← Акыда

Акыда · id 30015

محاسن التوحيد وارتباطها بأركان الإيمان

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (742 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان بالله وأنه لا اله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله" (١). • قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿ولكن البر من آمن بالله﴾ بأنه واحد لا شريك له؛ يعني صدق بالله، وبأنه واحد لا شريك له، ﴿واليوم الآخر﴾: وصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، وصدق بالكتب والملائكة والنبيين" (٢). • قال الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "والإشارة في الآية: أن من كان مشتغلًا بجميع الجوانب والجهات لم يكن صاحب البر، إنما صاحب البر هو الذي يتوجه إلى صاحب الكعبة: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: الآية: ٧٩]. فقوله: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾ إشارة إلى الكثرة والقول بالشركاء، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إشارة إلى التوحيد، فصار معناه هو المفهوم من قول " لا إله إلا الله" (٣). • قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: "ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ أي ولكن البر الذي ينبغي أن يهتم به بر من آمن بالله، أو لكن ذا البر من آمن" (٤). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الله سبحانه يحب أعمال البر فيجازى عليها بالهدى والفلاح ويبغض أعمال الفجور ويجازي عليها

стр. 177

بالضلال والشقاء" (١). الاسم الخامس والخمسون: ومن أسماء التوحيد "التهليل" (٢). • عن النعمان بن بشير (ت: ٦٥ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله- ﷺ : «إن مما تذكرون من جلال الله التسبيح، والتهليل، والتحميد ينعطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، تذكر بصاحبها، أما يحب أحدكم أن يكون له أو لا يزال له من يذكر به؟» (٣). • عن مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، عن ابن سخبرة (ت: نيف وستين هـ) ﵀ قال: غدوت مع عبد الله [ابن مسعود] (ت: ٣٢ هـ) ﵁، من منى إلى عرفة، وكان عبد الله رجلا آدم، له ضفيران، عليه مسحة أهل البادية، وكان يلبي، فاجتمع عليه غوغاء من غوغاء الناس: يا أعرابي، إن هذا ليس بيوم تلبية، إنما هو تكبير قال: فعند ذلك التفت إلي، وقال: أجهل الناس أم نسوا؟ والذي بعث محمدا بالحق لقد خرجت مع رسول الله ﷺ من منى إلى عرفة، فما ترك التلبية حتى رمى الجمرة العقبة، إلا أن يخلطها بتهليل أو تكبير" (٤). • عقد ابن المبارك (ت: ١٨١ هـ) ﵀، في كتاب الزهد بابًا

стр. 178

بعنوان: "في التهليل والحمد والاستغفار والاسترجاع" (١). • وعقد أبو بكر بن أبي شيبة (ت: ٢٣٥ هـ): في كتاب الأدب بابًا بعنوان " باب التهليل والتسبيح والتحميد حين يأوي إلى فراشه" (٢). • وقد بوب الإمام البخاري (ت: ٢٥٦ هـ) ﵀، بابًا في صحيحه أسماه: "باب فضل التهليل" في كتاب الدعوات" (٣). • وعقد النسائي (ت: ٣٠٣ هـ) ﵀-في سننه بابًا في كتاب مناسك الحج سماه "التهليل على الصفا" (٤)، كذا في السنن الكبرى في كتاب المساجد بابين أحدهما: "التهليل بعد التسليم"، والأخر: "عدد التهليل والذكر بعد التسليم"" (٥)؛ وفي كتاب المناسك باب بعنوان "كم التهليل على الصفا" (٦). • وعقد ابن خزيمة (ت: ٣١١ هـ) ﵀، في كتابه صحيح ابن خزيمة في كتاب الصلاة بابًا بعنوان "باب التهليل والثناء على الله بعد السلام" (٧). • وعقد الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ) ﵀، في كتاب الدعاء بابًا بعنوان: "باب فضل الجوامع من التهليل" (٨). وتتبع مثل هذا يطول.

стр. 179

• قال الراغب الأصفهاني (ت: ٥٠٢ هـ) ﵀: "والتهلل: أن يقول لا إله إلا الله، ومن هذه الجملة ركبت هذه اللفظة كقولهم: التبسمل والبسملة" (١). • قال القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀: "وقد جاء فى الحديث هنا أيضًا: أفضل الذكر التهليل، وأنه أفضل ما قاله-﵇-والنبيون من قبله. وقد قيل: إنه اسم الله الَاعظم، وهي كلمة الإخلاص" (٢). • قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "جميع الطاعات تزول يوم القيامة مثل الصلاة والصيام والحج، فإن التكاليف الظاهرة تزول في عالم الغيب، أما طاعة التهليل والتحميد فلا تزول عنهم، وكيف يمكن زوالها عنهم والقرآن يدل على أنهم مواظبون على الحمد، والمواظبة على الحمد تدل على المواظبة على الذكر والتوحيد. وإنما قلنا: إنهم مواظبون على الحمد لقوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: الآية: ٧٤]. وقال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: الآية: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: الآة: ٧٩] فثبت أنهم مواظبون على الحمد، والمواظبة على الحمد مواظبة على الذكر، فعلمنا أن جميع العبادات زائلة عن أهل الجنة إلا طاعة الذكر والتوحيد" (٣). • قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ

стр. 180

يُحَصِّلُ هَذَا الْأَجْرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيلَ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي يَوْمِهِ سَوَاءٌ قَالَهُ مُتَوَالِيَةً، أَوْ مُتَفَرِّقَةً فِي مَجَالِسَ، أَوْ بَعْضَهَا أَوَّلَ النَّهَارِ وَبَعْضَهَا آخِرَهُ. لَكِنَّ الْأَفْضَلَ: أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُتَوَالِيَةً، فِي أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِيَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأما "التهليل والتكبير": ف"التهليل" يتضمن: اختصاصه بالإلهية وما يستلزم الإلهية، فهذا لا يكون لغيره، بل هو مختص به. و"التكبير" يتضمن: أنه أكبر من كل شيء" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأما التهليل: فيتضمن تخصيصه بالإلهية، ليس هناك أحد يتصف بها حتى يقال إنه أكبر منه فيها؛ بل لا إله إلا الله" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ولهذا قرن هذا في شعار الإسلام الذي هو الأذان بين التكبير والتهليل، فإن التكبير- وهو قول "الله أكبر"- يمنع كبر غير الله، وقول لا إله إلا الله يوجب التوحيد، وهاتان الكلمتان قرينتان" (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأما التهليل فهو قرين التكبير كما في كلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم بعد دعاء العباد إلى الصلاة: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فهو مشتمل على التكبير والتشهد أوله وآخره. وهو ذكر لله

стр. 181

تعالى وفي وسطه دعاء الخلق إلى الصلاة والفلاح. فالصلاة هي العمل. والفلاح هو ثواب العمل لكن جعل التكبير شفعا والتشهد وترا فمع كل تكبيرتين شهادة؛ وجعل أوله مضاعفا على آخره ففي أول الأذان يكبر أربعا ويتشهد مرتين والشهادتان جميعا باسم الشهادة وفي آخره التكبير مرتان فقط مع التهليل الذي لم يقترن به لفظ الشهادة ولا الشهادة الأخرى. وهذا والله أعلم بمنزلة الركعتين الأوليين من الصلاة مع الركعتين الأخريين فإن الأوليين فضلتا بقراءة السورة وبالجهر في القراءة فحصل الفضل في قدر القراءة ووصفها كما أن الشطر الأول من الأذان فضل في قدر الذكر وفي وصفه لكن الوصف هنا كون التوحيد قرن به لفظ أشهد ولهذا حذف في الإقامة عند من يختار إيتارها وهي إقامة بلال - ما فضل به من القدر كما يخفض من صوت الإقامة لأن هذا المزيد من جنس الأصل فأشبه حذف الركعتين الأخريين في صلاة المسافر. وأما الكلمات الأصول فلم يحذف منها شيء. وهكذا سنة النبي ﷺ في قيام الليل وصلاة الكسوف وغيرهما تطويل أول العبادة على آخرها؛ لأسباب تقتضي ذلك. وكما جمع بين التكبير والتهليل في الأذان جمع بينهما في تكبير الأشراف فكان على الصفا والمروة وإذا علا شرفا في غزوة أو حجة أو عمرة يكبر ثلاثا. ويقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده» (١)، يفعل ذلك ثلاثا. وهذا في الصحاح وكذلك على الدابة كبر ثلاثا وهلل ثلاثا فجمع بين التكبير والتهليل. وكذلك حديث عدي بن حاتم (ت: بين ٦٦ - ٦٩ هـ) ﵁-الذي رواه أحمد والترمذي فيه أن النبي ﷺ قال له:

стр. 182

«يا عدي ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: لا إله إلا الله فهل تعلم من لا إله إلا الله؟ يا عدي ما يفرك أيفرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله» (١)، فقرن النبي ﷺ بين التهليل والتكبير. وفي صحيح مسلم حديث أبي مالك الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: «الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو قال تملأ ما بين السماء والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو: فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» (٢)، فأخبر أنه يملأ ما بين السماء والأرض وهذا أعظم من ملئه للميزان. وفي الحديث الذي في الموطأ حديث طلحة بن عبد الله بن كريز أن النبي ﷺ قال: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (٣). فجمع في هذا الحديث بين " أفضل الدعاء وأفضل الثناء فإن الذكر نوعان: دعاء وثناء فقال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة. وأفضل ما قلت هذا الكلام ". ولم يقل أفضل ما قلت يوم عرفة هذا الكلام. وإنما هو أفضل ما قلت مطلقا. وكذلك في حديث رواه ابن أبي الدنيا «أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله» (٤).

стр. 183

وأيضا ففي الصحيح عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-عن النبي- ﷺ -أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (١)، فقد صرح بأن أعلى شعب الإيمان هي هذه الكلمة. وأيضا ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «يا أبي: أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟»، قال: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥]، فقال رسول الله ﷺ : «ليهنك العلم أبا المنذر»، فأخبر في هذا الحديث الصحيح أنها أعظم آية في القرآن وفي ذاك أنها أعلى شعب الإيمان وهذا غاية الفضل فإن الأمر كله مجتمع في القرآن والإيمان فإذا كانت أعظم القرآن وأعلى الإيمان ثبت لها غاية الرجحان. وأيضا فإن التوحيد أصل الإيمان وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار وهو ثمن الجنة ولا يصح إسلام أحد إلا به ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء فمنزلته منزلة الأصل ومنزلة التحميد والتسبيح منزلة الفرع. وأيضا فإنه مشروع على وجه التعظيم والجهر وعند الأمور العظيمة مثل الأذان الذي ترفع به الأصوات وعند الصعود على الأماكن العالية لما في ذلك من العلو والرفعة ويجهر بالتكبير في الصلوات وهو المشروع في الأعياد" (٢). الاسم السادس والخمسون: ومن أسماء التوحيد "ذكر الله". • قال تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا﴾ [الكهف: الآية: ٢٨]. • عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-في قوله تعالى: ﴿ولا تطع من

стр. 184

أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾ قال: نزلت في أمية بن خلف الجمحى، وذلك أنه دعا النبي ﷺ إلى أمر كرهه من تجرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾، يعني: من ختمنا على قلبه عن التوحيد" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الذكر ثلاثة أنواع: ذكر الأسماء والصفات ومعانيها، والثناء على الله بها، وتوحيد الله بها، وذكر الأمر والنهي والحلال والحرام، وذكر الآلاء والنعماء والإحسان والأيادي" (٢). • قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا" (٣). • قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: " ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: جعلناه غافلاً بالختم عليه، نهي رسول الله ﷺ عن طاعة من جعل الله قلبه غافلاً عن ذكره كأولئك الذين طلبوا منه أن ينحي الفقراء عن مجلسه، فإنهم طالبوا تنحية الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه وهم غافلون عن ذكر الله، ومع هذا فهم ممن اتبع هواه وآثره على الحق فاختار الشرك على التوحيد" (٤). الاسم السابع والخمسون: ومن أسماء التوحيد "الأمانة". • قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى

стр. 185

السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾ [المعارج: الآية: ٣٢]، أي: حافظون. وقيل: أصل الأمانة أن كلمة التوحيد ائتمن الله تعالى المؤمنين عليها" (١). الاسم الثامن والخمسون: ومن أسماء التوحيد "الكوثر". • قال تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر: الآية: ١]. • قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: "قال هلال بن يساف (ت: ما بين ٩١ هـ إلى ١٠٠ هـ) ﵀: هو قول لاإله إلا الله، محمد رسول الله" (٢). • قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "قال أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁، وابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄، و ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، وجماعة من الصحابة والتابعين: الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه قباب من در مجوف وطينه مسك وحصباؤه ياقوت، ونحو هذا من صفاته، وإن اختلفت ألفاظ الرواة، وقال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-أيضا: الكوثر: الخير الكثير. قال القاضي أبو محمد: كوثر: بناء مبالغة من الكثرة، ولا مجال أن الذي أعطى الله محمدا ﵇ من النبوة والحكمة والعلم بربه والفوز برضوانه والشرف على عباده هو أكثر الأشياء وأعظمها كأنه يقول في هذه الآية: إنا أعطيناك الحظ الأعظم، قال سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: النهر الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إياه، فنعم ما ذهب

стр. 186

إليه ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵂، ونعم ما تمم ابن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀، ﵃، وأمر النهر ثابت في الآثار في حديث الإسراء وغيره صلى الله على محمد ونفعنا بما منحنا من الهداية. قال الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀: الكوثر، القرآن، وقال أبو بكر بن عياش (ت: ١٩٣ هـ) ﵀: هو كثرة الأصحاب والأتباع، وقال جعفر الصادق (ت: ١٤٨ هـ) ﵀: نور في قلبه دله عليه وقطعه عما سواه، وقال أيضا: هو الشفاعة، وقال هلال بن يساف (ت: ما بين ٩١ هـ إلى ١٠٠ هـ) ﵀: هو التوحيد" (١).

стр. 187

المبحث الثاني: مكانة التوحيد من الدين عمومًا. المطلب الأول: التوحيد هو الغاية من خلق الإنس والجن: • قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: الآية: ٥٦]. توحيد الله تعالى هو أعظمُ عملٍ، وأشرف مهمة، وهو السبب الذي خلَق الله سبحانه من أجلِه الإنسَ والجن؛ وفي تفسير الآية الكريمة قال العلماء: • قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "قيل: إن هذا خاصٌّ فيمن سبَق في علم الله تعالى أنه يعبُدُه، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص، والمعنى: وما خلقتُ أهلَ السعادة من الجن والإنس إلا ليوحِّدون" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التوحيد هو الغاية المطلوبة من جميع المقامات، والأعمال والأحوال فغايتها كلها التوحيد، وإنما كلام العلماء والمحققين من أهل السلوك كله لقصد تصحيحه، وهذا بين من أول المقامات إلى آخرها فإنها تشير إلى تصحيحه وتجريده" (٢).

стр. 188

• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "هذه الغاية، التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه" (١). • قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "ولأجلها خلقت الدنيا والآخرة والجنة والنار" (٢). • قال عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: "فبيَّن-سبحانه-الحكمة في خلقهم، وهي أن يعبدوا الله وحده، وأنهم لم يُخلقوا عبثًا ولا سدًى، بل خُلقوا لهذا الأمر العظيم؛ وهو أن يعبدوا الله - جل وعلا - ولا يشركوا به شيئًا، ويخصُّوه بدعائهم، وخوفهم ورجائهم، وصلاتهم وصومهم، وذبحهم ونذرهم، وغير ذلك" (٣). • قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "واللام في قوله: ﴿ليعبدون﴾ للتعليل لكن هذا التعليل تعليل شرعي أي: لأجل أن يعبدوني، حيث أمرهم فيمتثلوا أمره، وليست اللام هنا تعليلا قدريا؛ لأنه لو كان تعليلا قدريا للزم أن يعبده جميع الجن والإنس، لكن اللام هنا لبيان الحكمة الشرعية في خلق الجن والإنس" (٤).

стр. 189

المطلب الثاني: التوحيد أصل الدين وأول ما دعت إليه الرسل. • قال رسول الله- ﷺ -لمعاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁: «إنك تقدم على قومٍ من أهل الكتاب، فليكن أوَّل ما تدعوهم إليه أن يوحِّدوا الله - تعالى .. » (١). • قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "قوله: «ستأتي قومًا أهل كتاب» هي كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها؛ لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجُهَّال من عَبَدَة الأوثان، وليس فيه أن جميع مَنْ يقدم عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خصَّهم بالذكر تفضيلاً لهم على غيرهم، قوله: «فإذا جئتهم» قيل: عبر بلفظ (إذا) تفاؤلاً بحصول الوصول إليهم، قوله: «فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، كذا للأكثر وقد تقدَّم في أوَّل الزكاة بلفظ: «وأنِّى رسول الله»، كذا في رواية زكريا بن إسحاق لم يختلف عليه فيها، وأمَّا إسماعيل بن أمية ففي رواية روح بن القاسم عنه: «فأوَّل ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله … »، وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: «إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك … »، ويجمع بينها بأن المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيده الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بهما؛ لأنهما أصل الدين الذي لا يصحُّ شيءٌ غيرهما إلا بهما، فمَن كان منهم غير موحِّد فالمطالبة متوجِّهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومَن

стр. 190

كان موحِّدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الإشراك أو يستلزمه؛ كمَن يقول ببنوَّة عزير، أو يعتقد التشبيه، فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن مملوء من ذكر وصف الله بأنه أحد وواحد ومن ذكر أن إلهكم واحد ومن ذكر أنه لا إله إلا الله ونحو ذلك. فلا بد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك فإن معرفته أصل الدين وهو أول ما دعا الرسول ﷺ إليه الخلق وهو أولما يقاتلهم عليه وهو أول ما أمر رسله أن يأمروا الناس به وقد تواتر عنه أنه أول ما دعا الخلق إلى أن يقولوا لا إله إلا الله ولما أمر بالجهاد بعد الهجرة قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (٢)، وفي الصحيحين «أنه لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (٣). فقال لمعاذ: ليكن أول ما تدعوهم إليه التوحيد ومع هذا كانوا من أهل الكتاب كانوا يهودا فإن اليهود كانوا كثيرين بأرض اليمن وهذا

стр. 191

الذي أمر به معاذا موافق لقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة: الآية: ٥]، وفي الآية الأخرى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: الآية: ١١]. وهذا مطابق لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ [البينة: الآية: ٥]. وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلمأنه قال: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» " (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد الذي هو أصل الإسلام، وهو دين الله الذي بعث به جميع رسله، وله خلق الخلق، وهو حقه على عباده: أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه وكما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما﴾ [النساء: الآية: ٤٨]، ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام، وأعظمه فأعظم آية في القرآن آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥]. وقال ﷺ «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٣) " (٤).

стр. 192

• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): "و " أصل الإسلام ": أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فمن طلب بعباداته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله ومن خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله. وإنما يحقق هذين " الأصلين "من لم يعبد إلا الله ولم يخرج عن شريعة رسول الله ﷺ التي بلغها عن الله فإنه قال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» (١)، وقال: " «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا قد حدثتكم به ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به» (٢)، وقال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁: "خط لنا رسول الله ﷺ خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: «هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: الآية: ١٥٣]» (٣) " (٤). • قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "قوله سبحانه: ﴿فاعبدني﴾ يعنى فوحدني، فإنه ليس معي إله" (٥). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وعبادة الله وحده: هي أصل الدين وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب فقال

стр. 193

تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: الآية: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: الآية: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥] " (١). • قال ابن تيمية: (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وهذا الأصل وهو التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا غيره وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب كما قال تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: الآية: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة﴾ [النحل: الآية: ٣٦] " (٢). • وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "محبة الله سبحانه والأنس به، والشوق إلى لقائه، والرضا به وعنه: أصل الدين، وأصل أعماله وإرادته، كما أن معرفته والعلم بأسمائه وصفاته وأفعاله أجل علوم الدين كلها. فمعرفته أجل المعارف، وإرادة وجهه أجل المقاصد، وعبادته أشرف الأعمال، والثناء عليه بأسمائه وصفاته ومدحه وتمجيده أشرف الأقوال، وذلك أساس الحنيفية ملة إبراهيم ﵇. وقد قال تعالى لرسوله: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ [النحل: الآية: ١٢٣].

стр. 194

وكان النبي- ﷺ -يوصي أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين» (١). وذلك هو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وعليها قام دين الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء والمرسلين، وليس لله دين سواه ولا يقبل من أحد دينا غيره" (٢). • قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: " وقال تعالى وتقدس: ﴿لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ [طه الآية: ١٤]. فذكر العبادة عقيب التوحيد، لأن التوحيد هو الأصل، والعبادة فرعه" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والإيمان به أصل الإيمان بما عداه " (٤). • قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "التوحيد هو الأمر الذي لا يقوم بناء إلا عليه" (٥).

стр. 195

• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "والتوحيد هو الأساس الذي لا تصح عبادة إلا به، وتحقيقه هو العلم الذي لا علم يعدله" (١). • قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "وهي أصل الدين وأساسه ورأس أمره وساق شجرته وعمود فسطاطه، وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعة عنها، ومتشعبة منها مكملات لها مقيدة بالتزام معناها والعمل بمقتضاها" (٢). • قال عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: "التوحيد هو أصل دين الإسلام وهو أساس الملة وهو رأس الأمر وهو أهم الفرائض وهو الحكمة في خلق الثقلين والحكمة في إرسال الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام" (٣). المطلب الثالث: التوحيد هو الأساس الذي قام عليه دين الإسلام. دعا النبي ﷺ للتوحيد في مكة ثلاثة عشر سنة قبل الهجرة وفي المدينة إلى أن توفاه الله تعالى. • فعن ربيعة بن عباد الدؤلي (ت في حدود ٩٠ هـ) ﵁، قال: رأيت رسول الله في الجاهلية بسوق ذي المجاز وهو يقول: «يا أيها الناس،

стр. 196

قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» (١). • وعن جندب بن عبد الله (ت: ٧٠ هـ تقريبًا) ﵁-قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك» (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "هذه الكلمة هي: أساس الدين" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-في فضل كلمة التوحيد: "هي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله على جميع العباد، وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار، وهي المنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله إلا من يتعلق بسببه، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد ومقبول وطريد، وبها انفصلت دار الكفر من دار الإسلام، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان، وهي العمود الحامل للفرض والسنة" (٤). فالإيمان بالله هو أساس كل خير، ومصدر كل هداية، وسبب كل فلاح، ذلك لأن الإنسان لما كان مخلوقًا مربوبًا عاد في علمه وعمله إلى

стр. 197

خالقه وباريه فبه يهتدي، وله يعمل، وإليه يصير، فلا غنى له عنه، وانصرافه إلى غيره هو عين هلاكه وفساده، والإنسان له بالله عن كل شيء عوض، وليس لكل شيء عن الله عوض، فليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفة ربه وعبادته، فإذا حصل له ذلك فهو الغاية المرادة له والتي خلق من أجلها، فما سوى ذلك إما فضل نافع، أو فضول غير نافعة، أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته، فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كما يعلم من تتبع دعوات الرسل في القرآن. • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من أَرَادَ علو بُنْيَانه فَعَلَيهِ بتوثيق أساسه وإحكامه وَشدَّة الاعتناء بِهِ، فَإِنْ علو الْبُنيان على قدر تَوْثِيق الأساس وإحكامه، فالأعمال والدرجات بُنيان وأساسها الْإِيمَان وَمَتى كَانَ الأساس وثيقا حمل الْبُنيان واعتلى عَلَيْهِ" (١). • وقال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "التوحيد هو الأساس الذي ينبني عليه كل خير، والمنتهى الذي هو غاية السير، والعالي على كل غير" (٢). المطلب الرابع: كلمة التوحيد هي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات. • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-عن كلمة التوحيد: "هي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات" (٣).

стр. 198

المطلب الخامس: التوحيد رأس الأمر. • عن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله- ﷺ : «رَأْسُ الأَمْرِ: الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ: الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله» (١). • قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "التوحيد والكفر هما رأس الأمرين" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وكان التوحيد بقول: لا إله إلا الله؛ رأس الأمر" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكان توحيد الإلهية رأس الأمر" (٤). • قال عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: "التوحيد هو أصل دين الإسلام وهو أساس الملة وهو رأس الأمر" (٥). • قال عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀: " (رأس الأمر)،

стр. 199

والأمر هو الدين، يعني: رأس الدين الذي جاء به النبي ﷺ هو (الإسلام): الذي هو: معنى لا إله إلا الله، المتضمن للكفر بالطاغوت، والإيمان بالله" (١). • قال صالح بن فوزان الفوزان-حفظه الله-: "وهذا معنى لا إله إلا الله يعني الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك وأهله، هذا هو رأس أمر الدين، الشهادتان هما رأس الإسلام وهما أصل الإسلام، فلا يدخل الإنسان في الإسلام إلا إذا أتى بالشهادتين نطقا وعلما وعملا واعتقادا، لا يكون الإنسان مسلما إلا بذلك" (٢). المطلب السادس: التوحيد هو أس الإيمان. • قال محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ) ﵀: " كلمة الإخلاص، وهي لا إله إلا الله وهي أس الإيمان" (٣). المطلب السابع: التوحيد رأس أعمال الدين. • قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "لا يصح عمل من الأعمال

стр. 200

الدينية أقوالها وأفعالها إلا بنية دخل فيها التوحيد الذي هو رأس أعمال الدين فلا يصح القول بالتوحيد إلا بمعرفة وقصد إخلاص فيه، وكذلك سائر أعمال الدين، من الصلاة والزكاة والصيام والوضوء بالماء والتيمم بالتراب" (١). المطلب الثامن: التوحيد أول واجبات الشريعة. • عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-أن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن فقال: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم» (٢). • قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "في هذا الحديث من العلم أنه رتب واجبات الشريعة، فقدم كلمة التوحيد، ثم أتبعها فرائض الصلاة لأوقاتها، وأخر ذكر الصدقة لأنها إنما تجب على قوم من الناس دون آخرين، وإنما تلزم بمضي الحول على المال واستكمال النصاب" (٣). • قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "قرن الله التقى ونفى الإشراك به تعالى بإقامة الصلاة، فهى أعظم دعائم الإسلام بعد التوحيد، وأقرب الوسائل إلى الله تعالى، ومفهوم هذه الآية

стр. 201

يدل أنه من لم يقم الصلاة فهو مشرك، ولذلك قال عمر: "ولا حظ فى الإسلام لمن ترك الصلاة" (١) " (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أعمال القلوبِ كمحبةِ اللَّه ورسولِهِ والتوكُّلِ على اللَّهِ وَإخلاصِ الدينِ له والخوف منه والرجاء له وما يتبع ذلك واجِب على جميعِ الخلْقِ مأْمورون به بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الدِّينِ لَا يَكُونُ تَرْكهَا مَحْمُودًا فِي حالِ أَحد وإن ارتقى مقامه" (٣). المطلب التاسع: التوحيد أول الدين وأخره وظاهره وباطنه • عن معاذ (ت: ١٨ هـ) ﵁-قال ﷺ : «فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» (٤). قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "والدين ورد فى القرآن بمعنى التوحيد والشهادة ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: الآية: ١٩]، ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ [الزمر: الآية: ٣]، ﴿أفغير دين الله يبغون﴾ [آل عمران: الآية: ٨٣]، أي: التوحيد وله نظائر" (٥).

стр. 202

قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أول الدين وآخره وظاهره وباطنه هو التوحيد وإخلاص الدين كله لله هو تحقيق قول لا إله إلا الله" (١). قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أصول الإيمان" وأعلاها وأفضلها هو "التوحيد" وهو شهادة أن لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: الآية: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: الآية: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى﴾ [الشورى: الآية: ١٣] " (٢). قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد كثير في القرآن، وهو أول الدين وآخره، وباطن الدين وظاهره" (٣). قال ابن المنذر (ت: ٣١٨ هـ) ﵀: "أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ من كل دين خالف دين الإسلام، وهو بالغ صحيح العقل أنه مسلم، فإن رجع بعد ذلك فأظهر الكفر كان مرتدا، يجب عليه ما يجب على المرتد" (٤). قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "مقام التوحيد أولى المقامات

стр. 203

أن يبدأ به، كما أنه أول دعوة الرسل كلهم، قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁، حين بعثه إلى اليمن «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية «إلى أن يعرفوا الله»، ولأنه لا يصح مقام من المقامات، ولا حال من الأحوال إلا به، فلا وجه لجعله آخر المقامات، وهو مفتاح دعوة الرسل، وأول فرض فرضه الله على العباد، وما عدا هذا من الأقوال فخطأ، كقول من يقول: أول الفروض النظر، أو القصد إلى النظر، أو المعرفة، أو الشك الذي يوجب النظر. وكل هذه الأقوال خطأ" (١). قال مُحمد بنُ عبد الوهّاب (ت: ١٢٠٦ هـ) -رحمهُ اللّاه-: "فأَهمُّ مَا عَليكَ: مَعرفةُ التوحِيد، قَبل مَعرفة العِبَادَاتِ كلِّها، حتى الصَّلاة" (٢). المطلب العاشر: التوحيد أول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى. قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التوحيد أول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى" (٣). قال ابن أبي العز (ت: ٧٩٢ هـ ﵀: "اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله " (٤).

стр. 204

قال ابن القيم (: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولما كان كمال الإرادة بحسب كمال مرادها، وشرف العلم تابعا لشرف معلومه، كانت نهاية سعادة العبد الذي لا سعادة له بدونها، ولا حياة له إلا بها؛ أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت، وعزمات همته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت، ولا سبيل له إلى هذا المطلب الأسنى، والحظ الأوفى؛ إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه الذي بعثه لذلك داعيا، وأقامه على هذا الطريق هاديا، وجعله واسطة يينه وببين الأنام، وداعيا لهم بإذنه إلى دار السلام، وأبى سبحانه أن يفتح لأحد منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحد منهم سعيا إلا أن يكون مبتدئا منه، ومنتهيا إليه، ﷺ " (١). المطلب الحادي عشر: كلمة التوحيد هي الأعلى. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: الآية: ٤٠]. عن أبي موسى الأشعري (ت: ٤٤ هـ) ﵁، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَمِيَّة، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٢). عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "قوله: ﴿وجعل كلمة الذين

стр. 205

كفروا السفلى﴾، وهي: الشرك بالله ﴿وكلمة الله هي العليا﴾، وهي: لا إله إلا الله" (١). قال السيوطى (ت: ٩١١ هـ) ﵀: "وأخرج ابن المنذر (ت: ٣١٨ هـ) ﵀، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀، والبيهقي (ت: ٤٥٨ هـ) ﵀-في الأسماء والصفات، عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-في قوله ﴿وجعل كلمة الذين كفروا السفلى﴾ قال: هي الشرك ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ قال: لا إله إلا الله. وأخرج أبو الشيخ (ت: ٣٦٩ هـ) ﵀، عن الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀-مثله" (٢). قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿وجعل كلمة الذين كفروا﴾، وهي كلمة الشرك ﴿السُّفْلى﴾، لأنها قُهِرَت وأذِلَّت، وأبطلها الله تعالى، ومحق أهلها، وكل مقهور ومغلوب فهو أسفل من الغالب، والغالب هو الأعلى ﴿وكلمة الله هي العليا﴾، يقول: ودين الله وتوحيده وقولُ لا إله إلا الله، وهي كلمتُه (العليا)، على الشرك وأهله، الغالبةُ" (٣). وقال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿وجعل كلمة الذين كفروا﴾، يعني دعوة الشرك ﴿السفلى﴾، ﴿وكلمة الله﴾، يعنى دعوة الإخلاص، ﴿هي العليا﴾ يعنى العالية، ﴿والله عزيز﴾ في ملكه، ﴿حكيم﴾ حكم إطفاء دعوة المشركين، وإظهار

стр. 206

التوحيد" (١). وقال يحيى بن زياد الفراء (ت: ٢٠٧ هـ) ﵀: " ﴿وكلمة الذين كفروا﴾ الشرك بالله، ﴿وكلمة الله﴾ قول: (لا إله إلا الله) " (٢). المطلب الثاني عشر: كلمة التوحيد أعلى شعب الإيمان. • قال تعالى ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: الآية: ١]. • عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-أن رسول الله ﷺ قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" متفق عليه (٣). وفي لفظ آخرَ عند أحمد: «أرفعها وأعلاها قول: لا إله إلا الله» (٤). فتَّوحيدَ اللهِ وعَدَمَ الإشراكِ به هو مَبدأُ الإيمانِ ومُنتَهاهُ، وما كان سِواهُ مِنْ أعمالٍ فهو مِنْ مُكَمِّلاتِ الإيمانِ. قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "قوله: ﴿سبح اسم ربك﴾ آية يقول سبحانه: نزه اسم ربك الأعلى، يقول: نزهه من الشرك

стр. 207

بشهادة أن لا إله إلا الله، فذلك قوله: ﴿الأعلى﴾ " (١). قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والعلمُ الأعلى، هو العلمُ بالأعلى" (٢). قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وهذا بخلاف العلم الأعلى عند المسلمين فإنه العلم بالله، الذي هو في نفسه أعلى من غيره من كل وجه، والعلم به أعلى العلوم من كل وجه، والعلم به أصل لكل علم" (٣). قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وإنما العلم الأعلى هو العلم بالله، والله هو الأعلى على كل شيء من كل وجه، كما قال سبحانه: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: الآية: ١]، فالعلم به أعلى العلوم، وإرادة وجهه أفضل الإرادات، ومحبته أفضل المحبات" (٤). المطلب الثالث عشر: الإيمان بالله الذي هو التوحيد هو خير العمل: قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "جميع الأعمال كلها هو أولًا وقبل كل شيء الإيمان بالله، وذلك أنه- ﷺ -سئل: أي الأعمال أفضل يارسول الله؟ قال: «إيمان بالله».

стр. 208

قيل: ثم ماذا؟ فقال مرة: «الجهاد في سبيل الله» (١). وقال مرة: «الصلاة على أول وقتها» (٢). وقال مرة: «بر الوالدين»، وفي كل مرة يقدم إيمانا بالله. فعليه الإيمان بالله هو خير العمل، وليست الصلاة، ثم بعد الإيمان بالله فهو بحسب حال السائل وحالة كل شخص، فمن كان قويا وليس عليه حق لوالديه، فالجهاد أفضل الأعمال في حقه مع الحفاظ على الصلاة، فإن كان ذا والدين، فبرهما مقدم على كل عمل، ولم لا! فإن الصلاة على أول وقتها لغير هؤلاء، فإطلاق القول بالصلاة خير العمل في حق جميع الناس لا يصح مع هذه الأحاديث، ولهذا منع رسول الله- ﷺ -بلالا أن يقولها، وجعلها: خيرا من النوم، وهذا لا نزاع فيه ولا بالنسبة لأي أحد من الناس، والله تعالى أعلم" (٣). المطلب الرابع عشر: التوحيد أفضل الأعمال. • عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله- ﷺ : «الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ

стр. 209

إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ» (١). • عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال: سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم أي الأعمال أفضل أو أي الأعمال خير قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل ثم أي قال: «الجهاد سنام العمل»، قيل ثم أي قال: «ثم حج مبرور» (٢). • عن أبي ذر (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁" سألت النبي ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، وجهاد في سبيله» الحديث .. " (٣). • عبد الله بن المقفع (ت ١٤٢ هـ): "الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله إلى خلقه، وأعظمها منفعة، وأحمدها في كل حكمة، فقد بلغ فضل الدين والحكمة أن مدحا على ألسنة الجهال، على جهالتهم بهما وعماهم عنهما" (٤). • قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: " معنى قوله: إنها تعدل ثلث القرآن أن الله جعل القرآن ثلاثة أجزاء: أحدها: القصص والعبر والأمثال، والثانى: الأمر والنهى والثواب والعقاب، والثالث: التوحيد والإخلاص، وتضمنت هذه السورة صفة توحيده تعالى وتنزيهه عن الصاحبة والوالد والولد، فجعل لقارئها من الثواب كثواب من قرأ ثلث القرآن" (٥).

стр. 210

• قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: "وقد صرح-﵇ بأنه أفضل الأعمال، لما قيل له أي الأعمال أفضل؟ فقال: «إيمان بالله» (١). • قال العز بن عبد السلام (ت: ٦٣٩ هـ) ﵀: "التوحيد وصفات الإله؛ فإن معرفة ذلك من أفضل المقاصد والتوسل إليه من أفضل الوسائل" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "لا إله إلا الله أفضل الكلمات؛ كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة -أو ستون- أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (٣) " (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالعلوم بعضها أفضل من بعض فالعلم بالله أفضل من العلم بخلقه، ولهذا كانت آية الكرسي أفضل آية في القرآن؛ لأنها صفة الله تعالى. وكانت: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: الآية: ١]، تعدل ثلث القرآن؛ لأن القرآن " ثلاثة أثلاث ": ثلث توحيد، وثلث قصص، وثلث أمر ونهي. وثلث التوحيد أفضل من غيره" (٥). المطلب الخامس عشر: التوحيد أول العمل • عن عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله- ﷺ -لمعاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوما

стр. 211

أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب" (١). • قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون بابا، أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (٢). وحدثنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا الحسن بن مكرم قال: حدثنا علي بن عاصم قال: حدثنا سهيل، عن عبد الله بن دينار، حدثني أبوك -أبو صالح- عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله، إلا أنه قال: «أولها لا إله إلا الله». فقد ثبت برواية سليمان بن بلال التي اعتمدها أبو عبد الله، ثم بمشايعة سهيل إياه في روايته أن الإيمان اسم ينشعب إلى أمور ذات عدد، جماعها الطاعة، ولهذا (صار) من صار من العلماء إلى أن الناس متفاضلون في درج الإيمان، وإن كانوا متساوين في اسمه، وكان بدء الإيمان كلمة الشهادة، وأقام رسول الله- ﷺ -بضع عشرة سنة يدعو الناس إليها، ويسمى من أجابه إلى ذلك مؤمنا إلى أن نزلت الفرائض بعد، وبهذا الاسم خوطبوا عند إيجابها عليهم. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ وقال:

стр. 212

﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير﴾ وهذا الحكم مستمر في كل اسم" (١). المطلب السادس عشر: التوحيد جماع الدين. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد جماع الدين، والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد هو جماع الدين الذي هو أصله وفرعه ولبُّه، وهو الخير كله، والاستغفار يزيل الشر كله، فيحصل من هذين جميع الخير وزوال جميع الشر. وكل ما يصيب المؤمن من الشر فإنما هو بذنوبه" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وهذان الأصلان جماع الدين: أن لا نعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع. وقال تعالى: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠]. وكان عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁-يقول في دعائه: "اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا" (٤).

стр. 213

وقال الفضيل بن عياض (ت: ١٨٧ هـ) ﵀، في قوله تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ [الملك: الآية: ٢]. قال: "أخلصه وأصوبه". قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: "إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة" (١). " (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "توحيد الله الذي هو إخلاص الدين له، والعدل الذي نفعله نحن هو جماع الدين" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "جماع الدين هو عبادة الله وحده، وأعظم الذنوب الشرك، والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه والترغيب فيه، وبيان سعادة أهله، وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه وبيان شقاوة أهله" (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وجماع الدين أصلان: ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: ١١٠]. وذلك تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله.

стр. 214

ففي الأولى: ألا نعبد إلا إياه. وفي الثانية: أن محمدا ﷺ هو رسول مبلغ عنه، فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وقال النبي ﷺ لمعاذ: "والله إني لأحبك؛ فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (٢). وليس المراد بالذكر مجرد ذكر اللسان، بل الذكر القلبي واللساني، وذكره يتضمن ذكر أسمائه وصفاته، وذكر أمره ونهيه وذكره بكلامه، وذلك يستلزم معرفته والإيمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله والثناء عليه بأنواع المدح، وذلك لا يتم إلا بتوحيده. فذكره الحقيقي يستلزم ذلك كله ويستلزم ذكر نعمه وآلائه وإحسانه إلى خلقه. وأما الشكر فهو القيام له بطاعته والتقرب إليه بأنواع محابه ظاهرا وباطنا. وهذان الأمران هما جماع الدين؛ فذكره مستلزم لمعرفته، وشكره متضمن لطاعته. وهذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن والإنس والسماوات والأرض، ووضع لأجلها الثواب والعقاب، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، وهي الحق الذي به خلقت السماوات والأرض وما بينهما" (٣).

стр. 215

• قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (١٢٨٥ هـ) ﵀: "جماع الدين أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع لا يعبد بالبدع" (١). • قال عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀: "إخلاص جميع الأعمال لله وحده لا شريك له، ومتابعة الرسول ﷺ وهذان الأصلان هما جماع الدين، ولا يستقيم دين إلا عليهما، كما قال تعالى: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠] " (٢). المطلب السابع عشر: التوحيد أول واجب على المكلف. • قال ابن المنذر (ت: ٣١٩ هـ) ﵀: "أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن كل ما جاء به محمد ﷺ حق وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام، وهو بالغ صحيح يعقل، أنه مسلم" (٣). • قال عبد القادر الجيلاني (ت: ٥٨٧ هـ) ﵀: "الذي يجب على من يريد الدخول في دين الإسلام أولًا أن يتلفظ بالشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويتبرأ من كل دين غير دين الإسلام، ويعتقد بقلبه وحدانية الله تعالى" (٤).
следующие страницы →