← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30013

نيل الأماني في توضيح مقدمة القسطلاني - ط عطاءات العلم

عبد الهادي نجا الأبياري

Полный текст (348 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أو قرينةٍ في الرَّاوي والمرويِّ، فقد وُضِعَت أحاديث يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها، ورُوِينا عن الرَّبيع بن خُثَيْم التَّابعيِّ الجليل أنَّه قال: إنَّ للحديث ضوءًا كضوء النَّهار يُعرَف، قال الزركشي: يُشبه أن يكون فيه التردد في أنَّ شهادة الزور هل تثبت بالبينة مع القطع بأنَّه لا يُعمل به. انتهى. قوله: (أَوْ قَرِيْنَةٍ فِي الرَّاوِي)؛ أي: كروايته عمَّن إذا سئل عن مولده ذكر تاريخًا يعلم به وفاة ذلك الشيخ قبله، وهو ممَّا سبق، وكذا كون الراوي رافضيًا والحديث في فضائل آل البيت، كما رُوي عن الزهري؛ عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: نظر النَّبيُّ ﷺ إلى عليٍّ فقال: «أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة، ومن أحبك فقد أحبني، وحبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوُّك عدوي، وعدوِّي عدوُّ الله، والويل لمن أبغضك بعدي»، وأصله أنَّه كان لمعمَر ابن أخ رافضي، فدسَّ في كتب مَعْمَر هذا الحديث، فحدَّثَ بهِ عبد الرزاق عن معمر عن الزُّهري … إلى آخره، وهو باطل موضوع كما قاله ابن معين، وكذلك إذا رَوَىَ ما يفيد ذمًّا لمن يكرهه أو مدحًا لمن يحبه؛ كما قيل لمأمون بن أحمد الهَرَوي: ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخُراسان؟ فقال: حدَّثنا أحمد بن عبد البر: حدَّثنا عبد الله بن مِعدان الأزدي، عن أنس مرفوعًا: «يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس، أضرُّ على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة هو سراج أمتي، هو سراج أمتي». قوله: (والمَرْوِي) مَثَّلَ لهُ في «التقريب» بالأحاديث الركيكة اللفظ والمعنى، وقال شيخ الإسلام: والمدار في الرِّكَّةِ على رِكَّةِ المعنى فحيثما وُجدت دَلَّ على الوضع وإن لم ينضم إليها ركة اللفظ؛ لأنَّ هذا الدين كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة، قال: أمَّا ركة اللفظ فقط فلا تدلُّ على ذلك لاحتمال أن يكون رواه بالمعنى فغيَّرَ ألفاظه بغير فصيحٍ، نعم إن صرَّح بأنَّه من لفظ النَّبيِّ ﷺ فكاذب. انتهى. ومن قرائنِ حال المروي: أن يكون مُخالفًا للعقل بحيث لا يقبلُ التأويل، كما رواه ابن الجوزي من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا وصلت عند المقام ركعتين».

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومن قرائن ذلك أيضًا: تضمنه لما تتوفر الدواعي على نقله، أو كونه أصلًا في الدين ولم يتواتر كالنص الذي تَزْعم الرافضة أنَّه دلَّ على إمامة علي. وأن لا يوجد ذلك الحديث في صدور الرواة ولا بطون الكتب بعد استيعابها بحيث لا يبقى ديوان ولا راو إلَّا وقد كشف منه في جميع الأقطار، وهذا متعسر أو متعذر. ويلحق بذلك ما يدفعهُ الحسُّ والمشاهدة، أو يكون منافيًا لدلالة الكتاب القطعية أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي، أما المعارضة مع إمكان الجمع فلا. ومنها: الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير كقوله: «من أكل الثوم ليلة الجمعة فليهو في النار سبعين خريفًا»، وكذا الوعد العظيم على فعل الشيء الحقير، كقوله: «لقمة في بطن جائع أفضل من بناء ألف جامع» وهذا كثير في أحاديث القصاص. تنبيه: ما ذكرهُ ابن الجوزي في كتابه في «الموضوعات» أدخل فيه كثيرًا ممَّا لا دليلَ على وضعه، بل بمجردِ كلام بعض الناس في أحدِ رُواتها، كقوله: فلانٌ ضعيف أو ليس بالقوي أو لين، وقد يكون ذلك في حديث لا يشهد العقل ببطلانه ولا فيه مخالفةٌ لكتابٍ ولا سنة ولا إجماع ولا حجة بأنَّه موضوع سوى كلام ذلك الرجل في راويه، وفيه الحَسن بل والصحيح. قال الذهبي: ربما ذكر ابن الجوزي في «الموضوعات» أحاديث حسانًا قوية. وقال شيخ الإسلام: غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي يُنْتَقَدُ عليه بالنسبة إلى ما لا يُنْتَقَدُ قليل، ومن الضرر أنْ يُظنَّ ما ليس بموضوع موضوعًا كما يظنُّ ما ليس بصحيح صحيحًا. انتهى. ومن العجب منه أنَّه ذكر فيه حديثًا أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَوْشَكَ أَنْ تَرَى قَوْمًا يَغْدُونَ في سَخَطِ اللَّهِ وَيَرُوحُونَ في لَعْنَتِهِ، في أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ». قال شيخ الإسلام: لم أقفْ في كتاب «الموضوعات» على شيءٍٍ حكم عليه بالوضع وهو في أحد الصحيحين غير هذا الحديث وإنها لغفلة شديدة، ثم تكلم عليه وعلى شواهده.

стр. 143

وظلمةً كظلمة اللَّيل تُنكَر. و المقلوب: كحديثٍ متنُه مشهورٌ براوٍ كـ «سالمٍ»، أُبدِل بواحدٍ من الرُّواة نظيره في الطَّبقة كـ «نافع»؛ ليُرغَب فيه؛ لغرابته، أو قلب سندٍ لمتنٍ آخر مرويّ بسند آخر؛ قوله: (وَظُلْمَةً كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ) قال ابن الجوزي: الحديث المُنكر يقشعر له جلدُ الطالب للعلم، ويَنفُر قلبه منه في الغالب. انتهى. ومرادهُ بالمنكر الموضوع. قوله: (وَالمَقْلُوْب)؛ أي: الحديث المقلوب، والقلب: هو تبديل شيء بآخر على الوجه الآتي، ثم هو إما أن يكون عمدًا أو سهوًا، والعمد قسمان وكل منهما في السند وهما اللذان ذكرهما الشارح، والسَّهو قسمان أيضًا لكن أحدهما في السند والآخر في المتن، فالأقسام أربعة كما ستعرفه، وتعريفه العام للأقسام كلِّها هو ما سلف، وأما الخاص ببعض الأقسام، وهو ما عدا قلب المتن سهوًا فهو تبديل مَن يعرف برواية الحديث بغيره، ثم المقلوب من أقسام الضعيف، والقلب من حيث هو حرام إلَّا بقصدِ الاختبار. قال العراقي: وفي جوازه نظرٌ. انتهى. قوله: (مَشْهُوْرٌ بِرَاوٍ)؛ أي: أَي راوٍ كانَ من الرواة يُبَدَّل بنظيره في الطبقة من الرواة. وقوله: (كَسَالِمٍ)؛ أي: وكعُبيد الله بن عمر أُبْدِلَ بمالكٍ، وممَّن كان يفعل ذلك من الوضاعين: حمَّاد بن عمرو النصيبي، وبهلول بن عبيد الكندي؛ لقصد الإغراب، كما قاله الشارح للرغبة في حديثه. قال ابن دقيق العيد: وهذا الذي يُطلق على راويه أنَّه يسرق الحديث. انتهى. وهذا هو القسم الأول من قسمي القلب عمدًا في السند. قال العراقي: مثاله ما رُوي عن حماد بن عمرو، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «إِذَا لَقِيتُمُ الْمُشْرِكِينَ في طَرِيقٍ فَلَا تبدؤوهم بِالسَّلَامِ وَاضْطَرُّوهُمْ إلى أَضْيَقِهَا»، فهذا حديثٌ مقلوبٌ قلبه حماد أحد المتروكين، فجعله عن الأعمش ليُغرب به وإنَّما هو معروفٌ بسهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة كما في مسلم، ولا يُعرف عن الأعمش، ولهذا كره أهل الحديث تتبع الغرائب فإنَّه قلَّمَا يصحُّ منها. قوله: (أَوْ قَلْبُ سَنَدٍ لِمَتْن … ) إلى آخره، هذا هو الثاني من قِسمي القلب عمدًا في السند؛ وذلك أن يُجْعَلَ سندُ متن لمتن آخر مروي بسند آخر، ويُجْعَلَ هذا المتن لسند آخر لقصد امتحان حفظِ المُحدث واختباره هل اختلطَ أو لا؟ وهل يقبلُ التلقين أو لا؟

стр. 144

بقصد امتحان حفظ المحدِّث، كقلب أهل بغداد على البخاريِّ رحمه الله تعالى مئة حديثٍ امتحانًا، (قلت): جعلوا ذلك من قبيل القلب في السند، ولم يجعلوه من قبيل قلب المتن، مع أن فيه قلب سند لمتنٍ، ومتنٍ لسند، ولا يظهر له غير الاصطلاح وجه إلَّا أن يكون المقصود بالقلب هو الإسناد، لكنه يقتضي أنَّه لو كان الغرض المتن سُمي قلب متن؛ فَلْيُنْظَر. والقسم الثالث: وهو القلب سهوًا في السند مثاله (١) ما رواه جرير بن حازم، عن ثابت البناني، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فلا تَقُومُوا حتى تَرَوْنِي» فهذا حديثٌ انقلبَ سندُهُ سهوًا على جرير بن حازم، وإنَّما هو مشهور بيحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قَتادة، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ كما عند مسلم والنسائي، لكنَّ جريرًا لمَّا سمعه من أبي عثمان الصَّواف يُحدث به في مجلسِ ثابت البَنَّاني ظنَّه عن ثابت عن أنس فرواه كذلك. وقد بَيَّنَ ذلكَ حمادُ بن زيد فيما رواه أبو داود في «المراسيل» عن أحمد بن صالح، عن يحيى بن حسان، عنه قال: كنت أنا وجرير عند ثابت فحدَّث أبو عثمان، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله ابن أبي قتادة، عن أبيه، فظنَّ جرير أنَّه إنَّما حدث به عن ثابت عن أنس. والقسم الرابع: وهو القلب سهوًا في المتن ويُعرف بأنَّه إعطاء أحد الشيئين ما اشتهر للآخر، مثاله حديث أبي هريرة في السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة، ففيه: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تَعْلَم يمينه ما تنفق شماله»، فهذا مما انقلب على أحد الرواة سهوًا وإنَّما هو: «حَتَّىَ لَاْ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنُهُ»، كما في الصحيحين. قال البُلقيني: ويمكن أن يُسمى هذا بالمعكوس فيفردُ بنوع، ولم أَرَ من تعرضَّ لذلك. انتهى. أقول: لينظر حينئذ وجه تسمية هذا بالمعكوس وذلك بالمقلوب، ولعله للفرق بين ما في السند وما في المتن على ما فيه. ومثَّلَ شيخ الإسلام في «شرح النخبة» القلب في الإسناد بنحو كعب بن مرة ومرة بن كعب، قلت:

стр. 145

فردَّها على وجوهها، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في ترجمته. و المُركَّب: كإبدال نحو «سالمٍ» بـ «نافعٍ» -كما مرَّ -، أو الذي رُكِّب إسناده لمتنٍ آخر، ومتنه لإسناد متنٍ آخر. و المنقلب: الذي ينقلب بعض لفظه على الرَّاوي فيتغيَّر معناه؛ كحديث البخاريِّ في باب: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. عن صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ رفعه: وهو ظاهر، فلو خصَّ مثل ذلك باسم القلب مطلقًا، وما بُدل فيه راو بآخر أو جُعل فيه سند متن لآخر والعكس باسم العكس لكان أروح للقلب، ولكن القوم أدرى باصطلاحهم ولا مشاحَّةَ. قوله: (كَمَا سَيَأْتِي) حاصله أنَّه لما قَدِم بغداد وسمعَ به أصحاب الحديث اجتمعوا، وعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يُلقون ذلك على البخاري، وحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث البغداديين والغُرباء من أهل خراسان وغيرهم، فلما اطمَأَنَّ المجلسُ بأهله انْتُدِبَ إليه رجلٌ من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يُلقي عليه واحدًا واحدًا حتى فرغَ من عشرته والبُخَاري يقول: لا أعرفه، فكان بعض الفهماء ممَّن حضرَ المجلس يلتفتُ بعضهم لبعض، ويقول: فهم الرجل، ومَن كان منهم غير ذلك يحكم عليه بالعجز عن ردِّ الجواب لتقصيرهِ في العلم ثم انْتُدِبَ إليه الثاني، وهكذا واحدًا بعد واحد حتى فرغوا من المئة المقلوبة، والبُخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه، ثم التفت إلى الأول منهم وقال له: أما حديثك الأول فصوابُ سنده كذا … إلى آخره، وحديثه كذا (و) كذا، وأما حديثُكَ الثاني فهو كذا، والثالث كذا، على الولاء حتى أتم العشرة، فردَّ كلَّ متنٍ إلى سنده، وكلَّ سند إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك فردَّ متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها، فأقرَّ له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل. قوله: (والمُرَكَّبُ … ) إلى آخره، الظاهر أنَّه لا وجهَ لإفراده باسم مخصوص إذ هو عينُ المقلوب في السند، ومع ذلك فلو جعلوه ما تركبَ من حديثين كما تقدَّم في أنواع التدليس لكان له نصيب ظاهرٌ من مسماه، وقليلًا ما ترى من ذَكره وأظنه لذلك. قوله: (وَالمُنْقَلِبُ) يظهرُ على تمثيل الشارح أنَّه لا فرق بينه وبين المقلوب في المتن، وقَلَّ من ذكره أيضًا.

стр. 146

«اختصمت الجنَّة والنَّار إلى ربِّهما … » الحديث [خ¦٧٤٤٩]. وفيه: «أنَّه ينشئ للنَّار خَلقًا»، صوابه كما رواه في موضعٍ آخر من طريق عبد الرَّزَّاق عن هَمَّامٍ عن أبي هريرة بلفظ: «فأمَّا الجنَّة فينشئ الله لها خلقًا»، فسبق لفظ الرَّاوي من «الجنَّة» إلى «النَّار»، وصار منقلبًا. ولذا جزم ابن القيِّم بأنَّه غلطٌ، ومال إليه قوله: («اخْتَصَمَتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ إلى رَبِّهِمَا») إمَّا مجازٌ عن حالهما المُشابه للمخاصمةِ، أو حقيقةٌ بأن يخلق الله فيهما الحياة والنُّطق، أو يخلق القول في جزء منهما؛ لأنَّه لا يُشترط عقلًا في الأصوات أن يكون محلها حَيًّا على الراجح، أو أنَّ ذلك بلسانِ الحال، واختصامهما هو افتخار إحداهما على الأخرى بمن يَسكنها فيظن كل منهما أنها آثرُ عند الله بمن يسكنها. قوله: (الحَدِيْثَ) بقيته: «فقالت الْجَنَّةُ: يا رَبِّ ما لها لَا يَدْخُلُهَا إلَّا ضُعَفَاءُ الناس وَسَقَطُهُمْ، وَقَالَتْ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ، فقال الله تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، وقال لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ من أَشَاءُ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، قال: فَأَمَّا الْجَنَّةُ فإن اللَّهَ لَا يَظْلِمُ من خَلْقِهِ أَحَدًا، وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ من يَشَاءُ فَيُلْقَوْنَ فيها، فَتَقُوْلُ: هل من مَزِيدٍ ثَلَاثًا، حتى يَضَعَ فيها قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ». قال الشارح هناك في القَدَم: هو ما يقدمه لها من أهل العذاب أو ثمَّةَ مخلوقٌ اسمه القدم، أو هو عبارة عن زجرها وتسكينها كما يقال وضعته تحت قدمي. انتهى. قوله: (فِيْ مَوْضِعٍ آخَرَ)؛ أي: في تفسير سورة ﴿ق﴾ وكذا في صحيح مسلم. قوله: (بِأَنَّهُ غَلَطٌ) احتجَّ على ذلك بأنَّ الله أخبرَ بأنَّ النار تمتلئ من إبليس وأتباعه في قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ﴾ الآية [ص: ٨٥].

стр. 147

البُلقينيُّ حيث أنكر هذه الرِّواية، واحتجَّ بقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. و المُدَبَّج -بالموحدة والجيم-: رواية القرينين المتقاربين في السِّنِّ قوله: (﴿وَلَاْ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩])، فيه: أنَّ له أن يعذب مَن لم يكلفه بعبادته في الدنيا؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ ملكه، فلو عذَّبهم لكان غير ظالم لهم، قال البُلقيني: وحَمْلُه على أحجار تُلقى في النار أقرب من حمله على ذي روح يُعذب بغير ذنب. انتهى. قال في «الفتح»: ويُمكن التزام أن يكونوا من ذوي الأرواح لكن لا يُعذبون كما في الجزية، ويُحتمل أن يُراد بالإنشاء ابتداء إدخال الكفار النار، فعَبَّرَ عن ابتداءِ الإدخال بالإنشاء فهو إنشاء إدخال لا إنشاءٌ بمعنى ابتداء خلق بدليل قوله: «فَيُلْقَوْنَ فيها: ﴿وَتَقُوُلُ هل من مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]»، وفي «الكواكب»: الإنشاء للِجَنَّة لا ينافي الإنشاء للنار والله يفعل ما يشاء، فلا حاجة إلى الحمل على الوهم، ثم حاصلُ الجواب منه تعالى أنَّه لا فضل لأحدكما على الأخرى من طريق مَن يسكنهما. قوله: (وَالمُدَبَّجُ بالمُوَحَّدَةِ)؛ أي: المفتوحة المُشَدَّدة بعد الميم المضمومة والمُهملة المفتوحة، وأوَّلُ من سماهُ بذلك الدَّارقُطني كما قاله العراقي، قيل: سُمي بذلك لحُسنه؛ لأنَّ المدبج لغةً المُزَيَّن، والرواية كذلك لنكتة يعدل فيها عن العلو إلى المساواة أو النزول، فيحصل للإسناد بذلك تزيين، وقيل لنزول الإسناد فيكون ذَمًّا من قولهم: رجل مُدبَّج قبيح الوجه، والذي جزم به في «شرح النخبة» أنَّه مأخوذٌ من ديباجتي الوجه، وهما الخَدَّان لتساويهما وتقابلهما. قلت: وهذا هو الظاهر على ما ذهب إليه الجمهور، وجرى عليه الشارح من أنَّه رواية القرينين … إلى آخره، أما على ما جرى عليه الدَّارقطني من أنَّهُ لا يتقيدُ بالقرينين بل كلُّ اثنين روى كل منهما عن الآخر، فيُحتمل أنَّه من قبيل الأول وهو الظاهر، أو الثاني؛ لأنَّ العدول عن العُلو قبحٌ ما. قوله: (رِوَايَةُ القَرِيْنَيْنِ)؛ أي: مرويُّ المتقارنين من الصحابة أو التابعين أو أتباعهم أو أتباع أتباعهم وهكذا.

стр. 148

والإسناد، أحدهما عن الآخر، كرواية كلٍّ من أبي هريرة وعائشة عن الآخر، وكرواية التَّابعيِّ عن تابعيٍّ مثله؛ كالزُّهريِّ وعمر بن عبد العزيز، وكذا مَنْ دونهما. قوله: (وَالإِسْنَادِ)؛ أي: الأخذُ عن الشيوخ، والجمعُ في المساواة بين السنِّ والسند أغلبي، وقد يُكتفى بالتساوي في السند وإن تفاوتوا في السنِّ، ولا فرقَ بينَ أن تكون الرواية عن القرين بواسطة أو بدونها. مثالها بدون واسطة في الصحابة: رواية عائشة عن أبي هريرة وبالعكس، وفي التابعين: رواية الزهري عن ابن الزبير وبالعكس، وفي أتباع التابعين رواية مالك عن الأوْزَاعِي وبالعكس، وفي أتباع أتباعهم رواية أحمد ابن حنبل، عن علي بن المَديني وبالعكس، ومثالها بها: أن يروي الليث عن يزيد بن الهاد، عن مالك، ويروي مالك عن يزيد عن الليث. تنبيه: قد تكون رواية الأقران من غير تدبيجٍ وهي انفرادُ أحدِ القرينين بالرواية عن الآخر، كرواية الأعمش عن التيمي، فالمُدَبَّج أخصُّ من الأقران، فكلُّ مُدبج أقران ولا عكس، وخرج بالقرين ما إذا روى عَمَّنْ دونَهُ سنًا أو رُتبةً فذلك روايةُ أكابر عن أصاغر، كرواية الآباء عن الأبناء، كرواية الزهري عن مالك، والدليل عليها رواية النبي ﷺ عن تميم الدَّاري خبر الجسَّاسة -وهي دابة كثيرة الشعر لا يُعلم قُبُلها من دُبُرها- وذلك: «أَنَّ تَمِيْمًا كَانَ سَافَرَ إِلَى الغَرْبِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَطَلَعُوْا عَلَى جَزِيْرَةٍ هُنَاكَ، فَرَأَوْا هَذِهِ الدَّابَةَ فَفَزِعُوْا مِنْهَا، فَقَالَتْ: لَاْ تَفْزَعُوْا أَنَا الجَّسَّاسَةُ أَتَجَسَّسُ الأَخْبَارَ لِلمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وقيل: هِيَ الَّتِي تَخْرُجُ وَتَسِمُ النَّاسَ فِيْ وُجُوْهِهِم، وَكَانَ تَمِيْمٌ إِذْ ذَاكَ نَصْرَانِيًّا فَلَمَّا رَجَعَ أَسَلَمَ ﵁، وأخبر النَّبيَّ ﷺ بِذَلِكَ، فَجَمَعَ الصَّحَابَةَ وَخَطَبَ لَهُمْ خَبَرَ تَمِيْمٍ عَنْ الْجَسَّاسَةِ». قلت: هذا مُشعرٌ بأنَّ الدجال موجودٌ حيٌّ من وقتها، ولعله يعرف بقرينة من أحوال العالم وقت خروجِه، وقيضَ له الله هذه الدابة تُخبرهُ عما تجده، حتى إذا رأت هذه الأحوال وأخبرته بها عَلِمَ أنَّه آن أوانه فيظهرُ، وإلَّا فأيُّ فائدة لتسخيرِ هذه الدابة وتَعَرُّفِه منها الأخبارَ، ويؤيدهُ ظنُّ الصحابة في ابنِ صَيَّادٍ أنَّه الدجال حتى همَّ بعضهم بقتله، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ … » الحديث، وإن كانَ يحتمل أنَّ هذه الدابة أوجدها الله تعالى قبله بمدةٍ لحكمةٍ يعلمها. ومن ذلك رواية الصحابة عن التابعين كرواية العباس عن ابنه الفضل، ووائل عن ابنه بكر، وكرواية العبادلة وأبي هريرة وأنس عن كعب الأحبار، والعبادلة أربعة: عبد الله بن عباس، وعبد الله

стр. 149

و المُصحَّف: الذي تغيَّر بنقط الحروف ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، نظمها بعضهم في قوله: أبناءُ عباسٍ وعمرٍ وعُمَرْ … ثمَّ الزبيرِ هُمُ العبادلةُ الغررْ فمتى أُطْلِقَ عبد الله انصرف إلى أحدهم. قال في «شرح التقريب»: وليس ابن مسعود منهم؛ لأنَّه تقدَّم موته وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اجتمعوا على شيءٍ قيل هذا قول العبادلة، وقيل: هم ثلاثةٌ بإسقاط ابن الزبير وعليه اقتصر الجوهري في «الصحاح»، وقول الرافعي في الديات، والزمخشري في «المفصل» أنَّ العبادلة ابن مسعود وابن عمر وابن عباس قد غلطا فيه من حيث الاصطلاح. أما رواية الأبناء عن الآباء فكثيرٌ، وأخصُّ منه مَنْ روى عن أبيه، عن جده، فإنْ تقدَّم موت أحد قرينين اشتركا في الأخذ عن شيخٍ فلذلك هو السابق واللاحق، وسيأتي، وفائدة معرفة هذه الأنواع التمييزُ بين الراويين وتنزيل الناس منازلهم، فربما ظن برواية رجل عن آخر أن الراوي أنزل من المروي عنه كما هو الغالب، ويكون في الحقيقة أعلى أو قرينًا، وكذا عدم توهم واسطة محذوف. قوله: (وَالمُصَحَّفُ) قال في «التقريب» وشرحه: هو فنٌّ جليل مهمٌ وإنَّما يُحَقِّقُهُ الحُذاق من الحفاظ. قوله: (الَّذِيْ تَغَيَّرَ … ) إلى آخره؛ أي: تغيرَ لفظهُ أو معناهُ في الإسناد أو المتن بواسطة السمع أو البصر فهو أنواع ثمانية. مثالُ التصحيفِ في الإسنادِ لفظًا وبصرًا: العوَّام بن مراجم -بالراء والجيم- صحَّفَهُ ابن معين: مُزَاحم بالزاي والحاء. وسمعًا أن يكون الاسم واللقب أو الاسم واسم الأب على وزنِ اسمٍ آخر ولقبه أو اسمه واسم أبيه، والحروف مختلفة شكلًا ونقطًا فيختلف ذلك على السمع: كعاصم الأحول، قال فيه بعضهم: وَاصَل الأَحْدَب. ومثال التصحيف في المتن لفظًا وسمعًا: حديث زيد بن ثابت «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَرَ فِيْ الْمَسْجِدِ» وهو بالرَّاء؛ أي: اتخذَّ حُجرةً من حصير أو نحوه يصلي عليها، صحَّفَهُ ابن لَهِيعة -بفتح اللام وكسر الهاء- فقال: احتجم، بالميم. ومثاله لفظًا وبصرًا: حديث «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا من شَوَّالٍ» صَحَّفَهُ الصُّولي فقال:

стр. 150

أو حركاتها أو سكناتها؛ كحديث جابرٍ: «رُمِيَ أُبيٌّ يوم الأحزاب على أكحله». صحَّفه غُنْدَر، فقال: «أَبِي» بالإضافة، وإنَّما هو: أُبيُّ بن كعبٍ، وأبو جابرٍ استُشهِد قبل ذلك في أُحُد. «شيئًا» بالمعجمة والتحتية، وحديث: «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا» صحَّفَهُ بعضهم فقال: «زرعنا تردد حنا»، جعل: زرعنا: مبتدأ اسم من الزراعة، وجملةُ تردد … إلى آخره، خبره، وفسَّرَهُ بأن قومًا كانوا لا يؤدون زكاة زروعهم فصارت كلها حناء. ومثال التصحيف في المتن معنىً فقط: قول محمد بن المثنى أحد شيوخ الأئمة الستة: نحن قوم لنا شرف، نحن من عَنَزَة صلى إلينا رسول الله ﷺ ، يُريد «أَنَّ النَّبِيَ ﷺ صلى إِلَى عَنَزَةَ» فتوهَّمَ أنَّه صلى إلى قبيلتهم، وإنَّما العَنَزَةُ هنا الحَرْبَةُ تُنصب بين يديه (١). ومثاله فيه معنىً وسمعًا: ما ذكره الشارح وكذا ما ذكره الحاكم عن أعرابي أنَّه زعمَ أنَّه ﷺ صلى إلى شاةٍ. صَحَّفَ (عَنَزَةَ) مُحَرَّكَةَ بِـ (عَنْزَةٍ) ساكنةً، ثم رواهُ بالمعنى على وَجههِ فأخطأ من وجهين. ومن قبيح تصحيف المعنى أنَّ بعضهم سمعَ حَدِيْثُ النَّهْيِّ عَنْ التَّحْلِيْقِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاْةِ فقال: مَا حلقتُ رأسي قبل الصلاة منذ أربعين سنة، فَهِمَ منهُ تحليقَ الرأس، وإنَّما المراد تحليقُ الناسِ حِلقًا. انتهى. ملخصًا. قوله: (أَوْ حَرَكَاتِهَا … ) إلى آخره، هذا ما يقتضيه إطلاقهم، فالمُصحَّف شامل لذلك كلِّهِ، وخصَّهُ شيخ الإسلام بما تغيرَ فيه النَّقْطُ فقط كشيئًا وستًا، وسمى ما تغير فيه الشكل مُحرفًا كَعَنَزَةَ محركًا وساكنًا. قال ابن الصلاح: وكثيرٌ من التصحيف المنقولِ عن الأكابر الجلة لهم فيه أعذارٌ لم ينقلها ناقلوه. فائدة: أورد الدَّارقطني في كتاب «التصحيف» كل تصحيفٍ وقع للعلماء حتى في القرآن، من ذلك ما رواه عثمان ابن أبي شيبة قرأ على أصحابه في التفسير: جعلَ السفينةَ في رحلِ أخيه، فقيل له: إنَّما هو ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ [يوسف: ٧٠] فقال: أنا وأخي وأبو بكر لا نقرأُ لعاصمٍ، قال: وقرأ عليهم في التفسير: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، قالها: أ ل م؛ يعني: كأول البقرة.

стр. 151

و النَّاسخ والمنسوخ: ويُعرَف النَّسخ بتنصيص الشَّارع عليه؛ كحديث بُرَيدة: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، أو بجزم الصَّحابيِّ بالتَّأخُّر، كقول جابرٍ في «السُّنن» «كان آخِرَ الأمرين من النَّبيِّ ﷺ تَرْكُ الوضوء ممَّا مسَّت النَّار» قلت: لو سمعتُ ذلك من أمثال هذا لقلت لابن الصلاح يقول لهم: ﴿لا أجد ما أحملكم عليه﴾ [التوبة: ٩٢]. قوله: (وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوْخُ)؛ أي: ناسخُ الحديثِ ومنسوخُهُ، قال الإمام النووي: وكانَ للشافعي فيه يدٌ طُولى وسابقةٌ أُوْلَى، فقد نُقِلَ عن الإمام أحمد أنَّه قال لأحمد (١) بن وارة، وقد قدم من مصر: كتبت كتب الشافعي؟ قال: لا، قال: فَرَّطتَ، ما علمنا المُجمل من المُفسر ولا ناسخَ الحديث من منسوخه حتى جالسنا الشافعي. انتهى. قوله: (ويُعْرَفُ … ) إلى آخره، ذكر ما يُعْرف به وترك ما يُعرَّف به، وهو: رفع الشارع حُكمًا منه متقدمًا بحكمٍ منه متأخر. والمرادُ برفع الحُكم: قطعُ تعلُّقِهِ عن المُكلفين، واحترزَ به عن المُجمل، وبإضافته للشارع عن أخبار بعض من شاهد النَّسْخَ من الصحابة، فإنَّه لا يكون ناسخًا على ما ذهب إليه بعضهم وإن لم يحصل التكليف به لمن لم يبلغه قبل ذلك إلَّا بإخباره، وبالحكم عن رفع الإباحة الأصلية فإنَّه لا يسمى نسخًا، وبـ (المُتقدم) عن التخصيص المتصل بالتكليف كالاستثناء ونحوه. وبقولنا: (بحكم منه متأخر) عن رفع الحكم بموت المُكلف، أو زوالِ تكليفه بجنون ونحوه، وعن انتهائه بانتهاء الوقت كقوله ﷺ : «إِنَّكُم مُلَاْقُوْا العَدُوِّ غَدًا، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفْطِرُوْا»، فالصومُ بعد ذلك اليومِ ليسَ نسخًا. قوله: (كَحَدِيْثِ بُرَيْدَةَ)؛ أي: وكحديث: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عن لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ فَكُلُوا ما بَدَا لَكُمْ … » الحديث. قوله: (فِيْ السُّنَنِ)؛ أي: سُنن أبي داود والنسائي. وقوله: (كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ) بنصبِ (آخرَ) خبر كان مقدَّمًا و (تركُ) بالرفع اسمها مؤخر، ومُقتضى

стр. 152

أو بالتَّاريخ، فإن لم يُعرَف؛ فإن أمكن ترجيح أحدهما بوجهٍ كلام الشارح أنَّ الصَّحابي إذا لم يُخبِر بالتَّأخر بل قال: هذا ناسخ لكذا لم يثبت به النسخ، وهو اصطلاح أهل الأصول لا أهل الحديث، قالوا: لجواز أن يقوله عن اجتهاد. قال العراقي: وإطلاق أهل الحديث أوضحُ وأشهر؛ لأنَّ النَّسخ لا يصار إليه بالاجتهاد والرأي إنَّما يُصار إليه عند معرفة التاريخ، والصحابة أورعُ من أنْ يحكم أحد منهم على حكمٍ شرعيٍّ بنسخٍ من غيرِ أن يعرفَ تأخرَ الناسخِ عنه، وقد أطلق الشافعي ذلك أيضًا. انتهى. قوله: (أَوْ بِالتَّارِيْخِ)؛ أي: كحديثِ شَدَّادِ بنُ أوس مرفوعًا: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» رواه أبو داود والنسائي، ذكر الشافعي: أنَّه منسوخٌ بحديث ابن عباس ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ»، أخرجه مسلم، فإنَّ ابن عباس إنَّما صَحِبه مُحْرمًا في حجة الوداع سنة عشر، وفي بعض طرق حديث شدَّاد أنَّ ذلك كان زمن الفتح سنة ثمان، ومما يعرف به النسخ أيضًا دلالة الإجماع كحديث: قَتْلُ شارِبِ الْخَمْرِ فِيْ الرَّابِعَةِ، وهو ما رواه أبو داود والترمذي من حديث معاوية: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِيْ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ». قال النووي في «شرح مسلم»: دلَّ الإجماع على نسخهِ وإن كان ابن حزم خالفَ في ذلك، فخلافُ الظاهرية لا يقدحُ في الإجماع، نعم ورد نَسخُه في السُّنَّةِ أيضًا كما روي عن جابر أن النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ شَرِبَ فِيْ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ»، قال: ثمَّ أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ برجلٍ قد شربَ في الرابعة فضربهُ ولم يقتله، قال: فرُفع القتلُ وكانت رخصةً، ثمَّ الحديثُ لا يحكم عليه بالنسخ بالإجماع على تركِ العمل به إلَّا إذا عُرف صحته، وإلَّا فيحتمل أنَّه غلطٌ كما صرَّح به الصَّيْرفي، والإجماع لا يَنسخ ولا يُنسخ، ولكن يدلُّ على وجودِ ناسخٍ غيره. انتهى «شرح التقريب» مختصرًا. قوله: (فإِنْ (١) لَمْ يُعْرَفْ)؛ أي: التَّاريخ (فَإِنْ أَمْكَنَ … ) إلى آخره، إنَّما يُصَارُ إلى ذلك إذا لم يمكن الجمعُ بينهما بوجهٍ صحيحٍ، وإلَّا تعيَّنَ الجمعُ ولا يصار إلى النسخ، ويجب العمل بهما كحديث: «إَذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِل الْخَبَثَ (٢)»، وحديث: «خَلَقَ اللهُ الْمَاءَ طَهُوْرًا لَا يُنَجِّسُهُ إلَّا ما غَيَّرَ لَوْنَهُ أو طَعْمَهُ أو رِيحَهُ»، فإن الأوَّلَ ظاهرهُ طهارةُ القُلتين تغيرَ أم لا، والثاني ظاهرهُ طهارة غيرِ المتغير سواءٌ كان قُلتين أم لا فخُصَّ عُمومُ كلٍّ مِنْهُمَا بالآخر، وكحديث: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ» مع

стр. 153

من وجوه التَّرجيح متنًا أو إسنادًا لكثرة الرُّواة وصفاتهم تعيَّن المصير إليه، حديث «لَاْ عَدْوَى» وسيأتي في نوعِ المختلفِ الكلامُ على هذين الحديثَين. قوله: (مِنْ وُجُوْهِ التَّرْجِيْحِ)؛ أي: كالتَّرجيحِ بصفاتِ الرواةِ ككون رواة أحدهما أتقن وأحفظ، ووجوه الترجيح أوصلها العراقي في «نُكته» إلى أكثر من مئةٍ، وهي راجعةٌ إلى سبعة أقسام: الأول: الترجيحُ بحال الراوي: ككثرةِ الرُّواة؛ لأنَّ احتمال الكذب والوهم على الأكثر أبعدُ من احتماله على الأقل، وكقلة الوسائط؛ -أي: علو الإسناد- حيث الرجال ثقات؛ لأنَّ احتمال الوهم فيه أقلُّ، وفقهِ الراوي؛ لأنَّ الفقيه إذا سمع ما يمتنعُ حمله على ظاهره بحثَ عنه حتى يطلعَ على ما يزول به الإشكال بخلاف العامي، وعِلمِه باللغةِ والنحو؛ لأنَّ العالِمَ بهما يتمكن من التحفظ عن مواقع الزلل ما لا يتمكن منه غيره، وكحفظه بخلاف مَن يَعْتَمِدُ على كتابه، وأفضليته في أحد الثلاثة بأن يكونا فقيهين أو نحويين أو حافظين، وأحدهما في ذلك أفضل من الآخر، وكزيادة ضبطه؛ -أي: اعتنائه واهتمامه بالحديث- وشُهرته؛ لأنَّها تمنع الشخص من الكذب كما تمنعه التقوى، وورعه وحسن اعتقاده بأن يكون غير مبتدعٍ، ومجالسته لأهل الحديث أو غيرهم من العلماء أو كونه أكثر مجالسة لهم، وذكورته، وحريته، وشهرة نسبه، وعدم اللَّبس في اسمه بحيث لا يُشاركه فيه ضعيفٌ ويصعب التمييز بينهما، أو لهُ اسمٌ واحد ولذاك أكثر، وعدم اختلاطه، وثبوت عدالته بالاختبار بخلاف مَن تثبت بالتزكية، أو العمل بروايته إن قلنا بها، وعمل من يزكيه بخبرِه مع كون الثاني لم يعمل بخبرهِ مُزكيه، والاتفاق على عدالته وذكر سببها، وكون المزكيّن له أكثرَ عددًا وعِلمًا أو كثيري الفحص عن أحوال الناس، وكونه صاحب القصة كتقديم خبر أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِي ﷺ فِيْ الصَّوْمِ لِمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا على خبر الفضل بن العباس في منعه؛ لأنَّها أعلمُ منه، ومباشرته لما رواه إذا كان الثاني لم يُباشر، وتأخرَ إسلامه على الراجح، وقيل: عكسه؛ لقوة أصالةِ المتقدم وكونِهِ أحسن سياقًا واستقصاءً لحديثه، أو سمعَ من مشايخ بلده مع مساواتهم لغيرهم وكونه مشافِهًا مُشاهدًا لشيخه حال الأخذ عنه، أو لا يجيز الرواية بالمعنى، أو من أكابر الصحابة ﵃، وكونه عليًّا ﵁ في الأقضية ومعاذًا في الحلال والحرام، وزيدًا في الفرائض، وكونِ الإسناد حجازيًا أو رواته من بلدٍ لا يرضونَ التدليس. القسم الثاني: الترجيحُ بالتَّحَمُّل وذلك بوجوهٍ: منها الوقت؛ فيرجحُ مَن لم يتحمل الحديث إلَّا بعد البلوغ على مَن تحمَّلَ من قبل ومن بعد، لاحتمال أن يكون هذا الذي رواه مما قبل والذي بعده أقوى لتأهله للضبط.

стр. 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومنها أن يتحمل تحديثًا والآخر عرضًا، أو عرضًا والآخر كتابة أو مناولة أو وجادة. القسم الثالث: الترجيحُ بكيفيةِ الروايةِ كتقديمِ المَحكي بلفظه على المحكي بمعناه، والمشكوك فيه على ما عُرف أنَّه مَرويٌّ بالمعنى، وما ذكر فيه سبب وروده على ما لم يذكر، لدلالته على اهتمام الراوي به حيث عرف سببه، وأن تكون ألفاظه دالةً على الاتصال كحدثنا وسمعت، أو اتفق على رفعه أو وصله، أو لم يختلف في إسناده، أو لم يضطرب لفظه، وأن لا ينكره راويهِ ولا يتردد فيه. القسم الرابع: الترجيحُ بوقت الورود؛ كتقديم المدني على المكي، والدالِّ على علو شأن المصطفى ﷺ على الدال على الضعف؛ لبدء الإسلام غريبًا ثم شهرته فيكون الدال على العلو متأخرًا، والمتضمنِ للتغليظ على المتضمنِ للتخفيف على المعتمد؛ لأنَّه ﷺ جاءَ بالإسلام أولًا ثم شُرعت العبادات شيئًا فشيئًا، وترجيح ما تَحَمَّل بعد الإسلام على ما تحمل قبله أو شكَّ؛ لأنَّه أظهرَ تأخرًا، والمُؤَرَّخِ بقربِ وفاته ﷺ على غير المؤرخِ، أو المؤرخ بتاريخٍ مُتقدم، قال الرازي: الترجيحُ بما ذكر أي: في هذا القسم كله غير قوي. قلت: ومع ذلك فهو من التقديم بالتاريخ على ما يظهر. القسم الخامس: الترجيحُ بلفظِ الخبرِ؛ كترجيح الخاص على العام، أو العام الذي لم يخصصْ على المُخصص لضعف دلالته بعد التخصيص على باقي أفراده، والمطلق على ما ورد على سبب، والحقيقة على المجاز، والشرعية على غيرها، والعرفية على اللغوية، والمُسْتَغْنِي عن الإضمار والمنطوق على المفهوم، ومفهوم الموافقة على المخالفة، والمنصوص على حكمه على المشبه بمحل آخر، والمستفاد عمومه من الشرط والجزاء على النكرة المنفية أو من الجمع المُعَرَّفِ على (منْ)، وما خطابه تكليفي على الوضعي، وما حكمه معقولُ المعنى، وما قُدِّم فيه ذكر العلة، والمقارن للتهديد، وما تهديده أشد، والمؤكَّدُ بالتكرار، والفصيح، وما بِلُغَةِ قريش، وما دلَّ على المعنى المُراد بوجهين فأكثر، أو بغير واسطة، وما ذُكِرَ معه مُعَارِضُه كـ «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عن زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا»، والنص والقول، وقولٌ قارنه الفعل أو تفسير الراوي، وما فيه زيادة على ما خلا منها. القسم السادس: الترجيحُ بالحكم؛ وذلك بوجوهٍ: منها تقديم الدال على التحريم على الدال على الإباحة والوجوب، وتقديم الأحوط والدال على نفي الحد. القسم السابع: الترجيحُ بأمرٍ خارجي كتقديم ما وافق ظاهر القرآن، أو سنة أخرى، أو ما وافق

стр. 155

وإلَّا فيُجمَع بينهما، فإن لم يمكن يُوقَف عن العمل بأحدهما. و المختلف: أن يوجد حديثان متضادَّان في المعنى بحسب الظَّاهر، الشرع، أو القياس، أو عمل الأمة، أو الخلفاء الراشدين، أو معه مرسل آخر، أو منقطع، أو لم يشعر بنوع قدح في الصحابة، أو له نظير متفقٌ على حكمه، أو اتفق على إخراجه الشيخان، إلى غير ذلك ممَّا لا ينحصر، ومثاره غلبة الظن. انتهى. ملخصًا من «شرح التقريب». أقول: ونظمت هذه الأقسام السبعة مجملة فقلت: أقسامُ ترجيحهمْ عندَ التعارضِ … في الأخبارِ سبعٌ أتتْ كالدرِّ منتظما حالُ الرواةِ كذا حالُ الروايةِ فِي … تَحَمُّلٍ وأداءٍ والوقتُ إذْ عُلما اللفظُ والحكمُ أمرٌ خارجٌ كذا … كانَ البخاريُّ روى فاحفظْ وكُنْ فَهِما فائدتان: الأولى: منعَ بعضهم الترجيح في الأدلة قياسًا على البينات وقال: إذا تعارضا لزم التخيير أو الوقف، وأُجيب: بأنَّ مالكًا يرى ترجيح البينة على البينة، ومن لم يرَ ذلك يقول: البينة مستندة إلى توقيفات تَعَبُّدِيَة، ولهذا لا تقبلُ إلَّا بلفظ الشهادة. الثانية: ما سَلِمَ مِنَ المُعارضة فهو محكمٌ، وقد عقد له الحاكم في «علوم الحديث» بابًا وعَدَّهُ من الأنواع، قال: ومن أمثلته حديث: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يوم الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ»، وحديث: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، ولا صَدَقَةً من غُلُولٍ»، وحديث: «إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ». قوله: (يُوْقَفُ عَنْ العَمَلِ بَأَحَدِهِمَا)؛ أي: حتَّى يظهرَ مرجحٌ. قوله: (وَالْمُخْتَلِف) قال في «التقريب»: هُوَ منْ أهمِّ الأنواعِ، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف، وإنَّما يكملُ له الأئمةُ الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني الدقيقة، وأول مَن تكلَّم فيه الإمام الشافعي، وكان ابن خزيمة من أحسن الناس كلامًا فيه حتى قال: لا أعرف حديثين متضادَّين، فمن كان عنده فليأتني بهما لأؤلف بينهما.

стр. 156

فيجمع بما ينفي التَّضادّ؛ كحديث: «لا عدوى ولا طِيَرَة» مع حديث: «فِرَّ من المجذوم» وقد جُمِعَ بينهما بأنَّ هذه الأمراض لا تُعدِي بطبعها، ولكن جعل الله تعالى مخالطة المريض للصَّحيح سببًا لإعدائه، وقد يتخلَّف. قوله: (فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا)؛ أي: إن أمكن الجمعُ بينهما بوجهٍ صحيح ولا يصارُ إلى التعارض، ويجبُ العمل بهما، فإن لم يمكن؛ فإن علمنا أحدهما ناسخًا بطريقٍ مما سبق قدَّمناه، وإلَّا رجحنا أحدهما بوجهٍ مما سبق. قوله: (وَلَاْ طِيَرَة) بكسر الطاء وفتح الياء وقد تُسكن، مصدر تطيَّر بالشيء إذا تشاءم به، قال تعالى: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] يقال: تَطَيَّرَ طِيْرَةً، كتَحَيَّرَ حِيْرَةً. قوله: (بِأَنَّ هَذِهِ الأَمْرَاضَ … ) إلى آخره، هذا ما اختاره ابن الصلاح، واختار شيخ الإسلام أن نفي العدوى باقٍ على عمومه، والأمر بالفِرار من باب سد الذرائع؛ لئلا يتفق للذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى، فيظن أنَّ ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحَّةَ العدوى فيقع في الحرج، فأمرَ بتجنبه حسمًا للمادة، وقال الباقِلاني: إثباتُ العدوى في الجُذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى، فيكون معنى قوله: «لا عدوى»؛ أي: إلَّا من الجذام ونحوه، فكأنَّه قال: لا يُعدي شيءٌ شيئًا إلَّا ما تقدم تبييني له أنَّه يُعدي، وقيل: الأمرُ بالفرار رعاية لخاطر المجذوم؛ لأنَّه إذا رأى الصحيح تعظمُ مُصيبته وتزدادُ حسرَتُهُ، ويُؤيده حديث: «لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلى الْمَجْذُومِينَ» فإنَّهُ محمول على هذا المعنى.

стр. 157

ومن الأنواع: رواية الآباء عن الأبناء، وهو كرواية الأكابر عن الأصاغر، قوله: (رِوَايَةُ الآبَاءِ عَنْ الأَبْنَاءِ)؛ أي: كرواية العباس بن عبد المطلب عن ابنه الفضل: «أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ جَمَعَ بين الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ» وما رُوي عن مُعتمر بن سليمان التَّيمي قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثتني أنت عني عن أيوب؛ -أي: السَّخْتِيَانِي- عن الحسن قال: (وَيْحَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ). قال النووي: وهذا مثالٌ ظريف يجمعُ أنواعًا. انتهى. أي: كرواية الأب عن ابنه، ورواية الأكبر عن الأصغر، ورواية التابعي عن تابعيه، وأنَّه حدَّث غير واحد عن نفسه، وهذا في غاية من الحسن والغَرابة ويبعدُ أن يوجد مجموع هذا في حديثٍ، وقد أورد هذا الحديث الخطيب في كتبه، وقال: هكذا روى الحديث يحيى بن معين، عن معتمر، عن منقذ، عن نفسه، ثم رجع عن ذلك فرواه عن معتمر، عن أبيه، عن نفسه. ومن ذلك رواية أبي داود صاحب «السنن»، عن ابنه أبي بكر حديثين، ومنه حديث أبي بكر، عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ من كل دَاءٍ»، لكن قيل: إنَّ ذلكَ غلطٌ ممَّنْ رواه إنَّما هو عن أبي بكر بن عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عائشة كما رواه البخاري في صحيحه، قال الحافظ السيوطي: ومن ألطفِ هذا النوعِ روايةُ أبي طالب، عن النَّبيِّ ﷺ . انتهى. أي: «فَإِنَّ الْعَمَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ». قال ابن الصَّلاح: وأكثر ما رويناه لأبٍ عن ابنه عن حفص الدُّوْرِي المُقري، عن ابنه أبي جعفر ستةَ عشر حديثًا. قوله: (وروَايَةِ (١) الأَبْنَاءِ عَنْ الآبَاءِ) هو كثيرٌ كروايةِ الدَّارمي (٢)، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ وهو في السنن الأربعة. قوله: (كَرِوَايَةُ الأَكَابِرِ عَنْ الأَصَاغِرِ) هو نوعٌ جليلٌ من فوائده أن لا يتوهم أنَّ المرويَّ عنه أفضلُ وأكبر من الراوي لكونه الأغلب، ومنها أن لا يظن أنَّ في السند انقلابًا، وهو أقسام كما في «التدريب»: أحدها: أن يكون الراوي أكبرَ سِنًّا وأقدمَ طبقةً من المرويِّ عنه؛ كالزهري عن مالك. والثاني: أن يكون الراوي أكبرَ قدرًا لا سِنًّا؛ كحافظٍ عالمٍ روى عن شيخٍ ممن لا علمَ عنده، كمالك عن عبد الله بن دينار، وأحمد ابن حنبل عن عبيد الله بن موسى العبسي. الثالث: أن يكون الراوي أكبر من الوجهين معًا، كعبد الغني بن سعيد عن تلميذه محمد بن علي الصوري، ومن هذا رواية الصحابة عن التابعين، كالعبادلة وأبي هريرة وأنس عن كعب الأحبار، وكذا رواية التابعين عن تابعيهم، كالزهري عن مالك.

стр. 158

ورواية الأبناء عن الآباء (١)، ويدخل فيه رواية الابن عن أبيه عن جدّه، وأكثر ما انتهت الآباء فيه إلى أربعة عشر أبًا. قوله: (عن أبيه عن جده)؛ أي: كعَمر بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه، عن جده، احتجَّ بهِ أكثرُ المحدثين حملًا لجده على عبد الله الصحابي دون محمد التابعي؛ لما ظهر لهم من إطلاقه ذلك، ولا عبرة بمن أنكر ذلك كأبي داود محتجًّا بأنَّ روايته عن أبيه عن جَدِّهِ كتابة، وقولُ ابن حبان: إن أراد جده عبد الله فشُعيبٌ لم يلقه فيكونُ مُنقطعًا، وإن أراد محمدًا فلا صحبة له فيكون مرسلًا، فقد قال الذهبي: هذا القولُ لا شيء؛ لأنَّ شُعيبًا ثبتَ سماعه من عبد الله. انتهى. وقد احتج بها مالك في الموطأ، وروي عن إسحاق بن رَاهُوْيَه قال: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ كأيوب، عن نافع، عن ابن عمر. قال النووي: وهذا التشبيهُ نهايةُ الجلالة من مثل إسحاق هذا. وقال السيد أبو القاسم بن محمد العلوي: الإسناد بعضه عَوالٍ وبعضه مَعالٍ، وقول الرجل حدَّثني أبي عن جدي من المعالي (٢). وروى الحاكم عن مالك بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] قال قول الرجل: حدَّثني أبي عن جدي. انتهى. ثم تارةً يريدُ الجدَّ أبا الأب، وتارةً يريد الأعلى فيكون جدًا للأبِ. قوله: (إلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَبًا) قال العِراقي: أكثرُ ما وقع لنا التَّسلسل بأربعةَ عشر أبًا من رواية أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب والحسن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسن بن

стр. 159

و السَّابق واللَّاحق: وهو من اشترك في الرِّواية عنه راويان متقدِّمٌ ومتأخِّرٌ، تَبايَن وقت وفاتيهما تباينًا شديدًا، فحصل بينهما أمدٌ بعيدٌ، وإن كان المتأخِّر غير معدودٍ من معاصري الأوَّل ومن طبقته. ومن أمثلة ذلك: أنَّ البخاريَّ حدَّث عن تلميذه أبي العبَّاس السَّرَّاج الحسين بن جعفر بن عبيد الله بن الحسن الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسن بن علي عن آبائه مرفوعًا بأربعين حديثًا منها: «الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ». انتهى. ومن ألطف ما جاء بأقل من ذلك رواية الخطيب في «تاريخه» عن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أُكَيْنة -بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون التحتية ونون- قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي علي بن أبي طالب ﵁ يقول: أي: -وقد سُئِلَ عَنْ الحَنَّانِ المَنَّانِ- الحَنَّانُ الذِيْ يُقْبِلُ عَلَى مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَالمَنَّانُ الَّذِي يَبْدَأُ (١) بِالنّوَالِ قَبْلَ السُّؤالِ. قال الخطيب: بين عبد الوهاب وبين علي ﵁ في هذا الإسناد تسعة آباء، آخرهم أُكَيْنَةَ بن عبد الله وهو السامعُ عليًا. فائدة: يلتحقُ برواية الرجل عن أبيه عن جده، رواية المرأة عن أمها عن جدتها، وهو عزيز جدًا، ومن ذلك ما رواه أبو داود في «سننه» عن بُندار، عن أم جَنوب بنت نُميلة، عن أمها سُوَيْدَةَ بنت جابر، عن أمها عُقَيْلَة بنت أَسْمَرَ بن مُضَرِّسٍ، عن أبيها أسمر قال: أَتَيْتُ النَّبِي ﷺ فبايعته، فقال: «مَنْ سَبَقَ إلى ما لم يَسْبِقْ إليه مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ»، ذكره الجلال السيوطي. قوله: (السَّابِقُ واللَّاحِقُ) من فوائده حلاوةُ علو الإسناد في القلوب كما قال الشارح، وأن لا يظن سقوط شيء من الإسناد. قوله: (أَمَدٌ)؛ أي: زمنٌ بعيد. قوله: (أَبِي العَبَّاسِ) هو محمد بن إسحاق، و (السَّرَّاج) بفتح السين المهملة وتشديد الراء آخره جيم، نسبة إلى عمل السُّروج، كان من أجداده من يعملها، كما في «اللباب».

стр. 160

بأشياء في التَّاريخ وغيره، ومات سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، وآخِرُ مَن حدَّث عن السَّرَّاج بالسَّماع أبو الحسين الخفَّاف، ومات سنة ثلاثٍ وتسعين وثلاث مئةٍ، ومنه أنَّ الحافظ السِّلفيَّ سمع منه أبو عليٍّ البردانيُّ أحد مشايخه حديثًا رواه عنه، ومات على رأس الخمس مئة، ثمَّ كان آخر أصحابه بالسَّماع سبطه أبو القاسم عبد الرَّحمن بن مكِّيٍّ، وكانت وفاته سنة خمسين وستِّ مئة، ومن فوائده: تقرير حلاوة الإسناد في القلوب. و الإخوة والأخوات: فمن أمثلة الاثنين: هشامٌ وعمرو ابنا العاص، وزيدٌ ويزيد ابنا ثابتٍ، ومن الثَّلاثة: سهلٌ وعبَّادٌ وعثمان بنو حُنَيفٍ -بالتَّصغير-، ومن الأربعة: سهيلٌ وعبد الله قوله: (أَبُوْ الحُسَيْنِ) هو أحمد بن محمد الخَفَّاف النَّيسابوري. قوله: (وَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاْثٍ وَتِسْعِيْنَ … ) إلى آخره، وقيل: أربع، وقيل: خمس وتسعين؛ أي: فبين وفاته ووفاة البخاري مئة وسبع وثلاثون سنة أو أكثر. قوله: (السِّلَفِي) بكسر السين المهملة وفتح اللام وبالفاء نسبة إلى سِلْفَة، جده، كذا في «اللباب». قوله: (البَرَدَانِي) بفتح الموحدة والراء والدال المهملة وبالنون، نسبة إلى بَرَدَان قرية ببغداد. قوله: (وَالإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ)؛ أي: ومن الأنواع روايةُ الإخوة والأخوات، قال في «شرح التقريب»: ومن فوائده أنَّ لا يُظن مَن ليس بأخ أخًا عند الاشتراك في اسم الأب. قوله: (فَمِنْ أَمْثِلَةِ الاثنَيْنِ … ) إلى آخره؛ أي: في الصحابة ومنها عمر وزيد ابنا الخطاب، وعبد الله وعتبة ابنا مسعود، ولم يذكر الشارح في هذه من التابعين أحدًا، ومنها عمرو وأرقم ابنا شُرَحْبِيْل كلاهما من أفاضل أصحاب ابن مسعود قاله ابن الصلاح، والجمهور على تبديل عمرو لهذيل وهو الذي اقتصر عليه البخاري. قوله: (وَمِنَ الثَّلَاْثَةِ)؛ أي: من الصحابة أيضًا، و (عَبَّاد) بالفتح والتشديد، ومنها أيضًا منهم (علي

стр. 161

الذي يُقال له: عبَّادٌ ومحمَّدٌ وصالحٌ بنو أبي صالحٍ ذكوان السَّمَّان، وفي الصَّحابة: عائشة وأسماء وعبد الرَّحمن ومحمَّد بنو أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃، وأربعةٌ وُلِدُوا في بطنٍ وكانوا علماء؛ وهم محمَّدٌ وعمرُ وإسماعيلُ ومَنْ لم يُسمَّ بنو أبي إسماعيل السُّلَميِّ، ومن الخمسة: الرُّواة سفيان وآدم وعمران ومحمَّدٌ وإبراهيم بنو عُيَيْنَة، ومن السِّتَّة: محمَّدٌ وأنسٌ ويحيى ومعبدٌ وحفصة وكريمة أولاد سيرينَ، وكلُّهم من التَّابعين. وجعفر وعقيل) بنو أبي طالب، ومن غير الصحابة في التابعين (عمرو) بالفتح و (عمر) بالضم و (شُعيب) بنو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. ومن اللطائف ثلاثة إخوةٍ روى بعضهم عن بعض، وهم: محمد بن سيرين، عن أخيه يحيى، عن أخيه أنس، عن مولاه أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «لَبَّيْكَ حَجًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا»، أخرجه الدَّارقطني في «العلل». قوله: (عَبَّادٌ وَمُحَمَّدٌ) هذا هو الصحيحُ، وأما قول ابن عَدِي ليس في أولاد أبي صالح محمد إنَّما هو سهيل ويحيى وعباد أو عبد الله وصالح، فَوَهَمَ كما قاله العراقي حيثُ أبدلَ محمدًا بيحيى، وجعلَ عبادًا وعبد الله اثنين، وإنَّما هو لَقَبُهُ. قوله: (وَمِنَ الْخَمْسَةِ)؛ أي: من أتباعِ التَّابعين، ومثاله من التابعين: موسى وعيسى ويحيى وعمران وعائشة أولاد طلحة بن عبيد الله، وأما من الصحابة فقال الجلال في «شرح التقريب»: لم أقفْ عليه. قوله: (بَنُو عُيَيْنَةَ)؛ أي: وحدَّثوا كُلهم. قوله: (وَمِنَ السِّتَّةِ)؛ أي: من التَّابعين، وأما من الصحابة فلم يوجدْ. قوله: (وَكَرِيْمَةُ) هذا ما ذكرهُ ابن معين والنَّسائي والحاكم، وذكر أبو علي الحافظ خالدًا بَدَلَ كريمة، وزادَ ابنُ سعيد فيهم عَمرة وسَودة، قال العراقي: ولا رواية لهما فلا يَردان، وفي «المعارف» لابن قتيبة: ولد لسيرين ثلاثة وعشرون ولدًا من أمهات أولاد. قوله: (سِيْرِيْنَ) ممنوعٌ من الصَّرْفِ للعلميةِ والعُجمة، وذكر بعضهم أنَّها مصروفةٌ كغِسلين،

стр. 162

و من لم يرو عنه إلَّا واحدٌ، كرواية الحسن البصريِّ عن عمرو بن تَغْلِب في «صحيح البخاريِّ» [خ¦٩٢٣]، فإنَّ عَمْرًا لم يرو عنه غيرُ الحسن، قاله مسلمٌ والحاكم. واقتصر الشارح على ما ذكر من العدد. وقد اجتمع من الصحابة عشرة أخوة أولاد العباس: عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، والفضل، وقُثم، ومعبد، وعون، والحارث، وكثير، وتمام، وهو أصغرهم، بل أربعة عشر وهم هؤلاء وأخواتهم أربع إناثٍ: أم كلثوم، وأم حبيب، وأميمة، وأم تميم. قال ابن عبد البر: لكلِّ ولد العباس رؤية، والصحبةُ للفضل. انتهى. ولعله ممَّن يرى أن الصُّحْبَةَ لا تتحققُ إلَّا لمن طالتْ صُحبته له ﷺ وروى عنه لا كل من رآه. قوله: (وَمَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّاْ وَاحِدٌ) من فوائده معرفة المجهول إذا لم يكن صحابيًا فلا يقبل. قوله: (ابْنِ تَغْلِبَ) بفتح المثناة الفوقية وسكون الغين المعجمة وكسر اللام ثم موحدة كما في «التقريب» وهو ممنوعٌ من الصَّرف للعَلمية ووزن الفعل، كما في «شرح التسهيل». قوله: (فِيْ صَحِيْحِ البُخَارِي)، فيهِ: ردٌّ على الحاكم إذ قال في «المدخل»: لم يُخرِّجا؛ -أي: الشيخان- في الصحيحين عن أحد من هذا القبيل من الصحابة، وتَبِعه البيهقي فقال: إنهما لم يخرجاه على عادتهما في أنَّ الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلَّا راو واحد لم يخرجا حديثه في الصحيحين. انتهى. فهذا منقوض بما ذكره الشارح من رواية الحسن البصري عن عمرو بن تغلب مرفوعًا: «وَإِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ»، وبإخراج الشيخين حديثَ سعيد بن المُسَيَّب في وفاةِ أبي طالب مع أنَّه لا راويَ له غير ابنه، وإخراجِ مسلم حديث عبد الله بن الصامت، عن رافع بن عمرو الغفاري ولا راوي له غيره، قال النووي: ونظائرُ ذلك في الصحيحين كثيرة. قوله: (قَالَهُ مُسْلِمٌ وَالحَاكِم) هوَ الصَّحِيْحُ، وما قاله ابنُ عبد البر وابن أبي حاتم أَنَّهُ روى عنه أيضًا الحكم ابن الأعرج (١) رَدَّهُ العراقي، وقال: لم أقفْ لهُ على روايةٍ عنهُ في شيءٍ من طُرِقِ الحديث،

стр. 163

مَنْ له أسماءُ مختلفةٌ ونعوتٌ متعدِّدةٌ، وفائدته: الأمن من جعل الواحد اثنين، وتوثيق الضَّعيف، وتضعيف الثِّقة، والاطِّلاع على صنيع المرسِلين، ومن أمثلته: محمَّد بن السائب الكلبيُّ المفسِّر، هو أبو (١) النَّضر الذي روى عنه ابن إسحاق، وهو حمَّاد بن السَّائب الذي روى عنه أبو أسامة، وهو أبو سعيدٍ ولم يذكر الشارح من التابعين وأتباعهم أحدًا، وقد تفرَّدَ الزُّهري عن نيفٍ وعشرينَ من التَّابعين لم يروِ عنهم غيرهُ، منهم محمد بن أبي سفيان وعمرو بن أبي سفيان، وتفرَّدَ عمرو بن دينار عن جماعةٍ وكذا أبو إسحاق السَّبيعي وهِشَام بن عُروة ومالك وغيرهم، قال الحاكم: والذي تَفَرَّدَ عنهم مالك نحو عشرةٍ من شيوخ المدينةِ منهم المِسْوَرُ بن رِفَاعَةَ القُرَظِي، وتفرَّدَ سُفيان عن بضعةَ عشرَ شيخًا، وشُعبة عن نحو ثلاثين، قاله في «شرح التقريب». قوله: (مَنْ لَهُ أَسْمَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ … ) إلى آخره، هو فنٌّ عويصٌ تمسُّ الحاجةُ إليه صُنفت فيه كتب مخصوصة. قوله: (وَنُعُوْتٌ مُتَعَدِّدَةٌ)؛ أي: صفاتٌ مختلفة من كُنى أو ألقاب أو أنساب؛ إِمَّا من جماعةٍ من الرواة عنه يعرفهُ كلُّ واحد منهم بغيرِ ما عرفهُ الآخر، أو من راوٍ واحدٍ عنه يعرفه مرة بهذا ومرة بهذا فيلتبسُ الأمر على مَن لا معرفةَ عنده، بل على كثيرٍ من أهل المعرفةِ والحفظِ. قوله: (المُرْسِلِيْن) بكسر السين؛ أي: حيثُ يروى عن أبي سعيد الآتي عن النَّبيِّ ﷺ فيتوهم أنَّه أبو سعيد الخدري، وأنَّ الحديثَ متصلٌ وليس كذلكَ فبمعرفته يتضح ذلك. قوله: (مُحْمَد بنُ السَّائِب) هو العلَّامَةُ في الأنساب وأحدُ الضعفاء. قوله: (الذِي رَوَى عَنْهُ ابنُ إِسْحَاقَ)؛ أي: مُكنِّيًا له بما ذكر من أبي النَّضرِ وهي كُنيته، والذي رواه عنه ابن إسحاق حديث تَمِيْم الدَّاري وعدي بن بدَّاء (٢) في قصتهما النازل فيها: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠٦]، رواها عنه، عن بَاذَان، عن ابن عباس. (عنه أبو أسامة)؛ -أي: مُعَنْوِنًا عنه بحَمَّاد بن السَّائب- وسماه حمَّادًا أخذًا من محمد، وقد غلطَ فيه

стр. 164

الذي يروي عنه عطيَّة العوفيُّ موهمًا أنَّه الخدريُّ، وهو أبو هشام الذي روى عنه القاسم بن الوليد. والمفردات من الأسماء: فمن الصَّحابة: النَّسائي والحافظ الكتاني والذي رواه عنه هو حديث «ذَكَاةُ كُلِّ مَسْكٍ دِبَاغُهُ»، والمَسك بفتح الميم الجلد، رواه عنه عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس. قوله: (الَّذِي يَروَي عَنْهُ عَطِيَّة)؛ أي: في التفسير، و (العَوْفِي) بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالفاء، نسبة إلى عوف بن سعد بطن معروف. قوله: (الَّذِي رَوَى عَنْهُ القَاسِمُ بنُ الوَلِيْدِ)؛ أي: الهمْداني، عن أبي صالح، عن ابن عباس حديث: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿قُلْ هُوَ القَادِرُ﴾ [الأنعام: ٦٥] … » الحديث، كَنَّاهُ بابنه هشام، ومن هذا القبيل أيضًا سالم الراوي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخُدْري وعائشة، فهو سالم أبو عبد الله المدني، وهو سالم مولى مالك بن أوس بن الحَدَثَان، وهو سالم مولى شدَّاد بن الهَاد الذي روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو سالم مولى النصريين بالمهملة والنون، وهو سالم أبو عبد الله الدَّوسي الذي روى عنه يحيى بن كثير، وهو سالم مولى دَوْسٍ الذي روى عنه محمد بن عبد الرحمن وكذلك محمد بن قيس الشامي، قال عبد الله بن أحمد بن سَوَادة: قلبوا اسمه على مئة اسم وزيادة. انتهى. أي: فقيل فيه: محمد بن سعيد، وقيل: محمد بن أبي قيس، وقيل: محمد بن حبان، وقيل: محمد الشامي، وقيل: أبو قيس الدمشقي، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عبد الكريم على معنى التعبد لله، وقيل وقيل، قال النووي: واستعمل الخطيب كثيرًا من هذا في شيوخه، وتبعه في ذلك المتأخرون من المحدثين وآخرهم ابن حجر. [الوحدان] قوله: (وَالمُفْرَدَات)؛ أي: ومن الأنواع: المُفْرَدَات؛ أي: من الأسماء والكنى والألقاب في الصحابة والرواة؛ أي: من لم يشاركه غيره فيما ذكر من الأسماء … إلى آخره، أفرده بالتصنيف جماعة. قوله: (فَمِنَ الصَّحَابَةِ … ) إلى آخره، ومنهم: أجمد بن عُجْيَان بالجيم الساكنة فيه وفي أبيه وضم العين المهملة وتحتية كسُفْيان، وَوَهم أبو بكر ابنُ العربي إذ ضبطه (أحمد) بالمهملة.

стр. 165

سَنْدَر؛ بفتح السِّين والدَّال المهملتين بينهما نونٌ ساكنةٌ آخره راء، وكَلَدَة -بالدَّال المُهملَة وفتحاتٍ- ابن الحَنْبل؛ بمهملةٍ مفتوحةٍ بعدها نونٌ ساكنةٌ فموحَّدةٌ فلامٌ، ووابِصة -بموحَّدةٍ مكسورةٍ فمهملةٍ- ابن معبدٍ. ومن غير الصَّحابة: تَدوم -بفوقيّةٍ مفتوحةٍ ودالٍ مُهمَلةٍ مضمومةٍ- ابن صُبْحٍ، أو -بالتَّصغير- الحميريُّ، وسُعَيرٌ -بالمُهملَتين مُصَغَّرًا- ابن الخِمْس؛ بكسر الخاء المُعجَمة وسكون الميم بعدها مهملةٌ. وجُبَيْبُ بن الحارث بضم الجيم وموحدتين، وغلطَ ابن شاهين فجعله بالخاء المعجمة، وغيره فجعله بالراء آخره. وشَكَل -بفتحتين- ابن حُميد من رهط حذيفة، روى حديثه أصحاب السنن. وصُدَيُّ بنُ عجلان بضم الصاد وفتح الدال المهملتين وتشديد الياء. وصُنَابِح بضم الصاد وكسر الموحدة آخره مهملة. وشَمْغُوْن بن يزيد القرطبي وهو بالشين والغين المعجمتين، وقيل: بالمهملتين، وقيل: بمعجمة فمهملة. وهُبَيْب -بموحدةٍ مكرَّرَةً مُصغرًا- ابن مَغْفِل بإسكان المعجمة وكسر الفاء الغفاري. ولُبَي باللام أوله مصغرًا كأُبي وغلط من جعله أبيًا. قوله: (سَنْدَر) هو الخَصي مولى زِنباع الجُذَامي نزلَ مصرَ ويُكَنَّى أبا الأسود وأبا عبد الله باسم أبيه، وظنَّ بعضهم أنهما اثنان فاعترضَ على ذكره في الأفراد وليس كذلك، كما قاله العراقي وهو بمهملتين مفتوحتين بينهما نون ساكنة. قوله: (وَفَتَحَاتٍ) بصيغة الجمع. وقوله: (ابْنُ الحَنْبَل)؛ أي: بلفظ جدِّ الإمام أحمد. قوله: (بِفَوْقِيَّةٍ مَفتُوْحَةٍ) وقيلَ: بتحتية، كما في «التدريب». قوله: (ابنُ صُبْحٍ)؛ أي: بضمِّ الصَّاد مُكبرًا. قوله: (وَسُعَيْرُ) قال ابن الصلاح: انفرد في اسمه واسم أبيه، وقال العراقي: لم ينفردْ في اسمه، ففي الصحابة سُعير بن عداء، وسُعير بن سوادة، قال الحافظ السيوطي: بعد أن ذكر ما ذكر: وسُعير بن خفاف التميمي، كان عاملًا له ﷺ على بطون تميم، وأقره أبو بكر ﵁.

стр. 166

والمفردات من الألقاب: سفينة مولى رسول الله ﷺ . ومن غير الصَّحابة: مَنْدل بن عليٍّ العَنَزِيُّ، ومنهم أيضًا جِيْلَانُ بنُ فَرْوَة بكسر الجيم وسكون التحتية. والدُّجَين -بالجيم مصغرًا- ابن ثابت أبو الغصن. قال ابن الصلاح: قيل: إنَّه جُحى المعروف، ومشى عليه الشيرازي في الألقاب، والأصحُّ أنَّه غيره، فقد روى عنه ابن المبارك ووكيع ومسلم بن إبراهيم وهؤلاء أعلمُ بالله من أن يرووا عن جحى. انتهى. قلت: قال الشعراني في «المنهج المطهر للقلب»: والفؤاد عبد الله جحى تابعي كما رأيته بخط الجلال السيوطي، قال: وكانت أمه خادمة لأنس ﵁، وكان الغالب عليه السذاجة وصفاء السريرة، فلا ينبغي لأحد أن يسخر به إذا سمع ما يضاف إليه من الحكايات المضحكة بل يسأل الله أن ينفعه ببركاته. قال الجلال: وغالبُ ما يُذكر عنه من الحكايات المضحكة لا أصلَ له. انتهى. وقد ذكره غيرُ واحدٍ، ونسبوا له كرامات وعلومًا جَمَّةً، وهو غير منصرفٍ كزُفر كما قاله الأخفش. (قلت): ولا مانعَ من أنهما اثنان كلٌّ منهما يقال له «جحى» ذاك تابعي، وهذا مجوني. ومنهم أيضًا زِرُّ بنُ حُبَيْش التَّابعي الكبير، ولا يرد ما ذكره العراقي من زِر بن عبد الله الغنيمي وزِر بن قيس وزِر بن محمد الثعلبي فإن الأول صحابي والآخران شاعران، والغرضُ ذكر الصحابة والرواية، ونَوْف بن فَضالة -بفتح النون وسكون الواو آخره فاء- البِكَالِي بكسر الموحدة وتخفيف الكاف على الصواب، والفتح والتشديد غلطٌ. وضُريب بن نُقير بن شُهير بالتصغير في الجميع وبالقاف في نُقَير أو الفاء، قيل: نُفَيل بالفاء واللام. قوله: (مِنَ الْأَلْقَابِ)؛ أي: من الصحابة، وسيأتي قوله: (ومن غير الصحابة … ) إلى آخره. قوله: (سَفِيْنَةُ … ) إلى آخره، بفتح السين وكسر الفاء لُقِّبَ بذلكَ؛ لأنَّهُ حملَ متاعًا كثيرًا لرفقته في الغزو، فقال له ﷺ : «أَنْتَ سَفِيْنَةٌ»، واسمه مِهران بكسر الميم. قوله: (مَنْدَلُ) بفتح الميم على الصواب كما نقله العراقي في «نكته» واسمه عمرو بن علي. وقوله: (الْعَنَزِي) بفتح العين المهملة والنون.

стр. 167

واسمه -فيما قِيل عمروٌ-، ومُشكُدانة؛ بضمِّ أوَّله وثالثه وبعد الميم شينٌ مُعجَمةٌ، وهي وعاء المِسْك. ومن الكنى: أبو العُبَيدَيْن (١) -بضمِّ المهملة ثمَّ مُوحَّدةٍ مفتوحةٍ- تثنية عبدٍ، وأبو العُشَراء -بضمِّ العين المُهمَلة وفتح الشِّين المُعجمَة- الدَّارميُّ. ومن الأنساب: اللَّبَقِيُّ -بفتح اللَّام والموحَّدة وكسر القاف- عليُّ بن سلمة. والكنى تسعة أقسامٍ: قوله: (وَثَالِثُهُ)؛ أي: الكاف والذي في «شرح التقريب» أنَّه بفتحها والمُهملة وبعد الألف نون. وقوله: (وَهِيَ وِعَاءُ الْمِسْكِ) الضمير للمُشْكُدَانة وهي كلمة فارسية معناها ما ذكر، وقيل: معناها حبة المسك لُقِّبَ بها عبد الله المذكور؛ لأنَّه كان إذا جاء عند الفضل بن دُكَين (٢) لَبِسَ وتَطَيَّبَ فَلَقَّبَهُ بذلك. قوله: (أَبُوْ الْعُبَيْد) صوابُهُ أبو العُبَيْدَين كما قال فيه: تصغير عبد، إلَّا أنَّه كان الصواب فيه أيضًا تثنية عُبيد مُصغرًا كما في «التقريب» اسمه معاوية بن سَبرة من أصحاب ابن مسعود. قوله: (وَأَبُوْ العُشَرَاء) اسمهُ أسامةُ بن مالك كما ذكره ابن الصلاح وهو الأشهر، وقيل: عطارد بن بكر. ومن الكُنَى أيضًا أبو مَزْرَد واسمهُ عبد الرحمن بن يسار، وأبو مُرَايَة بضم الميم وتخفيف الراء والمثناة التحتية واسمه عبد الله بن عمرو، روى عنه قَتَادة، وأبو مُعَيْد مُصَغَّرًا مُخَفَّفَ الياءِ، واسمه حفصُ بن غَيْلان روى عن مَكْحُوْلٍ وغيره. قوله: (وَالْكُنَى تِسْعَةُ أَقْسَامٍ) هذا أيضًا من الأنواع المهمة، والمراد منه بيانُ أسماء ذوي الكُنى، وسيأتي للشارح أنَّ فائدة ذلك دفعُ وهمِ التَّعَدُّدِ إذا ذُكر الراوي مرةً باسمه وأخرى بكنيته. قوله: (تِسْعَةُ أَقْسَامٍ) قال الجلال السيوطي: ابتكرها ابن الصلاح.

стр. 168

كنيةٌ لصاحب كنيةٍ أخرى غيرها، ولا اسم له غيرها، أبو بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث، أحد الفقهاء السَّبعة، كنيته أبو عبد الرَّحمن، أو تكون الكنية اسمه ولا كنية له؛ كأبي بلالٍ الأشعريِّ عن (١) شريكٍ، أو تكون الكنية لقبًا، وله اسمٌ وكنيةٌ غيرها؛ كأبي ترابٍ لعليِّ بن أبي طالبٍ أبي الحسن، وأبي الزِّناد لعبد الله بن ذكوان أبي عبد الرحمن، أو يكون له كنيةٌ أخرى غيرها أو أكثر، من غير سببٍ لذلك؛ فمن أمثلة ذلك: ذو الكنيتين عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريجٍ، قوله: (كُنْيَةٌ لِصَاحِبِ كُنْيَةٍ … ) إلى آخره، هذا أولُّ الأقسامِ وهو ضَربان هذا وما بعده. قوله: (أَبُوْ بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) قال العراقي: هذا قولٌ ضعيفٌ رواه البخاري في «التاريخ»: عن سُمي مولى أبي بكر، والصحيحُ أن اسمَهُ كُنيتُه، كما جزم به ابن أبي حاتم وابن حِبَّان، ومثله أبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري كنيته أبو محمد، قال الخطيب: لا نظيرَ لهما في ذلك. قوله: (أَوْ تَكُوْنُ الكُنْيَةُ اسْمَهُ) هذا هو الضربُ الثاني من القسم الأول، لا قسمٌ آخر كما يوهمه صنيع الشارح. وقوله: (وَلَاْ كُنْيَةَ لَهُ)؛ أي: غيرَ الكنيةِ التي هي اسمهُ. قوله: (عَنْ شَرِيْكٍ)؛ أي: الرَّاوي عن شريك، ومثلُ أبو بلال أبو (٢) حَصِين بفتح الحاء وكسر الصاد المهملة؛ الراوي عن أبي حاتم الرازي، قال: كل منهما اسمي وكنيتي واحد. قوله: (أَوْ تَكُوْنُ الْكُنْيَةُ لَقَبًا … ) إلى آخره، هذا هو القسم الثاني. قوله: (كَأَبِي تُرَابٍ) لقبَّهُ بذلك رسول الله ﷺ وكان نائمًا عليه، وكنيته الأخرى أبو الحسن. قوله: (وَأَبِي الزِّنَادِ) وكذلك أبو الرِّجَال محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن لُقِّبَ بأبي الرِّجال؛ لأنَّه كان له عشرةُ أولادٍ رجال. وأبو تُمَيْلَة بضم المثناة الفوقية مُصغرًا؛ يحيى بن واضح أبو محمد، وأبو الشَّيخ الحافظ عبد الله ابن محمد أبو محمد وأبو حازم. قوله: (أَوْ يَكُوْنُ لَهُ كُنْيَةٌ أُخْرَى … ) إلى آخره، هذا هو القسم الثالث.

стр. 169

يُكْنَى أبا خالدٍ وأبا الوليد، ومن الثَّلاثة: منصورٌ الفَرَاويُّ يُكْنَى أبا بكرٍ وأبا الفتح وأبا القاسم، وكان يُقال له: ذو الكنى، أو تكون كنيته لا خلاف فيها وفي اسمه اختلافٌ، كأبي بَصْرَة الغفاريِّ، قِيلَ في اسمه: جميلٌ -بفتح الجيم-، وقِيلَ: بالحاء المُهملَة المضمومة وفتح الميم، وهو الأصحُّ، أو يكون مُختَلفًا في كنيته دون اسمه؛ كأُبيِّ بن كعبٍ، قِيلَ في كنيته: أبو المنذر، وقِيلَ: أبو الطُّفيل، أو يكون في كلٍّ من اسمه وكنيته خُلْفٌ؛ كسفينة مولى رسول الله ﷺ ، وهو لقبٌ، وقِيلَ في اسمه: صالحٌ، وقِيلَ: عُميٌر، وقِيلَ: مِهْرانُ، وكنيته قِيلَ: أبو عبد الرَّحمن، قوله: (الفَرَاوِي) بفتح الفاء أشهرُ من ضمها نسبة إلى فَراوة، بلدةٌ من ثغر خُرَاسان، كما ذكره النووي وهو شيخُ ابن الصلاح، ويقال: للفراوي ألف راوي. قوله: (أَوْ تَكُوْنُ كُنْيَتُهُ … ) إلى آخره، هذا هو القسم الرابع. قوله: (كَأَبِي بَصْرَة) بفتح الموحدة بلفظ البلد المعروف، وفي نسخ (أبو حرة) بالحاء المهملة، هو غلطٌ والصوابُ: (بَصرة)، كما في «المقدمة الفتحية» و «شرح التقريب»، ومن هذا القسم أيضًا أبو جُحَيْفَةَ، قيل: اسمه وَهب، وقيل: وهب الله، وكذا أبو هُرَيْرة اخْتُلف في اسمه واسم أبيه على ثلاثين قولًا أصحها أنَّه عبد الرحمن بن صخر، كما روى الحاكم في «المستدرك» عنه، قال: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر، فسُمِّيت في الإسلام عبد الرحمن، وقيل: عُمَير بن عامر، وصَحَّحَهُ الشرف الدِّمياطي، وقيل: عبد الله بن عامر، وقيل وقيل، وإنَّما كُنِّيَ بأبي هريرة؛ لأنَّه كان له هِرَّةٌ يلعبُ بها في صِغره فكَنَُّوه بها، قيل: وكان يُكنى قبل ذلك بأبي الأسود، ومثله أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قال الجمهور: اسمه عامر، وقال ابن معين: الحارث، وأبو بكر بن عيَّاش المقري فيه نحو أحد عشر قولًا، والأصح كما قاله ابن عبد البر أن اسمَه كُنيتُه. قوله: (أَوْ يَكُوْنُ مُخْتَلَفًا فِيْ كُنْيَتِهِ دُوْنَ اسْمِهِ) هذا هو القسم الخامس. قوله: (كَأُبَي بنُ كَعْبٍ)؛ أي: وأسامة بن زيد، قيل: كُنيته أبو زيد، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله. قوله: (أَوْ يَكُوْنِ فِيْ كُلٍّ مِن اسْمِهِ … ) إلى آخره، هذا هو القسم السادس. قوله: (وَقَيْلَ: مِهْرَان) وكذا قيل: رُومان، وقيل: قيس، وقيل: طَهمان، وقيل: ذَكوان، وقيل:

стр. 170

وقِيلَ: أبو البَخْتري، أو اتُّفِق عليهما معًا؛ كأبي عبد الله مالك بن أنسٍ، أو يكون بكنيته أشهر منه باسمه؛ كأبي إدريس الخولانيِّ، اسمه: عائذ الله. وفائدة هذا النَّوع: البيان، فربَّما ذُكِرَ الراوي مرَّةً بكنيته، ومرَّةً باسمه، فيتوهَّم التعدُّد مع كونهما واحدًا. كَيْسَان، وقيل: سُلَيْمَان، وقيل: أيمن، وقيل: أحمد، وقيل غير ذلك إلى اثنين وعشرين قولًا حكاها شيخ الإسلام في الإصابة. قوله: (أَبُو البَخْتَرِي) بفتح الموحدة وسكون المعجمة وفتح الفوقية وكسر الراء. قوله: (أَو اتُّفِقَ عَلَيْهِمَا مَعًا) هو القسم السابع؛ أي: اتُّفِقَ على اسمه وكنيته ولم يُخْتَلَفْ في واحد منهما. قوله: (مَالِك بن أَنَس)؛ أي: وبقية أصحاب المذاهب الثلاثة: محمد بن إدريس وأحمد ابن حنبل وسفيان الثوري، فكلٌّ منهم لم يُخْتَلَفْ في اسمه ولا في أنَّ كنيته أبو عبد الله، وكذلك أبو حنيفة النعمان بن ثابت والخلفاء الأربعة أبو بكر وأبو حفص عمر وأبو عمرو عثمان وأبو الحسن علي وخلائق لا يحصون. قوله: (أَوْ يَكُوْنُ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَرَ مِنْهُ بِاسْمِهِ) هذا هو القسم الثامن، ومقتضى قوله: (أشهر منه باسمهِ) أنَّه معروفٌ باسمه أيضًا لكن شهرته بكنيته أكثر وهو كذلك. قوله: (الخَوْلَاني) بفتح المعجمة نسبة إلى خولان بسكون الواو قبيلةٌ معروفة. قوله: (عَائِذُ الله) بالمعجمة آخره، ومثله أبو إسحاق السبيعي عمرو، وأبو الضُّحى مسلم، وقد أسقطَ الشارح القسم التاسع: هو مَن عُرِفَ بكنيته ولم يعرفْ له اسم بأنْ كانَ له في الواقعِ اسمٌ غيرُ كُنْيَتِهِ لكنَّا لم نقف عليه، أو لا اسم له أصلًا كأبي أُناس وأبي مُوَيْهِبَة مولى رسول الله ﷺ ، وأبي شَيبة الخُدري، وأبي الأبيض التابعي الراوي عن أنس، وهذا غير ما ذكره الشارح موهمًا أنَّه قسم ثان إذ ذاك لا كنية له بل المذكور اسمهُ فهو داخلٌ في القسم الأول، أعني مَن سُمِّيَ بكُنيته ولا اسم له غيرها قطعًا وهذا له كُنية هي المذكورة، ثم قد يكون له اسم غيرها وقد لا، كما عدَّها كذلك في «التدريب». قوله: (فَيُتَوَهَّمُ التَّعَدُّدُ)؛ أي: يتوهمُ مَنْ لا معرفةَ له أنَّهما رجلان سِيَّمَا إن ذكرهما معًا، كالحديث الذي رواه الحاكم من رواية أبي يوسف، عن أبي حَنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد، عن أبي الوليد، عن جابر مرفوعًا «مَنْ صَلَّى خَلْفَ الإِمَامِ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ لَهُ قِرَاءَةٌ»، قال الحاكم:

стр. 171

والألقاب نوعٌ مُهِمٌّ، قد تأتي في سياق الأسانيد مجرَّدةً عن الأسماء، فيُظَنُّ أنَّها أسماءُ، فيجعل ما ذُكِرَ باسمه في موضعٍ، وبلقبه في موضعٍ آخر شخصين، والذي في «البخاريِّ» منه: الأحول: عامر بن سليمان، الأزرق: إسحاق بن يوسف، الأعرج: عبد الرَّحمن بن هرمز، الأعمش: سليمان بن مِهْران، الأغرُّ: عبد الله بن شداد هو أبو الوليد بَيَّنَهُ ابن المديني، قال الحاكم: ومَن تَهَاون بمعرفة الأسامي أورثه مثل هذا الوهم. قال العراقي: وربما وقع عكس ذلك كحديث أبي أسامة عن حماد بن السائب السابق وهو: «ذَكَاةُ كُلِّ مَسْكٍ دِبَاغُهُ»، أخرجه النَّسَائي، وقال: عن أبي أسامة حَمَّاد بن السائب، وإنَّما هو عن حماد فأسقط (عن). قوله: (وَالأَلْقَاب)؛ أي: ألقاب المحدثين ومَن يُذكر معهم. قوله: (وَبِلَقَبِه فِيْ مَوْضِعٍ آخَرَ شَخْصَيْن)؛ أي: كما وَقَعَ لجماعةٍ من أكابرِ الحُفَّاظِ منهم ابن المديني فَرَّقُوا بين عبد الله بن صالح أخي سهل، وبين عباد بن أبي صالح فجعلوهما اثنين، وإنَّما عباد لقبٌ لعبد الله لا أخٌ له باتفاق الأئمة، كما قاله النووي. واعلم أنَّه اخُتلف فيما كَرِهَهُ المُلَقَّبُ من الألقاب هل يجوز تلقيبه وتعريفه به؟ فجزمَ النووي في «التدريب» (١) تَبَعًا لابن الصلاح وتبعهما العراقي بأنَّه لا يجوز، وجزمَ في سائر كُتبه كالرَّوْضَة و «شرح مسلم» و «الأذكار» بجوازهِ للضرورة، وحمل ما في «التدريب» على أصل التلقيب فيجوزُ بما لا يكره دون ما يكره. فائدة: أولُّ مَن لُقِّب في الإسلام أبو بكر ﵁، لُقب بعتيق لعتاقة وجهه؛ أي: حُسنه، أو لأنَّه عتيق الله من النار. والألقاب منها ما لا يُعرف له سببٌ ومنها ما يُعرف، وقد أُلفَ فيها تآليف عديدة أحسنها وأخصرها وأجمعها للحافظ ابن حجر. قوله: (الأَغَر) بالغين المعجمة، آخره راء.

стр. 172

أبو عبد الله سلمان، الباقر: محمَّد بن عليِّ بن حسينٍ أبو جعفر، البحر (١): عبد الله بن عبَّاسٍ، البَطِين: مسلم بن عمران، بُنْدَار: محمَّد بن بشَّارٍ، البَهيُّ: عبد الله بن يسارٍ، الحذَّاء: خالد بن مهران، خَتَن المقري: بكر بن خلفٍ، دُحيمٌ: عبد الرَّحمن بن إبراهيم، ذو البطين: أسامة بن زيدٍ، ذو اليدين: قوله: (البَطِيْن) بالمثناة التحتية المفتوحة بوزن كريم، لُقِّبَ بذلك؛ لأنَّه كان وهو صغير يلعبُ مع الصِّبيان في الماء فيطينون ظهره (٢). قوله: (بُنْدَار) بفتح الموحدة (٣) وهو شيخُ الشيخين، قال ابن الصَّلاح: لُقِّبَ بذلك؛ لأنَّه كان بُندار الحديث؛ أي: حافظه، وقد لُقب بهذا اللقب أيضًا جماعة منهم أبو بكر محمد بن إسماعيل شيخ الآجري، وأبو الحسين حامد بن حماد روى عن إسحاق بن بشار، والحسين بن يوسف بُندار روى عن الترمذي. قوله: (البَهِيُّ) بفتح الموحدة وكسر الهاء، لُقب بذلك لبهائه كما في «جامع الأصول» وليس نسبًا كما صَرَّحَ به ابن الأثير. قوله: (الحَذَّاء) بفتح الحاء المهملة وتشديد المعجمة ممدودًا، لم يكن حَذَّاءً وإنَّما كان يجلسُ فيهم فقيل له ذلك، وقيل: كان يقول: احذُ على هذا النحو، فَلُقِّبَ بذلك. قوله: (خَتَن) بمعجمة فمثناة فوقية مفتوحتين آخره نون. قوله: (دُحَيم) بالدال والحاء المهملتين. قوله: (ذُوْ البَطِيْن) بالموحدة، بوزن كريم.

стр. 173

الخِرْباق، الرِّشْك: يزيد الضُّبعيُّ، سعدان اللَّخميُّ: سعيد بن يحيى بن صالحٍ، سَلْمُويةَ: سليمان بن صالح المروزيُّ، سُنَيد -مُصغَّرًا- اسمه: الحسين، شاذان: الأسود بن عامرٍ، عارمٌ: محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ، عَبْدان: عبد الله بن عثمان، عبدة بن سليمان: اسمه عبد الرَّحمن، عُبيد بن إسماعيل هو عبيد الله، عُويمر: أبو الدَّرداء، اسمه عامرٌ، غُنْدَر: محمَّد بن جعفرٍ. فُليح بن سليمان، قِيلَ: اسمه عبد الملك. قتيبة بن سعيدٍ، قِيلَ: اسمه يحيى. كاتب قوله: (الخِرْبَاق) بالخاء المعجمة المكسورة فالراء الساكنة بعدها موحدة آخره قاف. قوله: (الرِّشْك) بكسر الراء وسكون المعجمة. قوله: (سَعْدَان) بمهملات وسطها ساكن. قوله: (سَلْمُوْيَةَ) بمهملة مفتوحة آخره تاء تأنيث. قوله: (سُنَيْد) بمهملة فنون. قوله: (شَاذَان) بمعجمتين. قوله: (عَارِم) بمهملتين من العرامة وهي الفساد، كان عبدًا صالحًا لُقِّبَ بذلكَ من باب الأضداد، قال البُخَاري: تغيَّرَ في آخرِ عُمره. قوله: (عَبْدَان: عَبْدُ الله بنُ عُثْمَان)؛ أي: المَرْوَزِي صاحب ابن المبارك لُقِّبَ به فيما نقله ابن الصلاح؛ لأنَّ اسمه عبد الله، وكنيته أبو عبد الرحمن فاجتمع فيه العبدان، قال: وهذا لا يصحُّ، بل هذا من تغيير العامة للأسماء، كما قالوا في أحمد بن يوسف حمدان، وفي وَهب الواسطي وَهْبَان. انتهى. ولُقِّب بعبدان غير هذا جماعةُ منهم: عبد الله بن أحمد بن موسى العسكري، وعبد الله بن محمد ابن يزيد العسكري، وعبد الله بن يوسف السُّلَمِي، وعبد الله بن عبدان بن محمد بن عبدان أبو الفضل الهمداني وغيرهم. قوله: (غُنْدَر) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة. وقوله: (مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَر) لُقِّبَ بهذا اللقب جماعةٌ كلٌّ منهم محمد بن جعفر، أولهم: أبو بكر البصري صاحب شُعبة، قال الجلال: قَدِمَ ابن جُريج البصرة فحدَّثَ بحديثٍ عن الحسن البَصري

стр. 174

المغيرة: اسمه ورَّادٌ، الماجشون: أبو سلمة، مُسدَّدٌ: اسمه عبد الملك، النَّبيل: أبو عاصمٍ الضَّحَّاك بن مخلدٍ، أبو الزِّناد لقبٌ، وكنيته أبو عبد الرَّحمن، ذات النِّطاقين: أسماء بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵄. فأنكروهُ عليه، وأكثر محمد بن جعفر من الشغب عليه، فقال له: اسكت يا غُندر، قال ابن الصلاح: وأهل الحجاز يُسمون المُشغِّب غُندرًا، والثاني أبو الحسين الرازي يروي عن أبي حاتم الرازي، والثالث أبو بكر البغدادي الحافظ حَدَّثَ عنه أبو نُعيم والحاكم، والرابع أبو الطيب البغدادي روى عن أبي خليفة الجُمحي وعنه الدَّارقطني، ولُقِّبَ به أيضًا غيرُهم كأحمد بن آدم الجُرجاني روى عن ابن المَديني ومحمد بن يوسف الهروي، روى عنه الطبراني. قوله: (وَرَّاد) بفتح الواو وتشديد الراء آخره مهملة. قوله: (المَاجِشُوْن) بجيم مكسورةٍ فشينٍ معجمة مضمومة معناه بالفارسية: الأبيض الأحمر. قوله: (ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ) تثنيةُ نطاق، وهو ما تشدُّه المرأة في معقدِ إزارها، لُقبت بذلك؛ لأنَّه كان لها نطاقان. وقد تركَ الشارح من الألقاب كثيرًا ممَّا يُحتاج إليه منه: (الضَّال) واسمه معاوية بن عبد الكريم؛ ضَلَّ في طريقِ مكة فلُقب به، وكان رجلًا عظيمًا. و (الضعيف) عبد الله بن محمد، كان ضعيفًا في جسمه لا في حديثه، وقيل: لُقِّبَ به من باب الأضداد لشدَّةِ ضبطه وإتقانه، وعلى الأول قال ابن سعيد: رجلان جليلان لزمهما لقبان قبيحان؛ الضال والضعيف. انتهى. قال ابن الصلاح: وثالثٌ وهو عارمٌ المتقدم؛ كان بعيدًا من العرامة. انتهى. ونظير ذلك (القوي): أبو الحسن يونس بن يزيد، يروي عن التابعين وهو ضعيف. و (الصدوق) من صغار التابعين، واسمه يونس بن محمد، كذاب، ويونس (الكذوب) كان في عصر أحمد ابن حنبل ثقةٌ، قيل له: الكذوب لحفظه وإتقانه، قاله في «التدريب». ومن ذلك أيضًا (غُنْجارُ) اثنان بُخاريان عِيسى بن موسى عن مالك والثوري لُقِّبَ بذلكَ لحمرةِ وجنتيه، والثاني أبو عبد الله محمد بن أحمد الحافظ صاحب «تاريخ بخارى».

стр. 175

والأنساب معرفتها مهمَّةٌ، فكثيرًا ما يكون نسبةً لقبيلةٍ أو بطن ٍأو جَدٍّ أو بلدٍ أو صناعةٍ أو مذهبٍ، أو غير ذلك ممَّا أكثرُه مجهولٌ عند العامَّة، معلومٌ عند الخاصَّة، فربَّما يقع في كثيرٍ منه التَّصحيف، ويكثر الغلط والتَّحريف، والذي في «البخاريِّ» منها: الأشجعيُّ: عبيد الله بن عبد الرَّحمن، الأُوَيْسِيُّ: عبد العزيز بن عبد الله، الأنصاريُّ شيخ البخاريِّ: محمَّد بن عبد الله بن المُثنَّى، البدريُّ: أبو مسعودٍ عقبة بن عمرٍو، البرَّاء: أبو العالية؛ نُسِبَ إلى بري و (صاعقةُ) محمد بن عبد الرحيم الحافظ؛ لُقِّبَ بهِ لشِدَّةِ حفظهِ، روى عنه البخاري. و (شَبَاب) بفتح المعجمة والموحدة المخففة لَقَبُ خليفة العصفري. و (زُنَيْج) (١) بالزاي المضمومة والنون المفتوحة والمثناة الساكنة آخره جيم؛ شيخُ مسلمٍ، واسمه محمد بن عمرو. و (قيصر) هاشم بن القاسم شيخ أحمد ابن حنبل وغيره. و (جَزَرَة) بفتح الجيم والزاي والراء، صالح بن محمد البغدادي الحافظ. و (عبيدٌ العجلُ) بالتنوين ورفع العجل لا بالإضافة: الحسين بن محمد البغدادي الحافظ. و (كِيْلَجَة) بالجيم، أبو طالب أحمد بن نصر البغدادي شيخ الدارقطني. و (ما غَمَّهُ) بلفظ النفي لفعل الغمِّ، وهو علان، وهو علي بن الحسين بن عبد الصمد الحافظ البغدادي، ويجمع فيه بين هذين اللقبين فيقال: حدَّثنا عَلَّان مَا غَمَّهُ، وغير ذلك. قوله: (وَيَكْثُرُ الغَلَطُ)؛ أي: لأنَّهُ قَدْ يُنْسَب الراوي إلى نسبةٍ من مكانٍ أو وقعة به أو قبيلة أو ضيعة، وليس الظاهرُ الذي يسبق إلى الفهم من تلك النسبة مُرادًا، بل العارض عرض من نزوله ذلك المكان أو تلك القبيلة ونحو ذلك. قوله: (البَدْرِي)، قيل: لم يشهدْ بَدْرًا، وهو قول الأكثرين منهم الزُّهري، وقال البخاري: شهدها وجزم به ابن الكلبي ومُسلم وآخرون، وسيأتي؛ يذكر ذلك الشارح أواخر النوع.

стр. 176

السِّهام، التَّيميُّ: سليمان، الثَّقفيُّ: عبد الوهَّاب بن عبد المجيد، الزُّبيديُّ: محمَّد بن الوليد، الزُّبيريُّ: أبو أحمد محمَّد بن عبد الله الأسديُّ، الزُّهريُّ: محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهابٍ، السَّبيعيُّ: عمرو بن عبد الله أبو إسحاق، السَّعيديُّ: عمرو بن يحيى بن سعيدٍ، الشَّعبيُّ: عامر بن شَرَاحيل، الشَّيبانيُّ: أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان، الصُّنابحيُّ: عبد الرَّحمن بن عُسيلة، العدنيُّ: عبد الله بن الوليد، العقديُّ: عبد الملك بن عمرو أبو عامرٍ، العمريُّ: عبيد الله بن عمر بن حفصٍ (١)، الفَرْويُّ: إسحاق بن محمَّدٍ، الفريابيُّ: محمَّد بن يوسف، الفزاريُّ: أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّدٍ الدِّمشقيُّ، قوله: (التَّيْمِي سُلَيْمَان) هو أبو المعتمر، وليس من تيم بل نزل فيهم. قوله: (الزُّبَيْرِي) هذا بالراء نسبة لجده الزبير بن عمر الكوفي، وما قبله بالدال المهملة مفتوح الزاي. قوله: (السَّبِيْعِي) بفتح المهملة وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية بعدها مهملة، وهو ممَّن اختلط في أواخر عمره، قال الخَلِيلي: وسماع سفيان بن عُيينة منه بعدَ اختلاطِهِ، ولذلك لم يخرجْ له الشيخان من روايته عنه شيئًا، وقال الذَّهبي: سمعَ منه وقد تغيرَ قليلًا. قوله: (الشَّعْبِي) بفتح المعجمة، و (شَرَاحِيْل) بفتح المعجمة والراء وبعد الألف مهملة مكسورة قبل تحتية ساكنة. قوله: (الصُّنَابَحِي) بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة. قوله: (العَقَدِي) بفتح العين المهملة والقاف، نسبة إلى العقد قومٌ من قيس، وهم بطنٌ من الأزد أو قبيلةٌ من اليمن. قوله: (الفَرْوِي) بفتح الفاء وسكون الراء، نسبة إلى فروة. قوله: (الفِرْيَابِي) بكسر الفاء وسكون الراء وبالموحدة، نسبةٌ إلى فرياب؛ بلدٌ بنواحي بَلَخ.

стр. 177

القُمِّيُّ: هو يعقوب بن عبد الله، له موضعٌ واحدٌ في «الطِّبِّ» [خ¦٥٩٨]، المُجْمِر: -بضمِّ الميم- نُعيم بن عبد الله، المحاربيُّ: عبد الله بن محمَّدٍ، المسعوديُّ اسمه: عبد الرَّحمن بن عبد الله، المعمريُّ: أبو سفيان محمَّد بن حميدٍ، المقبريُّ: أبو سعيدٍ كيسان وابنه سعيدٌ، المقدَّميُّ: محمَّد بن أبي بكرٍ، المقرئ: أبو عبد الرَّحمن (١) عبد الله بن يزيد، المُلائيُّ: أبو نُعيمٍ الفضل بن دُكَينٍ. ومن الرُّواة من نُسِبَ إلى غير أبيه؛ كيَعْلى ابن مُنْية، نُسِبَ إلى جدَّته، واسم أبيه: أميَّة، ومعاذ ومُعَوِّذٌ قوله: (القُمِّي) بضم القاف وكسر الميم المشددة، نسبة إلى قُمٍّ؛ بلدٍ بينَ ساوى وأَصْبَهَان. قوله: (انْجَمَرَ) هكذا في النسخ المطبوعة بألفٍ ونون فجيم فميم، آخره راء، وما رأيت هذا الاسم ولا سمعته فهو تصحيفٌ، وفي بعضِ نسخِ الخط: (المُجَمِّر) بميمين بينهما جيم، وهو بصيغة اسم الفاعل من الصحابة كان يُجْمر المسجد؛ أي: يبخره، واسمه نُعيم، كما ذكره الشارح فلعله هو، لكن لا يخفى أنَّ هذا لقبٌ له لا نسبةٌ والكلام في عِداد المنسوبين، ومُجَمِّر ليسَ من صيغِ النَّسب ويمكن أنَّه أراد مطلقَ الانتساب لشيءٍ، وهذا منسوب للتجمير نسبةً ما، فليُحرر. قوله: (المَعْمَرِي) بميمين مفتوحتين، بينهما عين مهملة. قوله: (المُقَدَّمِي) بضم الميم وتشديد الدال نسبة إلى مُقَدَّمٍ جدِّه. قوله: (المُلَائِي) بضمِّ الميم نسبة إلى بيعِ المُلاءة التي يلتحفُ بها النساء. قوله: (وَمِنْ الرُّوَاةِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى غَيْرِ أَبِيْهِ) هو نوعٌ مستقلٌّ مهمٌّ، فائدته دفع توهم التَّعدد عند نسبة أولئك إلى غير آبائهم، وغير أبيه أعمُّ من أن يكون جدُّهُ أو جدته أو أجنبي. قوله: (ابْنُ مُنْيَة) بضم الميم وسكون النون وتخفيف التحتية كرُكْبَة، صحابي مشهور. وقوله: (هِيَ جَدَّتُهُ)؛ أي: أمُّ أبيه، على ما قاله ابن الزُّبير، أو أمُّ أمه، على ما عُزيَ للبُخاري والجمهور. وقوله: (وَاسْمُ أَبِيْهِ: أُمَيَّةَ)؛ أي: ابنُ أبي عبيد.

стр. 178

وعَوْذٌ (١) بنو عفراء، هي أمُّهم، وأبوهم: الحارث بن رفاعة، وعبد الله ابن بُحينة، هي أمُّه، وأبوه مالكٌ، وعبد الله بن أُبيٍّ ابن سلول، هي أمُّ أُبيٍّ، ومنهم من نُسِبَ إلى زوج أمِّه، قوله: (وَعَوْذَة) صوابهُ (عوذ) بإسقاط الهاء كما في «التقريب» ويقالُ له: عوف، بالفاء. وقوله: (أُمُّهُم عَفْرَاء) هي بنتُ عبيد بن ثعلبة من بني النَّجار، وكذا أبوهم المذكور، وشهد بنو عفراء بدرًا فقُتل بها مُعوذ وعَوف وبقي مُعاذ إلى زمن عُثمان (٢) فتوفي بصِفِّين، وقيل: جُرح ببدر أيضًا فرجعَ إلى المدينة فمات بها. قوله: (ابنُ بُحَيْنَة) بضم الموحدة وفتح المهملة وسكون التحتية بعدها نون. وقوله: (وَأَبُوْهُ مَالِك)؛ أي: ابن القَشيب الأزْدي الأسدي. وبنو عفراء ويَعلى وابن بُحينة المذكورون صحابة، ومثلهم من هذا القبيل: بلال ابن حمامة الحبشي المؤذن أبوه رباح، وبنو بيضاء: سهل وسهيل وصفوان أبوهم وهب بن ربيعة القرشي، قال سفيان: أكبر أصحاب النَّبيِّ ﷺ في السن أبو بكر وسُهيل بن بيضاء، ومات هو وأخوه سهل في حياته ﷺ وصلى عليهما في المسجد، وكذا شُرحبيل ابن حسنة أبوه عبد الله بن المُطاع، ومن التابعين محمد ابن الحنفية أبوه علي بن أبي طالب وأمه خولة من بني حنيفة، وإسماعيل ابن عُلية أبوه إبراهيم، وعُليةُ أمه أو جدته أم أبيه. وممَّنْ نُسِبَ إلى جده: أبو عُبيدة ابن الجراح عامر بن عبد الله بن الجراح، ومُجَمَّعُ ابن جارية بالجيم والتحتية وهو ابن زيد بن جارية، وابن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وابن أبي مُلَيْكَة عبد الله بن عبيد الله بن أبي مَلَيْكَة، وأحمد ابن حنبل هو ابن محمد بن حنبل.

стр. 179

كالمقداد ابن الأسود. وقد ينسب الرَّاوي إلى نسبةٍ يكون الصَّواب خلاف ظاهرها؛ كأبي مسعودٍ عقبة بن عمرٍو البدريِّ؛ إذ إنَّه لم يُنسَب لشهوده بدرًا في قول الجمهور، وإن عدَّه البخاريُّ فيمن شهدها، قوله: (ابن الأَسْوَد)؛ أي: ابن عبد يَغُوْث، فَتَبَنَّاهُ فنُسب إليه، ومثله الحسن بن دينار هو زوج أمه، وأبوه واصل. قوله: (إِلَى نِسْبَةٍ يَكُوْنُ الصَّوَابُ خِلَاْفَ ظَاهِرِهَا)؛ أي: كأن يُنسب إلى مكان أو قبيلة أو وقعة مشهورة وليس الظاهر الذي يَسبق إلى الفهم من تلك النسبة مُرادًا بل لعارض عرض من نزوله ذلك المكان أو تلك القبيلة ونحو ذلك كما تقدم. فائدة: قال عبد الله بن المبارك وغيره: من أقام في بلدٍ أربع سنين نُسب إليها. انتهى. وفي «التدريب» و «شرحه»: ومَن كان من أهل قريةِ بلدةٍ فيجوزُ أن يُنسب إلى القريةِ فقط وإلى البلدة فقط وإلى الناحية التي فيها تلك البلدة وإلى الإقليم فقط؛ فيقول فيمن هو من الغوطة -وهي كورة من كور دمشق الشام-: الغوطي أو الدمشقي أو الشامي، وله الجمع فيبدأ بالأعم، وهو الإقليم، ثم الناحية، ثم البلد، وكذا في النسب إلى القبائل، يبدأ بالعام قبل الخاص، ليحصل بالثاني فائدة لم تكن في الأول، فيُقال: القرشي ثم الهاشمي، ولا يقال الهاشمي القرشي؛ لأنَّه لا فائدة للثاني حينئذ إذ يلزم من كونه هاشميًا كونه قرشيًا بخلاف العكس، ولا يقال: يُقتصر حينئذ على الأخص؛ لأنَّه قد يخفى على بعض الناس كون الهاشمي قرشيًا، ويظهر هذا الخفاء في البطون الخفية كالأشهل من الأنصار، إذ لو اقتصر على الأشهلي لم يعرف كثير من الناس أنَّه من الأنصار أم لا، وقد يقتصرون على الخاص وقد يقتصرون على العام وهو قليلٌ، وإذا جُمع بين النسب إلى القبيلة والبلد قُدم النسب إلى القبيلة. انتهى ملخصًا. قوله: (وَإِنْ عَدَّهُ البُخَارِيُّ فِيْمَنْ شَهِدَهَا) تقدَّمَ أنَّه الذي جزمَ به مسلم وابن الكلبي وآخرون.

стр. 180

بل كان ساكنًا بها، وكسليمان بن طَرْخان التَّيميِّ، ليس من تيمٍ، بل نزل بها. وأمَّا المُبهَمات في الحديث: وتكون في الإسناد والمتن من الرِّجال والنِّساء، ويُتوصَّل قوله: (بَلْ نَزَلَ بِهَا)؛ أي: بِتَيْمٍ القبيلةُ المعروفةُ، ومن هذا القبيل (أبو خالد الدَّالاني) نزل في بني دالان بطنٌ من هَمْدَان وهو أَسدي، ومحمد بن سنان العَوَقي بفتح الواو وبالقاف باهلي نزل في العَوَقة بطنٌ من عبدِ قيسٍ فنُسب إليهم، وأحمد بن يوسف السُّلَمي الذي روى عنه مسلم أزدي وكانت أمه سُلمية فنُسب إليهم، وخالد الحَذَّاء لم يكن حذَّاءً كما سلفَ بل كان يجلسُ في الحذَّائين. قوله: (المبهمات)؛ أي: معرفة من أُبهم ذكره في المتن أو الإسناد من الرجال والنساء. قال ولي الدين العراقي: ومن فوائد تبيين الأسماء المبهمة تحقيق الشيء على ما هو عليه؛ فإن النَّفس متشوقة إليه، وأن يكون في الحديث منقبةٌ له فتستفاد بمعرفته فضيلته، وأن يشتمل على فعلٍ غير مناسب فيحصل بتعيينه السلامة من جَوَلَانِ الظَّنِّ في غيره من أفاضل الصحابة خصوصًا إذا كان ذلك من المنافقين، وأن يكونَ سائلًا عن حُكم عارضه حديث آخر فيُستفاد بمعرفته هل هو ناسخٌ أو منسوخٌ إنْ عُرف زمن إسلامه. وإن كان المُبْهَمُ في الإسناد فَمَعْرِفَتُهُ تفيدُ ثقتهُ أو ضعفه ليُحكم للحديثِ بالصحة أو غيرها. انتهى. وهو على أربعةِ أقسامٍ أبهمها رجلٌ أو امرأةٌ أو رجلان أو امرأتان أو رجالٌ أو نساءٌ. من ذلك في المتن: حديث ابن عباس: «أن رجلًا قال: يا رسول الله أَنَحُجُّ كُلَّ عَامٍ؟» هُوَ الأَقْرَعُ بنُ حَابِس كما سُمِّيَ في «مسند أحمد». وحديثُ السائلة عن غُسل الحيض فقال ﷺ : «خُذِي فِرْصَةً من مسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا» الحديث، رواه الشَّيْخان عن عائشة: «أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النبي ﷺ عن غُسْلِهَا من الْحَيْضِ» فذكره، هي أسماء بنت يزيد بن السَّكن، وفي رواية لمسلم أسماء بنت شَكَل -بفتحتين-، قال النووي: يُحتمل التعدد. وكذلك حديث أبي هريرة: «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ من هُذَيْلٍ اقْتَتَلَتَا … » الحديث، اسمُ الضَّاربة أم عَفيف، وذاتُ الجنين مُليكة بنت عُويمر. وفي السَّند: ما رواه أبو داود من طريق حَجَّاج بن فَرَافِصَة، عن رجلٍ، عن أبي هُريرة: «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيْمٌ» هو يحيى بن [أبي] كثير، فقدْ رواهُ أبو داود أيضًا والترمذي من حديث بِشْرِ بن رافع، عنه، عن أبي سلمة.
следующие страницы →