شهر محرم الحرام استهل ناقصًا بالجمعة من سنة ٩٤٢ هـ (١٥٣٥ م)
بشهادة الشيخ العدل الولوي أبي زرعة أحمد بن علي المنوفي الشافعي وغيره، وثبت عند قاضي القضاة المالكي التاجي عبد الوهاب بن يعقوب ولم يوافق الشافعي الجديد قاضي القضاة الزيني عبد اللطيف باكثير على ثبوته وخالف في تاريخه لِحض نفسه مع الشاهد، ووافقه على ذلك حجاب الكعبة الشريفة من بني شيبة في فتحها يوم السبت، ومنع فتح البيمارستان بمكة للفقراء في يوم عاشوراء، وفتح الكعبة في ثاني، تاريخه وحصل الألم في منعه.
ثم توجّه القاضي الشافعي الجديد لجدة في ليلة الأربعاء ثالث عشر الشهر على الرؤية الأولى وتخاصم مع زوجته ابنة الشيخ أبي القاسم الشيبي لأجل جارية حبشية اشتراها وطلبت تمليكها لها، فلم يوافقها على ذلك فامتنعت من السفر معه فسافر عنها وتركها وأخذ أجوارها (١) الذين مِلْكها، وعُدّ ذلك من طيشه. ولم يوادعه أحد من الأعيان بل جماعته عند وداعه بعد العشاء.
وكان استناب أخاه الأول الخطيب الجديد الشيخ جمال الدين في الحكم بمكة وأخاه الثاني الشيخ وجيه الدين عبد الرحمن بجدة وتوجّه لها قبل أول الشهر. وباشر كل منهما الأحكام بمكة وجدة وصار لهما حركة وكثرت القالات خصوصًا عن تفرقة قاضيهم الكبير قبل سفره لزوائد الحكمي والمستجد على … (٢) المعرضين مع تأخير أصله يبقى من أيام الموسم (٣). وجعل لكل قاض ستين كبيرًا ولغائب الأعيان من الفقهاء سلطانيًا بأربعين كبيرًا، وبعضهم دونها، وأرسل لي بسلطاني.
стр. 597
ولما وصل لجدة، أظهر فيها الأحكام بقوة وشدة، ولم يباشر الخطبة بجميعها واستناب فيها بعض الغرباء وابن أخيه الكبير عبد المعطي ابن الشيخ بدر الدين حسن باكثير وهو حركته في التصرفات. [وثم أحوال غير محمودة وطغيان وتجبّر] (١).
وأشيع أنه ضرب الخواجا الكبير مسعود الخلادي المغربي لشكوى بعض دَيّانَتِه عنده وأمره بالصبر عليه فلازمه في حبسه، فلم يوافقه وطالبه بحكم الله فأغلظ له في المقال فأمر بضربه ويقال إنه باشر ذلك بنفسه. ولازم الدولة في قبض الصدقة الواصلة الهند للخواجا بخشي الرومي، وأشيع أنها نصف مركب أرسله من الخشب والشحنة، ويقال إن مجموعها نحو ثلاثين ألف دينار واشتملت على خواتم بفصوص وجواهر وأرز وفلفل وبهار وصيني. وأن جماعة الشريف صرحوا له بأخذ ثلثها ومعشرها ومصرفها فيخرج منها أكثر من ثلثها. [وكان ذلك أول غنى عبد اللطيف (٢).
ثم اتفق الحال بين القاضي الجديد والشريف عرار بن عجل الحسني الناظر بجدة على خدمة له بألفي دينار وللقائد جوهر المغربي مثلها ولنائب جدة الرومي مثلها ولغيرهم من أركان الدولة بغيرها. فما صار بجدة للأقوياء وجود من المستحقرين فيها.
ثم تحرر لي أن الصائر لأهل مكة عشرة آلاف أشرفي ولأهل المدينة خمسة وقبض صاحب مكة ثلث أهلها على عادته مع مصرف عليها. وتسلّم الشافعي الجديد يقال ستة آلاف وقيل أربعة آلاف أشرفي والمستعان بالله.
стр. 598
وفي أول الشهر قدم القائد جوهر المغربي بنفسه من جهة الشرق لمكة وتوجّه في ليلته الجدة وعمل فيها مصلحته وأخذ مائة إردب حب بثمنها لصاحب مكة لكونه نوى التوجّه إلى جهة اليمن يقال من الشرق وغليت الأسعار بمكة بسبب ذلك. ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وبيعت الكيلة المصرية بثلاثة محلقة وربع. وأمر الأمير شرف الدين يحيى الحمزاوي أخو (١) أمين الديار المصرية الأمير جانم - وهو محاور بمكة عام تاريخه - أن يُباع قمْحه بها كل كيلة بثلاثة صغار إلا ربعًا بنقص ربع ثم نصف على بيع أهل السوق، ونفع الناس بذلك وكثر الثناء عليه بسببه جزاه الله خيرًا. وإن كان أمَر ببيعه على الضعفاء بالكيلة الصغيرة ومنَع الأقوياء ففيه إعانة في رخص السعر. ولقد أخذتُ من جماعة بالمد مراعاة لي فالله يجزيه خيرًا.
وطلب القائد جوهر المغربي قماشًا خرْج العرب من السواد الكندكي والفُوَط بألفي دينار فمشى له الشافعي الجديد في أخذها من تركة الخواجا محمد جان العجمي. وكان توفي نصف المحرم أول سنة تاريخه بمكة وترك ولدين ذكرا وبنتا وزوجة، يقال إن الذكر بالغ وهو رشيد والبنت أصغر منه.
فوضع القاضي هو وأخوه الشيخ جمال الدين محمد باكثير يده على مخلفه وختم عليه، وجهّزه بمبلغ تكلم الناس فيه بسببه. ثم إن أخاه أرسل له بفتح الختم وإعطاء القائد ما طلبه من القماش وتوجّه به إلى جهة الشرق ثم رده ورماه على أهل الخان من المتسببين كل كورجه بخمسة وعشرين أشرفيا. وتظلّم بعضهم عليهم فلم يُفده وذلك لمّا طرأ لصاحب مكة العود إليها والإقامة بها في الوادي مدة ثم يتوجّه إلى اليمن، فعاد بجماعته إلى وادي مر في سابع عشر صفر
стр. 599
وأقام بوادي الدكناء .... (١) وكان قاضي الشافعية المفصول البرهاني بن ظهيرة مقيما بوادي أرض خالد بعياله وعزم على جماعة من أصحابه وعمل للشريف صاحب مكة ضيافة حسنة كعادته. ثم إن القاضي المتولي الزيني عبد اللطيف باكثير أرسل قاصدًا من جدة للشريف يستأذنه في القدوم عليه للسلام عليه فلم يلتفت لقاصده وأقام في الوادي أيامًا ثم إنه اجتمع به وقال له ما يحتاج لمجيئه، واعتذر له بعدم الكتابة لوجع عينيه، وأن القائد المغربي يكتب جوابه. فلما بلغه ذلك قدم إليه آخر شهر تاريخه فلم يأذن له في الدخول عليه حتى وصل له القاضي المفصول البرهاني بن ظهيرة ودخل عليه قبله إظهارا لإكرامه على المتولي. [وأشيع أكله لمال الخواجا محمد جان هو وأخوه وجماعته] (٢).
شهر ربيع الأول استهل ناقصًا بالأحد، جعله الله مباركا ببركة من ولد فيه ﷺ سنة ٩٤٢ هـ (١٥٣٥ م)
وفي ثانيه وصل لمكة قاضي الشافعية الجديد الزيني عبد اللطيف (٣) باكثير وهرع الناس للسلام عليه وكثرت القالات في أمر الصدقة البخشية وصرفها. ثم إن القاضي الشافعي المفصول استفتى على المتولي بأنه عين له صاحبها من الهند خمسمائة أشرفي وقبضها في جملة المال لنظره عليها وهو متولّ ووضعها في حواصلها. فأفتاه جماعة من الشافعية وغيرهم من علماء الوقت باستحقاقه لها وأرسل صاحب مكة بعض خدامه لمطالبة القاضي الجديد بردّها له فردها عليه راغمًا. ويقال إنه أخذ لنفسه مثلها وقسم على القضاة الثلاثة من الحنفي والمالكي والحنبلي الواصل من الروم بحرًا.
وأمر بإبطال ما شرع فيه أخوه نائبه من عمل المفرعات وتنظيف طريق المولد
стр. 600
النبوي لإبطال (١) الزفة في ليلة المولد وأرسل إلى مشائخ الصوفية من القادرية والأحمدية بترك المشي في تلك الليلة. ووعدهم بمبلغ من الصدقة التي تحت يده، فمالوا إليه لطمعهم في الدنيا ما عدا الشيخ إسماعيل الهندي أحد القادرية فدخل على بعض جماعة صاحب مكة في حمايته من القاضي المتولي. وصلّى المغرب وتوجّه بأعلامه وجماعة من أصحابه إلى المولد الشريف بالتهليل .... (٢) للنبي العظيم عليه الصلاة والتسليم. [وإنما ترك الزفة لعلمه أن أحدًا لا يمشي معه] (٣).
وكنتُ ممن توجّه (٤) لزيارة المولد الشريف قاصدًا تعظيم المحل المنيف فرأيتُ فيه بعض العامة وغيرهم من المباركين فلاحظتهم بركة صاحب المولد الأمين. [وتكلم الناس في عبد اللطيف بسبب ذلك] (٥).
واتفق في عشاء ليلتها وصول صاحب مكة الشريف أبي (٦) نمي إلى المسجد الحرام وصلّى فيه العشاء مع الجماعة، وتوجّه فيه الشافعي الجديد الزيني عبد اللطيف باكثير والقاضي تاج الدين المالكي للسلام عليه في المسجد فمرّ عليهم الشيخ إسماعيل الهندي وتوجّه إلى جهة باب إبراهيم، فقال الشافعي الجديد: هذا مهراق الدم لمخالفته لما أمرتُ به من [عدم] (٧) التوجه إلى المولد النبوي فإنه بدعة. فسأل صاحب مكة القاضي المالكي عن قوله فقال: إن ثبت أنه حرام وخالف ولي الأمر أدّبَ. فأعجب الشريف ذلك. فقام القاضيان من عند الشريف وطلب الشافعي بقية
стр. 601
القضاة بالحضور خلف مقام الحنفي وأمر بإحضار المنجمعات من الفوانيس الكبار هنالك فاجتمع العامة عندها فقال له القاضي المالكي: ترك الجمعية أولى، فإنا نخشى من العامة الرمي لإبطال ما ألفوه من عمل الزّفة، فوافقه على ذلك.
ويقال إن بعض العامة والصغار رجموا الشافعي الجديد لما قام من عند الشريف ودخل إلى المطاف فتأثر من ذلك وتحقق ما قاله له القاضي المالكي فجاء إلى مجلسه وأمر برد المنجمعات إلى القبة وانفض الجميع عند قيام صلاة العشاء. وحمدت الفتنة بوصول الشريف أبي نمي صاحب مكة لأن القاضي الجديد يظن البطش على من خالفه وسطا برجمه وسماه الناس قاضي بدعة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وسأل بعض الناس الشيخ العلامة مفتي المسلمين أحمد ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات الأنصاري عن عمل زفة المولد المعتادة هل يجوز فعلها أو تركها؟ فكتب فيها كراسًا في إباحتها لكونها من الأفعال الحسنة لتعظيم مولد نبي هذه الأمة. وقرأه لي فسررت به بل رأيتُ منامًا في ثاني الشهر ربيع الثاني بحضور والدي ووالده وأخويه قاضي القضاة الشرفي أبي القاسم والمرحوم القاضي محيي الدين عبد القادر وشيخ الصوفية الجنيد أبي القاسم المشرعي وغيرهم من العلماء وهو يقرأ عليهم الكراس الذي أجاب به فسُرّ والده ومن حضر معه، فقال له والدي: ينبغي أن تسمي هذا الجواب "الأقوال المهمة" وقال عقبه شقيقه المرحوم "في تعظيم مولد نبي هذه الأمة"، وقال بعدهما الشيخ الجنيد: الأولى أن تسميه "سرور المسلمين بتعظيم ليلة مولد نبينا المصطفى الأمين .. فعلمت بهذا المنام أنّ قصده التعظيم والإكرام. فالله تعالى يلهمنا للصواب، ويجنبنا كل عمل يُعاب بنعمة الله الكريم الوهاب.
وفي آخر هذا الشهر عمل قاضي القضاة التاجي المالكي وليمة في بركة الماجن أسفل مكة عزم فيها على القاضي الشافعي الجديد الزيني عبد اللطيف باكثير وإخوانه
стр. 602
وجماعتهما، وتهوّر الشافعي بالألفاظ على قاضي القضاة الحنفي أبي السرور بن الضياء وغيره وقالوا من جملة كلامه: أنت اليوم غاوي رئاسة جديدة لحضورك المدرسة الأشرفية في غيبتي، فقال له كان القاضي الشافعي قبلك يُعرَف حضوره بلبس الطيلسان من صلاة العصر فنعزم قِبَلَه (١) وأنت لا تُعرف لك قاعدة. وهذا جواب منه غير قانع له بل الأولى في جوابه: إن الأمر لا يتوقف على حضورك فإن كل من حضر من أصحاب الوظائف برئت ذمته الحضور وظيفته، وهو المعروف لأربابها في زمن الواقف إلى الآن. وكان إذا غاب الشافعي .... (٢) كل من حضر من بقية القضاة والشهود والمترددين إليه.
وكثر الكلام من المنسوبين إليه وأكثروا الكلام بما لا فائدة فيه إلّا الملام، وصفا الأمر على إقامة يوم واحد بمنى في بيت المالكي الذي عمره جديدًا. وعمل لهم من الأطعمة الملونة الحلوى والسكرية والمربيات والدجاج وغيره ممن كثر … (٣) وكان في حقيقة الحال مقدمة لأكل الحرام من الصدقة البخشية التي كانت تفرقتها غير مرضية. فإن القاضي الشافعي الجديد كان يعد المستحقين ويمَنّيهم حتى فرقها عليهم بعد أن قدم الشريف أبو (٤) نمي في آخر الشهر وتوجّه إلى جهة اليمن. وغنم الفرصة في غيبته فأعطى لكل من القاضيين الحنفي والمالكي مائة وعشرين أشرفيًا ويقال إنه زاد المالكي على الحنفي ثلاثين وأعطى القاضي المفصول الشرفي أبا القاسم المالكي - يقال - خمسين أشرفيا، وشيخ الحجبة والخطيب محيي الدين العراقي كل واحد عشرين، ولكل إمام سبعة ولعياله اثنين ولكل من بني ظهيرة عشرة وعياله اثنين ولغالب الفقهاء والمدرسين خمسة أشرفية ولعياله اثنين ولمن دونهم
стр. 603
أربعة وثلاثة واثنين ولعيالهم واحدًا ودون ذلك. ويقال مجموع ما فُرق على الفقهاء نحو ألفين وعلى العامة كل كبيرين يقال نحو ألفي أشرفي على عشرة آلاف نفس كما أخبر به جماعة من أخصائه. ولم يرض به غالب الناس.
وأشيع أنه ميّز جماعة بمبلغ كبير - الله أعلم بحقيقته - وأنشد بعضهم في الحال قول من قال:
مستحدَث النعمة لا يُرتجى … فكفّه مملوءة قفر
جُنّ له الدهر فنال الغنى … يا ويحه إن عقل الدهر
ولله در الإمام أحد الأعلام زين الدين عمر بن الوردي البكري المغربي حيث قال في القرن الثامن عن أهل زمانه العلماء الأعلام في التحذير من ولاية الأحكام:
لا تلي الحكم وإن هم سألوا … رغبة فيك وخالف من سأل
إن نصف الدهر أعداء لمن … ولي الأحكام، هذا إن عدل
فهو كالمحبوس عن لذاته … وعلى كفيّه في الحشر ثقل
لا تواري لذة الحكم لما … ذاقه الشخص إذا الشخص انعزل
فالولايات وإن طالت لمن … ذاقها فالسم في ذاك العسل
غير أني في زمان أهله … صاحب المال هو المولى الأجلّ
واتفق في هذا الشهر غلو الأسعار في الأقوات فبلغ الحب المصرية الكيلة نحو أربعة صغار وثلاثة عثامنة والدخن والذرة والرطل السمن بأربعة كبار والجبن واللبن واللحم فعزيز جدًّا لقلة الأمطار وقلة الواصل من البحر المالح جهة القصير واليمن. فألهم الله تعالى إمام مقام الشافعية العلامة المدرس خير الدين أبا الخير محمد ابن الإمام أبي السعادات الطبرى المكي في جمع جماعة من الرجال والصغار أولاد الكتاب ودخل بهم المطاف الشريف ضحوة نهار الأحد رابع عشر شهر ربيع الثاني ووقف ودخل بهم بهم أمام الباب الشريف والتجؤوا إلى الله تعالى والمصاحف الشريفة على رؤوس
стр. 604
أولاد الكتاب بالدعاء والبكاء والنحيب. وكانت ساعة مقبولة بحمد الله لأنه ظهرت (١) نتيجتها قريبًا وتفرقوا، واستمر الإمام خير الدين المشار إليه يقنتُ بالناس في الصلوات الخمس وغلط بعض الناس في صلاته لعدم شعوره بفعله وكثرت القالات في ذلك، وربما تكلم القاضي الشافعي الجديد مع بعض إخوان الإمام في رده فلم يوافق واستمر على ذلك بقية جمعته.
ثم في أثناء الجمعة الثانية منّ الله تعالى على العباد والبلاد بالمطر القوي بمكة وغالب نواحيها ورخصت الأسعار قليلًا فوجد اللحم واللبن وغيرهما وجاءت الأخبار بوصول المسماري والجلاب من القصير فيها الحب. وتباشر الناس بالخيرات.
شهر جماد الأول استهل كاملًا بالأربعاء من سنة ٩٤٢ هـ (١٥٣٥ م)
وفي يوم الجمعة عاشره وصل لجدة ستة مراكب من بلاد الهند في غير أوان السفر منها، يقال في العشرين من النيروز وعادة السفر في السبعين. وعجب التجار من ذلك وتيسير الطريق والمسالك وسببه لطف الله تعالى وسلامة أهلها وذلك أن سلطان كنبايه وابن سلاطينها بهادر شاه ابن مظفر شاه ابن محمود شاه أخِذْت غالب مملكته على يد سلطان المغل محمد همايون بن بابر صاحب دلي (٢) ويقال هو من ذرية تمرلنك الطاغية، وهرب السلطان بهادر منه إلى الديو بعد دخوله إلى تخت مملكته ستايير (٣) وأخذ غالب تُحفه منها من الجواهر والنقود وأتلف ما فيها وشحن (٤) ما أخذه في هذه المراكب وغيرها وأركب فيها زوجته وأخاه (٥) وجماعته
стр. 605
من أهله وخواصه نحو ألفي نفس من الفضلاء المعتبرين وعين المقدّمين الملقب آصف خان واسمه عبد العزيز بن حميد الملك.
فنُجّلت المراكب في الفرضة السلطانية. ويقال منها مركبان خاصان بالخنكار الأعظم سلطان العرب والعجم سليمان بن عثمان فيهما أسباب أحد المقدمين من الأروام في الهند مصطفى الرومي، وكان أحد المقربين للسلطان بهادر شاه فخانَهُ وتوجّه لعدوه سلطان المغل مع جماعة من وزرائه والباقي من المراكب فيها أمتعة عياله وعسكره.
وأشيع أن فيها ثلاثمائة وخمسين (١) صندوقا من التحف والنقد الذهب المضروب وغيره وفُتح بعضها (٢) فوجد فيه سبعة آلاف دينار وفي بعضها عشرة آلاف، وعيّن فيها مبَرة لأهل المساجد الثلاثة، وغيرهم فوضعها نائب جدة الرومي في حواصل الفرضة ومنعهم من الوصول إليها حتى يأتيه جواب من الخنكار أو ملك الأمراء بالديار المصرية. وذلك أنه رأى ما هاله من النقود لكثرتها، وعادته لا يُعشّره.
ومن جملته حياصة مكللة بالجواهر الثمينة عُيّنَتْ لسلطان الروم، وسيف مثمن لنائب الديار المصرية وغير ذلك لوزيره وأركان دولته وصاحب مكة وأتباعه. ولم يمكّنهم نائب جدة من تعلقهم إلّا الدبْش (٣) والفرش وعملوا فيه ما أمكنهم من الفرضة لمعرفتهم بعملهم في بلادهم من أركان دولتهم فكان الجزاء من جنس العمل. ومصداق ذلك أنهم لم يبيّنوا إلّا ما خُبّر عليه ولا أظهروا الحاجة إليه لكن نائب لم جدة أعطاهم بعض المصروف على العسكر وهاداهم أركان الدولة بجدة وجازاهم الوزير بما عنده.
стр. 606
وفي الجمعة التي وصلوا فيها سافر من مكة يوم الثلاثاء ثامن عشر شهر تاريخه للزيارة النبوية السيد علاء الدين ملك التجار ومعه جماعة من الأعاجم عزم عليهم بعيالهم منهم الشيخ المدرس أبو بكر العمري والشيخ سلام الله وصحبه والدة قاضي القضاة المحبي بن ظهيرة وأخواتها وغيرهم على نية الزيارة والمجاورة إلى آخر شهر رجب. تقبل الله ذلك.
وفي يوم الأحد سادس عشر الشهر دخل مكة بعض الهنود منهم عماد الملك وداية عيال السلطان بهادر شاه ومعهما جماعة من العسكر والنساء، وسكنوا في مدرسة سلطانهم مظفر شاه بباب الصفا المجاور للمسجد الحرام وقصد عمادَ الملك أربابُ الوظائف وغيرهم للسلام عليه.
وفي يوم وصوله تحرك غلو الأقوات من الحب والسمن واللحم ونزل سعر الذهب المضروب كل أشر في أربعة كبار بعد أن كان كبيرين والكيلة الحب بكبير وعثماني والرطل السمن بأربعة كبار واللحم بكبير، فالله يرخص أسعار المسلمين خصوصًا جيران بيت الله الأمين.
ثم في يوم السبت خامس عشر الشهر دخل مكة عبيد سلطان الهند وبقية عسكره مع وزيره آصف خان واسمه عبد العزيز ونزلوا في قاعة قاضي الشافعية الجمالي أبي السعود بن ظهيرة التي صارت لهم وضاقت عليهم لكثرتهم وطلبوا إجارة البيوت المجاورة لهم، وسألوا قاضي الشافعية المفصول البرهاني في بيت ابن عمه قاضي القضاة المحبي بن ظهيرة واعتذر لهم بكون حوائج المتوفى فيها وأمرها إلى زوجته وأمه، وثانيتهما غائبة بالمدينة الشريفة.
فسمع القاضي الشافعي المتولي عام تاريخه بسؤال الوزير في ذلك، فتوجّه إليه وعرض سكن نفسه وهو مستأجر معه لسنة تاريخه وذهب معه إليه وأراه له وحلف عليه بأنه يسكن فيه على أمتعته من الفرش وغيرها وأنه لا ينقل منها إلّا كتبه وثياب
стр. 607
بدنه. فقبل منه السكن وردّ عليه جميع ما فيه فحينئذ نقل إليه عيال سلطان الهند مظفر شاه وطلب إجارة المنازل التي حوله بأغلى الإيجارات، منها ما هو بثلاثمائة وما هو بمائتين وما هو بمائة، فكان ذلك رزقًا لأهلها.
وسكن الوزير في أحدها المقابل لسكن عيال سلطانه وهرع الأعيان من أرباب الوظائف للسلام عليه وأرسلوا هداياهم إليه، وفيها السكر والعسل والأغنام وغير ذلك، وجازاهم عليها بالقماش والنقد لكل واحد بقدر ما أرسل إليه نحو أربع مرار ودونها. وصارت في البلد حركات وكثرة تصرفات وزاد غلو الأسعار في الذهب وجميع الأقوات حتى نزل الأشرفي السلطلاني والقبرصي بأربعة وثلاثين وخمسة وثلاثين كل واحد نقص سبعة وثمانية كبار والسليمي والغوري بنقص أربعة كبار. والكيلة القمح المصرية بكبير وعثماني والرطل السمن بأربعة كبار وأكثر واللحم رطل بكبير. فالله تعالى يرخص أسعار المسلمين ويجعل الخير في القرار. [وكثر الذهب في أيدي الناس من خزانة بهادر] (١).
ثم في أواخر العشر التالي من جماد الثاني فرق عماد الملك الهندي مبَرّة على جماعة من المدرسين والفقراء المباركين جزاه الله تعالى خيرا. [وكان رجلا دينًا خيرًا حسن الصورة لطيف المعاشرة من أهل الفضل] (٢).
ثم فرّق الوزير آصف خان على أرباب الوظائف من القضاة والأئمة والشيبيين والمؤذنين والفراشين من الذهب والشاشات ولم يعمّ الناس بالمبرات، ونُسب التقصير لإمام الحنفية محمد البخاري لكونها على يده وهو من المقربين عنده والمطوف له لما قدم وتشوش منه القاضي الشافعي الجديد ونافر الوزير لعدم انقياده له. [وحصل له منه ذهب بكثرة سبائك وغيرها بنى بها البيوت] (٣).
стр. 608
وفي يوم السبت رابع عشرى جمادى الثاني سافر من مكة شيخ الحرم النبوي محمود الرومي وصحبه عمدة الملك (١) الهندي والنوري علي ابن الشيخ بدر الدين حسن باكثير ابن أخي القاضي الشافعي الجديد. فسمع حاكم مكة القائد مبارك الدهلكي بسفره وكان مات له ولد صغير في صبح تاريخه فشيعه إلى المعلاة وتوجّه ثاني تاريخه إلى جهة القافلة المتوجِّهة (٢) للمدينة الشريفة، فلحقهم في خليص واجتمع بشيخ الحرم وعنده النوري علي باكثير فأخبره بطلب الشريف لرده إلى مكة. فحمي له شيخ الحرم ومنعه من ذلك، فقال له القائد: إن كنتَ (٣) فلا تعصنا وإلّا ما نمكّنك من السفر بنفسك. فلما رأى منهم الجد نام في خيمته وقال لهم: افعلوا ما أمركم الشريف به فردوا معهم النوري علي باكثير إلى مكة، ولم يظفروا بالمكاتبات التي معه من عند عمه على ما يقال بأخبار الدولة والهنود بمكة وجدة.
وتشوش عمّه من ردّه فلم يفده مع الدولة إلّا الذل والطمع فيه، ولله الأمر بما يظهره ويخفيه.
شهر رجب الفرد استهل ناقصًا بالإثنين من سنة ٩٤٢ هـ (١٥٣٥ - ١٥٣٦ م)
في أوله وصل قاصد من القاهرة وتوجّه لجهة اليمن للسيد أبي نمي صاحب مكة ومعه مراسيم وأخبار بنصرة الخنكار سليمان خان ابن عثمان سلطان الروم على أهل العجم، وأنه ولّى فيها النواب وأقام فيها عسكرًا وعاد إلى تخت ملكه مظفرًا منصورًا والله الحمد. وقد زُينت القاهرة له وكذا جدة.
стр. 609
ووصل مع القاصد عدة مطالعات للناس فيها جملة أخبار، منها أن قاضي مكة الحنفي بديع الزمان محمد ابن الضياء العمري انتقل بالوفاة إلى رحمة الله تعالى ببلد يقال لها تبليس - على وزن إبليس - في جهة العجم بينها وبين تبريز سبعة أيام، وكذلك بين قرى آمد أول مملكة العرب. وكان توجّه إلى الخنكار لأجل طلب وظائفه والسعي في مقاصده منها قضاء مكة وجدة ونظر المسجد الحرام وود وغير ذلك بل أشيع فيها أنه ولي قضاء العسكر في جميع وظائف مكة، ولم يتحقق من ذلك إلّا موته في صفر فنعي عليه أهله وحزنت عليه أمه وأولاده وعُملت له ربعة بالمسجد الحرام صباحا ومساء وخُتم له يوم ثالث الشهر وصلّي عليه في ظهر الجمعة خامس الشهر، رحمه الله تعالى وإيانا.
وفي ثاني شهر رجب المذكور شرع الوزير آصف خان الهندي في قراءة صحيح البخاري في منزله وحضره جماعة من الملل وبعض فضلاء أهل مكة من الأصاغر ممن يترجى بره وطلب مني عارية بعض الشروح على صحيح البخاري منها فتح الباري وأرسلتها له مع أخي فلازم حضوره.
وفي ثاني الشهر أمر بقراءة سورة الأنعام والدعاء لسلطانه بهادر شاه بالمسجد الحرام في كل صباح خلف مقام الحنفية. وقرر في ذلك نحو خمسين نفرًا من العرب والعجم - وأنا منهم - وشيخهم السيد محمد بن أحمد البخاري. فما هان ذلك على قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف باكثير لكون الوزير ما استنابه ولا شاركه في فعل ذلك وهو ناظر المسجد الحرام. فكاتب نائب جدة في إبطالها ويقال إن قرابة المغْل ضدّ سلطان الهند أرضوه بمال في منعهم.
فباشر الجماعة القراءة نحو جمعة حتى وصل الخبر لنائب جدة على ما يُقال بالصرف على المستحقين لقراءة سورة الأنعام للسلطان سليمان خان صاحب الروم عن شهر الجمادين وأنهم يبطلون القراءة للخنكار لتحقيق نصرته على العجم
стр. 610
ورجوعه إلى تخت ملكه ونودي بالزينة في مكة سبعة أيام فزينت الخانات والأسواق وبعض بيوت التجار من الأعاجم وسُرّ الناس بذلك ولله الحمد.
واتفق في تاسع شهر رجب أن القاضي الشافعي الزيني عبد اللطيف باكثير أرسل جماعة من الأروام المشدّين في المسجد الحرام لطلب السيد نور الدين أحمد بن عفيف الدين الإيجي لمواجهتهم، فوافقهم على التوجّه معهم إلى المسجد الحرام، وأرسل بعض جماعته كالشيخ حامد بن محمود الجبرتي أحد أصحابه والمقربين لصاحب مكة السيد أبي نمي يخبره بما اتفق له. فتوجّه (١) الفقيه حامد إلى القائد مرشد الحاكم بمكة فطلب منه النجدة للسيد نور الدين الإيجي فأرسل بعض جماعته إليه فلاقوه في المسجد ومنعوه من التوجّه إلى منزل القاضي وتوجّهوا إليه بأنفسهم فقال لهم: هو السبب في قراءة سورة الأنعام لسلطان الهند، وفيها ضرر على سلطان الروم وأمرني نائب جدة بمنعها، فقالوا له: أمر راجع إلى صاحب مكة. فكف عنهم ولم يبلغ غرضه من البهدلة، ثم إنه أرسل المشدين إلى شيخ الحضور إمام الحنفية السيد محمد البخاري فتوقف من التوجّه معهم ولازموه في ذلك، فتوجّه معهم حتى حاذى منزل قاضي المالكية التاجي بن يعقوب فدخل إليه وعرّفه بطلبه، فتوجّه معه إلى قاضي الشافعية. وذمّ الناس فعل الشافعي ونسبوه إلى الظلم والتعدي. ثم بعد هذا كاتب وزير الهند والسيد نور الدين الإيجي صاحب مكة السيد أبا (٢) نمي في جهة اليمن بإخباره بما وقع من القاضي الشافعي وقد طلب قراءة سورة الأنعام، وكان السبب في منع الخير والرزق. وعند الله تجتمع الخصوم.
وفي مغرب يوم الثلاثاء سابع عشر رجب وصل لمكة الشريف عرار بن عجل الحسني أحد وزراء صاحب مكة والناظر بجدة واجتمع به الأكابر ولازمه قاضي
стр. 611
الشافعية بمكة الجديد الزيني عبد اللطيف بن أبي كثير بواسطة أنه وصلت معه مراسيم جاء بها من نائبها بالتفتيش في ما فرقه من الصدقة البخشية الواصلة الهند عام تاريخه، ويقال إنه أرضاه حتى ترك قراءة المرسوم المتعلق بالتفتيش عليه، وقرأ في صبحها أمام باب حزورة عند مُصلّى صاحب مكة مرسوما خندكاريًا (١) فيه الإخبار بنصرة الخنكار على أهل العجم وأنه أخذ كثيرًا منهم وعاد إلى تخت مملكته. فسُر الخلق بنصرته ونادى الشريف عرار بزينة أسواق مكة سبعة أيام فزُينت مع بيوت جماعة من تجار العجم مراعاة في الظاهر للدولة خوفًا من التهمة لهم في محبّة الخارجي ولد الصوفي إسماعيل الخارجي.
وفي ليلة تاريخه دخل زين الدين بن الخواجا شهاب الدين أحمد بن العنبري الدمشقي على ابنة الخواجا عبد الكريم بن بدر الدين الحلبي في منزل والدة الزوجة بيت الخواجا محمد الطاهر على باب الزيادة، أحد أبواب المسجد الحرام.
وعمل فيه السماط والعقد، حضره القضاة الثلاثة ما عدا المالكي وبعض الفقهاء وكثير من التجار الغرباء. وتكلف والد الزوج لضعف حال والد الزوجة. فالله تعالى يوفق بينهما.
وفي يوم الخميس تاسع عشر رجب فتحت الكعبة الشريفة لوزير الهند آصف خان واسمه عبد العزيز بن حميد الملك محمد بن ركن الدين بواسطة قاضي المالكية التاجي عبد الوهاب بن يعقوب لأن شيخ الحجبة برهان الدين إبراهيم الشيبي توقف في فتحها له لما طلب ذلك في أول شهر رجب لكونه لم يرضه وجماعته فيما فرّقه من مبرّته، معهم، ثم عمل الوزير مصلحتهم ودخل جماعته من غير وضع الدرجة لهم فانتهك (٢) البيت.
стр. 612
وفي يوم الجمعة سابع عشري الشهر فتحت الكعبة فتحًا عامًا للناس مطلقًا وكان شيخ الحجبة منع ذلك حتى عملت مصلحته مع الوزير. ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
وفي ظهر تاريخه صلّي صلاة الغائب على صاحبنا وصديقنا العلامة الأديب كمال الدين أبي الفضل ابن الشيخ أبي الطيب أحمد بن الحسين بن العليف المدني الشافعي - رحمه الله تعالى - من الغرباء هو بالمدينة الشريفة والشيخ أبو الفضل بن وفاء الصوفي بالقاهرة وثالث باليمن ﵏ وكانت وفاة صاحبنا العليف في ثالث جماد الثاني كما كتب لي به ولده الكبير الولوي أبو (١) زرعة محمد وتركه مع أخيه الجمالي محمد وأختهما عائشة وأمهم ابنة عم أبيهم، جبرهم الله تعالى.
شهر شعبان المكرم استهل بالثلاثاء من سنة ٩٤٢ هـ (١٥٣٦ م)
وفي ثالثه نَعت ابنة الخواجا الكبير حاجي بدر الدين محمد ابن عبّاد الله الرومي بموته بالقرب من بلاد رشيد وحمل للقاهرة ودفن بها في تربته التي بناها هناك. وأمرت بالصلاة عليه في ظهر يوم الجمعة رابع الشهر وعملت له ختما بالمسجد الحرام حضره القضاة الأربعة وغيرهم من الفقهاء والتجار والعامة، وقرئت له ربعة وبعدها قُسم البخور والريحان والماورد على عادة الأكابر. وأثنى الناس عليه خيرًا لفعله (٢) المآثر الحسنة بالمساجد الثلاثة من قراءة عشرة أنفس، وأوقف لذلك أوقافًا جزاه الله خيرًا. وأنا ووالدي أحد القراء البخارية بالمسجد الحرام كل عام.
وفي ليلة الثلاثاء ثامن شعبان مات فجأة السيد الشريف قاضي المسلمين جمال
стр. 613
الدين محمد بن عبد الكريم السمهودي الشافعي المدني شقيق قاضيها الشافعي لأنه صلّى العشاء في منزله وسقط بطوله وسكت من وقته وأقام على ذلك يومًا وليلة ثم مات في عشاء تاريخه. وجهّزه صهره الشيخ محمد ابن الشيخ الجنيد المشرعي وصلّى عليه صبح تاريخه ودفن في تربة صهره. وحزن الناس على فقده الحشمته وحسن عشرته. وعُملت له ربعة بالمعلاة ثلاثة أيام صباحا ومساء وختم له في ثالثها. وخلف بمكة ولدا صغيرًا وبنتا شقيقته بالمدينة كبيرة وزوجة، فالله تعالى يرحمه ويجبرهم وإيانا.
وفي العشر الأول من شعبان فُرقت مبرة أمير الصعيد داود بن عمر على يد عبده وجماعة من شهود قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف باكثير وقاضي المالكية التاجي عبد الوهاب بن يعقوب لكون الشريف عرار بن عجل فوض أمر ذلك إليهما، وأن يكتب الشيخ أبو زرعة رأس العدول فيها ورفيقه الشيخ علم الدين العباسي المجاور بمكة. فامتنع أولهما لكونه من جهة الشافعي وأحسن في فعله وأعز نفسه، وأعطي لكل نفر محلقة كبار أربعة وعثماني. وذكر عيال الفقهاء مع بعضهم وبعض العامة والأربطة ونقص المال عن التفرقة المعتادة للتصرف فيه بالزيادة لأهل الجاه. وتشوّش عبد صاحبها من مباشرتها وكثر الإشلاء عليهم والكلام، ولم يُفد الناس غير الملام ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وفي يوم الإثنين رابع عشر الشهر شرع القاضي الجديد في تفرقة حب الخنكار المعتاد حمله كل عام في وكالة الأشرف قايتباي وحضر معه القضاة الثلاثة وبعض المباشرين على العادة. وقدم الشافعي الجديد المحبي محمد ابن الشيخ رضي الدين الحناوي وهو ضعيف الحركة مع إظهار المعرفة وأعطى لكل نفر من العلماء وعائلته كيلتين وللعامة دون ذلك وحصل الاقتصار في كثير من الناس لتصرف القاضي الشافعي الجديد فيه الجماعته وأركان الدولة وفعل كذلك في تفرقة حب دشيشة
стр. 614
الأشرف قايتباي على أهل رباطه وأرباب وظائفه. وقرر جماعة زيادة من عنده لما لم يوافق عليه الآغا تنم الجاركسي وأرسل عرّفه بما فعله كما سيأتي خبره.
وفي ليلة الثلاثاء نصف شعبان وصلت قافلة من الشرق فيها سمن وكانوا في شعب أذاخر فقتل عليه اثنان منهم ولم يعلم، قاتلهما، فخرج الفزع لهما ووقعت ضجة في سوق المعلاة وتوجّه القائد مبارك الدهلكي في طلب القاتل حتى عرف جماعته وقبض على أخي القاتل مع علمه ودخل به مقطوع … (١) وأنكر ذلك جمع من الناس، والله الأمر في إزالة الباس.
وفي ليلة نصف شعبان ماتت المعمّرة الأصيلة فاطمة ابنة عبد الله وعبد السلام وجهّزاها (٢) في ليلتها وصلّي عليها في صبحها عند باب الكعبة ودفنت بالمعلاة في تربة الزمازمة بالمعلاة بالقرب من الشيخ علي الشولي وعمرها نحو سبعين سنة، رحمها الله وإيانا.
وفي ضحى يوم الأربعاء سادس عشر شعبان مات الولد الأصيل زين الدين بن الحسن ابن الشيخ فتح الله بن أبي الفتح ابن الشيخ سراج الدين عمر بن أبي السعود بن ظهيرة القرشي المخزومي وهو في العشرين من عمره، فجهّز في يومه وصلّي عليه بعد صلاة العصر عند الحجر الأسود كعادة بني ظهيرة وشيعه خلق من الفقهاء وغيرهم [ودفن] (٣) على جدته لأمه ابنة أبي الفتح بن حمام بالقرب من الشعب الأقصى من المعلاة عند السيدة خديجة الكبرى زوجة النبي ﷺ . وأخذ العزاء فيه والده وعمه وحزنوا عليه كثيرًا لشبابه.
وكان الأولى لهم سترته لأنه أول ما ولد كان بنتًا بفرج وسمي زينب، فلما
стр. 615
كبر مُحي الفرج وطلع في محله ذكر صغير (١) فسمي زين الدين، فصار يظهر للناس ويعمم ودخل المكتب وقد رآه جماعة في بدايته ونهايته. ولم يقدر لي مشاهدة أمره مع حرصي على ذلك.
ورأيت في تذكرة جدي الحافظ العمدة نجم الدين عمر بن فهد المسماة نزهة العيون فيما تفرق من الفنون أنه اتفق في .... (٢).
وفي صبح يوم الخميس سابع عشر شعبان وصلت لمكة أول قافلة المدينة الشريفة وفيها والدة المرحوم قاضي القضاة الشافعي المحجبي بن ظهيرة وأخواتها بنات الشيخ عمر الشيبي والإمام أبو الخير الطبري وغيرهم، تقبل الله منهم وأخلف عليهم.
وفي ثاني تاريخه وصل شيخ القافلة السيد علاء الدين ملك التجار بجماعته من العرب والعجم، وذكروا عنه أفعالًا سارة من الإطعام والمبرّات وغيرها، وأنه وقع في المدينة هجة لا أصل لها بحيث اضطرب أهل المدينة فخرجوا متسلحين لملاقاة العرب فلم يجدوا أحدًا. وكان ذلك سبب تأخير القافلة عن إدراك النصف من شعبان على العادة. وأن أهل المدينة برزوا بأمر خطيبهم القاضي فتح الدين أبي الفتح ابن القاضي صلاح الدين محمد بن صالح الشافعي. وفتح لهم باب الحجرة الشريفة في رابع شعبان المسمى بالنوبة، فلم يُسْقوا.
وأما مكة فهي بحمد الله تعالى من اعتدال الأسعار في الأقوات وكثرة الحبوب ونزول سعر الحب والسمن واللحم لوجود المرعى في الشرق واليمن.
وفي نصف هذا الشهر فرق الوزير آصف خان - عظم الله له الشأن - ثاني تفرقة بعد الأولى عند وصوله لمكة على أرباب الشعائر والقضاة والأئمة والمؤذنين والفراشين وغيرهم. وكانت التفرقة هذه على جماعة من المشائخ المدرسين
стр. 616
ومن يُعتقد فيهم الخير. وهي أكبر من الأولى لأنه أعطى جماعة لكل نفر عشرة أشرفية كل أشرفي أربعة وشاشين قندهاري عال، وأنا منهم - جزاه الله خيرًا - ولبعضهم سبعة ذهب ودونها، ولبعض من مشائخ العجم كالشيخ إسماعيل الشرواني نحو مائة أشرفي ذهبًا. فالله يعوضه خيرًا.
شهر رمضان المعظم استهل ناقصًا في ليلة الأربعاء من سنة ٩٤٢ هـ (١٥٣٦ م)
وفي صبح تاريخه أمر قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف بن أبي كثير لحسن الآغا تنم الجاركسي النائب على الناظر على أوقاف أستاذه الأشرف قايتباي بمكة لكون الشهابي أحمد بن فخر الدين الشطرنجي ادعى عليه عنده أنه تصرف في معلومه العام الماضي عن المشدّية وأعطاه لخصمه الرومي لغيبة المدعي وقت ولايته في البلاد الشامية ومنع وكيله من القبض لها فقال الآغا تنم: أمرني القاضي تاج الدين المالكي بالدفع له ..... (١) حتى يحضر خصمه، فلم يلتفت القاضي لكلامه فتوجّه به بعض الوكلاء إلى وكالة الأشرف قايتباي ووُضع فيها. فأرسل الخصم إلى القائد مرشد الحاكم بمكة وأخبره بقصته. وكان جاءه بورقة من سيده صاحب مكة السيد أبي نمي بمطالبة القاضي الشافعي بما قبضه من حب الدشيشة وإعطاؤه الجماعة المستجدين في تقرير لهم.
فاغتاظ الحاكم من فعل القاضي وأمر بإخراج الخصم من الوكالة وضرب الوكيل الذي حبسه بل مسك بعض جماعة القاضي وحبسه في حبس نفسه حتى شفع فيه، وأمر بمطالبة القاضي وجماعته من أخذ الحب الذي قبضوه وقدره نحو خمسين إردبًا. وتفصيل غالبه للقاضي الشافعي ثلاثة عشر إردبًا وللمالكي سبعة
стр. 617
ولابن أخي الشافعي ثلاثة وثلث ولشيخ الفراشين ثلاثة وثلث وللمحبي ابن الشيخ أيوب ثلاثة وثلث وللمحبي الحناوي ثلاثة وثلث وللشيخ حسين بن ناصر ثلاثة وثلث وغير ذلك مما فيه.
وألزم الحاكم الجماعة بإعطاء الحب أو ثمنه. ويقال إن بعضهم سلم دراهم وبعضهم عقد بعضا (١). وتشوش القاضي من هذا الفعل وعزم للتوجّه لصاحب مكة في جهة اليمن. وكثر من الناس الكلام، بما لم يفدهم غير الملام.
وفي عشاء أول الشهر عمل زفة بالمفرعات والشموع ومشى فيها القضاة الأربعة من بيت قاضي المالكية التاجي بن يعقوب لأجل صلاة التراويح لولدي اختيْه أولهما السيد حسين ابن الخواجا أبي بكر القبيباتي ومات والده وصلّى في مقام المالكية، وثانيهما ابن الخواجا المسعودي المغربي، وهو ساكن في باب العمرة وصلّى في مقام الحنابلة. وأنكر الناس فعل هذه البدعة لكون قاضي الشافعية الجديد الزيني عبد اللطيف بن أبي كثير أبطل الزفة في ليلة المولد الشريف إلى محله بسوق الليل وسموه لأجل قوله فيها بدعة "قاضي بدعة".
وفي ثالثه وصل لمكة من جدة بحرًا شاووش رومي بأخبار نصرة الخنكار على أهل العجم وصحبه شيخ الدلالين جعفر الرومي وأشيعت (٢) عدة أخبار لم تتحقق.
وفي عصر يوم السبت رابع شهر رمضان عزم القاضي الجديد الزيني عبد اللطيف أبي كثير على السفر لجهة صاحب مكة السيد أبي نمي الحسني في جهة اليمن ودخل الطواف صحبة أخيه الكبير الخطيب جمال الدين محمد بعد صلاة العصر وطلع من باب العجلة جهة منزله ولم يوادعه أحد مسن الفقهاء وهم بعضهم جالس في المسجد ينظره وبعض قرابته وأتباعه وكثر كلام الناس في سفره
стр. 618
في هذا الشهر وقت الصوم من غير ضرورة ملحة لذلك إلّا حط النفس، نعوذ بالله منها. [فإنه مكابر كثير التجرّؤ] (١).
وأشيع أن خرشخانته (٢) انكسرت في أول مرحلة وأنه سُرق وأخذت فرسه التي يركبها وصحبه الشاووش الرومي وجعفر شيخ الدلالين لملاقاة صاحب مكة.
[مع علمه بأن صاحب مكة لا يريد وجهه] (٣).
وفي صبح ثاني تاريخه تبعهم خصمه الآغا تنم الجاركسي ومعه بعض أصحابه على ركاب أعطاهم القائد مرشد صاحب مكة مع مطالعات لسيده السيد أبي نمي يخبره بقصتهم وما جرى بينهم. والله يصلح الأحوال.
ثم اتفق في يوم السبت حادي عشر الشهر أن قاضي المالكية التاجي عبد الوهاب بن يعقوب ضرب الشيخ العدل صلاح الدين محمد بن أحمد بن .... (٤) المعناوي المالكي ضربًا مبرحًا على رجله بالعصا والفلقة وجسده وبعضها بيده، وتكرر فعله لذلك في المجلس وذلك لواقعة حال وقعت له معه وموجبها مراجعة القاضي في مذهبه بخلاف مقصده في قضية مبيع شهد فيه على شيخ ثقيف العفيف عبد الله بن محمد النغر في أرض بالطائف، ورفيقه فيها العدل الزيني عباس ابن القاضي أبي المحاسن بن الضياء الحنفي اشتراه الشيخ مصطفى الرومي الشهير بالمنتشوي وأرادوا ثبوته عنده لجميع الأرض التي .... (٥) مشترك مع الخواجا نعمة الله العجمي صهر السيد محمد الحكيم. وكان صهره اشترى نصف الأرض في شهر رجب ومات ولده قبل إقباض الثمن فتشاءم بها وطلب الإقالة من صاحبها العفيف
стр. 619
النغر فقابله وباعها للشيخ مصطفى وشهد الشهود ببيع جميع الأرض مع نصف غراس الشجر والثمر. وقال الشيخ صلاح الدين المعناوي للمتبايعين الغراس باطل على مذهبي وعندي النقل بذلك فكذبه القاضي تاج الدين ويقال صدرت (١) منه كلمات في علماء مذهبه أنكرها من سمعها عنه ولأجلها ضرب الشاهد ولمخالفته في الشهادة الجميع المبيع وثبوته عند قاضي الحنفية أبي السرور ابن الضياء بعد أن كانت الدعوى عنده من شهر شعبان واختفى الشاهد الثاني وتشفع بالقاضي الشافعي المفصول البرهاني بن ظهيرة فحماه لكن المالكي منعهما من الشهادة مطلقًا. وكثر كلام المغرضين في هذه القضية، والله أعلم بحقيقتها.
واتفق في ليلة الجمعة سابع عشر الشهر وصول الخبر لمكة بواقعة عظيمة وقعت لصاحبها السيد الشريف أبي نمي محمد بن بركات مع وزيره القائد الكبير جوهر المغربي السحرتي (٢) وكان عبد والده فأعتقه هو لتربيته له وقيامه بولايته عقب وفاة والده فكان يتصرف عليه. فزاد القائد في تصرفاته وأمعن في مخالفته وتجرأ عليه بزواجه لأخته من أبيه الشريفة مصباح. وكان يظهر لسيده خدمتها وبالدخول عليها لتعظيمها مع انقياده لها وميله إليها. واستمر على ذلك نحو عشر سنين فاطلع على خبرهما أخوها الشريف ثقبة فسمّه القائد حتى مات في سنة خمس وثلاثين وتسعمائة وشاع هذا في الآفاق بين الناس وكثر فيه الكلام بين الأكابر والأوباش ولم يطلع شقيقه السيد أبو نمي على حقيقة ذلك إلّا في أول العشر الثاني من شهر تاريخه هنالك. ففاوض شقيقه أبا القاسم ومقدمه القائد ياقوت بن عجلان الجبرتي الحبشي في قتل القائد وأخته وقال لهما اخترتكما لذلك، فقالا له: لو طلبت أنفسنا، لبلغناك واهنًا لك. فوافقاه على طلب القائد جوهر إليه وأن
стр. 620
يقضوا (١) حاجته قبل وصوله إليه. فأمر بعض عبيده الوصفان من جزل لكونهم ضد سحرت بطلبه والبطش فيه، فطلبوه إلى سيده في ليلة الأربعاء نصف شهر تاريخه فبطشوا به عند خروجه من منزله وخنقوه خنقًا بالحبل وضرب الجنبية في بطنه. وأمر سيده بدفنه في موضعه بثيابه.
ثم إن الشريف أبا القاسم توجّه لأخته الشريفة مصباح فخنقها في مضربها وضيق عليها المهالك ثم جهّزها إلى الواديين ودفنها على أختها شامة هنالك. وأمر السيد أبو نمي بعدم النعي عليهما ووضع يده على مخلف أولهما ونقل خزانته إلى محله وكذا خيوله، ويقال عدتها في الفريق نحو الخمسين ومفرق عند العرب مثلاها (٢) ومن الإبل نحو ثمانية آلاف وغير ذلك من الدروع والرايات والأصائل والبيوت والأملاك.
وأرسل الشريف جماعة لمكة وجدة والوادي بالختم على بيوته وحواصله وطلب المباشرين له وجميع أتباعه لسؤالهم (٣) عن جهاته مع كونه مزوج بشريفة من أهل اليمن وله منها ولدان صغيران لكن العبد و ما ملك لسيده، وهو غرس نعمته.
وكان هذا من الذل بعد العز فسبحان المعز المذل. وعجب الناس من جرأة المنتقم ممن عصاه وخالف أمره واتبع هواه.
وهذه القصة موافقة لفعل جد صاحب هذه القضية السيد محمد بن بركات صاحب مكة .... (٤) وزيره القائد محمد بن بديد في سنة ٨٧٣ هـ[١٤٦٨ م] كما ذكره جدي الحافظ نجم الدين عمر بن فهد المكي وكان قبله مع خاله أحمد بن قفيف بحضرته بين وادي أبي عروة والجموم وادي مر وحملا إلى مكة ودفنا بالمعلاة
стр. 621
ونادى أن لا يناح عليهما (١).
وأعظم من هذه القضية في المواقف الموافقة فعل الخليفة الرشيد مع وزرائه البرامكة، وذلك أن الإمام أبا مروان عبد الملك بن بدرون (٢) الحضرمي قال في شرح قصيدة طوق الحمامة للأديب عبد الحميد بن عبدون (٣) التي رثى بها بني الأفطس وأولها:
الدهر يفجع بعد العين بالأمر … فما البكاء على الأشباح والصور
عند قوله:
وأشرقت جعفرًا والفضل يرمقه … والشيخ يحيى بريق (٤) الصارم الذكر
وملخص كلامه: قتل هارون الرشيد جعفر البرمكي سنة تسع وثمانين ومائة [١٨٩ هـ / ٨٠٥ م] وكان جعفر قد بلغ من الرشيد ما لم يبلغ وزير خليفة، حتى كان يدخل معه في حلة واحدة ويحكم فيما شاء من أمر ماله وولده (٥). وكان الرشيد يحبه حبًا شديدًا حتى كان لا يفارقه. وكانت العباسة أخته عنده من أحبّ
стр. 622
الناس إليه، وكان لا يريد أن يفارقها (١) وكان متى غاب عنه جعفر وعباسة لا يتم سروره، فقال: يا جعفر لا يتم سروري إلا بك وبالعباسة ولكني أزوجها منك ليحل لك الاجتماع معها وإياكما أن تجتمعا وأنا دونكما فتزوجها على هذا الشرط فبقي على هذه الحالة ما شاء الله تعالى، حتى احتالت العباسة بالخديعة لأمه فجعلت نفسها جارية فدخلت على جعفر وهو عمل في السكر فوطئها وحملت منه وظهر منها ولد. فولدت (٢) له غلاما وسمّتْه رياش وحاضنته تسمى برة (٣) فلما خافت ظهور الأمر غيّبتهم إلى مكة. فقدر الله تعالى أن زبيدة أم الأمين تشوشت من يحيى بن خالد البرمكي وشكتْه إلى الرشيد فلم يقبل كلامها فيه وقال: يحيى عندي حرمتهم في حرمي قالت: لو كان ذلك كذلك لحفظ ابنه جعفر عما ارتكبه! فقال لها وماذا ارتكب؟ فخبرته بخبر العباسة، فطلب الدليل على ذلك فقالت: وأي دليل أدل من الولد؟ قال وأين هو؟ قالت لما خافت أمه وجهت به إلى مكة، قال: وعلم بهذا أحد سواك؟ قالت ما في القصر جارية إلّا وقد عرفت به. فسكت عنها وأظهر أنه يريد الحج فخرج ومعه جعفر، فكتبت العباسة إلى الداية والخادم أن يخرجا بالصبي نحو اليمن. فلما وصل الرشيد لمكة بحث عن هذه القصة فوجدها صحيحة فأضمر في البرامكة لأجل ذلك إزالة نعمتهم (٤). ولأبي نواس أبيات تدل على طرف هذه الواقعة، وهي:
ألا قل لأمين الله … وابن القادة السادة
إذا ما ثالث سر … كان يقعد ......
стр. 623
فلا تقتلنه بالسيف … فروحه بعباسة (١)
قال ابن بدرون (٢) ثم دعا الرشيد المهدي بن شاهك (٣) وهو أحد قواده فأمره بالمضي إلى بغداد دار السلام وأن يتوكل بالبرامكة ودورهم وأتباعهم (٤) وأن يجعل ذلك سرًا من حيث لا يعلم به أحد حتى يصل إلى بغداد. ففعل المهدي. وكان الرشيد بالأبيار بموضع يقال له الغمر ومعه جعفر فمضى إلى موضعه فدعا الرشيد بأبي ريحان الأعمى الطنبوري (٥) ومدت الستارة وجلس جواريه خلفها يضربن ويسقين وأبو الريحان يغنيه:
ما يريد الناس منّا … ما ينام الناس عنّا
فدعا الرشيد ساعته من بياسر - غلام من غلمانه ويدعى مرحلًا - فقال يا ياسر، إني دعوتك لأمر لم أر له أولادي محمدًا ولا عبد ولا عبد الله ولا القاسم أهلًا ورأيتك ناهضًا به فحقق ظني واحذر أن تخالفه فيكون سبب سقوط نعمتك عندي. قال: يا أمير المؤمنين لو أمرتني بقتل نفسي لفعلت قال اذهب إلى جعفر بن يحيى وجئني برأسه الساعة على أي حال تجده. فوقف ياسر حائرًا (٦) لا يجد جوابًا. فقال: ألم أتقدم إليك إن خالفت أمري؟ قال بلى ولكن الأمر عظيم ووددت أني قد متّ قبل هذا قال امض لما أمرتك. فمضى حتى دخل على جعفر ومغنيه يقول هذه الأبيات:
стр. 624
فلا تبعد فكل (١) فتى سيأتي … عليه الموت يطرق أو يغادي
ولو أفْديتُ من حدث الليالي … فديتك بالطريف وبالتلاد
وكل ذخيرة لا بد يوما … وإن بقيَتْ تصير إلى نفاد
فقال: يا ياسر سُررت بإقبالك وشوقتني بدخولك بغير إذن. فقال: الأمر أكبر هذا وأعظم إن أمير المؤمنين أمرني بكذا وكذا، فأقبل جعفر يقبل قدم ياسر ويقول: دعني أدخل قال: لا سبيل إلى ذلك ولكن أوص بما شئت، قال: إن لي عليك حقا ولن تجد مكافأتي إلّا في هذه الساعة، قال: تجدني سريعا إلّا فيما خالف أمير المؤمنين. قال: فارجع إليه فأعلمه أنك قد نفذتَ ما أمرك به، فإن أصبح نادمًا كانت حياتي على يديك وكانت لك عندي نعمة، وأن أصبح على مثل مذهبه نفذت ما أمرك به قال وهذا لست أفعل قال فأسير معك إلى مضرب أمير المؤمنين بحيث أسمع كلامه ومراجعتك إياه، فإذا أبليت عذرا ولم يقنع إلا .. (٢) برأسي إليه فعلت، قال: أما هذا فنعم.
فسارا جميعًا إلى مضرب الرشيد فلما سمع حسه قال: يا ياسر، قال: ما وراءك؟ فعرّفه ما قال جعفر، فقال: يا عاض من أمه والله لئن راجعتني لأقدّمنّك قبله، فرجع وقتله وجاءه برأسه، فلما وضعه بين يديه أقبل عليه ثم قال: يا ياسر جئْني بفلان وفلان فلما أتاه بهما قال لهما اضربا عنق ياسر، فإني لا أقدر أن أرى قاتل جعفر (٣).
ثم نقل ابن بدرون عدة روايات في سبب قتل البرامكة وكلها موافقة لقصة أخته العباسة ثم قتلها خفية.
وهذه سمة الأكابر في الزمن الخالي والغابر، وفيه عبرة للمعتبر، ومَن خالف أمر
стр. 625
الله وما انزجر (١)، خصوصًا فعل الأطراف مع السادة الأشراف الذين أصلهم من نبعة الرسول، وأمهم فاطمة الزهراء البتول، وأقامهم في حرمه الأمين، لحماية المسلمين.
وكان من الاتفاق تشاؤم القائد بتوجه القاضي إليه لسيده ونزوله في الفريق عليه لأنه السبب في ولايته ومعارضه في أمره، وأقام عندهم ثلاثة أيام وأصلح الشريف بين القاضي وخصمه حتى يراجع الناظر في القاهرة بأمره فإما يسمح له بما قبضه أو يرده إلى أربابه. وخرج من الفريق ليلة الإثنين قبل قتل القائد بيومين. ووصل الخبر لمكة في ليلة وصوله فكان ذلك من أغرب الغرائب، وأعجب العجائب.
ووافق حدوث هذه الأخبار من الصغار والكبار، أن الشريف أبا نمي أمر بزينة أسواق مكة ثانيًا لوصول الشاووش يخبره بنصرة الخنكار سليمان خان بن عثمان على أهل العجم وابتدئ بفعل ذلك يوم الأحد تاسع عشر رمضان المعظم.
وفي حادي عشري الشهر ختم في مقام الشافعي صلاة التراويح وصلّى فيه الزيني عياض ابن الإمام محمد بن عبد البر بن أبي السعادات الطبري وقام به عمومته وأقاربه.
وفي ليلة خامس عشري الشهر ختم في مقام الحنفي الجمالي أبو حامد ابن الإمام شهاب الدين أحمد البخاري بعناية أخيه الجمالي محمد. وصلّى معه وزير الهند آصف خان، وغيره من الأعيان، وأنعم عليه بعد الختم آصف خان، تقبل الله ذلك منه.
وفي ليلة الإثنين سابع عشري الشهر ختم في مقام المالكي وعمل قاضي القضاة التاجي عبد الوهاب المالكي لابن أخته كمالية والسيد حسين بن أبي بكر بن إبراهيم القبيباتي الدمشقي زفة من منزله بالقضاة والفقهاء والمفرعات والشموع إلى المقام
стр. 626
وأوقدت فيه الثريات والمسرجة النحاس بكثير من الزيت وخطب الولد عقب الصلاة خطبة بليغة دعا فيها لسلطان الروم سليمان خان ابن عثمان وصاحب مكة السيد أبي نمي وناظر المسجد الحرم قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف باكثير الحضرمي الأصل الكندي وخاله قاضي المالكية. وشكره الناس في تأدية الخطبة لبلاغته وقوة جنانه. وخلع (١) عليه الشافعي قفطانًا مدنرًا، ويقال إنه من خاله. وأنكر الخاصة والعامة فعل هذه البدعة لمنع الناظر من عمل زفة المولد النبوي في وقتها المعتاد.
وكان في بعض الليالي قبل تاريخه عُمل ختم لبعض الصغار في صلاة التراويح فحضره القضاة الأربعة ورجمهم بعض العامة ونسب الناظر المفصول فعل ذلك لبعض أولاد الزيني من الفقهاء فشكاه على قريبه قاضي القضاة الشرفي المالكي المتكلم عليه. وتعصب له بعض قرابته الحرازيين وأكثر على الناظر الكلام بما لم (٢) يفده غير الملام. فحضه القاضي شرف الدين وألزم … (٣) والحرازيين بالحضور عنده في ليلة ختم مقام المالكي المذكور فلازموه عند ذلك فسكنت الفتنة.
ثم في ليلة الأربعاء تاسع عشري الشهر عمل القاضي تاج الدين المالكي أيضًا زفة ثانية من باب العمرة إلى مقام الحنبلي لأجل الختم فيه لابن أخته ست الجميع هو .... (٤) ابن الخواجا عبد الرحمن المسعودي المغربي بالقضاة والفقهاء والمفرعات والثريات. وكانت أخف من الأولى والجمع فيها، ولم يخطب الولد.
ثم أمر القاضي الشافعي بعض الشهود بباب السلام بطلوع جبل أبي قبيس لرؤية هلال عيد شوال فلم يروه وتم صيام أهل مكة ثلاثين يومًا (٥) والله الحمد وترك
стр. 627
الطلوع بنفسه. ثم رؤي الهلال كاملًا ليلة الجمعة وجمع فيه عيدان للجمعة وللفطر.
وفي صباحها خطب للعيد الخطيب الجديد القاضي جمال الدين محمد ابن شيخنا عبد الله باكثير أخو (١) القاضي الشافعي الجديد خطبة لطيفة. وبعد فراغها مشي بأعلامه إلى منزل أخيه القاضي الشافعي وأفطر عنده ضخامة له وتوفرة على نفسه من الكلفة. وبعض الناس ذمه على فعله لكونه أكبر سنًا من القاضي. وخطب في ظهر الجمعة الخطيب محيي الدين العراقي.
ووصل في العشر الأول من شوال شهر تاريخه نحو عشرين مركبًا من الهند يُقال خمسة من تحت الريح وخمسة من كاليكوط والباقي من غيرها وبعضها من كنباية والديو. وفيها عمة السلطان بهادر شاه ابن مظفر شاه الأحمد آبادي ووزيران له هما حميد الملك أخو وزيره المتقدم آصف خان، وهو أكبر منه، وشمس خان وغيرهم من الأتباع، والخواجا خليل بن .... (٢) الكيلاني أمين المبرة البهادرية كان، ومعهم جملة من الأموال والتحف وخفي على دولة الأروام أمرها لكونها نُسبت للتجار من أربابها.
ورخصت البضائع الهندية ونزل سعر الذهب بمكة وجدة كل أشرفي سبعة وثمانية كبار. وتعطل كثير من المتسببين بل انكسر، وعلى الله الجبر.
ووصلت الأخبار معهم بانتصار سلطان المغل محمد همايون وتولية أخيه عوضه وتفرق العسكر عنه وأن السلطان بهادر متطمّع بعود بلده إليه، والله أعلم.
وفي ليلة السبت تاسع شوال سافر القاضي الشافعي الزيني باكثير لبندر جدة ودخل مكة الوزيران القادمان حميد الملك وشمس حسان وغيرهم من عسكر الوزير وأتباعه وأنزل أخاه بجانب سكنه الجديد الذي انتقل إليه من أول شهر تاريخه وهو
стр. 628
بيت السيد علاء الدين ملك التجار عمارة الخواجا عبد الرحمن بن علي الدمشقي بالقرب من باب العجلة أحد أبواب المسجد الحرام. واغتبط به لسعته وتحصيل البيوت الموافقة له، والجماعته كبيوت الشيخ حاتم المغربي وحوش الشيخ عمر الشيبي لخيله وحوش دار العجلة لمطبخه. وكان قبل ذلك محصورًا في سكنه مع عيال سلطانه فسكن هو وإياهم في البيت المذكور، وانشرحت منه الخواطر والصدور.
واتفق في نصف شوال المذكور وصول الخواجا خليل الكيلاني واجتمع بوالده وهو مريض ففرح بجمع الشمل به وأقام عنده أيامًا يسيرة ثم توجّه لجدة لمهمات الوزير فمات والده في ثالث يوم عزمه وهو يوم الإثنين ثامن عشر الشهر، وجهّزه وكيله الشيخ أبو زرعة المنوفي العدل، ودفنه بالمعلاة وطلع. معه الأعيان وتشوش لغيبة ولده عنه كل إنسان.
وفي عشاء ليلة الجمعة ثامن عشري الشهر وصل لمكة صاحبها السيد أبو نمى الحسني وهرع الأعيان وأرباب الوظائف للسلام عليه فوجدوه منشرحًا لتمكنه، فقد قتل وزيره.
وفي عصر تاريخه توجّه له وزير سلطان الهند آصف خان وصحبته شمس خان وعمدة الملك وغيرهم من أتباعهم ركبانا على الخيل وبعضهم مشاة فسلموا على الشريف أبي نمي في مقعده وسقاهم سكرًا مذابًا. وكان قاضي المالكية التاجي عبد الوهاب بن يعقوب توجّه للشريف قبلهم وأخبره بقدومهم إليه فتهيأ لهم ثم بعد بروزهم من عند الشريف أرسلوا لصهريه من القماش بَقْجتين ومَرْطَبَانًا (١) صينيًا لا يُعلم ما فيه ونقدًا من الذهب يُقال خمسمائة سلطاني.
стр. 629
شهر ذي القعدة الحرام استهل ناقصًا بالأحد من سنة ٩٤٢ هـ (١٥٣٦ م)
وفي صبح ثانيه توجّه صاحب مكة السيد أبو نمي للسلام على وزير الهند آصف خان في منزله بيت ابن الشيخ علي عند باب العجلة فسقاه سكرًا مذابًا وطباقية وتنبلا وكافور الحي (١) مع الطيب بالزياد وغيره على قاعدة بلد الهند. ولما توجّه لمنزله أرسل له نقدًا مع السيد نور الدين أحمد الإيجي أحد المقربين عنده، يقال ألف سلطاني بأربعة آلاف أشرفي لسلام الوزير أولًا ونصفها لسلام الشريف له فأخذ نصفها الأول ورد الثاني، وقال: ما توجّهت إليه إلّا لإكرامه لا لطلب شيء من نقده. فتشوش من مواجهته لها من غير واسطة من جهته.
وفي ظهر تاريخه فتح السيد أبو نمي بيت وزيره المقتول القائد جوهر المغربي ووجد فيه كثيرًا من السلاح والدروع والزانة وبعض نقد استعمله وفاء الرحمة عليه وقال: ضيّع مالي.
ثم إن الشريف أبا نمي توجّه إلى جدة في عصر يوم الخميس رابع الشهر وصحبه بعض عياله من النساء، وخرج لوداعه الوزير آصف خان ورفقته قاضي القضاة التاجي المالكي على خيول والحقوه عند درب الشبيكة أسفل مكة المعروفة بكُدَى - بالضم والقصر -. وكان النبي ﷺ يخرج منها عند سفره من مكة. ورجع الوزير وهو راكب على فالكي عُمِلَ له في مكة وهو عجل يسوقها فَرَسان. واستخف الناس بعقله، والله تعالى يلطف به وينظر إليه بعدله.
وتوجّه الشريف أبو نمي إلى الوادي وأقام به يومًا ثم توجّه إلى بندر جدة فدخلها صبح يوم الأحد ثاني الشهر وسكن في بيت الخواجا الزرقاني قرب حارة
стр. 630
الشيخ عبد الله المظلوم، وأزال عنها جملة من الظلوم ووَلّى وعزل وخدم فيها بالبذل.
منها أن في عاشر الشهر ولى الوزير بها الجمالي محمد بن أحمد المريسي رأس الكتاب بها يقال بنحو أربعين ألف أشرفي وألبسه خلعة لذلك. وولى حكم جدة للقاضي ريحان الحبشي عتيق والده السيد بركات الحسني عوض الجمالي محمد ابن القائد جوهر المغربي، يقال بمبلغ يسير.
واتفق في مجلس السيد أبي نمي صاحب مكة خصام بين قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف باكثير والسيد علاء الدين ملك التجار بسبب مطالبته بتركة زوجته بوصول مرسوم له يقال من نائب مصر خسروه الرومي (١) أو الأبواب الخندكارية بواسطة مكاتبتهم من قاضي الشافعية المذكور. وتجرأ على السيد بلسانه وتكلم في نسبه وصار يتهدده بشكواه، ويظهر ذلك في سره ونجواه، فخصص (٢) السيد أبو نمي عليهما ونصر جانب ثانيهما، والله تعالى ينظر إليهما.
واستمر السيد أبو نمي بجدة حتى عاد لمكة في سادس عشر الشهر بعد دخوله للوادي ذهابًا وإيابًا وهرع الأعيان للسلام عليه ثم عاد لوادي الدكناء مرة ثانية لأجل بيع ثمر النخيل قبل احمراره واصفراره خوفًا من إتلاف الحاج له، وذلك جائز على قاعدة مذهب الحنفية في بيع الثمر الأخضر .... (٣). وأقام به يومًا ثم عاد لمكة.
وكانت الكعبة الشريفة شُمّر ثوبها على العادة في يوم الثلاثاء خامس عشري الشهر.
وفي عصر يوم الأربعاء ثاني تاريخه وصلت لمكة راحلة من ينبع لصاحبها
стр. 631
السيد الشريف أبي نمي بأخبار الحاج المصري وأنه كبير وغالبه عفش وصحبته قاصد وزير الهند آصف خان ورفقته كيخيا نائب الديار المصرية الرومي، ومكاتبات منهما للوزير بتطمين خاطره، وأن الخنكار أنعم عليه بما يرومه وزيادة مع إكرام قاصده واحترامه سفرًا وحضرًا. فسر الوزير بذلك، وأظهر الفرح هنالك، ووعد أهل مكة بتفرقة مبرّتهم قبل طلوعهم عرفة.
ثم في عصر يوم الجمعة ثامن عشري الشهر دخل مكة الكيخيا الرومي وقاصد وزير الهند وهو يافعي، وتوجّها للوزير إلى منزله ودفعا له مراسيم بإطلاق الخنكار لأموالهم ويسمح لهم بمعشرها وأنعم على الوزير بمبلغ عشرة آلاف أشرفي وثلاثمائة حمل من الأرز والقمح والسكر والقطر (١) وغير ذلك للمنفعة فزاد سروره وعظمته، ونزل الكيخيا في مدرسة الأشرف قايتباي ثم تحول إلى قصر الغوري على علو باب إبراهيم بأمر صاحب مكة.
وفي ظهر يوم السبت هجم الحاج المصري بدخول مكة المشرفة زادها الله تشريفًا وتعظيمًا.
ووصل أميرهم الكاشف مصطفى الجاركسي، وكان وصل قبل ذلك في سنين ثلاث إلى الزاهر ودخل مكة في عشاء ليلة الأحد ثاني تاريخه وطاف وسعى [وعاد] (٢) للزاهر وبات فيه إلى صباحه.
وفي صباحه خرج للقائه به صاحب مكة السيد أبو نمي الحسني بعسكره فخلع عليه وعلى ولده السيد أحمد وهو مراهق وقاضي الشافعية الجديد الزيني عبد اللطيف باكثير والسيد عرار بن عجل الحسني الناظر بجدة وقاضي المحمل المصري القاضي محيي الدين عبد القادر بن محمد القاهري الحنفي ويعرف كجده بابن
стр. 632
الدهانة - جدته - وهو فاضل متحرك متودد ونزل أمير الحاج عند البركة بالمعلاة في خيامه وتوجّه الشريف إلى منزله وسكن أمين المبرّة الرومية وهو شيخ في المدرسة الباسطية.
شهر ذي الحجة الحرام استهل كاملًا بالإثنين من سنة ٩٤٢ هـ (١٥٣٦ م)
وفي ضحى تاريخه حضر في الحطيم تحت زمزم ابن صاحب مكة السيد أحمد بن أبي نمي الحسني لتوعك والده ومعه بعض جماعة أبيه وأمير المصري الزيني مصطفى الجاركسي والقضاة الأربعة وغيرهم من الخاصة والعامة.
وقرئت سبعة مراسيم: أولها لصاحب مكة، وثانيها لأمير الحاج بالوصية، وثالثها للشريف عرار بن عجل الناظر بجدة، ورابعها للقاضي الشافعي الزيني عبد اللطيف باكثير، وخامسها لقاضي المالكية التاجي عبد الوهاب بن يعقوب، وسادسها لقاضي المحمل وأنه من أهل العلم، وسابعها الكشف عن تركة قاضي الحنفية بديع الزمان ابن الضياء المتوفى عام تاريخه لأجل أخصامه ورثة الحنائي، ووصل زوج ابنته مع الحاج فلم ينتج شيئًا، والله قبيله. وترك أمير الحاج قراءة مرسوم ثامن حضر في المجلس كان السبب في كتابته القاضي فضيل بن ظهيرة من مصر في التفتيش على القاضي الشافعي الزيني عبد اللطيف باكثير من جهة الصدقة البخشية وغيرها من التركات التي وضع يده عليها. فتركه أمير الحاج لعمل مصلحته وكون الناس كانوا يلهجون بذكره. ثم خلع أمير الحاج على الشريف أحمد خلعة أبيه وعلى القاضيين الشافعي والمالكي من عنده لطلب خدمتهما له. وهنأهما الفقهاء بذلك.
ثم في ضحى يوم تاريخه شرع أمين الرومية في تفرقتها في محل سكنه
стр. 633
بالباسطية، وأقام ثلاثة أيام متوالية وفي آخرها أعطى تعلق الأربطة لمشائخها. وكان قبضها هنيًا لكنه أحدث مضرة على الغيّاب من أهل الصر لقطع تعلقهم لغيبتهم، وقال ذلك بمرسوم معه مع قطع أسماء بعض جماعة ممن له صر كبير من كبير من الأروام. وكثر الكلام بما لم يفدهم غير الملام. وغالبها ذهب قبرصي (١).
وفُرقت الذخيرة في المدرسة الأشرفية على يد خازندار أمير الحاج وقاضي المحمل وشهوده وكانت سهلة لكونها ذهبًا. وفُرق جميع صر أهل مصر على يد أخي قاضيها الرومي، وكان محرمًا بالحج متجردًا على ثيابه مدة مقامه بمكة قبل الحج وهو شرح (٢) لطيف، وحضر معه قاضي المحمل وشهوده وقاضيا مكة الشافعي والمالكي عدة ليال لغالب الليل ثم تعبوا وتركوه لكون التفرقة ذهبًا وأشرك المستحقين فيها مع قلة استحقاقهم في المخلفات وحصل الضرر لهم وله ووعد بإرسالها فضة في السنة الآتية إن شاء الله تعالى. وكان حريصًا على تكميلها قبل توجّهه لعرفة فما أمكن لكون بقية بيت الشافعي من الحكمي والمستجد حوالة على السبرج والغازية الواصلة مع الحاج الشامي.
وتكلم قاضي الشام الواصل صحبة الركب عام تاريخه وهو فخر الدين بن إسرافيل الآتي ذكره فلم يتهيّأ فعل ذلك قبل الحج لضيق الوقت ثم تركهم عند قاضي مكة الشافعي على عادته في السنين المتأخرة بعد إقباضه لبعض المستحقين وتضرر باقيهم من تخلفه. وإثم ذلك على من سبّب تأخره في بدايته. والمستعان بالله.
وفي ليلة الجمعة رابع الشهر وصل جماعة من الحاج الشامي وأخبروا بوصوله، وكان سبب تأخيرهم سوء تدبير أميرهم وهو قاسم بك الرومي نائب البيرة. ووصل قبل تاريخه أميرًا على الحاج الشامي مع قوة سيره في بعض المناهل. ثم إنه وصل لمكة
стр. 634
قبل حاجه في ليلة الجمعة ثاني تاريخه فطاف وسعى وعاد إلى الزاهر وأقام به يومًا وليلة ثانية حتى وصل حاجه.
وفي صباح يوم السبت سادس الشهر لاقاه صاحب مكة السيد أبو نمي من الزاهر وعرض بعسكره وخلع عليه خلعة بمفرده ومشى أمامه من الزاهر إلى المعلاة قبالة تربة أبيه، وسلم عليه وعاد لمنزله. وعاد لمنزله وترك غالب الحاج الشامي بالأبطح على عادتهم وسكن بيوت مكة التجار وقاضي الشام فخر الدين بن إسرافيل في حارة قريش قرب سويقة الشامي في بيت الخواجا أبي بكر بن خربان الجديد. وهرع أرباب الوظائف للسلام عليه وتهور في الألفاظ وقال لهم: أعدُّ من بَرَكَة سفري هذه تركي لاستعمال الأفيون قليلًا وذلك لحر البلاد. وهو كاذب في قوله لما ظهر منه من الفساد في الأقوال والأفعال.
فإنه وصل صحبته جميع صر أوقاف الشام وحلب ولم يفد المستحقين لها وفرقها في مجالس عديدة ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا، ولازمه قاضي مكة الشافعي لسابق صحبته له، ويقال إنه .... (١) ثم تركه في آخر أمره لكثرة ضرره في صرفه وتوقفه في منع بعض المستحقين وإشراك بعضهم بعضا في الذهب مع نقصه في الوزن والصرف. وتصرف بتصرفات غير محمودة فتحيل عليه رب الكعبة المعبود (٢) بأن ينتقم منه في فعله.
ومن ذلك ما شاهدتُه في خلطه أنه صرف وقف سيدي من رسالته على المستحقين في مبراتهم … (٣) باشا ففرقت قبل فراغ الرسالة، فأنكر عليه المستحقون لها فراغها فتأمل في المجلس صُرَر الأوقاف الواصلة معه فوجد مبرة وقف سيدي لم
стр. 635
تُمْسَك، وأنه قسم غيرها فأعاد (١) حساب ما صرفه ورده لأصحابه.
أما صره الأربطة في الصندوق الشامي وعدتها أربعة آلاف وخمسمائة درهم فوضعها عنده وكتبها المباشرون (٢) عليه فأنكر قبضها وتصرّف فيها. وقرر جماعة ممن سأله في عدة صرر غاب أهلها وشعر بعضها ودفعها لمن قرره، له وكثر السؤال له فأرضاهم بكتابة أسمائهم عنده حتى يوم سفره فكان ضرره أكثر من نفعه. فالله تعالى يقابله بعدله. وهاداه صاحب مكة وأرباب الوظائف خوفًا من شره ولراحة (٣) الحاج الشامي.
ووصل لمكة حاج كبير من البحر شامًا ويَمَنًا وكذا من الشرق ومنهم سلطان البصرة راشد بن مغامس المنتفعي يجمع كبير يقال نحو عشرين ألف نفس، وكان دخولهم لمكة في سابع ذي الحجة ونزلوا عند جبل حراء.
وخطب خطبة السابع الشيخ الدين العراقي في ظهر يوم الأحد وتوجّه الحاج لعرفة في ثاني تاريخه.
وكانت الوقفة يوم الثلاثاء والحج هنيا والأسعار رخية والماء كثير في البرك والناس آمنون مطمئنون بحمد الله تعالى. أدام الله عليهم ذلك، وتقبل منهم وتجاوز عن خطاياهم.
ووقف في الموقف قاضي الشافعية وناظر المسجد الحرام الزيني عبد اللطيف ابن شيخنا عبد الله باكثير الكندي الحضرمي ومعه إخوانه وأقاربه وأسرع في النفر قبل عامه الماضي.
وفي أيام منى وقعت عدة هوشات بين العرب أهل الشرق وبين الأروام وبني