.
وأشيع هذا في البلد ووقف الحاكم القائد مرشد الحريري على ورقة الشريف فما تخلف أحد عن موافاته، وعُدّ ذلك من سعده. وكانت الزفة عظيمة بوقدان كثير من القناديل والشمع والمفرعات في ليلة الإثنين ثاني عشر ربيع الأول. وهنّأه الناس بها على العادة قبل توجّهه إلى المولد النبوي بسوق الليل وبعده القاضيان الحنفي والمالكي يحجبان (٢) المشار إليه ميمنة وميسرة والخطيب المحيوي العراقي على يمين المالكي. واتفق ذلك للشافعي المحي بن ظهيرة في أول ولايته، كما اتفق لابن عمه هذا من مشي القضاة معه كما شاهدناه والدنيا حظوظ ولكل زمان رجال.
ثم وافق سعده وصول القاصد مسلّم البدوي من القاهرة في عشري شهر ربيع الأول مع عدة مراسيم من نائب الديار المصرية باستمرار قاضي الشافعية على الحكم
стр. 583
فيما فَوّض إليه الشريف صاحب مكة حتى تصل المراسيم الخنكارية. وأن الشريف عرار حصل له الإجلال والإكرام، ونيته التوجّه لجهة حلب في ملاقاة الخنكار بها لقدومه إليها. وتاريخ مرسومه في سادس شهر صفر ثالث يوم دخل الحاج المصري إلى القاهرة.
وكان سبب تأخير القاصد خروج العرب عليه وأخْذ المراسيم منه. ثم توجّه إليهم بجماعته فأخذها منهم ولم يفعل شيئًا. وعُدّ ذلك من سعد القاضي إبراهيم وصاحب مكة، أيدهما الله تعالى.
ثم في عصر يوم الخميس ثامن جماد الأول وصل قاصد بدوي من القاهرة صحبته عدة مراسيم لصاحب مكة السيد الشريف أبي نمي محمد بن بركات الحسني وكان توجّه إلى جهة اليمن لغزو بعض العرب فنزل القاصد في بيت الشريف عرار ابن عجل النموي قاصد صاحب مكة المقيم بالقاهرة وقت تاريخه فأرسل له قاضي الشافعية الجديد البرهاني بن ظهيرة وطلبه وأخذ منه أوراقًا (١) له من الشريف عرار وأمين القاهرة الأمير جانم الحمزاوي وفيها تطييب خاطره وإبعاده بوصول مراسيم خنكارية إليه باستمرار وظائفه كما سأله له فيها صاحب مكة.
ووصلت (٢) مع القاصد عدة أوراق ومرسوم من قاضي الحنفية بديع الزمان محمد بن الضياء الحنفي ومضمونها ولايته لقضاء مكة وبندر جدة وأنه استناب عمه قاضي المسلمين قوام الدين ابن الضياء في قضاء مكة وإمام الحنفية الجمالي محمد بن أحمد البخاري بجدة. وتوجّه بها إلى صهره قاضي المالكية التاجي عبد الوهاب بن يعقوب وأخته زوجة المتولي، فخلعت على القاصد خلعة وأقام بمكة يومًا وليلة حتى كتب له قاضي الشافعية أجوبة للشريف صاحب مكة وكذا قاضي المالكية وعم
стр. 584
القاضي بديع الزمان مع إرسال مرسومه لاطلاع الشريف عليه، وكتب عمه للشريف باستكراهه لدخوله بين الأخوين أولاد أخيه المتولي والمفصول، فصادف غرض الشريف خصوصًا وأرسل قاضي الشافعية قاصدًا من جماعته لإخبار الشريف بإظهار مرسومِ ضِدّه القاضي بديع الزمان قبل أن يطلع عليه صاحب مكة. فتشوّش من ذلك وتكلم على القاصد بسبب إظهار الخبر قبل وصوله إليه. وأقام القاصد عنده نحو عشرة أيام ثم عاد إلى مكة بأجوبة للقضاة الثلاثة، أسَرُّها موافقة الشافعي على غرضه لكونه من جهته والمالكي أخفي جوابه، وأما القاضي قوام الدين فاطلعتُ على كتاب الشريف له ومضمونه: وصول كتابه إليه وأنه فهم مضمونه وأوصل المرسوم وأنه من أهله في محله وإذا وصل صاحب الوظيفة قريبًا يباشر وظيفته .... (١) أحد من ذلك، وفهمتُ من كتابك عدم دخولك بين الأخوين وهذا من نور باطنك.
ففرح العم بذلك وكان سببًا في توقفه لمباشرة الأحكام وكذا نائبه بجدة، وترك أخوه القاضي أبو السرور الحكم واستمر قاضي جدة الشرفي يحيى ابن القاضي فائز بن ظهيرة يحكم فيها على نيابة الشريف له، فلم يلتفت لوصول المرسوم بولاية القاضي بديع. والله تعالى يلطف بالجميع.
وأمر صاحب مكة بزينة أسواقها سبعة أيام لنصرة الوزير الأعظم إبراهيم باشا على أهل العجم وأخذ مدينة تبريز وغيرها. وأن مصر زُينت كذلك. ونوى الخنكار العود لبلاده بعد وصوله إلى بلاد قراحصار المتوسطة بين بلاد العجم وحلب نحو عشرة أيام. وأنه أرسل ولاقًا (٢) للقاهرة بذلك. فتوقف الشريف عرار عن السفر منها حتى يأتيه جواب صاحب مكة بالتوجّه للروم أو العود إليه.
فزُينت أسواق مكة سبعة أيام أولها يوم الخميس ثامن عشر جماد الأول وألزم
стр. 585
الحاكم التجار بتحسين الزينة والاعتناء بها خصوصًا الأعاجم فاهتموا بها في المسعى والخانات وباب السلام. وكتب قاضي الشافعية أجوبة للقاصد بمضمون ما جاء بسببه من جهة صاحب مكة وجهته ويقال إن جماعته سعوا في مناصبه كقضاء جدة ومكة ونظر المسجد الحرام وبذلوا مبلغًا لصاحب مصر نحو خمسة عشر ألفًا، فلم يقبلها منهم المعارضتهم لصاحب مكة وزجرَهم بالكلام فلم يفدهم غير الملام. فالله تعالى يقدر للمسلمين خيرًا.
ثم إن القاصد توجّه لجدة وأقام بها مدة حتى كتب له ملك التجار أجوبته وسافر منها ثم أعقبه قاصد ثان في أول شهر جماد الثاني مضمون النصرة وأن الخنكار توجّه بنفسه لجهة العجم وأن القبطان خير الدين الرومي ملك مدينة طرابلس الغرب وجربة وأعمالها.
وتوجّه لصاحب مكة من جدة ودخلها نائبها الجديد سليمان الرومي في العشر الثاني من جماد الآخر. وفيه توجّه للزيارة قاضي المالكية تاج الدين بن يعقوب بعياله وبعض أصحابه والشيخ أبو الحسن البكري ومعه زوجة له وأمه وأخته، وأقاموا بالمدينة أزْيَد من شهر وعادوا مع قافلة رجب. واستمر نائب جدة بها وأرسل لقاضي الشافعية بمكة البرهاني بن ظهيرة يطلبه لجدة ويحضر تسليمه للأموال السلطانية وتعلق الفرضة من النائب المفصول محمد جلبي وتوجّه إليه وأقام بها نحو جمعة وقبض بحضرته ما طلبه بصدده، وكتب عليه إشهادًا كما كتب على الذي قبله.
ثم عاد إلى مكة القاضي الشافعي ثم نائب جدة الجديد في العشر الأوسط من شعبان وسكن في المدرسة العينية، كعادة نواب جدة، وأضافه الأكابر. ثم إنه خلع على القاضي الشافعي خلعة قفطان في يوم الثلاثاء عشري شعبان وهنّأه الناس وأظهر حزنًا عند لبسها لتذكره وفاة ابن عمه الذي أخذ القضاء عنه. وحمده العقلاء على
стр. 586
ذلك، [والله أعلم ببواطن الأمور] (١).
ثم في ليلة الجمعة سلخ شعبان اتفق بمكة اتفاقية عجيبة وواقعة غريبة ينبغي تسطيرها، هي أنه في وقت التخفيف وهو الأذان الثاني عند طلوع الفجر سمع السيد الشريف علاء الدين الملقب ملك التجار الحسيني السراري - أعزّه الله وكفاه شر الأعادي - وهو في الطواف على عادته في ذلك الوقت حسَّ صياحٍ في منزله المجاور لباب العمرة، أحد أبواب المسجد الحرام في الجهة الشمالية، المعروف قديمًا بالمدرسة المنصورية وحديثًا بإنشاء المقر البدري محمد بن مزهر كاتب الأسرار الشريفة بالقاهرة كان. فتوجّه إلى جهته ولاقاه بعض خدمه وأخبره أن زوجته … (٢) حليمة الهندية، انتقلت بالوفاة إلى رب البرية، من غير مرض سابق.
فعجب من ذلك وتوجّه مسرعًا إلى منزله هنا فهاله الأمر وسأل خدمه عن خبرها فأنكروا عليها الحال وأغلظ عليهم في المقال، ثم ألان لهم الكلام، ووعد قاتلها بالعتق والإكرام، حتى قال له ثلاث جوارِ من الزنوج، خدام المطبخ العلوج: نحن قتلناها لشدتها علينا، وأمرتنا بقتلك وإلّا قتلتنا. فطيب خاطرهم وحسّن فعلهم. ثم إنه شرع في جهازها وأظهر الجزع والحزن عليها، والندم على ما فُعِل فيها، وصار يقول إنه فتن في دينه ودنياه، ولم يصرح لأحد بما قدّره الله تعالى عليه وقضاه.
وهرع الناس للسلام عليه وهم متعجبون من حرقته وما نُسب من القول إليه ثم إنه باشر غسلها بنفسه مع أخته وولده ومن يثق به خوفًا من ظهور أمرها وكتمان حاله وحالها. وعمل لها ستارة من الثياب البيض على جنازتها وصلّى هو عليها قبل ظهر الجمعة بساعة وشيّعها خلق من الأعيان ودفنت في تربته المستجدة التي بالشعب الأقصى من المعلاة عند قبر السيدة الكبرى خديجة بنت
стр. 587
خويلد بن عبد العزى ﵂ زوجة النبي ﷺ في تربة مبنية هناك وعمل لها ربعة صباحًا ومساء ثلاثة أيام بالمعلاة والمسجد الحرام.
شهر رمضان استهل كاملًا بالسبت من سنة ٩٤١ هـ (١٥٣٥ م)
ثم في ظهر يوم السبت غرة شهر رمضان المعظم ثاني وفاتها طلب القضاة الثلاثة ما عدا الحنبلي لعدمه وحاكم مكة القائد مرشد الحريري الحسني وأطلعهم على خبر قتلها وطلب الثلاثة الجواري بحضرتهم فأخبروه بفعلهن وسلّمهن (١) للحاكم فبتن (٢) به إلى صباح ثاني تاريخه وثالث قَتْلها. فضربهنّ ضربًا شديدًا وأركبهن على ثلاثة جمال وسمّر أيديهن بالخشب وهي ممدودة وأركب كل واحدة رحْلًا وشق بهن (٣) المسعى والمشاعلي ينادى عليهن: هذا جزاء من يتجرأ على قتل سيدتهم. واستمروا كذلك إلى سوق المعلاة ثم خنق الثلاثة وكسر أسنان إحداهن كما فعلوه بسيدتهن. فكان الجزاء من جنس عملهن ثم شُنِقْن (٤) بالحبال على سبيل البستان الذي بجانب بركتي المصري في قارعة الطريق واستمررن (٥) كذلك إلى آخر النهار ثم نزّلوهن، وكثر الكلام فيهن وفي سيدتهن.
ويقال: إن سبب قتلها غضبها على زوجها المشار إليه لما تزوج عليها في العام الماضي بابنة عمته من الخواجا نصير الدين الشيرازي المتوفاة في آخر شهر صفر أول سنة تاريخه وهي حامل منه. لما اطلعت على زواجه بها وأظهرت هجرانه وتعب في رضائها حتى حلف لها أيمانًا مغلّظة في عدم الزواج والتسرّي عليها، وترك عمته
стр. 588
لأجلها. فلما طالت المدة طلب زيارة عمته فعادت لغضبها عليه وأتلفت كثيرًا من ملكها الثمين في النار وغيرها ويقال إنها سبب غنى زوجها ولهذا كان صابرًا عليها فعوضه في صبره بالانتقام منها وإن كان مُصيرًا بحاله. والله أعلم بحقيقة ماله. [نسأل الله تعالى السلامة وكفاية الشر] (١).
وقد اتفق مثل هذه القضية في سنة أربع وسبعين وثمانمائة كما ذكره جدي الحافظ نجم الدين بن فهد المكي في حوادثها من تاريخه إتحاف الورى، بأخبار أم القرى، وهي مع أم الهدى سعادة أخت قاضي الشافعية البرهاني بن ظهيرة قتلتها جاريتان لها إحداهما زنجية والثانية تكرورية، ومثل بهما وسمرهما على الجمال وشنقهما على باب المعلاة في تاريخه (٢).
وفي أول شهر رمضان وصلت لجدة مراكب الهندية وتباشر الناس بها والتجار بعد إياسهم منها وأخبروا أن وراءهم ثلاثة أو سبعة مراكب، [وأخبروا ببعض فتن بين بهادر وهمايون] (٣).
وفي أذان ظهر يوم الأربعاء خامس شهر رمضان المعظم ولد ولدي المبارك السعيد - إن شاء الله - عز الدين أبو الخير محمد المدعو عبد العزيز، كاسم والدي تبركًا به وإحياءً لاسمه، وأمه أم المعالي خاتون ابنة المرحوم قاضي المسلمين علي بن أبي بكر المرشدي الحنفي الأنصاري، وسهّل الله عليها وضعه وخلاصها. جعله الله ولد الحياة مباركًا ميمونًا، وأقر عيْننا به وبأخيه وأخواته ووفق بينهم بجاه سيدنا محمد ﷺ .
وفي العشر الأخير تعين الباشا بها خصروه الرومي وأمينُها الأمير جانم
стр. 589
الحمزاوي المال من محصول القاهرة وأمين ويازجي روميان وتأخر لهما الحاج لأجل ذلك (١).
وأشيع أن جماعة الباشا القديم سليمان الخصي ومعهم بعض العرب تعرضوا لنهب الحاج بعد سفرهم من البركة وأخذوا منه نحو ثلاثمائة حمل. فسمع الباشا الجديد بخبرهم فتبعهم بعسكره ومسك بعضهم. والله أعلم بحقيقة الحال وغير ذلك من الأخبار الآتية.
وفي عشاء ليلة الإثنين ثاني تاريخه وصل لمكة المقرّ الشرفي يحيى الحمزاوي أخو (٢) الأمير جانم وعم ولده أمير الحاج الجمالي يوسف، وطاف وسعى ونزل في بيت ملك التجار السيد علاء الدين الحسني في قاعة كاتب السر المقر البدري بن مزهر المشرفة على الرواق الشرقي من المسجد الحرام. وعين لعياله الواصلين مع الحاج البيت الذي اشتراه في عام تاريخه من ابن الخانكي جوار باب العجلة، وتوجّه الأعيان للسلام عليه وأخبر بعضهم أنه وصلت للقاهرة مكاتبات من الشيخ زين الدين عبد اللطيف ابن شيخنا المرحوم الزاهد عفيف الدين عبد الله باكثير الحضرمي المكي الشافعي من الأبواب الخنكارية، وتولى منها قضاء الشافعية بمكة وجدة ونظر المسجد الحرام عوض القاضي بديع الزمان. وصحبتها عدة وصايا لأركان الدولة المصرية وإخبارهم بولايته لهذه المناصب وأن يُكتب له مرسوم من الباشا الجديد. فكتب له عدة مراسيم بذلك وهو واصل صحبة أمير الحاج المصري.
فأشيع ذلك وتشوش له صاحبها ومن ولاه بها، وفرح به إخوان المتولي وأصحابه، وصار الناس في هرج ومرج وهم متعجبون لولايته. فقدر الله تعالى أن القاضي برهان الدين بن ظهيرة طلع إلى جبل أبي قبيس لرؤية الهلال ومعه الأعيان
стр. 590
على العادة فلم يروه في ليلة الأربعاء لوجود الغيم المطبق، ثم وصل ثاني تاريخه سلخ الشهر طلع صاحب مكة الشريف أبو نمي لملاقاة أمير الحاج من العمرة وكذا القاضي برهان الدين بن ظهيرة وقاضي القضاة التاجي المالكي وسلموا عليه وعادوا. ودخل هو بعد العشاء وطاف وسعى وعاد إلى الزاهر وبات به على عادته.
وفي صبح يوم الخميس أول الشهر توجّه إليه صاحب مكة الشريف أبو نمي وولده السيد أحمد وهو مراهق وصحبتهما عسكرهم من الخيل والرجل من أهل البدو والحضر فخلع (١) أمير الحاج على الشريف وولده خلعتين على عادتهما ودخلا صحبته إلى مكة وهما آمنان مطمئنان مع أن أمير الحاج ألبس عسكره من الجراكسة الحديد مع خيولهم، وكانت لهم بهجة. ونزل أمير الحاج (٢) عند درب المعلاة في خيامه. وتوجّه الشريف إلى منزله وهو مقبوض لمعارضته في قضاء الشافعية لمن قدمه، وتواترت الأخبار بذلك ووصلت من المتولي الجديد عدة أوراق لإخوانه من المدينة الشريفة وفيها التعريف بحقيقة حاله فتحرك جماعته لها مع قبضهم خوفًا من صاحب مكة. ثم توقف أخوه الكبير الشيخ جمال الدين محمد إلى صاحبها فلم يُرِهِ (٣) وجها على عادة مألوفة منه فزاد خوفهم .... (٤) إلّا عبد اللطيف.
ثم أشيع أن الشريف أرسل إليه في الليل وأغلظ له في المقال، وتهدده في الحال والمآل، بكلمات اختلفت الأقوال فيها، مضمونها التهديد بولاية أخيهم له فيما أمره به. فصار يسأله العفو حتى برز من عنده. لطف الله بالمسلمين في جميع أحوالهم.
وفي يوم الجمعة ثاني الشهر فرغ الشغل من المنبر الجديد الواصل من القاهرة بحرًا من الخنكار سليمان بن عثمان وخطب عليه الإمام أبو الخير، وأخذ
стр. 591
المنبر العتيق واقتسمه الخطباء كعادتهم.
وفي يوم تاريخه فتح أمين الرومية .... (١) الرومي ختم القوائم واشترى هدية الشريف صاحب مكة وتوجّه بها إليه واستأذنه فأذن له. فشرع في تفرقتها صبح يوم السبت ثالث الشهر في المدرسة الكلبرجية على باب الصفا - أحد أبواب المسجد الحرام - وحضر معه قاضيا القضاة أبو السرور بن الضياء الحنفي وتاج الدين بن يعقوب المالكي وكاتبٌ من جهة الشريف والشيخ أبو زرعة المنوفي وبعض إخوان القاضي الجديد ورأوا بحضرتهم قبض الناس. واستمروا على ذلك جميع النهار حتى فرق غالب الصر، وكان القبض هنيًا من غير نكد لأحدهم. ثم في ثاني يوم فرق باقي الصر على العرب والعجم، وفي ثالث يوم البيوت وبقية الصرر في رابع يوم أعطي مشائخ الأربطة ليفرقوها (٢) على سكانها على عادتهم.
واتفق في يوم السبت أول يوم فُرقت الرومية دخول الحاج الشامي.
وفي ليلة الأحد رابع الشهر دخل لمكة المتولي لقضاء الشافعية بها ونظر المسجد الحرام الزيني عبد اللطيف ابن شيخنا الإمام الزاهد عفيف الدين عبد الله باكثير الحضرمي الأصل ثم المكي ولاقاه إخوانه وأقاربه وهم ساكنون لخوفهم من صاحب مكة فسكن أخوهم عند زوجته ابنة أخي شيخ الحجبة الشرفي أبي القاسم الشيبي بأجياد الصغرى. وبرز للناس في المسجد الحرام، وكنتُ أنا ممن سلّم عليه واقفًا لحق مشْيخة والده. وكثرت القالات فيه بسببه، وكان في غاية الرزانة (٣) ولم يركبه المنصب.
وفي صبح تاريخه مات إمام الحنفية السيد العلامة عفيف الدين عبد الله بن محمد البخاري الحسني وجُهّز في يومه وصلّي عليه بعد صلاة العصر وشيّعه خلق من
стр. 592
الأعيان. وكان له مجمع حافل وأثني عليه خيرًا الخيره وديانته، وكان عمره نحو سبعين سنة ومرض بالفالج نحو الشهرين وحُقن وكُوي (١) بالنار فلم يُجْده شيئًا مع تألمه وعدم ميله لذلك لكنه غلب عليه ابن أخيه الجمالي محمد زوج ابنته الكبرى وأم أولاده موطوءته الحبشية سعاد وخلفهما مع بنتين منها وواحدة من غيرها. فالله تعالى يجبرهن ويرحمه. واشتغل بإمامة الحنفية بعده ابن أخيه المشار إليه بكتابة صاحب مكة له. ونادى الرئيس أبو عبد الله بالصلاة عليه من فوق ظلة زمزم بأمر من القاضي برهان الدين بن ظهيرة الشافعي.
وتشوش المتولي الجديد من فعله وعاتبه (٢) على ذلك. ثم إنه رجع من باب السلام عن الجنازة وتوجّه لصاحب مكة الشريف أبي نمي للسلام عليه مع أكبر إخوانه فلم يأذن لهم في الدخول عليه من ساعة وصولهم فجلسوا في المنزل حتى قدم عليه المفصول فنزل إليه وعظمه بحضرتهم فسلموا وانصرفوا من غير كلام منه ومنهم. ثم تكرر تردادهم إلى الشريف ولأمير الحاج المصري الجمالي يوسف ابن الأمير جانم الحمزاوي والسيد علاء الدين ملك التجار وهم يسألون في التمكين من الوظائف لعبد اللطيف والشريف يصدّهم ويقول: عليّ مراجعة الخنكار وأنا معتمد مرسومي في إمضاء مَن يصلح للولاية ومنع من لا يصلح. فأشار عليه أمير الحاج بتمكينهم من الوظائف وهو ووالده يساعد (٣) الشريف في المراجعة فيه بعد ذلك، وإلّا تحدث فتنة من المنع فإن الدفتردار الجديد النوري النقاش مساعد له في الولاية وكذا قاضي العسكر قادري جلبي فإنه خدمه في بابه كثيرًا قبل ذلك.
فأذن له في يوم الأربعاء سابع الشهر بعد قراءة مرسومه في منزل الشريف ولبس عقبها خلعة جاء بها معه ومشى أمامه إخوانه حتى وصل إلى محل جلوسهم
стр. 593
عند منارة باب علي، فصلى هناك ركعتين وتوجّه بها إلى منزله وهنّأه القليل من الناس لانشغالهم وبعضهم مراعاة واستحقارا، وباشر الحكم حينئذ. فالله يعطي الناس خيره ويصرف عنهم شره. والناس نافرون عنه.
وفي ظهر تاريخه خطب خطبة السابع الخطيب أبو الخير الشافعي وطلع الحاج إلى عرفة. وكانت الوقفة بالجمعة ولله الحمد. وأرسل صاحب مكة للقاضي المفصول البرهاني بن ظهيرة بأن يقف بالناس وللقاضي المتولي بالمنع، فتوقف المفصول عن ذلك وتوجّه المتولي لأمير الحاج وللقائد جوهر المغربي وزير صاحب مكة وتكلم معه في مباشرة وظيفته وهو الموقف، فتكلم مع الشريف فمكنه منها.
فوقف بالناس في أول الوقت واستمر إلى تمكينه بدخول الليل وأنشأ خطبة لّمح فيها .... (١) حاله ضمّنها قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (٢) وأردفها بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ (٣) إلى غير ذلك مما نقل عنه، وبكى واشتكى.
واتفق له في الموقف أنه جاءه مبلغ من بعض سلاطين العجم بسبب الدعاء له ويقال قدره سبعة عشر مثقالًا ذهبًا، ولم يتفق ذلك لمن قبله، ووقع ذلك موقعًا عنده لشدة فقره وجوعه.
ووقع للخطيب بمسجد نمرة المحيوي العراقي أنه باشر الخطبة بنفسه وهو مريض، فلما نزل استناب في الصلاة أخا (٤) شريكه في الخطابة الإمام إبراهيم الطبري فصلّى بالناس الظهر جمعًا واضطرب الحاج فيها وكان قاضي المحمل المصري حاضرًا مع أمير الحاج وقام على رجله وأمر الرئيس أن يقيم صلاة العصر عقبها فقام
стр. 594
إليه الشيخ نجم الدين بن المعيطي أحد جماعة الشيخ أبي الحسن الشافعي وقال: لا يصح ذلك كما هو المفتى به. وصار كل منهما يؤيد قوله حتى جلس قاضي المحمل وسكت. وكثرت القالات من العامة وقال الخطيب محيي الدين: إن أمير الحاج وقاضي المحمل أمراه بفعل [ذلك] (١) لكونهم نووا الإقامة بمكة مدة لا يقصر فيها، وهي نحو عشرين يومًا كما سيأتي ذكره.
ثم اتفق للقاضي أنه باشر وظائفه وفرّق صر أهل مكة حين نزل من منى، بدأ بالمرتبات الشاميات وتكرر جلوسه لها مع محاسبته للناس، ثم الحلبية ليلة واحدة، وجلس بعده قاضي محمل الشامي القاضي معروف الدمشقي وتكرر له ذلك فلم يُنْتِجْ خيرا لقطع أسماء كثير من الناس، وكثر الكلام فيه وفي القاضي الجديد وتأسف الناس على فقْد أرباب المناصب المتقدمين واعتبارهم في التفرقة وجلوسهم لذلك في يوم أو ليلة وإيصال المستحقين لاستحقاقهم.
وفُرقت الذخيرة في المدرسة الأشرفية محل جلوس قاضي المحمل قبل الحج، وحرر أسماء الأحياء والأموات، وألحق أسماء الأولاد عوض سلفهم، وما أحسن ذلك إن صح فعله لمستحقيه، وضاعف الثواب لفاعله، لأن فيه نفعا كبيرا (٢) وحسم مادة الظالم والحقير ولمن يطمع في حق الأيتام.
وفُرّقت بقية الأوقاف على يد جماعة منهم قاضي المحمل المصري القاضي زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري الشافعي، منها أوقاف الحنفي والمالكي والحنبلي، وأرصد وقف الشافعي الحكمي المستجد حتى يقبض باقيه من البرج والغازية الواصلة مع ركب الشام. فقبض ذلك بعد الحج وسلم الجميع أمير الحاج المصري عند سفره للقاضي الشافعي الجديد.
стр. 595
وأقام الركب المصري بمكة عشرين يومًا وسافر في يوم الثلاثاء عشري الشهر، وأقام الشامي بعده حتى صلى الجمعة ثلاثة أيام وسافر في ليلة السبت رابع عشري الشهر، وكانت إقامته بمكة عشرين يومًا.
ورخصت الأسعار في الحب والسمن والماء وغير ذلك بحيث بيعت الربعية المصرية بثلاثة صغار والمن السمن بأربعين كبيرا والراوية الماء بعثماني وذلك لكثرة الماء في برَك الحاج بمكة وعرفة ووصول الحاج برًا وبحرًا والله الحمد.
ومنع صاحب مكة الشريف أبو نمي أهل مكة من الفقهاء السفر مع الحاج المصري. [لما كثر من الأراذل كعبد اللطيف وأمثاله للسعي في المناصب] (١).
واتفق أن القاضي سعد الدين محمد ابن القاضي خير خير الدين أبا الخير بن ظهيرة وابن أخيه الخيْري أبا الخير ابن الشيخ أبي البركات أراد السفر صحبة شيخهما العلامة المحقق أبي الحسن البكري فتعرض لهما عبيد الشريف ومنعوهما فبطّلا السفر وتوجّه شيخهما من باب الشبيكة أسفل مكة فقدر الله تعالى أنه واجه صاحبها الشريف أبو نمي الممنوعين فأذن لهما وسافرا صحبته لأمر يريده الله تعالى. وقال لهما الشريف: لا تتعرضان لوظيفة القضاء في مكة وجدة ونظر المسجد الحرام، فقالا له: إنما قصدنا طلب الرزق. [فكان ذلك لمنية أحدهما في الغربة] (٢).
وأرسل الشريف قاصدين من جهة القاضي برهان الدين الذي قدمه في الولاية هما الشيخ محمد ابن الشيخ علم الدين العباسي والعز بن محمد ابن الخواجا شهاب الدين الهنيدي. ولم يُعلم حقيقة خبرهما هل توجّها (٣) إلى القاهرة أو الروم. فالله تعالى يلطف بالمسلمين ويُبلغهم كل خير
стр. 596
شهر محرم الحرام استهل ناقصًا بالجمعة من سنة ٩٤٢ هـ (١٥٣٥ م)
بشهادة الشيخ العدل الولوي أبي زرعة أحمد بن علي المنوفي الشافعي وغيره، وثبت عند قاضي القضاة المالكي التاجي عبد الوهاب بن يعقوب ولم يوافق الشافعي الجديد قاضي القضاة الزيني عبد اللطيف باكثير على ثبوته وخالف في تاريخه لِحض نفسه مع الشاهد، ووافقه على ذلك حجاب الكعبة الشريفة من بني شيبة في فتحها يوم السبت، ومنع فتح البيمارستان بمكة للفقراء في يوم عاشوراء، وفتح الكعبة في ثاني، تاريخه وحصل الألم في منعه.
ثم توجّه القاضي الشافعي الجديد لجدة في ليلة الأربعاء ثالث عشر الشهر على الرؤية الأولى وتخاصم مع زوجته ابنة الشيخ أبي القاسم الشيبي لأجل جارية حبشية اشتراها وطلبت تمليكها لها، فلم يوافقها على ذلك فامتنعت من السفر معه فسافر عنها وتركها وأخذ أجوارها (١) الذين مِلْكها، وعُدّ ذلك من طيشه. ولم يوادعه أحد من الأعيان بل جماعته عند وداعه بعد العشاء.
وكان استناب أخاه الأول الخطيب الجديد الشيخ جمال الدين في الحكم بمكة وأخاه الثاني الشيخ وجيه الدين عبد الرحمن بجدة وتوجّه لها قبل أول الشهر. وباشر كل منهما الأحكام بمكة وجدة وصار لهما حركة وكثرت القالات خصوصًا عن تفرقة قاضيهم الكبير قبل سفره لزوائد الحكمي والمستجد على … (٢) المعرضين مع تأخير أصله يبقى من أيام الموسم (٣). وجعل لكل قاض ستين كبيرًا ولغائب الأعيان من الفقهاء سلطانيًا بأربعين كبيرًا، وبعضهم دونها، وأرسل لي بسلطاني.
стр. 597
ولما وصل لجدة، أظهر فيها الأحكام بقوة وشدة، ولم يباشر الخطبة بجميعها واستناب فيها بعض الغرباء وابن أخيه الكبير عبد المعطي ابن الشيخ بدر الدين حسن باكثير وهو حركته في التصرفات. [وثم أحوال غير محمودة وطغيان وتجبّر] (١).
وأشيع أنه ضرب الخواجا الكبير مسعود الخلادي المغربي لشكوى بعض دَيّانَتِه عنده وأمره بالصبر عليه فلازمه في حبسه، فلم يوافقه وطالبه بحكم الله فأغلظ له في المقال فأمر بضربه ويقال إنه باشر ذلك بنفسه. ولازم الدولة في قبض الصدقة الواصلة الهند للخواجا بخشي الرومي، وأشيع أنها نصف مركب أرسله من الخشب والشحنة، ويقال إن مجموعها نحو ثلاثين ألف دينار واشتملت على خواتم بفصوص وجواهر وأرز وفلفل وبهار وصيني. وأن جماعة الشريف صرحوا له بأخذ ثلثها ومعشرها ومصرفها فيخرج منها أكثر من ثلثها. [وكان ذلك أول غنى عبد اللطيف (٢).
ثم اتفق الحال بين القاضي الجديد والشريف عرار بن عجل الحسني الناظر بجدة على خدمة له بألفي دينار وللقائد جوهر المغربي مثلها ولنائب جدة الرومي مثلها ولغيرهم من أركان الدولة بغيرها. فما صار بجدة للأقوياء وجود من المستحقرين فيها.
ثم تحرر لي أن الصائر لأهل مكة عشرة آلاف أشرفي ولأهل المدينة خمسة وقبض صاحب مكة ثلث أهلها على عادته مع مصرف عليها. وتسلّم الشافعي الجديد يقال ستة آلاف وقيل أربعة آلاف أشرفي والمستعان بالله.
стр. 598
وفي أول الشهر قدم القائد جوهر المغربي بنفسه من جهة الشرق لمكة وتوجّه في ليلته الجدة وعمل فيها مصلحته وأخذ مائة إردب حب بثمنها لصاحب مكة لكونه نوى التوجّه إلى جهة اليمن يقال من الشرق وغليت الأسعار بمكة بسبب ذلك. ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وبيعت الكيلة المصرية بثلاثة محلقة وربع. وأمر الأمير شرف الدين يحيى الحمزاوي أخو (١) أمين الديار المصرية الأمير جانم - وهو محاور بمكة عام تاريخه - أن يُباع قمْحه بها كل كيلة بثلاثة صغار إلا ربعًا بنقص ربع ثم نصف على بيع أهل السوق، ونفع الناس بذلك وكثر الثناء عليه بسببه جزاه الله خيرًا. وإن كان أمَر ببيعه على الضعفاء بالكيلة الصغيرة ومنَع الأقوياء ففيه إعانة في رخص السعر. ولقد أخذتُ من جماعة بالمد مراعاة لي فالله يجزيه خيرًا.
وطلب القائد جوهر المغربي قماشًا خرْج العرب من السواد الكندكي والفُوَط بألفي دينار فمشى له الشافعي الجديد في أخذها من تركة الخواجا محمد جان العجمي. وكان توفي نصف المحرم أول سنة تاريخه بمكة وترك ولدين ذكرا وبنتا وزوجة، يقال إن الذكر بالغ وهو رشيد والبنت أصغر منه.
فوضع القاضي هو وأخوه الشيخ جمال الدين محمد باكثير يده على مخلفه وختم عليه، وجهّزه بمبلغ تكلم الناس فيه بسببه. ثم إن أخاه أرسل له بفتح الختم وإعطاء القائد ما طلبه من القماش وتوجّه به إلى جهة الشرق ثم رده ورماه على أهل الخان من المتسببين كل كورجه بخمسة وعشرين أشرفيا. وتظلّم بعضهم عليهم فلم يُفده وذلك لمّا طرأ لصاحب مكة العود إليها والإقامة بها في الوادي مدة ثم يتوجّه إلى اليمن، فعاد بجماعته إلى وادي مر في سابع عشر صفر
стр. 599
وأقام بوادي الدكناء .... (١) وكان قاضي الشافعية المفصول البرهاني بن ظهيرة مقيما بوادي أرض خالد بعياله وعزم على جماعة من أصحابه وعمل للشريف صاحب مكة ضيافة حسنة كعادته. ثم إن القاضي المتولي الزيني عبد اللطيف باكثير أرسل قاصدًا من جدة للشريف يستأذنه في القدوم عليه للسلام عليه فلم يلتفت لقاصده وأقام في الوادي أيامًا ثم إنه اجتمع به وقال له ما يحتاج لمجيئه، واعتذر له بعدم الكتابة لوجع عينيه، وأن القائد المغربي يكتب جوابه. فلما بلغه ذلك قدم إليه آخر شهر تاريخه فلم يأذن له في الدخول عليه حتى وصل له القاضي المفصول البرهاني بن ظهيرة ودخل عليه قبله إظهارا لإكرامه على المتولي. [وأشيع أكله لمال الخواجا محمد جان هو وأخوه وجماعته] (٢).
شهر ربيع الأول استهل ناقصًا بالأحد، جعله الله مباركا ببركة من ولد فيه ﷺ سنة ٩٤٢ هـ (١٥٣٥ م)
وفي ثانيه وصل لمكة قاضي الشافعية الجديد الزيني عبد اللطيف (٣) باكثير وهرع الناس للسلام عليه وكثرت القالات في أمر الصدقة البخشية وصرفها. ثم إن القاضي الشافعي المفصول استفتى على المتولي بأنه عين له صاحبها من الهند خمسمائة أشرفي وقبضها في جملة المال لنظره عليها وهو متولّ ووضعها في حواصلها. فأفتاه جماعة من الشافعية وغيرهم من علماء الوقت باستحقاقه لها وأرسل صاحب مكة بعض خدامه لمطالبة القاضي الجديد بردّها له فردها عليه راغمًا. ويقال إنه أخذ لنفسه مثلها وقسم على القضاة الثلاثة من الحنفي والمالكي والحنبلي الواصل من الروم بحرًا.
وأمر بإبطال ما شرع فيه أخوه نائبه من عمل المفرعات وتنظيف طريق المولد
стр. 600
النبوي لإبطال (١) الزفة في ليلة المولد وأرسل إلى مشائخ الصوفية من القادرية والأحمدية بترك المشي في تلك الليلة. ووعدهم بمبلغ من الصدقة التي تحت يده، فمالوا إليه لطمعهم في الدنيا ما عدا الشيخ إسماعيل الهندي أحد القادرية فدخل على بعض جماعة صاحب مكة في حمايته من القاضي المتولي. وصلّى المغرب وتوجّه بأعلامه وجماعة من أصحابه إلى المولد الشريف بالتهليل .... (٢) للنبي العظيم عليه الصلاة والتسليم. [وإنما ترك الزفة لعلمه أن أحدًا لا يمشي معه] (٣).
وكنتُ ممن توجّه (٤) لزيارة المولد الشريف قاصدًا تعظيم المحل المنيف فرأيتُ فيه بعض العامة وغيرهم من المباركين فلاحظتهم بركة صاحب المولد الأمين. [وتكلم الناس في عبد اللطيف بسبب ذلك] (٥).
واتفق في عشاء ليلتها وصول صاحب مكة الشريف أبي (٦) نمي إلى المسجد الحرام وصلّى فيه العشاء مع الجماعة، وتوجّه فيه الشافعي الجديد الزيني عبد اللطيف باكثير والقاضي تاج الدين المالكي للسلام عليه في المسجد فمرّ عليهم الشيخ إسماعيل الهندي وتوجّه إلى جهة باب إبراهيم، فقال الشافعي الجديد: هذا مهراق الدم لمخالفته لما أمرتُ به من [عدم] (٧) التوجه إلى المولد النبوي فإنه بدعة. فسأل صاحب مكة القاضي المالكي عن قوله فقال: إن ثبت أنه حرام وخالف ولي الأمر أدّبَ. فأعجب الشريف ذلك. فقام القاضيان من عند الشريف وطلب الشافعي بقية