والقرب بالنِّسبة لرواية الشَّيخين وأصحاب السنن.
والعلوُّ بتقدُّم وفاة الرَّاوي، سواء كان سماعه مع (١) متأخِّر (٢) الوفاة في آنٍ واحدٍ أو قبله.
والعلوُّ بتقدُّم السَّماع، فَمَنْ تقدَّم سماعه من شيخٍ أعلى ممَّن سمع من ذلك الشَّيخ نفسه بعده.
والنَّازل؛ كالعالي بالنِّسبة إلى ضدِّ الأقسام العالية.
رسول الله ﷺ فهو علوٌّ نسبي مُقيَّد بإمامٍ ممَّن ذكر.
قوله: (لِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ)؛ أي: ونحوهما، والمرادُ رواية كتب أولئك المعتمدة وهي الكتب الستة، وهو علوٌّ نسبي أيضًا، إذ الراوي لو روى حديثًا من غير طريق كتاب منها كـ «جزء ابن عرفة» وقعَ أنزل ممَّا رواه من طريقِ كتابٍ منها كالترمذي.
قوله: (بِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الرَّاوِي)؛ أي: وإن تساويا في العدد فما يُروى عن ثلاثة، عن البيهقي مثلًا، عن الحاكم أعلى مما يُروى عن ثلاثة، عن أبي بكر بن خلف، عن الحاكم لتقدم وفاة البيهقي على ابن خلف، قال النووي: وأما عُلوه بتقدم وفاة شيخك لا مع التفاتٍ لشيخٍ آخر أو أمرٍ آخرَ فحدَّهُ ابن عُمير بِمُضي خمسينَ سنة تمضي من وفاة الشيخ وحدَّهُ ابنُ منده بمضيِّ ثلاثينَ.
قوله: (بِتَقَدُّمِ السَّمَاعِ) يدخلُ من هذا القسم كثيرٌ فيما قبله ومثاله أن (٣) يسمعَ شخصان من شيخٍ وسماعُ أحدهما من ستينَ سنةً مثلًا والآخر من أربعين، وتساوى العدد إليهما، فالأول أعلى من الثاني، ويتأكد ذلك في حقِّ من اختلط شيخه أو خَرِفَ وربما كان المتأخر أرجح بأن يكون تحديثه للأول قبل أن يبلغ درجة الإتقان والضبط ثم حصلَ له ذلك بعد.
قوله: (بِالْنِّسْبَةِ إِلَى ضِدِّ الْأَقْسَامِ … ) إلى آخره؛ أي: فهو خمسة أقسام أيضًا فإنَّ كل قسمٍ من أقسام العلو يُقابله قسمٌ من أقسام النزول كما قاله ابن الصلاح.
وهو بأقسامه مفضولٌ (٤) مرغوب عنه عند الجمهور وهو الصواب.
قال ابن المديني: النزولُ شُؤمٌ.
стр. 107
و المُسلسَل: ما ورد بحالةٍ واحدةٍ
وقال ابن معين: الإسناد النازل قرحة في الوجه. انتهى.
وما حُكي من تفضيله (١) احتجاجًا بأنَّ الإسناد كلما زاد عدده زاد الاجتهاد في متن الحديث وناقله وتعديله فيزداد الثواب فيه، مذهبٌ ضعيفٌ.
قال ابن دقيق العيد: لأنَّ كثرةَ المشقة ليست مطلوبة لنفسها ومراعاة المعنى المقصود من الرواية وهو الصحة أولى. انتهى.
ولا نظرَ لتأييد العراقي له بأنَّه بمثابةِ مَن يقصد المسجد لصلاة الجماعة فيسلك طريقًا بعيدًا لتكثير الخُطا وإن أدَّاهُ سُلوكها إلى فواتِ الجماعة التي هي المقصود، وذلك؛ لأنَّ المقصود من الحديث التوصل إلى صحته وبُعْدُ الوهم فيه، وكُلَّما كثُرت رجال الإسناد تطرَّقَ إليه الخطأُ والخللُ وكُلَّما قَصُرَ السَّندُ كان أسلم، اللهم إلَّا أن يكونَ الإسنادُ النازل مشتملًا على فائدة كزيادة الثقة في رجاله على العالي أو كونهم أحفظ أو أفقه، أو كونه متصلًا بالسماع وفي العالي إجازة أو مناولة أو تساهل بعض رواته في الحمل ونحو ذلك، فإنَّه حينئذ ليس بمذمومٍ ولا مفضول بل محمود فاضل كما صرَّح به السِّلفي، وغيره قال: لأنَّ الأصلَ الأخذُ عن العلماء فنزولهم أولى من العلو عن الجهلة على مذهب المحققين من النقلة، وقال ابن المبارك: ليس جودةُ الحديث قُرب الإسناد بل جودةُ الحديثِ صحةُ الإسناد. انتهى.
والنَّازِلُ حينئذٍ هو العالي في المعنى، قال ابن الصلاح: ليس هذا من قبيل العلو المتعارف إطلاقُهُ بين أهل الحديث، وإنَّما هو العلو من حيث المعنى، وقال شيخ الإسلام: لابن حبان تفصيل حسن وهو أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى وإن كان للمتن فالفقهاء أولى.
قوله: (وَالْمُسَلْسَلُ) هو نوعٌ مهمٌ، قال ابن الصلاح: من فضيلته اشتماله على مزيدِ الضَّبط من الرواة.
وخيرُ المُسلسلات ما كانَ فيه دلالةٌ على اتصال السماع وعدم التدليس كحدثني أو سمعت، ثم قال: ولكن قَلَّمَا يسلمُ المسلسلُ من ضعفٍ يحصلُ في وصف المتسلسل لا في أصل الحديث.
وهو سبعة أقسام، ثلاثة متعلقة بالرواة، وأربعة بالرواية كما ستعرفه.
قوله: (مَا وَرَدَ بِحَالٍ وَاحِدَةٍ)؛ أي: ما تواردت فيه الرواية والرواةُ على وصفٍ واحدٍ لهم، مأخوذ
стр. 108
في الرُّواة أو الرِّواية،
من التسلسل، وهو التتابع، فهو عبارةٌ عن تتابع رواية الحديث أو رِجَالِهِ على حالةٍ واحدةٍ ووصفٍ واحدٍ، وتتابع الرواة على وصفٍ أعمُّ مِن أن يكون قوليًّا فقط أو فعليًّا فقط أو هما معًا؛ فأصناف هذا النوع ثلاثة:
مثال الأول: الحديث المسلسل بقوله ﷺ لمعاذ ﵁: «يا مُعَاذُ إنِّي أُحِبُّكَ، فَقُلْ في دُبُرِ كل صَلَاةٍ: اللهم أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» فإنَّهُ مسلسلٌ بقولِ كُلٍّ من الرواة لمن يرويه عنه: وأَنَا أُحِبُّكَ فقل … إلى آخره.
ومثال الثاني: في الحديث المُسلسل بالمصافحة، وقد أسلفناهُ لكَ بروايتنا إيَّاهُ عن شيخنا المهدي الفاسي، ومثالهما معًا الحديث المسلسل بِقَبْضِ الْلِّحْيَةِ وَقَوْلِ «آمَنْتُ بِالْقَدَرِ … » إلى آخره، وهو قوله ﷺ لأنس ﵁: «لَاْ يَجِدُ الْعَبْدُ حَلَاْوَةَ الْإِيْمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ» فإنَّهُ ﷺ بعد أن قَالَهُ لأنس قبضَ على لحيته الشريفة وقال: «آمَنْتُ بِالْقَدَرِ … » إلى آخره، وكذلك أنس يفعل هكذا بعد روايته للغير، ومن روى عنه كذلك، وهَلُمَّ جَرًّا.
ومن المسلسل بالصفة الفعلية المُسلسل بالقُرَّاءِ والحُفاظ والفقهاء والمحدثين وحدَّثني قائمًا أو متبسمًا، أو نحو ذلك.
قوله: (أَوْ الْرِوَايَة)؛ أي: أو وردَ بحالٍ واحدٍ في الرواية بأنْ تواردت فيه الرواية على وصفٍ واحد وذلك الوصف إما صيغة من صيغ الأداء أو أمر متعلق بزمنِ الرواية أو مكانها أو تاريخها، فأصنافُ هذا النوع أربعة:
مثال الأول: أن يروي جميع الرواة الحديث بصيغة: أنبأني أو حدَّثني أو نحو ذلك من طرق الرواية، فلمَّا اتَّحد ما وقعَ للرواةِ من السَّماع ونحوه صار الحديث مسلسلًا باعتبار هذا الاتحاد فكلُّ راوٍ يرويه بصيغةٍ ترجعُ إلى صفة التحمل.
ومثال الثاني: المسلسل بقصِّ الأظفار يوم الخميس، وهو أنَّه ﷺ قال: « … وَقَصُّ الأَظْفَارِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ يَوْمَ الْخَمِيْسِ، وَالْغُسْلُ وَالْطِّيْبُ وَاللِّبَاسُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ»، فقصُّ الأظفارِ وما بعده وإن كان وصفًا فعليًّا للراوي إلَّا أنَّه لما أضيف إلى زمن الرِّواية عُدَّ من الأوصاف المتعلقة بها فيجب على كل راوٍ أن يُضيفه إلى زمانها.
ومثال الثالث: الحديثُ المسلسلُ بإجابةِ الدُّعاءِ في المُلتَزَم، فإجابة الدعاء وإن كانت وصفًا له
стр. 109
وأصحُّها قراءة سورة الصَّفِّ.
تعالى إلَّا أنَّها متعلقة بمكان الرواية من حيث إنَّ الُمراد إجابة دعاءٍ واقعٍ في المُلتَزَم لا مطلقًا، فيلزم كل راوٍ أن يقيد بما ذكر.
ومثال الرابع: الحديث المسلسل بالآخرية ككون الراوي آخرَ من روى عن شيخه فيقول: (أخبرنا فلان وأنا آخر من روى عنه)، فقوله: (وأنا آخر … ) إلى آخره، وإن كان وصفًا مُتعلقًا بالراوي إلَّا أنَّه لَمَّا تعلَّقَ بتاريخِ الروايةِ عُدَّ من الأوصاف المتعلقة بها وكأنه يقول: روايتي وقعت في آخر أزمنة الرواية عنه، ولا يذهب عنك أن المراد بالوصف المتعلق بالتاريخ وصفٌ مخصوصٌ كالآخرية، فلا يقال إنَّ هذا متعلقٌ بزمنِ الرواية فهو تكرارٌ، ومن هذا القسم الحديث المسلسل بالأَوَّلية بمعنى أن كل راوٍ إنَّما يرويه عَمَّنْ لمْ يسمعْ منه شيئًا قبله من الأحاديث كحديث: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأرض يَرْحَمْكُمْ من في السَّمَاءِ»، فيقول الراوي: سمعته من شيخي فلان وهو أول حديث سمعته منه ويقول شيخه كذلك وهكذا إلى تمام السلسلة، لكن التسلسل فيه ينتهي إلى سفيان بن عيينة، وانقطعت فيمن فوقه، فانقطعت في سماع ابن عيينة من عمرو بن دينار، وفي سماع عمرو من أبي قابوس وفي سماع أبي قابوس من عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي سماع عبد الله من النَّبيِّ ﷺ .
قلت: وقد رويتُهُ عن عِدَّةِ أشياخ أجلُّهُم سيدي الشيخ عمر بن سودة الفاسي، وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثنا به الشريف سيدي عبد السلام الآزمي الفاسي، عن ابن الطالب التاودي المري: حدثنا أحمد بن مبارك صاحب الإبريز: حدثنا سيدي حسن اليوسي: حدثنا العلامة الزرقاني صاحب التآليف الشهيرة، عن العلامة الأجهوري بسنده المتصل إلى [عبد الله بن] عمرو بن العاص، وذكره ثم قال فيه: «يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ﵎»، وقال: رويناه بالرفع والجزم، ويشهدُ لرواية الجزم أحاديث كقوله: «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ الله من عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ»، وحديث: «مِنْ لَاْ يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ». انتهى.
قوله: (قِرَاءَةُ سُوْرَةِ الصَّفِ)؛ أي: مُسلسل قراءةِ سورة الصَّفِ؛ وهو ما رواه عبد الله بن سلام قال: «قَعَدْنَا نَفَرًا من أَصْحَابِ رسول اللهِ ﷺ فَتَذَاكَرْنَا، فَقُلْنَا: لو نَعْلَمُ أَيَّ الْأَعْمَالِ أَقْرَبُ إلى اللَّهِ تَعَالَى لَعَمِلْنَاهُ؟ فَأَنْزَلَ الله : ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ١ - ٢]، قال عبد الله بن سلام: قَرَأَهَا عَلَيْنَا رسول اللَّهِ ﷺ هكذا، قَالَ أَبُوْ سَلَمَةَ: وَقَرَأَهَا عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بن سَلَامٍ ﵁ هكذا، قال يحيى: وقَرَأَهَا عَلَيْنَا أبو سَلَمَةَ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: وَقَرَأَهَا عَلَيْنَا يَحْيَى». انتهى.
стр. 110
و الغريب: ما انفرد راوٍ بروايته، أو برواية زيادةٍ فيه عمَّن
قوله: (وَالْغَرِيْب … ) إلى آخره، سُمِّيَ بذلكَ لانفراد راويهِ عن غيره، كالغريب الذي شأنه الانفراد عن وطنه.
قوله: (مَا انْفَرَدَ رَاوٍ بِرِوَايَتِهِ)؛ أي: بأنْ رواهُ هُوَ وحده كُلًّا أو بعضًا، كما سيذكره الشارح، وقد قَسَمَ ابن سيد الناس الغريب إلى خمسة أقسام: غريبٌ سندًا ومتنًا، وسندًا لا متنًا، ومتنًا لا سندًا، وغريب بعض السند، وغريب بعض المتن.
فالأول: كحديث النهي عن «بَيْعِ الْوَلَاْءِ وَهِبَتِهِ» فإنَّه لم يصحَّ إلَّا من حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.
الثاني: حديث رواه عبد المجيد [بن أبي] رواد، عن مالك ﵁، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الْأَعْمَالُ بِالْنِّيَّةَ»، قال في «الإرشاد»: فقد أخطأ فيه عبد المجيد؛ لأنَّه غير محفوظ عن زيد بن أسلم، قال أبو الفتح اليعمري: هو إسنادٌ غريبٌ كله والمتن صحيح، وفي مثل ذلك يقول الترمذي: غريب من هذا الوجه.
والثالث: وفيه قال ابن الصلاح: لا يوجد أبدًا ما هو غريب متنًا لا سندًا إلَّا إذا اشتهر الحديث الفردُ عمن انفرد به؛ -أي: شهرة مطلقةً- بأن رواه عنه عدد كثير فإنَّه يصير غريبًا مشهورًا؛ -أي: غريبًا متنًا لا سندًا- لكن بالنظر إلى أحد طرفي السند فإن سنده غريب في طرفه الأول، مشهور في طرفه الأخير، كحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فإنَّ الشُّهرة إنَّما طرأت له من عند يحيى بن سعيد، فقول ابن الصلاح: لا يوجد؛ أي: خارجًا وإن اقتضته القسمة العقلية، كما مرَّ عن ابن سيد الناس.
الرابع: حديث: «أم زَرْعٍ» المشهور، فإنَّ المحفوظ فيه ما رواه ابن يونس، عن هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن أبيهما عن عائشة، ورواه الطبراني من حديث الدراوردي، عن هشام، عن أبيه بدون توسط أخيه. قال أبو الفتح: فهذه غرابةٌ تخص موضعًا من السند، والحديث صحيح.
الخامس: كحديث زكاة الفطر، وهو: «فرض رسول الله ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ من رَمَضَانَ صَاعًا من تَمْرٍ أو صَاعًا من شَعِيرٍ، على الْعَبْدِ والْحُرِّ والذَكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ من الْمُسْلِمِينَ» حيثُ
стр. 111
يُجمَع حديثُه، كالزُّهريِّ أحدِ الحفَّاظ في المتن أو السَّند، وينقسم إلى: غريبٍ صحيحٍ؛ كالأفراد المخرَّجة في «الصَّحيحين»، وإلى غريبٍ ضعيفٍ، وهو الغالب على الغرائب، وإلى غريبٍ حسنٍ، وفي «جامع التِّرمذيِّ» منه كثيرٌ.
و العزيز: ما انفرد بروايته اثنان أو ثلاثةٌ دون سائر رواة الحافظ المرويِّ عنه (١).
قيل فيه: إن مالكًا تفرَّدَ عن سائرِ رواته بقوله: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
قوله: (عَمَّنْ يُجْمَعُ حَدِيْثُهُ)؛ أي: من الأئمة؛ -أي: شأنه ذلك؛ لجلالته كالزهري وقتادة ونحوهما- والجار والمجرور متعلق بقوله: (بِرِوَايَتِهِ أَوْ بِرِوَايَةِ زِيَادَةٍ) لا بقوله (انْفَرَدَ) كما تُوُهِّمَ؛ لاقتضائه أن الشرط الانفراد، وعَدَمُ موافقةِ أحدٍ من الأئمةِ المذكورينَ أعمُّ من أن يوافقه غيرهم أم لا، وذلك لا يصح؛ لأنَّه في صورة موافقة غيرهم لا يكون غريبًا كذلك.
ثم التقييد بكون الرواية عمَّن ذكر من الأئمة ليس بقيد إلَّا عند ابن منده وهو ضعيف، والجمهور لا يشترطون ذلك بل يدخل فيه ما انفرد به راوٍ مطلقًا ولو لم يكن عن إمام شأنه ذلك، كما في «شرح التقريب».
قوله: (فِي الْمَتْنِ أَوْ السَّنَدِ) متعلقٌ بـ (زيادةٍ)؛ أيْ: أو انفردَ برواية زيادة في متنه أو سنده أحد الحفاظ فلم يذكرها غيره كما عرفت.
قوله: (وَهُوَ الغَالِبُ … ) إلى آخره، ولذا قال الإمام أحمد: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرايب؛ فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء.
قال مالك: شرُّ العلم الغريب، وخيرُ العلم الظاهر الذي رواه الناس.
ورُوي عن الزهري قال: حَدَّثتُ علي بن الحسين بحديثٍ فلما فرغتُ قال: أحسنت بارك الله فيك هكذا حُدِّثنا، قلت: ما أراني إلَّا حدثتك بحديث أنت أعلمُ به مني، قال: لا تقلْ ذلك فليس من العلم ما لا يُعرف، إنَّما العلم ما عُرف وتواطأت عليه الألسن.
وعن أبي يوسف: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومَن طلب غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس.
قوله: (وَالعَزِيْزُ … ) إلى آخره، سُمِّيَ بذلكَ لقلةِ وجوده، من عزَّ يعِزُّ بكسر عين المضارع، أو لكونه قوي بمجيئه من طريق آخر، من عَزَّ يَعَزُّ بفتحها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤].
قوله: (اثْنَان أَوْ ثَلَاْثَة)؛ أي: من طبقةٍ واحدةٍ من طبقاته، وخرج بالتقييد بالاثنين الغريب،
стр. 112
و المعلَّل:
والثلاثة المشهور، وهذا على ما ذهب إليه ابن منده إذ قال: إذا انفرد عن الزهري وشبهه من الأئمة ممَّن يسمع حديثه رجل بحديثٍ يُسمى غريبًا، وإن انفردَ عنهم اثنان أو ثلاثة يُسمى عزيزًا وإن رواه عنهم جماعة يُسمى مشهورًا. انتهى.
وهو مردودٌ، فالأولى بل الصواب إسقاط قوله: (أو ثلاثة) والمعوَّلُ عليهِ ما في «النخبة» من تخصيص الثلاثة فما فوقها بالمشهور، والاثنين بالعزيز، فالغريب ما رواه عن الإمام واحد فقط، والعزيز ما رواه عنه اثنان فقط، والمشهور ما رواه عنه ثلاثة فأكثر، ثُمَّ مَا رواهُ الواحدُ كذلك غريب ولو رواه بعد ذلك مئة عن هذا الواحد.
وكذا يُقال في العزيز غايتهُ أن يُحْدَثَ للحديث اسمٌ آخر باعتبار الرواة قلة وكثرة بعد ذلك؛ فقد يكون الحديث الواحد غريبًا عزيزًا مشهورًا، بأن يرويه عن الإمام أولًا واحد، ثم يرويه عن هذا الواحد الواحد اثنان، ثم يرويه عنهما ثلاثة فأكثر فيُسمى بالأسماء الثلاثة بهذه الاعتبارات الثلاثة، والإمام يصدق به ﷺ اصطلاحًا.
تنبيه: ليس العزيز من حيثُ تعددُ رواته شرطًا للصحيحِ، بلْ يكون الغريب المروي من طريق واحد صحيحًا خلافًا للجبائي المعتزلي وللقاضي ابن عربي في شرح البخاري؛ فإنَّه صَرَّحَ أنَّه شرطٌ للبخاري.
قال ابن رُشَيد -بالتصغير- كان يكفي القاضي في بطلان دعواه أول حديث مذكور في صحيح البخاري؛ -يعني: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» - فإنَّه تفردَ به عن عمر بن الخطاب علقمة.
تكلُّفُ القاضي الجواب عن هذا بأن عمر بن الخطاب قد خطبَ به على المنبر بحضرةِ الصحابة، ولولا أنهم يعرفونه بسماعهم له من غير عمر لأنكروه مردودٌ بأنَّه عندهم ثقةٌ، لو حدَّثهم بما لم يسمعوه قط لم ينكروه عليه، والحاصلُ أنَّ الحديث الصحيح لا يُشترط فيه تعدد الرواة بخلاف العزيز.
قوله: (وَالْمُعَلَّل) قال في «شرح التقريب»: هذا النوع من أجلِّ أنواعِ علومِ الحديثِ وأَشْرَفِهَا وأدقها، وإنَّما يتمكن منه أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب.
قال ابن مهدي: لأنْ أعرفَ علَّة حديث واحدٍ أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثًا ليست عندي. انتهى.
стр. 113
ولا يُقال المعلول:
قال الحاكم: وإنَّما يُعلَّل الحديث عندنا من أوجهٍ ليس للجرح فيها مدخلٌ، والحجة في التعليل بالحفظ والفهم والمعرفة لا غير. انتهى.
وسيأتي بقول الشارح (وهذا من أغمض … ) إلى آخره؛ أي: هذا النوع من أغمض … إلى آخره، وكان الأحسن تقديمه؛ أي: هذا الكلام هنا؛ أي: في أول ترجمة هذا النوع.
قوله: (وَلَاْ يُقَالُ: المَعْلُوْلُ)؛ أي: لأنَّ معلولًا مفعول من عَلَّهُ بالشراب إذا سقاهُ مرةً بعد أخرى، وهو ثلاثي وليس مما نحن فيه إذ هو من أَعَلَّهُ الله أصابه بعلة، وهو رباعي وقياس اسم المفعول منه مُعَلٌّ وأصله مُعلَّل كمُكرَّم ومُرسل، ولذا كان التعبير بمعلول لَحْنًا، وإن عَبَّرَ بهِ كثيرٌ من الفقهاء والمحدثين، قال ابن الصلاح: إنه مردود عربيةً ولغة. انتهى.
والمُعلل من عَلَّلَهُ يُعَلِّلُهُ تَعْلِيْلًا: شَغَلَهُ، وألهاهُ فهوَ مُعلل، ومنه تعليل الصبي بالطعام ونحوه، ولا يخفى أنَّه ليس مما نحن فيه أيضًا، إذ هو من باب التعليل بمعنى ذِكْر العلة المؤثرة، ولذا قال القرافي: الأجودُ بل الصواب فيما هنا المُعَلُّ كما هو قياس اسم المفعول من أَعَلَّ. انتهى.
إنْ قُلت: هذا أيضًا ليس مما نحن فيه؟
أُجيب: بأنَّه وإن لم يكن منه حقيقةً هو منه مجازًا، وصحَّح بعضهم التعبير بالمُعلَّل بطريق التجوز أيضًا لكن بمعنى مطلق التسامح لا بمعنى المصطلح عليه كما فيما قبله.
هذا، وما ذكره الشارح من أنَّه لا يَقال: معلول، وقول ابن الصلاح: إنَّه مردود لغة وعربيةً، رَدَّهُ ابن هشام في «شرح بانت سعاد»، ونُقل عن الجوهري وغيره أنَّه يقال: أَعَلَّهُ فهو مَعْلُوْلٌ. إلَّا أنَّه قليلٌ، وقال ابن حجر: إِنَّهُ الأولى لوقوعه في عبارات أهل الفن مع ثُبوته لغةً، ومن حَفِظَ حُجَّةٌ.
وقال في «نسيم الرياض»: إنَّهم استغنوا بمفعول عن مُفعل كما قالوا: «أحمد الله» فهو محمود،
стр. 114
خبرٌ ظاهره السَّلامة؛ لجمعه شروط الصِّحَّة، لكن فيه علَّةٌ خفيَّةٌ فيها غموضٌ،
قال: وقد صرَّحَ به سِيْبَوْيه ونقله ابن سِيْدَه في «المحكم». انتهى.
وأوضح ذلك ابن الطيب في «شرح نظم الفصيح» وغيره فتلخصَّ أنَّه يصح أن يقال فيما هنا: مُعَل ومُعَلَّل ومَعْلُول خلافًا لمن منعَ في الأخيرين.
قوله: (ظَاهِرُهُ السَّلَاْمَة)؛ أي: من العِلَلِ القادحة في قبوله.
وقوله: (لِجَمْعِهِ) في نسخ (بجمعه) بالموحدة، فالباء للسببية.
وقوله: (شُرُوْطَ الصِّحَّةِ) تقدم أنَّها اتصالُ سندهِ بعدولٍ ضابطين إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة قادحة.
قوله: (لَكِنْ فِيْهِ عِلَّةً)؛ أي: طرأت عليه فأثرت فيه، بأن اطُّلع فيه بعد البحث والتفتيش في طرقه على عِلَّةٍ قادحةٍ كما أوضحه الشارح.
وقوله: (فِيْهَا غُمُوْضٌ) بيانٌ وتفسيرٌ لقوله (خفية)، وقد مَثَّلَ الشارح للخفية بقوله: (كَمُخَالَفَةِ رَاوٍ … ) إلى آخره، فخرجَ بالخفيةِ الظاهرة؛ كإرسالِ الموصول ووقف المرفوع إذا كان راوي الإرسال والوقف أضبط أو أكثر عددًا من راوي الوصل أو الرفع فلا يُسمى الحديث بذلك معللًا اصطلاحًا، كإعلاله بكلِّ قدحٍ ظاهرٍ من فِسق في راويه أو غَفلة منه أو سوء حفظ أو نحو ذلك من أسباب ضعف الحديث، إذ الإرسال الجلي والوقف الجلي وكذا القطع الجلي والإدراج وغيرها لا يُطلق عليها في الاصطلاح المشهور اسم العلة، وإنَّما يُطلق على ما كان منها خفيًّا إذ لا يكون الحديث معلولًا عند الجمهور إلَّا إذا كانت العلة قادحة فيه وهي الخفية؛ كإبدال راوٍ بآخر، أو زيادة كلمة فيه لم يذكرها الجمهور، أو إعلال الموصول بالإرسال أو الوقف إذا كان راويهما أضبط أو أكثر عددًا، وأعلَّ الخليلي بغيرِ القادحةِ توسعًا كما إذا كان رواة الوقف أو الإرسال غير (١) أضبط أو أكثر عددًا، أو كانت العِلَّة في السَّند لا في المتن على ما يأتي حتى قال: من أقسام الصحيح صحيح معلول ممثِّلًا له بحديث مالك في الموطأ أنَّه بلغه أن أبا هريرة قال: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ» حيثُ وَصَلَهُ مالك في غير الموطأ فرواهُ عن محمد بن عَجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال: فقد صار الحديث بتبين الإسناد صحيحًا يعتمد عليه، ونقل عنه أنَّه شدَّد فردَّ بكل علة ولو غير قادحة.
стр. 115
تظهر للنُّقَّاد أطبَّاءِ السُّنَّةِ الحاذقين بعللها عند جمع طرق الحديث والفحص عنها؛ كمخالفة راوي ذلك الحديث لغيره ممَّن هو أحفظ وأضبط وأكثر عددًا، وتفرُّده وعدم المتابعة عليه، مع قرائنَ تنبِّه على وهمه في وصل مُرسَلٍ، أو رفع موقوفٍ، أو إدراج حديثٍ في حديثٍ، أو لفظةٍ أو جملةٍ ليست من الحديث أدرجها فيه، أو وهمٍ بإبدال راوٍ ضعيفٍ بثقةٍ، ويقع في الإسناد والمتن:
قوله: (كَمُخَالَفَةِ رَاوِي ذَلِكَ الحَدِيْثِ … ) إلى آخره؛ أي: كما في حديث يَعلى بن عبيد الآتي، فإنَّه رواه عن عمرو بن دينار، وغيره إنَّما رواه عن أخيه عبد الله بن دينار.
وقوله: (وتفرده … ) إلى آخره؛ أي: كما في حديث مسلم الذي ساقه الشارح أيضًا من جهة الأوزاعي المشتمل على التصريح بنفي الافتتاح بالبسملة؛ فإنَّ هذه الزيادة انفرد بها الراوي ولم يتابعه أحدٌ عليها.
قوله: (علَى وَهَمِه) بفتح الهاء؛ أي: غَلَطِهُ في تلك المخالفة، من وصلِ المرسل أو غير ذلك مما ذكره الشارح.
وعبارة «التقريب وشرحه»: وتُدرك العلةُ بتفردِ الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك تُنَبِّهُ العارفَ بهذا الشأنِ على وهمٍ وقع؛ بإرسالٍ في الموصول أو وقفٍ في المرفوع أو دخولِ حديث في حديث أو غير ذلك بحيث يغلب ذلك على ظنه فيحكم بعدم صحة الحديث أو يتردد فيتوقف فيه. انتهى.
ثمَّ قال: والطريق إلى معرفته جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته وضبطهم وإتقانهم، قال ابن المديني: البابُ إذا لم تُجمع طُرقه لم يتبين خطؤه، وكَثُرَ التعليلُ بالإرسال للموصول بأن تكون رواته أقوى ممن وصل. انتهى.
قوله: (وَيَقَعُ فِي الْإِسْنَادِ … ) إلى آخره؛ أي: تقعُ العلة في الإسناد والمتن، قال الجلال: ووقوعها في الإسناد أكثر. انتهى.
وذلك بأن يختلف السند عن راوٍ واحدٍ فيرويه كلٌّ من الجماعة على وجهٍ مخالفٍ للآخر في وصله وإرساله أو في إثبات راوٍ وحذفه أو غير ذلك، وإذا وقعت في الإسناد فقد تقدح فيه وفي المتن أيضًا، كإرسال سند متصل، أو وقف مرفوع، أو إدراج أو غير ذلك ولم يقوَ الاتصال أو الرفع على الإرسال أو الوقف، وقد لا تقدحُ فيه بأن يتعدد السند أو يقوى الاتصال ونحوه، أو يكون الذي وقع فيه الاختلاف تعيينُ واحدٍ من ثقتين كما مثَّل به الشارح من حديث «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ»، حيث رواه
стр. 116
فالأوَّل: كحديث يعلى بن عبيدٍ عن الثَّوريِّ عن عمرو بن دينارٍ: «البيِّعان بالخيار» صرَّح النُّقَّاد بأنَّ «يعلى» غَلِطَ، إنَّما هو عبد الله بن دينار لا عمرو بن دينارٍ، وشذّ بذلك عن سائر أصحاب الثَّوريِّ، وسبب الاشتباه: اتِّفاقهما في اسم الأب، وفي غير واحدٍ من الشُّيوخ، وتقاربهما في الوفاة.
وأمَّا علَّة المتن فكحديث مسلمٍ من جهة الأوزاعيِّ عن قتادة: أنَّه كتب إليه يخبره عن أنسٍ أنَّه حدَّثه أنَّه قال: «صلَّيت خلفَ النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، فكانوا يستفتحون بـ: الحمد لله ربِّ العالمين، لا يذكرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في أوَّل قراءةٍ ولا في آخرها»، فقد أعلَّ الشَّافعيُّ ﵁ وغيره هذه الزِّيادة التي فيها عدم البسملة، بأنَّ سبعةً أو ثمانيةً خالفوا في ذلك، واتَّفقوا على الاستفتاح بـ «الحمد لله رب العالمين»، ولم يذكروا البسملة والمعنى: أنَّهم
يَعلى بن عُبيد، عن الثَّوري، عن عَمرو بن دينار، عن ابن عمر، فقد صَرَّحَ النُّقاد بِوَهْمِهِ على الثوري، والمعروف من حديثه عن عبد الله بن دينار لا عمرو بن دينار، لكن هذه العلة لا تقدح في المتن؛ لأنَّ عبد الله وعمرًا كلاهما ثقةٌ.
قوله: (وَأَمَّا عِلَّةُ المَتْنِ)؛ أي: القادحة فيه.
قوله: (بِأَنَّ سَبْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً)؛ أي: مِمَّنْ رَوى هذا الحديث عن أنس منهم سفيان بن عيينة والفزاري والثقفي، والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحدٍ.
قوله: (وَلَمْ يَذْكُرُوا البَسْمَلَةَ)؛ أي: فلم يقولوا كما قال هذا الراوي: (لا يذكرون: بسم الله الرحمن الرحيم) بل اقتصروا على قوله (فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بـ ﴿الْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢])، قال الدَّارقطني: وهذا هو المحفوظ عن قَتَادة وغيره، عن أنس، قال البيهقي: وكذلك رواهُ عن قتادة أكثرُ أصحابه كأيوب وشُعبة والدَّسْتُوَائي وشيبان وسعيد بن [أبي] (١) عروبة وأبي عَوانة وغيرهم، قال ابن عبد البر: فهؤلاء حُفَّاظُ أصحابِ قَتادة، وليس في روايتهم لهذا الحديث ما يُوجب سقوط البسملة، وهذا هو اللفظ المتفق عليه في الصحيحين وهو رواية الأكثرين.
قوله: (وَالْمَعْنَى … ) إلى آخره؛ أي: معنى رواية أولئك الجمهور من قولهم: (فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ
стр. 117
يبدؤون بقراءة أمِّ القرآن قبل ما يُقرَأ بعدها، ولا يعني أنَّهم يتركون البسملة. وحينئذٍ فكأنَّ بعض رواته فَهِمَ من الاستفتاح نفيَ البسملة، فصرَّح بما فهمه، وهو مخطئٌ في ذلك، ويتأيَّد بما صحَّ عن أنسٍ أنَّه سُئِل: «أكان النبي ﷺ يستفتح بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أو بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾؟ فقال للسَّائل: إنَّك لتسألني عن شيءٍ ما أحفظُه، وما سألني عنه أحدٌ قبلَك»، على أنَّ قتادة وُلِدَ أكمه، وكاتبه لم يعرف،
بـ ﴿الْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) وهذا ما أَوَّلَ بِهِ الشَّافعي ﵁، وقد ورد التَّصريحُ بهِ في رواية الدَّارقُطني بسندٍ صحيحٍ بلفظ: (فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِأُمِّ القُرْآنِ).
قوله: (وَيَتَأَيَّدُ)؛ أي: ما ذُكر من أنَّ أنسًا لم يروِ نفيَ البسملة، وأنَّ الذي زاد ذلك في آخر الحديث رَوى بالمعنى بحسبِ ما فَهِمَ فأخطأَ.
وقوله: (بِمَا صَحَّ عَنْ أَنَسٍ)؛ أي: فيما أخرجهُ أحمد وابن خُزيمة بسنده على شرط الشيخين وأورد عليه أن من حفظه عنه حجةٌ على من سأله في حالِ نسيانه، وأجاب: أبو شامة بأنهما مسألتان فسؤال أبي سلمة عن البسملة وتَرْكِهَا، وسؤال قَتادة عن الاستفتاح بأي سورةٍ.
قوله: (عَلَى أَنَّ قَتَادَةَ … ) إلى آخره، هذه علاوةٌ مُبْدِيَة لعلةٍ أخرى قادحة أيضًا؛ وذلك أنَّه حيثُ كان أَكْمَهَ فلا بُدَّ أن يكون أمَرَ مَنْ كَتَبَ (١) إلى الأوزاعي، وهذا الكاتبُ لم يُسَمَّ فيُحتمل أن يكونَ مجروحًا أو غير ضابطٍ فلا تقومُ به الحُجَّةُ مع ما في أصلِ الرِّوايةِ بالكتابة من الخلاف، وأن بعضهم يرى انقطاعها كما سيأتي، فالحديثُ معلَّلٌ أيضًا بعِلَلٍ أُخْرَى غير المخالفة، وهي الكتابة وجهل الكاتب كما هو معلَّل بالإدراج والمُخالفة من الحفاظ والأكثرين.
قال العراقي: وقول ابن الجوزي: إنَّ الأئمة اتفقوا على صحته، فيه نظرٌ، فهذا الشافعي والدارقطني والبيهقي لا يقولون بصحته. انتهى.
فلم يثبت نفي البسملة بطريقٍ صحيحٍ، وقد ورد ثبوت قراءتها في الصلاة عنه ﷺ من حديث
стр. 118
وهذا أهمُّ في التَّعليل، وهذا من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقِّها، ولا يقوم به إلَّا ذو فهمٍ ثاقبٍ (١)، وحفظٍ واسعٍ، ومعرفةٍ تامَّةٍ بمراتب الرُّواة، ومَلَكَةٍ قويَّةٍ بالأسانيد والمتون، وقد تقصرُ عبارةُ المعلِّل عن إقامة الحجَّة على دعواه؛ كالصَّيرفيِّ في نقد الدِّينار والدِّرهم.
أبي هريرة من طرقٍ عند الحاكم وابن خُزيمة والنَّسائي والدَّارقُطني والبَيهقي والخطيب، ومن حديث ابن عباس عند الترمذي والحاكم والبيهقي، وعن عثمان وعلي وعمار بن ياسر وجابر ابن عبد الله والنُّعمان بن بشير وابن عمر وعائشة عند الدَّارقُطني، وأم سَلمة عند الحاكم وجماعة من المهاجرين والأنصار عند الشافعي، فبلغَ ذلكَ مبلغ التواتر، وقد بيَّنَ طُرُقَ هذهِ الأحاديث الحافظ السيوطي في «الأزهار المتناثرة» فلم يبقَ مع ذلك ريبةٌ في ثبوتها.
قوله: (وَهَذَا أَهُمُّ فِيْ التَّعْلِيْلِ) المتبادرُ أنَّ اسمَ الإشارةِ راجعٌ إلى الجهل بحال الكاتبِ، وأنَّ المراد أن تعليلَ الحديث بالكتابةِ وجهلِ الكاتب أهم من تعليله بغير ذلك من مخالفة الأكثر مثلًا، ولينظر وجهُ الأهميةِ، ولعلَّه لأنَّ فيه عِلَّتين، وللاتفاق على الردِّ بالجهل وتضعيف رواية المجهول.
قوله: (وَهَذَا مِنْ أَغْمَضِ أَنْوَاعِ الحَدِيْثِ) الإشارةُ إلى التعليل من حيث هو، وإنَّما كان مِن أغمضها وأدَقِّها لأنَّه لا يُعرف إلَّا بجمع طرق الحديث والبحث عنها والنظر في اختلاف رواته وضبطهم وإتقانهم.
قوله: (إِلَّا ذُوْ فَهْمٍ ثَاقِبٍ) قال في «شرح التقريب»: ولهذا لم يتكلم فيه إلَّا القليل كابن المديني وأحمد والبخاري ويعقوب بن شَيبة وأبي حَاتِم وأبي زُرعة والدَّارقطني.
قوله: (كَالْصَيْرَفِيِّ … ) إلى آخره، روي عن ابن مهدي أنَّه قيل له: إنك تقول للشيء: هذا صحيح، وهذا لم يثبت فعمن (٢) تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيتَ الناقد فأريته دراهمك، فقال: خذ هذا جيد وهذا رديء، أكنت تسأله عَمَّنْ ذلك أو تُسلِّم له؟ قال: بل أُسلِّم له، قال: فهذا كذلك لطول المجالسة والمناظرة والخبرة.
وقد قسم الحاكم العلل إلى عشرة أقسام ولخَّصَها الجلال في «شرح التقريب»، فانظره.
стр. 119
والفرد: يكون مطلقًا؛ بأن ينفرد الرَّاوي الواحد عَنْ كلِّ واحدٍ من الثِّقات وغيرهم، ويكون
قوله: (الفَرْد … ) إلى آخره، وجهُ التسمية فيه ظاهرٌ.
قوله: (يَكُوْنُ مُطْلَقًا … ) إلى آخره؛ أي: إنَّه ينقسم إلى قسمين: فردٌ مُطلقٌ؛ بأن ينفردَ بهِ راوٍ واحد عن كلِّ أحدٍ، وفردٌ نسبي؛ أي: بالنسبة إلى جهة خاصة وهو أقسام ثلاثة: الأول: المُقيَّد بالثقة، وإليه الإشارة بقوله (مَا قُيِّدَ بِثِقَةً).
الثاني: المُقَيَّدُ بأهلِ بلدٍ مخصوصٍ كمكة، وإليه الإشارة بقوله (أَوْ بِبَلَدٍ مُعَيَّنٍ).
الثالث: ما يُقيد براوٍ مخصوص … إلى آخره.
وعلى كلٍّ فلا يُعتبر فيه المُخالفة لما رواه الغير بل المدار فيه على التفرد؛ بأن يروي ما لم يروه غيره سواءٌ خالفَ غيره؛ -أي: في الحكم- أو لا، بخلاف الشاذ فيعتبر فيه مع التَّفرد المخالفة، ثم الظاهر تقسيمه -كالغريب والشاذ- إلى مُفرد في السند وإلى مفرد في المتن.
مثاله في السند: ما رواه التِّرمذي والنَّسائي من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عَوْسَجَة، عن ابن عباس: «أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ على عَهْدِ رسول اللهِ ﷺ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّاْ مَوْلًى هُوَ أَعْتَقَهُ»، فإنَّ حمَّاد بن زيد رواه عن عمرو، عن عوسجة، ولم يذكر ابن عباس، لكن تابع ابن عيينة على وَصْلِهِ [ابن] (١) جُرَيج وغيره.
ومثاله في المتن زيادة يوم عرفة في حديث: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» فإنَّه من جميع طرقه بدونها، وإنَّما جاء بها موسى بن عُلي -بالتصغير- بن رباح، عن أبيه، عن عُقبة بن عامر، وصحَّحَهُ ابن حبَّان والحاكم وقال: على شرط مسلم.
قوله: (عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ)؛ أي: من رُواة هذا الحديث، وحُكْمُ هذا القسم على ما ذكره ابن الصلاح أنَّ الرَّاوي المنفرد المذكور إذا لم يخالف غيره وكان ذا ضبطٍ تامٍّ ففردهُ صحيحٌ مقبولٌ، كحديثِ النَّهي عن بيع الولاء وهِبَتِهِ؛ فإنَّه لم يصحَّ إلَّا من رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وإذا كان قريبًا من الضبط التام ففردُهُ حسنٌ مقبولٌ، كحديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ إِذَا خَرَجَ من الْخَلَاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ» فقدْ قال فيه الترمذي: (حسن غريب لا نعرفه إلَّا من حديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة)، وإذا كان بعيدًا عن الضبط فشاذٌّ مردودٌ كحديث أبي
стр. 120
بالنِّسبة إلى صفةٍ خاصَّةٍ، وهو أنواعٌ:
ما قُيِّد بثقةٍ؛ كقول القائل في حديث قراءته ﷺ في الأضحى والفطر بـ «ق» و «اقتربت»، لم يروِه ثقةٌ إلَّا ضَمرة بن سعيدٍ، فقد انفرد به عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي
زُكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا: «كُلُوا الْبَلَحَ بِالتَّمْرِ؛ فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ إِذَا أَكَلَهُ غَضِبَ الشَّيْطَانَ»، قال النَّسائي: هذا حديثٌ تفرَّدَ به أبو زُكير وهو لم يبلغ مبلغ مَن يُحتمل تفرُّدُهُ، بل ضعَّفه القوم، وقال العُقيلي: (لا يُتابع على حديثه)، فَتَحَصَّلَ أنَّ الفردَ المخالف والفرد الذي ليس في روايته من الضبط والتوثق ما يَجبر تفرده من النَّكارة والضعف؛ مردودان، والثالث مقبول.
فائدة: قال ابن دقيق العيد: إذا قيلَ حديثٌ تفرَّدَ به فلان عن فلان احتمل أن يكون تفرُّدًا مُطلقًا، وأن يكون تَفَرَّدَ بِهِ عن هذا المُعين خاصةً، ويكون مرويًا عن غير ذلك المعين فتنبَّه لَهُ.
قوله: (وَهُوَ أَنْوَاعٌ) الضمير لهذا القسم الذي هو (الفرد النسبي) أقول: الظاهر أنَّ الفردَ يُغاير الغريب بالنظر لهذا القسم بأنواعه فهو أعمُّ منه. وقوله: (أنواع)؛ أي: ثلاثة كما علمت وحكمه بأنواعه قريب من حكم الفرد المطلق؛ فينظر فيه هل بلغ رتبة الضبط التام أو قاربَ منه أو لا؟.
قوله: (مَا قُيِّدَ بِثِقَةٍ)؛ أي: بروايته إياه عن غيره، كقولهم: لم يروه ثقة إلَّا فلان.
قوله: (كَقَوْلِ القَائِلِ)؛ أي: الذي اطَّلَعَ على طُرُقِ الحَدِيْثِ فرأى ذلك التفرد.
قوله: (لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ … ) إلى آخره؛ أي: وأمَّا من غيرِ الثِّقات فرواهُ ابنُ لَهِيْعَةَ وهو ضعيفٌ عند
стр. 121
واقدٍ الليثيِّ صحابِيِّهِ. أو ببلدٍ معيَّنٍ؛ كمكَّة والبصرة والكوفة؛ كقول القائل في حديث أبي سعيد الخدريِّ المرويِّ عند أبي داود في كتابَيْه «السُّنن»، و «التَّفرُّد»، عن أبي الوليد الطَّيالسيِّ عن هَمَّام عن قتادة عن أبي نضرة عنه، قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسَّر». لم يروِ هذا الحديث غير أهل البصرة. قال الحاكم: إنَّهم تفرَّدوا بذكر الأمر فيه من صفة وضوء النَّبيِّ ﷺ : إنَّ قولَه: «ومسح رأسه بماءٍ غير فضلِ يده»، سنَّةٌ غريبةٌ تفرَّد بها أوَّل الإسناد إلى آخره، ولم يَشْرَكْهم في لفظه سواهم. وكذا قال في حديث عبد الله بن زيدٍ في أهل مصر لم يَشرَكْهم
الجمهور، عن خالد بن زيد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن أَبي واقد، بالقاف بعد الألف.
وقوله: (صَحَابِيِّهِ) بدل منه، ولعل ضميره للحديث؛ أي: صحابي ذلك الحديث الذي رواه عن النَّبيِّ ﷺ ، ولينظر ما فائدة هذا الإبدال، سيما وهو مرويٌّ عن عائشة أيضًا -كما تقدم- فليس له صحابي واحد.
قوله: (السُّنَنِ) بالجر بدلٌ من (كتابَيْه)، و (التفرد) عطفٌ على السنن، وهو اسم كتاب له أيضًا.
قوله: (عَنْ أَبِي نَضْرَةَ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: وهو المنذر بن مالك العبدي، تابعي.
قوله: (عَنْهُ)؛ أي: عن أبي سعيد المُتقدِّم في قوله في حديث أبي سعيد.
стр. 122
أحدٌ، ولا يقتضي شيءٌ من ذلك ضعفَه، إلَّا أن يراد تفرُّدُ واحدٍ من أهل البصرة، فيكون من الفرد المطلق. والثَّالث: ما قُيِّد براوٍ مخصوصٍ حيث لم يروه عن فلانٍ إلَّا فلانٌ، كقول أبي الفضل بن طاهرٍ عقب الحديث المرويِّ في «السُّنن الأربعة» من طريق سفيان بن عيينة عن وائل بن داود عن ولده بكر بن وائل عن الزُّهريِّ عن أنسٍ: (أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَوْلَمَ على صفيَّة بسويقٍ وتمرٍ)، لم يروِه عن بكرٍ إلَّا وائلٌ، ولم يروِه عن وائلٍ غيرُ ابن عُيينة، فهو غريبٌ؛ ولذا قال التِّرمذيُّ: إنَّه حسنٌ غريبٌ، قال: وقد رواه غير واحدٍ عن ابن عُيينة عن الزُّهريِّ؛ يعني: بدون وائلٍ وولده، قال: وكان ابن عُيينة
قوله: (وَلَاْ يَقْتَضِي شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ)؛ أي: من أنواع القسم الثاني، أعني: التَّفرد النسبي.
وقوله: (ضَعْفَهُ)؛ أي: الحديث المتفرد به من ذُكِرَ؛ أي: من حيث كونه فردًا.
وقوله: (إِلَّا أَنْ يُرَادَ)؛ أي: بقوله: (تفرَّد به أهل البصرة مثلًا)، وقوله: (تفرد واحد)؛ أي: تجوزًا، ومثل ما ذكر قولهم: (لم يروه ثقة إلَّا فلان)، كما في «شرح التقريب» ثمَّ يصحُّ أن يُقرأَ (واحد) بالجر على الإضافة، وبالرفع على الفاعلية.
قوله: (فَيَكُوْنُ مِنَ الفَرْدِ المُطْلَقِ)؛ أي: فحُكْمُهُ كحُكْمِهِ؛ لأنَّ روايةَ غيرِ الثِّقة كَلَا رواية، فيُنظر في المنفرد به: هل بلغ رتبة مَن يُحتجُّ بتفرده أو لا؟ وفي غير الثقة: هل بلغ رتبة مَن يُعتبر بحديثه أو لا؟
قوله: (مَا قُيِّدَ بِرَاوٍ مَخْصُوْصٍ)؛ أي: بكونه عن راوٍ مخصوصٍ؛ أي: تقيَّدَ بكونِ المُنفرد به إنَّما تفردَ بهِ من حيثيةِ روايته إياهُ عن فلان، وإن كان مرويًا من وجوه أُخَرَ عنْ غيره.
قوله: (غَيْرُ وَاحِدٍ) كمحمد بن الصَّلت التَّوَّزِي -بتشديد الواو المفتوحة بالزاي المعجمة- عنه،
стр. 123
ربَّما دلَّسهما، والحكمُ بالتفرُّد يكون بعد تتبُّع طرق الحديث الذي يُظَنُّ أنَّه فردٌ، هل شارك راويه آخر أم لا؟ فإن وُجِدَ بعد كونه فردًا أنَّ راويًا آخر ممَّن يَصلُح أن يُخرج حديثه للاعتبار والاستشهاد به وافقه؛ فإن كان التَّوافق باللَّفظ سُمِّي متابعًا، وإن كان بالمعنى سُمِّي شاهدًا،
عن زياد بن سعد عن الزهري.
قوله: (دَلَّسَهُمَا)؛ أي: أسقطهما؛ أي: وائلًا وأباه، تدليسًا لإيهام أنَّه رَوى عن الزهري بلا واسطة.
قوله: (بَعْدَ كَوْنِهِ فَرْدًا)؛ أي: بحسب الظاهر قبل النظر والبحث.
قوله: (مِمَّنْ يَصْلُحُ أَنْ يُخْرَجَ حَدِيْثُهُ للاعْتِبَارِ)؛ أي: بأنْ لمْ يكنْ ضعيفًا، أو كان لكنه غيرُ شديدِ الضعفِ؛ فإنَّه لا انحصارَ للمتابعات والشواهد في الثقة بل يدخلُ فيها الضعفاء، لكن ليس كل ضعيف يصلح لذلك، كما سيُنَبه عليه الشارح، بل ضعيف الضعف فقط.
والاعتبار هو: أن تَعْمَدَ إلى الحديثِ الذي تراهُ فردًا فتعتبره وتعتني به وتبحث وتفتش في طرقه فتنظر هل رواه راو آخر بلفظه أو معناه أو لا؟ فإن وُجِدَ عُلِمَ أنَّ له أصلًا يُرجع إليه، ثم إنْ كان بمعناه فهو الشاهد: فهو متنٌ بمعنى الحديث الفرد عن رواية صحابي آخر، أو بلفظه فهي المتابعة: فهي وجدانُ راوٍ مشاركٍ لما روى منفردًا فيما رواه بلفظه؛ وهي إمَّا أن تكون لنفس الراوي بأن روى هذا الحديث عن الشيخ الراوي الأول نفسه، أو لشيخه، أو لشيخ شيخه وهكذا إلى آخر الإسناد.
فالأولى متابعة تامة وما عداها متابعة قاصرة، وهي بأقسامها تُكسب قوةً في الفرد، وإن كانت الأولى أعلى، ويليها ما بعدها وهكذا إلى الآخر، وسيأتي التمثيل لكلٍّ من الاعتبار والمتابعة والاستشهاد في كلام الشارح.
قوله: (وَافَقَهُ)؛ أي: وافق ذلك الراوي الذي روى الفرد.
قوله: (سُمِّيَ مُتَابِعًا)؛ أي: فتختصُّ المتابعةُ بما كان باللفظِ سواءً كان من رواية ذلك الصحابي أم لا؟
стр. 124
وإن لم يوجد من وجهٍ بلفظه أو بمعناه؛ فإنَّه يتحقَّق فيه التفرُّد المطلق حينئذٍ. ومظنَّة معرفة الطُّرق التي تحصل بها المتابعات والشَّواهد، وتنتفي بها الفرديَّة الكتب المصنَّفة في «الأطراف»، وقد مثَّل ابن حبَّان لكيفيَّة الاعتبار؛ بأن يروي حمَّاد بن سلمة حديثًا لم يُتابَع عليه عن أيُّوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ ، فينظر هل روى ذلك ثقةٌ غير أيُّوب عن ابن سيرين؟ (١)، فإن وُجِد عُلِمَ به أنَّ للحديث أصلًا يُرجَع إليه، وإن لم يُوجَد ذلك فثقةٌ غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلَّا فصحابيٌّ غير أبي هريرة رواه عن النَّبيِّ ﷺ ، فأيُّ ذلك وُجِدَ عُلِمَ به أنَّ للحديث أصلًا يُرجَع إليه، وإلا فلا. وكما أنَّه لا انحصار للمتابعات في الثِّقة كذلك الشَّواهد،
والشاهد أعمُّ، وقيل: هو مخصوصٌ بما كان بالمعنى، وقال شيخ الإسلام: يُسمى الشاهد متابعة أيضًا.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يُوْجَدُ مِنْ وَجْهٍ)؛ أي: كالحديث الذي رواه الترمذي من طريق حمَّاد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أراه رفعه: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا … » الحديث، قال الترمذي: غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلَّا من هذا الوجه.
قوله: (فِيْ الأَطْرَافِ)؛ أي: أطراف الأحاديث وطُرُقِهَا، أو أطراف الدنيا.
قوله: (لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ)؛ أي: في بادئ الرأي قبل النظر فيه كما تقدمت الإشارة إليه، لا قطعًا.
قوله: (فَيُنْظَر … ) إلى آخره، هذه هي كيفية الاعتبار؛ لأنَّك تعتبر هذا الفرد برواياتِ غيره من الرواة، وسَبْرِ طُرُقِ الحديث.
قوله: (غَيْرُ أَيُّوْب عَنْ ابْنِ سِيْرِيْن) وهذه متابعة تامة، وهي الموافقة لنفس الراوي في الرواية عن شيخ.
وقوله: (وَإِنْ لَمْ يُوْجَدْ ذَلِكَ)؛ أي: رواية أحد غير أيوب، عن ابن سيرين.
وقوله: (فَثِقَةٌ غَيْرُ ابنِ سِيْرِين) وهذه متابعة قاصرة.
قوله: (فَأَيُّ ذَلِكَ وُجِدَ … ) إلى آخره؛ أي: كما سيأتي للشارح في رواية الشافعي، عن مالك، عن عبد الله ابن دينار في حديث: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُوْنَ».
стр. 125
فيدخل فيهما رواية من لا يُحتَجُّ بحديثه وحده، بل يكون معدودًا في الضُّعفاء، وفي «البخاريِّ» و «مسلمٍ» جماعةٌ من الضُّعفاء ذَكَرَاهم في المتابعات والشَّواهد، وليس كلُّ ضعيفٍ يصلح لذلك. ولذا قال الدَّارقطنيُّ: فلانٌ يعتبر به وفلانٌ لا يُعتبَر به. وقال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: وإنَّما يُدخِلون الضُّعفاء لكون التَّابع لا اعتماد عليه، وإنَّما الاعتماد على من قبله. انتهى.
قال شيخنا: ولا انحصار له في هذا، بل قد يكون كلٌّ (١) من المتابَع والمتابِع لا اعتماد عليه، فباجتماعهما تحصل القوَّة، ومثال المتابع والشَّاهد: ما رواه الشَّافعيُّ في «الأمِّ» عن مالكٍ عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الشَّهر تسعٌ وعشرون، فلا تصوموا حتَّى تَرَوُا الهلال، ولا تفطروا حتَّى تَرَوْهُ، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدَّةَ ثلاثين»، فإنَّه في جميع «الموطَّآت» عن مالكٍ بهذا السَّند بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له». وأشار
قوله: (فَيَدْخُلُ فِيْهَا)؛ أي: في الشواهد كما يدخل في المتابعات.
قوله: (وَلَيْسَ كُلُّ ضَعِيْفٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ)؛ أي: للمتابعة والاستشهاد بحديثهِ، بل ذلك خاصٌ بمن لم يشتدَّ ضعفه، ولذا قال الدَّارَقُطني: لا تُعتبرُ متابعة ولا استشهاد كل ضعيف.
قوله: (قَالَ شَيْخُنَا) هو أبو الخير السَّخَاوي شارح «ألفية العراقي».
قوله: (مِنَ المُتَابَع والمُتَابِع) بفتح الموحدة في أحدهما وكسرها في الآخر.
(وَمِثَالُ المُتَابِعِ وَالشَّاهِدِ)؛ أي: فقد اجتمعا في هذا الحديث.
قوله: (فِيْ جَمِيْعِ المُوَطَّآتِ)؛ أي: روايات مالك في الموطأ.
стр. 126
البيهقيُّ إلى أنَّ الشَّافعيَّ تفرَّد بهذا اللَّفظ عن مالكٍ، فنظرنا، فإذا البخاريُّ روى الحديث في «صحيحه»، فقال: حدَّثنا عبد الله بن مسلمة القعنبيُّ، حدَّثنا مالكٌ به بلفظ الشَّافعيِّ سواءٌ، فهذه متابعةٌ تامَّةٌ في غاية الصِّحَّة لرواية الشَّافعيِّ، ودلَّ هذا على أنَّ مالكًا رواه عن عبد الله بن دينارٍ باللَّفظين معًا، وقد تُوبِع فيه عبد الله بن دينار من وجهين عن ابن عمر؛ أحدهما: أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة عن عبيد (١) الله بن عمر عن نافعٍ، فذكر الحديث، وفي آخره:
قوله: (تَفَرَّدَ بِهَذَا اللَّفْظِ)؛ أي: قوله: («فَأَكْمِلُوْا العِدَّةَ … » إلى آخره)، ولذا عُدَّ من غرائب الشافعي؛ لأنَّ أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد بلفظ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ» لكن وجدنا للشافعي متابِعًا، وهو عبد الله بن مسلمة القَعنبي، فإنَّه رواه عن مالك بلفظ الشافعي، وهذه متابعة تامة كما قال الشارح لمتابعة القَعْنَبِي للشَّافعي في شيخه مالك واللفظُ واحدٌ.
قوله: (لِرِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ) متعلقٌ بمتابعةٍ.
قوله: (وَقَدْ تُوْبِعَ فِيْهِ عَبْدُ اللهِ بنُ دِيْنَارٍ)؛ أي: فتكونُ متابعةً قاصرةً للشافعي، لكن كون الوجه الأول؛ -أعني: ما أخرجه مسلم- متابعةً لا يتجهُ على ما قدَّمه الشارح من أنَّ المتابعة هي الموافقة في اللفظ، إذ (٢) اللفظ في الروايتين متغايرٌ فيكون شاهدًا لا متابعًا، نعم يتجه على ما قدمناه عن شيخ الإسلام مِن أنَّ الشَّاهد يُسمى متابعة، وكذا الوجه الثاني؛ -أعني: ما رواه ابن خزيمة- فإن لفظ «العدة» ساقط منه، فقوله فيه: (فهذه متابعةٌ) ممنوع على ما قدمَّه، صحيحٌ على ما ذكره شيخ الإسلام، ويكون حينئذ متابعة ناقصة.
стр. 127
«فإن غُمَّ عليكم فاقدروا ثلاثين». والثَّاني: أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق عاصم بن محمَّد بن زيد عن أبيه عن جدِّه ابن عمر بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فكمِّلوا ثلاثين». فهذه متابعةٌ، لكنَّها ناقصةٌ، وله شاهدان؛ أحدهما: من حديث أبي هريرة رواه البخاريُّ [خ¦١٩٠٩] عن آدم عن شعبةَ عن محمَّد بن زيادٍ عن أبي هريرة بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدَّة شعبان ثلاثين». وثانيهما: من حديث ابن عبَّاسٍ، أخرجه النَّسائيُّ من رواية عمرو بن دينارٍ عن محمَّد بن حُنينٍ عن ابن عبَّاسٍ (١) بلفظ: حديث ابن دينار عن ابن عمر سواءٌ، وإنَّما أَطَلْتُ الكلام
قوله: (وَلَهُ شَاهِدَانِ)؛ أي: أحدهما موافق باللفظ، وهو ما أخرجه النسائي إذا كان بلفظ حديث ابن دينار عن ابن عمر الذي رواه الشافعي من قوله: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ»، والثاني وهو ما أخرجه البخاري موافق بالمعنى إذ فيه: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ»، ولفظُ الشافعي: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ»، لكن هذا إنَّما يتمشى على رأي الجمهور أنَّ الشاهدَ شاملٌ لكلا الموافقتين، أمَّا على ما جرى عليه الشارح من أنَّ الشاهد هو الموافق في المعنى فقط فلا يظهر إلَّا في الأول لا في الثاني، فتأمل.
قوله: (بِلَفْظِ حَدِيْثِ ابْنِ دِيْنَار)؛ أي: فاقدروا له.
стр. 128
في هذا لكثرة ما في «البخاريِّ» منه، والله سبحانه الموفِّق والمعين.
و الشَّاذُّ: ما خالف الرَّاوي الثِّقةُ فيه جماعةَ الثِّقات بزيادةٍ أو نقصٍ، فيُظَنُّ أنَّه وَهِمَ فيه، قال ابن الصَّلاح: الصَّحيحُ التَّفصيلُ، فما خالف فيه المنفرد مَنْ هو أحفظ وأضبط فشاذٌّ مردودٌ، وإن لم يخالف، بل روى شيئًا لم يروِه غيره، وهو عدلٌ ضابطٌ فصحيحٌ، أو غير ضابطٍ، ولا يبعد عن درجة الضَّابط فحسنٌ، وإن بَعُدَ فشاذٌّ منكرٌ، ويكون الشُّذوذ في السَّند؛
قوله: (فِيْ هَذَا)؛ أي: ما تقدم من الاعتبار والمتابعة والاستشهاد.
قوله: (وَالشَّاذُّ) هو لغةً: المنفرد عن الجماعة. واصطلاحًا ما ذكره الشارح.
قوله: (مَا خَالَفَ … فِيْهِ) خرجَ ما لم يُخالف فيهِ غيرَهُ، وإنَّما أتى بشيءٍ انفرد به، وهو الفرد المطلق كما سبق.
وقوله: (الثِّقَةُ) خرجَ الضَّعيف فحديثهُ يُقال له: (منكر)؛ فيفارقُ الشاذُّ المنكرَ بأنَّ المُخالف في الشاذ ثقةٌ، وهذا هو المعتمد في حدِّ الشاذ، وقال الحاكم: هو ما انفرد به الثِّقَةُ وليس له أصلٌ متابعٌ لذلك الثقة، فقيَّدَ بالثقةِ دون المخالفة، وقال الخليلي: هو ما ليس له إلَّا إسناد واحدٌ ثقةٌ أو غير ثقةٍ خالف أو لا، فما انفردَ به الثقةُ لا يُحتج به، لكنَّهُ يصلحُ أن يكون شاهدًا وما انفرد به غير الثقة متروك، وردَّ ما قالاه بأفراد الثقات الصحيحة كحديث: «النهي عن بيع الولاء»، ومن ذلك في الصحيحين كثير.
قوله: (جَمَاعَةَ الثِّقَاتِ) لعلَّ التعبيرَ بالجماعةِ نظرًا للغالب، وإلَّا فلو خالف واحدًا هو أحفظ منه فهو شاذٌّ أيضًا، صرَّحَ به شيخ الإسلام أخذًا من تعليل الشاذ بأنَّ العدد أولى بالحفظ من الواحد، قال: لأنَّ المدار على الحفظ، فمَن خالف مَن هو أحفظ منه يعدُّ شاذًّا.
قوله: (الصَّحِيْحُ التَّفْصِيْلُ) ظاهرهُ أنَّ هذا التفصيل في مُسمَّى الشاذ، وليس كذلك، بل هو فيما يُقبل من أنواعه وما يُردُّ، ثمَّ هذا التفصيل جريًا على ما ذهب إليه ابن الصلاح من ترادف الشاذِّ والمنكر وأنَّه لا يُشترط في الشاذ المخالفة من الثقة، وقد عَلِمْتَ أنَّ الراجحَ خلافه.
قوله: (أَحْفَظُ وَأَضْبَطُ)؛ أي: أو أكثرُ عددًا.
قوله: (وَهُوَ عَدْلٌ ضَابِطٌ)؛ أي: تامُّ العدالةِ والضَّبْطِ.
قوله: (فَشَاذٌّ)؛ أي: ضعيفٌ مردودٌ، وهو على هذا يُجامع المنكر، وعليه فيتحصل من ذلك أنَّ
стр. 129
كرواية التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابن ماجه من طريق ابن عُيينة: عن عمرو بن دينارٍ عن عوسجة عن ابن عبَّاس ﵄: «أنَّ رجلًا تُوفِّي على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يَدَع وارثًا إلَّا مولًى هو أعتقه فدفع النَّبيُّ ﷺ ميراثه إليه … » الحديثَ، فإنَّ حمَّاد بن زيدٍ رواه عن عمرٍو مُرسلًا بدون ابن عبَّاسٍ، لكن قد تابع ابن عُيينة على وصله ابن جريجٍ وغيره. ويكون في المتن؛ كزيادة «يوم عرفة» في حديث: «أيَّام التَّشريق أيَّام أكلٍ وشربٍ» فإنَّ الحديث من جميع طرقه بدونها، وإنَّما جاء بها موسى بن عُليٍّ -بالتَّصغير- بن رباحٍ عن أبيه عن عقبة بن عامرٍ، كما أشار إليه ابن عبد البرِّ. على أنَّه قد صحَّح حديثَ موسى هذا ابنا خزيمة وحبَّان والحاكم، وقال: على شرط مسلمٍ، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. وكأنَّ ذلك لأنَّها زيادة ثقةٍ غير منافيةٍ؛ لإمكان حملها على حاضري عرفة.
الشَّاذَّ أربعة أقسام؛ اثنان مقبولان وهما ما لم يخالف فيه الثقة مَن هو أحفظ وأضبط منه، ومع ذلك هو تام العدالة والضبط، وما لم يخالف فيه وهو غير تامِّهِمَا لكنَّهُ قريبٌ منهما، واثنان مردودان وهُما الفردُ المخالف، والفرد الذي ليس في روايته من الثقة والضبط ما يَجبر ما يُوجبه تفرده وشذوذه من النَّكَارَةِ والضَّعف.
قوله: (كَرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ) الشذوذُ في سندها من حيث النقص، وما سيأتي في المتن من حيث الزيادة.
قوله: (وَيَكُوْنُ فِيْ المَتْنِ)؛ أي: بزيادةٍ فيه، كما ذكره الشارح، أو بجميعه كما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ على يَمِينِهِ»، قال البيهقي: خالفَ عبدُ الواحد العدد الكثيرَ في هذا؛ فإنَّ الناس إنَّما رووه من فعل النَّبيِّ ﷺ لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات الأعمش بهذا اللفظ. انتهى.
قوله: (بنُ عُلَيٍّ) بضم العين المهملة وفتح اللام مصغرًا و (رَبَاح) بفتح الراء والموحدة.
قوله: (زِيَادَةُ ثِقَةٍ … ) إلى آخره؛ أي: والزيادة من الثقة عندهم مقبولةٌ.
стр. 130
و المُنكَر: الذي لا يُعرَف متنه من غير جهة راويه، فلا متابع له ولا شاهد، قاله البَرْديجيُّ، والصَّواب: التَّفصيل الذي ذكره ابن الصَّلاح في الشَّاذِّ، فمثال ما انفرد به ثقةٌ يُحمَل تفرُّده:
قوله: (الذِي لَا يُعْرَفُ … ) إلى آخره؛ أي: إنَّ الحديث المُنكر هو الذي انفرد بروايته راوٍ من الرواة بحيث لا يُعرف من غير روايته لا من الوجهِ الذي رواه ولا من غيره، قلت: ظاهر إطلاقه أنَّ رواية المذكور أعمُّ من أن يكون ثقةً أم لا، ضدَّ ما تقدمَ عن الخليلي، فيكون المنكر حينئذ أعمَّ من الشاذ، وهو قولٌ أشار إليه في حواشي «شرح البيقونية».
وقيل: إنَّهما بمعنى واحد، وهو ما يُفهم من كلام ابن الصلاح الذي أوردهُ الشارح هنا وهناك، وقيل: إنهما متباينان، فالشاذ رواية ثقة والمنكر رواية ضعيف، وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام قال: وقد غَفل من سوَّى بينهما، وإلى نحو ذلك ذهب ابن حجر حيث قال ما حاصله: إنَّه إن خُولف الراوي المقبول بأرجح منه لمزيدِ ضبطٍ أو عددٍ أو غير ذلك من الصفات المُرجحة، فالراجح يُقال له: المحفوظ، والمرجوح يقال له: الشاذ، وإن وقعت المخالفة مع الضعف فالراجحُ يقال له: المعروف، ومقابله: المنكر، فالنسبة بين الشاذ والمنكر التباين الكلي، لا التساوي ولا التباين الجزئي؛ أي: عموم وخصوص مطلق أو وجهي، إذْ لا يَصدُق الشاذ على شيءٍ من أفراد المنكر، كما أن المنكر لا يصدق على شيء من أفراد الشاذ؛ لأنَّه ما خالفَ فيه الثقة مَن هو أحفظ منه أو تفرَّدَ به قليلُ الضبط كما مرَّ، والمُنكر ما خالف فيه المستور أو تفرد به الضعيف الذي لا ينجبر بالمتابعة. انتهى.
وبما ذكر تَعرف تفسيرَ المحفوظ والمعروف وهما ممَّا أهمله الشارح.
قوله: (قال البَرْدِيْجِي) كذا في نسختنا بدون ضمير، والصواب: (قاله البرديجي) كما في بعض النسخ الضَّمير لما تَقدَّم من تعريف المنكر؛ فهو للحافظ البَرديجي، وأما حكاية التفصيل عن ابن الصلاح فمن قِبَلِ الشارح، والبَرْدِيْجِي بفتح الموحدة وسكون الراء وكسر الدال المهملة بعدها تحتية وجيم، نسبة إلى بَرْدِيج، قرية بأذربيجان، ويقال: البردعي أيضًا، نسبة إلى بردعة، بإهمال الدال، قرية قرب برديج.
قوله: (التَّفْصِيْلُ الذِيْ ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِيْ الشَّاذِّ) هو أنَّه إن كان الثقة بتفرُّدِهِ مُخالفًا أحفظَ منه وأضبطَ كان ما انفرد به شاذًا مردودًا، وإن لم يخالفْ؛ فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا به كان تفرده صحيحًا، وإن لم يوثق بحفظه، ولكن لم يبعد عن درجة الضابط، كان ما انفرد به حسنًا، وإن بَعُدَ كان شاذًا مُنكرًا مردودًا، قال السيوطي: وهذا التفصيل مبني على ترادف الشاذ والمنكر، وقد علمت أن الراجح خلافه. انتهى.
стр. 131
حديث مالكٍ عن الزُّهريِّ عن عليِّ بن حسينٍ عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيدٍ ﵄ رفعه: «لا يرثُ المسلمُ الكافرَ» فإنَّ مالكًا خالف في تسمية راويه عُمر -بضمِّ العين- غيرَه، حيث هو عندهم عَمرٌو -بفتحها- وقطع مسلمٌ وغيره على مالك بالوهم فيه. ومثال ما انفرد به ثقة لا يحمل تفرده: حديث أبي زكير يحيى بن محمَّد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ مرفوعًا: «كُلوا البَلح بالتَّمر … » الحديث، تفرَّد به أبو زُكيرٍ، وهو شيخٌ صالحٌ،
قوله: (غَيْرَهُ)؛ أي: مِمَّن رواهُ من أصحاب الزهري، فإنَّ كلَّ مَن رواه منهم قال بفتحها، وفي التمثيل بهذا الحديث نظرٌ؛ لأنَّه ليس بِمُنْكَرٍ ولم يطلق عليه أحد اسم النكارة كما ذكره العراقي، وغايته أن يكون سنده مُنكرًا أو شاذًّا، ولا يلزمُ من شذوذ السند ونكارته وجود ذلك الوصف في المتن، كما أنَّ العلة الواقعة في السند قد لا تقدح في المتن، فالمثال الصحيح لهذا القِسم ما رواه همام، عن ابن جُريج، عن الزهري، عن أنس قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاْءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ»، قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنَّما يُعرف عن ابن جُريج، عن الزهري، عن أنس: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ»، قال: والوَهَمُ فيه من همام، ولم يروه إلَّا هو، قال النسائي: وهو ثقة احتجَّ بهِ أهلُ الصحيح، ولكنه خالف الناس فروى عن ابن جُريج هذا المتن، وإنَّما روى الناس عن ابن جُريج ما سبق. انتهى.
وتركَ الشارحُ المتروكَ: وهو ما انفرد بروايته واحدٌ مجمعٌ على ضعفهِ لكونه متهمًا بالفسق أو الكذب في كلامه وإن لم يظهر وقوع ذلك منه في الحديث، وبهذا يُفارق المُنكر وهو كالموضوع لكنهُ أخفُّ منهُ.
قوله: (أَبِي زُكَيْرٍ) بضم الذال مصغرًا، آخره راء، واسمه يحيى.
قوله: (الْحَدِيْث) تتمته: «فَإِنَّ ابن آدَمَ إِذَا أَكَلَهُ غَضِبَ الشَّيْطَانُ وقال: عاشَ ابن آدم حتى [أكل] (١) الجَدِيْدَ بِالْخَلَقِ»، و (الخَلَق) بفتحتين: القديم.
стр. 132
أخرج له مسلمٌ في «صحيحه»، غير أنَّه لم يَبلغ مَبلَغ من يُحمَل تفرده، وقد ضعَّفه ابن معينٍ وابن حبَّان، وقال ابن عديٍّ: أحاديثه مستقيمةٌ سوى أربعةٍ عَدَّ منها هذا.
و المضطرب: ما رُوِيَ على أوجهٍ مختلفةٍ متدافعةٍ على التَّساوي في الاختلاف من راوٍ واحدٍ، بأن رواه مرَّةً على وجهٍ، وأخرى على آخرَ مخالفٍ له، أو رواه أكثر بأن يضطرب فيه راويان فأكثرُ، ويكون في سند
قوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ … ) إلى آخره؛ أي: لم يبلغ بتخريج مسلم له المستلزم لتعديله رتبةَ مَن يُحتمل تفرُّدُهُ، قلت: وكذلك معنى الحديث رقيق لا ينطبق على محاسن الشريعة؛ لأنَّ الشيطان لا يغضب من مجردِ حياةِ ابن آدم، بل من حياته مُسْلِمًا مُطيعًا لله.
قوله: (وَالْمُضْطَرِبُ) من الاضطراب وهو الاختلاف، وهو نوع من المُعلَّل.
قوله: (مَا رُوِيَ … ) إلى آخره؛ أي: الحديث الذي رواه راوٍ واحدٍ أو جماعة … إلى آخره.
قوله: (مُتَدَافِعَةٍ)؛ أي: متخالفةٍ يَدفع بعضُهَا بعضًا في المعنى.
قوله: (عَلَى التَّسَاوِي فِي الاخْتِلَاْفِ) متعلقٌ برُويَ، قيدٌ في تسميته مضطربًا، فلا يكونُ مضطربًا إلَّا إذا تساوت الروايات المختلفة فيه في الصِّحة بحيثُ لم تترجح إحداهما على الأخرى، ولم يُمْكن الجمع بينهما، أمَّا إن ترجحت بكونِ راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيح الآتية فلا يكون الحديث مضطربًا، والحكم للوجه الراجح واجب إذ لا أثر للمرجوح، ولا اضطراب أيضًا إذا أمكنَ الجمعُ بحيثُ يمكن أنَّ المتكلم عبَّر بألفاظٍ عن معنى واحد وإن لم يترجح منها شيء.
قوله: (مِنْ رَاوٍ … ) إلى آخره، متعلقٌ بما رُوِيَ وسيأتي مقابله بقوله: (أو رواه أكثر).
قوله: (وَيَكُوْنُ فِيْ سَنَدٍ … ) إلى آخره؛ أي: إنَّه نوعان: مضطرب في السند، ومضطرب في المتن، وسيأتي ذكره بقوله: (وَقَدْ يَكُوْنُ الاضْطِرَابُ فِيْ الْمَتْنِ … ) إلى آخره، وترك ثالثًا وهو الاضطراب في السند والمتن معًا، ذكره الجلال في «شرح التقريب» وسنذكرهُ بعد الكلام على الأوَّلَين، والاضطراب في السند يكون بالوصل والإرسال بإثباتِ راوٍ وحذفه وغير ذلك من موانعِ القبول، والاضطراب في المتن يكون في لفظه أو معناه أو فيهما.
стр. 133
رواته ثقاتٌ؛ كحديث: «شيَّبتني هودٌ وأخواتها» فإنَّه اختُلِف فيه على أبي إسحاق، فقِيلَ: عنه عن عكرمة عن أبي بكرٍ، ومنهم من زاد بينهما ابن عبَّاس، وقِيلَ: عنه عن أبي جُحيفة عن أبي بكرٍ، وقِيلَ: عنه عن البراء عن أبي بكرٍ، وقِيلَ: عنه عن أبي ميسرةَ عن أبي بكرٍ، وقِيلَ: عنه عن مسروقٍ عن عائشة عن أبي بكرٍ، وقِيلَ: عنه عن علقمةَ عن أبي بكرٍ، وقِيلَ: عنه عن عامر بن سعدٍ البُجليِّ (١) عن أبي بكرٍ، وقيل: عنه عن عامر بن سعدٍ عن أبيه عن أبي بكرٍ، وقيِلَ: عنه عن مصعب بن سعدٍ عن أبيه عن أبي بكرٍ، وقِيلَ: عنه عن أبي الأحوص عن ابن مسعودٍ. وقد يكون الاضطراب في المتن، وقلَّ أن يوجد مثالٌ سالمٌ له؛
قوله: (رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ)؛ أي: وإلَّا فلا اضطراب بالضعيفِ إذ لا اعتبارَ بِهِ.
قوله: («شَيَّبَتْنِي هُوْدُ») قال الطِّيبي: صحَّ (هود) في الحديث غير منصرف؛ لأنَّه اسم للسورة لا النَّبيَّ ففيه العلمية والتأنيث. انتهى.
قلت: وَرُوي بالصَّرف على تقديرِ إضافةِ سورةٍ إليه، فإنَّه يُصرف إذا أضيفت إليه لفظًا أو تقديرًا كما في «الهمع»، ولعله لكون مجموع المضاف الملفوظ أو المقدر والمضاف إليه علمًا لا المضاف إليه فقط، ثم المُراد بهود ما ذكر فيها من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] وبأخواتها نظائرها في ذلك، وسببُ الحديث أن أبا بكر ﵁ قال: «يَا رَسُوْلَ اللهِ أَرَاكَ شِبْتَ» فذَكره.
قوله: (فَإِنَّهُ اخْتُلِفَ فِيْهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقٍ)؛ أي: فإنَّه لم يُروَ إِلَّا من طريقه، واخْتُلِفَ عليهِ فيهِ على أحدَ عشرَ وجهًا كما فَصَّلَهُ الشَّارح، ورواته ثِقاتٌ لا يُمكن ترجيحُ بعضهم على بعض والجمعُ متعذرٌ.
قوله: (وَمنْهُم)؛ أي: من الرواة.
وقوله: (مَنْ زَادَ بَيْنَهُمَا)؛ أي: بين عِكرمة وأبي بكر.
قوله: (جُحَيْفَةَ) بتقديم الجيم المضمومة على المهملة المفتوحة مُصغرًا، واسمه وَهب بن عبد الله.
قوله: (سَالِمٌ لَهُ)؛ أي: بأنْ يكونَ جامعًا للشروط المتقدمة، بل الغالب أن يكون في أحد طرقه
стр. 134
كحديث نفي البسملة، حيث زال الاضطراب عنه بحمل نفي القراءة على نفي السَّماع، ونفي السَّماع على نفي الجهر، كما قُرِّرَ في موضعه من المطوَّلات، ثمَّ إنَّ الاضطراب سواءٌ كان في السَّند أو في المتن
ضعفٌ، أو يمكن الجمع بينهما كما في الحديث الذي أشار له الشارح وتقدَّم في المعلول، وكما قيل في حديث فاطمة بنت قيس قالت: سئل النَّبيُّ ﷺ عن الزكاة فقال: «إِنَّ فِي المَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ» رواه الترمذي هكذا من رواية شَريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة، ورواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ «لَيْسَ فِيْ الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» قال: فهذا اضطرابٌ لا يحتملُ التأويلَ، ورُدَّ بأنَّ شيخ شَريك ضعيف فهو مردودٌ من قبل ضعف راويه، وأيضًا فيمكن تأويله بأنَّها رَوت كلًّا من اللفظين عنه ﷺ وأنَّ المراد بالحق المثبت المُستحب، وبالمنفي الواجب.
قيل: والمثال الصحيح ما وقع من حديث الواهبة نفسها له ﷺ من الاختلاف في اللفظة الواقعة منه ﷺ ، ففي رواية: «زَوَّجْتُكَهَا»، وأخرى: «زَوَّجْنَاكَهَا»، وأُخرى: «أَمْكَنَّاكَهَا»، وأخرى «مَلَّكْتُكَهَا»، فهذهِ ألفاظٌ لا يُمكن الاحتجاج بواحد منها حتى لو احتج حنفي مثلًا على أنَّ التمليك من ألفاظ النكاح لم يسغْ لهُ ذلك. انتهى.
وَرَدَّهُ الجلالُ بأنَّ الحديثَ صحيحٌ ثابتٌ، وتأويل هذه الألفاظ سهل فإنَّها راجعة إلى معنى واحد بخلاف الحديث السابق. انتهى.
قلتُ: لعلَّ المعنى الواحد هو إباحة النكاح، ويمكن تأويل (ملَّكْتُكَهَا) بمعنى (ملَّكْتُكَ بضْعَها)؛ أي: الانتفاع به، ويظهر أنَّ ذلك غيرُ ظاهرٍ؛ إذ النظر إلى اللفظ الذي وقع منه ﷺ وتقع به تلك الإباحة، ولا شكَّ أنَّه مضطرب إذ يبعدُ أن تكونَ جميعُ هذه الألفاظ وقعت منه ﷺ حالَ النِّكاح، ولم يردْ أنَّ الواقعة تعددتْ فتعين أن يكون الصادر منه ﷺ أحد هذه الألفاظ، وإذا عَوَّلنا على أحدها بما هو بلفظ التمليك دلَّ على أنَّه بهِ صحيحٌ أو بما هو بغيره كان ما هو به غير صحيحٍ، وهذا هو الاضطرابُ.
قوله: (كَحَدِيْثِ نَفْيِّ البَسْمَلَةِ)؛ أي: المرويِّ عن أنس السابق إذ قال فيه: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وأبي بَكْرٍ وَعُمَرُ فَكَانُوْا يَسْتَفْتِحُونَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] لَاْ يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]» فإنَّه اخْتُلِفَ في مَتنه اختلافًا كثيرًا، فمنهم من قال: «فَكَانُوْا لَا يَقْرؤُوْنَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ … ﴾ إلى آخره»، ومنهم من قال: «فَكَانُوْا لَاْ يَجْهَرُوْنَ بِهَا»، ومنهم من قال: «فَكَانُوْا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدِ للهِ﴾»، ومنهم من قال: «فَكَانُوْا يَقْرؤُوْنَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ﴾» وهذا اضطرابٌ بَيِّنٌ.
стр. 135
موجبٌ للضَّعف؛ لإشعاره بعدم ضبط الرَّاوي.
و الموضوع:
وأما الاضطرابُ في السند والمتن فكحديث البسملة أيضًا، أما اضطرابه في المتن فقد عرفته، وأمَّا اضطرابه في السند فإنَّ مالكًا رواه في الموطأ عن حُميد، عن أنس، ورواه مسلم عن قتادة أنَّه كتب إليه يخبره عن أنس … إلى آخره، قال ابن عبد البر: أكثر رواية حُميد عن أنس إنَّما سمعها من قَتادة.
ويُؤيدُ ذلك أنَّ ابن عَدي صَرَّحَ بذكر قتادة بينهما في هذا الحديث فتبينَ انقطاعها، ورواه الوليد عن الأَوْزَاعي أيضًا، والوليد كان يُدلسُ تدليس التسوية وإن كان قد صرحَّ بسماعه من شيخه وإن ثبتَ أنَّه لم يُسقط بين الأَوْزَاعي وقَتادة أحدًا، فقَتادة وُلِدَ أَكْمَه فلا بدَّ أن يكون أملى على مَن كتب إلى الأوزاعي ولم يُسَمَّ هذا الكاتب كما سلف.
قوله: (مُوْجِبٌ لِلضَّعْفِ) قال شيخ الإسلام: وقد يُجَامِعُ الصِّحة وذلك بأنْ يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه ونسبته ونحو ذلك، ويكون ثقةً فيُحكم للحديث بالصحة ولا يضرُّ الاختلاف فيما ذكرَ مع تسميتهِ مُضطربًا، قال: وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة، وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره فقال: وقد يَدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن.
قوله: (لإِشْعَارِهِ بِعَدَمِ ضَبْطِ الرَّاوِي)؛ أي: الذي هو شرطٌ في الصحة والحُسن.
قوله: (وَالمَوْضُوع … ) إلى آخره، مشتقٌ من الوضع وهو الحطُّ، سُمِي الحديثُ المذكور بذلك لانحطاط رتبته دائمًا بحيث لا ينجبر أصلًا، وإنَّما أوردوه في علم الحديث مع أنَّه ليس منه نظرًا إلى زعم واضعه، وهو شرُّ أنواع الضعيف لكونه كذبًا عليه ﷺ ، وقد ورد: «وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ»، ويليهِ المتروك ثم المنكر ثم المُعلَّل ثم المُدرج ثم المَقلوب ثم المُضطرب كذا رتَّبَهُ شيخ الإسلام.
وقال الزركشي: ما ضَعْفُهُ لا لعدمِ اتصاله سبعة أصناف شرُّهَا الموضوع، ثم المدرج، ثم المقلوب، ثم المنكر، ثم الشاذ، ثم المعلل، ثم المضطرب، قال الجلال: وهذا ترتيبٌ حسن، وينبغي جعل المتروك قبل المدرج، وأن يقال فيما ضعفه لعدم اتصال سنده: شرُّهُ المُعضل، ثم المُنقطع، ثم المدلَّس، ثم المرسل، أقول: وقد ضبطتُ ذلك على ما استحسنه الجلال مع جعل المتروك كما قال، فقلت:
شرُ الأحاديثِ ممَّا جاءَ متصلًا … وضعٌ فتركٌ فإدراجٌ فما قُلِبَا
стр. 136
هو الكذب على رسول الله ﷺ ، ويُسمَّى المُختلَق الموضوع، وتحرم روايتُه
نُكْرٌ شُذوذٌ فمعلولٌ فمضطربٌ … وغيرُ ذلكَ مَا للعضلِ قدْ نُسبا
كذاكَ منقطعٌ ثمَّ المدلَّسُ فالذِي … أتى مُرسلًا فاحفظْ تَحز رتَبَا
قوله: (هُوَ الكَذِبُ)؛ أي: المكذوب -مصدر بمعنى اسم المفعول- وقوله: (على رسول الله ﷺ ؛ أي: من قول أو فعل أو تقرير أو نحو ذلك، وقضية التقييد برسول الله ﷺ أنَّ المكذوبَ على الصَّحابي والتابعي لا يُسمى موضوعًا.
قوله: (وَيُسَمَّى المُخْتَلَقُ) بفتح اللام بعدها قاف؛ أي: المبتكر الذي ابتكرهُ الواضع من قِبَلِ نَفْسِهِ وليس له نسبةٌ بالنبي ﷺ .
وقوله: (المَصْنُوْعُ)؛ أي: الذي صنعه قائله، وفي نُسخ: (الموضوع) وحينئذٍ فيكون الموضوع في
الأول بالمعنى الاصطلاحي، وفي الثاني بالمعنى اللغوي أو العكس (وتحرمُ روايته)؛ أي: على مَن عَلِم أو ظنَّ أنَّه موضوع، سواء كان في الأحكام أو في غيرها، كالمواعظ والقصص والترغيب إلَّا مع بيانِ وضعه، لقوله ﷺ : «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بحديثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذبَينَ» رواه مسلم، ومعنى (يرى أنَّه كذب): يعلم ذلك، بمعنى أنَّه عامدٌ ليس بناسٍ ولا بغالطٍ، فهو بمعنى: «وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا»، فقيَّدَ ﷺ بذلكَ ليُفيد أنَّه لا إثمَ على الناسي والغالط، فتُحمل الروايات المطلقة على هذا، و (الكذَّابين) قال شيخ الإسلام: بالتثنية والجمع، فعلى التثنية: الكذابان واضعه وناقله، وعلى الجمع يكون المعنى أحدُ الكذابِين المشهورين بالكذب.
وهو من الكبائر، حتى قال الجويني من أئمة أصحابنا: يَكفر متعمده ويُراقُ دمه، والجمهور أنَّه لا يكفر إلَّا إن استحلَّه وإنَّما يفسقُ وتُرَدُّ رواياته كُلها ويَبطل الاحتجاج بجميعها، فلو تاب؛ الجمهور أنَّه لا تؤثر توبته ولا تُقبل روايته أبدًا بل يتحتم جرحه أبدًا، قال النووي في «شرح مسلم»: ولم أرَ دليلًا لمذهب هؤلاء، ويجوز أن يُوجَّه بأنَّ ذلك تغليظًا وزجرًا لِعظم مفسدةِ هذا، فإنَّه يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره، وبخلاف الشهادة، فإنَّ مفسدتها قاصرة، ومع ذلك فالمختار القطعُ بصحة توبته وقبول روايته بعدها، وقد أجمعوا على صحة رواية مَن كان كافرًا وأسلم، وأكثر الصحابة كانوا كذلك وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الرواية والشهادة في هذا. انتهى.
стр. 137
مع العلم به إلَّا مبيَّنًا، والعملُ به مُطلقًا، وسببه: نسيانٌ
وسيأتي عن السيوطي ما يُصادمه.
وكما تحرم روايته يحرمُ وضعه مطلقًا بإجماعِ مَن يُعتد بإجماعه خلافًا للكرَّامية -قومٌ من المبتدعة فنسبوا لمحمد بن كِرَام بتخفيف الراء على التحقيق السِّجِسْتَاني- فإنَّهم جوزوه في الترغيب والترهيب دون ما يتعلق به حكم من الثواب والعقاب، ترغيبًا للناس في الطاعة، وترهيبًا لهم عن المعصية، واستدلوا بما رُوي في بعض طرق الحديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ» وهي زيادةٌ اتفقَ الحفاظُ على بُطلانها، وبفرض صحتها فهي للتأكيد كقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٤]، أو أنَّ اللام للعاقبة وحملَ بعضهم حديث «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ»؛ أي: قال: إنَّه شاعر أو مجنون، وقال بعضهم: إنَّما نكذب له لا عليه، وقال بعض أهل الرأي فيما حكاه القرطبي: ما وافق القياس الجليَّ جازَ أن يُعزى إليه ﷺ .
قوله: (مُطْلَقًا)؛ أي: بيْنَ وضعهِ أولًا في الأحكام والعقائد أو غيرهما من الترغيب والترهيب والقصص والمواعظ ونحو ذلك، بخلاف الضعيف فيُعمل به فيما عدا الأحكام والعقائد على ما سبقَ من الخلاف فيه مفصلًا.
قوله: (وَسَبَبَهُ)؛ أي: سببُ وضعِ الموضوعِ.
وقوله: (نِسْيَانٌ) انظر ما معنى النسيان هنا، ويمكن أن يُصَوَّرَ بأن يروي حديثًا نَبَّهَهُ شيخهُ على وَضْعِهِ فينسى ذلك التنبيه ويرويه، لكن أنت خبيرٌ بأنَّ هذا ليس وضعًا لا حقيقة ولا حُكمًا، نعم كان يظهر ذلك لو قيل: وسبب روايته كذا، وإذا قلنا المرادُ ذلك لم يتجه ذلك في المعطوف أعني قوله: (أو افتراء) ويُمكن أن يكون مُراده بالنسيان الغلط فالمراد أنَّه بغير قصدٍ، وعبارة «التقريب» وشرحه: ورُبَّما وقعَ الراوي في شبه الوضع غلطًا منه بغير قصدٍ فليس بموضوع حقيقة، بل هو بقسم المدرج أولى، كما ذكره شيخ الإسلام في «شرح النخبة» قال: بأن يسوقَ الإسنادَ فيعرضُ له عارض فيقول كلامًا من عند نفسه فيظن بعض مَن سمعه أنَّ ذلك متن هذا الإسناد فيرويه عنه كذلك، كحديث رواه ابن ماجه، عن إسماعيل بن محمد، عن ثابت بن موسى الزاهد، عن شَريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعًا: «مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ»، قال الحاكم: دخلَ ثابت على شريكٍ وهو يُملي ويقول: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ ، وسكت ليَكتب المُستملي، فلما نظرَ إلى ثابت قال: «مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ … » إلى آخره،
стр. 138
أو افتراءٌ أو نحوهما،
وقصد بذلك ثابتًا لزهده وورعه، فظنَّ ثابتٌ أنَّه متن ذلك الإسناد وكان يحدث به. انتهى.
قوله: (أَو افْتِرَاءٌ)؛ أي: اختلاقٌ، وأنت خبيرٌ بأنَّ الافتراء هو الكذب ولا معنى لكون سبب الوضع؛ -أي: الكذب- الكذب، ولا نحو لنحوه الداخل تحت قوله: (ونحوهما) (١)، ويمكن أن يكون كناية عن عدم وجودِ سبب له أصلًا، وهو بعيدٌ لا معنى له؛ إذ لا بدَّ لفعل ذلك من داعٍ إلَّا أن تنزل دواعيه منزلة العدمِ.
من أسبابه: إفساد الدِّين كما فعلت الزنادقة إذ وضعوا أربعة عشرة ألف حديث كما رواه العُقيلي، منهم عبد الكريم بن أبي العرجا الذي قُتل وصُلب في زمن المهدي، قال ابن عَدي: لمَّا أُخِذَ ليُضرب عنقه قال: وضعتُ فيكم أربعة آلاف حديث أُحرم فيها الحلال وأحللُ الحرامَ، ومحمد بن سعيد الشَّامي روى عن حُميد، عن أنس مرفوعًا: «أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، إِلا أن يشاء الله»، وضعَ هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التَّنَبِي.
ومنها: التعصب والانتصار للمذهب كالخطَّابية والرافضة؛ كما روي أنَّ رجلًا من أهل البدع رجعَ عن بدعته فجعلَ يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه؛ فإنَّا كنا إذا رأينا رأيًا جعلنا له حديثًا.
ومنها: اتباعُ هوى الرؤساء والأمراء تقرُّبًا إليهم بوضعِ ما يوافقُ فعلهم؛ كما فعل غياث بن إبراهيم حيث دخل على المهدي فوجده يلعب بالحَمَام فساقَ في الحال إسنادًا إلى النَّبيِّ ﷺ وقال: «لَا سَبَقَ إلَّا في نَصْلٍ أو خُفٍّ أو حَافِرٍ أو جناحٍ»، فأمرَ لهُ المهدي بعشرة آلاف درهم، فلما خرج قال: أشهدُ أن قفاكَ قفا كذاب على رسول الله ﷺ ، ما قال رسول الله ﷺ : «أو جناح»، وأمر بذبح الحمام وترك ما كان عليه، وقال: أنا الذي حَمَلته على ذلك.
ومنها: قصدُ الأجر والثواب في زعمِ الواضعِ؛ كما فعلهُ قوم يُنسبون إلى الزهد والصلاح جهلًا منهم بما يجوز لهم وما يمتنع، كما قيل: أن أبا داود النَّخعي كان أطول الناس قيامًا بليل وأكثرهم صيامًا بنهار وكان يضع، وأنَّ وَهب بن حفص مكثَ عشرين سنة لا يُكلم أحدًا لاشتغاله بالعبادة وكان يكذب كذبًا فاحشًا، ولكن هؤلاء وإن خَفِيَ حَالُهُم على كثيرٍ فلم يخفَ على جهابذةِ الحديث ونُقَّادِهِ، قيل لابن المبارك في هذه الأحاديث المصنوعة فقال: تعيش لها الجهابذة، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
стр. 139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن هؤلاء من وضعَ أحاديثَ فضل السُّور سورةً سورة، قيل لأبي عاصم نوح بن أبي مريم: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيتُ الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة.
وروي عن المؤمل بن إسماعيل قال: حدَّثني شيخ بما روي عن أُبيِّ بن كعب مرفوعًا في فضل القرآن سورة سورة، قال: حدَّثني به شيخ، فقلت للشيخ: مَن حدَّثك؟ قال: حدَّثني به رجل بالمدائن، وهو حي فصِرْت إليه، فقلت: مَن حدَّثك؟ قال: حدَّثني شيخ بواسط وهو حي فصِرْت إليه. فقال: حدَّثني شيخ بالبصرة فصِرْت إليه، فقال: حدَّثني شيخ بعبادان فصرتُ إليه، فأخذ بيدي فأدخلني بيتًا فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ فقال: هذا الشيخ حدَّثني. فقلت: يا شيخ مَن حدَّثك؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنَّا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إليه.
قال النووي: وقد أخطأ من ذكره من المفسرين؛ أي: كالزمخشري والبيضاوي.
ومنهم مَن يقلب سندَ الحديث ليُستغرب فيُرغَب في سماعه منهم، كحمَّاد النصيبي والبهلول بن عُبيد.
ومنهم من كان يرتزق بذلك ويتكسب به في القصص كأبي سعيد المدايني إلى غير ذلك.
فوائد:
الأولى: قال النَّسائي: الكَذَّابُون المعروفون بوضعِ الأحاديث أربعة: ابن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخُراسان، ومحمد بن سعيد المصلوب بالشام.
الثانية: قال السيوطي: وردَ في فضائل السور مفرَّقة أحاديث بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف ليس بموضوع، ولولا خوف الإطالة لأوردت ذلك لئلا يتوهم أنَّه لم يصح في فضل السور شيء خصوصًا مع قول الدَّارقطني: أصح ما ورد في فضائل القرآن فضل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وتفسير الحافظ عماد الدين ابن كثير أجلُّ ما يعتمد عليه في ذلك؛ فإنَّه أوردَ غالب ما جاء في ذلك مما ليس بموضوع وإن فاته أشياء، وقد جمعتُ في ذلك كتابًا لطيفًا سميته «حمائل الزهر في فضائل السور».
ثم قال: واعلمْ أنَّ السور التي صحَّت الأحاديث في فضلها: الفاتحة، والزهراوان، والأنعام، والسبع الطوال مجملًا، والكهف، ويس، والدخان، والملك، والزلزلة، والنصر، والكافرون، والإخلاص،
стр. 140
ويُعرَف بإقرار واضعه،
والمعوذتان، وما عداها لم يصح منه شيء. انتهى.
والزهراوان البقرة وآل عمران، والسبع الطوال البقرة إلى آخر براءة بجعلها مع الأنفال سورةً واحدة.
(أقول): وما تقدم أنَّ حديثَ سورة الصف أصح مُسلسل رُوي كما ذكره شيخ الإسلام، فليس في فضل قراءتها فلا يُضم لما ذُكر وقد نظمتُ الجميع بقولي:
وكلُّ حديثٍ جاءَ فيْ فضلِ سورةٍ … فمَا صحَّ إِلَّا في المثانِي المفضَّلَه
وسبعٌ طوالٌ ثم الانفالُ كهفهُمُ … ويس والدُّخَانُ مُلْكٌ وزلزله
كذا الكافرونَ النصرُ الاخلاصُ عُوْذَتَا … ن أيضًا وزهراوان خُذها مكمَّلَه
الثالثة: قال الحافظ السيوطي: من الأحاديث الموضوعة أحاديث الأرز والعدس والباذنجان والهريسة، وفضائل من اسمه محمد وأحمد، ووصايا علي ﵁.
الرابعة: رُبما أسندَ الواضعُ كلامًا لبعض الحُكماء أو الزهاد أو الإسرائيليين؛ كحديث: «المعدة بيت الداء والحميةُ رأس الدواء» ولا أصل له من كلام النَّبيِّ ﷺ ، بل هو من كلام بعض أطباء العرب، وكحديث: «حبُّ الدنيا رأس كل خطيئة»، قال العراقي: هو إما من كلام مالك بن دينار كما رواه ابن أبي الدنيا بإسناده إليه، أو من كلام عيسى بن مريم كما رواه البيهقي في «الزهد»، ولا أصل له من حديث النَّبيِّ ﷺ إلَّا من مراسيل الحسن البصري، وهي عند المحدثين شبه الريح، وردَّهُ شيخ الإسلام بأن مراسيله أثنى عليها أبو زُرعة وابن المديني فلا دليلَ على وضعه. انتهى.
قال الحافظ السيوطي: والأمر كما قال. انتهى.
قوله: (وَيُعْرَفُ بِإِقْرَارِ وَاضِعِهِ)؛ أي: أنَّه وضعه، كحديث فضائل القرآن المتقدم، واستشكل ابن دَقِيق العيد الحُكم بالوضع بإقرارِ من ادعاه؛ لأنَّ فيه عملًا بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع، قال: وهذا كافٍ في رده لكن ليس بقاطع في كونه موضوعًا؛ لجواز أن يكذب في هذا الإقرار بعينه؛ أي: إنَّ الحُكم بالوضع بالإقرار ليس بأمرٍ قطعي موافقٍ لما في نفس الأمر لجواز كذبه في الإقرار على حدِّ ما تقدم أن المراد بالصحيح والضعيف ما هو الظاهر لا ما في نفس الأمر، ومثلُ الإقرار بالوضع ما ينزل منزلته كأن يُحدِّث بحديث عن شيخٍ لا يعرف ذلك الحديث إلَّا عنده، ولا يُعرف إلَّا برواية هذا عنه، وقد علمت وفاة ذلك الشيخ قبل زمن هذا الراوي، وهل يثبت الوضع بالبينة؟.
стр. 141
أو قرينةٍ في الرَّاوي والمرويِّ، فقد وُضِعَت أحاديث يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها، ورُوِينا عن الرَّبيع بن خُثَيْم التَّابعيِّ الجليل أنَّه قال: إنَّ للحديث ضوءًا كضوء النَّهار يُعرَف،
قال الزركشي: يُشبه أن يكون فيه التردد في أنَّ شهادة الزور هل تثبت بالبينة مع القطع بأنَّه لا يُعمل به. انتهى.
قوله: (أَوْ قَرِيْنَةٍ فِي الرَّاوِي)؛ أي: كروايته عمَّن إذا سئل عن مولده ذكر تاريخًا يعلم به وفاة ذلك الشيخ قبله، وهو ممَّا سبق، وكذا كون الراوي رافضيًا والحديث في فضائل آل البيت، كما رُوي عن الزهري؛ عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: نظر النَّبيُّ ﷺ إلى عليٍّ فقال: «أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة، ومن أحبك فقد أحبني، وحبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوُّك عدوي، وعدوِّي عدوُّ الله، والويل لمن أبغضك بعدي»، وأصله أنَّه كان لمعمَر ابن أخ رافضي، فدسَّ في كتب مَعْمَر هذا الحديث، فحدَّثَ بهِ عبد الرزاق عن معمر عن الزُّهري … إلى آخره، وهو باطل موضوع كما قاله ابن معين، وكذلك إذا رَوَىَ ما يفيد ذمًّا لمن يكرهه أو مدحًا لمن يحبه؛ كما قيل لمأمون بن أحمد الهَرَوي: ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخُراسان؟ فقال: حدَّثنا أحمد بن عبد البر: حدَّثنا عبد الله بن مِعدان الأزدي، عن أنس مرفوعًا: «يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس، أضرُّ على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة هو سراج أمتي، هو سراج أمتي».
قوله: (والمَرْوِي) مَثَّلَ لهُ في «التقريب» بالأحاديث الركيكة اللفظ والمعنى، وقال شيخ الإسلام: والمدار في الرِّكَّةِ على رِكَّةِ المعنى فحيثما وُجدت دَلَّ على الوضع وإن لم ينضم إليها ركة اللفظ؛ لأنَّ هذا الدين كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة، قال: أمَّا ركة اللفظ فقط فلا تدلُّ على ذلك لاحتمال أن يكون رواه بالمعنى فغيَّرَ ألفاظه بغير فصيحٍ، نعم إن صرَّح بأنَّه من لفظ النَّبيِّ ﷺ فكاذب. انتهى.
ومن قرائنِ حال المروي: أن يكون مُخالفًا للعقل بحيث لا يقبلُ التأويل، كما رواه ابن الجوزي من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا وصلت عند المقام ركعتين».
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن قرائن ذلك أيضًا: تضمنه لما تتوفر الدواعي على نقله، أو كونه أصلًا في الدين ولم يتواتر كالنص الذي تَزْعم الرافضة أنَّه دلَّ على إمامة علي.
وأن لا يوجد ذلك الحديث في صدور الرواة ولا بطون الكتب بعد استيعابها بحيث لا يبقى ديوان ولا راو إلَّا وقد كشف منه في جميع الأقطار، وهذا متعسر أو متعذر.
ويلحق بذلك ما يدفعهُ الحسُّ والمشاهدة، أو يكون منافيًا لدلالة الكتاب القطعية أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي، أما المعارضة مع إمكان الجمع فلا.
ومنها: الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير كقوله: «من أكل الثوم ليلة الجمعة فليهو في النار سبعين خريفًا»، وكذا الوعد العظيم على فعل الشيء الحقير، كقوله: «لقمة في بطن جائع أفضل من بناء ألف جامع» وهذا كثير في أحاديث القصاص.
تنبيه: ما ذكرهُ ابن الجوزي في كتابه في «الموضوعات» أدخل فيه كثيرًا ممَّا لا دليلَ على وضعه، بل بمجردِ كلام بعض الناس في أحدِ رُواتها، كقوله: فلانٌ ضعيف أو ليس بالقوي أو لين، وقد يكون ذلك في حديث لا يشهد العقل ببطلانه ولا فيه مخالفةٌ لكتابٍ ولا سنة ولا إجماع ولا حجة بأنَّه
موضوع سوى كلام ذلك الرجل في راويه، وفيه الحَسن بل والصحيح.
قال الذهبي: ربما ذكر ابن الجوزي في «الموضوعات» أحاديث حسانًا قوية.
وقال شيخ الإسلام: غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي يُنْتَقَدُ عليه بالنسبة إلى ما لا يُنْتَقَدُ قليل، ومن الضرر أنْ يُظنَّ ما ليس بموضوع موضوعًا كما يظنُّ ما ليس بصحيح صحيحًا. انتهى.
ومن العجب منه أنَّه ذكر فيه حديثًا أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَوْشَكَ أَنْ تَرَى قَوْمًا يَغْدُونَ في سَخَطِ اللَّهِ وَيَرُوحُونَ في لَعْنَتِهِ، في أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ».
قال شيخ الإسلام: لم أقفْ في كتاب «الموضوعات» على شيءٍٍ حكم عليه بالوضع وهو في أحد الصحيحين غير هذا الحديث وإنها لغفلة شديدة، ثم تكلم عليه وعلى شواهده.
стр. 143
وظلمةً كظلمة اللَّيل تُنكَر.
و المقلوب: كحديثٍ متنُه مشهورٌ براوٍ كـ «سالمٍ»، أُبدِل بواحدٍ من الرُّواة نظيره في الطَّبقة كـ «نافع»؛ ليُرغَب فيه؛ لغرابته، أو قلب سندٍ لمتنٍ آخر مرويّ بسند آخر؛
قوله: (وَظُلْمَةً كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ) قال ابن الجوزي: الحديث المُنكر يقشعر له جلدُ الطالب للعلم، ويَنفُر قلبه منه في الغالب. انتهى.
ومرادهُ بالمنكر الموضوع.
قوله: (وَالمَقْلُوْب)؛ أي: الحديث المقلوب، والقلب: هو تبديل شيء بآخر على الوجه الآتي، ثم هو إما أن يكون عمدًا أو سهوًا، والعمد قسمان وكل منهما في السند وهما اللذان ذكرهما الشارح، والسَّهو قسمان أيضًا لكن أحدهما في السند والآخر في المتن، فالأقسام أربعة كما ستعرفه، وتعريفه العام للأقسام كلِّها هو ما سلف، وأما الخاص ببعض الأقسام، وهو ما عدا قلب المتن سهوًا فهو تبديل مَن يعرف برواية الحديث بغيره، ثم المقلوب من أقسام الضعيف، والقلب من حيث هو حرام إلَّا بقصدِ الاختبار.
قال العراقي: وفي جوازه نظرٌ. انتهى.
قوله: (مَشْهُوْرٌ بِرَاوٍ)؛ أي: أَي راوٍ كانَ من الرواة يُبَدَّل بنظيره في الطبقة من الرواة.
وقوله: (كَسَالِمٍ)؛ أي: وكعُبيد الله بن عمر أُبْدِلَ بمالكٍ، وممَّن كان يفعل ذلك من الوضاعين: حمَّاد بن عمرو النصيبي، وبهلول بن عبيد الكندي؛ لقصد الإغراب، كما قاله الشارح للرغبة في حديثه.
قال ابن دقيق العيد: وهذا الذي يُطلق على راويه أنَّه يسرق الحديث. انتهى.
وهذا هو القسم الأول من قسمي القلب عمدًا في السند.
قال العراقي: مثاله ما رُوي عن حماد بن عمرو، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «إِذَا لَقِيتُمُ الْمُشْرِكِينَ في طَرِيقٍ فَلَا تبدؤوهم بِالسَّلَامِ وَاضْطَرُّوهُمْ إلى أَضْيَقِهَا»، فهذا حديثٌ مقلوبٌ قلبه حماد أحد المتروكين، فجعله عن الأعمش ليُغرب به وإنَّما هو معروفٌ بسهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة كما في مسلم، ولا يُعرف عن الأعمش، ولهذا كره أهل الحديث تتبع الغرائب فإنَّه قلَّمَا يصحُّ منها.
قوله: (أَوْ قَلْبُ سَنَدٍ لِمَتْن … ) إلى آخره، هذا هو الثاني من قِسمي القلب عمدًا في السند؛ وذلك أن يُجْعَلَ سندُ متن لمتن آخر مروي بسند آخر، ويُجْعَلَ هذا المتن لسند آخر لقصد امتحان حفظِ المُحدث واختباره هل اختلطَ أو لا؟ وهل يقبلُ التلقين أو لا؟
стр. 144
بقصد امتحان حفظ المحدِّث، كقلب أهل بغداد على البخاريِّ رحمه الله تعالى مئة حديثٍ امتحانًا،
(قلت): جعلوا ذلك من قبيل القلب في السند، ولم يجعلوه من قبيل قلب المتن، مع أن فيه قلب سند لمتنٍ، ومتنٍ لسند، ولا يظهر له غير الاصطلاح وجه إلَّا أن يكون المقصود بالقلب هو الإسناد، لكنه يقتضي أنَّه لو كان الغرض المتن سُمي قلب متن؛ فَلْيُنْظَر.
والقسم الثالث: وهو القلب سهوًا في السند مثاله (١) ما رواه جرير بن حازم، عن ثابت البناني، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فلا تَقُومُوا حتى تَرَوْنِي» فهذا حديثٌ انقلبَ سندُهُ سهوًا على جرير بن حازم، وإنَّما هو مشهور بيحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قَتادة، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ كما عند مسلم والنسائي، لكنَّ جريرًا لمَّا سمعه من أبي عثمان الصَّواف يُحدث به في مجلسِ ثابت البَنَّاني ظنَّه عن ثابت عن أنس فرواه كذلك.
وقد بَيَّنَ ذلكَ حمادُ بن زيد فيما رواه أبو داود في «المراسيل» عن أحمد بن صالح، عن يحيى بن حسان، عنه قال: كنت أنا وجرير عند ثابت فحدَّث أبو عثمان، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله ابن أبي قتادة، عن أبيه، فظنَّ جرير أنَّه إنَّما حدث به عن ثابت عن أنس.
والقسم الرابع: وهو القلب سهوًا في المتن ويُعرف بأنَّه إعطاء أحد الشيئين ما اشتهر للآخر، مثاله حديث أبي هريرة في السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة، ففيه: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تَعْلَم يمينه ما تنفق شماله»، فهذا مما انقلب على أحد الرواة سهوًا وإنَّما هو: «حَتَّىَ لَاْ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنُهُ»، كما في الصحيحين.
قال البُلقيني: ويمكن أن يُسمى هذا بالمعكوس فيفردُ بنوع، ولم أَرَ من تعرضَّ لذلك. انتهى.
أقول: لينظر حينئذ وجه تسمية هذا بالمعكوس وذلك بالمقلوب، ولعله للفرق بين ما في السند وما في المتن على ما فيه.
ومثَّلَ شيخ الإسلام في «شرح النخبة» القلب في الإسناد بنحو كعب بن مرة ومرة بن كعب، قلت:
стр. 145
فردَّها على وجوهها، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في ترجمته.
و المُركَّب: كإبدال نحو «سالمٍ» بـ «نافعٍ» -كما مرَّ -، أو الذي رُكِّب إسناده لمتنٍ آخر، ومتنه لإسناد متنٍ آخر.
و المنقلب: الذي ينقلب بعض لفظه على الرَّاوي فيتغيَّر معناه؛ كحديث البخاريِّ في باب: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. عن صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ رفعه:
وهو ظاهر، فلو خصَّ مثل ذلك باسم القلب مطلقًا، وما بُدل فيه راو بآخر أو جُعل فيه سند متن لآخر والعكس باسم العكس لكان أروح للقلب، ولكن القوم أدرى باصطلاحهم ولا مشاحَّةَ.
قوله: (كَمَا سَيَأْتِي) حاصله أنَّه لما قَدِم بغداد وسمعَ به أصحاب الحديث اجتمعوا، وعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يُلقون ذلك على البخاري، وحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث البغداديين والغُرباء من أهل خراسان وغيرهم، فلما اطمَأَنَّ المجلسُ بأهله انْتُدِبَ إليه رجلٌ من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يُلقي عليه واحدًا واحدًا حتى فرغَ من عشرته والبُخَاري يقول: لا أعرفه، فكان بعض الفهماء ممَّن حضرَ المجلس يلتفتُ بعضهم لبعض، ويقول: فهم الرجل، ومَن كان منهم غير ذلك يحكم عليه بالعجز عن ردِّ الجواب لتقصيرهِ في العلم ثم انْتُدِبَ إليه الثاني، وهكذا واحدًا بعد واحد حتى فرغوا من المئة المقلوبة، والبُخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه، ثم التفت إلى الأول منهم وقال له: أما حديثك الأول فصوابُ سنده كذا … إلى آخره، وحديثه كذا (و) كذا، وأما حديثُكَ الثاني فهو كذا، والثالث كذا، على الولاء حتى أتم العشرة، فردَّ كلَّ متنٍ إلى سنده، وكلَّ سند إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك فردَّ متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها، فأقرَّ له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.
قوله: (والمُرَكَّبُ … ) إلى آخره، الظاهر أنَّه لا وجهَ لإفراده باسم مخصوص إذ هو عينُ المقلوب في السند، ومع ذلك فلو جعلوه ما تركبَ من حديثين كما تقدَّم في أنواع التدليس لكان له نصيب ظاهرٌ من مسماه، وقليلًا ما ترى من ذَكره وأظنه لذلك.
قوله: (وَالمُنْقَلِبُ) يظهرُ على تمثيل الشارح أنَّه لا فرق بينه وبين المقلوب في المتن، وقَلَّ من ذكره أيضًا.