وفي عصر يوم الجمعة خامس الشهر وصل لمكة الزيني محمود ابن الأمير شرف الدين الحمزاوي وصحبته جارنا الشيخ برهان الدين إبراهيم بن علي بن إبراهيم القدسي الحنفي والشيخ علم الدين .... (١) العباسي الشافعي نزيلا مكة على هُجنٍ من المدينة الشريفة ولهم عنها عشرة وتركوا والد أولهم بها لعمارة منزل له فيها ويعود لمكة بعد الفطر لكون عياله بمكة.
وفي ظهر يوم الجمعة ثاني عشر الشهر شرع الشيخ العلامة مفتي المسلمين شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد (٢) الهيتمي الشافعي الشهير بابن حجر نزيل مكة في قراءة كتاب الشفاء للقاضي عياض في حضرة وزير الهند الأعظم آصف خان، عظم الله له الشأن، وذلك بمنزل سكنه بسؤاله له عقب سؤال صاحبنا العلامة الزاهد مفتي المالكية جمال الدين محمد الحطاب الطرابلسي المغربي - نفع الله به ووافقه .... (٣) فقدّر الله تعالى حصول الفرج في رابع يوم قراءته يوم الإثنين خامس عشر الشهر بوصول قاصد من الهند في غراب لشخص يقال له رومي خان ونزل من جهة اليمن واسمه خوجكي محمد الشرواني وذلك وقت الضحى بغتة فوقعت (٤) له فرحة عند الوزير وجماعته الهنود ودقت الطبول والنفوط والطبلخانة والمغاني وهرع الأعيان وغيرهم لتهنئته، فأظهر الفرح والسرور وخلع على الواصل خلعة قفطان أخضر مدنّر وأعطاه قرصا من الذهب يُقال زنته مائتين وخمسين مثقالًا بألف دينار وعشر شاشات ومثلها بيارم ثمنها مع ثمن الخلعة نحو خمسمائة دينار.
ووصل مع القاصد عدة مطالعات من التجار الواصلين من الهند والمقيمين بها فيها أخبار السلطان مفصلة، منها أن سلطان المغل محمد همايون ترك الهند وتوجّه
стр. 667
إلى جهة مملكته لشدة الغلاء بها، وأن السلطان بهادر شاه حادت بعض جماعته الذين تركهم في مملكته مرة بعد أخرى وأنه ظفر ببعض خزانته من المال والأنقال.
ووصلتني ورقة من صاحبنا الأصيل الجليل الشهابي أحمد بن محمد الجزولي المكي وهو ببلاد الديو مؤرخة بنصف رجب ومضمونها أن الهند حصل فيها غلاء ما شوهد أصلا، وصلت المائة البر والأرز عشر تنكات ولم تلق يعني الكيلة - بثمانية محلقة كبار، والذرة بثماني تنكات والكسري كذلك، لكن الآن نزل النصف وأزيد شوية والسمن السير (١) عن ثمانية أواق بخمسة تنكات، والسليط السير بأربع تنكات والقماش الذي كان .... (٢) بتنكة صار بأربعة والقماش السواد كذلك وكل شيء تغير، فسبحان من يغيّر ولا يتغيّر. والمعاملة الذهب والفضة زاد سعرها عن العام الثلث والسلطان بهادر ماله مستقر في مكان عزم إلى جهة الراربوت - يعني الكفار من رعيته - لكونهم خذلوه في حرب عدوه، وأن الظلم زاد في المعشرات وغيره، ولا عند السلطان وزير فيه الخير والمعروف ولا يقدر أحد يشير على السلطان بشَور، والفرنج المخذولون (٣) تمكنوا من البلاد وبنوا لهم فيها حصارًا كبيرًا على رأس الخور، ولا يقدر أحد أن يدخل ولا يخرج ولا يسافر إلى مكان إلّا برضاهم وبخطهم، فالله تعالى يخرجنا منها سالمين.
وقد مات تاجر كبير رومي اسمه بخشي وخلّف مالًا كبيرًا أوصى به للحرمين الشريفين وعمل عليه وكيلًا، وماله محبّرٌ في الديوان والوكيل عزم وراء السلطان ولا ثم وكيل لأهل الحرمين، وصار المال مأكلة للظلَمة وغيرهم.
والذي واصل إلى جدة من المراكب خمسة: محمود شاه للسلطان، ومركب
стр. 668
الخواجا محمد علي شاه بندر البلاد وكلمته مسموعة عند الديوان، وغراب وصل فيه وزير تركي من أهل الدكن اسمه حرسة خان، وبابه (١) مصطفى الرومي، وغراب رومي خان الذي وصلت فيه هذه الأوراق إليكم.
والقماش قليل ولا هو مليح. وتعيّن إلى المخا نحو عشرين مركبًا غالب شحنتها قطن و ..... (٢) أبيض كاسر خفيف خرج الحبشة وتقرب إلى زيلع خمسة مراكب وإلى دهلك مركبان وإلى جازان مركبان (٣) أحدهما لطيف لرجل شامي اسمه محمد بن الحلواني، وقال صاحبه: نصف المركب نذر لأهل الحرمين، والواصلون يعرفونكم (٤) بالأمور مفصّلة. انتهى ملخصا.
وقال الواصلون: إنّ المغل توجّهوا من كنباية وأعمالها في شهر المحرم أول السنة وأن السلطان بهادر قاتل بعض نوابه المقيمين في بلاده واستولى عليها وظفر ببعض أمواله. فالله تعالى ينصره.
واتفق لوزيره آصف خان - عُظّم له الشأن - أنه لما بلغه خبر ظفر سلطانه وعوده إلى بعض بلدانه أظهر الفرح والسرور وأمر بشراء جميع منا في الأسواق والمسعى من المأكولات والحلوى بمبلغ كبير - يقال نحو سبعمائة أشرفي - وتوجّه بعد صلاة العصر إلى التنعيم في .... (٥) مع جماعة من أتباعه واعتمر منها وعاد بعد المغرب وطاف وسعى وفرّق جميع المأكولات على من حضر مجلسه من أتباعه بكامل الجمال حتى أذهبها شذر مذر، ولم يأخذها الفقراء بل الأغنياء. وذكر أن فعل ذلك عادة لأهل الهند عند نصرة السلطان على عدوه.
стр. 669
في ضحى يوم الثلاثاء سابع عشر الشهر ثاني التاريخ الماضي وصل لمكة قُصّاد من القاهرة فيهم القائد صبح الحبشي الحبشي فتى السيد عرار بن عجل الحسني صهر صاحب مكة الشريف أبي نمي، وفرحات الرومي مملوك نائب مصر الجديد سليمان باشا الخصي الرومي، وقحماش مملوك الأمير جانم الحمزاوي وغيرهم، وصحبتهم عدة مراسيم ويقال عشر خلَع منها ستة لمكة وأربعة في غيرها من البلدان.
فالذي لمكة لصاحبها وولده ونائب جدة ولوزير الهند آصف خان ولابن ملك التجار والسيد محمود ابن أخي (١) الحمزاوي. والباقي لصاحب زبيد وجازان والشحر وعدن. فتوجّه القُصّاد إلى منزل صاحب مكة لمواجهة ولده السيد أحمد فسلموا عليه، ثم بعده قصدوا وزير الهند ثم ولد ملك التجار ثم الزيني محمود ابن الأمير جانم الحمزاوي لغيبة أبيه بالمدينة. ثم توجّهوا لسكنهم في مدرسة الأشرف قايتباي المجاورة لباب السلام والمسجد الحرام.
ثم أعطوا الناس عدة أوراق وفيها الإخبار بوصول نائب مصر الباشا سليمان إليها وصحبته الأمير جانم الحمزاوي في سابع عشر شهر رجب وأنهم مقيمون بها نحو الشهرين على نية جهاز المراكب والعسكر إلى الهند لنصرة السلطان بهادر شاه كما رسم به الخنكار سليمان خان ابن عثمان، أدام الله نصره وعزه، ونية الأمير جانم الحمزاوي يتوجّه فيها مع العساكر المنصورة. وأن السلطان أمر بولاية قاضي عسكر رومي اسمه مصطفى قاضي حلب كان لبلاد مكة وأن قاضي مصر أحمد جلبي عُين للمدينة الشريفة وعزل قضاة الحرمين من العرب.
فكثرت القالات من المغرضين، ولم يتأمّلوا عاقبة الضررين. ولم يمتنع الحكام من مباشرة الأحكام لعدم صحة هذه الأخبار وأضرابها عند إشاعتها. والله أعلم
стр. 670
بحقيقتها.
وأخبر القُصاد بوصول عمدة الملك الهندي إلى بلاد إسطنبول قبل خروج سليمان باشا منها بيوم واحد وأنه واجهَ الخنكار وأنعم عليه بالإنعام وهو يصل مع الحاج المصري، إن شاء الله.
وأعطى القصَّاد الوزير آصف خان مرسومه وخلعته الواصلتين صحبتهما، وأرسلوا لصاحب مكة الشريف أبو نمي يخبرونه (١) بوصولهم ليعود إليهم حتى يسمع المراسيم ويلبس خلعته فوجدوه أبعد عن مكة إلى جهة حلي فما أمكنهم إلّا التوجّه إليه في أواخر شهر رمضان.
وفي العشرين منه وصلت الوزير آصف خان عدة مطالعات من إخوانه وأهله يخبرونه بحالهم وما جرى لهم بعده، ومنها وفاة أخيه الصغير من أبيه واسمه عبد الحي، فتشوّش لذلك وظهر عليه الحزن واستشار بعض الخواص في إظهار ذلك أو كتمانه وإظهار السرور بخبر نصرة سلطانه. ثم جاءته (٢) ورقة منه وعليها خطه ويقال له … (٣) وعرفه فيها بخبره (٤) وما اتفق له فأظهر السرور وهنّأه الأكابر بذلك، فالله تعالى يبلغه كل خير هنالك بمحمد وآله أمين.
واتفق في آخر الشهر انقطاع الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر المصري الشافعي بالحمّى الباطنية وتحريك دموية ترك من أجلها قراءة الشفاء في بيت الوزير بعد قراءته لنحو ثلاثة أرباعه ثم إنه أرسل له بكسوة صوف وشاشين وبيرم وقطعة ذهب يُقال وزنها خمسة وعشرون مثقالًا ونصف من عود وصفريتين (٥) ماء ورد
стр. 671
وأمر بختم الشفاء في منزله، فقرأ ورقة من آخره وختمه.
وسبب وجعه كثرة اجتهاده في إلقاء الدروس ليلًا ونهارًا في المسجد الحرام واجتماع العامة عليه، وصار له شهرة أدى ضررها إليه.
واتفق لي أني ختمت قبله قراءة صحيح البخاري لسلطان الهند بهادر شاه - بلغه الله مناه - وذلك بالمسجد الحرام (١) حضره جماعة من المشائخ والفضلاء الأعلام وجعلتُ فيه البخور والماورد والريحان، وأرسلتُ ببعض الطيب للوزير، فأثابني على ذلك بمبلغ يسير أشرك معي أخي في خمسة وعشرين مثقالًا ذهبًا، وذلك بواسطة محاضر السوء جازاهم الله تعالى على فعلهم. مع أن الوزير المشار إليه قسم على خاتمة رمضان مبرة على جماعة مخصوصين من خمسة وعشرين مثقالًا إلى خمسة مثاقيل، وكان عيّن كثيرًا من الناس كالقضاة المتولين والمفصولين وغيرهم من أرباب الوظائف ثم تركهم لأجل كثرة الخلاف من محاضر السوء. لا كثّر الله منهم ولا طرح في حياتهم البركة.
وفي العشر الأخير من رمضان سافر من مكة نائب جدة المفصول سليمان الرومي إلى جهة مصر لطلب نائبها له وأمر نائب جدة الجديد مصطفى بإبطال دق الطبول على جبل أبي قبيس لدفع الضرر على الطائفين فسمع ذلك السيد أحمد ابن صاحب مكة السيد أبي نمي فقال: هذه عادة لصاحب مكة خدمة له وللعيد ولا يمكن إبطالها في [غياب] (٢) والدي، وفيها فأل عليه، فشُكر على قوله وفيها إحياء لشعار عيد المسلمين على عادة الأقدمين. بل هي سنة كما ورد في الأحاديث بلعب الحبشة في المسجد النبوي، وكانت زوجته السيدة عائشة ابنة الصديق تنظرهم من شق الباب وخدها على خد النبي ﷺ وبقوله ﷺ
стр. 672
للصديق لما نهى الجواري عن لعبهن بالدفوف في منزله: دعهن هذا عيدنا أهل الإسلام (١)، إلى غير ذلك من الأحاديث.
شهر شوال المبارك استهل ناقصًا بالثلاثاء، رُئي قبل أذان المغرب من سنة ٩٤٣ هـ (١٥٣٧ م)
وكان الجو صاحيًا وكبّر العدول الذين أرسلهم قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف باكثير من علو جبل أبي قبيس قبل صلاة المغرب، ثم كبّر الريس علو زمزم بعد صلاتها وضج الناس بالتكبير والتهليل وكانت ساعة بهجة وليلة نيّرة.
وفي صباحها صلّى بالناس صلاة العيد الخطيب عبد القادر العراقي المدعو محيي الدين الحمصاني وخطب خطبة طويلة شحنها بكثير من الأحاديث والمواعظ التي لم يقع لها موقع في القلوب، وطوّل فيها حتى آذى الناس بحر الشمس وشكوه إلى علام الغيوب. ولم يلتفت لملل الناس وضررهم ولقوله ﷺ لمعاذ ﵁: ﴿أفَتّان أنتَ يا معاذ تجاوز بالناس فإن فيهم الضعيف والمسكين وذا الحاجة﴾ (٢).
وكنتُ أنا وكثير من الناس ممن ناله الضرر يحصر البول ونويت القيام في أثناء الخطبة، وأقول ما وقع لي مسلسلًا في حديث يوم العيد ﴿من أراد أن يسمع الخطبة فليسمع، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف﴾. فإن هذه الخطبة بدعة لطولها، وتركتُ ذلك خوفًا من السمعة أو لبلاغ النفس حظها لما بيني وبينه من الفتنة. فالله تعالى ينظر إلى جيران بيت الله الأمين، ويُرحّل عنهم المفسدين، بمحمد وآله آمين.
وفي ضحى يوم الخميس ثالث الشهر ولد الولد شرف الدين يحيى بن أبي بكر
стр. 673
ابن الجمالي يوسف بن يحيى ابن … (١) الشهير بابن المكي رأس المباشرين بالقاهرة كان والمقيم بمكة الآن، وأمه المرأة الجليلة فاطمة ابنة الخواجا شرف الدين يحيى بن علي المصري الأصل المكي ويعرف بالمغربي - ولم تلد غيره - وفرح لها أصحابها، وعملت لها سابعًا بجمع النساء والولدان. فالله يحييه لها ويقرّ عينها وأبيه به.
وفي ليلة الأربعاء تاسع الشهر نُعي على إمام الشافعية لمقام الخليل بمكة البهية العلامة الجليل أبي الفداء إسماعيل ابن الإمام أبي السعادات الطبري المكي بها، وأخذ العزاء فيه. وكان في أول السنة توجّه إلى صنعاء اليمن لمواجهة إمام الزيدية بها سلطانها فخر الدين بن شرف الدين بن يحيى الحسني فواجهه فيها مرة واحدة وأهدى له هدية فاخرة مع قصيدة مدحه بها في الثلث الأول من شهر رجب، ونزل من عنده وانقطع بمنزله نحو جمعة ومات في ثامن عشر رجب المذكور - يقال مسمومًا - وهذا معتقد الزيدية في إباحة دم الشافعية، ولو سلِم منه وعاد إلى وطنه كان خلاف معتقده، لكن الأعمار مساق إلى التربة والأقدار، وصار بعض الناس ينكر حدوث وفاته، وتحدثوا بحياته، حتى جاءت الأوراق بصحتها وأن جماعة إمام الزيدية أخذوا بعض مخلفه وتركوا نصفه عند وصيّه الشرفي يحيى الصنعاني سبط جوهر عتيق ابن الزمن المكي.
وخلف الإمام الطبري بمكة زوجة وذكرًا وثلاث بنات صغار جبرهم الله تعالى ورحمه وإيانا.
وفي ضحى يوم الأحد عشري الشهر شرع قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف بن أبي كثير الكندي في تفرقة حسب الصدقة الخنكارية العثمانية، على أهل مكة البهية، وحضر معه القضاة الثلاثة في وكالة الأشرف قايتباي جهة المدعى على عادتها. وكثُر فيها من الأسماء والمباشرين زيادة على مألوفها. وسمعت أنه بلغ عدد
стр. 674
الأسماء ستة وثلاثين (١) ألف نفس بزيادة نحو العشرة. وإذا حقّقتَ وجدتَ مأكلة للمتقدمين، فالله تعالى لا يصلح عمل المفسدين، وجعل لكل نفر كيلة ونصف بل أقل ويأخذ القضاة وأهل الجاه بالأرادب.
واتفق لي أني طلبتُ ما يخصني وبعض جيراني وأقاربي فدخل إلى منزلي ثلاث حصص ظهر لي فيها غرض أهل القسمة في الرياء، فإنه لي اثنا عشر قسمًا جعلتُ عشرة على قدر عيالي بلا زيادة، ولوالدة الشيخ - شيخ الشافعية - أبي الحسن البكري ستة أسماء وهي بمفردها، وللشيخ إبراهيم الحنفي عشرة أسماء وهو في نصفها. فعلمتُ الخيانة وغرض المقدمين في القسمة. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
واستمرت القسمة إلى نحو ثلاث جُمَع إلى وقت سفر قاضي الشافعية لجدة وحدثت (٢) فيها حوادث من الشرور، وبهدلة أهل الظهور. كفانا الله وجميع المسلمين شر المؤذين.
وفي آخر شهر تاريخه وصل قاصد من جهة اليمن أرسله صاحب مكة السيد أبو (٣) نمي محمد بن بركات الحسني ومعه عدة أوراق لقاضي الشافعية المفصول البرهاني بن ظهيرة وقاضي المالكية القاضي ابن يعقوب ووزير الهند آصف خان وغيرهم من الأعيان: فيها إخبار الشريف بأنه دخل إلى حلي في رابع عشر تاريخه وعرض فيها بعسكره عرضة حسنة، بلغت عدة خيله ستمائة ورجله سبعة آلاف وأنه أرسل قصاد الخنكار إلى جهة اليمن من البحر لما أمِروا به، وقصد الشريف التوجّه لمحاربة خصمه صاحب جازان. فالله تعالى يشيد أركانه ويصلح أحوال المسلمين، ويرده إلى بلد الله الأمين.
стр. 675
شهر ذي القعدة الحرام استهل كاملا بالخميس من سنة ٩٤٣ هـ (١٥٣٧ م)
في عصر يوم السبت عاشر الشهر سافر الجدة قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف بن أبي كثير.
وفي هذه الجمعة أشيعت (١) وفاة سلطان الهند بهادر شاه ابن مظفر شاه ابن محمود شاه الملك الكجراتي، فتشوش وزيره آصف خان وتنبّه لنفسه بردّ الكتب التي استعارها من الناس أو ساوم في بيعها وبعضها مني. وأن السلطان أذن له في ذلك مع التصرف في النفقات وإيصال المبرّات لمستحقيها وذلك بشهادة شيخه ميا عمر والخواجا خليل القيلاني أمين المبرة الهندية وغيرهما.
واستبطأ التجار وصول المراكب من الديو فقدر (٢) الله تعالى أن في يوم الإثنين ثاني عشر الشهر وصل بعض الهنود من البر من جهة اليمن وأخبر أنه نزل من تركب شاه بندر محمد علي وهو قريب جدة وواجه الوزير آصف خان وحقّق له قتل سلطانه في ثالث شهر رمضان وذلك من الفرنج المخذولين في الديو. وكان توجّه إليهم في غراب وصحبته نحو عشرة أنفس من جماعته مستهونًا بأمره، فطلع إلى مركب قبطانهم فسلم عليه ونزل من عنده ليتوجّه إلى محله فطلبه قبطان ثان ليطلع إلى كوتهم (٣) محل حصنهم فامتنع من ذلك فرطنوا الجماعتهم بالقبض عليه ففطن لهم فسلّ سيفه وقتل كبيرهم فسطا عليه باقيهم مع كثرتهم وقلة مَن معه فقُتل
стр. 676
باردًا (١) ورفقائه من المسلمين، وصار ذلك ثلمة في الدين.
فأمره الوزير بكتم ذلك فلم يكتم وصار أهل مكة في هرج ومرج وبعضهم يصدق ذلك وبعضهم يكذبه حتى وصل سليمان الرومي نائب جدة في ليلة الثلاثاء ثالث عشر الشهر وذهبوا في صباحه لتعزية الوزير، فانتشر الخبر وأشيع أن النائب قصده الختم على تعلّق السلطان بهادر شاه في حواصلها، فامتنع وزيره من فعل ذلك.
وفي ضحى يوم الأربعاء رابع عشر الشهر طلب نائب جدة القضاة الأربعة الحنفي والمالكي والحنبلي وأخو القاضي الشافعي لغيبته بجدة وتوجّه إلى منزل الوزير آصف خان وتكلم معه في الختم على حواصل مال السلطان بهادر شاه، ويترك جماعة من الأروام يحرسونها حتى يصل خبر الخنكار سليمان خان ابن عثمان إليهم فيها.
فامتنع من ذلك ويقال إنه أغلظ له في المقال فقال له الوزير: خذ المال عندك ولا يجلس أحد من الأروام عند عيال السلطان بهادر شاه. ففرح بذلك النائب وأتى بجمال لحمله إلى سكنه في القصر علو باب إبراهيم. وعدة الصناديق مائتان وخمسون وهي في الأصل أزيَد. وقال الوزير إنه تصرف فيها بإذن السلطان من النفقة على عياله وعسكره والمرتبات لأهل الحرمين والهدايا للخنكار ونائب الديار المصرية من الصناديق مائة، وفي كل واحد منها ضبط ما فيه من النقد وغيره في ورقة. وكتب بذلك محضرًا كتب القضاة خطوطهم فيه وأخذه الوزير عنده.
ونعى عيال السلطان بهادر عليه حينئذ وصار خبر موته عبرة، وعلى المساكين حسرة. ويقال إن نائب جدة لما نقل المال إلى منزله قبض الصناديق جميعها فجاء وزنها مائة وخمسة وعشرين قنطارًا، وأنه فتح بعضها فوجد فيها بعض سكة قديمة
стр. 677
من زمن محمد بن قلاوون وغيره وبعضها مصاغ وبعضها سبائك من الذهب الخالص، ويقال في كل صندوق سبعة آلاف من الأشرفية كل ألف بأربعة آلاف فيكون جملة ذلك سبعة لكوك، فسبحان مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
وفي عصر يوم السبت رابع عشري الشهر وصل لمكة قاصد من الديار المصرية وقصد منزل الأمير شرف الدين يحيى الحمزاوي أخي أمينها الأمير جانم ومعه مكاتبات له ولغيره. وذكر القاصد أنه فارق الحاج المصري من ينبع ودخل في عشري الشهر. وكان تأخر عن خروجهم منها بنصف شهر، وأخبر أن عمدة الملك الهندي قاصد وزير الروم توجّه لزيارة القدس وأن نيته العود مع الحاج الشامي، وأن الخنكار سليمان خان ابن عثمان أنعم عليه بعدة إنعامات ورسم بجملة من التحف والهدايا لمرسله الوزير آصف خان وسلطانهم بهادر شاه، ومن جملة ذلك من النقد والمماليك والقماش والعنبر ومن المأكولات، وأنه يصلهم ذلك في بحر الطور.
وفي الأوراق من الأمير جانم الحمزاوي لقاضي الشافعية المفصول البرهاني بن ظهيرة أنه لم يتحقق خبرها أشيع من جهة الروم إلى وقت تاريخه وهو سادس ذي القعدة وإن وصل شيء فيكون مع الحاج الشامي، وتعرفونا بذلك حتى نمشي لكم فيما يعود نفعه عليكم. فكثرت القالات فيما أشيع من جهة ولاية قاض رومي لمكة وعزل قضاتها الأربعة، وهو يولي من شاء على عادة المملكة الرومية بها وفي الديار الشامية والمصرية. والمستعان بالله تعالى.
وفي يوم الإثنين خامس عشري الشهر أحرمت الكعبة الشريفة على عادتها القديمة.
وفي صبح يوم الثلاثاء ثاني تاريخه وصل لمكة من الفريق ابن صاحبها السيد أحمد ابن السيد أبي نمي بن بركات الحسني وهو خليفة أبيه في إمرة مكة لغيبته عنها
стр. 678
في محاربته صاحب جازان. فتوجه الأعيان للسلام عليه ووصل يوم تاريخه خيل كثيرة من جهة الشرق مقدم عليها الشريف .... (١) ابن شامان الحسيني خال السيد أبي نمي صاحب مكة، وعدّتها نحو مائة وسبعين فرسًا.
وفي ضحى يوم الأربعاء سابع عشري الشهر عرض أهل مكة بالسلاح ثم بعدهم أهل جدة والحبوش وتوجّهوا إلى منزل صاحب مكة بأجياد على العادة.
وفي ظهر تاريخه وصل لمكة بعض الحاج ومعه جملة أوراق منها ورقة من شيخ الشافعية أبي الحسن بن محمد ابن الشيخ جلال الدين محمد البكري - نفع الله به - لوالدته وفيها الإخبار بوصوله رفقة الحاج مع زوجتين له وولده وأخته وأولادها وجماعة من تلامذته ثم تتابع الحاج في تلك الليلة واليوم الموالي لها، قبلهم الله تعالى.
وفي صبح تاريخه دخل الشيخ أبو الحسن البكري وطاف وسعى و … (٢) له منزلًا في مدرسة صاحب مكة السيد محمد بن بركات الحسني جد صاحبها الآن في الرواق اليماني من المسجد الحرام بين بابي أم هاني وحزورة، وفرحت به أمه وكانت محاورة بمكة بمنزلي وهنّأني الناس بقدومه. فأظهر من العظمة أزيد مما كان قبل تاريخه وذكره أهل البلدين ونما أمره وبعُد صِيته عند الأكابر.
وفي عصر تاريخه توجّه صاحب مكة السيد أحمد بن أبي نمي الحسني لملاقاة أمير الحاج المصري الزيني مصطفى الجاركسي كاشف الشرقية - وكان أمير الحاج بالسنة الماضية - وصحبته قاضي المحمل أيضًا في السنة قبلها العلامة رضي الدين بن محمد ابن الشيخ محب الدين ابن القاضي محيي الدين بن عبد القادر بن محمد الشهير بابن الدهانة القاهري الحنفي (٣). [ويدَّعي أنه من ذرية الصديق وليس
стр. 679
لدعواه أصل] (١).
ورافق السيد أحمد قاضيا مكة الشافعي الزيني باكثير وقاضي المالكية التاجي عبد الوهاب بن يعقوب فواجههما أمير الحاج وقاضي المحمل بعزلهما مع بقية رفقتهما بمكة بقاض رومي وصل من الأبواب الخنكارية مع الحاج الشامي. فأشيع ذلك في البلاد، وتشوّش بسماعه كثير من العباد، والمستعان بالله تعالى.
شهر ذي الحجة الحرام استهل ناقصًا بالجمعة من سنة ٩٤٣ هـ (١٥٣٧ م)
وأوقِدت الشموع والشّعَل في المسجد الحرام ودخل أمير الحاج الشامي فطاف وسعى وعاد إلى الزاهر وبات به إلى الصباح وتوجّه له على العادة كأبيه السيد أحمد ابن صاحب مكة السيد أبي نمي وعرض له بعسكر أبيه عرضة حسنة فخلع فيها عليه وعلى الشريف عجل بن عرار النموي كعادة ولد كل واحد منهما ونزلوا معه لمكة. ونزل وطاق الحاج في باب المعلاة ودخل الأمير إلى مدرسة الأشرف قايتباي الجاركسي ولم يخرج لملاقاته قاضي الشافعية كعادته لإخباره بعزله. وتحقق الناس خبر قاضي العسكر حينئذ وأكد ذلك عدم تفرقة المبرة الرومية في أول وصول الأمناء لانتظاره مع الحاج الشامي. وتضرر أربابها من تأخيرها، والمستعان بالله تعالى.
ووصل مع الركب المصري ثلاثة أنفس من أهل مكة هم صاحبنا الشيخ الأصيل شهاب الدين أحمد بن الجمال المصري وعديله المحيوي عبد القادر الحضرمي والجمالي محمد بن عمر الدلال وأخبروا أنهم كانوا في بلاد الروم وحضروا بها الفصل.
стр. 680
ومات من أهل الحرمين والمترددين إليه أزيد من ثلاثين نفسًا، منهم في إسطنبول في ربيع الأول قريبي عطية بن أبي الخير بن فهد وفي رجب محمد بن عبد الله الحريري الشهير بالدميري ومحمد بن محمود الفومي ومحمد الأحوري اليمني وعبد ربه بن محمد بن حميد المدني، وفي أدرنة العفيف عبد الله بن ناصر وعبد العزيز الحجازي ومحمد بن علي بن جغبوب وأحمد بن يوسف الحلواني وولده المكتوب، ومن المدينة قاضيها خضر الرومي والشريف إبراهيم بن عادل وزين الدين ابن القاضي صلاح الدين القطان. وفي … (١) الجمالي محمد الهنيدي والأصيل خير الدين أبو الخير بن أبي البركات بن ظهيرة القرشي وأبو بكر بن إبراهيم المزين ومحمد بن عبد المعطي بن محب المدني.
وأشيع أن صر أهل الحرمين وصل إليهم كاملًا بواسطة أن قاضي العسكر بمصر نوى الحج عام تاريخه وأنه بطّل لأجل طلبه إلى الأبواب الشريفة الخنكارية. ويقال إنه وصل قاصد لمكة لأمير الحاج بتأكيد أخبار ذلك مع غيره مما لا أتحقق سماعه، ثم إن بعض الصر من الأوقاف فُرقت فرصة كعادتها: وقف أم الناصر ويلبغا العمري وشيخون ومنكلي بُغا والزمام وغير ذلك.
وفي صبح يوم السبت ثاني الشهر اجتمع أمير الحاج وابن صاحب مكة السيد أحمد بن أبي نمي في الحطيم الشريف وقُرئت مراسيم لأمير الحاج بالوصية عليه وعلى الحجاج وغير ذلك. فخلع أمير الحاج على السيد أحمد خلعة أبيه وطاف بها وكان فيها بهجا وعمره نحو ثلاث عشرة سنة، فالله تعالى يحفظه ويجمع شمله بأبيه.
وتوقف حال أهل مكة والغرباء القاطنين بها بعدم تفرقة المبرة الرومية فإنها عمدة أهل الحرمين في مدخول الموسم. فالله تعالى يديم أيام مرسلها، ويخذل من كان السبب في تأخيرها.
стр. 681
ثم في ظهر يوم الإثنين رابع الشهر وصل جماعة من الشاميين وأخبروا بمفارقتهم من خليص.
ثم في ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه تتابع الحاج الشامي بدخول مكة ووصل مكة وهو رومي اسمه محمد بك ابن مصطفى باشا الرومي أمير الحاج المصري كان في عام اثنين وثلاثين، فطاف وسعى وعاد إلى الزاهر فيات به إلى الصباح. فخرج لملاقاته السيد أحمد ابن صاحب مكة السيد أبي نمي بعسكره فخلع عليه خلعة أبيه وعرض له إلى وطاقه بالأبطح مع أمير الحاج المصري. وعاد كل منهما إلى منزله.
ووصل صحبة الشامي قاضي مكة الجديد وهو شيخ واسمه مصدر مصلح الدين مصطفى بن إدريس الرومي الحلبي قاضي حلب كان. ونزل في المدرسة الجمالية بجوار باب حزورة عند صهره مولانا أبي (١) القاسم بن الغباري الرومي الحنفي وهرع الفقهاء للسلام عليه ما عدا القضاة المفصولين فإنهم لما احتاجوا إليه ترددوا عليه. ولم يقم لأحد من أولاد العرب إلّا قليلًا، واهتم في يومه بتفرقة المبرّة الرومية بعد صلاة الظهر يوم وصوله لمكة علو الدكّة التي هي في ركن المسجد الحرام عند باب حزورة. وحضر عنده أمين الرومية وكاتبها والشيخ العدل الولوي أبو زرعة المنوفي والشيخ محيي الدين عبد القادر بن علي المزين أحد العارفين باللسان الرومي، وصار كل منهم يعرّف بالمستحقين فبدؤوا بصرف صرّ أولاد العرب واستمروا بقية النهار إلى آخره ثم انصرفوا. ووعدوا العجم في الليل فتوجّهوا للأمين في منزله بالمدرسة الكلبرجية عند باب الصفا فصرف لهم [المبرة] (٢) الرومية من بعد صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم تفرقوا من عنده.
وفي صباح ثاني تاريخه سابع ذي الحجة استمرت تفرقة الرومية لبقية أهل مكة
стр. 682
والعجم في المدرسة الكلبرجية بمحضر القاضي أبي (١) القاسم بن أبي السعادات الأنصاري المالكي بإذن من القاضي الرومي. وكذا في اليوم الأول وتوسع الناس في قبض الرومية إلّا أهل البيوت والأربطة والأسماء المتفرقة. ثم تُركت التفرقة في آخر النهار.
وفي يوم الجمعة ثاني تاريخه كان يوم التروية فاشتغل أهل مكة بالتوجّه إلى عرفة، فعزم أهل المدينة لقبض صرهم في الرومية فدفع لأكابرهم بحضرة شيخ الحرم النبوي محمود الرومي وقضاتها الأربعة، ولم يتغيّر أحد منهم وذلك لاتفاقهم وعدم دخول الغريب فيهم، وكملوا قبض صررهم في منى لرجّالتهم ومعرفتهم بمنفعتهم.
وكان وقع نزاع بين خطيبي مكة المحيوي العراقي والجمالي محمد بن أبي كثير في نصف الخطابة بالمسجد لأجل وصول مرسوم من الأبواب الخنكارية مضمونه أن الخطيب أحمد البخاري الحنفي كان ولي الخطابة في العام الماضي عن قاضي الحنفية بديع الزمان المرحوم ابن الضياء، وهو وليها عن محيي الدين العراقي كما يشهد به الرزنعمة (٢) يعني دفتر قاضي العسكر الناظر لي المفوض إليه ولاية العرب في الأقطار الحجازية. وأن محمد بن أبي كثير باق على ولايته، فدخل جماعة بينهما وأنه يباشر الخطبة العراقي يوم عرفة. ثم بعد الفراغ في الحج ينظرون في الحكم الواصل بعزل العراقي عند قاضي البلد الجديد الرومي. وسكت الشيخ محمد بن أبي كثير عن ذلك لعزل أخيه قاضي الشافعية الزيني عبد اللطيف هنالك. وباشر أحمد البخاري خطبة السابع والعراقي خطبة يوم الجمعة وكان يوم التروية مع جمعة يوم عرفه وهما من الأيام المعلومات المشهورات بالخير وذلك يوم السابع، وذلك
стр. 683
على قاعدة العراقي في التعدي وأعاد بعض الفضلاء الجمعة يوم التروية ظهرًا. والمستعان بالله.
وتأخر الحاج عن التوجّه إلى عرفة في صبح تاريخه لأجل صلاة الجمعة ونداء أمير الحاج لهم بذلك ووافق السنة فيها وإن كان حصل الضرر في زحام الناس في ذلك الوقت فلطف الله بهم وفرّج عنهم. ولله الحمد والمنة.
وفي يوم الخميس سابع الشهر طلب القاضي مصطفى الرومي قراءة مراسيمه للإعلام بولايته في الحطيم وطلب الشريف أحمد ابن صاحب مكة السيد أبي نمي الحسني فحضر بنفسه جماعة مع من أقاربه فقرب مرسوم القاضي وقرأه الشيخ أبو زرعة المنوفي على منبر خشب وأمير الحاج المصري ونائب جدة.
فسمعت في المرسوم تعظيمًا زائدًا للقاضي وأنه من أهل العلم والصلاح فقد اخترناه لبلد الله ورتّبنا له في كل عام ألفًا (١) وخمسمائة أشر في ذهبًا يأخذها من جدة، وستين (٢) إردبا من الحب الواصل من القاهرة. وأنه يكون مقدَّمًا على كل شريف وقاض وعالم، وأن يولّي من شاء من القضاة الأربعة، ولا يفعلون شيئا إلّا بأمره ولا يخالفونه في مرامه.
ثم بعد قراءة مرسومه لبس خلعة قفطان وطاف به أسبوعًا وأذن المغرب في طوافه، ولم يحضره أحد من الفقهاء إلّا القليل، وليس عنده التفات لمن حضر أو غاب عنه. وبعد صلاة المغرب توجّه إلى منزله، فالله تعالى يلطف بنا وبه.
وكانت الوقفة المباركة يوم السبت والحج هنيئًا والأسعار رخية في جميع المأكولات مع كثرة الماء في البرك. وبيعت الكباش الشرقية رخيصة وكذلك السمن المن بثلاثين كبير وحصل الأمن ووقف بالناس بإذن القاضي الجديد الرومي قاضي
стр. 684
المالكية شرف الدين أبو القاسم ابن القاضي أبي السعادات محمد بن أحمد ابن القاضي عبد القادر بن أبي القاسم بن أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد المعطي الأنصاري الخزرجي المكي، أعزه الله تعالى وكان له ولي.
فوافق هذا التفويض لبعض سلفه الماضيين وذكره القاضي تقي الدين الفاسي في تاريخه العقد الثمين، في أخبار بلد الله الأمين، وهو أن: عبد الرحمن بن عبد المعطي فوض إليه وإلى ابن أخيه الشرف عبد المعطي بن أحمد بن عبد المعطي الخليفية المستعينية بالله أحمد بن الطاهر محمد بن الناصر العباسي في سنة تسع وخمسين وستمائة (٦٥٩ هـ / ١٢٦١ م) النظر في مصالح المسجد الحرام وحضوره الخطبة والسكة باسمنا والمحمل وصعود الأعلام العباسية إلى جبل عرفات وغير ذلك من الجهات (١).
واتفق في أيام منى أن أمين الرومية فرق بمنزله في شعبة المصري على غالب أهل المدينة الذين حجوا وبعض الأسماء المتفرقة لأهل مكة ثم بعد نزوله إليها من منى يوم الأربعاء ثالث عشر الشهر فرق باقي الرومية والأربطة لمشائخها على العادة. وشرع حامل أوقاف مصر وهو ناظرها الجناب العالي الزيني عبد الوهاب في الدكة التي عند حزورة بالمسجد الحرام. وكان المعلوم لأوقاف القضاة الأربعة بالقاهرة مَصْرُورًا لكل واحد صرة من خرق كعادة أهل الشام، وهو فضة بالكامل لكنها مقطوعة من خيطها فعسرت تفرقتها في اليومين الأولين.
ثم في اليوم الثالث وهو يوم الخميس سادس عشر الشهر حُلت الصرر وأضيف بعضها إلى بعض فسهلت تفرقتها على أربابها ووصلت إلى مستحقيها بالتمام والكمال. وكان يصل ناقصا من زمن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي منذ خمسين سنة، ثم من أول الدولة الرومية في سنة ثلاث وعشرين
стр. 685
وتسعمائة (٩٢٣ هـ / ١٥١٦ م) وصل نقصها إلى ثلثها أو نصفها، بل في العام الماضي صُرفت على أربعة أخماس نصفها لأجل أفراد وقف البرج والغازية في الشام عن إيصالها القاهرة وتحمل إلى مكة. ومهما زاد بالقاهرة جعل زوائد على الصرر ويقسم على غير أهله وهو في الحقيقة نواقص على المقررين فيها.
فكتبتُ في العام الماضي لجماعة من أصحابنا العلماء والفضلاء النبهاء بشكوى أهل الحرمين لفعل ذلك وبضررهم به وبالذهب، فأرسل لي أحد من أرسلت له من الأعيان، وهو عين الشافعية الآن، العلامة الإمام، القدوة الهمام، مفتى المسلمين أبو العباس أحمد بن شهاب الدين السنباطي (١) متّع الله بحياته وأدام النفع به. وصورة كتابه:
"ومما نخبركم به أنه قد وصل إلينا مشرفكم في العام الماضي مع الحاج وذكرتم فيه ما حصل من المشقة في صرّ الحرمين من أمر الذهب ونقصه وما حصل من الضرر في أمر الزوائد وغير ذلك فاجتمعتُ بقاضي مصر الأفندي وذكرتُ له ذلك وما يحصل من جماعته تأخير الصرف أو نقصهم أو قطعهم أو غير ذلك وهو رجل يحب الخير ونعم الرجل. وكررت معه القول في ذلك مرارا فنحمد الله تعالى حصل له من الهمة والنخوة في تحرير ذلك والنظر في حال أهل الحرمين بنفسه وبيمينه. حتى آل الأمر في هذا العام بحمد الله تعالى إلى أنه يُصرف الصر كاملًا لكل مستحق، وصرف غالب ذلك فضة بعد أن استشارني في أنه هل يكمل للمستحقين صرهم أم يكتب (٢) الجماعات أخر من المنقطعين بمكة؟ فأجبت بالجمع بين المصلحتين، فنحمد الله تعالى كتب في الرسائل الصرف للمستحقين كاملًا وتقرير جماعات والزيادة لآخرين. ثم إني ذكرتُ له حالكم وعيالكم وما يحصل من النفع
стр. 686
بكم وأنكم تستحقون أن يُزاد لكم وما زلتُ به حتى كتب لكم الصرف ولبيتكم كاملًا ثم الزيادة لكم من وقف الشافعي مائة، نصف في كل عام. وكتبنا بذلك قصة وأخذنا خطه عليها، وجعلت تحت يد المباشرين حجة لمن يأتي بعده فيكون ذلك على علمكم". انتهى بحروفه.
فشكر الله سعي فاعل ذلك والساعي فيه وجزاهما أفضل الجزاء فإنهما سعيا في خير كبير لأهل الحرمين الشريفين المنقطعين في المحلين المنيفين وكتب ذلك في صحائفهما وله أجر هذه السنة الحسنة ومن عمل بها إلى يوم القيامة كما ورد في الحديث الشريف. وقد وصلتُ وجميع المستحقين لما هو مرتب لنا بالكامل، وكذا ما قرّر لي جديدا. فالله تعالى يجعل للساعي في ذلك خيرا مزيدًا. ثم بعد الفراغ من قسمة الأوقاف قبض مال البرج والغازية من حامل أوقاف الشام وكمل به لبقية المقررين من الزوائد.
وأحدث القاضي الجديد الرومي عدة أسماء فيها لنفسه وجماعته من الطاشماه (١) الأروام لكل واحد نحو مائة وستين وخمسين وغير ذلك. [وهذا من مزاحمة الأروام في رزق أهل مكة] (٢).
وفي يوم الإثنين ثامن عشر الشهر سافر الحاج كتب الله سلامته.
واتفق في ليلة الجمعة خامس عشر الشهر بعد العشاء بساعة كسف القمر (٣) كسوفًا كاملًا.
وكانت إقامة الحاج بمكة نحو عشرين يومًا. وسافر مع الركب المصري وزير الهند آصف خان - واسمه عبد العزيز - وصحبته جماعة من أصحابه وأتباعه منهم
стр. 687
إمام الحنفية السيد جمال الدين محمد بن أحمد البخاري الحنفي. واكترى مائة جمل لحمله وزاده والماء كل جمل بأحد عشر سلطانيا عن أربعة وأربعين أشرفيا جملتها ألف وأربعمائة أشرفي. وتوجّه صحبة الوزير إلى الوادي لوداعه جماعة منهم قاضيا القضاة البرهاني بن ظهيرة والمالكي التاجي بن يعقوب وغيرهم.
وسمعتُ أنه أنعم لبعضهم بقماش ونقد وفرّق على غيرهم جملة منهم شيخ الشافعية أبو الحسن البكري نحو مائة أشرفي فضة وكذلك الشيخ أبو زرعة لملازمته له. كتب الله سلامته ووجّه وجهه وردّه سالما غانما بمحمد وآله آمين.
وفي ضحى يوم الخميس رابع عشر الشهر حضر مكة المفصول الزيني عبد اللطيف باكثير ابن شيخنا عبد الله باكثير الشافعي إلى القاضي المتولي عوضه في موسم تاريخه الواصل صحبة الركب الشامي واسمه مصلح الدين مصطفى بن إدريس الرومي الحنفي بسبب الدعوى عليه من جهة تركة الخواجا آغا جان العجمي الذي مات في العام، وتوجّه ولده للأبواب الخنكارية للشكوى في القاضي. فحين حضور القاضي عبد اللطيف إلى القاضي الجديد قام له وأجلسه إلى جانبه، وادعى عليه الولد من جهة تركة أبيه فقال خصمه: هل ثبت رشده؟ فأجابه القاضي بالمحاسبة عن التركة وتحريرها في منزله حتى ينظر في أمرها، فقال له القاضي عبد اللطيف: أحاسب على ذلك ويكون أخي ونائبي بجدة القاضي عبد الرحمن وكيلي في سماع الدعوى عليه، فقام من المجلس وتوجّه إلى منزله. وجاءه أمير الحاج الشامي وحضر محاسبة .... (١) وأن له في التركة عمولة نحو ألفي أشرفي وخمسمائة وعند صاحب مكة أبي (٢) نمي نحو أربعة آلاف أشرفي، فعرّف القاضي الرومي بذلك فأرسل إلى الشريف أحمد ابن السيد أبي نمي يسأله عن المبلغ الذي عند والده فقال: لا أعرفه،
стр. 688
وأرسل إليه أسئلة، فقال: يحتاج القاضي إلى ضامن، فقال الشريف أحمد: أنا أضمنه، فطلب القاضي عبد اللطيف إلى منزله في يوم السبت سادس عشر الشهر وأجلسه عنده حتى يأتي جواب والده من بلاد جازان جهة اليمن. فكان في فعل ذلك تحيير عليه في سفره مع الحاج المصري والشامي، فإنه أظهر مرسومًا أنه إذا أراد السفر مع الحاج يسافر معهم ولا يمنع من ذلك. فكان منعه بوجه شرعي في دفع مال اليتيم وضمانه فيه. ومنع معه الخواجا مسعود الخلادي لكونه صرح بطلب الشكوى في أولاد المريسي نواب صاحب مكة.
وسافر عياله مع الحاج المصري وتخلف هو في منزل الشريف أحمد في جدة حتى سافر الحاج ثم أطلق وأقسم (١) برأس السلطان والشريف أنه لا يسافر عام تاريخه مع الحاج إلى مصر أو الشام وغيرهما، فكان ذلك إدراء للفتنة فإنه احتمى بنائب جدة الرومي ووقع منه كلام في حق صاحب مكة. والله تعالى يصلح أحوالهم ويلطف بالمسلمين ويكفينا شر المؤذين.
وكان في ليلة الجمعة خامس عشر الشهر بعد العشاء بساعة أنه انكسف القمر كسوفا كاملا بجميعه حتى أظلم الجو، وخطب الخطيب العراقي خطبة طويلة كعادته لم يقع لها موقع في موعظته لظلمه وتعدّيه في خطبته لكونه معزولًا من وظيفته.
وكان أيضًا في هذه الجمعة أن القاضي الرومي استناب الفقيه الأصيل نجم الدين محمد ابن الشيخ كمال الدين أبي البركات بن الزين الحنبلي في الحكم على مذهبه بمكة، وأن لا يحكم إلّا في محله بعد عرض كل قضية عليه. وسأل قاضي القضاة الشرفي أبا (٢) القاسم المالكي الأنصاري في قبول النيابة عنه والحكم على مذهبه، فتوقف في ذلك للاستخارة والاستشارة. ثم بلغني أنه سألهم في أربعة أشياء:
стр. 689
أن يكتب له قاضي القضاة، وأن يحكم في منزله من غير مشورة، وأن يأخذ معلوم القضاء، وأن يتدرك (١) له بجهة صاحب مكة، و [قبل] (٢) منه ذلك وهو لم يقبل، وعدّ الناس ذلك من عقله ورئاسته.
وفي يوم السبت ثاني تاريخه فرقت أوقاف الشام في مجلس قاضي مكة الجديد مصطفى الرومي عند باب حزورة بحضرة حاملها قاضي المحمل الشامي واسمه تاج الدين إبراهيم بن محمد الرومي، وكلها مصرورة على عادتها ومكتوبة جميعها في دفتر مجلد. وتعدى كثير من الناس على أسماء الغياب عن مكة والأموات مع وجود الأولاد، وذلك لكثرة الغرباء والمحدثين من الأحداث. وفي هذا ضرر على أهل الحرمين في خرم قواعدهم، وتعب الحرُم والصغار لعدم قدرتهم في السفر لطلب رزقهم. ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وفي يوم الإثنين ثامن عشر الشهر سافر الحاج المصري من مكة فكانت إقامتهم بها نحو عشرين يومًا. وسافر مع الحاج المصري وزير الهند آصف خان واسمه عبد العزيز.
وفي فجر يوم الثلاثاء ثاني تاريخه انتقل بالوفاة إلى رحمة الله تعالى الشيخ الجليل نور الدين أبو الحسن علي بن الجمال محمد بن أبي القاسم بن محمد بن علي بن حسين بن جوشن المكي أحد الأعيان من أصحاب الأموال والبيوت بمكة والوادي، [وكان كثير الوسواس في تكبيرة الافتتاح في الصلاة] (٣).
وخلّف ولدا صغيرًا عمره خمس سنين من جارية زنجية سماه عبد الملك
стр. 690
وزوجتين إحداهما (١) ابنة عمه ابن جوشن وثانيتهما (٢) أم الحسن ابنة الشيخ فخر الدين أبي بكر الشلح فتوجّه أخو الثانية الشيخ جمال الدين محمد إلى قاضي مكة الجديد مصطفى الرومي [وطلب] (٣) منه الإذن في جهازه والدين عليه حتى يظهر مخلفه. فأمر القاضي من يختم على حواصله حتى ينظر في حال ولده الصغير، وأذن له في جهازه فخُتم له حاصلان في منزله عند بيت عمه، وجهّز في يومه بحضرة وكيل ابن عمه الجمالي محمد بن أبي بكر بن حسن بن علي بن حوشن المكي لغيبته في الوادي. وصلّي عليه بعد صلاة عصر تاريخه وشيّعه جماعة الأعيان من ودفن على أبيه بالمعلاة بفم شعب النور، وذُكر بخير لزهده وورعه وكثرة عبادته، رحمه الله تعالى.
وفي ضحى يوم تاريخه فُرقت الصرر الحلبية في مجلس الرومي قاضي مكة البهية عند باب حزورة، وكان غالبها ذهبًا، واستمروا فيها أيامًا لاشتراك الناس فيه مع بعضهم. وبلغنا أن النظار عليها رؤساء حلب أولاد القاضي جلال الدين النفيسي (٤) عزلوا عن التكلم على جهاتها وهم السبب في تقريرها وتأسيس خيرها لأهل الحرمين الشريفين. فالله تعالى يجازيهما بكل خير ويدفع عنهما الشر والضير.
وفي جمعة تاريخه اجتمع خطباء مكة عند قاضي مكة الرومي لسبب وصول مرسوم من الأبواب الخنكارية مضمونه أن الخطيب بديع الزمان المكي عقب وفاته في العام الماضي وهو عن الخطيب (٥) محيي الدين العراقي كما هو مذكور في
стр. 691
الرزنعمة يعني دفتر (١) قاضي العسكر الناظر لي المفوض إليه الولاية لوظائف العرب، ولذلك يكون الخطيب محمد بن أبي كثير باقيًا على ولايته من نصف الخطابة بالمسجد الحرام، فنازع العراقي في ذكر هذا الكلام، فقال له القاضي الرومي: هذا المرسوم فيه التصريح بعزلك وولاية خصمك. وأمر ابن أبي كثير بالمباشرة في يوم الجمعة. فكانت مباشرة العراقي الخطبتين باطلتين في بلد الله الحرام التي فيه غير (٢) خطبة واحدة لأهل الإسلام. خصوصًا في أيام العشر المعلومات وهما جمعة في يوم التروية وظهر يوم عرفة. فلا حول ولا قوة إلا بالله ونستعين عليه بالانتقام من الله في ظلمه وتعديه وكثرة مكره.
ثم في يوم الجمعة ثاني عشري الشهر باشر الخطبة بمكة الشيخ محمد بن أبي كثير الشافعي فحصل له ولجماعته الجبر بها لعزلهم عام تاريخه عن قضائها، وحصل الانتقام من العراقي عند سفر الشامي في هذا العام والذي قبله بتقدمة البجائي في جمعته، كما نازع الخطيب عبد الرحمن النويري في جمعته ومنعه من مباشرتها، وكان السبب في وفاته. فأرجو من الله تعالى أن يكون ذلك آخر مدته.
وفي يوم الأحد رابع عشري الشهر اتفق أن عبدًا هنديا من المغل كان في بيت سيده الشيخ … (٣) ابن عبد الحق شيخ همايون سلطان المغل فقتل مملوكا له ثانيا عُنُقَه وأراد قتل سيده في سكنه وأرسله إلى قاضي مكة الرومي مصلح الدين مصطفى الحنفي واعترف بحضرته ثم أشهد باعترافه وكتب أسماء الشهود في دفتره وأمر جماعة صاحب مكة بقتله وصلبه في الطرقات حتى ينظر إليه ويعتبر بذلك من مرّ عليه. فعُلّق على شجرة نخيل في بستان ثاني (٤) في طريق المعلاة وجلس يومه ثم
стр. 692
نُزّل ودفن في مقابر أهل مكة.
وفي ظهر يوم الثلاثاء سادس عشري الشهر سافر الحاج الشامي من مكة، وكانت إقامته بها كإقامة الحاج المصري عشرين يومًا وحصل الضرر لأهل البلد من طول إقامتهم وغلت (١) الأسعار في الأقوات والماء قليل وكثرة الخلق. فالله تعالى يكثر من أمة محمد ﷺ .
واتفق في هذا اليوم محاربة صاحب مكة السيد أبي نمي الحسني لصاحب جازان الشريف عامر بن عبد العزيز بن أحمد بن ذؤيب الحسني ونُصرته عليه كنصرة محمد بن بركات بن محمد جده على جده وأخذ بلاد جازان. وأرسل مبشرًا بأخذها ونُصرته على صاحبها - كما سيأتي - في سادس المحرم أول العام.
وفي هذه السنة وقع من الاتفاقات الغريبة وجود الطاعون في بلاد بجيلة ووصل إلى العقيق وما حولها من بلاد الطائف حتى خلت بعض القرى وصارت مواشيهم .... (٢) للورى، من أخذها للبيع والشراء. كما اتفق ذلك في تمام مائة سنة هنالك، وهذا من الاتفاق الغريب. وخشي أهل مكة من دخول الطاعون، وهي والمدينة - إن شاء الله تعالى - آمنتان من وصوله لهما كما ورد في الحديث الشريف.
وقد سُئلتُ عن صحة الحديث فجمعته في مؤلف فوجدت صاحبنا العلامة الأوحد (٣) مفتي المسلمين جمال الدين محمد بن الحطاب المبين، بأن الطاعون لا يدخل البلد الأمين، والقول الصادق المأمون، في أن مكة والمدينة لا يدخلهما الطاعون. وأجاد في وقعه وحصّلتُ نسخة من خطه والله الحمد ثم اختصره في
стр. 693
مؤلف سمّاه البشارة المبينة، أن الطاعون لا يدخل مكة والمدينة.
شهر محرم الحرام استهل كاملًا من سنة ٩٤٤ هـ (١٥٣٧ م)
وأهل مكة يلتجئون إلى الله الفرد الصمد حول بيته الشريف، أن ينظر إليهم بلطفه المعظم المنيف، فيما حدث عندهم من الحوادث العظام، وأن يكفيهم شر المؤذين من الأنام، وأن يؤمنهم في أوطانهم، وينصر سلطانهم، بمقر أعينهم فإنه محاصر لصاحب جيزان من اليمن، وكبر في غيبته البلاء والمحن.
وفي أوله استقر سكن قاضي مكة الجديد مصلح الدين مصطفى بن إدريس الرومي في المدرسة العينية، وكانت تُعرف أولًا بالمجاهدية. وقاضي العسكر المفصول عبد الواسع المدعو واسع جلبي الرومي الحنفي المجاور بمكة عام تاريخه في المدرسة المظفر شاهيه الهندية كلاهما مجاوران للرواق اليماني من المسجد الحرام، وهرع الناس إلى القاضيين بالسلام، وكلاهما يصعب عليه من العرب الكلام.
واستناب القاضي مصطفى الرومي الحنفي نائبًا على مذهبه روميًا اسمه علاء الدين علي بن موسى وصار يكتب بخطه في السجلات "المولى بمكة خلافة"، وجلس في الدكة التي عند منارة باب السلام للأحكام. ومنع شهود العرب من كتابة الأوراق إلّا بإذنه، وأن لا يفعل الأوراق القديمة المثبوتة على قضاة العرب. وأن لا يعقد الأنكحة إلّا نائبه بإذنه أو الإمام الشافعي خير الدين أبو الخير محمد بن أبي السعادات الطبري بعد الكتابة إليه مع ختمه وأخذ مصلحته. وجعل على البكر عشرين كبيرًا عن أشرفيين والثيب عشرا كبارا (١) نصفها، وتضرر غالب الناس منها لفقرهم وعدم الفهم.
وشرط على نائبه الثاني الحنبلي - وهو أول من استنابه بمكة - النجمي محمد
стр. 694
ابن الشيخ كمال الدين أبي البركات محمد بن أبي الفضل الزين أن لا يحكم إلّا عند مُستنيبه في منزله، ويشاوره في كل قضية من الأحكام والعقود، فانحصر الناس من ذلك.
ثم إنّ (١) القاضي مصطفى الرومي لازم قاضي القضاة الشرفي أبا القاسم بن أبي السعادات الأنصاري المالكي في قبول النيابة عنه والحكم على مذهبه، فتوقف كثيرًا للاستخارة والاستشارة ثم إنه شرط شروطًا على القبول خاصة لنفسه وعامة لغيره، منها: أن يكتب له في السجلات قاضي القضاة كعادته، وأن يأخذ معلوم قضاء المالكية، وأن يحكم في منزله ولا يشاور مُستنيبه في الأحكام وعقود الأنكحة، وأن يقبل أحكام القضاة من العرب وغير ذلك مما حصّل الهرج والكرب. فرضي المستنيب منه بهذه الشروط وفوّض إليه الحكم مطلقًا في ضحى يوم الجمعة سادس الشهر في منزله.
فسمع أهل البلد به ففرحوا بولايته وذهبوا إلى منزله لتهنئته فكان ثالث النواب بمكة.
وتحدث جماعة من الشافعية في الاستنابة عنه منهم الطالب لها بالبَذل ومنهم من سُئل فيها. فمن الأولين القاضي سعد الدين محمد ابن الشيخ الدين أبي الخير بن ظهيرة، وقريبه قاضي جدة الشرفي يحيى ابن القاضي عز الدين الفائز بن ظهيرة، والخطيبان الجمالي محمد بن أبي كثير أخو القاضي المفصول، والمحيوي عبد القادر العراقي. ومن المسؤولين إمام الشافعية أمين الدين أبو اليمن الطبري، والفقيه حامد بن محمود الجبرتي فقيه الشريف هزاع صاحب مكة كان، والشيخ محيي الدين عبد القادر بن عمر بن ظهيرة. ثم استقر الحال على التربص حتى يقدم صاحب مكة ويُستشار في تقدمة من أراد حفظه الله تعالى.
стр. 695
وفي ظهر يوم الإثنين سادس الشهر وصل لمكة شخص عربي من رعاة صاحبها السيد الشريف أبي نمي الحسني أرسله من بلاد جازان مبشرًا بأخذها ونصْرته على صاحبها الشريف عامر بن عبد العزيز ابن الأمير أبي الغوائر أحمد بن دُرَيْب بن خالد بن قطب الدين الحسني. وكان جده أحمد ممن عصا صاحب مكة السيد محمد بن بركات الحسني جد السيد أبي نمي في سنة ٧٨٢ هـ / ١٣٨٠ م (١).
وكان في يوم الثلاثاء سادس عشري ذي الحجة من سنة ثلاثة وأربعين وتسعمائة (١٥٣٧ م) التي قبلها نحو ثلاثة أشهر وهدم أماكن من سورها وهجم عسكره وحارب أهلها في وسطها وقتل منهم أزيد من ثلاثمائة نفس فيهم أربعة عشر نفسًا من أشرافها القطبة (٢) ومن جماعة صاحب مكة أربعة وعشرون نفسًا ممن لا يؤبَهُ به. كما كتبه الشريف أبو نمي بخطه (٣). وأنه ظفر بنُخَبه وخيله نحو المائة وبخزانته وجميع بلده. وهرب صاحبها منها في أربعين فرسًا إلى محل يقال له الحُمرة وفيه قبور جماعة من المشائخ الصوفية ممن يستجار به في الشدة (٤). ثم تحقق أنه توجّه إلى بلاد حرض (٥) ونوى ملاقاة صاحب زبيد وكتب لصاحب مكة بإبلاغه فيه ما يريد ثم رجع عسكره عنهم وعفا عن الضعفاء والحرُم.
وبلغ بذلك جيران الله والحرم فسُروا بنُصرته وظفره في محاربته. فأمر ولده وخلع على بعض من الخاص والعام عدة خلع على القاصد لإبلاغه السرور والمقاصد وكتب به مطالعات لأمير الحاج المصري ليأخذوا حظهم من البشرى، ولله الحمد.
وفي ليلة الأحد عاشر الشهر عقد إمام الشافعية شرف الدين يحيى ابن الإمام
стр. 696
زين الدين مكرم ابن الإمام قاضي القضاة محب الدين الطبري الشافعي بزواج ابنته أم كمال كمالية على ابن خاله الفاضل الأصيل زين الدين أبي السرور أحمد ابن الشيخ العلامة أحمد الحرازي الأنصاري الحنفي.
وكان المباشر للعقد قاضي القضاة الشرفي أبو القاسم المالكي في حوش السيد رميثة ابن السيد محمد بن بركات الحسني بالقرب من منزل الزوجين عند باب حزورة، واجتمع فيه الأعيان من الفقهاء وشربوا سكرًا مذابًا - على العادة - وكان بهجًا مأنوسًا.
وفي عصر تاريخه شرع السيد أحمد ابن صاحب مكة السيد أبي نمي في عمل الحمام على الخيل بالمعلاة واجتمع فيها نحو ثلاثين فرسًا وسُر الناس به.
وماتت الشريفة جميلة ابنة السيد زين الدين معين الدين محمد بن صفي الدين بن نور الدين بن محمد بن عبد الله الحسني الأيجي وعمرها نحو سبعين سنة وجهّزت في ليلتها وصلّي عليها بعد صلاة صبح يوم الأربعاء حادي عشر الشهر. وخلفت زوجًا ابن عمها وابن ولدها بمكة وهو السيد أصيل الدين عبد الله بن قطب الدين عيسى بن رفيع الدين محمد بن مرشد الدين محمد بن قطب الدين عيسى بن عفيف الدين محمد بن نور الدين محمد المجتمع فيه معها في نسبها وخلفت نقدًا نحو ألف أشرفي وسبائك ذهب حصلت لها في العام الماضي من المبرة البهادرية الهندية. وأوصت جهازها ببيع ثلاثة خواتم ذهبًا بفصوص ورثتها حلالًا من سلقها، نفع الله بها.
وفي ظهر تاريخه يوم الأربعاء ماتت البنت البكر المراهق شمامة ابنة صاحبنا العلامة مفتي الحنفية قوام الدين عبد الله ابن القاضي غياث الدين أبي الليث بن الضياء العمري المكي، وجهّزت في يومها وصلّي عليها بعد صلاة العصر ودفنت في المعلاة في تربة سلفها. وحزن والدها عليها لذكائها وفطنتها. عوضه الله خيرًا في
стр. 697
إخوانها ورزقه الثواب والصبر عليها.
وفي عصر يوم ثاني عشر الشهر ركض الشريف عجل بن عرار الحسني في الحمام مهر القاضي إبراهيم بن ظهيرة فقوي عليه وفي يده رمح فطعن به - من غير قصد - كتف القائد ريحان الحبشي مقدم خرج السيد أحمد ابن السيد أبي نمي صاحب مكة حتى نفذ من ظهره وسقط هو وفرسه إلى الأرض، فأخرج الرمح مكسورًا من نصله الحديد ثم أخرجتْ وحُشي جرحه بارودًا وربط له وعولج حتى شفي ولله الحمد. واستمر لعب الحمام خمسة أيام.
وفي ليلة يوم خامس عشر الشهر عمل السيد أحمد شراعًا أمام منزل أبيه دار السعادة حضر فيه التجار وعوام مكة والصقوا على المغاني لصقًا يسيرًا.
ثم في صباح تاريخه توجّه السيد أحمد إلى وادي مر وتُركت .... (١) في أسواق مكة بعد تكملة الأسبوع.
وفي يوم الثلاثاء سابع (٢) عشر الشهر وصل لمكة قاصد من العرب من جهة القاهرة وأخبر أنه لاقى الحاج المصري في الحوراء وهم سالمون - بحمد الله تعالى - وأنّ نائب الديار المصرية الباشا سليمان الخصي أرسل معه مراسيم (٣) لصاحب مكة السيد أبي (٤) نمي الحسني يخبره بأنّ شخصًا يُقال له قشعم وصل من الأبواب الخنكارية من الروم ومعه خلعة لنفسه لأجل ولاية المدينة الشريفة وينبع، وأنه بذل .... (٥) عنه مائة ألف أشرفي، ويطلب مائة إنقشاري للتوجه معه إلى محل ولايته فقبض عليه وسجنه في القلعة وأخذ خلعته وأرسل يكاتب الخنكار في أمره، وأنه
стр. 698
يتولد من فعله خراب الحجاز فشكر الله سعي الساعي في ذلك، وبلغه أحسن المسالك.
ووصل معه عدة من الأمير جانم (١) الحمزاوي أمين القاهرة المحروسة لأخيه الأمير شرف الدين يحيى الحمزاوي وغير ذلك المطالعات للناس. وفيها أنّ نائب مصر خاطره ملتفت إلى صاحب مكة السيد أبي نمي لتوجّهه في حرب أهل جازان وعرض عليه المساعدة من العسكر والمقيمين بجدة فقال: لو وصل من جهتنا قاضي مكة الرومي ما مكناه من التوجّه إلى مكة. وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. وتوجّه القاصد بالمراسيم إلى السيد أحمد ابن صاحب مكة السيد أبي نمي الحسني جهة وادي .... (٢) وأنه فتحها ونوى ردّ أجوبتها عن والده مع الإخبار بنُصرته ويرسلها مع القاصد. فالله تعالى يؤمّننا في أوطاننا ويخذل المفسدين عنا.
وفي ثاني تاريخه سافر قاضي مكة الرومي مصلح الدين مصطفى الحنفي وصحبته الزيني مصطفى المنتشوي وأحمد بن رجب المزين ترجمانه وتحدث الناس بوصول مروس (٣) للأمير يحيى الحمزاوي لجدة وفيه حب مصرية وأخبر بمروسه الثاني الكثير واصلٌ بعده وفيه قاض رومي للمدينة الشريفة وخطيب ثان لمكة المشرفة. واضطرب الناس في ذلك، فالله تعالى يبلغ من كان السبب في المهالك.
ثم في يوم الجمعة عشريْ الشهر وصل لمكة إمام للحنفية رومي اسمه محمد [كذا إمام في أدرنه كان] (٤) وباشر نصف الإمامة عوض السيد عبد الله البخاري المتوفى من سنتين وتولى عنه ابن أخيه السيد محمد بن أحمد البخاري وتوجّه مع الحاج إلى الأبواب الشريفة واستناب عنه جارنا الشيخ إبراهيم بن علي بن إبراهيم
стр. 699
القدسي الحنفي وبعض الأعاجم وباشر عنه في غيبته وشكر الناس منهما، ووقع الإنكار (١) على المتعدي في المباشرة وتغييره لأحرف القراءة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وكان أول من تعدى بالإلحاد في تقرير الوظائف من غير شغور في بلد الله الحرام.
وفي الجمعة الموالية لمباشرته وصل قاصد من القاهرة إلى نائب جدة الرومي يرد جوابه في القبض على مال سلطان الهند بهادر شاه لموته من تحت وزيره وأنّ نائب مصر أمره بمحاسبته فيما يصرف فيه منها وشكروه على فعله. وأنه .... (٢) على جماعة ملك التجار ويختم على أموال سيده لكونه أوصى بوصايا كثيرة لجماعته وغيرهم من أهل الحرمين مقدار مائة ألف أشرفي وجعل وصيه صاحب مكة السيد أبا (٣) نمي الحسني مع وجود ولد له كبير عمره نحو ثلاثين سنة. فأنكر ذلك الخاصة والعامة.
وفي ضحى يوم الجمعة سادس عشر الشهر ماتت الشريفة أم هاني ابنة السيد أبي الخير محمد بن عبد اللطيف الحسني الفاسي وهي عقيم خالية من الأزواج.
وخلفت أختها فاطمة زوجة إمام الشافعية أبي اليمن الطبري وابن أختها أحد العدول الزيني أبا السرور بن يحيى بن إدريس بن عبد القوي، وجهّزها في ظهر تاريخه وصلّي عليها عقب صلاة العصر وشيّعها جماعة من الأعيان ودُفنت في تربة سلفها بالشعب الأقصى. وكان عمرها نحو خمسين سنة.
وفي ليلة الثلاثاء سلخ الشهر ماتت أم الخير ابنة الخواجا جمال الدين محمد
стр. 700
ابن .... (١) الفومني أم الوجيه عبد الرحمن الصنعاني وعمرها نحو ثمانين سنة.
وخلفت أخواتها الثلاثة، وصلّي عليها صبح تاريخه ودفنت بالمعلاة في تربة جماعتها
شهر صفر الخير استهل كاملًا بالثلاثاء من سنة ٩٤٤ هـ (١٥٣٧ م)
في أوله وصل لمكة قاضيها الرومي الجديد الزيني مصطفى الحنفي وصحبته نائب جدة الرومي وقصد القاضي الفقهاءُ بالسلام عليه.
وفي ظهر تاريخه توجّه القاضي والنائب لجهة بيت ملك التجار السيد علاء الدين وضبطوا مخلفه وحُتِم عليه ويقال (٢) نقل بعض التحف في صندوق لبيت نائب جدة مع وجود ولده المستقرّ ولمبرّاته. فلا قوة إلا بالله.
وفي عشاء ليلة الأربعاء ثاني الشهر وقع بمكة مطر قوي ورياح شديدة فرقت المطر. وحصل في وقته وضع ربيبتي سعادة ابنة الخواجا عبد الرحمن الحصين ولدًا ذكرا سمي عبد الرحمن باسم أبيها وجدّ زوجها الشيخ العلامة جمال الدين محمد ابن الشيخ محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المالكي الشهير بالحطاب وفرحنا به لكونه بكرها، وهنأ الناس والده وعمل له عقيقة في يوم سابعه أطعم فيها الفقراء والقرابة من النساء.
وفي ظهر يوم الجمعة رابع الشهر طلب نائب جدة الرومي قاضي مكة الجديد الحنفي وبقية القضاة المفصولين من المذاهب الأربعة وجلسوا في مقام الحنفية، ثم سأل نائب جدة القضاة الأربعة عن قبضه لمال السلطان بهادر في كم صندوق؟ فقالوا له: مائتان وخمسون صندوقًا، ولم يظهر لهم خلاف السؤال عن ذلك. وطيب
стр. 701
القاضي المتولي خواطرهم (١) بالسؤال عن مسائل علمية أجابوه عنها وعن غيرها وغير ذلك مما وعدهم به من مساعدتهم وإكرامهم، والله أعلم بحقيقتها.
وفي صبح يوم الجمعة رابع الشهر صُلّي على زين الكمال الحبشية أم أولاد الشيخ أبي سعد محمد بن زائد المكي وشيّعها جماعة من الأعيان وغيرهم ودفنت بالمعلاة في تربة بني زائد (٢).
وخلفت من سيدها ولدين وهما النوري علي والشهابي أحمد وأم المسعود البكر. وحزنوا عليها لكونها جامعة شمله. وكان وجعها أشهرا وهي عاقلة مدبرة، رحمها الله تعالى.
وفي عشاء ليلة الأحد سادس الشهر سافر السيد محمود ابن السيد علاء الدين ملك التجار على رواحل وصحبته مماليك أبيه خسروه وخليفة إلى ينبع خفية، فأقام في الوادي عند القاضي برهان الدين بن ظهيرة فأشار عليه بالركوب في شقدف لطيف وأعطاه من عنده فسافر فيه. كتب الله سلامته وقضى مأربه وكفاه مهماته.
وفي ضحى يوم الثلاثاء تاسع عشريْ الشهر مات الولد المراهق أبو الحسن محمد ابن الشيخ ولي الدين محمد بن .... (٣) الضرير نزيل مكة وجهّزه في يومه وصلّى عليه شيخ الشافعية أبو الحسن البكري عند باب الكعبة وشّيعه جماعة ودُفن بتربة سلفنا على بعض أجدادنا القدماء لغلط الحفار في حفرة قبره. وكانت أمه مريضة بالإسهال فحزنت عليه لكونها مع أبيه ليس لها ولد غيره فلحقته بالوفاة بعد أربعة أيام، وماتت في ضحى يوم السبت سادس عشري الشهر واسمها زينب [بنت] (٤) علي الطراوي، فجهّزها زوجها، وصلّي عليها في عصر تاريخه
стр. 702
وشيّعها الشيخ أبو الحسن البكري وجماعة، ودُفنت في تربة سلفها بالقرب من والدها. رحمها الله تعالى وإيانا.
وفي ظهر يوم تاريخه ماتت الشريفة فاطمة ابنة شيخنا السيد أصيل الدين عبد الله بن محمد الحسني الأيجي الشافعي وتأخر دفنها إلى صبح ثاني تاريخه لأجل ضبط الدولة لمخلفها. وهي زوجة الشيخ المدرس فخر الدين أبو بكر الشيرازي العمري الشافعي. وليس لها أولاد ولها أختان إحداهما (١) بمكة واسمها أمة العزيز وثانية بالهند اسمها ست الشرف. وماتت لها أخت قبلها كانت زوجة زوجها قبلها.
وخلفت له مصاغًا ونقدًا يقال مجموعه أكثر من ألفي أشرفي وختم على منزلها وجهّزت في ليلتها وصلّي عليها صبح ثاني تاريخه ودفنت بالمعلاة في تربة سلفها بشعب النور، وعمل لها ربعة وختم في يوم الجمعة الأخيرة، رحمها الله تعالى وإيانا.
ووصل لمكة في هذه الجمعة جماعة من الأشراف بني حسن منهم حسن منهم السيد حميضة عم صاحب مكة السيد أبي نمي الحسني وغيرهم من أهل الشام وثقيف أهل الطائف ..... (٢) من جازان باليمن، فقد نصرهم الله على صاحبها وأذن لهم السيد أبو إلى بلدانهم وهو مقيم بها لهدم سورها .... (٣) أهلها. فالله تعالى يؤيده ويعينه.
وفرغ الرطب من مكة ووصل بيع البرد إلى ثلاثة ورطلين ونصف واللون إلى أربعة، وأقام بها نحو الشهرين.
ووصل في هذا الشهر من الحجاز العنب والخوخ والتوت والتين والرمان، وقَلّ البطيخ والخيار والقثّاء، واشتدّ الحر لقلة وجود المطر. فالله تعالى يعيننا وينظر إلينا برحمته.
وفي أواخر هذا الشهر سافرت المراكب الهندية بعد منع نائب جدة لمراكب
стр. 703
كنبايه والديو وسافر قبلها مراكب كاليكوط، ثم إن الباقين خدموا النائب بمبلغ حتى سمح لهم، وكان أولًا يحتج عليهم بعدم سفرهم لكون الفرنج المخذولين ملكوا الديو وقتلوا سلطانها بهادر شاه ويتقوون بالتوجّه إليهم (١) ففاتهم وقت سفرهم أيام النيروز، فكابروا بالسفر فغرق مركب واحد في شعب المحرم قريب جده فيه خلق من التجار والأموال لم يسلم منهم إلّا القليل، ويقال رُبعهم، ورجع بعض الركبة من المراكب منهم عارف العجمي ثم الشيخ عبد الحق شيخ سلطان المغل وترك نوله، وامتنع بقية الركبة من ذلك. فالله تعالى يقدر لهم خيرًا ويكتب سلامتهم.
شهر ربيع الأول استهل ناقصًا بالأربعاء من سنة ٩٤٤ هـ (١٥٣٧ م)
في أوله وصل لمكة السيد أبو القاسم بن بركات الحسني شقيق صاحبها السيد أبي نمي ووصل له ابن أخيه السيد أحمد من الوادي وعمل له ضيافة عند الزيني عبيد ناظر المواريث وابن ناظرها الخواجا الكمالي أبو الفضل بن أبي علي المكي وحملها إلى منزله في أوانيها مع الحُمَّال.
وفي أول الشهر نادى قاضي القضاة الزيني مصطفى الرومي في الأسواق بأنه نائب الحسبة وسعّر على أهل السوق في بيع الفاكهة واللحم، وكان يباع كل رطل ونصف بكبير والعنب رطلين ونصف وزاد كل منهم نصف رطل فعُدم اللحم من السوق وقَلّتْ الفاكهة لعِناد السوقة، فلله الأمر.
وفي يوم الجمعة ثالث الشهر عمل الإمام شرف الدين يحيى ابن الإمام مكرم ابن القاضي محب الدين محمد الطبري الشافعي إمام مقام الخليل كسلفه وليمة حسنة لزواج ابنته كمالية التي عقد لها في أول هذه السنة على ابن خاله الزيني أبي السرور
стр. 704
ابن شهاب الدين أحمد بن محمد الحرازي الحنفي حضره القضاة وأعيان مكة وغيرهم من الغرباء. ودخلت في ليلة السبت ثاني تاريخه وهنّأه الناس بها.
وكان في ليلة الجمعة قبلها دخل الشرفي يحيى بن الشهابي أحمد الخبزي المدني على زوجته ابنة ..... (١) وعمل لها وليمة حضرها قليل من الناس لضعف حاله. وهنأه جماعة من أصحابه، جعلها الله مباركة عليه.
وفي ليلة الأحد ثاني عشر الشهر عمل الفقراء من الطوائف كالقادرية والأحمدية والمشرعية تهليلة من باب المسجد الحرام المعروف بباب (٢) علي إلى مولد النبي ﷺ ومشى معهم خلق من المعتقدين رجالًا ونساء وعليهم السكينة والوقار فزاروا المولد الشريف وعادوا قبل صلاة العشاء وأدركوها جماعة في المسجد الحرام.
وزالت البدعة من إيقاد الشموع والمفرعات مع ناظر المسجد الحرام، وهذه ثالث سنة تُعمل على وجه الإكرام للنبي ﵇ … (٣) لهذه الليلة من يعظمها ببركة من وُلد فيها. فعمل شيخ الشافعية مفتي الفرقة الإسلامية أوحد الأماثل المعتبرين تاج العارفين أبو الحسن محمد ابن الشيخ جلال الدين البكري القاهري نزيل مكة المشرفة عام تاريخه مولدًا عظيمًا حضره قضاة مكة الأربعة المعزولون وغيرهم من الأفاضل المعتبَرين ومَدّ لهم سِماطيْن أحدهما بعد المغرب: أطعمة مفتخرة، وثانيهما بعد فراغ المولد: فَتّوت وحلوى كثيرة. وحضرتُ ذلك مع الذكر فحصل لي فيه خشوع وفكر ببركة صاحب المولد ومن عمله فالله تعالى ينفع به ويجعل البركة في حياته.
وفي صبح تاريخه وصل لمكة السيد عرار بسن عجل الحسني من جهة جازان لأجل إرسال قاصد للقاهرة من البحر لإخبار نائبها بنصرة السيد أبي نمي على أهل
стр. 705
جازان. ووصل القاضي إبراهيم بن ظهيرة الشافعي من الوادي لأجله وكتب الأوراق وتوجّه القاصد، ولله الحمد.
وفي ليلة المولد الشريف فقدت ابنة خماسية السن لشخص مصري نَحّاس مخالف ..... (١) وفي يدها حدائد فضة فسأل عنها ثلاثة أيام ولم يظهر أمرها حتى خرجت جارية زنجية للقائدة سبيكة بنت بدر الحسنية ومعها حدائدها الفضة وعرضتها للبيع على الصوغ، فعرفها صائغها فأخبر بها أهلها فتوجّه والد البنت إلى الحاكم القائد مبارك الدهلكي في عشاء ليلة الأربعاء خامس عشر الشهر فأمره بالصبر إلى الصباح، فلم يصبر والدها وتوجّه لقاضي القضاة الزيني مصطفى الرومي ومعه جماعة إلى منزله - وهم يصيحون - فنزل إليهم القاضي وطلب الحاكم فتعذر حضوره فأخرهم إلى الصباح، فحضر الأخصام والحاكم وأمر القاضي بحضور الجارية فتوجهوا لمنزل سيدتها فأظهرت الكلام الكثير على الحاكم، فأمر القاضي جماعة من الأروام على هجم منزلها فهاجموه ومسكوا الجارية وتوجهوا بها إلى القاضي فاعترفت بقتل البنت المذكورة مع بنت ثانية لشخص من العرب ضاعت يوم القضية لم يشتهر أمرها ويقال ثالثة قبلها. وموجب ذلك أنّ سيدتها ألزمتها بدراهم وحَبّ في كل يوم وقد تعبت في تحصيل ذلك. فأمر القاضي بإحضار سيدتها فاختفت وهي من .... (٢) القواد لبني حسن وولدها شيخ النوبة وهو خيّال شجاع. فتوقف الحاكم من طلبها وصمّم القاضي في حضورها وأرسل للشريف أحمد ابن صاحب مكة السيد أبي نمي ونائب جدة الرومي يخبرهما بالقضية وشنّع الأروام فيها وكثُرت القالات في الجارية وسيدتها ثم صفّى الأمر على قطع أيدي الجارية ورجلها وعلقوها في رقبتها وسُمّرتْ على جمل وطيف بها في المسعى