← История

История · id 30010

نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى

جار الله ابن فهد المكي

Полный текст (818 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

السيد الشريف أبي نمي بأخبار الحاج المصري وأنه كبير وغالبه عفش وصحبته قاصد وزير الهند آصف خان ورفقته كيخيا نائب الديار المصرية الرومي، ومكاتبات منهما للوزير بتطمين خاطره، وأن الخنكار أنعم عليه بما يرومه وزيادة مع إكرام قاصده واحترامه سفرًا وحضرًا. فسر الوزير بذلك، وأظهر الفرح هنالك، ووعد أهل مكة بتفرقة مبرّتهم قبل طلوعهم عرفة. ثم في عصر يوم الجمعة ثامن عشري الشهر دخل مكة الكيخيا الرومي وقاصد وزير الهند وهو يافعي، وتوجّها للوزير إلى منزله ودفعا له مراسيم بإطلاق الخنكار لأموالهم ويسمح لهم بمعشرها وأنعم على الوزير بمبلغ عشرة آلاف أشرفي وثلاثمائة حمل من الأرز والقمح والسكر والقطر (١) وغير ذلك للمنفعة فزاد سروره وعظمته، ونزل الكيخيا في مدرسة الأشرف قايتباي ثم تحول إلى قصر الغوري على علو باب إبراهيم بأمر صاحب مكة. وفي ظهر يوم السبت هجم الحاج المصري بدخول مكة المشرفة زادها الله تشريفًا وتعظيمًا. ووصل أميرهم الكاشف مصطفى الجاركسي، وكان وصل قبل ذلك في سنين ثلاث إلى الزاهر ودخل مكة في عشاء ليلة الأحد ثاني تاريخه وطاف وسعى [وعاد] (٢) للزاهر وبات فيه إلى صباحه. وفي صباحه خرج للقائه به صاحب مكة السيد أبو نمي الحسني بعسكره فخلع عليه وعلى ولده السيد أحمد وهو مراهق وقاضي الشافعية الجديد الزيني عبد اللطيف باكثير والسيد عرار بن عجل الحسني الناظر بجدة وقاضي المحمل المصري القاضي محيي الدين عبد القادر بن محمد القاهري الحنفي ويعرف كجده بابن

стр. 632

الدهانة - جدته - وهو فاضل متحرك متودد ونزل أمير الحاج عند البركة بالمعلاة في خيامه وتوجّه الشريف إلى منزله وسكن أمين المبرّة الرومية وهو شيخ في المدرسة الباسطية. شهر ذي الحجة الحرام استهل كاملًا بالإثنين من سنة ٩٤٢ هـ (١٥٣٦ م) وفي ضحى تاريخه حضر في الحطيم تحت زمزم ابن صاحب مكة السيد أحمد بن أبي نمي الحسني لتوعك والده ومعه بعض جماعة أبيه وأمير المصري الزيني مصطفى الجاركسي والقضاة الأربعة وغيرهم من الخاصة والعامة. وقرئت سبعة مراسيم: أولها لصاحب مكة، وثانيها لأمير الحاج بالوصية، وثالثها للشريف عرار بن عجل الناظر بجدة، ورابعها للقاضي الشافعي الزيني عبد اللطيف باكثير، وخامسها لقاضي المالكية التاجي عبد الوهاب بن يعقوب، وسادسها لقاضي المحمل وأنه من أهل العلم، وسابعها الكشف عن تركة قاضي الحنفية بديع الزمان ابن الضياء المتوفى عام تاريخه لأجل أخصامه ورثة الحنائي، ووصل زوج ابنته مع الحاج فلم ينتج شيئًا، والله قبيله. وترك أمير الحاج قراءة مرسوم ثامن حضر في المجلس كان السبب في كتابته القاضي فضيل بن ظهيرة من مصر في التفتيش على القاضي الشافعي الزيني عبد اللطيف باكثير من جهة الصدقة البخشية وغيرها من التركات التي وضع يده عليها. فتركه أمير الحاج لعمل مصلحته وكون الناس كانوا يلهجون بذكره. ثم خلع أمير الحاج على الشريف أحمد خلعة أبيه وعلى القاضيين الشافعي والمالكي من عنده لطلب خدمتهما له. وهنأهما الفقهاء بذلك. ثم في ضحى يوم تاريخه شرع أمين الرومية في تفرقتها في محل سكنه

стр. 633

بالباسطية، وأقام ثلاثة أيام متوالية وفي آخرها أعطى تعلق الأربطة لمشائخها. وكان قبضها هنيًا لكنه أحدث مضرة على الغيّاب من أهل الصر لقطع تعلقهم لغيبتهم، وقال ذلك بمرسوم معه مع قطع أسماء بعض جماعة ممن له صر كبير من كبير من الأروام. وكثر الكلام بما لم يفدهم غير الملام. وغالبها ذهب قبرصي (١). وفُرقت الذخيرة في المدرسة الأشرفية على يد خازندار أمير الحاج وقاضي المحمل وشهوده وكانت سهلة لكونها ذهبًا. وفُرق جميع صر أهل مصر على يد أخي قاضيها الرومي، وكان محرمًا بالحج متجردًا على ثيابه مدة مقامه بمكة قبل الحج وهو شرح (٢) لطيف، وحضر معه قاضي المحمل وشهوده وقاضيا مكة الشافعي والمالكي عدة ليال لغالب الليل ثم تعبوا وتركوه لكون التفرقة ذهبًا وأشرك المستحقين فيها مع قلة استحقاقهم في المخلفات وحصل الضرر لهم وله ووعد بإرسالها فضة في السنة الآتية إن شاء الله تعالى. وكان حريصًا على تكميلها قبل توجّهه لعرفة فما أمكن لكون بقية بيت الشافعي من الحكمي والمستجد حوالة على السبرج والغازية الواصلة مع الحاج الشامي. وتكلم قاضي الشام الواصل صحبة الركب عام تاريخه وهو فخر الدين بن إسرافيل الآتي ذكره فلم يتهيّأ فعل ذلك قبل الحج لضيق الوقت ثم تركهم عند قاضي مكة الشافعي على عادته في السنين المتأخرة بعد إقباضه لبعض المستحقين وتضرر باقيهم من تخلفه. وإثم ذلك على من سبّب تأخره في بدايته. والمستعان بالله. وفي ليلة الجمعة رابع الشهر وصل جماعة من الحاج الشامي وأخبروا بوصوله، وكان سبب تأخيرهم سوء تدبير أميرهم وهو قاسم بك الرومي نائب البيرة. ووصل قبل تاريخه أميرًا على الحاج الشامي مع قوة سيره في بعض المناهل. ثم إنه وصل لمكة

стр. 634

قبل حاجه في ليلة الجمعة ثاني تاريخه فطاف وسعى وعاد إلى الزاهر وأقام به يومًا وليلة ثانية حتى وصل حاجه. وفي صباح يوم السبت سادس الشهر لاقاه صاحب مكة السيد أبو نمي من الزاهر وعرض بعسكره وخلع عليه خلعة بمفرده ومشى أمامه من الزاهر إلى المعلاة قبالة تربة أبيه، وسلم عليه وعاد لمنزله. وعاد لمنزله وترك غالب الحاج الشامي بالأبطح على عادتهم وسكن بيوت مكة التجار وقاضي الشام فخر الدين بن إسرافيل في حارة قريش قرب سويقة الشامي في بيت الخواجا أبي بكر بن خربان الجديد. وهرع أرباب الوظائف للسلام عليه وتهور في الألفاظ وقال لهم: أعدُّ من بَرَكَة سفري هذه تركي لاستعمال الأفيون قليلًا وذلك لحر البلاد. وهو كاذب في قوله لما ظهر منه من الفساد في الأقوال والأفعال. فإنه وصل صحبته جميع صر أوقاف الشام وحلب ولم يفد المستحقين لها وفرقها في مجالس عديدة ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا، ولازمه قاضي مكة الشافعي لسابق صحبته له، ويقال إنه .... (١) ثم تركه في آخر أمره لكثرة ضرره في صرفه وتوقفه في منع بعض المستحقين وإشراك بعضهم بعضا في الذهب مع نقصه في الوزن والصرف. وتصرف بتصرفات غير محمودة فتحيل عليه رب الكعبة المعبود (٢) بأن ينتقم منه في فعله. ومن ذلك ما شاهدتُه في خلطه أنه صرف وقف سيدي من رسالته على المستحقين في مبراتهم … (٣) باشا ففرقت قبل فراغ الرسالة، فأنكر عليه المستحقون لها فراغها فتأمل في المجلس صُرَر الأوقاف الواصلة معه فوجد مبرة وقف سيدي لم

стр. 635

تُمْسَك، وأنه قسم غيرها فأعاد (١) حساب ما صرفه ورده لأصحابه. أما صره الأربطة في الصندوق الشامي وعدتها أربعة آلاف وخمسمائة درهم فوضعها عنده وكتبها المباشرون (٢) عليه فأنكر قبضها وتصرّف فيها. وقرر جماعة ممن سأله في عدة صرر غاب أهلها وشعر بعضها ودفعها لمن قرره، له وكثر السؤال له فأرضاهم بكتابة أسمائهم عنده حتى يوم سفره فكان ضرره أكثر من نفعه. فالله تعالى يقابله بعدله. وهاداه صاحب مكة وأرباب الوظائف خوفًا من شره ولراحة (٣) الحاج الشامي. ووصل لمكة حاج كبير من البحر شامًا ويَمَنًا وكذا من الشرق ومنهم سلطان البصرة راشد بن مغامس المنتفعي يجمع كبير يقال نحو عشرين ألف نفس، وكان دخولهم لمكة في سابع ذي الحجة ونزلوا عند جبل حراء. وخطب خطبة السابع الشيخ الدين العراقي في ظهر يوم الأحد وتوجّه الحاج لعرفة في ثاني تاريخه. وكانت الوقفة يوم الثلاثاء والحج هنيا والأسعار رخية والماء كثير في البرك والناس آمنون مطمئنون بحمد الله تعالى. أدام الله عليهم ذلك، وتقبل منهم وتجاوز عن خطاياهم. ووقف في الموقف قاضي الشافعية وناظر المسجد الحرام الزيني عبد اللطيف ابن شيخنا عبد الله باكثير الكندي الحضرمي ومعه إخوانه وأقاربه وأسرع في النفر قبل عامه الماضي. وفي أيام منى وقعت عدة هوشات بين العرب أهل الشرق وبين الأروام وبني

стр. 636

حسن أطفأها الله تعالى بركوب الشيخ راشد ورد جماعته عن أخصامهم (١). وكثر نهب الحاج من بني حسن المولدين ولم يلتفت السيد أبو (٢) نمي .... (٣) إما لعدم اطلاعه عليهم أو تغافلًا عنهم الجوعهم. فحصل الإشلاء عليه من الحاج. وعمل أمير الحاج المصري والشامي حراقة نفط في ليلة الجمعة ثاني التشريق ورحل الجميع في ظهر تاريخه إلى مكة ونزل الحاج الشامي في محطة المصري أول قدومه لأجل إقامته .... (٤) وطلع الحاج المصري فوقه قريب الأبطح. ووصل لأميره قاصد عربي من مصر في يوم سفره من مكة يوم الأربعاء سابع عشر الشهر من جهة ما فعله الخنكار من قتل وزيره الأعظم وتغيير الدول، وإن الأمير جانم الحمزاوي أمين مصر مقيم بالروم لاختياره في ملازمة الأبواب الشريفة، وأنه عُين للقاهرة أمين غيره رومي. ونسأل من الله تعالى حمايته لأن وجوده فيه نفع على العرب بالحجاز ومصر المداراته ودربته. ولم يظهر من لخير القاصد غير ذلك. وسافر أمير الحاج المصري ولم يُحدث شيئا من المظالم بمكة وكان ظاهر عليه قلة الحركة لضعف بدنه واختلال أمره. فالله تعالى ينظر إليه وإلى المسلمين، ويكتب سلامة المسافرين. وأرسل مع الحاج وزير سلطان الهند آصف خان هدية سلطانه بهادر شاه لسلطان الروم والعرب والعجم إسكندر الزمان صفوة الصفوة من بني عثمان أبي المظفر سليمان خان ثبت الله له الأركان من النطاق المكلل بالجواهر المثمنة وغيره

стр. 637

من الذهب والتحف .... (١) في عدة حمول رفقة قاصدهم ومرسومهم، فأعطى من النقد خمسة آلاف أشر في ذهبًا بنحو عشرين ألفًا. وكان خلاص أموالهم على يده في الثمان قبل التوجّه لعرفه ونقل إلى مكة ووضع في بيت الوزير وابتهج بها وتضاعف دعاؤه للخنكار بسببها. [فتصدق الوزير بمبالغ كبيرة من الخزانة] (٢). ورافق الهدية مع الحجاج عمدة الملك البناني وهو شَيْبة نيّرة ظاهر عليه الرئاسة، وصحبه العالم المفتي قطب الدين محمد ابن الشيخ المعتقد علاء الدين النهروالي المفتي الحنفي نزيل مكة والأصيل الجمالي أبو السعود ابن الشيخ عبد الباقي بن عبد الله بن جار الله بن زائد لطلب عمدة الملك لهما. وشفع عند صاحب مكة السيد أبو نمي في سفرهما معه بعد توقفه. وكان منع غيرهم من المكيين عن السفر صحبة الحاج في عام تاريخه وتضرر الناس من ذلك بقطع أرزاقهم من تحصيل مرتباتهم. والله يقدر خيرًا لهم. [والمانع لهم تعدي عبد اللطيف باكثير] (٣). وفي عصر يوم الخميس ثاني تاريخ سفر الحاج المصري عمل صاحب مكة السيد أبو نمي الحسني لعب حمام على الخيل بالأبطح قريب المعلاة بعسكره والطبلخانة تدق لهم لأجل زواج شقيقه السيد أبي القاسم على أخت زوجته ابنة السيد بساط بن عنقا الحسني واستمر على ذلك ثلاثة أيام متوالية من بعد العصر إلى المغرب، [والخيل تمْرح وتتسابق مع الانشراح] (٤). وفي مغرب ليلة الثالث آخر يوم السبت أوقدت شموع المسجد الحرام جميعها

стр. 638

وأربع مفرعات كبار ونحو ثلاثين مشعلًا للشريف وأمير الحاج الشامي من المعلاة صحبة العريس السيد أبي (١) القاسم وهو راكب فرسه والنساء حوله يروحن (٢) عليه بالمراوح - كعادة العرسان - وبعض عياله أمامه منهم شقيقه صاحب مكة. وكانت زفة بهجة لم يعمل لأحد مثلها وانتقد فعلها بعض العقلاء لكبر مقام العريس عليها فإنها لا تُعمل إلّا للأطفال. ثم لما نزل إلى منزله دخل على عروسته (٣) وجُليَتْ له في بشخانة من الحرير مكللة بالذهب. وعمل له سماط في صباحها دُعي فيه الأعيان من القضاة والفقهاء والتجار وغيرهم وأخذ الشريف لصقًا من التجار على العرس بطلب ذلك من كل واحد على قدره. [فألصق الناس مبالغ كثيرة] (٤). وكان فعل جميع هذا من الحوادث المستجدة من الدولة بمكة. [ولم يُعهد ذلك فيما سلف] (٥). واتفق من الحوادث لأمير الحاج الشامي وهو قاسم بك الرومي أنه نزل في محل أمير الحاج المصري بمدرسة الأشرف قايتباي في المسعى الشريف وطلب قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف باكثير وشقيقه نائبه الخطيب جمال الدين محمد فطالبهما بتركة آغا جان العجمي الذي مات سنة، تاريخه، وأن تُدفع لولده المراهق وعمره ثلاث عشرة سنة، لكون بعض عبيد أبيه وصل بمرسوم خندكاري من الروم لأمير الحاج الشامي بالتفتيش على تركته لإشاعة أن القاضي تصرف فيها. فقال له القاضي: لا أسلم له المال حتى يثبت رشده عند حاكم شرعي. فقال له

стр. 639

الأمير: جماعة يشهدون برشده وأنه بالغ. فوقع الكلام بينهما وتعصب للقاضي أحد الملْتمّين عليه، وهو الزيني ابن الشيخ أبي السعود المغربي مكبّر مقام الحنفية وهو يرطن بالرومية. فأمر أمير الحاج الشامي بضربه على مقعدته ضربًا مبرحًا حتى سكت أنينه ولم ينفعه قاضيه مع قدرة قاضي الأقضية، ووضع في الحديد وأرسل إلى محطة الأمير في باب المعلاة، وكذا القاضي المشار إليه وتوجّه إليهما مع جماعة من أعوان الأمير وجلس في خيمة السقائين حتى يحضر المال أخوه فبات عنده ليلة وتكلم أخوه القاضي الشافعي مع قاضي الشام فخر الدين بن إسرافيل فأرسل لأمير الحاج وأطلقه حتى وصل لمنزل القاضي ثم أرسل له جماعة بإحضاره فوضعه في الحديد ليلته إلى الصباح ثم فك عنه وصارت الرسل بين أخيه وقاضي الشام وأمير الحاج يتردد في أمره. وبلغ صاحب مكة ذلك فلم يتعرض له مع ميله للممسوك أكثر من أخيه لكنه نقم عليهما بسبب أخذ القائد جوهر المغربي المقتول من سيده لبعض التركة له يقال سنة آلاف أشرفي قماشًا. فقال: الشريف لم يبلغني إلا أخذ ألفين ثنْتين وأعطي فيها ألف وأربعمائة يبقى عنده ستمائة أشرفي. وعد ذلك من الفتن. وبمقدار جرأة عبد اللطيف وإقدامه حصلت له البهدلة. وأشْيَعُ القضايا في هذا الزمن لأكل مال الأيتام وظهور ذلك على رؤوس الأنام، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ثم إن القاضي الشافعي خدم أمير الحاج بمبلغ وخلص أخاه في ثاني يوم تاريخه. وأصيب فيها بمصيبة ثانية بإخراج نصف وظيفة الخطابة منه لشخص مغربي يقال له الشيخ أحمد البجائي المالكي ثم الحنفي المجاور بمكة. فإنه كان وصل له مرسومان خندكاريان من الروم بولاية نصف الخطابة عن قاضي الحنفية بديع الزمان

стр. 640

عوض محمد باكثير الشافعي لموت القاضي بديع الزمان في أول السنة، وجاء خبر موته لمكة في أول شهر رمضان. [وهو أول خطيب حنفي وتبعه البخاريان] (١). وأشيعت ولايته الخطابة المسجد الحرام ونظره وقضاء مكة وجدة ولم يمتنع أحد من أخصامه من مباشرة وظائفه الحرصهم على الولاية والمستعان بالله. [وبالجملة فكان من أضاحيك الزمان] (٢). وطلب أمير الحاج الشامي شريكه الشيخ محيي الدين العراقي لكون جمعة تاريخه له وأنه يقدم فيها المتولي الجديد حتى يباشرها بحضرته. وكان القاضي الشافعي منعه من المباشرة لأجل أخيه فتوجّه بعض الأروام لصاحب مكة السيد أبي (٣) نمي وأطلعوه على مراسيم الخطيب الجديد فقال لهم: البلاد للخنكار ومهما أمر به يُفعل. فصمم أمير الحاج الشامي في مباشرة الشيخ أحمد البجائي للخطابة يوم تاريخه، فوافق شريكه رغبة ورهبة، وعُد ذلك من الانتقام المعجل عليه، لأنه كان خاصم شريكه الخطيب عبد الرحمن النويري في الجمعة التي بعد عرفة وأنها تبطل حصته فيها ونازعه في مباشرتها فمكنه أمير الحاج الشامي منها لغيبة العراقي واستطال على خصمه بعد صلاة الجمعة بعقد مجلس عند قاضي الشافعية المحبي بن ظهيرة. وقام الخطيب عبد الرحمن من المجلس مقهورًا فمات في الجمعة التي تليها سنة أربعين وتسعمائة. ومباشرة الشيخ أحمد البجائي الحنفي للخطابة في المسجد الحرام من النقم على الشافعية. فإنه أول حنفي خطب به وليس في البلد جمعة غيرها ووزرها على أول من سنها وترك أركان الخطبة. وأعاد كثيرٌ من الشافعية الجمعة وسمعت منه أن سبب

стр. 641

تركه لها هيبته من هيبة المكان وبالله المستعان. [وخلفه بعد موته أبو حامد] (١). ثم إن أمير الحاج الشامي أقام بمكة بعد الحاج المصري بسبعة عشر يومًا. [وضجر الناس من إقامته] (٢). وفي فجر يوم الثلاثاء ثالث عشري الشهر سافر أمير الحاج الشامي وتبعه بقية حاجه في صبح تاريخه وأقام في وادي أبي عروة يوم تاريخه وسافر منه في ثانيه، وأخذ من الوادي صحبته جماعة من أهل الوادي لكونهم عبثوا بالحاج سرقة وجراحًا، [فعبث أمير الحاج بهم] (٣). وكان من جملة الممسوكين عم زوجة صاحب مكة الشريف محمد بن عنقا ابن وبير النموي الحسني وكان مريضًا في منزله مع ولدين له دون البلوغ وولدين لأخيه الشريف هجار، فبذل لأمير الحاج الشريف محمد بن عنقا مالا لخلاص نفسه وأولاده ولم يسلمه له فتركه لمرضه في الوادي وسافر جميع الحاج ومعهم الأولاد في صبح تاريخه. فجاء الخبر لمكة في ظهر اليوم المذكور وهو يوم الأربعاء رابع عشري ذي الحجة، يوم نحس مستمر لكونها أربعة لا تدور في الشهر وقد بينتُ ذلك في مؤلفي الخبر المرفوع في أيام الأسبوع، ولما بلغ صاحب مكة خبر أمير الحاج ومسكه لأولاد أخيه من عم زوجته أظهر التشويش مع عياله، فأمر عسكره من الخيالة بالتوجه صحبته لملاقاة أمير الحاج في الوادي أو غيره، فتوجّه مخفًا بالخيل والرجل حتى وصل لوادي أبي عروة بعد صلاة العصر وانقطع كثير من المشاة وبعض الخيالة فأمر بردّ، غالبهم وبلغه ترك الشريف محمد بن عنقا في الوادي، وأنه أرسل بمصاغ

стр. 642

زوجته أم الأولاد لفكاك أولاده، فلحق قاصده وبعض الحاج ورافقهم إلى طرف البرقاء (١). ثم اجتمع بساقة الحاج وهم سائرون وأراد أن يهجم عليهم بخيله ورجله في الليل فأشار عليه الشريف عرار بن عجل الحسني وبعض القواد بالتربص إلى الصباح حتى يراسل أمير الحاج ويخبره بوصوله لأجل فكاك من عنده من الأشراف أولاد أخيه وغيرهم ويكفي الله شره، فما وافق على ذلك إلا بعد جهد ولبس (٢) درعه وكذا جميع قواده، فسمع أمير الحاج بوصوله وأوقد المشاعل والأشجار التي في طريقه وتوقف ساعة في سيره حتى لمّ الحاج على بعضهم بعضا، ورمى (٣) مدافع النفط وأظهر الخوف والاحتراز من الشريف وعسكره. ثم إنه ترك الحاج قريب عسفان، وبات الشريف خلفهم وفي الصباح وجد جماعة من الحاج نائمين في الطريق نحو خمسة أنفس من جملتهم دوادار أمير الحاج ومدبرهم الأمير علي بن طالوا الدمشقي وغيرهما وهرب منهم واحد وقبض الشريف على الباقين. فقال له الأمير علي بن طالوا: يا مولانا أترك منا واحدًا حتى يواجه أمير الحاج ويخبره بخبر وصولك إليه ونمشي في القضية، فمال الشريف إلى قوله لحسن مشورته. وعُدّ ذلك من مَنّ الله وسعده. فأطلق الشريف علي بن طالوا فتوجّه لأمير الحاج وأخبره بوصول الشريف بنفسه وعسكره لأجل إطلاق أولاد أخيه وأشار عليه بإطلاقهم، فأطلقهم وأرسلهم راكبين على بغال بعد أن كانوا مشاة طول الطريق. فكفى الله الحاج الفتن والتعويق.

стр. 643

فلما وصلوا إلى الشريف [أمر] (١) بعض جماعته بالتوجّه إلى وادي خليص لردّ من توجّه إليها من عسكره، وكفى الله المؤمنين القتال. وسلم الحاج والأنقال وعاد الشريف أبو نمي لمكة مظفرا في هذه الحركة وعد ذلك من سعده ونصيحة الشريف عرار في توقفه لمحاربة الحاج ورفقه به فالله تعالى يصلح الأحوال، ويبلغنا جميع الآمال، ويكتب سلامة المسافرين في البر والبحر أجمعين، بجاه سيد المرسلين ﷺ ، وشرف وكرّم. شهر عاشوراء المحرم الحرام استهل كاملًا ليلة الأربعاء من سنة ٩٤٣ هـ (١٥٣٦ م) وهو موافق ليوم النحر وأول الصوم من السنة الماضية كما هو على الألسنة "يوم صومكم كيوم نحركم وأول سَنَتكم". فالله تعالى يجعلها مباركة على المسلمين، ويمد فيها الخيرات على جيران بلد الله الأمين. واتفق في العشر الأول من شهر تاريخه أن الوزير الأعظم المسند العالي آصف خان الكجراتي الهندي فاوض صاحب مكة السيد الشريف، ذا القدر المنيف نجم الدين أبا نمي بن بركات الحسني - أعزهما الله تعالى وبلغهما جميع الأماني - في تفرقة المبّرة السلطانية المظفرية البهادر شاهية الملكية الخاقانية الواردة صحبته إلى مكة المشرفة، خلّد الله ملك المنعم بها. فطلب الشريف منها عادته كأسلافه الماضين في أخذ ثلثها وغيره من مصارفها وما وُعد به من به من الإنعام والهدية والتحف المرضية، وصالحه الوزير عن المبّرة بأخذ ثلث أهل مكة من أصل خمسة وثلاثين ألف أشر في ذهبًا كل أشرفي. .. (٢) فمجموعها

стр. 644

بمائة ألف وستين ألف وزيادة. وعوّض عنها سبائك ذهبًا مختومًا غير مسكوك بالوزن، كل قفلة (١) بأشرفي ذهبًا. ثم أذن الشريف له في تفرقتها على أربابها فكتب قوائمها من الشيخ العدل المرتضى ولي الدين أبو زرعة أحمد ابن الشيخ العلامة نور الدين علي المنوفي ثم المكي الشافعي بمباشرة أمينها الآن على ما كان الخواجا خليل بن زين الدين الكيلاني العجمي. وحُررت بحضرة الوزير المشار إليه وأمر بصرفها على حكم النصف عن سبع سنين مضاعفة أول استقبال سنة ٩٣٤ هـ[١٥٢٨ م] كما هو مكتوب في أوصال التفرقة وتصرف الوزير في التفرقة من الأسماء المحلولة على من أحب من العجم وصرف لأرباب الوظائف في الربعة المظفرية ودرس الحنفية كاملًا عن سبع سنين وأعطى قليلًا من العرب بالجاه. وجعل لكل واحد من قاضي الشافعية المتولي الزيني عبد اللطيف باكثير والمفصول البرهاني إبراهيم بن ظهيرة مائة وخمسين (٢) أشرفيا ذهبا زنتها قفالٌ من الذهب السبائك، ومنع المتولي من التكلم عليها ففاتَه كثير من التصرفات فيها، وكفى أهل البلد همّ مؤونته لسوء تصرفه. لأنه في العام الماضي قسم المبرة البخشية فلم يرض عنه أحد من البرية مع أن الوزير أيضًا مال إلى العجم، وقررهم في كثير من النعم، وصار العرب محرومين من الزيادة وهم قانعون بما كان لهم من العادة. وكان أول الشروع في تفرقة الخيرات وإيصال المقررين في مرتباتهم يوم الإثنين ثالث عشر شهر المحرم خفيةً لأناس مخصوصين. ثم في يوم الأربعاء تاليه سافر من مكة صاحبها السيد أبو نمي إلى جهة وادي مر بعياله. فحينئذ ظهرت التفرقة وكُتبتْ الأوصال الجماعة وتتابع القبض من يوم

стр. 645

الخميس سادس عشر الشهر في المدرسة الباسطية بحضرة الخواجا خليل الكيلاني وميا عمر - أحد خواص الوزير - والصيرفي الشرفي يحيى بن كحليها (١) المكي بعد ختم الوزير على كل وصل ويكتب خليل تاريخه ويُنزله الصيرفي عنده ويقبضه ميا عمر. وصورة الوصل الذي كُتب باسمي هو "الحمد لله. المتعين من مال الخيرات المبرورة المقبولة السلطانية المظفرية البهادر شاهية الملكية الخاقانية الواردة إلى مكة المشرفة - خلد الله ملك المنعم بها، ونصره نصرًا عزيزًا - صحبة نائبه القائم مقامه في جميع أموره، لسان سلطنته المعظمة مولانا المسند العالي الوزير الأعظم الأعلم، والخاقان الأكرم الأفخم، والمشير الصاحب الأكرم، عضد الدولة مدير المملكة الإسلامية - أدام الله تعالى عزه وجلاله وعظمته - عن مدة سبعة أعوام متوالية أولها استقبال سنة أربع وثلاثين وتسعمائة [٩٣٤ هـ / ١٥٢٨ م] باسم الشيخ جار الله ابن الشيخ عز الدين بن فهد الهاشمي مبلغ أشرفية: أربعمائة وعشرون، نصف ذلك مائتان وعشرة، في كل سنة ستين أشرفيا. صُرف له النصف المذكور عما خصّه بحكم المحاصّة من المبلغ الأصلي المذكور، بسبب صرف الإخراجات الجاري بها العادة في مثل ذلك. والحمد لله وحده وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلم". ثم كتب عليه الخواجا خليل اسمه وتاريخه ووضع عند ميا عمر الهندي أحد خواص الوزير. وكذا جميع الأوصال. وقبضتُ مع جميع المستحقين ذهبًا مسكوكًا من غير سكة كل أشر في ذهبًا بقفلة وقيراط. فجملة ما في وصلي قِفَال خمس وخمسون ونصف وربع، عنها مثاقيل سبعة وثلاثون. الثمن لكل مثقال وقت تاريخه بالذهب الأشرفية أربعة، وبالفضة ثلاثة وثلث. فتحصل القبض في كل اسم من ثمن المثقال نحو الربع في الذهب والثلث

стр. 646

في الفضة، وإذا أضيف إلى أصل النقص يكون المقبوض لكل اسم ثلثه، وعند الله تجتمع الخصوم، وينصف الله المظلوم. ولا يقدر أحد من المستحقين أن يبث بشكواه، إلّا لعالم سرّه ونجواه، وفي الله خلفٌ (١) في كل فائت وعوضٌ (٢) عن كل هالك. [وذهب جميع الذهب في بطون السّباع ونال الضعيف بعضه] (٣). وفي العشر الأول من المحرم وصل لمكة قاصد لصاحبها الشريف أبي نمي من وادي بدر ومعه أوراق فيها الإخبار عن الحاج الشامي، وأنه جاءه قُصّاد من دمشق الشام، فيهم عرب وأروام، يذكرون لأمير الحاج بأنه يرجع من درب الحاج المصري لأّن العرب قاعدون له في الطريق من جملتهم شيخهم جغيمان وملحم، وأن أمير الحاج امتنع من التوجّه إلّا على دربه لأجل ودائعه التي تركها في طريقه من الزاد والأمتعة. فخالفه بعض حاجه، ثم انهم اتفقوا على التوجّه إلى المدينة الشريفة ثم يفعل الله ما أراده. (٤). فالله يقدر للمسلمين خيرًا. ثم في نصف شهر تاريخه وصل جماعة من المدينة الشريفة ومعهم أوراق فيها الإخبار بأنّ الحاج الشامي جاءهم قاصد ثان فيها: بأنهم يتوجّهون من طريقهم المعتاد لكون العرب اختلفوا فيما بينهم وتحاربوا وتفرقوا. وأن نائب الشام أرسل تجريدة لملاقاة الحاج ففرحوا بذلك وتوجّهوا حينئذ في سابع شهر تاريخه فوقاهم الله المهالك. ومن جملة الأخبار أن قاضي الشافعية بالمدينة الشريفة السيد عفيف الدين السمهودي أرسل ورقة للأمير شرف الدين الحمزاوي يبشّره بوصول أخيه الأمير جانم إلى القاهرة، وأن الأعين الشريفة إليه ناظرة. ففرح بذلك كل قاطن وسالك، لأن في إقامته بها نفعًا للخاصة والعامة. جزاه الله خيرًا وكثّر من

стр. 647

أمثاله. وفي ليلة السبت ثامن عشر الشهر توجّه لجدة قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف بن أبي كثير الكندي لأجل موسم الهندي. وكان أخوه (١) القاضي وجيه الدين عبد الرحمن سبقه إليها وتخلف عنه لأجل تفرقة المبرّة الهندية ولكونه انتقل من سكَنِه الأول إلى بيت المرحوم قاضي الحنابلة الشريف محيي الدين عبد القادر بن عبد اللطيف الفاسي، وهو وقف على ذوي رحِمه. وأخّر الشافعي تفرقة الحكمي والمستجد. فالله تعالى يفرج عن أهل مكة هذه الشدة وينظر إليهم بمن يلهمه الشفقة عليهم ويدفع لهم استحقاقهم في وقته، ولا يماطلهم في دفعه. واستمرت تفرقته إلى آخر السنة وبعض الناس لم يستكمل حقّه. وفي العشر الأخير من المحرم توجّه صاحب مكة الشريف أبو نمي الحسنى إلى جهة وادي مرّ بفريقه وأهله وشرع في عمارة أصيلة بوادي فراس بالقرب من محلة أرض حسان واستعمل فيها أهل الفريق من الكبير والصغير على جاري عادة سلفه. ووصلت قافلة المدينة الشريفة لمكة وفيها حميد الملك أخو الوزير آصف خان وأخبَر أنّ العرب خرجوا عليه قريب المدينة الشريفة وقُتل بعض جماعته مع فرسه وأخذ له بعض الأمتعة ولم يعلم خصمه وأنه في عوده خرج منها معه صاحبها الأمير باز بن فارس بن شامان الحسيني بجماعة من عسكره حتى بلّغوه المأمن جهة شعب الروحاء وأعطاه مبلغًا وكذا أهل المدينة ولم يفرق شيئًا بمكة. وعمل أخوه الوزير آصف خاز في عصر يوم الخميس مستهل شهر صفر وليمة كبيرة طلب فيها القضاة والمشائخ وأهل الفضل من العرب والعجم في المدرسة الباسطية. طُبخ فيها كثيرٌ من الأرز والأطعمة بلحم الضأن والدجاج والحلوى. يُقال لأجل موافقة اليوم الذي مات

стр. 648

فيه والده كعادته في بلدهم لفعله ذلك كل عام، وكذا فعل أخوه (١) حميد الملك وليمة ثانية بعد الظهر في منزله وحضرها خدام الدرجة وغيرهم من الضعفاء وتصدّق عليهم. بمبلغ من الذهب لا أعلم عدّته. وبعد ذلك توجّه إلى جدة للسفر في المراكب الهندية وصحبته كثير من القماش والخيل والمماليك والسمن. (٢) وغير ذلك، أرسلها معه أخوه (٣) الوزير آصف خان لسلطانهم بهادر شاه، نصره الله وبلّغه مُناه. ثم سافرت المراكب الهندية وهي أزيد من عشرين مركبًا أولها في ليلة السبت رابع عشر الشهر. وكان السيد نور الدين أحمد ابن السيد عفيف الدين بن عبد الرحمن بن نور الدين عبيد الله بن علاء الدين محمد ابن السيد عفيف الدين محمد بن نور الدين محمد الحسني الإيجي الشافعي توجّه لجدة للسفر لجهة الهند ساخطًا على وزيرالهند باطنًا مع اجتماعه به وسؤاله عن كتابة ورقة لسلطانه بالوصية عليه، فكتبها له وهو يظن أنه يتوقف ويتكلم معه في إرضائه ونزوله لبيوت أوقاف سلطانه التي كانت نظره. بمكة المشرفة، فلم يلتفت لذلك وقصد صاحب مكة الشريف أبا (٤) نمي في الوادي وتوجّه من هناك لجدة وأقام بها مدة واكترى على حوائجه في المركب وطلعها. ثم إن المراكب تأخرت عن رفقته أيامًا فطلع إليه لأجل السفر فيه، ثم إنه نأى عن ذلك ونزّل منه حوائجه بعد ترك نَوله للناخوذة على العادة لأهل المراكب، ويقال نحو مائة وخمسين أشرفيا وأنكِر عليه فعله ولم يدبر نفسه فعاد لمكة في آخر الشهر. [وعمل ذلك صنعة فلم يتمشَّ له تدبيره] (٥).

стр. 649

وفي هذا الشهر فرغ الرطب ولم يمكث شهرين كاملين، وكان غالي الثمن لم يزد على رطلين ونصف، وظهر العنب والخوخ والرمان، واغتبط به الغرباء أهل الدراهم، وغليت الأسعار بمكة في جميع المأكولات وطلع المنّ السمن إلى ثمانين كبيرًا والعسل كل عشرة أرطال بثلاثين والجبن واللبن قليلا (١) الوجود وكذا اللحم وبيع كل رطل وربع بكبير، فالله تعالى يرخص أسعار المسلمين ويلهم الحكام العدل في جيران بلده الأمين، بجاه سيدنا ونبينا محمد سيد المرسلين ﷺ . وفي نصف ليلة الأربعاء رابع عشر صفر ولد ولدي جمال الدين أبو محمد أنشأه الله تعالى وأخاه وأختيه وأقر عيني بهم، وأمه خاتون ابنة قاضي المسلمين نور الدين علي بن أبي بكر المرشدي الأنصاري الحنفي. وعملتُ له عقيقة في يوم سابعه بلحم وثريد للفقراء وغيرهم. جعله الله مباركًا بمحمد وآله آمين. وفي صبح يوم الأربعاء المذكور انتهت كتابتي في نخبة قرة العين، بمبرة وفاء الدين للحافظ الكبير زين الدين عبد الرحيم بن الحسن العراقي الشافعي. رحمه الله تعالى. وألفتُ بعده في شهر تاريخه نزهة الأبصار، بأخبار الأعمار ولله الحمد. وفي ليلة السبت رابع عشر الشهر سافرت المراكب الهندية وفيها حميد الملك أخو الوزير آصف خان كان كما تقدم ذكره. وفي يوم الأربعاء ثامن عشري الشهر سافرت قافلة المدينة الشريفة من مكة وصحبتها ناضي المسلمين كريم الدين عبد الكريم بن علي المحولي ثم القاهري الشافعي بعياله، كتب الله سلامتهم وتقبل زيارتهم. وفي عصر يوم الجمعة سلخ الشهر مات الخواجا الأصيل أحمد بن محمد الحلبي ثم القاهري المكي بعد وجعه بالحمى الحادة نحو الشهرين وتوجّه إلى منى وأقام نحو

стр. 650

الشهر، فلما زاد ضعفه عاد إلى مكة وكتب وصيته وأقر لبناته الخمسة الكبار الأشقاء من خاتون ابنة المحيوي عبد القادر بن علي بن أبي اليمن النويري المكي من مخلف أمهم الذي وضع يده عليه وهو ثمن أملاك باعها للدولة بألف دينار وغلال وصُرر بألفين، جملتها ثلاثة آلاف، ومصاغ أمهم لهن ولبناته الأربعة الباقيات من تسعة بألف وخمسمائة أشرفي ولجاريتي أمهما وثلاث بنات بثلاثمائة أشرفي. وعتق عبده الحبشي وأقرّ له بمائة أشرفي. جملة الجميع خمسة آلاف أشرفي، وجعل الخمسة البنات الكبار رُشّدًا والناظر عليهن قاضي القضاة التاجي المالكي، وزوّج الأربع البنات الصغار على أربعة من أولاد خاله شقيق أمه الشيخ برهان الدين إبراهيم بن أبي بكر المرشدي الحنفي وجعله وصيًا عليهن ما عدا واحدة منهن فجعل أمرها لأمها ابنة الخواجا أحمد بن أبي بكر الطهطاوي. واتفق عند موته أن الدولة من الأروام وجماعة الشريف ختموا على حواصله في بيته ودكانه في الخان ولم يلتفتوا إلى وصيته لأجل غيبة أخيه المستوفي لمخلّفه بالقاهرة. وجهّز في ليلته وصلّي عليه عقب صلاة الصبح ودفن بالمعلاة على قبر أمه بالشعب الأقصى، رحمه الله تعالى وعفا عنه وجبر بناته وأثابهن وعوّضه الجنة بمنّه وكرمه. شهر ربيع الأول استهل كاملًا بالسبت من سنة ٩٤٣ هـ (١٥٣٦ م) وفي صبح يوم دفن الخواجا الحلبي وهو أول شهر ربيع الأول شرع وزير الهند المسند العالي آصف خان في تقرير جماعة من العرب والعجم في قراءة ربعتين أول النهار في الصباح وفي ظهره بالمدرسة المظفر شاهية - والد سلطانِه بهادر شاه - عند باب الصفا أحد أبواب المسجد الحرام في كل واحدة خمسة عشر نفرًا، ووقعت الزيادة على العشرين في كل منهما، وشيخ الحضور في الصبح هو شيخ الحضور

стр. 651

القديم في العصر إمام الحنفية السيد محمد بن أحمد البخاري الحسني وشيخ الحضور في الظهر الخطيب جعفر بن عصفور الكازروني الشافعي وتسبب في التقرير لشقيقي المحيوي عبد القادر بن فهد وصهري السراج عمر الرضي وصاحبنا الشيخ جمال الدين الشلح وغيرهم. وفي صبح أول الشهر حضر القراء المذكورون وطلبني الوزير إلى المدرسة الباسطية فوجدتُ عنده جماعة من العرب والعجم فأمرني بقراءة شمائل النبي ﷺ للحافظ أبي عيسى الترمذي فقرأتُ منها الباب الأول بحضرتهم، ثم أمر لهم طعامًا وحلوى فأكلوا وانصرفوا، وأمر بالحضور في كل يوم لتمام القراءة في يوم المولد الشريف. فلازمنا عنده الحضور ليقوم جميعا (١) بالصلة والأجور. لكنه اعتراني قبض في أول القراءة فاستخرت الله تعالى في الترك أو الملازمة فأراد الله تعالى بما أراد. وهو أنّ بعض الأكابر أشار عليّ بعمل مولد شريف مختصر معظّم منيف ليُقرأ في هذا المجلس، ويكون خدمة لسيد المرسلين وتذكرة للوزير الحلوله في بلد الله الأمين. فاختصرت مولد شيخ شيوخنا الحافظ قاضي القضاة شمس الدين محمد ابن الجزري المسمّى التعريف بالمولد الشريف، وأضفتُ إليه فوائد في آخره وأوصافًا لحال الوزير في أوله. فخَرّف فيها بطانة السوء في الأقوال، ولم ينتج شيئًا في الحال والمآل، فتركتُه وعددتُ ذلك من لطف الله بي لتحقيق معتقدي، لأنني ما ظننتُ بأهل الدنيا خيرا إلا صرفه الله من قلبي، وأقبل عليّ الخير من سعة ربي، كما جربتُ ذلك مِرارًا، ورأيت فيه حلاوة ومَرارا لأنه ورد في الحديث الشريف كما رواه البيهقي في الشعب (٢) عن ابن مسعود موقوفًا ﴿من خضع لغني ووضع له نفسه إعظامًا له

стр. 652

وطمعًا فيما قِبَله ذهب ثلثا مروءته وشطر دينه﴾ (١). ورواه ابن مسعود مرفوعًا ﴿من أصبح حزينًا على الدنيا أصبح ساخطًا على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبته ونَصبه فإنما يشكو الله، ومن تضعضع لغَني لينال مما في يده أسخط الله تعالى﴾ (٢) الحديث إلى غير ذلك في معناه. بل أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن من أبغض القراء إلى الله الذين يزورون الأمراء﴾ (٣)، وفي رواية لابن أبي شيبة والبيهقي عن حذيفة قال: ﴿إياكم ومواقف الفتن. قيل: وما مواقف الفتن؟ قال: أبواب الأمراء﴾ (٤). فها أنا استغفر الله تعالى مما وقع لي وجرى لأنه حصل لي في مدة ملازمتي له كثير (٥) من القبض لصدري مع الشرور واستباحة عرضي وسلفي من الحساد وفجّار العباد، وقد ألّفتُ في ذلك مؤلفين أولهما القول المعظم المنيف، في الموعظة وتعظيم أهل الحديث، وثانيهما حفظ المساق والعهد، في مدائح بني فهد. واتفق في يوم الثلاثاء حادي عشر الشهر، أن وصل لمكة صاحبها السيد الشريف أبو نمي الحسني لبركة المولد الشريف فأقام بمكة حتى صلّى الجمعة وزار السيد نور الدين أحمد بن العفيف عبد الرحمن بن نور الدين عبيد الله ابن السيد علاء الدين محمد الحسني الإيجي الذي كان نيتُه السفر إلى الهند. وعاد لمكة فشكا عليه الوزير آصف خان وأنه وضع يده على أوقاف سلطان الهند مظفر شاه والد سلطانه، فوعده الشريف أبو نمي بنصرته. فأرسل السيد نور الدين الإيجي

стр. 653

القريب السلطان قيصر خان أحد السكان في الوقف فطالبه في أجرة المكان وإلّا الانتقال منه. فحضر إلى الوزير وعرفه بكلامه، فراسل الشريف في أمره بل خدمه من عنده حتى أرضاه وأرصد أمر البيوت حتى يحضر جواب سلطان الهند، والله يصلح الأحوال، في الحال والمآل. وفي ليلة الأربعاء ثاني عشر الشهر توجّه الفقراء القادرية والأحمدية وغيرهم من طوائف الصوفية بأعلامهم وفوانيسهم وهم يهللون ويذكرون الله تعالى ويصلون على النبي محمد ﷺ إلى محل مولده ومسقط رأسه الشريف في شعب بني هاشم بسوق الليل علو مكة المشرفة ووقفوا عنده ساعة وصلّى بعض مشائخهم وسط محل المولد الشريف وتُركت الخطبة منه والدعاء للسلطان وولاة الأمر بأمر قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف باكثير لكونه ناظر المسجد الحرام. ويقال إن الفقراء استأذنوه في التوجه إلى المولد الشريف أو صاحب مكة أبانمي فأذن لهم. وكان في فعلهم تعظيم لليلة المولد الشريف. واتفق في صباح تاريخه أن الوزير الأعظم آصف خان - عظم الله شأنه - ختم بحضرته قراءة شمائل النبي ﷺ ومد للحاضرين سماطًا من الأطعمة والحلوى - على جاري عادته - من أول شهر تاريخه، وبعد ذلك قسم على بعض الأكابر ممن حضر مجلسه من الملل وأولاد العرب بعض قماش ونقد وأرسل إليّ ببقجة (١) فيها ثوب صوف وشاشان وبيرمان (٢) مقدار ثمنها نحو أربعين أشرفيا. فشكر الله سعيَه. وحدث في هذا الشهر وبعده عدة زواجات الجماعة من الأكابر والأشراف: أولهم الشريف وبير بن محمد بن عنقا على الشريفة .... (٣) ابنة السيد عرار بن عجل

стр. 654

النموي بجدة. وثانيهم الشريف عبد الله ابن السيد شولق عم صاحب مكة السيد أبي نمي محمد بن بركات الحسني على ابنة صالحة بوادي الدكناء. وثالثهم الشريف محمد بن عزيز على راية ابنة السيد رميثة بن محمد بن بركات الحسني. ورابعهم نقل دفع الشريف محمد بن سيسد على شقراء ابنة عمه السيد أبي الغيث بن محمد بن بركات. وخامسهم الشريف ناهض ابن السيد أبي الغيث المشار إليه على شمسية ابنة الشريف أبي القاسم بن محمد. وسادسهم الشريف جازان بن حميضة على ابنة الشيخ عبد الله بن موسى الزهراني، وغيرهم من القواد. ومن الأكابر الوزير الأعظم آصف خان - عظم الله شأنه - على ابنة الخواجا جلال الدين ابن خطيب الباب الحلبي وأمها ابنة جمال الدين بن شهاب الدين وزير هرموز المكية ودخل بها وفارقها في جمعته وكاتِبُه ميا عمر الهندي وغيرهم من الفقهاء والمتسببين أكثر من خمسين نفسًا، وسيأتي بعضهم مفرقًا إن شاء الله تعالى. شهر ربيع الثاني استهل ناقصًا بالأحد من سنة ٩٤٣ هـ (١٥٣٦ م) (١) حدثت فيه عدة زواجات على الأبكار والثّيّبات: منها في ليلة الثلاثاء عاشر الشهر عقد قاضي القضاة الشافعي المفصول البرهاني إبراهيم ابن أقضى القضاة الشهابي أحمد ابن قاضي القضاة البرهاني بن ظهيرة القرشي المخزومي على .... (٢) ابنة الخواجا .... (٣) الرومي سبطة الخواجا الكبير محمد خجا القومي في منزل أمها وجدّها وحضره القضاة الثلاثة ما عدا خصمه الشافعي المتولي، وباشر العقد الحنفي وذلك بحضرة جماعة من الفقهاء والتجار. وكان عقدًا حافلًا وشُرب فيه السكر المذاب - على العادة - مع البخور والماورد الكثير الطيب.

стр. 655

وعمل لها سماطًا كبيرًا في منزله بحوار الزوجة في حارة قريش في السويقة، ودخل بها في منزلها في ليلة الثلاثاء سابع عشر الشهر، وهنّأه الناس فيه وصلّى الجمعة في رابع يوم قبل كمال أسبوعه وحمده الناس على ذلك، جعله الله مباركًا هنالك. وفي ليلة السبت رابع عشر الشهر عقدتُ بربيبتي أخت أولادي البكر البالغ سعادة ابنة الخواجا عبد الرحمن بن يعقوب الحصين على بعلها الشيخ العلامة المدرس جمال الدين محمد بن محمد الطرابلسي المالكي الشهير بالحطاب (١) - أعزه الله تعالى وأدام النفع للطلاب - وذلك في وسط حجر الكعبة الشريفة بين العشاءين بحضرة أخوالها وجماعة من أصحابنا. وباشر عقدها قاضي القضاة التاجي عبد الوهاب بن يعقوب المالكي على مائة - عنها ثلاثمائة أشرفي - في الظاهر، وتركت نصفها باطنًا ودخل بها في عشاء تاريخه. وعملتُ لها وليمتها في صباحها، وهنّأه الناس سبعة أيام ثم برز بعد الأسبوع - على العادة في البكر - جعله الله مباركًا ميمونًا عليهما وعلى أقاربهما ومحبيهما وكمد، عداهما بمحمد وآله آمين. وفي عشاء ليلة السبت المذكور عقد السيد ملك التجار علاء الدين الحسني على ابنة عمه السيد قطب الدين العجمي في منزله وحضره القضاة والأكابر ما عدا الشافعي المتولي، وباشر عقده الشافعي المفصول من أوله وختم العقد المالكي. وسقى الحاضرين سكرًا مذابا وانفصلوا، ثم دخل بها في منزله في ليلته. وفي يوم الإثنين ثالث تاريخه سافرت قافلة المدينة الشريفة من مكة وفيها الخواجا خليل القيلاني وصحبته الشيخ أبو زرعة المنوفي ورفقتهما المبرة البهادر شاهية

стр. 656

الهندية بأمر الوزير الأعظم آصف خان - عظم الله له الشأن - وصحبتهم بعض جماعته وغيرهم، وكانت ذهبًا سبائك (١) لأصحاب الصرر والأربطة، كما فُرقت على حكم أهل مكة بزيادة. وفي صبح يوم الخميس تاسع عشر الشهر مات جارنا الحاج خليل بن الصالحي الشهير بالجمالي لكونها حِرفته في بداية أمره ثم صار تاجرًا. وكان (٢) سبب موته أنه نزل من على سطح منزله بالعجلة لإدراك صلاة الصبح مع الجماعة فسقط على دماغه فخرج دماغه وقضى من ساعته. فجهّز من يومه وصلّي عليه في عصر تاريخه ودفن بالمعلاة في الشعب الأقصى. وخلّف زوجة وذكرين وثلاث بنات، منهم ثلاثة أشقاء ما عدا ذكرا وأنثى. ووجد له وصية أسندها لقاضي القضاة التاجي، ومنع الأروام من التكلّم على تركته وسمعتُ أنه وجد له من النقد نحو سبعة آلاف أشر في غير البضائع بنحو مثلها. وقسم النقد: لزوجته ألف دين ومثلها ثمنها، ولكل ذكر ألف ومائتان، ولكل بنت ستمائة أشرفي. وبعض الناس استقلّ ذلك عليه، وأنا أستكثره لرثاثة حاله، والله أعلم بحقيقته. وممّن تزوج، مع حذف غيرهم، منهم: ١ - القاضي الأصيل فخر الدين أبو بكر ابن الشيخ عبد الكبير الحرازي العمري الحنفي على ابنة خاله الشيخ بركات أبي الفضل الزين، وهي بكر. ٢ - الجمالي محمد بن عبد الله بن ناصر الدين الواسطي على ابنة عمه عبد الرزاق، وهي بكر أيضًا. ٣ - عبد الله بن علي الكشميري على ابنة تقي الشامي البزاز (٣)، وهي بكر.

стр. 657

٤ - الزيني بركات العمادي على ابنة خاله محمد بن إبراهيم البصري، وهي بكر. ٥ - عبد المعطي بن علي سكيكر على ابنة محمد بن موسى الصيرفي. ٦ - محمد بن أبي الغيث المغربي على .... (١) مغربية. ٧ - الجمالي محمد بن راحات على ابنة يحيى بن عبد الرؤوف الشاهد. ٨ - قريبه الوجيه عبد الرحمن بن سكيكر على ابنة الرخامي. ٩ - عبد الرحمن بن الطاهر على ابنة على الجيار. ١٠ - الشيخ محمد ابن الشيخ ملا حاجي على ابنة محمد الحريري، وغيرهم. شهر جماد الأول استهل كاملا بالثلاثاء من سنة ٩٤٣ هـ (١٥٣٦ م) وفي عشاء ليلة السبت ثاني عشر الشهر عقد السيد عبد الرحيم بن محمد الحسني الشافعي ابن أخي قاضي البصرة السيد عبد الله في منزله، وهو قاعة الشريفة خزيمة بنت (٢) صاحب مكة السيد محمد بن بركات الحسني المطلة على الرواق الغربي من المسجد الحرام. وحضرها السيد ملك التجار وقاضي القضاة الحنفي والمالكي وجماعة من الفقهاء والملل العرب والعجم. وباشر ذلك قاضي القضاة الحنبلي عفيف (٣) الدين عبد الله بن عطية بن ظهيرة لكونها صغيرة، بكثير من الذهب والحرير الإبريسم (٤) على قاعدة بلادهم. وحضرت ذلك، ثم شرب الحاضرون سكرا مذابًا وطيبوا بالماورد والبخور، ودُعي في المجلس الشهابي أحمد الأحمدي المؤذن وقارئ المواليد ودعا للسيد ملك التجار لكونه كبير المجلس. وبعد الفراغ انفض الحاضرون.

стр. 658

وفي صبح تاريخه [دعا] (١) قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف باكثير الشهابي الأحمدي فضربه على رجليه تأديبًا له لدعائه للسيد ملك التجار وترك الدعاء له لكونه ناظر المسجد الحرام، وذلك ظلمًا منه. فإن القاعدة حكم الناظر على من قرأ في المسجد الحرام أو دعا فيه لغيره من غير ذكره. فاحتسب عليه بالله تعالى، فبلغ السيد ملك التجار فطلبه إليه وأعطاه جوخة (٢) حمراء وشاشا وذهبًا وأرسله لوزير الهند فأعطاه الآخر قماشا وذهبا وكذلك قاضي البصرة أحسن إليه. فكان ظاهرها نقمة وباطنها نعمة عليه، فإنه حصل له قريب مائة أشرفي فوقع لها موقعًا عنده لفقره، وانجبر خاطره بعد كسره. وأنكر الناس على القاضي فعله، وبالله المستعان. [وهذا من تهوراته] (٣). ثم إن العريس دخل على زوجته في جمعة تاريخه وعمل سماطا هائلًا جمع فيه بين أطعمة العرب والعجم وكثيرًا من الحلويات وحضرها جماعة من الأعيان وغيرهم وأهل العريس وعمه كذلك، كان الله في عونه وأخلف عليه وجعله مباركًا ميمونًا عليهما ووفق بينهما. وفي ليلة الجمعة رابع عشر الشهر حصل لمكة مطر غزير عم جميع النواحي وتتابع غالب الجمعة وطاح فيه بعض بيوتها ومنها صفّة مجلس بيتنا وذلك في ليلة الأحد خامس عشري الشهر. وكان في هذه الجمعة طلب الوزير آصف مني استبدال جامع الأصول للحافظ أبي السعادات بن الأثير بمبلغ مائة أشرفي ذهبًا عنها أربعمائة أشرفي

стр. 659

على قاعدة مذهب الحنفية في عدم صحة وقف المنقول. فامتنعتُ منه وكتبتُ فتوى لأجل ذلك وأريتُها له. بل عملت مؤلفا لطيفًا سميّته الإسعاف، في حماية كتب الأوقاف أطلعته عليه فترك ذلك. فوقاني الله وأولادي الحماية في سقوط المنزل هنالك. ثم إنه أحسن إليّ وإلى أخي في زواج أولادنا، جزاه الله خيرًا وكثّر من أمثاله. وفي يوم الأربعاء سلخ الشهر وصل قاصد من مصر وصحبته أوراق من أمينها جانم الحمزاوي لأخيه الأمير شرف الدين يحيى بمكة، وفيها الإخبار بوصوله من الروم صحبة نائبها سليمان باشا الخصي الرومي، وفرح الناس بذلك. شهر جماد الثاني استهل كاملًا بالخميس من سنة ٩٤٣ هـ (١٥٣٦ م) وفيه أوصى السيد علاء الدين ملك التجار بوصية حافلة حضرها وزير الهند آصف خان والأمير شرف الدين يحيى الحمزاوي أخي أمين القاهرة الأمير جانم والسيد محمد الحكيم صهر الشريف منصور العجمي. وأخبر الموصي السيد تاج الدين والشيخ ولي الدين أبا (١) زرعة بن علي المنوفي أحد العدول والشيخ علم الدين العباسي المؤرخ وغيرهم من جماعته. فكان مما أوصى به لتجهيز نفسه بعشرة آلاف أشرفي ولعمته مثلها ولعبده خليفة مثلها والخسروه (٢) مثلها، ولأهل الحرمين عشرون ألف أشرفي ولصاحب مكة السيد أبي نمي عشرة آلاف ولأخيه السيد أبي القاسم وولده أحمد عشرة آلاف، وأعتق جملة من عبيده وكمّل لهم تكملة مائة أشرفي. وأوقف كتبه وجعلها تحت نظر

стр. 660

الشيخ محمد الحطاب. [ولم يصح شيء من ذلك فيما بعد] (١). وأشيع أنّ باقي ماله نصفه للخنكار ونصفه لولده السيد محمود وجعل صاحب مكة وصيًا عليه، ثم إنه غلب عليه، ومات في مغرب الجمعة ثاني الشهر. فسمع الأروام بموته فاهتموا بختم منزله وتسمير أبوابه، فبكوا عليه وقام النكير عليهم في ذلك. فسمع جماعة الشريف أبي عمي بذلك وهو غائب عن مكة ففتحوا لهم بابًا واحدًا حتى جهّز في ليلته وصلّي عليه صبح تاريخه عند باب الكعبة ولم يناد له الريّس فوق ظلة زمزم خيثا وحسدًا لقلة إحسانه إليه. ويقال بمباطنة قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف باكثير وأنه هو الذي حضّ الأروام على ختم منزله مع وصيته واستيفاء ورثته. ثم دفن بالمعلاة بالشعب الأقصى عند زوجته ..... (٢) خديجة جوار السيدة خديجة الكبرى زوجة النبي ﷺ . وفي عصر يوم الجمعة سادس عشر الشهر عقدت بابنتي البكر سيدة الكل أم محمد آسية على ابن عمها الفقيه الفاضل الأصيل وجيه الدين عبد الرحمن ابن شقيقي المقرئ الصوفي محيي الدين عبد القادر بن فهد الهاشمي المكي الشافعي - أعزهما الله تعالى. وجبرهما - وسط الحِجر الشريف. وحضره جماعة من الفقهاء أهل القدر المنيف منهم: شيخ الحجبة الشرفي أبو القاسم الشافعي ومفتي المالكية الشيخ محمد الحطاب وأولاده وقاضي المسلمين قوام الدين بن الضياء الحنفي والمفتي برهان الدين إبراهيم القدسي وإمام الشافعية نور الدين أبو اليمن الطبري وجماعة من أقاربنا وأخوالها المراشدة وأصحابنا. وكنت المباشر لعقدها بنفسي في خطبة جمعتها ضمّنتها خطبة النبي ﷺ لابنته السيدة فاطمة الزهراء على ابن عمها الإمام علي بن أبي طالب ﵄، وجعلت عقدهما على مائة مثقال ذهبا حالة لها. يسّرها

стр. 661

الله على بعلها. وكان بهجا مأنوسًا وفيه البخور والماورد. وهناني الناس به. جعله الله مباركًا. وفي ليلة السبت كانت الغمرة واجتمع فيها النساء بالفازة التي جعلتها نحو بئر منزلنا وحصل اللصق على مغاني النساء. وفي سابع عشر الشهر نصّت العروس على بعلها بالمغاني والنقارة، وكانت ساعة بهجة جعلها الله مقرونة بالسعد والبركة بجاه سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين. وفي يوم الإثنين تاسع عشر الشهر عملتُ لها وليمتها في منزل سلفي حضرها الأعيان من قضاة البلد وأرباب الوظائف من الفضلاء والفقهاء وبعض العوام والفقراء. واشتملت على أطعمة مفتخرة نحو العشرة فيها الرزان والمأمونية والمشورات والرومية، وقدمتُ منها مائدة لوزير الهند تعظيما له، فأعجبه. وفي ليلة الثلاثاء عشري الشهر دخلت البنت على ابن عمها وهنأنا الناس في صباحها وقدم لهم المعمول والطيب كعادة أهل البلد سبعة أيام. وفي يوم سابعها عمل الأخ وليمة لولده تجمّل فيها للرجال والنساء. فالله تعالى يخلف عليه وعلينا ويجعله مباركًا ميمونًا لكل مِنّا، إن شاء الله تعالى. وفي صباح دخولها عشريْ الشهر وصل قاصد من مصر للأمير يحيى الحمزاوي بأوراق من أخيه الأمين جانم الحمزاوي وإخباره بوصوله إلى القاهرة صحبة نائبها الباشا سليمان الخصي الرومي في .... (١) وفرح الناس بذلك وكذا صاحب مكة. شهر رجب الفرد استهل ناقصا بالجمعة من سنة ٩٤٣ هـ (١٥٣٦ م) وفي ليلة الجمعة ثامن الشهر انتقلت ابنتي سيدة الكل إلى بيت عمّها مع

стр. 662

زوجها وعمل لها حلوى للنساء تجمّل فيها. جمله الله تعالى وأعانه. وفي صباحها مات الشهابي بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد المرشدي الحنفي. وفي ليلة السبت تاسع الشهر مات الشيخ عبد المعطي بن محمد بن أحمد بن أبي بكر الصوفي المنوفي الأصل نزيل مكة بعد وجعه مدة طويلة وكان قلقا ولم يُوصِ، وجهّز في ليلته وصلّي عليه صبح تاريخه ودفن بالمعلاة في الشعب الأقصى بتربة شيخنا عبد الله باكثير وجُعل عليه تابوت (١) كصاحب التربة والشيخ محمد بن عراق مجاورها. وخلف ثلاثة ذكور وثلاث صبيات، أربعة أمهم ابنة عبد الكبير الحضرمي وصبي وبنت من مصرية وجارية حبشية حاملة منه. وله عدة أملاك بمكة والأودية ومرتبات كثيرة في الجوالي والرومية جعلها باسم أولاده وديون عند جماعة من الأشراف بني حسن وغيرهم من الأقوياء ولم يظهر له نقد واستولى على تركته ولده الكبير. وفي ليلة الأحد عاشر الشهر وصل لمكة صاحبها السيد أبو نمي ونوى الجهاز إلى اليمن لمحاربة صاحب جازان وجمع آلات الحرب له. وتخاصم الشيبيون سدنة البيت الشريف مع قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف باكثير من جهة صدقة قماش وصلت لمكة، قال: هو لأهل الحرم وادعوا أنها لبني شيبة، فساعدهم الشريف في أخذها بعد أن أسمعوه المكروه وأخذوها على رغمه. [لعدم اعتبار الشريف له] (٢). وفي ليلة الجمعة خامس عشر الشهر سافرت قافلة المدينة الشريفة وفيها جماعة

стр. 663

من الأعيان وغيرهم. وفي صبح يوم الجمعة خامس عشر الشهر مات الإمام الأصيل زين الدين عبد المعطي بن مكرم ابن قاضي القضاة المحجي محمد الطبري المكي الشافعي. وكان وجعه نحو جمعة من سقطة برجله وأوصى لأولاده الستة بنقد أطلعهم عليه ولم يضن به، بعضه ورثه من أمه والباقي حصله بجهده. وجهّز في يومه وصلّى عليه في ظهر يوم الجمعة في مقام الخليل - كعادة أئمة الشافعية - أخوه شرف الدين يحيى ودفن على أبيه بتربة سلفه، وذُكر بخير لتقشفه وانجماعه. وخلّف أربعة ذكور وابنتين جبرهم الله تعالى. شهر شعبان المبارك استهل ناقصًا أيضًا بالسبت من سنة ٩٤٣ هـ (١٥٣٧ م) وفي ظهر يوم الجمعة سابع الشهر ختن الوزير الأعظم عز الدين عبد العزيز آصف خان - شيّد الله له الأركان - ولده المراهق محمد واسمه قطب خان وولده الثاني عمره سنة، وحضره قاضيا القضاة البرهاني بن ظهيرة الشافعي المفصول والمالكي التاجي عبد الوهاب بن يعقوب وجماعتهما، ولم يسمع غيرهما الخفية ذلك في منزل الوزير والدهما. وفي يوم الخميس ثالث عشر الشهر عمل الوزير وليمة حسنة دعا فيها قضاة مكة من المتولين والمفصولين وأرباب الوظائف والمشائخ والعلماء والفضلاء من العرب والعجم، وباشر فيها أكابر جماعته لخدمته وهو حاضر. وعمل فيها أطعمة كثيرة وغيرها من الحلوى والسكر المذاب والماورد والبخور مما ابتهج به الحاضرون وصاحب الوليمة.

стр. 664

وفي يوم الجمعة رابع عشر الشهر وصلت قافلة المدينة الشريفة (١). وفي يوم الأحد سادس عشر الشهر وصل قاصد من جدة بأوراق وصلت من جهة اليمن فيها الإخبار بعود سلطان الهند بهادر شاه إلى تخت ملكه وأن المغل تركها وعاد لبلده. فانشرح الوزير بذلك، ثم تتابع الخبر هنالك، كما سيأتي مفصلًا إن شاء الله تعالى. وفي مغرب ليلة الجمعة خامس عشر الشهر .... (٢) رؤساء الزمزم .... (٣) علو قبّة زمزم وجمعوا قضاة مكة الأربعة وبعض الفقهاء لعمل عقد أصغرهما المسمى عبد السلام بن أبي بكر بن عبد الله رئيس المؤذنين بالمسجد الحرام على ابنة الشيخ أيوب عبد السلام الأزهري القاهري الشافعي بحضرة أخيها المحبي محمد ولم يحضر أخوها الثاني لعدم رضاه به. وباشر العقد بها الشافعي أولًا وأوجب القبول أخوها وثبت ذلك عند الحنفي لعدم رضى أخيها (٤) الثاني، وذلك لجرأة الزوج وأخيها الثاني في أفعالهما وكثرة شرورهما. حمانا الله منهما. وكان اتفق في ليلة الأحد تاسع الشهر أنه مات الوزير بمكة الكمالي أبو الفضل محمد بن أبي علي المكي بعد وجعه مدة طويلة برياح وفتق كان به طال ألُمه به، وأراد الوصية ببعض الخيرات بترك بعض ديونه فما مكنه أخوه الجمالي محمد وولده الزيني عبيد، ومنعوا كثيرًا من الناس لزيارته وصار يُغفي ساعة ويفيق أخرى حتى قُبض، وجهّز في ليلته وصلّي عليه صبح تاريخه وشيعه جماعة من الأعيان وغيرهم ودفن بالمعلاة قريب الشيخ علي الشولي والجنيد وغيرهما. وفي يوم الجمعة رابع عشر الشهر عمل له ولده حتما بالمعلاة وبنى عليه تربة دائرة.

стр. 665

شهر رمضان المعظم استهل كاملًا بالإثنين من سنة ٩٤٣ هـ (١٥٣٧ م) في أوله اهتم صاحب مكة السيد أبو نمي بن بركات بن حسن بن عجلان بن رميثة بن أبي نمي الحسني في جمع العساكر من أهل ينبع والصفراوات والأودية والطائف وغيرهم وعرض لهم في فريقه قريب ساحل جدة في جهة اليمن. ويقال بلغ عدة خيلهم سبعمائة فرس منها ثلاثمائة للأشراف وبني حسن جماعته، ومن الرجل نحو ثلاثة آلاف غير الخيل والرجل في جهة اليمن على نية غزو أهل جازان وأميرها الشريف عامر بن العزيز يوسف ابن أبي الغوائر أحمد بن حريب بن خالد بن قطب الدين الحسني السليماني لما وقع بينهما من الكلام، وكثرة الملام. فالله تعالى يصلح أحوالهما. وفي صبح يوم الأحد سابع الشهر وصل لمكة صاحبها السيد أبو نمي الحسني - أيده الله تعالى - فهرع الناس من الأعيان وأرباب الوظائف للسلام عليه، منهم وزير الهند آصف خان، وأقام بمكة يومين. وفي مغرب ليلة الثلاثاء ثالث وصوله دخل إلى المطاف الشريف وطاف به طواف الوداع ونادى له الرئيس أبو عبد الله فوق ظلة زمزم بالدعاء في كل شوط بالنصر والظفر والتمكين، وعوده إلى بلد الله الأمين. وضجّ الطائفون له بالدعاء أيضًا. فالله يجعلها ساعة إجابة لهم. ثم إنه صلّى خلف المقام ووسط الحجر الشريف ودعا الله تعالى وخرج من باب حزورة إلى جهة درب اليمن مقتديًا في ذلك بجده المصطفى ﷺ ، وخرج معه القاضيان الشافعي المفصول البرهاني إبراهيم بن ظهيرة والمالكي المتولي التاجي بن يعقوب وعادا من جهة بركة الماجن. كتب الله سلامته وبلّغه مقصده.

стр. 666

وفي عصر يوم الجمعة خامس الشهر وصل لمكة الزيني محمود ابن الأمير شرف الدين الحمزاوي وصحبته جارنا الشيخ برهان الدين إبراهيم بن علي بن إبراهيم القدسي الحنفي والشيخ علم الدين .... (١) العباسي الشافعي نزيلا مكة على هُجنٍ من المدينة الشريفة ولهم عنها عشرة وتركوا والد أولهم بها لعمارة منزل له فيها ويعود لمكة بعد الفطر لكون عياله بمكة. وفي ظهر يوم الجمعة ثاني عشر الشهر شرع الشيخ العلامة مفتي المسلمين شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد (٢) الهيتمي الشافعي الشهير بابن حجر نزيل مكة في قراءة كتاب الشفاء للقاضي عياض في حضرة وزير الهند الأعظم آصف خان، عظم الله له الشأن، وذلك بمنزل سكنه بسؤاله له عقب سؤال صاحبنا العلامة الزاهد مفتي المالكية جمال الدين محمد الحطاب الطرابلسي المغربي - نفع الله به ووافقه .... (٣) فقدّر الله تعالى حصول الفرج في رابع يوم قراءته يوم الإثنين خامس عشر الشهر بوصول قاصد من الهند في غراب لشخص يقال له رومي خان ونزل من جهة اليمن واسمه خوجكي محمد الشرواني وذلك وقت الضحى بغتة فوقعت (٤) له فرحة عند الوزير وجماعته الهنود ودقت الطبول والنفوط والطبلخانة والمغاني وهرع الأعيان وغيرهم لتهنئته، فأظهر الفرح والسرور وخلع على الواصل خلعة قفطان أخضر مدنّر وأعطاه قرصا من الذهب يُقال زنته مائتين وخمسين مثقالًا بألف دينار وعشر شاشات ومثلها بيارم ثمنها مع ثمن الخلعة نحو خمسمائة دينار. ووصل مع القاصد عدة مطالعات من التجار الواصلين من الهند والمقيمين بها فيها أخبار السلطان مفصلة، منها أن سلطان المغل محمد همايون ترك الهند وتوجّه

стр. 667

إلى جهة مملكته لشدة الغلاء بها، وأن السلطان بهادر شاه حادت بعض جماعته الذين تركهم في مملكته مرة بعد أخرى وأنه ظفر ببعض خزانته من المال والأنقال. ووصلتني ورقة من صاحبنا الأصيل الجليل الشهابي أحمد بن محمد الجزولي المكي وهو ببلاد الديو مؤرخة بنصف رجب ومضمونها أن الهند حصل فيها غلاء ما شوهد أصلا، وصلت المائة البر والأرز عشر تنكات ولم تلق يعني الكيلة - بثمانية محلقة كبار، والذرة بثماني تنكات والكسري كذلك، لكن الآن نزل النصف وأزيد شوية والسمن السير (١) عن ثمانية أواق بخمسة تنكات، والسليط السير بأربع تنكات والقماش الذي كان .... (٢) بتنكة صار بأربعة والقماش السواد كذلك وكل شيء تغير، فسبحان من يغيّر ولا يتغيّر. والمعاملة الذهب والفضة زاد سعرها عن العام الثلث والسلطان بهادر ماله مستقر في مكان عزم إلى جهة الراربوت - يعني الكفار من رعيته - لكونهم خذلوه في حرب عدوه، وأن الظلم زاد في المعشرات وغيره، ولا عند السلطان وزير فيه الخير والمعروف ولا يقدر أحد يشير على السلطان بشَور، والفرنج المخذولون (٣) تمكنوا من البلاد وبنوا لهم فيها حصارًا كبيرًا على رأس الخور، ولا يقدر أحد أن يدخل ولا يخرج ولا يسافر إلى مكان إلّا برضاهم وبخطهم، فالله تعالى يخرجنا منها سالمين. وقد مات تاجر كبير رومي اسمه بخشي وخلّف مالًا كبيرًا أوصى به للحرمين الشريفين وعمل عليه وكيلًا، وماله محبّرٌ في الديوان والوكيل عزم وراء السلطان ولا ثم وكيل لأهل الحرمين، وصار المال مأكلة للظلَمة وغيرهم. والذي واصل إلى جدة من المراكب خمسة: محمود شاه للسلطان، ومركب

стр. 668

الخواجا محمد علي شاه بندر البلاد وكلمته مسموعة عند الديوان، وغراب وصل فيه وزير تركي من أهل الدكن اسمه حرسة خان، وبابه (١) مصطفى الرومي، وغراب رومي خان الذي وصلت فيه هذه الأوراق إليكم. والقماش قليل ولا هو مليح. وتعيّن إلى المخا نحو عشرين مركبًا غالب شحنتها قطن و ..... (٢) أبيض كاسر خفيف خرج الحبشة وتقرب إلى زيلع خمسة مراكب وإلى دهلك مركبان وإلى جازان مركبان (٣) أحدهما لطيف لرجل شامي اسمه محمد بن الحلواني، وقال صاحبه: نصف المركب نذر لأهل الحرمين، والواصلون يعرفونكم (٤) بالأمور مفصّلة. انتهى ملخصا. وقال الواصلون: إنّ المغل توجّهوا من كنباية وأعمالها في شهر المحرم أول السنة وأن السلطان بهادر قاتل بعض نوابه المقيمين في بلاده واستولى عليها وظفر ببعض أمواله. فالله تعالى ينصره. واتفق لوزيره آصف خان - عُظّم له الشأن - أنه لما بلغه خبر ظفر سلطانه وعوده إلى بعض بلدانه أظهر الفرح والسرور وأمر بشراء جميع منا في الأسواق والمسعى من المأكولات والحلوى بمبلغ كبير - يقال نحو سبعمائة أشرفي - وتوجّه بعد صلاة العصر إلى التنعيم في .... (٥) مع جماعة من أتباعه واعتمر منها وعاد بعد المغرب وطاف وسعى وفرّق جميع المأكولات على من حضر مجلسه من أتباعه بكامل الجمال حتى أذهبها شذر مذر، ولم يأخذها الفقراء بل الأغنياء. وذكر أن فعل ذلك عادة لأهل الهند عند نصرة السلطان على عدوه.

стр. 669

في ضحى يوم الثلاثاء سابع عشر الشهر ثاني التاريخ الماضي وصل لمكة قُصّاد من القاهرة فيهم القائد صبح الحبشي الحبشي فتى السيد عرار بن عجل الحسني صهر صاحب مكة الشريف أبي نمي، وفرحات الرومي مملوك نائب مصر الجديد سليمان باشا الخصي الرومي، وقحماش مملوك الأمير جانم الحمزاوي وغيرهم، وصحبتهم عدة مراسيم ويقال عشر خلَع منها ستة لمكة وأربعة في غيرها من البلدان. فالذي لمكة لصاحبها وولده ونائب جدة ولوزير الهند آصف خان ولابن ملك التجار والسيد محمود ابن أخي (١) الحمزاوي. والباقي لصاحب زبيد وجازان والشحر وعدن. فتوجّه القُصّاد إلى منزل صاحب مكة لمواجهة ولده السيد أحمد فسلموا عليه، ثم بعده قصدوا وزير الهند ثم ولد ملك التجار ثم الزيني محمود ابن الأمير جانم الحمزاوي لغيبة أبيه بالمدينة. ثم توجّهوا لسكنهم في مدرسة الأشرف قايتباي المجاورة لباب السلام والمسجد الحرام. ثم أعطوا الناس عدة أوراق وفيها الإخبار بوصول نائب مصر الباشا سليمان إليها وصحبته الأمير جانم الحمزاوي في سابع عشر شهر رجب وأنهم مقيمون بها نحو الشهرين على نية جهاز المراكب والعسكر إلى الهند لنصرة السلطان بهادر شاه كما رسم به الخنكار سليمان خان ابن عثمان، أدام الله نصره وعزه، ونية الأمير جانم الحمزاوي يتوجّه فيها مع العساكر المنصورة. وأن السلطان أمر بولاية قاضي عسكر رومي اسمه مصطفى قاضي حلب كان لبلاد مكة وأن قاضي مصر أحمد جلبي عُين للمدينة الشريفة وعزل قضاة الحرمين من العرب. فكثرت القالات من المغرضين، ولم يتأمّلوا عاقبة الضررين. ولم يمتنع الحكام من مباشرة الأحكام لعدم صحة هذه الأخبار وأضرابها عند إشاعتها. والله أعلم

стр. 670

بحقيقتها. وأخبر القُصاد بوصول عمدة الملك الهندي إلى بلاد إسطنبول قبل خروج سليمان باشا منها بيوم واحد وأنه واجهَ الخنكار وأنعم عليه بالإنعام وهو يصل مع الحاج المصري، إن شاء الله. وأعطى القصَّاد الوزير آصف خان مرسومه وخلعته الواصلتين صحبتهما، وأرسلوا لصاحب مكة الشريف أبو نمي يخبرونه (١) بوصولهم ليعود إليهم حتى يسمع المراسيم ويلبس خلعته فوجدوه أبعد عن مكة إلى جهة حلي فما أمكنهم إلّا التوجّه إليه في أواخر شهر رمضان. وفي العشرين منه وصلت الوزير آصف خان عدة مطالعات من إخوانه وأهله يخبرونه بحالهم وما جرى لهم بعده، ومنها وفاة أخيه الصغير من أبيه واسمه عبد الحي، فتشوّش لذلك وظهر عليه الحزن واستشار بعض الخواص في إظهار ذلك أو كتمانه وإظهار السرور بخبر نصرة سلطانه. ثم جاءته (٢) ورقة منه وعليها خطه ويقال له … (٣) وعرفه فيها بخبره (٤) وما اتفق له فأظهر السرور وهنّأه الأكابر بذلك، فالله تعالى يبلغه كل خير هنالك بمحمد وآله أمين. واتفق في آخر الشهر انقطاع الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر المصري الشافعي بالحمّى الباطنية وتحريك دموية ترك من أجلها قراءة الشفاء في بيت الوزير بعد قراءته لنحو ثلاثة أرباعه ثم إنه أرسل له بكسوة صوف وشاشين وبيرم وقطعة ذهب يُقال وزنها خمسة وعشرون مثقالًا ونصف من عود وصفريتين (٥) ماء ورد
следующие страницы →