← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30013

نيل الأماني في توضيح مقدمة القسطلاني - ط عطاءات العلم

عبد الهادي نجا الأبياري

Полный текст (348 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

السِّهام، التَّيميُّ: سليمان، الثَّقفيُّ: عبد الوهَّاب بن عبد المجيد، الزُّبيديُّ: محمَّد بن الوليد، الزُّبيريُّ: أبو أحمد محمَّد بن عبد الله الأسديُّ، الزُّهريُّ: محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهابٍ، السَّبيعيُّ: عمرو بن عبد الله أبو إسحاق، السَّعيديُّ: عمرو بن يحيى بن سعيدٍ، الشَّعبيُّ: عامر بن شَرَاحيل، الشَّيبانيُّ: أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان، الصُّنابحيُّ: عبد الرَّحمن بن عُسيلة، العدنيُّ: عبد الله بن الوليد، العقديُّ: عبد الملك بن عمرو أبو عامرٍ، العمريُّ: عبيد الله بن عمر بن حفصٍ (١)، الفَرْويُّ: إسحاق بن محمَّدٍ، الفريابيُّ: محمَّد بن يوسف، الفزاريُّ: أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّدٍ الدِّمشقيُّ، قوله: (التَّيْمِي سُلَيْمَان) هو أبو المعتمر، وليس من تيم بل نزل فيهم. قوله: (الزُّبَيْرِي) هذا بالراء نسبة لجده الزبير بن عمر الكوفي، وما قبله بالدال المهملة مفتوح الزاي. قوله: (السَّبِيْعِي) بفتح المهملة وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية بعدها مهملة، وهو ممَّن اختلط في أواخر عمره، قال الخَلِيلي: وسماع سفيان بن عُيينة منه بعدَ اختلاطِهِ، ولذلك لم يخرجْ له الشيخان من روايته عنه شيئًا، وقال الذَّهبي: سمعَ منه وقد تغيرَ قليلًا. قوله: (الشَّعْبِي) بفتح المعجمة، و (شَرَاحِيْل) بفتح المعجمة والراء وبعد الألف مهملة مكسورة قبل تحتية ساكنة. قوله: (الصُّنَابَحِي) بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة. قوله: (العَقَدِي) بفتح العين المهملة والقاف، نسبة إلى العقد قومٌ من قيس، وهم بطنٌ من الأزد أو قبيلةٌ من اليمن. قوله: (الفَرْوِي) بفتح الفاء وسكون الراء، نسبة إلى فروة. قوله: (الفِرْيَابِي) بكسر الفاء وسكون الراء وبالموحدة، نسبةٌ إلى فرياب؛ بلدٌ بنواحي بَلَخ.

стр. 177

القُمِّيُّ: هو يعقوب بن عبد الله، له موضعٌ واحدٌ في «الطِّبِّ» [خ¦٥٩٨]، المُجْمِر: -بضمِّ الميم- نُعيم بن عبد الله، المحاربيُّ: عبد الله بن محمَّدٍ، المسعوديُّ اسمه: عبد الرَّحمن بن عبد الله، المعمريُّ: أبو سفيان محمَّد بن حميدٍ، المقبريُّ: أبو سعيدٍ كيسان وابنه سعيدٌ، المقدَّميُّ: محمَّد بن أبي بكرٍ، المقرئ: أبو عبد الرَّحمن (١) عبد الله بن يزيد، المُلائيُّ: أبو نُعيمٍ الفضل بن دُكَينٍ. ومن الرُّواة من نُسِبَ إلى غير أبيه؛ كيَعْلى ابن مُنْية، نُسِبَ إلى جدَّته، واسم أبيه: أميَّة، ومعاذ ومُعَوِّذٌ قوله: (القُمِّي) بضم القاف وكسر الميم المشددة، نسبة إلى قُمٍّ؛ بلدٍ بينَ ساوى وأَصْبَهَان. قوله: (انْجَمَرَ) هكذا في النسخ المطبوعة بألفٍ ونون فجيم فميم، آخره راء، وما رأيت هذا الاسم ولا سمعته فهو تصحيفٌ، وفي بعضِ نسخِ الخط: (المُجَمِّر) بميمين بينهما جيم، وهو بصيغة اسم الفاعل من الصحابة كان يُجْمر المسجد؛ أي: يبخره، واسمه نُعيم، كما ذكره الشارح فلعله هو، لكن لا يخفى أنَّ هذا لقبٌ له لا نسبةٌ والكلام في عِداد المنسوبين، ومُجَمِّر ليسَ من صيغِ النَّسب ويمكن أنَّه أراد مطلقَ الانتساب لشيءٍ، وهذا منسوب للتجمير نسبةً ما، فليُحرر. قوله: (المَعْمَرِي) بميمين مفتوحتين، بينهما عين مهملة. قوله: (المُقَدَّمِي) بضم الميم وتشديد الدال نسبة إلى مُقَدَّمٍ جدِّه. قوله: (المُلَائِي) بضمِّ الميم نسبة إلى بيعِ المُلاءة التي يلتحفُ بها النساء. قوله: (وَمِنْ الرُّوَاةِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى غَيْرِ أَبِيْهِ) هو نوعٌ مستقلٌّ مهمٌّ، فائدته دفع توهم التَّعدد عند نسبة أولئك إلى غير آبائهم، وغير أبيه أعمُّ من أن يكون جدُّهُ أو جدته أو أجنبي. قوله: (ابْنُ مُنْيَة) بضم الميم وسكون النون وتخفيف التحتية كرُكْبَة، صحابي مشهور. وقوله: (هِيَ جَدَّتُهُ)؛ أي: أمُّ أبيه، على ما قاله ابن الزُّبير، أو أمُّ أمه، على ما عُزيَ للبُخاري والجمهور. وقوله: (وَاسْمُ أَبِيْهِ: أُمَيَّةَ)؛ أي: ابنُ أبي عبيد.

стр. 178

وعَوْذٌ (١) بنو عفراء، هي أمُّهم، وأبوهم: الحارث بن رفاعة، وعبد الله ابن بُحينة، هي أمُّه، وأبوه مالكٌ، وعبد الله بن أُبيٍّ ابن سلول، هي أمُّ أُبيٍّ، ومنهم من نُسِبَ إلى زوج أمِّه، قوله: (وَعَوْذَة) صوابهُ (عوذ) بإسقاط الهاء كما في «التقريب» ويقالُ له: عوف، بالفاء. وقوله: (أُمُّهُم عَفْرَاء) هي بنتُ عبيد بن ثعلبة من بني النَّجار، وكذا أبوهم المذكور، وشهد بنو عفراء بدرًا فقُتل بها مُعوذ وعَوف وبقي مُعاذ إلى زمن عُثمان (٢) فتوفي بصِفِّين، وقيل: جُرح ببدر أيضًا فرجعَ إلى المدينة فمات بها. قوله: (ابنُ بُحَيْنَة) بضم الموحدة وفتح المهملة وسكون التحتية بعدها نون. وقوله: (وَأَبُوْهُ مَالِك)؛ أي: ابن القَشيب الأزْدي الأسدي. وبنو عفراء ويَعلى وابن بُحينة المذكورون صحابة، ومثلهم من هذا القبيل: بلال ابن حمامة الحبشي المؤذن أبوه رباح، وبنو بيضاء: سهل وسهيل وصفوان أبوهم وهب بن ربيعة القرشي، قال سفيان: أكبر أصحاب النَّبيِّ ﷺ في السن أبو بكر وسُهيل بن بيضاء، ومات هو وأخوه سهل في حياته ﷺ وصلى عليهما في المسجد، وكذا شُرحبيل ابن حسنة أبوه عبد الله بن المُطاع، ومن التابعين محمد ابن الحنفية أبوه علي بن أبي طالب وأمه خولة من بني حنيفة، وإسماعيل ابن عُلية أبوه إبراهيم، وعُليةُ أمه أو جدته أم أبيه. وممَّنْ نُسِبَ إلى جده: أبو عُبيدة ابن الجراح عامر بن عبد الله بن الجراح، ومُجَمَّعُ ابن جارية بالجيم والتحتية وهو ابن زيد بن جارية، وابن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وابن أبي مُلَيْكَة عبد الله بن عبيد الله بن أبي مَلَيْكَة، وأحمد ابن حنبل هو ابن محمد بن حنبل.

стр. 179

كالمقداد ابن الأسود. وقد ينسب الرَّاوي إلى نسبةٍ يكون الصَّواب خلاف ظاهرها؛ كأبي مسعودٍ عقبة بن عمرٍو البدريِّ؛ إذ إنَّه لم يُنسَب لشهوده بدرًا في قول الجمهور، وإن عدَّه البخاريُّ فيمن شهدها، قوله: (ابن الأَسْوَد)؛ أي: ابن عبد يَغُوْث، فَتَبَنَّاهُ فنُسب إليه، ومثله الحسن بن دينار هو زوج أمه، وأبوه واصل. قوله: (إِلَى نِسْبَةٍ يَكُوْنُ الصَّوَابُ خِلَاْفَ ظَاهِرِهَا)؛ أي: كأن يُنسب إلى مكان أو قبيلة أو وقعة مشهورة وليس الظاهر الذي يَسبق إلى الفهم من تلك النسبة مُرادًا بل لعارض عرض من نزوله ذلك المكان أو تلك القبيلة ونحو ذلك كما تقدم. فائدة: قال عبد الله بن المبارك وغيره: من أقام في بلدٍ أربع سنين نُسب إليها. انتهى. وفي «التدريب» و «شرحه»: ومَن كان من أهل قريةِ بلدةٍ فيجوزُ أن يُنسب إلى القريةِ فقط وإلى البلدة فقط وإلى الناحية التي فيها تلك البلدة وإلى الإقليم فقط؛ فيقول فيمن هو من الغوطة -وهي كورة من كور دمشق الشام-: الغوطي أو الدمشقي أو الشامي، وله الجمع فيبدأ بالأعم، وهو الإقليم، ثم الناحية، ثم البلد، وكذا في النسب إلى القبائل، يبدأ بالعام قبل الخاص، ليحصل بالثاني فائدة لم تكن في الأول، فيُقال: القرشي ثم الهاشمي، ولا يقال الهاشمي القرشي؛ لأنَّه لا فائدة للثاني حينئذ إذ يلزم من كونه هاشميًا كونه قرشيًا بخلاف العكس، ولا يقال: يُقتصر حينئذ على الأخص؛ لأنَّه قد يخفى على بعض الناس كون الهاشمي قرشيًا، ويظهر هذا الخفاء في البطون الخفية كالأشهل من الأنصار، إذ لو اقتصر على الأشهلي لم يعرف كثير من الناس أنَّه من الأنصار أم لا، وقد يقتصرون على الخاص وقد يقتصرون على العام وهو قليلٌ، وإذا جُمع بين النسب إلى القبيلة والبلد قُدم النسب إلى القبيلة. انتهى ملخصًا. قوله: (وَإِنْ عَدَّهُ البُخَارِيُّ فِيْمَنْ شَهِدَهَا) تقدَّمَ أنَّه الذي جزمَ به مسلم وابن الكلبي وآخرون.

стр. 180

بل كان ساكنًا بها، وكسليمان بن طَرْخان التَّيميِّ، ليس من تيمٍ، بل نزل بها. وأمَّا المُبهَمات في الحديث: وتكون في الإسناد والمتن من الرِّجال والنِّساء، ويُتوصَّل قوله: (بَلْ نَزَلَ بِهَا)؛ أي: بِتَيْمٍ القبيلةُ المعروفةُ، ومن هذا القبيل (أبو خالد الدَّالاني) نزل في بني دالان بطنٌ من هَمْدَان وهو أَسدي، ومحمد بن سنان العَوَقي بفتح الواو وبالقاف باهلي نزل في العَوَقة بطنٌ من عبدِ قيسٍ فنُسب إليهم، وأحمد بن يوسف السُّلَمي الذي روى عنه مسلم أزدي وكانت أمه سُلمية فنُسب إليهم، وخالد الحَذَّاء لم يكن حذَّاءً كما سلفَ بل كان يجلسُ في الحذَّائين. قوله: (المبهمات)؛ أي: معرفة من أُبهم ذكره في المتن أو الإسناد من الرجال والنساء. قال ولي الدين العراقي: ومن فوائد تبيين الأسماء المبهمة تحقيق الشيء على ما هو عليه؛ فإن النَّفس متشوقة إليه، وأن يكون في الحديث منقبةٌ له فتستفاد بمعرفته فضيلته، وأن يشتمل على فعلٍ غير مناسب فيحصل بتعيينه السلامة من جَوَلَانِ الظَّنِّ في غيره من أفاضل الصحابة خصوصًا إذا كان ذلك من المنافقين، وأن يكونَ سائلًا عن حُكم عارضه حديث آخر فيُستفاد بمعرفته هل هو ناسخٌ أو منسوخٌ إنْ عُرف زمن إسلامه. وإن كان المُبْهَمُ في الإسناد فَمَعْرِفَتُهُ تفيدُ ثقتهُ أو ضعفه ليُحكم للحديثِ بالصحة أو غيرها. انتهى. وهو على أربعةِ أقسامٍ أبهمها رجلٌ أو امرأةٌ أو رجلان أو امرأتان أو رجالٌ أو نساءٌ. من ذلك في المتن: حديث ابن عباس: «أن رجلًا قال: يا رسول الله أَنَحُجُّ كُلَّ عَامٍ؟» هُوَ الأَقْرَعُ بنُ حَابِس كما سُمِّيَ في «مسند أحمد». وحديثُ السائلة عن غُسل الحيض فقال ﷺ : «خُذِي فِرْصَةً من مسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا» الحديث، رواه الشَّيْخان عن عائشة: «أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النبي ﷺ عن غُسْلِهَا من الْحَيْضِ» فذكره، هي أسماء بنت يزيد بن السَّكن، وفي رواية لمسلم أسماء بنت شَكَل -بفتحتين-، قال النووي: يُحتمل التعدد. وكذلك حديث أبي هريرة: «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ من هُذَيْلٍ اقْتَتَلَتَا … » الحديث، اسمُ الضَّاربة أم عَفيف، وذاتُ الجنين مُليكة بنت عُويمر. وفي السَّند: ما رواه أبو داود من طريق حَجَّاج بن فَرَافِصَة، عن رجلٍ، عن أبي هُريرة: «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيْمٌ» هو يحيى بن [أبي] كثير، فقدْ رواهُ أبو داود أيضًا والترمذي من حديث بِشْرِ بن رافع، عنه، عن أبي سلمة.

стр. 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والقسم الثاني: الابن والبنت والأخ والأخت والابنان والأخوان وابن الأخ وابن الأخت كحديث أم عطية في: «غُسْلِ بِنْتِ النَّبِي ﷺ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»، وهي زينبُ زوجة أبي العاص بن الربيع. وحديث ابن اللُّتبية الذي استعمله النَّبيِّ ﷺ على الصَّدَقَةِ فقال: «هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي» اسمه عبد الله، ونسب إلى بني لُتْب -بضم اللام وسكون المثناة الفوقية- بطنٌ منَ الأزدِ، ويقال ابن اللأتبية بالهمز أيضًا. وحديث عُقبة بن عامر قلت: «يَا رَسُوْلَ الله إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِي … » الحديث، هي أمُّ حِبَّان، بكسر المهملة وفتح الموحدة المشددة. وحديث قولِ أبي بكر لعائشة: «إِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ» هم عبد الرحمن ومحمد وأسماء وأم كلثوم. والثالث: العم والعمة ونحوهما كالخال والخالة والأب والأم والجد والجدة وابن العم أو بنته، كرافع ابن خَديج عن عمه في حديث «النَّهِي عَنْ المُخَابَرَةِ» هو ظُهير بن رافع بضم الظاء المشالة مصغرًا. وعمة جابر التي «بَكَتْ أَبَاهُ لَمَّا قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ» كما في الصحيح هي فاطمة بنت عمرو، وقيل: هند. وحديث ابن عباس: «أَهْدَتْ خَالَتِي إِلَى النَّبيِّ ﷺ سَمْنًا وَأَقِطًا»، قيل: اسمها هزيلة، وقيل: حُفيدة بنت الحارث وتكنى أم حُفَيْد. وحديث أبي هريرة: «كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إلى الإِسْلامِ … » الحديث، اسمها أميةُ بنتُ صُفَيْح. وحديثُ نافع: «تزوجَ ابن عُمر بنتَ خالةِ عُثمان بن مَظْعُون، فقالت أُمُّهَا: بنتي تكرهُ ذلكَ»، اسم بنت خاله زينب، وأمها خولة بنت حكيم. الرابع: الزوج والزوجة والعبد وأم الولد، ومنه زوجة عبد الرحمن بن الزَّبَير التِي كَانَتْ تَحْتَ رِفَاعَةَ القُرَظِي فَطَلَّقَهَا، اسمها تُمَيْمَة بنت وَهب بضم التاء، وقيل: سُهَيْمةَ. وحديث أُمِّ وَلَدٍ لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة فقالت: «إِنِّي أُطِيلُ ذَيْلِي وَأَمْشِي … » الحديث، هي حُميدة. وحديث جابر: «أن عَبْدًا لِحَاطِبٍ قال: يا رَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ»، واسمه سعد.

стр. 182

لمعرفتها بجَمْع طرق الحديث غالبًا. مثاله في السَّند: إبراهيم بن عَبْلة عن رجلٍ عن واثلة، فالرَّجل هو الغَريف؛ بفتح الغين المُعجَمة. وفي المتن: حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ في ناسٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ : «مرُّوا بحيٍّ فلم يضيِّفوهم، فَلُدِغَ سيِّدُهم، فَرَقَاه رجلٌ منهم … » [خ¦٥٧٣٦]، قوله: (بِجَمْعِ طُرُقِ الحَدِيْثِ)؛ أي: فيُعرف بتسميته في بعض الطرق، وبما لم يسمَّ في شيء منها فيُعرف بتنصيصِ أهل السِّيَر، قيل: وربما استدلوا بورودِ حديثٍ آخر أسند فيه لمعنى ما أسند لذلك الراوي المُبهم، ونظر فيه بجواز وقوع تلك الواقعة لاثنين كما أشرنا إليه. قوله: (إِبْرَاهِيْمُ بنُ عَبْلَة) صوابُهُ ابن أبي عَبْلَة، كما في «التقريب»، و (عَبْلَة) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة، اسمه شِمر بكسر المعجمة آخره راء. قوله: (فِيْ نَاسٍ … ) إلى آخره؛ أي: سريةٍ للنَّبيِّ ﷺ وكانوا ثلاثين، والغنم ثلاثون، والحي وسيدهم لم يُسموا، قاله في «مقدمة الفتح».

стр. 183

الرَّاقي هو أبو سعيدٍ الرَّاوي المذكور. وما في «البخاريِّ» من هذا النَّوع يأتي مفسَّرًا في مواضعه من هذا الشَّرح -إن شاء الله تعالى- بعون الله تعالى. المؤتلف والمختلف: وهو ما تتَّفق صورته خطًّا، وتختلف صيغته (١) لفظًا، وهو ممَّا يقبح جهله بأهل الحديث، ومنه في «البخاريِّ»: الأحنف -بالحاء المهملة والنُّون، وبالخاء المُعجَمة والمثنَّاة التَّحتيِّة- مِكْرَز بن حفص بن الأخيف (٢)، له ذكرٌ في الحديث الطَّويل في قصَّة الحديبية [خ¦٢٧٣٢]. وبشَّارٌ -بالموحَّدة والمُعجَمة المشدَّدة- والد بندار، شيخ البخاريِّ والجماعة، وبقيَّة من فيه بهذه الصُّورة؛ بالتَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة المُخفَّفة، وبتقديم السِّين وتثقيل التَّحتيَّة، أبو المنهال سَيَّار بن سلامة التَّابعيُّ، إلى غير ذلك ممَّا لا نطيل بسرده، قوله: (المُؤْتَلِفُ وَالمُخْتَلِفُ)؛ أي: من أسماءِ الرواةِ وألقابهم وأنسابهم ونحوها. قوله: (وَتَخْتَلِفُ صِفَتُهُ لَفْظًا)؛ أي: فَيَختلف فيه بالحركاتِ والسَّكنات والإعجام والإهمال، وخرج ما لا يشتبه في الخط كسلمان وسليمان وبشر وبشير، وأدخله بعضهم فيه وظهر لي استحسانه خصوصًا في هذه الأزمان التي كثرَ فيها التحريف في النسخ، وأما ما يتفق لفظًا وخطًّا وإنَّما يختلفُ بالنسبة ونحوها فذلك المُتفق المُفترق وسنوردُ من ذلك ما لا بأس بذكره. قوله: (وَهُوَ مِمَّا يَقْبُحُ جَهْلُهُ … ) إلى آخره؛ أي: فإنَّ منْ لم يعرفه يكثر خطؤه فيفتضحُ بين قومه. قوله: (مِكْرَز بن حَفْص) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء بعدها زاي، من بني عامر بن لؤي كما ذكره الشارح في الأثناء. قوله: (ذِكْرٌ فِي الحَدِيْثِ الطَّوِيْلِ … ) إلى آخره، وهو ما اشتملَ على «خُرُوْجِهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَّة مُعْتَمِرًا فَصَدَّهُ المُشْرِكُوْن» ذكرهُ البخاري في «باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحروب»، وفيه: «بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ أَهْلُ مَكَّةَ بَيْنَهُم وَبَيْنَ رَسُوْلِ الله ﷺ رُسُلًا وَعَادُوْا إِلَيْهِم فَقَامَ رَجُلٌ منهم يُقَالُ له: مِكْرَزُ بن حَفْصٍ فَقَالَ: دَعُونِي آتِيهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ … » إلى آخره. قوله: (إلى غَيْرِ ذَلِكَ)؛ أي: كحَارِثة بالحاء المهملة والمثلثة جميعه إلَّا جارية بن قدامة، ويزيد بن

стр. 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . جارية، والأسود بن العلاء بن جارية، وعمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفيين (١)، وكحازم كلهُ بالمهملةِ والزاي إلَّا أبا معاوية بن خازم الضرير فإنَّه بالمعجمة وغير ذلك. قلتُ: قد نظمتُ في المؤتلف المختلف منظومة لطيفة سميتها: (رضاب المرتشف في نظم المؤتلف المختلف) وشرحتها شرحًا لطيفًا سميتهُ: (كشف النقاب لرشف الرِّضاب) استقصيت فيهما ما جاء في «الصحيحين» وغالب ما في «الموطأ» فانظرهما إنْ كُنتَ من أرباب النظر. وأما المتفق والمفترق فهو: ما اتفقت أسماؤه لفظًا وخطًا، واختلفت مُسمَّياته كما سبق، وهو من المهمات إذ كثيرًا ما يشتبه الراويان المتفقان في الاسم لكونهما متعاصرين واشتركا في بعض شيوخهما أو في الرواة عنهما حتى زلق بسبب ذلك كثير، فأقسام: الأول: من اتَّفَقا في الاسم فقط أو الكنية فقط: كحماد إذا أُطلق لا ندري هل هو ابن زيد أو ابن سلمة؟ ويُعرف بحسب مَن روى عنه؛ فإن كان سليمان بن حرب أو عارمًا فالمراد ابن زيد، أو موسى بن إسماعيل التَّبوذكي فابن سلمة، وكذلك عبد الله إذا أُطلق، قال سلمة بن سليمان: إذا قيل بمكة عبد الله فهو ابن الزبير، وإذا قيل بالمدينة فابن عمر، وإذا قيل بالكوفة فابن مسعود، وإذا قيل بالبصرة فابن عباس، وإذا قيل بخُرَاسان فابن المبارك. الثاني من الأقسام: مَن اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم كالخليل بن أحمد وهم تسعة، أولهم: شيخ سيبويه صاحب النحو والعروض، روى عن عاصم الأحول وآخرين، ولد سنة مئة ومات سنة سبعين، ولم يُسَمَّ أحد بأحمد بعده ﷺ قبل [أبي] (٢) الخليل هذا على الصواب. والثاني: أبو بشر المزني البصري. والثالث: الخليل بن أحمد البصري الذي يروي عن عكرمة إن لم يكن الخليل العروضي وإلا فالخليل بن أحمد البغدادي الراوي عن سيَّار. الرابع: الخليل بن أحمد أبو القاسم المصري روى عنه الحافظ أبو القاسم. الخامس: الخليل بن أحمد الجَوْسَقِي روى عنه ابن النجار. السادس: الخليل بن أحمد أبو سعيد السِّجْزِي القاضي روى عنه الحاكم. السابع: الخليل بن أحمد أبو سعيد البُسْتِي القاضي سمع ممن قبله وروى عنه البيهقي. الثامن: الخليل بن أحمد أبو سعيد البُسْتِي الشافعي حدَّث عن أبي حامد الإسفرايني. التاسع: الخليل بن أحمد الخالدي.

стр. 185

لا سيَّما مع الاستغناء بذكره في هذا الشَّرح -إن شاء الله تعالى بعونه-. وإذا عُلِمَ هذا؛ فلْيُعلُم أنَّ شرط الرَّاوي للحديث ومن هذا القسم أنس بن مالك عشرة، روى منهم الحديث خمسة: الأول: خادم النبي ﷺ أنصاري يُكنَّى أبا حمزة. والثاني: كعبي يُكنَّى أبا أمية ليس له عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا حديث: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عن الْمُسَافِرِ الصِّيَامَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ». والثالث: أبو مالك الفقيه. والرابع: حمصي (١). والخامس: كوفي. الثالث من الأقسام: مَن اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم: كأحمد بن جعفر بن حمدان أربعة، كلهم يروون (٢) عمَّنْ يُسمى عبد الله، وكلهم في عصر واحد. أحدهم: القطيفي البغدادي. والثاني: السقطي البصري. والثالث: الدِّيْنَوري بكسر الدال وسكون التحتية وفتح النون والواو نسبة لدِيْنَور. والرابع: الطرسوسي. الرابع من الأقسام: من اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم وأنسابهم كمحمد بن عبد الله الأنصاري، وهما اثنان متقاربان في الطبقة أحدهما القاضي المشهور الذي روى عنه البخاري، والثاني أبو سلمة ضعيف. إلى غير ذلك مما بَسَطَتْهُ المبسوطات، وقد ذكرتُ منه جملة محتاجًا؛ إليها كمن تسمى بمحمد بن إدريس وبعمر بن الخطاب ونحو ذلك في «سعود المطالع»، فإن رَغِبْتها فلا ترغب عنه فإنَّه نِعْمَ السَّمِير. قوله: (شَرْطَ الرَّاوِي لِلْحَدِيْثِ)؛ أي: الذي تُقبل روايتُهُ ويحتجُّ بِهَا، ومن المُهم معرفة الفرق بين الرواية والشهادة لاختلافهما في كثيرٍ من الأحكام. قال العراقي: أقمتُ مدةً أطلب الفرق بينهما حتى ظفرتُ به في كلام الماوردي، فالرواية هي الإخبار عن أمرٍ عامٍ لا ترافُعَ فيه إلى الحُكَّام، والشهادة الإخبار عن خاصٍّ فيه الترافعُ إليهم، وأما ما يختلفان فيه فكالعدد لا يُشترط في الرواية بخلاف الشهادة، وكذا الذكورية مُطلقًا بخلاف الشهادة في بعض المواضع، ولا الحرية بخلاف الشهادة مطلقًا وغير ذلك مما ضَبطتُّه في «الكواكب الدرية» ونظمته بقولي: إنَّ الشهادةَ للروايةِ فارقتْ … بأمورٍ اذْ فيهَا التعددُ معتبرْ

стр. 186

أن يكون مُكلَّفًا عدلًا وتَقَدُّمُ الدعوى وحضرةُ حاكمٍ … مَعَ نفيِّ جرِّ النَّفعِ أوْ دفعِ الضررْ حريةٌ وقبولُها منْ تائبٍ … منْ فِريةٍ قطعًا وفيْ البعضِ الذكرْ وإذَا بدا التزويرُ فيها مرةً … لا نقضَ فيما قبلهَا منهُ صدرْ والجرحُ والتعديلُ ممنوعٌ ولوْ … مِنْ عالمٍ إلَّا إذَا سببًا ذَكَرْ والحكمُ بالعلمِ امنعنْ بهمَا لغيـ … ر الحدِّ لكنْ في الروايةِ يُعتبرْ وعَلَى الشهادةِ ليسَ تؤخذُ أجرةٌ … وإذَا بهَا حكمُوا فتعديلٌ ظهرْ واعملْ بهَا بعدَ الرجوعِ فقاصصِ … الشهادةَ أمَّا فيْ روايتهِم فذرْ منْ دونِ أربعةٍ إذَا شهدوا الزِّنَا … فبِدونِ توبَتِهم شهادتُهم هدرْ وارددْ شهادةَ أصلٍ أوْ فرعٍ وَمَا … كانتْ عَلَى أُخرَى إذَا أصلٌ حضرْ وشهادةُ الدَّاعِي لبِدْعَتِهِ اقبلنْ … فِيْ غَيْرِ خَطَّابيةٍ إذْ هُمْ عجرْ فيْ شاهدٍ شرطُوا البلوغَ وليسَ فِيْ … بابِ الروايةِ كلُّ ذلكَ معتبرْ كالجرحِ والتعديلِ يثبتُهُ فتىً … فيهَا وفيْ بابِ الشهادةِ يحتظرْ فاحفظْ لهاتيكِ الفُروق فإنَّها … أزهى وأبهى من تقاصيرِ الدررْ وشرح هذه الأبيات في «الكواكب» أيضًا فانظرها. قوله: (مُكَلَّفًا) بأن يكونَ مسلمًا بالغًا عاقلًا، فلا يقبلُ كافرٌ ومجنونٌ مُطْبِقٌ بالإجماعِ، ويقبل متقطع الجنون إن لم يُؤثِّر زمن إفاقته ولا صبيٌّ على الأصحِ، وقيل: يقبلُ المميزُ إن لم يجرَّبْ عليه الكذبُ. قوله: (عَدْلًا) فُسِّرَ بسلامتهِ من الفسق وخوارم المروءة لحديث ابن عمر مرفوعًا: «كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ لَاْ نَأْخُذَ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ»، وروى الشافعي عن يحيى بن سعيد قال: سألت ابنًا لعبد الله بن عمر عن مسألة فلم يقل فيها شيئًا، فقيل له: إنَّا لنُعظِم أن يكون مثلك ابن إمامَيْ هُدَى تُسأل عن أمر ليس عندك فيه علم! فقال: أعظم والله من ذلك عند الله، وعند مَن عرف الله، وعند من عقل عن الله أن أقول بما ليس لي فيه علم أو أخبر عن غير ثقة. وتثبت العدالة بتنصيص عالِمَين عليها، أو بالاستفاضة والشهرة؛ فمن اشتهرت عدالته من أهل

стр. 187

مُتقِنًا، ويُعرَف إتقانه بموافقة الثِّقات، ولا تضرُّ مخالفته النَّادرة، ويُقبَل الجرح إنْ بَانَ سَبَبُه، للاختلاف فيما يوجب الجرح، العلم وشاعَ الثناءُ عليه بها كفى، ولا يحتاجُ مع ذلك إلى معدِّلٍ ينصُّ عليها كمالك والشافعي والسُّفْيَانين وأحمد ابن حنبل، وهذا هو المعتمد. وتوسعَ ابن عبد البر فقال: كلُّ حاملِ علمٍ معروفُ العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى يتبين جرحه؛ لحديث: «يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه»، وقد تقدَّمَ الكلام على هذا الحديث في الفصل الأول. قوله: (مُتْقِنًا)؛ أي: ضابطًا، بأن يكون متيقظًا غير مُغَفَّلٍ، حافظًا إن حدَّثَ من حفظه، ضابطًا لكتابه من التغيير والتبديل إن حدَّث منه، عالمًا بما يحيلُ المعنى إن روى به. قوله: (لِمُوَافَقَتِهِ الثِّقَاتِ)؛ أي: الضابطين إذا اعتبرَ حديثه بحديثهم، فإن وافقهم في روايتهم غالبًا ولو من حيث المعنى فضابطٌ. قوله: (النَّادِرَة) فإن كثرتْ مخالفته لهم، وندرتْ موافقته اختلَّ ضبطه ولم يحتجَّ به. قوله: (وَيُقْبَلُ الجَرْحُ)؛ أي: الطعن في الراوي. وقوله: (إِنْ بَانَ سَبَبُهُ)؛ أي: فلا يُقبل غير مبيَّن السببِ. وقوله: (لِلْاِخْتِلَافِ فِيْمَا يُوْجِبُ الجَرْحَ)؛ أي: لأنَّ النَّاسَ يختلفونَ في أسبابِ الجرحِ فيُطلق أحدهم الجرحَ بناءً على ما اعتقده جرحًا، وليس بجرحٍ في نفسِ الأمرِ، فلا بدَّ من بيان سببه ليُنظر هل هو قادحٌ أو لا؟. قال ابن الصلاح: وهذا هُوَ المقررُ في الفقه والأصول، وذكرَ الخطيب أنَّه مذهبُ الأئمة من حفاظ الحديث كالشيخين، ولذلك احتجَّ البُخاري بجماعةٍ سبق من غيره الجرح لهم كعِكْرِمة وعمرو بن مرزوق، وكذا فعلَ مسلم وأبو داود، وذلك دالٌّ على أنَّهم يرونَ أن الجرحَ لا يثبت إلَّا إذا فُسِّرَ سببُهُ، فإنَّه ربما استُفْسِر الجارح فذكر ما ليس بجرحٍ، كما قيلَ لشُعبة: لِمَ تركتَ حديثَ فلان، قال: رَأَيْتُهُ يركضُ على برذون فتركت حديثه، وقال هو: أتيتُ منزل المِنهال بن عمرو فسمعت صوت الطُنْبُور فرجعتُ، فقيل له: فهلَّا سألتَ عنهُ، إذ لا يعلم هو؟!.

стр. 188

بخلاف التَّعديل فلا يُشتَرط، ورواية العدل عمَّن سمَّاه لا تكون تعديلًا، قال الصيرفي: وكذا إذا قالوا: (فلان كذَّاب) لا بدَّ من بيانه؛ لأنَّ الكذبَ يحتملُ الغلط كقوله: (كذب فلان). قوله: (بِخِلَاْفِ التَّعْدِيْلِ)؛ أي: فلا يشترطُ ذكرُ سببه؛ لأنَّ أسبابهُ كثيرةٌ فيَشق ذكرها، إذ ذلك يُحوج المعدِّل إلى أن يقول: لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، فعل كذا وكذا، فيُعددُ جميعَ ما يُفَسَّقُ بفعلهِ أو تركه، وذلك شاقٌّ، بخلافِ الجرحِ فإنَّهُ يحصلُ بأمرٍ واحدٍ، وما ذكر في الجرح والتعديل هو الصحيح. وقيل: يُقبل الجرحُ غير مفسَّرٍ ولا يُقبل التعديل إلَّا مُفَسَّرًا؛ لأنَّ أسباب العدالة يكثرُ التَّصَنُّعُ فيها، وقيل: لا يُقبلان إلَّا مفسَّرَين؛ لأنَّه كما يجرحُ الجارح بما لا يقدح كذلك يوثق المعدِّل بما لا يقتضي العدالة، كما قال إنسان لأحمد بن يونس: عبد الله العمري ضعيفٌ، فقال: إنَّما يضعفُهُ رافضيٌّ مبغضٌ لو رأيت لحيته وهيئته لعرفت أنَّه ثقةٌ، فاستدلَّ على ثقته بما ليس بحجة فإنَّ حسن الهيئة يَشترك به العدل وغيره. وقيل: لا يجب ذكرُ السبب في واحد منهما إذا كان الجارحُ والمعدِّل عالمًا بأسباب الجرح والتعديل، وصحَّحَهُ العراقي والبُلقيني. وقال شيخ الإسلام: إن كانَ وثَّقه أحد من أئمةِ هذا الشأن لم يُقبل الجرح فيه من أحدٍ إلَّا مُفسرًا؛ لأنَّه قد ثبتت له رتبةُ الثقةِ فلا يزحزحُ عنها إلَّا بأمرٍ صريح، وإن خلا عن التعديل قُبِلَ الجرحُ غيرَ مُفَسَّرٍ إذا صدرَ من عارفٍ؛ لأنَّه إذا لم يُعدَّل فهو في حيز المجهول وإعمال قول الجارح فيه أولى من إهماله، والصحيح أنَّ الجرح والتعديل يثبتان بواحد، وقيل: لا بدَّ من اثنين كالشهادة، وإذا اجتمع جرح وتعديل فالجرحُ مقدمٌ، ولو زادَ عددُ المعدِّل على الأصح عند الفقهاء والأصوليين؛ لأنَّ مع الجارح زيادةُ علمٍ لم يطلعْ عليها المُعَدِّلُ. وقَيَّدَ الفقهاءُ ذلك بما إذا لم يقل المعدِّل: عرفتُ السبب الذي ذكره الجارح، ولكنه تابَ وحسُنَت حالتهُ فإنَّهُ حينئذٍ يقدمُ، قال البُلقيني: ويأتي ذلك أيضًا هنا إلَّا في الكذب. قوله: (وَرِوَايَةُ العَدْلِ عَمَّنْ سَمَّاهُ)؛ أي: عن شخص يُسمِّيه في روايته. وقوله: (لَاْ تَكُوْنُ (١) تَعْدِيْلًا)؛ أي: حُكمًا منه بتعديله نظرًا إلى أنَّه لم يذكر فيه جرحًا؛ وذلك لجواز

стр. 189

وقيل: إن كانت عادته ألَّا يروي إلَّا عن عدلٍ كالشَّيخين فتعديلٌ، وإلَّا فلا، ولا يُقبَل مجهول العدالة، وكذا مجهول العين الذي لم تعرفه العلماء، وتَرفع الجهالةَ عنه روايةُ اثنين مشهورين بالعلم، رواية العدل عن غير العدل فلم تتضمن روايَتُهُ عنهُ تعديله، وما ذكره الشارح هو الصحيح الذي عليه الأكثرون من أهل الحديث وغيرهم، وقيل: هو تعديل إذ لو علمَ فيه جرحًا لذكرَهُ وإلَّا كان غشًّا في الدِّين. وأُجيب: بأنَّه قد لا يعرفُ عدالته ولا جرحه. قوله: (وَقِيْلَ: إِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ … ) إلى آخره، اختارَ ذلك الأصوليونَ كابنِ الحاجبِ والآمدي وغيرهما، والصحيح أنَّه إذا قال: (حدَّثني الثقة أو مَنْ لا أتهم) لم يُكْتَفَ به في التعديل؛ لأنَّه ربما لو سماه كان ممَّن جرحه غيره، وقيل: إن كان القائل مُجتهدًا كفى في حقِّ موافقيه في المذهب، واختاره إمام الحرمين ورجَّحه الرافعي. قوله: (مَجْهُوْلُ العَدَالَةِ)؛ أي: مع كَوْنِهِ معروفَ العين برواية عدلين عنه وهذا ما عليه الجمهور. وقيل: تُقْبَلُ مُطْلَقًا. وقيل: إن كان مَن روى عنه فيهم مَن لا يروي عن غير عدلٍ قُبِلَ وإِلَّا فَلا. قوله: (الَّذِيْ لَمْ تَعْرِفُهُ العُلَمَاءُ)؛ أي: ولم يشتهرْ بطلبِ العلمِ في نفسه، ولا يُعرف حديثه إلَّا من جهة راوٍ واحدٍ كما في «شرح التقريب» وما ذكره الشارح هو الصحيح. وقيل: يُقبل مطلقًا. وقيل: إن كان مشهورًا بالزهد والصلاح. وقيل: إن زَكَّاهُ أحدٌ من أئمةِ الجرحِ والتَّعديلِ مع رواية واحد عنه، وصَحَّحَهُ شيخُ الإسلام. وقيل: إن تَفَرَّدَ بالروايةِ عنه مَن لا يروي إلَّا عن عدلٍ. قوله: (وَتَرْفَعُ الجَهَالَةُ عَنْهُ … ) إلى آخره؛ أي: وإن لم يثبتْ لهُ بذلكَ حكمُ العدالةِ. تنبيه: يُقبلُ تعديلُ العبد والمرأة العارِفَين لقبول خبرهما، كما جزم به الخطيب في «الكفاية» والرازي والقاضي أبو بكر بعد أن حكى عن أكثر الفقهاء أنَّه لا يُقبَلُ في التعديل النساءُ لا في الرواية ولا الشهادة، واستدلَّ على القبول بسؤال النَّبيِّ ﷺ بريرة عن عائشة في قِصَّةِ الإِفْكِ. وأما الصَّبي المُراهق فلا يُقبل تعديله إجماعًا.

стр. 190

والصَّحابةُ قوله: (وَالصَّحَابَةُ … ) إلى آخره، اختلفَ في الصحابي: فقيل: هو مَن لقي النَّبيَّ ﷺ مُسلمًا ومات على إسلامه، ولا يُشترط فيه البلوغ على الصحيح، ويشترط رؤيته في عالم الشهادة ليَخرج من رآه من الملائكة والنبيين. واستشكل ابن الأثير ذكرَ مؤمني الجن في الصحابة دون مَن رآه من الملائكة وهم أولى بالذكر!! وأُجيب: بأنَّ الجنَّ مِن جُمْلَةِ المكلفين الذين شملتهم الرسالة فكان ذِكْرُ من عُرِفَ اسمه ممَّن رآه حسنًا بخلاف الملائكة. واستظهرَ العِراقي أنَّ عيسى ﵇ إذا نزل وحَكَمَ بِشَرْعِهِ أُطلق عليه اسم الصحبة؛ لأنَّه ثبت أنَّه رآه في الأرض. وقيل: الصَّحابي مَن طالتْ مجالسته له على طريق التِّبع. وقيل: مَن أقام معه سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين؛ لأنَّ لصحبته ﷺ شرفًا عظيمًا فلا تنالُ إلَّا باجتماع طويلٍ يظهرُ فيه الخُلق المطبوع عليه الشخص، كالغزو المشتمل على السفر، والسَّنة المشتملة على الفصول الأربعة التي يختلف بها المزاج، وهو ضعيف. وقيل: من طالت صحبته وروى عنه. وقيل: من رآه بالغار، وهو شاذٌ. وقيل: من أدرك زمنه ﷺ وهو مسلم. وشَرَطَ الماوردي في الصحابي أن يتخصصَ بالرسول، ويتخصصَ به الرسول. وتُعرف الصحبة بالتواتر كأبي بكر وعمر. أو الاستفاضة والشهرة القاصرة عن التواتر كضِمَام بن ثعلبة. أو قول صحابي عنه إنَّه صحابي. قال شيخ الإسلام: أو يُخْبِرُ أحدُ التَّابِعِين أنَّه صحابي، أو يقول هو: أنا صحابي، إذا كان عدلًا وأمكن ذلك؛ فإن ادَّعاهُ بعد مئة سنة من وفاته ﷺ فإنَّه لا يُقبل لحديث: «فَإِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِ الأرض أَحَدٌ» يريد انخرام ذلك القرن، قال ذلك سنة وفاته ﷺ .

стр. 191

كلُّهم عدولٌ، قوله: (كُلُّهُم)؛ أي: مَن لابسَ الفتنَ منهم وغيرهم لحديث: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي»، ولا يجبُ البحثُ عن عَدَالَتِهِم. قال إمام الحرمين: لأنَّهم حملةُ الشريعة فلو ثبت توقُّفٌ في روايتهم لانحصرت الشريعة في عصره ﷺ ولما استرسلت على سائر الأعصار. وما ذكره الشارح من التعميم هو المعتمد، وقالت المعتزلة: إلَّا من قاتل عليًّا، وقيل: إلَّا المُقَاتِلُ والمُقَاتَلُ. فوائد: الأولى: أكثرُ الصحابةِ حديثًا أبو هريرة ﵁، روى خمسة آلاف وثلاثمئة وأربعة وسبعين حديثًا، اتفق الشيخان منها على ثلاثمئة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمئة وتسعة وثمانين، وروى عنه أكثر من ثمانمئة رجل، وهو أحفظ الصحابة. ثم عبد الله بن عمر، روى ألفي حديث وستمئة وثلاثين حديثًا. وابن عباس روى ألفًا وستمئة وستين. وجابر بن عبد الله روى ألفًا وخمسمئة وأربعين حديثًا. وأنس بن مالك روى ألفين ومئتين وستًّا وثمانين. وعائشة أم المؤمنين روت ألفين ومئتين وعشرة. وأبو سعيد الخدري روى ألفًا ومئة وسبعين. وليس في الصحابة بعد ذلك من يزيدُ حديثه على ألف، وجملةُ ما روي لأبي بكر ﵁ مئة واثنان وأربعون حديثًا، والسببُ في قِلَّةِ ما روي عنه مع تقدُّمه وسبقه وملازمته له ﷺ أنَّه تُوفي قبل اعتناء الناس بسماع الحديث وتحصيله وحفظه، كذا ذكر النووي في «التهذيب». الثانية: قال أبو زُرعة الرازي: قُبِضَ رسولُ الله ﷺ عن مئة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا وأين جمعوا؟ قال: أهل المدينة ومكة ومن بينهما والأعراب ومَن شهد معه حجة الوداع.

стр. 192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال العراقي: كيف يمكنُ الاطلاع على تحرير ذلك مع تفرق الصحابة في البلدان والبوادي والقرى، وروى السَّاجي في «المناقب» بسندٍ جيدٍ عن الشافعي (١) قال: قبض رسول الله ﷺ والمسلمون ستون ألفًا؛ ثلاثون ألفًا بالمدينة وثلاثون ألفًا في قبائل العرب وغير ذلك. الثالثة: آخرُ الصحابة موتًا مطلقًا أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، مات سنة مئة من الهجرة، قاله مسلم في «صحيحه» والحاكم في «المستدرك»، وقيل: سنة اثنتين ومئة، وقيل: سنة سبع ومئة، وقيل: سنة عشر ومئة. آخرهم قبله أنس بن مالك مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين. وآخرهم موتًا بالمدينة سهل بن سعد الأنصاري سنة ثمان وثمانين، وقيل غير ذلك، وعليه حُمل إطلاق من أطلق أنَّه آخر الصحابة موتًا. وآخر الصحابة موتًا بالكوفة عبد الله بن أبي أوفى، مات سنة ست أو سبع أو ثمان وثمانين. وبالشام عبد الله بن بسر (٢) المازني سنة ثمان وثمانين وهو آخر من مات ممن صلى للقبلتين. وبفلسطين أبو [أُبي] (٣) عبد الله بن حَرام، ربيب عُبادة بن الصامت. وبمصرَ عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ الزُّبَيْدي سنة ست أو سبع أو ثمان أو تسع وثمانين، وكانت وفاته بسفطِ أبي تراب. وباليمامة الهِرْمَاس بن زياد سنة اثنين ومئة. وبالبادية سَلَمَةُ بن الأَكْوَع سنة أربع وستين أو وسبعين على ما قاله ابن منده، لكن الصحيح أنَّه مات بالمدينة. وبخُرَاسان بُرَيْدَة بن الحصيب (٤). وبالطائف ابن عباس.

стр. 193

وقَبِلَ المستورَ قومٌ، ورجَّحه ابن الصَّلاح، ولا يُقبَل حديثُ مُبْهَمٍ ما لم يُسمَّ؛ إذ شرطُ قبول الخبر عدالةُ ناقله، ومن أُبهِم اسمه؛ لا تُعرَف عينه، فكيف تُعرَف عدالته؟ وبأصبهان النَّابِغَة الجَعْدِي. وبسَمَرْقَنْد الفضل بن العباس. انتهى مُلخصًا في «شرح التقريب». قوله: (المَسْتُوْرَ) هو العدلُ في الظاهرِ، الخفي العدالة في الباطن؛ أي: المجهولها. وقوله: (قوم) منهم: سُلَيم الرازي، قال: لأنَّ الإِخبار مبنيٌّ على حسنِ الظنِّ بالراوي، ولأنَّ رواية الأخبار تكونُ عند من يتعذر عليه معرفةُ العدالة في الباطن، فاقتصر فيها على معرفة ذلك في الظاهر، بخلاف الشهادة فإنَّها تكون عند الحكام فلا يتعذرُ عليهم ذلك. قوله: (وَرَجَّحَهُ ابْنُ الَّصلَاحِ)؛ أي: حيثُ قال: يُشبه أن يكونَ العمل على هذا الرأي في كثيرٍ من كتب الحديث في جماعة من الرواة تقادم العهد بهم وتعذَّرت خبرتهم باطنًا. انتهى. وكذا صحَّحه النووي في «شرح المهذب». قوله: (وَلَاْ يُقْبَلُ حَدِيْثُ مُبْهَمٍ)؛ أي: راوٍ غيرِ معروفٍ، ولو قيل عنه: حدَّثني الثقة، أو مَن لا أتهمه، إلَّا إنْ كانَ من إمامٍ راو عنه، ومحل ذلك إنْ لم يكن ذلك الراوي صحابيًّا، وإلَّا فلا يضر إبهامه كما سبق؛ لأنَّ الصحابة كلهم عدولٌ كما سبق. قوله: (وَمَنْ أُبْهِمَ اسْمُهُ لَاْ يُعْرَفُ اسْمُهُ لَا يُعْرَف)، فيه: من الرِّكَّة ما لا يخفى، وفي نسخة: (ومَن أبهم اسمه لا يعرف فكيف … ) إلى آخره، وعبارة «النخبة وشرحها»: ولا يقبلُ حديثٌ مُبهَم ما لم يسمَّ؛ لأنَّ مِن شرطِ قبول الخبر عدالة راويه، ومَن أُبهم اسمه لا تُعْرف عينه فكيف عدالته. انتهى. ومقتضاهُ أنَّه لو كانت عدالته وعينه معروفتين، وإنَّما جُهِلَ اسمهُ فلا يضرُّ، وبه صرَّحَ في «التدريب» و «شرحه» (١). قال: ومَن عُرفت عينه وعدالته وجُهل اسمه ونسبه احتُجَّ به، وفي الصحيحين من ذلك كثير كقولهم: ابن فلان أو والد فلان، وقد جزمَ بذلك الخطيب في «الكفاية»، ونقله عن القاضي أبي بكر

стр. 194

ولا يُقبَل مَنْ به بدعةُ كفرٍ، أو يدعو إلى بدعةٍ، وإلَّا قُبِلَ؛ لاحتجاج البخاريِّ وغيره بكثيرٍ من المبتدعين غير الدُّعاة، الباقلاني، وعلَّله بأنَّ الجهل باسمه لا يخلُّ بالعلم بعدالته، ومَثَّلَهُ بحديثِ ثُمَامَة: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ عن النَّبِيذِ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ خَادِمُ رَسُوْلِ الله ﷺ -لَجَارِيَةٍ حَبَشِيَّةٍ- فَسَلْهَا … » الحديث. انتهى. قوله: (وَلَاْ يُقْبَلُ مَنْ بِهِ بِدْعَةُ كُفْرٍ)؛ أي: لا يحتجُّ بحديثه، وهو كما في «شرح المهذب» المُجَسِّم، ومن يُنكر العلمَ بالجزئيات، قيل: وقائل خلق (١) القرآن كما نصَّ عليه الشافعي واختاره البُلقيني، وظاهرُ إطلاق الشارح أنَّ كلَّ كافرٍ ببدعةٍ يُرَدُّ، قال شيخ الإسلام: والتحقيقُ أنَّهُ لا يردُّ كُلُّ مُكَفَّر ببدعته؛ لأنَّ كلَّ طائفة تدَّعِي أن مُخالفتها مُبتدِعة، وقد تُبالغ فتُكَفِّرُ، فلو أُخِذَ ذلكَ على الإطلاق لاستلزمَ تكفيرَ جميعِ الطَّوَائف، قال: والمعتمدُ أن الذي تُرَدُّ روايته مَن أنكر أمرًا متواترًا من الشرع، معلومًا من الدين بالضرورة أو اعتقد عكسه، أمَّا من لم يكن كذلك وكان ضابطًا لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله. قوله: (أَوْ يَدْعُو إِلَى بِدْعَةٍ)؛ أي: أو لم تكن بدعته بدعة كفرٍ لكنه يدعو إلى بدعته فلا يحتجُّ به أيضًا؛ لأنَّ تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه. قوله: (وَإِلَّا)؛ أي: بأنْ لم تكن بدعته بدعة كفر ولم يدعُ إلى بدعته. وقوله: (قُبِلَ)؛ أي: على الراجح الذي عليهِ أكثرُ العلماء، وقيل: غيرُ الكافر ببدعته لا يحتج به مطلقًا أيضًا؛ لأنَّه فاسق ببدعته وإن كان متأوِّلًا كما يستوي الكافر المتأول وغيره. وقيل: يحتجُّ به إن لم يكن ممَّن ينتحل الكذب في نُصرة مذهبه أو لأهلِ مذهبه سواءٌ كان داعيةً أم لا، وحُكِيَ هذا القولُ عن الشافعي؛ لأنَّه قال: أقبل شهادة أهل الأهواء إلَّا الخطَّابية؛ لأنَّهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم. وقيَّد جماعة قبوله بما إذا لم يرو ما يقوي بدعته، وبه جزم شيخ الإسلام في «النخبة». والصحيح أنَّه لا تُقبل رواية الروافض وسابِّ السلف كما ذكره النووي في «الروضة»؛ لأنَّ سُباب المسلم فسوق، والصحابة والسلف أولى، وقد صرَّحَ بذلك الذهبي في «الميزان» فقال: البدعةُ على ضربين: صغرى كالتشيُّع بلا غلوٍّ، أو بغلوٍّ كَمَّنْ تكلمَ في حقِّ مَنْ حاربَ عليًّا، فهذا كثير في التابعين

стр. 195

ويُقبَل التَّائب وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدَّ هؤلاء لذهب جملة من الآثار، ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحطِّ على أبي بكر وعمر والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لا يحتجُّ بهم ولا كرامة. انتهى. قال الجلال السيوطي: وهذا هو الصواب الذي لا يحلُّ لمسلمٍ أن يعتقد خلافه. تنبيه: من المُلحقِ بالمُبْتَدِعَة مَنْ دأبه الاشتغال بعلوم الفلسفة والمنطق والطبيعة ونحوها، فإن اعتقدَ ما فيها من قِدَم العالم ونحوه فكافرٌ، أو ما ورد الشرع بخلافه وأقام الدليل الفاسد على طريقتهم خُشي عليه أن تَغْلِبَ تلكَ العقائدُ على قلبِهِ فيكون ممن رانَ على قُلوبهم ما كانوا يكسبون، وقد صَرَّحَ بالحطِّ على مَن ذكر وعدم قبول روايتهم وأقوالهم ابن الصلاح والنووي وغيره من الشافعية، وابن عبد البر وغيره من المالكية، والحافظ سراج الدين القزويني وغيره من الحنفية، وابن تيمية وغيره من الحنابلة. فائدة: حكى النووي أنَّ الناقلين للحديث سبع طبقات، ثلاثٌ مقبولة وثلاثٌ مردودة، والسابعة مختلف فيها. فالأولى من المقبولة: أئمة الحديث وحفاظهم؛ يُقبل تفرُّدهم، وهم الحجَّة على من خالفهم. والثانية: دونهم في الحفظ والضبط لحقهم بعضُ وَهَمٍ. والثالثة: قوم ثبت صدقهم ومعرفتهم لكن جنحوا إلى مذهب الأهواء من غير أن يكونوا غلاة ولا دعاة، فهذه الطبقات تَحَمَّلَ أهلُ الحديث الروايةَ عنهم، وعليهم يدور نقل الحديث. والأولى من المردودة: مَنْ وُسِمَ بالكذب ووَضْعِ الحديث. والثانية: مَن غلب عليه الوَهَمُ والغلط. والثالثة: قوم تغالَوا في البدعة ودعوا إليها فحرَّفوا الروايات ليحتجوا بها. وأما السابعة المختلف فيها: فقوم مجهولون انفردوا بروايات، فقَبِلَهم قوم وردهم آخرون. انتهى. قوله: (ويقبل التائب)؛ أي: من الفسق والكذب كالشهادة لكن في غير الكذب في الحديث النبوي، أما هو فلا تُقبل رواية التائب منه أبدًا وإن حسُنت طريقته على ما قاله الحميدي والصيرفي من

стр. 196

وينبغي أن يُعرَف من اختلط من الثِّقات في آخر عمره لفساد عقله وخرفه؛ ليتميَّز من سمع منه قبل ذلك، فيُقبَل حديثه، أو بعده فيُرَدُّ، ومن رُوِيَ عنه منهم في الصَّحيحين (١) الشافعية وهو مذهب الإمام أحمد، وصادمه النووي وقال: إنه مخالف لقواعد المذاهب، فردَّه الجلال في «شرح التقريب» وقال: ليس بمخالف، والحق ما قاله الإمام أحمد؛ لأنَّ الظاهرَ تَكَرُّرُ ذلك منه حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما روى من حديثه فوجب إسقاط الكل. انتهى. قوله: (وينبغي أن يُعرَف من اختلط)؛ أي: اختلَّ ضبطُهُ، قال النَّووي: وهذا مهمٌّ لا يُعْرَف فيه تصنيفٌ مفردٌ، وهو حقيقٌ به. انتهى. وقد صنَّفَ فيه الحافظ العلائي وغيره. قوله: (وخُرْقِهِ) قال في «القاموس»: الخُرق بالضم وبالتحريك ضد الرفق، وأن لا يُحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور والحُمق، ثم قال: خَرِقَ كفرح وكرم. انتهى. وربما اختلطَ لذهاب بصره أو تلف كتبه، والاعتماد على حفظه. قوله: (أو بعده)؛ أي: أو شكَّ فيه، ويُعرف ما ذكر باعتبار الرواة عنهم، فمنهم عطاء بن السائب اختلط في آخر عمره فاحتجوا برواية الأكابر عنه كالثوري وشعبة وابن عيينة، رُوي عنه أنَّه قال: سمعت من عطاء قديمًا، ثمَّ قَدِم علينا قَدمةً فسمعته يُحدث ببعضِ ما كنت سمعتُ فخلط فيه فاتقيته واعتزلته، وسَمِعَ منه قبل الاختلاط أيضًا: هشام الدَّسْتوَائي ويحيى بن سعيد وحماد بن زيد، وجميع مَن سمع منه غير أولئك فبعدَ الاختلاط. ومنهم: أبو إسحاق السَّبِيْعِي، وممَّن سمعَ منه بعد الاختلاط سُفيان بن عُيينة، ولذا لم يخرج له الشيخان من روايته عنه شيئًا، وقَبْلَهُ جرير بن حازم وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش. ومنهم: ابن أبي عَرُوْبَة، وممَّن سمع منه قبل الاختلاط يزيد بن هارون وعَبْدَة بن سليمان وعبد الله ابن المبارك، وأخرج له الشيخان عن: روح بن عبادة، وعبد الأعلى، ويزيد بن زُريع، وغيرهم، وبعد الاختلاط: المُعافى بن عِمران، ووكيع، والفضل بن دُكين. ومنهم: سُفيان بن عُيينة اختلط قبل موته بسنتين، قال الذهبي: ويغلبُ على ظني أنَّ سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل ذلك. انتهى. وممن سمعَ منه في التَّغَيُّرِ: محمد بن عاصم.

стр. 197

محمولٌ على السَّلامة، وقد أعرضوا عن اعتبار هذه الشُّروط في زماننا؛ لإبقاء سلسلة الإسناد، فيُعتبَر البلوغ والعقل والسَّتر والإتقان ونحوه. ولألفاظ التَّعديل مراتبُ: ومنهم: عارمٌ محمد بن الفضل السَّدُوسي، قال البخاري: تغيَّرَ في أواخر عمره، وقال أبو حاتم: مَن سمع منه سنة عشرين ومئتين فسماعه جيد. انتهى. وممَّن سمع منه قبل الاختلاط عبد الله المسندي وأبو حاتم وأبو علي محمد بن أحمد، وبعده علي بن عبد العزيز والبغوي وأبو زُرعة. ومنهم: أبو قلابة الرَّقَاشي قال ابن خُزيمة: حدثنا أبو قِلابة بالبصرة قبل أن يختلطَ ويخرج إلى بغداد. فظاهره أن من سمع منه بالبصرة فسماعه صحيحٌ، وذلك كأبي داود السجستاني، وابنه أبي بكر وابن ماجه وأبي عَرُوْبَة، وممَّنْ سمعَ منه ببغداد أحمد بن كامل القاضي، وأبو سُهيل بن زياد، وعُثمان بن أحمد السماك، وأبو العبَّاس الأَصَمُّ. ومنهم: أبو بكر القَطِيْعِي راوي «مسند أحمد» و «الزهد» عن ابنه عبد الله، قال ابن الصلاح: اختلَّ في آخرِ عُمُرِهِ وخرق حتى كان لا يعرف شيئًا مما يقرأ عليه، وَرُدَّ بأنَّه لم يثبتْ ذلك، ولو ثبت فممنْ سَمِعَ منه حال صحته الحاكم والدَّارقطني وأبو نُعيم وأبو علي التميمي راوي «المسند» عنه؛ فإنَّه سمعه عليه. قوله: (عَلَى السَّلَامَةِ)؛ أي: من الاختلاطِ. قوله: (وَقَدْ أَعْرَضُوْا)؛ أي: المتأخرون. وقوله: (لِابْقَاءِ السِّلْسِلَةِ)؛ أي: لكونِ المقصود الآن هو إبقاء سلسلة الإسناد، عبارة «التقريب» و «شرحه»: أعرض الناس في هذه الأزمان المتأخرة عن اعتبار مجموع هذه الشروط المذكورة في رواية الحديث ومشايخه لتعذُّرِ الوفاءِ بها على ما شُرط، ولكون المقصود الآن صار إبقاء سلسلة الإسناد المختص بهذه الأمة المحمدية، والمحاذرة من انقطاع سلسلتها فليُعتبر من الشروط ما يليقُ بالمقصود وهو كون الشيخ مسلمًا. انتهى. قوله: (السَّتْرُ)؛ أي: بأنْ لا يكونَ مُتظاهرًا بفسقٍ أو سُخف يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ. قوله: (والإِتْقَانُ) قال النووي: ويُكتفى في ضبطه بوجودِ سماعه مُثبتًا بخطِّ ثقةٍ غيرِ مُتَّهَمٍ، وبروايته من أصل صحيح موافق لأصل شيخه. انتهى. قوله: (وَلِأَلْفَاظِ التَعْدِيْلِ مَرَاتِبٌ) جعلها النووي وابن الصلاح أربعًا فتَبِعهم الشارح، وجعلها الذهبي والعراقي خمسة، وشيخ الإسلام ستة، وتُقبل الشهادة بما ذكر من واحد كالشافعي وأحمد والبخاري كما سبقت الإشارة إليه.

стр. 198

أعلاها: ثقةٌ أو متقنٌ أو ضابطٌ أو حجَّةٌ. ثانيها: خَيِّرٌ، صدوقٌ، مأمونٌ، لا بأسَ به، وهؤلاء يُكتَب حديثهم. ثالثها: شيخٌ، وهذا يُكتَب حديثه للاعتبار قوله: (أَعْلَاهَا)؛ أي: بِحَسب ما ذكره. وأما المرتبة التي زادها الذهبي والعراقي فإنها أعلى من هذه، وهي ما كُرِّرَ فيهِ أحدُ هذه الألفاظ المذكورة أعني: (ثقة أو متقن … ) إلى آخره، إمَّا بعينه (كثقة ثقة) أو لا (كثقة ثبت) أو (ثقة حجة) أو (ثقة حافظ)، والرتبة التي زادها شيخ الإسلام أعلى من مرتبة التكرير: وهي الوصف بأفعل (كأوثق الناس) و (أثبت الناس) أو نحوه كـ (إليه المنتهى في الثَّبْتِ). قال الجلال: ومنه: (لا أحدَ أثبتُ منه) و (مَنْ مثل فلان) و (فلان يُسأل عنه؟!) على تقدير همزة الاستفهام الإنكاري، وهذه الثلاثة في ألفاظهم. انتهى. فالمرتبةُ التي ذكرها الشارحُ أعلى؛ وهي ثالثةٌ في الحقيقة. قوله: (أَوْ ضَابِطٌ أَوْ حُجَّةٌ)؛ أي: أو ثبتٌ أو عدلٌ حافظ. قوله: (ثَانِيْهَا)؛ أي: المراتب، وهي رابعةٌ بحسب ما ذكرناه. قوله: (خَيِّرٌ)؛ أي: أو (خيار) أو (محله الصدق) على ما ذكره النووي، وجعلَ الذهبي قولهم: (محله الصدق) مؤخَّرًا عن قولهم: (صدوق) إلى المرتبة التي تليها، وتبعه العراقي؛ لأنَّ صدوقًا مبالغةٌ في الصدق بخلاف محله الصدق، فإنَّه دالٌّ على أنَّ صاحبه محلُّهُ ومرتبتُه مطلقُ الصدقِ. قوله: (وَهَؤُلَاءِ)؛ أي: أصحاب هذه المرتبة الثانية في كلامه. وقوله: (يُكْتَبُ حَدِيْثُهُم) كانَ عليه أن يزيدَ: وينظر فيه، كما قاله ابن أبي حاتم ونقله النووي وابن الصلاح؛ فإنَّ هذا هو محل الفائدة، وإلَّا فما قبل هذه المرتبة يُكتب حديثهم أيضًا لكن من غير نظرٍ كما أطلقه ابن الصلاح والنووي والجلال وغيرهم، وإنَّما ينظر في حديث هؤلاء. قال ابن الصلاح: لأنَّ هذه العبارة لا تُشعر بالضبط فيُعتبر حديثهم بموافقة الضابطين، ولو أَخَّرَ هذه العبارة عن قوله: (ثَالِثُهَا: شَيْخٌ) وقالها مع قوله: (للاعْتِبَارِ) ليُفيدَ أنَّ أهلَ هاتين المرتبتين يُكتب حديثُهُم للاعتبار كان أوفق، بل لو أخَّرها عن الرابعة كان أولى وأخصر. قوله: (ثَالِثُهَا) هي الخامسةُ بحسبِ ما ذكرنا. قوله: (شَيْخٌ) زادَ العراقي في هذه المرتبة قولهم: (إلى الصدق ما هو)، وقولهم: (شيخ وسط)

стр. 199

رابعها: صالح الحديث، فيُكتَب ويُنظَر فيه. ولألفاظ التَّجريح مراتب أيضًا، أدناها: ليِّن الحديث، و (جيد الحديث) و (حسن الحديث)، وزادَ شيخ الإسلام: (صدوق سيئ الحفظ) و (صدوق له أوهام) و (صدوق مخطئ) و (صدوق تغير بآخرة). انتهى. وقالوا: معنى (إلى الصدق ما هو)؛ أي: هو قريب إلى الصدق، فما زائدة والجار والمجرور متعلقٌ بـ (قريب) مقدرًا. قال شيخ الإسلام: وفي هذه المرتبة مَن رُمي بنوع بدعةٍ كالتَّشيع والقدر والإرجاء فيُكتب حديث جميع هؤلاء للاعتبار؛ أي: النظر فيه. قوله: (صَالِحُ الْحَدِيْثِ) زاد العراقي في هذه أيضًا: (صدوق إن شاء الله) (أرجو أن لا بأس به) (صويلح) وزاد شيخ الإسلام: (مقبول). قوله: (وَيُنْظَرُ فِيْهِ) الحاصلُ حسبما يظهرُ من صنيعهم أنَّ الثلاث مراتب الأولى من السِّت التي ذكرناها يُكتب حديثهم من غير نظرٍ، والثلاث الأخر يكتب حديثهم للنظر، وإن كان بعضها في كلٍّ أعلى من بعض. قوله: (وَلِأَلْفَاظِ التَّجْرِيْحِ) بالجيم قبل الراء وبالمهملة آخره. وقوله: (مَرَاتِبُ) عَدَّهَا أربعةً وهي أكثرُ كما سترى. قوله: (أَدْنَاهَا)؛ أي: أَقَلُّها بحيث يقرب من التعديل. قوله: (لَيِّنُ الحَدِيْثِ) قال حمزة بن يوسف السَّهمي: قلت للدَّارَقُطْنِي إذا قلت: (فلان لين الحديث) أي شيء تريد؟ فقال: إذا قلت: لينُ الحديث، لم يكن ساقطًا متروك الحديث، ولكن مجروحًا بشيء لا يسقط عن العدالة. قال العراقي: ومن هذه المرتبة قولهم: (فيه مقال) و (ليس بالمتين) و (ليس بحجة) و (ليس بعمدة) و (ليس بمرضي) و (فيه خُلْفٌ)، و (تكلموا فيه) و (طعنوا فيه) و (سيِّئ الحفظ) و (مطعون فيه) و (تَعْرِفُ وتُنْكِر) و (للضعف ما هو). انتهى. ومعنى: (تَعْرِفُ وتُنْكِر)؛ أي: يأتي مرةً بالمشاهير المعروفة ومرة بالمناكير، ومعنى: (للضعف ما هو)؛ أي: هو قريبٌ للضعف كما سبق في (للصدق ما هو).

стр. 200

يُكتَب ويُنظَر فيه اعتبارًا. ثانيها: ليس بقويٍّ، وليس بذاك. ثالثها: مقارب الحديث، أي: رديئه رابعها: متروك الحديث لا يُكتَب، وكذَّابٌ، ووضَّاعٌ، ودجَّالٌ، وواهٍ، وواهٍ بِمَرَّةٍ؛ بموحَّدةٍ مكسورةٍ فميمٍ مفتوحةٍ وراءٍ مُشَدَّدةٍ، أي: قولًا واحدًا لا تردُّد فيه، قوله: (وَيُنْظَرُ)؛ أي: فيه. قوله: (ثَانِيْهَا: لَيْسَ بِقَوِيٍّ)؛ أي: فهي أشدُّ في الضعف من الأولى، ويكتب حديثها للاعتبار أيضًا، لكن عدَّ الشارح (ليس بذاك) و (ليس بذلك) منها، بلْ هي من المرتبة الأولى أعني (لين الحديث) كما في «التقريب» و «شرحه» وعبارته: (ليس بذلك) (ليس بذاك) أو (في حديثه ضعفٌ) هذه من مرتبةِ لينِ الحديث وهي الأولى. انتهى. قوله: (ثَالِثُهَا: مُقَاربُ الحَدِيْثِ)؛ أي: رديئه، ما جرى عليه الشارح من أنَّ ذلك جرحٌ، تبع فيه ابن السيد، لكنه ذكر أنَّه إنَّما يكون جرحًا إذا كان بفتح الراء، أما بكسرها فهو تعديل. قال العراقي: وليس ذلك بصحيح بل الفتح والكسر معروفان حكاهما ابن العربي في «شرح الترمذي»، قال: وهما على كل حالٍ من ألفاظ التعديل، وممَّن ذكر ذلك الذهبي قال: وكأنَّ قائل ذلك فَهِمَ من فتح الراء أنَّ الشيء المقارَب هو الرديء، وهذا من كلام العوام وليس معروفًا في اللغة، وإنَّما هو على الوجهين من قوله ﷺ : «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا» فَمَنْ كَسَرَ قال: إنَّ معناه حديثه مقارِبٌ لحديث غيره، ومن فَتَحَ قال معناه: أنَّ حديثه يقاربه حديث غيره، ومادة (فاعل) تقتضي المشاركة. انتهى. والظاهر أنَّها في رتبة (للصدق ما هو) وبه تعلم ما في كلام الشارح لو أبدل ذلك بقوله: (ضعيف الحديث) كما جعلها غيره مرتبة ثالثة كان أولى، قال في «التقريب»: وإذا قالوا: ضعيف الحديث فدون (ليس بقوي)، ولا يُطرح بل يُعتبر به أيضًا، قال القسطلاني: وهذه مرتبة ثالثةٌ، ومن هذه المرتبة فيما ذكره العراقي (ضعيفٌ) فقط، (منكر الحديث)، (حديثه منكر)، (واه)، (ضعَّفوه). انتهى. ومن هذه المرتبة أيضًا: (مجهول الحديث)، (مضطربه)، (لا يحتج به). قوله: (رَابِعُهَا: مَتْرُوْكُ الحَدِيْثِ) قال أحمد بن صالح: لا يقال: فلان متروك الحديث إلَّا أن يُجمع الجميع على تركه. انتهى.

стр. 201

فهؤلاء ساقطون لا يُكتَب عنهم. وفي عَدِّ الشارح هذه مرتبة رابعة نظرٌ، بل هي خامسة، وقبلها مرتبة هي الرابعة حقيقة كما في «شرح التقريب» وغيره وهي قولهم: (رُدَّ حديثه) أو (رَدُّوا حديثه) أو (مردودُ الحديث) أو (ضعيفٌ جدًّا) أو (طرحوا حديثه) أو (مطروح الحديث) أو (ارم به) أو (ليس بشيء) أو (لا يساوي شيئًا)، ومنها ما ذكره الشارح من قولهم: (واهٍ) و (واهٍ بمرةٍ)، وما عَدَّهُ في أول هذه المرتبة؛ أعني: ما جعلها رابعة من قوله: (متروك الحديث) ليس منها، بل هو من مرتبة أنزل منها وهي الخامسة. ومن ألفاظها؛ -أي: تلك الخامسة- قولهم: (متروك) و (تركوه) و (ذاهب) أو (ذاهب الحديث) و (ساقط) و (هالك) و (فيه نظرٌ) و (سكتوا عنه) و (لا يعتبر به) و (لا يعتبر بحديثه) و (ليس بالثقة) و (غير ثقة) و (ليس بمأمون) و (مُتهم بالكذب أو بالوضع). وقول الشارح أيضًا: (كذَّاب) و (وضَّاع) مرتبة سادسة لا من الرابعة، ومن ألفاظها أيضًا: (مثله يكذب) فجملة المراتب ستُّ مراتبٍ على الوجه الذي سُقناه كما يؤخذ من «شرح التقريب» والملخص، ففيما ذكره الشارح من ترتيبها وسرد كلماتها نظر. قوله: (وَهَؤُلَاْءِ … لَاْ يُكْتَبُ عَنْهُم)؛ أي: ولا يُعتبر بهم ولا يُستشهد، وظاهرُ صنيع الشارح أنَّ اسم الإشارة راجعٌ لما عدا المرتبة الأولى، وليس كذلك، بل للمرتبة الرابعة على ما فيها مما وضحَ لك من أنَّه رَكَّبَ هذه المرتبة من ثلاث مراتبٍ فلا تغترَّ به. تنبيه: ما ذُكِرَ من المراتبِ صريحٌ في أنَّ العَدَالة تتجزأُ لكنه باعتبار الضبط. قال الجلال السيوطي: وهل تتجزأ باعتبار الدِّين؟ وجهان في الفقه، ونظيره الخلاف في تجزُّؤِ الاجتهاد وهو الأصح فيه، وقياسُهُ يتجزأُ الحفظُ في الحديث فيكون حافظًا في نوعٍ دونَ نوع من الحديث، وفيه نظر. انتهى. قلت: لعلَّ وجه النظر أنَّ الحفظ بمعنى الضبط وعدم التساهل يكون سَجِيَّةً لا تتخلف، فلا يتفاوت في نوعٍ من المسموع دون آخر، ولك أن تقول بل يتفاوت في الأنواع بسبب الالتفات والاعتناء ببعضها لحاجته إليه دون بعض؛ كأن يجعل همته في أحاديث الأحكام مثلًا أزيد منها في أحاديث الترغيب والترهيب، فيتفاوت حينئذٍ ضبطه وحفظه.

стр. 202

وفي روايةِ مَنْ أَخَذَ على الحديث تَرَدُّدٌ، وفي المتساهل في سماعه وإسماعه؛ كمن لا يبالي بالنَّوم فيه، أو يحدِّث لا من أصلٍ مُصحَّحٍ، أو كثير السَّهو في روايته، إن حدَّث من غير أصلٍ، أو أكثر من الشَّواذِّ والمناكير في حديثه، ومن غلط في حديثه، فبُيِّن له وأصرَّ عنادًا ونحوه؛ سقطت روايته. ويُستَحبُّ الاعتناء ب ضبط الحديث وتحقيقه نقطًا وشكلًا، قوله: (وِفِيْ رِوَايَةِ مَنْ أَخَذَ) بالإضافة؛ أي: رواية الشخص الذي يأخذ على التحديث أجرةً. وقوله: (تَرَدُّدٌ)؛ أي: اختلاف، فذهبَ الإمام أحمد وإسحاق بن رَاهُوْيَه وأبو حاتم الرازي إلى أنَّه لا تُقبل روايته، وذهب الفضل بن دُكين شيخ البخاري وعلي بن عبد العزيز البَغَوي وآخرون إلى قَبولها، وأفتى أبو إسحاق الشِّيرازي بجواز الأخذ لمن امتنع عليه الكسب بسبب التحديث، ويشهد له جواز أخذ الوصي الأجرة من مال اليتيم إذا كان فقيرًا واشتغل بحفظه عن الكسب، من غير رجوع عليه لظاهرِ القرآن. قوله: (وَفِي المُتَسَاهِلِ) عطف على مَن أخذ على الحديث جُعْلًا ففيهِ تردُّدٌ أيضًا. قوله: (مُصَحَّحٍ)؛ أي: مُقَابلٍ على أصلهِ أو أصل شيخه؛ أي: ويكون ذلك الشخص معروفًا بقبول التلقين، بأن يُلَقن الشيء فيُحدِّث به من غير أن يعلم أنَّه من حديثه كما وقع لموسى بن دينار ونحوه. قوله: (مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ) فإنْ حدَّثَ من أصلٍ صحيحٍ فلا عبرةَ بكثرةِ سهوه؛ لأنَّ الاعتماد حينئذ على الأصل لا على حفظه. قوله: (بِالنَّوْمِ فِيْهِ)؛ أي: في السماع منه أو عليه. قوله: (أَوْ أَكْثَرَ [من] الشَّوَاذَّ … ) إلى آخره، قال شُعبة: لَا يَجِيئُكَ بِالحَدِيثِ الشَاذِّ إِلَّا الرَّجُلُ الشّاذُّ. قوله: (وَمَنْ غَلِطَ) مبتدأ خبره: (سقطت). قوله: (فَبُيِّنَ لَهُ)؛ أي: بيَّنَ له غيرُهُ غلطه. قوله: (سَقَطَتْ رِوَايَتُهُ) قال ابن الصلاح: هذا صحيحٌ إن ظهرَ أنَّه أصرَّ عنادًا ونحوه، قال العراقي: وقيَّدَ ذلك بعض المتأخرين بأن يكون المُبيِّن عالمًا عند المبيَّن له، وإلا فلا حرجَ إذًا. انتهى. قوله: (بِضَبْطِ الحَدِيْثِ)؛ أي: في الكتابةِ.

стр. 203

وإيضاحًا من غير مَشْقٍّ ولا تعليقٍ، بحيث يُؤمَن معه اللَّبس، وإنَّما يَشكِل المُشكِل، ولا يشتغل بتقييد الواضح. وصوَّب عيَّاضٌ شَكْل الكلِّ للمبتدئ وغير المُعرِب، ورأى بعض مشايخنا قوله: (مِنْ غَيْرِ مَشْقٍ وَلَاْ تَعْلِيْقٍ) هُما نوعان من أنواع الخط غير مبينين بيان غيرهما، بل فيهما نوع خفاء، وقد ذكرتهما في «سعود الطالع» مع باقي أنواع الخط فاغنم بمراجعته الحظ (١). قوله: (بِحَيْثُ يُؤْمَنُ مَعَهُ اللَّبْسُ)؛ أي: ليؤديه كما سمعه، وفي نقْطه وشكْله أمنٌ من اللَّبس. قال الأوزاعي: نورُ الكتاب إعجامه. قال الرامهرمزي: أي نَقْطه؛ بأن يبين التاء من الياء، والحاء من الخاء، قال: والشَّكْل تقييد الإعراب. وقال ابن الصلاح: إعجامُ المكتوب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله، قال: وكثيرًا ما يعتمدُ الواثق على ذهنه، وذلك وخيمُ العاقبة فإنَّ الإنسان معرَّض للنسيان. انتهى. وقيل: إنَّ النصارى كفروا بلفظةٍ أخطؤوا في إعجامها وشكلها؛ فإن الله قال في الإنجيل لعيسى: (أنت نبيي وَلَّدتُك من البتول) بتقديم النون على الموحدة في نبي، وتشديد لام (ولدتك) فصحفوها، وقالوا: (أنت بنيي وَلَدْتُكَ) مخففة. وقيل: أولُ فتنة وقعت في الإسلام سببها ذلك أيضًا؛ وهي فتنة عثمان ﵁ فإنَّه كتبَ للذي أرسله أميرًا إلى مصر إذا جاءكم «فاقبلوه» بالموحدة، فصحفوها «فاقتلوه» بالفوقية فجرى ما جرى، وكتبَ بعض الخلفاء إلى عاملٍ له ببلدٍ: أن احْصِ المخنثين بالحاء المهملة أي بالعدد، فصحَّفها بالمعجمة فخصاهم. قوله: (وَإِنَّمَا يَشْكُلُ)؛ أي: قيلَ لا يَشكُلُ الكلَّ، بلْ يَشْكُلُ المُلتبسَ فقط؛ إذ لا حاجة إلى الشكل في غيره، وقالوا: يُكره النَّقْط والشَّكْلُ في الواضح، ويَشْكِل بفتح الياء وكسر الكاف من شكل الكتاب. ويستحبُ ضبطُ المُشكل في نفس الكتاب، وكَتْبِهِ أيضًا مضبوطًا واضحًا في الحاشية قُبالته، فإن ذلك أبلغُ؛ لأنَّ المضبوطَ في نفسِ الأسطر رُبَّمَا داخله نقطُ غيره وشكله مما فوقه أو تحته لاسيما عند ضيقها ودقة الخط، قال ابن دقيق العيد: من عادةِ المتقدمين أن يُبالغوا في إيضاحِ المُشكل، فيفرقوا حروف الكلمة في الحاشية ويضبطوها حرفًا حرفًا. قوله: (لِلْمُبْتَدِئِ … ) إلى آخره، عبارته: لا سيما للمبتدي وغير المُتَبَحِّر في العلم، فإنَّهُ لا يميزُ ما يُشْكِل ممَّا لا يُشْكِلُ، ولا صوابَ وجه إعراب الكلمة من خطئه، قال العراقي: وربما ظنَّ أنَّ الشيء غير

стр. 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مُشكل لوضوحه، وهو في الحقيقةِ محلُّ نظرٍ محتاجٍ إلى الضبط، وقد وقعَ بين العلماء خلافٌ في مسائل مرتبة على إعراب الحديث، كحديث: «ذَكَاةُ الجَنِيْنِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» فاستدلَّ بهِ الجمهور على أنَّه لا تجب ذكاة الجنين بناء على رفع ذكاة أمه، ورجح الحنفية الفتح على التشبيه، أي: يُذكَّى مثل ذكاة أمه. تنبيهٌ: يُكرهُ تدقيقُ الخطِّ؛ لأنَّه لا ينتفع به مَن في نظرهِ ضعفٌ، إلَّا من عُذْرٍ، كضيقِ وَرَقٍ أو تخفيفٍ لحِمْلٍ في سفرٍ. ولا ينبغي أن يصطلح مع نفسه في كتابه برمزٍ لا يعرفه الناس فيوقعُ غيره في حيرة في فهم مراده؛ فإنْ فعل ذلك فليبين أوَّل الكتاب أو آخره مراده، قال النووي كابن الصلاح: وينبغي أن يجعلَ بين كلِّ حديثين دائرةً للفصل بينهما، كما نُقل ذلك عن جماعات كأحمد ابن حنبل وابن جرير. ويُكره في مثل عبد الله وعبد الرحمن بن فلان وكل اسم مضاف إلى الله كتابة عبد آخر السطر واسم الله مع أن فلان أول الآخر، بل أوجب اجتناب مثل ذلك الخطيب وابن بطة، وكذا يُكره في رسول الله أن يكتب رسول آخره والله أوَّله. انتهى. قال الجلال: وكذا كلُّ ما أشبه ذلك من المُوْهمات المستبشعات؛ كأنْ يكتب (قاتلُ) من قوله: «قاتل ابن صفية في النار» في آخر السطر، وابن صفية في أوله، أو يكتب: (فقال) من قوله في حديث شَارِبِ الْخَمْرِ: (فَقَالَ عُمَرُ: أَخْزَاهُ الله) آخره، وعمر وما بعده أوَّله، ولا يُكره فصلُ المتضايفين إذا لم يكن مثل ذلك: كسبحان الله العظيم مع أن جمعهما في سطر أولى. انتهى. وينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ كلما ذُكر ولا يَسْأَمَ تكراره، ولا يتقيد فيه بما في الأصل إن كان ناقصًا بل يكتبهُ ويتلفظُ به عند القراءة مطلقًا؛ لأنَّه دعاء لا كلامٌ يرويه، وإنْ قال بعضهم ينبغي أن تُتبع الأصول والروايات، وعليه جرى الإمام أحمد فكان يُصلي نطقًا لا خطًّا، وكذا ينبغي المحافظة على الثناء على الله تعالى كـ ، والترضي والترحم على الصحابة والعلماء وسائر الأخيار، ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم في كل موضعٍ شُرعت فيه الصلاة، كما في «شرح مسلم» وغيره، قال حمزة الكناني: كنت أكتبُ عند ذكر النَّبيِّ ﷺ الصلاة دون السلام، فرأيت النبي ﷺ في المنام يقول لي: ما لك لا تتم الصلاة عليَّ؟! ويُكره الرمز إليهما في الكتابة بحرف أو حرفين كمَنْ يكتب (صلعم)، ويقال: إنَّ أولَّ من رمزها بـ (صلعم) قُطعت يده.

стр. 205

الاقتصار في ضبط «البخاريِّ» على روايةٍ واحدةٍ، لا كما يفعله من ينسخ «البخاريَّ» من نسخة الحافظ شرف الدِّين اليونينيِّ؛ لما يقع في ذلك من الخلط الفاحش بسبب عدم التَّمييز، ويتأكَّد ضبط الملتبس من الأسماء؛ لأنَّه نقلٌ محضٌ لا مدخل للأفهام فيه؛ كَبُريد -بضمِّ الموحَّدة- فإنَّه يشتبه بيزيد بالتَّحتيِّة، فضبط ذلك أَوْلى؛ لأنَّه ليس قبله ولا بعده شيءٌ يدلُّ عليه، ولا مدخل للقياس فيه، وليُقابِل ما يكتبه بأصل شيخه، قوله: (عَلَى رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ)؛ أي: بأن يضبطَ ألفاظه على ما رواه اليونيني فقط، أو الإسماعيلي فقط، أو الكشميهني فقط، أو غيرهم ممن أخذ عن البخاري، وما ذكرهُ الشارح من أنَّ بعضَ مشايخه رأى ذلك مأخوذ من كلام ابن الصلاح والنووي إذ قال: ينبغي أن يعتني بضبط مختلف الروايات وتمييزها، فيجعل كتابه على رواية واحدة، ثم ما كان في غيرها من زياداتٍ ألحقها في الحاشية، أو نقصٍ علَّمَ عليه، أو خلاف كَتَبَهُ مُعيِّنًا في كل ذلك مَن راويه بتمامِ اسمه لا رامزًا له بحرفٍ أو حرفين من اسمه. قوله: (وَيَتَأَكَّدُ ضَبْطُ المُلْتَبِسِ … ) إلى آخره، ذكر أبو علي الغساني أن عبد الله بن إدريس قال: لما حدَّثني شُعبة بحديث أبي الحَوراء عن الحسن بن علي كتبت تحته ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] لئلا أغلطَ فأقرأهُ أبو الجوزاء بالجيم والزاي. انتهى. قوله: (وَلْيُقَابِلْ مَا يَكْتُبُهُ … ) إلى آخره؛ أي: وجوبًا كما قاله القاضي عياض، وإن أجازهُ الشيخ، روى ابن عبد البر وغيره عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي قالا: ومن كتبَ ولم يعرضْ كان كمن دخل الخلاء ولم يستنجِ. وقال عُروة بن الزبير لابنه هشام: كتبتَ؟ قال: نعم، قال: عرضت كتابك؟ قال: لا، قال: لم تكتب. وفي المسألة حديث ذكره السّمْعاني في «الإملاء» من حديث عطاء بن يسار قال: كَتَبَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ: «كَتَبْتَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «عَرَضْتَ؟» قَالَ: لَاْ، قَالَ: «لَمْ تَكْتُبْ، حَتَّى تَعْرِضَهُ فيَصِحُّ». قال أبو الفضل الجارودي: أصدقُ المعارضة مع نفسك. انتهى.

стр. 206

أو بأصل أصل شيخه المُقابَل به أصل شيخه، أو فرعٍ مُقابَلٍ بأصل السَّماع، وليُعْنَ بالتَّصحيح بأن يكتب «صحَّ» على كلامٍ صحَّ روايةً ومعنًى؛ لكونه عرضةً للشَّكِّ أو الخلاف. وكذا بالتَّضبيب، ويسمَّى: التَّمريض، بأن يمدَّ خطًّا، أوَّله كرأس الصَّاد، قال ابن الصلاح: وهو مذهبٌ متروك، وأفضلها أن يمسك هو وشيخه كتابيهما حال التسميع، وما لم يكن كذلك فهو أنقص رتبة، ولا يُشترط في روايته ذلك نظره ولا مقابلته بنفسه بل يكفي مقابلة ثقةٍ لهُ؛ أي: وقت كان حالَ القراءة وبعدها. قوله: (أَوْ فَرْعٍ مُقَابَلٍ … ) إلى آخره؛ أي: لأنَّ الغرض مطابقة كتابه لأصل شيخه فسواء حصل ذلك بواسطة أو غيرها فإن لم يقابل كتابه بالأصل ونحوه فجزم عياض بمنع الرواية منه مطلقًا، وأجازها أبو إسحاق الإسفرايني وآباء بكر: الإسماعيلي والبُرقاني والخطيب، بشروطٍ ثلاثة: أن يكون الناقلُ للنسخة صحيح النقل قليل السقطْ، وأن ينقل من الأصل، وأن يبين حال الرواية أنَّه لم يُقابل، ولا يكفي السماع على الشيخ من أي نسخة اتفقت. قوله: (وَلْيُعْنَ بِالتَّصْحِيْحِ) في «المُختار» (عُنِيَ بحاجته يُعنى بها -على ما لم يُسم فاعله- عِنَايَةً، فهو بها مَعْنِيٌّ، على مفعول، وإذا أمرت منه قلت: لتُعن بحاجته)؛ أي: مبنيًا للمفعول، قال في «المصباح»: وربما يقال: عُنيت بأمره بالبناء للفاعل. انتهى. باختصار، والعنايةُ بما ذُكرَ شأن المتقنين من الحذاق مبالغةً في العناية بالضبط. قوله: (بِأَنْ يَكْتُبَ … ) إلى آخره، تصويرٌ للتصحيح، فالتصحيح عندهم هو أنْ يكتب ما ذكر ليعرف أنَّه لم يغفل عنه، وأنَّه ضبط وصحَّ على ذلك الوجه، وربما اختصرَ بعضهم علامة التصحيح فكتبها، هكذا صحَّ فأشبهت الضبَّة. قوله: (بِأَنْ يَمُدَّ خَطًّا)؛ أي: على الكلمة التي فيها فسادٌ لفظًا أو معنى أو ضعف أو نحو ذلك. وقوله: (كَرَأْسِ الصَّادِ) الأَولى قطع هذه الرأس، وعبارة «التقريب» و «شرحه»: أن يمدَّ خطًّا أوله كالصاد هكذا صـ. انتهى.

стр. 207

ولا يلصقه بالممدود عليه، على ثابتٍ نقلًا، فاسدٍ لفظًا أو معنًى، أو ضعيفٍ أو ناقصٍ، ومن النَّاقص موضع الإرسال. وإذا كان للحديث إسنادان فأكثر؛ كتبَ عند الانتقال من إسنادٍ إلى إسنادٍ «ح» مفردةً مُهمَلةً؛ إشارةً إلى التَّحويل من أحدهما إلى الآخر، ويأتي مبحثها -إن شاء الله تعالى- في أوائل الشرح. وإذا قرأ إسنادَ شيخِه المحدِّثُ أوَّل الشُّروع وانتهى؛ عطف عليه بقوله في أوَّل الذي يليه: وبه قال: حدَّثنا؛ ليكون كأنَّه أسنده إلى صاحبه في كلِّ حديثٍ. وذلك للفرق بين الصحيح والسقيم حيث كُتب على الأول لفظُ (صحَّ) كاملًا لتمامه، وعلى الثاني بعض هذا اللفظ ليدلَّ نقصُ الحرف على اختلاف الكلمة ويسمى ذلك ضبة، لكون الحرف مقفلًا بها لا يتجه لقراءة كضبة الباب مقفل بها، كما ذكره ابن الصلاح عن بعض اللغويين. قوله: (وَلَاْ يُلْصِقَهُ)؛ أي: هذا الخط الذي هو (صـ) لئلا يظن أنَّه ضربٌ على الممدود عليه. قوله: (عَلَى ثَابِتٍ … ) إلى آخره، متعلقٌ بـ (يمد)؛ أي: يمدُّ هذا التضبيب على لفظٍ ثابت … إلى آخره. وقوله: (لَفْظًا أَوْ مَعْنًى)؛ أي: أو خطأ من جهة العربية أو غيرها، وحكمة هذا التضبيب الإشارة إلى الخلل الحاصل، وأنَّ الرواية ثابتةٌ به لاحتمال أن يأتي من يظهر له فيه وجه صحيح. قوله: (وَمِنَ النَّاقِصِ)؛ أي: الذي يُضبَّب عليه. قوله: (مَوْضِعُ الإِرْسَالِ)؛ أي: أو الانقطاع؛ أي: موضعه في الإسناد. قوله: (إِسْنَادَان فَأَكْثَر)؛ أي: وجمع بينهما في متن واحد. قوله: (كَتَبَ عِنْدَ الانْتِقَالِ)، قيل: ولا يلفظُ عندها بشيءٍ، والمختار أنَّه يقول عند الوصول إليها: حا، ويمر، وأهل المغرب يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث، فهي رمز عندهم لذلك، وكتب جماعة من الحفاظ موضعها: (صح) فيشعر ذلك بأنَّها رمز (صح) لئلا يتوهم أنَّ حديث هذا الإسناد سَقَطَ، ولئلا يُركَّب الإسناد الثاني على الأول فيُجعلا إسنادًا واحدًا. قوله: (إِسْنَادَ شَيْخِهِ) مفعولٌ مقدَّم والمُحدث فاعل مؤخَّر. وقوله: (وَانْتَهَى)؛ أي: الإسنادُ المذكور. قوله: (لِيَكُوْنَ كَأَنَّهُ أَسْنَدَهُ … ) إلى آخره؛ أي: لعود ضمير (وبه) على السَّنَدِ المذكورِ، كأنَّه يقول:

стр. 208

وأنواع التَّحمُّل؛ أعلاها: السَّماع من لفظ الشَّيخ، ويقال فيه: حدثنا أو حدَّثني؛ إذا كان منفردًا، وسمعت أعلى من حدثني، ثمَّ القراءة على الشَّيخ سواء قرأ بنفسه وبالسند المذكور، قال؛ - أي: الشيخ- لنا، فهذا معنى قولهم: وبه قال. قوله: (وَأَنْوَاعُ التَّحَمُّلِ)؛ أي: التَّلقي للحديث، وهي ثمانيةٌ كما ستعرفه. قوله: (السَّمَاعُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ)؛ أي: سواءٌ كانَ إملاءً، وهو التحديث مع التفسير كالجاري الآن، أو تحديثًا من غير إملاءٍ، وسواءٌ كان من حفظ الشيخ أو من كتابه، والإملاء أعلى من غيره وإن استويا في أصلِ الرُّتبة كما قاله الجلال. قوله: (سَوَاءٌ قَرَأَ بِنَفْسِهِ … ) إلى آخره، لا يصحُّ أن يكونَ هذا تعميمًا في السماع من لفظ الشيخ، أما أولًا فإنهُ لا يصحُّ أن يكونَ السماعُ من لفظ الشيخ والقارئ غيره، وأما ثانيًا فإنَّ جميع ما ذكره من هنا إلى قوله: (ثم الإجازة … ) إلى آخره، إنَّما يُناسب القراءة على الشيخ وهو نوع ثان على حِدته من أنواع التحملِ خلطَهُ الشارح بالأول الذي هو السماع من لفظ الشيخ؛ قال في «التقريب»: بيانُ أقسام طرق تَحَمُّلِ الحديثِ ومجامعها ثمانية أقسام: الأول: سماعُ لفظ الشيخ وهو إملاء وغيره، من حفظٍ ومن كتاب، وهو أرفع الأقسام عند الجماهير، قال القاضي عياض: لا خلاف أنَّه يجوز في هذا للسامع أن يقول في روايته: (حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت فلانًا، وقال لنا، وذكر لنا). قال الخطيب: أرفعها «سمعت» ثمَّ «حدَّثنا» و «حدَّثني»، ثم قال: وكان هذا قبل أن يشيع تخصيص «أخبرنا» بالقراءة على الشيخ. وقال بعد ذلك: القسم الثاني: القراءةُ على الشيخ، ويُسميها أكثر المحدثين عرضًا سواء قرأت عليه أو قرأ غيرك وأنت تسمع، إلى أن قال: والأحوط في الرواية بها «قرأت على فلان … » إلى آخره، ما ذكر الشارح. فلو قال بعد قوله: (السماع من لفظ الشيخ) ويقول فيه عند الأداء: (حدَّثنا) أو (حدَّثني)، ثم قال: الثاني القراءة على الشيخ سواءٌ قرأ … إلى آخره، لَمَا خلَّط ولا أوقع في شطط ولوفَّى التقسيمَ حقَّهُ وآتى كلًّا من الأقسام رِزْقَهُ، وقول «التقريب»: ويسميها أكثر المحدثين عرضًا؛ -أي: من حيث إنَّ القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه كما يُعرض القرآن على المقرئ- لكن قال ابن حجر: القراءة

стр. 209

أو قرأ غيره على الشَّيخ، وهو يسمع ويقول فيه عند الأداء: أخبرنا (١)، على الشيخ أعمُّ من العرض؛ لأنَّه عبارةٌ عن عرض الطالب أصل شيخه والقراءة أعم من ذلك، وإذا عرفتَ ذلك فقول الشارح: (سواء قرأ)؛ أي: المقري، فهو تعميمٌ في النوع الثاني وهو القراءة على الشيخ؛ أي: إنَّه يستوي في صحةِ الرواية بالقراءة على الشيخ، القارئ بنفسه عليه والسامع لمن يقرأ عليه، وسواءٌ كانت القراءة من كُلٍّ منهما من كتاب أو حفظ، وعلى كلٍّ من هذه الصور الأربع حَفِظَ الشيخُ ما قُرئ عليه أم لا، إذا أمسك أصله هو أو ثقة غيره. قال العراقي: وهكذا إن كان ثقةٌ من السامعين يحفظ ما قرئ وهو مستمع غير غافل فذلك كافٍ أيضًا، ورجَّحَ شيخ الإسلام الإمساك في الصور كلها عن الحفظ، قال: لأنَّه خوَّان. وشرطَ الإمامُ أحمد في القارئ أن يكون ممنْ يعرف ويفهم، وإمام الحرمين في الشيخ أن يكون بحيثُ لو عرض من القارئ تحريفٌ أو تصحيف لرَدَّهُ، وإلا فلا يصح التحمل بها، والصحيح أنَّ السماع من لفظ الشيخ أعلى من القراءة عليه، لكن اختار شيخ الإسلام أنَّ محله إذا استوى الشيخ والطالب أو كان الطالب أعلم؛ لأنَّه أوعى لما يسمع، أما إن كان مفضولًا فقراءته أولى؛ لأنها أضبط له، قال: ولهذا كان السماع من لفظه في الإملاء أرفع الدرجات؛ لما يلزمُ منه من تحريرِ الشيخ والطالب. قوله: (أَوْ قَرَأَ غَيْرُهُ … ) إلى آخره، قال الجلال: صرَّحَ كثيرون بأن القراءة بنفسه أعلى مرتبة من السماع لقراءة غيره. انتهى. وقال الزركشي: القارئُ والمستمع سواء، أقولُ: الظاهر أخذًا من كلام شيخ الإسلام السابق ما ذكره الجلال، وعليه فتكون هذه المرتبة متفاوتة؛ كما تفاوتت الأولى بالإملاء وغيره على ما سبق عن شيخ الإسلام أيضًا. قوله: (وَيَقُوْلُ فِيْهِ)؛ أي: في النوع الثاني؛ أي: القراءة على الشيخ الذي أسقطه خلافًا لما يُوهمه صنيعه من أنَّه يقول ذلك؛ أي: (أخبرنا) في الأداء بالسماع من لفظ الشيخ؛ إذ ذلك كما عرفت يقول فيه: (حدَّثنا أو حدَّثني) بناء على الشائعِ بين أهل الحديث من الفرق بينهما وتخصيص الأولى بمادة التحديث والثانية بمادة الإخبار للتمييز بين النوعين، وهو مذهب الشافعي وأصحابه ومسلم والنسائي والجمهور، وجوَّزَ كلًّا في كلٍّ الزُّهري ومالك وأبو حنيفة والبخاري وغيرهم، فلا فرق عندهم بين (حدَّثنا) و (أخبرنا) في الأداء بالسماع والقراءة، فلعلَّ الشارح جرى على هذه الطريقة.

стр. 210

والأحوط الإفصاح فإن قرأ بنفسه؛ قال: قرأتُ على فلانٍ، وإلَّا؛ قال: قُرِئَ على فلانٍ وأنا أسمع. قوله: (وَالأَحْوَطُ الإِفْصَاحُ … ) إلى آخره، قال الحاكم: الذي أختارُه وعهدتُ عليه أكثرَ مشايخي وأئمة عصري أن يقول الراوي فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ: (حدَّثني) بالإفراد وفيما سمعه منه مع غيره (حدثنا) بالجمع، وفيما قرأه عليه بنفسه: (أخبرني) وفيما قُرِئَ على المحدِّث بحضرته: (أخبرنا). قال ابن الصلاح: وهو حسنٌ. انتهى. فإنْ شكَّ هل كان وحده حالة التحمل؟. فالأصل عدم غيره فيقول: (حدَّثني أو أخبرني)، أو شك هل قرأ بنفسه أو سمع بقراءة غيره؟ فاستحسن الخطيب أن يقول: (قرأنا)؛ لأنَّه يُستعمل فيما قرأه غيره أيضًا، ثم التفصيل المذكور في ألفاظ الأداء مستحبٌّ باتفاقٍ لا واجبٌ، إنَّما لا يجوز إبدال حدثنا بأخبرنا، أو عكسه في الكُتب المؤلفة. قوله: (قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ) ببناءِ قُرِئَ للمجهول، وعلى فلان جار ومجرور، وفلان كناية عن شيخه. قال النووي: ويلي ذلك عبارات السماع مُقَيَّدَةً بالقراءةِ لا مُطلقةً، كحدثنا أو أخبرنا بقراءتي أو قراءة عليه. انتهى. (فائدة): قول الراوي: (أخبرنا سماعًا أو قراءة) هو من باب قولهم: (أتيته سعيًا وكلَّمته مشافهة) وللنُّحاة فيه مذاهب: أحدها: وهو رأي سيبويه أنها مصادر وقعت موقع فاعل حالًا كما وقع المصدر موقعه نعتًا في (زيدٌ عدل) وأنَّه لا يُستعمل منهما إلَّا ما سُمع لا يقاس، فعلى هذا استعمالُ الصيغة المذكورة في الرواية ممنوعٌ لعدم نُطق العرب بذلك. الثاني: وهو للمُبرِّد أنها ليست أحوالًا بل مفعولاتٍ لفعل مُضمر من لفظها وذلك المضمور هو الحال؛ أي: فالتقدير: (أخبرني حال كوني قارئًا عليه قراءة أو سامعًا سماعًا)، وعليه تخرَّج الصيغة المذكورة، بل كلام أبي حيان في «تذكرته» يقتضي أنَّ (أخبرنا سماعًا) مسموعٌ، و (أخبرنا قراءة) لم يُسمع، وأنَّه يُقاس على هذا القول الثالث وهو للسِّيرَافي أنَّه من باب (جلست قعودًا) منصوب بالظاهر مصدرًا معنويًا.

стр. 211

ثمَّ الإجازة المقرونة بالمُناوَلَة: بأن يدفع إليه الشَّيخُ أصلَ سماعه أو فرعًا مُقابَلًا عليه، قوله: (ثُمَّ الإِجَازَةُ المَقْرُوْنَةُ بِالمُنَاوَلَةِ) لو قال: ثمَّ المناولة المقرونة بالإجازة ثم المجرَّدَةُ عنها كما فعل غيره لكان أسبك وأسلك وأجمع وأجمل، فالمناولة التي هي من أقسام التحمل أعمُّ من أن تكون مقرونةً بإجازة أو لا، فهي القسم الثالث من أقسام التحمل المذكورة، والأصل فيها ما عَلَّقَهُ المصنف في العلم: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا، وقال: لَا تَقْرَأْهُ حتى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فلما بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِي ﷺ » قال السُّهَيْلي: احتجَّ به البخاري على صحةِ المُناولة، وكذلك العالم إذا ناول التلميذ كتابًا جاز له أن يروي عنه ما فيه، قال: وهو فقهٌ صحيحٌ، وفي «معجم البغوي» عن يزيد الرَّقاشي قال: كُنَّا إذا أكثرنا على أنس بن مالك أتانا بمَخالٍ له فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديثُ سمعتها من رسول الله ﷺ وكتبتها وعرضتها. انتهى. ثُمَّ هيَ كما علمتَ ضربان: الأولى: المناولةُ المقرونةُ بالإجازةِ: وهي أعلى أنواع الإجازة مطلقًا، وأعلى صورها كما صَرَّحَ عياض وغيره، ومنه أن يدفعَ الطالب إلى الشيخ سماعه؛ -أي: سماع الشيخ أصلًا أو فرعًا مقابَلًا به- فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ، ثم يناوله للطالب ويقول له: (هو حديثي أو روايتي عن فلان أو عمَّن ذُكر فيه فاروه عني أو أجزت لك روايته) وهذا سمَّاه غير واحدٍ من أئمة الحديث (عَرْضًا) فهذا عرض المناولة، وما سبق عرضُ القراءة. قال النووي: وهذه المناولةُ مُنْحَطَّةٌ عن السماع والقراءة على ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي والمزني وأحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه، وروي عن مالك. قال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا، وإليه نذهب وهو الصحيح، وذهب جماعة كثيرون إلى أنَّها كالسماع في القوة والرتبة، بل نقل ابن الأثير أن بعض أصحاب الحديث جعلها أرفعَ من السماع؛ لأنَّ الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه فوق الثقة بالسماع منه وأثبت، لما يدخل من الوهم على السامع والمستمع.

стр. 212

ويقول: هذا سماعي أو روايتي عن فلانٍ، فاروهِ عني، أو أجزت لك روايته. ثمَّ الإجازة؛ وهي أنواعٌ؛ ومن صور هذا الضرب أن يُناول الشيخُ الطالبَ سماعه ويجيزهُ ثم يُمسكه الشيخ عنده ولا يُبقيه عند الطالب، وهذه دون ما سبقَ لغيبة ما تحمَّله الطالبُ عنه، ويجوزُ روايته عنه إذا وجدَ ذلك الكتاب المناوَلَ له مع غلبة ظنه بسلامته من التغيير، أو وَجَدَ فرعًا مقابلًا به موثوقًا بموافقته ما تناولته الإجازة. وهذه المناولة في مرتبة الإجازة لمُعيَّن من الكتب الخالية عن المناولة، وستأتي على الصحيح، وبعضهم يجعلُ لها مزيَّةً عليها، ومنها أن يأتيه الطالب بكتابٍ ويقول له: هذا روايتك فناولنيه وأجزني روايته. فيجيبه من غير نظر فيه ولا تحقيق لروايته له فهذا باطل، إلَّا أن يثق بخبرِ الطالب ومعرفته وهو ممَّن يعتمد مثله فتصحُّ الإجازة والمناولة، أو يتبين ولو بعد الإجازة أن ذلك من مروياته فيتبين صحة الإجازة كما استظهره العراقي. الضرب الثاني: المناولةُ المجردةُ عن الإجازةِ بأنْ يُنَاوله الكتاب كما تقدَّمَ مُقتصرًا على قوله: (هذا سماعي أو من حديثي) ولا يقول له: (اروه عني) ولا (أجزتك) فلا تجوز الرواية بها على الصحيح عند الفقهاء والأصوليين، وذهب جماعة من أهل الحديث إلى جوازها، قال ابن الصلاح: وعندي أن يُقال: إن كانت المناولة جوابًا لسؤالٍ، كأن قال له: ناولني هذا الكتاب لأرويهُ عنك فناوله ولم يُصرِّحْ بالإذن صحتْ، وجازَ لهُ أن يرويه، وكذا إذا قال: حدَّثني بما سمعت من فلان، فقال: هذا سماعي منه، كما وقع من أنس فتصحُّ أيضًا، وما عدا ذلك فلا. قوله: (عَنْ فُلَانٍ)؛ أي: ويُسميه، وكذا إن لم يُسمه ولكن اسمه مذكور في الكتاب المناول. قوله: (ثُمَّ الإِجَازَةُ) هي القسم الرابع من أقسام التحمل، وهي مُشتقة من التَّجوز، وهو التعدي فكأنَّ الشيخَ عَدَّى روايتهُ حتى أوصلها للراوي، كما ذكره الشارح في «المنهج»، فعليه إذا قال: (أَجزتُ فلانًا كذا) فهو بمعنى: أجزت له. قال الشُّمُنيِّ: وهي في الاصطلاح إذنٌ في الرواية لفظًا أو خطًّا، يفيد الإخبار الإجمالي عُرفًا، وأركانها أربعةٌ: المُجيز، والمُجاز، والمجاز به، ولفظ الإجازة. قوله: (وَهِيَ أَنْوَاعٌ)؛ أي: ثمانية: إجازة لمُعيَّن بمُعيَّن، إجازة لمُعيَّن بغير مُعيَّن،

стр. 213

أعلاها: لمعيَّنٍ، كـ (أجزتُك البخاريَّ) مثلًا، أو أجزتُ فلانًا الفلانيَّ جميع فِهرسْتِي ونحوه، أو أجزته بجميع مسموعاتي أو مرويَّاتي، إجازة لغير مُعيَّن بوصف العموم، إجازة لمُعيَّن بمجهول من الكتاب، إجازة لمجهول من الناس بمُعيَّن من الكتب، إجازة للمعدوم، إجازة ما لم يتحمله المجيز، إجازة المجاز. وقد ذكرَ الشارحُ من ذلك ثلاثةً بالأمثلة وجعلها كلها من قبيل الإجازة لمُعيَّن كما سيتضحُ وستعرف البقيةَ. قوله: (أَعْلَاهَا)؛ أي: أنواع الإجازة، والمراد أنواع الإجازة المجردة عن المناولة كما ذكره النووي. قوله: (لِمُعَيَّنٍ) تحته نوعان أدمجهما الشارح في كلامه: إجازة بمعين، وأشار له بقوله: كـ (أجزتك البخاري)، وإجازة بغير معين، وأشار له بالمثالين بعده، ثم أدخل في هذا النوع ما ليس منه هو قوله (أَوْ أَجَزْتُ لِلْمُسْلِمِيْنَ … ) إلى آخره، إذ هذا ليس لمعيَّنٍ كما لا يخفى، بل نوعٌ آخر وهو الإجازة لغير معيَّن، ففي كلامه من التَّسَاهُلِ ما لا يخفى. والحق أنَّ الإجازة دون العرض، وقيل: أفضل منه مطلقًا، وقيل: هما سواء، والصحيح الذي قاله الجمهور جواز الرواية والعمل بها؛ أي: بالمروي بها، ومنع بعضهم الرواية بها كشُعبة قال: لو جازت لبَطَلت الرحلةُ، وهو إحدى الروايتين عن مالك والشافعي وأبي حنيفة، وقال بعض الظاهرية: لا يعمل بها كالمرسل، وهو باطل؛ لأنَّه ليس فيها ما يقدح في اتصالِ المنقولِ بها. قوله: (كَأَجَزْتُكَ)؛ أي: أو أجزتكم. قوله: (فِهْرِسْتِي) بكسر الفاء والراء وسكون السين المهملة آخره مثناة فوقية، لفظة فارسية معناها جملة العدد للكتب، فالمرادُ جُملة عدد مروياتي، قال صاحب «تثقيف اللسان»: الصوابُ أنَّها بالمثناة الفوقية وقوفًا وإدماجًا، وربما وقف عليها بعضهم بالهاء وهو خطأ. قوله: (أَوْ أَجَزْتُهُ)؛ أي: فلانًا، ومثله: (أجزتك) أو (أجزتكم) فهذا هو النوع الثاني؛ -أعني: الإجازة لمعيَّن بغير معيَّن- والجمهور على جواز الرواية بها، موجبين العمل بما رُوي بها بشرطه.

стр. 214

أو أجزت للمسلمين، أو لمن أدرك حياتي، أو لأهل الإقليم الفلانيِّ قوله: (أَوْ أَجَزْتُ لِلْمُسْلِمِيْنَ) هذا هو النوع الثالث، وهو الإجازة لغير معين بوصف العموم، ومنه أجزتُ أهل زماني أو كلَّ واحدٍ، وقد جوَّزَ الرواية بذلك الخطيب وغيره، وصححه النووي في «الروضة» لكنَّ الأحوطَ ترك الرواية بها، قال شيخ الإسلام: إلَّا أنَّ الرواية بها في الجملة أَوْلَى من إيرادِ الحديث مُعْضَلًا. انتهى. واستدل لها بحديث: «بَلِّغُوا عَنِّي»، فإنْ قَيَّدَهَا بوصفٍ خاصٍ كأجزتُ طلبةَ العلمِ ببلدِ كذا، أو مَنْ أدرك حياتي، أو مَنْ قرأ علي قبل هذا، فقال عياض: ما أظنهم اختلفوا في جواز ذلك؛ لأنَّه محصور بوصفٍ كقوله: لأولاد فلان أو إخوة فلان. والرابع من أنواع الإجازة: الإجازةُ لمعيَّن بمجهول من الكتب، كأجزتك بعض مسموعاتي. الخامسة: عكسه، كأجزتُ لمحمد بن أحمد البخاري مثلًا، وهناك جماعة مشتركون في هذا الاسم. ولم يتضح مراده في الصورتين وهما باطلان، نعم إن اتضحَ بقرينةٍ صحت الإجازةُ، وإذا قال: أجزتُ لمن يشاء فلان، ففيه جهالة وتعليق، فقيل: لا يصح كما لو قال: أجزتُ لبعض الناس قياسًا على تعليق الوكالة، وقيل: يصحُّ؛ لأنَّ الجهالة ترتفع عند وجود المشيئة ويتعين المجاز له بها، واحتج له بقوله ﷺ لما أمَّر زيدًا على غزوة مؤتة: «فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَابْنُ رَوَاحَةَ»، فعلَّقَ التأمير، وفرَّق الدَّامَغَاني بينها وبين الوكالة بأنَّ الوكيل ينعزل بعزل الموكِّل بخلاف المجاز. السادسة: الإجازة للمعدوم، كأجزتُ لمن يولد لفلان، وأجازها الخطيب قياسًا على إجازة بعض الأئمة الوقف على المعدوم، والصحيح بطلانها؛ لأنَّ الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز فكما لا يصح الإخبار للمعدوم لا تصح الإجازة له، فإن عَطَفَهُ على موجود كأجزتُ لفلان ومَن يولد له، أو لك ولعَقِبك ما تناسلوا جاز قياسًا على الوقف. وأما الإجازة للطفل فتجوز للمميز قطعًا ولغيره على الصحيح؛ لأنها إباحة المجيز للمجاز أن يروي عنه بعد الأهلية لبقاء الإسناد، والإباحة تصح للعاقل وغيره، وكذا للفاسق والمبتدع، ويؤدون إذا زال المانع.

стр. 215

ويقول المحدِّث بها: أنبأنا أو أنبأني. ثمَّ المكاتبة: بأن يكتب مسموعه أو مقروءه جميعه أو بعضه، لغائبٍ أو حاضرٍ، بخطِّه أو بإذنه، مقرونًا ذلك بالإجازة أو لا. وأما الحمل فالذي استظهره أبو زُرعة أنها بعد نفخ الروح فيه تصح، وقبلها مرتبة متوسطة بينها وبين الإجازة للمعدوم فهي أولى بالمنع من الأولى، وبالجواز من الثانية. السابعة: إجازة ما لم يتحمله المجيز بوجه من سماع أو إجازة ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز، والأصح بطلانها؛ لأنَّها إعطاء لما لم يأخذه، ولأنَّه لا حصر لما لم يروه بخلاف ما رواه فإنَّه دخل في دائرة حصر العلم، فعلى هذا يتعين على مَن أراد أن يرويَ عن شيخٍ أجاز له جميع مسموعاته أن يبحث حتى يعلم أنَّ هذا مما تحمَّله شيخه قبل الإجازة له، وأما قوله: أجزتُ لك ما صحَّ وما يصح عندك من مسموعاتي فصحيحٌ تجوزُ الرواية به لما صحَّ عنده سماعه له قبل الإجازة. الثامنة: إجازة المجاز به، كأجزتك مجازاتي أو جميع ما أجيز لي روايته، والصحيح جوازها، وعليه العمل، وينبغي للراوي بها تأملها؛ أي: تأمل كيفية إجازة شيخ شيخه لشيخه؛ لئلا يروي بها ما لم يدخل تحتها. قوله: (وَيَقُوْلُ المُحَدِّثُ بِهَا … ) إلى آخره؛ أي: كما اصطلحَ عليه المتأخرونَ، ومنعوا أن يقال: (حدَّثنا) أو (أخبرنا) في شيءٍ من أنواع الإجازة، وجَوَّزَ الزُّهري ومالك وغيرهما إطلاق (حدَّثنا) و (أخبرنا) في الإجازة بالمناولة، وبعضهم في الإجازة المجردة أيضًا، والصحيح المنع وأنها تخصص بعبارة تبين الواقع كـ (حدَّثنا أو أخبرنا إجازة أو مناولة)، وقد اصطلحَ المتأخرونَ على ما ذكره الشارح، ثم المنع من إطلاق (حدَّثنا وأخبرنا) فيما ذُكر لا يزول بإباحة المجيز ذلك؛ لأنَّ إباحة الشيخ لا يغير بها الممنوع في المصطلح، ذكره النووي. قوله: (ثُمَّ المُكَاتَبَةُ) هذا هو القسم الخامس من أقسام التَّحَمُّلِ. قوله: (مَقْرُوْنًا ذَلِكَ بِالْإِجَازَةِ أَو لا)؛ أي: فهي ضربان: فالمقرون بالإجازة، كـ (أجزتك ما كتبت لك) أو (ما كتبت به إليك) ونحوه، وهي في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بالإجازة. وأما المجردة عن الإجازة فمنعَ الرواية بها قومٌ منهم الماوردي في «الحاوي» وأجازها الجمهور، وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث؛ إذ يوجد في مصنفاتهم كثيرًا: (كتب إليَّ فلان قال: حدَّثنا … ) إلى آخره، والمرادُ به هذا، وهو معمولٌ به عندهم معدودٌ في الموصول لا المنقطع، بل قال السّمْعاني: هي أقوى من الإجازة،
следующие страницы →