وتحجبه عنه الحواجب فلا يرى عابده ولا يسمع كلامه ولا يعلم حاله ولا ينفعه ولا يضره بسبب ولا غيره فأي وجه لعبادة من يأفل. وكلما حقق العبد الإخلاص في قول: لا إله إلا الله خرج من قلبه تأله ما يهواه وتصرف عنه المعاصي والذنوب كما قال تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: الآية: ٢٤]. فعلل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عباد الله المخلصين وهؤلاء هم الذين قال فيهم: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر: الآية: ٤٢]، وقال الشيطان: ﴿قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾ [ص: الآية: ٨٢]، ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [ص: الاية: ٨٣]. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه حرمه الله على النار». فإن الإخلاص ينفي أسباب دخول النار؛ فمن دخل النار من القائلين لا إله إلا الله لم يحقق إخلاصها المحرم له على النار؛ بل كان في قلبه نوع من الشرك الذي أوقعه فيما أدخله النار والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل؛ ولهذا كان العبد مأمورا في كل صلاة أن يقول: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: الآية: ٥]. والشيطان يأمر بالشرك والنفس تطيعه في ذلك فلا تزال النفس تلتفت إلى غير الله. إما خوفا منه. وإما رجاء له فلا يزال العبد مفتقرا إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك. وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا» " (١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقال الشيطان فيما أخبر الله
стр. 317
عنه: ﴿قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [ص: الآيات: ٨٢ - ٨٣]، وقال تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: الآية: ٤٢]، والمخلصون هم الذين يعبدونه وحده لايشركون به شيئاً، وإنما يُعبد الله بما أمر به على ألسنة رسله، فمن لم يكن كذلك تولته الشياطين، وهذا بابٌ دخل فيه أمرٌ عظيمٌ على كثير من السالكين" (١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وعبادته تتضمن كمال الذل له والحب له، وذلك يتضمن كمال طاعته" (٢).
المطلب الثالث والسبعون: التوحيد هو وصية السلف لأهليهم.
• عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، قال: " كانوا يكتبون في صدر وصاياهم: هذا ما أوصى به فلان بن فلان، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [البقرة: الآية: ١٣٢] " (٣).
أملى علي أبو بشر وصيته فقال: اكتب: "هذا ما أوصى به جعفر بن
стр. 318
إياس، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، إني رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا، على ذلك أحيا، وعليه أموت، وعليه أبعث، وأوصى أهله ومن ترك بعده أن تتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" (١).
المطلب الرابع والسبعون: توحيد الله أصل عظيم في منهج السلف:
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أصل علم السلف وعملهم هو:
ا- العلم بالله.
٢ - والعمل لله.
فجمعوا بذلك بين التصديق العلمي والعمل الحبي.
ثم إن تصديقهم عن علم، وعملهم وحبهم عن علم، فسلموا بذلك من آفات منحرفة المتكلمة والمتصوفة.
فالكلاميون: غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية، فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر.
والصوفيون: غالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية، فغايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.
стр. 319
فإن كلا من المنحرفين له مفسدتان:
إحداهما: القول بلا علم إن كان متكلما.
والعمل بلا علم إن كان متصوفا.
وهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة.
والمفسدة الثانية: فوت المتكلم العمل.
وفوت المتصوف القول والكلام.
أما السلف وأتباعهم فقد حققوا كلا الأمرين.
من القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة.
والعمل الإرادي وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
ولذلك كان كلامهم وعملهم باطنا وظاهرا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونا بالآخر وهؤلاء هم المسلمون حقا" (١).
المطلب الخامس والسبعون: التوحيد شعار أهل السنة والجماعة.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كل من كان إلى الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أقرب، كان أقرب إلى كمال التوحيد والإيمان والعقل والعرفان، وكل من كان عنهم أبعد كان عن ذلك أبعد" (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "كانت عادته صلوات الله
стр. 320
وسلامه عليه أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعار الكفر والشرك، كما أمر أن يبنى مسجد الطائف موضع اللات" (١).
المطلب السادس والسبعون: التوحيد بمثابة الأصل والأعمال الظاهرة هي الفروع.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والدين القائم بالقلب من الإيمان علما وحالا هو "الأصل"، والأعمال الظاهرة هي "الفروع" وهي كمال الإيمان.
فالدين أول ما يبنى من أصوله ويكمل، كما أنزل الله بمكة أصوله من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية والقصص والوعد والوعيد
ثم أنزل بالمدينة-لما صار له قوة-فروعه الظاهرة من الجمعة والجماعة والأذان والإقامة والجهاد والصيام وتحريم الخمر والزنا والميسر وغير ذلك من واجباته ومحرماته" (٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإذا كان أصل العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة كقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات الآية: ٥٦]، وقوله: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة الآية: ٢١]، وأمثال هذا" (٣).
стр. 321
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أصل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ورأس المعروف هو التوحيد ورأس المنكر هو الشرك" (١).
المطلب السابع والسبعون: التوحيد هو أول المأمورات، وضده هو أول المنهيات.
• قال-تعالى-: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ١٥١]،
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥ هـ) ﵄، أن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ)، أراد سفرًا فقال: يا نبي الله أوصني قال: «اعبد الله لا تشرك به شيئًا». قال: يا نبي الله زذني قال: «إذا أسأت فأحسن». قال: يا رسول الله زدني قال: «استقم وليحسن خلقك» (٢).
• قال أبو الدرداء (ت: مابين ٣٢ - ٣٨ هـ) ﵁: أوصاني خليلي «أن لا تشرك بالله شيئًا، وإن قطعت وحرقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا، فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الأمة، ولا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر» (٣).
стр. 322
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد.
والنفي المحض ليس بتوحيد.
وكذلك الإثبات بدون النفي.
فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة «لا إله إلا الله» " (١).
• قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "والمقصود أن الشرك أعظم ما نهى الله عنه، كما أن التوحيد أعظم ما أمر الله به، ولهذا كان أوَّل دعوة الرسل كلهم إلى توحيد الله ونفي الشرك، فلم يأمروا بشيء قبل التوحيد، ولم ينهوا عن شيء قبل الشرك، وما ذكر الله-تعالى-التوحيد مع شيءٍ من الأوامر إلا جعله أوَّلها، ولا ذكر الشرك مع شيء من النواهي إلا جعله أوَّلها، كما في آية النساء: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: الآية: ٣٦]، وكما في آية الأنعام التي طلب النبي البيعة عليها، وهي قوله-تعالى-: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: الآية: ١٥١]، وكما في آيات الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: الآية: ٢٣]، فابتَدَأ تلك الأوامر والنواهي بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وختمها بذلك" (٢).
стр. 323
المطلب الثامن والسبعون: التوحيد من أجله شرع الجهاد.
• قال-تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: الآية: ٣٩].
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؛ أي: شرك، وصد عن سبيل الله ويذعنوا لأحكام الإسلام، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ﴾ فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين، أن يدفع شرَّهم عن الدين، وأن يَذُبَّ عن دين الله، الذي خلق الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان، ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن ما هم عليه من الظُّلم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، لا تخفى عليه منهم خافية، ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الطاعة وأوضعوا في الإضاعة، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى﴾، الذي يتولى عباده المؤمنين، ويوصل إليهم مصالحهم، وييسِّر لهم منافعهم الدينية والدنيوية، ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ الذي ينصرهم، فيدفع عنهم كيد الفُجَّار، وتكالُب الأشرار، ومَن كان الله مولاه وناصره فلا خوف عليه، ومَن كان الله عليه فلا عزَّ له، ولا قائمة تقوم له" (١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "قال ابن جريج: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: الآية: ٣٩]؛ أي: لا يفتُر مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصًا ليس فيه شركٌ، ويخلع ما دونه من الأنداد" (٢).
стр. 324
• قال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀: "فدلَّ على أنه إذا وُجد الشرك فالقتال باقٍ بحاله؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: الآية: ٣٦]، وقال - تعالى -: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: الآية: ٥]، فأمر بقتالهم على فعل التوحيد وترك الشرك وإقامة شعائر الدين الظاهرة، فإذا فعلوها خلَّي سبيلهم، ومتى أَبَوْا عن فعلها أو فعل شيء منها فالقتال باقٍ بحاله إجماعًا" (١).
• عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله » (٢).
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يقول كلمة التوحيد، فإذا قالها حقن دمه فصار محظور الدم بمنزلة المسلم" (٣).
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "المشرك إذا قال: لا إله إلا الله رفع عنه السيف وحرم دمه" (٤).
• قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "قوله: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس
стр. 325
حتى يقولوا: لا إله إلا الله» كذا ساقه الأكثر، وفي رواية طارق عند مسلم: «مَنْ وحَّد الله وكفر بما يعبد من دونه حرَّم دمه وماله»، وأخرجه الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ)، من حديثه كرواية الجمهور، وفي حديث ابن عمر (ت: ٧٣ هـ): «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، ونحوه في حديث أبي العنبس (ت: ١٥٠ هـ تقزيبًا)، وفي حديث أنس (ت: ٩٠ هـ) عند أبي داود (ت: ٢٧٥ هـ): «حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، ويصلُّوا صلاتنا»، وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن (ت: ١٣٢ أو ١٣٨ هـ): «حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤمنوا بي وبما جئتُ به» (١).
• قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "وقد وردت الأحاديث بذلك زائدٌ بعضها على بعض؛ ففي حديث أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁، الاقتصار على قول: لا إله إلا الله، وفي حديثه من وجهٍ آخر عند مسلم (ت: ٢٦١ هـ): «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، وفي حديث ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄ ما ذكرت، وفي حديث أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁: « … فإذا صلُّوا واستقبلوا وأكلوا ذبيحتنا»، قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀، وغيره: أمَّا الأول فقاله في حالة قتاله لأهل الأوثان الذين لا يقرُّون بالتوحيد، وأما الثاني فقاله في حالة قتال أهل الكتاب الذين يعترفون بالتوحيد ويجحدون نبوَّته عمومًا أو خصوصًا، وأمَّا الثالث ففيه الإشارة إلى أن من دخل في الإسلام وشهد بالتوحيد وبالنبوة ولم يعمل بالطاعات، أن حكمهم أن يقاتلوا حتى يذعنوا إلى ذلك" (٢).
стр. 326
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀"فالمقصود بالجهاد ألا يعبد غير الله، فلا يدعو غيرَه، ولا يُصلِّي لغيره، ولا يسجد لغيره، ولا يعتمر ولا يحج إلا إلى بيته، ولا يذبح القرابين إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يتوكَّل إلا عليه، ولا يخاف إلا إياه … " (١).
المطلب التاسع والسبعون: التوحيد من أجله انقسم الناس إلى مؤمن وكافر وبينهما ولاء وبراء.
• قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ [المجادلة: الآية: ٢٢].
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "يقول-تعالى-: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: الآية: ٢٢]؛ أي: لا يجتمع هذا وهذا، فلا يكون العبد مؤمنًا بالله واليوم الآخر حقيقة، إلا كان عاملاً على مقتضى إيمانه ولوازمه، من محبة مَنْ قام بالإيمان وموالاته، وبغض مَنْ لم يقم به ومعاداته، ولو كان أقربَ الناس إليه، وهذا هو الإيمان على الحقيقة الذي وجدت ثمرته والمقصود منه، وأهل هذا الوصف هم الذين كتب الله في قلوبهم الإيمان؛ أي: رسمه وثبَّته، وغرسه غرسًا لا يتزلزل، ولا تؤثِّر فيه الشُّبَه والشكوك، وهم الذين قوَّاهم الله بروح منه؛ أي: بوحيه
стр. 327
ومعرفته ومَدَدِه الإلهي، وإحسانه الرباني، وهم الذين لهم الحياة الطيبة في هذه الدار، ولهم جنَّات النعيم في دار القرار، التي فيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين وتختار، ولهم أفضل النعيم وأكبره، وهو أن الله يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدًا، ويرضون عن ربهم بما يعطيهم من أنواع الكرامات، ووافر المَثُوبات، وجزيل الهبات، ورفيع الدرجات؛ بحيث لا يرون فوق ما أعطاهم مولاهم غاية، ولا وراءه نهاية، وأمَّا مَنْ يزعُم أنه يؤمن بالله واليوم الأخر، وهو مع ذلك موادٌّ لأعداء الله، محبٌّ لِمَنْ نبذ الإيمان وراء ظهره، فإن هذا إيمان زعميٌّ لا حقيقة له، فإن كان أمرٌ لا بُدَّ له من برهان يصدِّقه، فمجرَّد الدعوى لا تفيد شيئًا ولا يصدق صاحبها" (١).
المطلب الثمانون: التوحيد سبب الاجتماع والألفة.
• قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: الآية: ٤].
• وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: الآية: ٢١٣].
• قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاشية: الآية: ١٦].
وقال تعالى في موسى بن عمران مثل ذلك.
стр. 328
• وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ [آل عمران: الآية: ١٠٥﴾.
• وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ١٥٩].
• وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ* مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: الآيات: ٣٠ - ٣٢]، لأن المشركين كل منهم يعبد إلها يهواه.
• كما قال في الآية الأولى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: الآية: ١٣].
• وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّة وَاحِدَة وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: الآيات: ٥١ - ٥٣].
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فظهر أن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما أمر به باطنا، وظاهرا.
وسبب الفرقة: ترك حظ مما أمر العبد به، والبغي بينهم. ونتيجة الجماعة: رحمة الله، ورضوانه، وصلواته، وسعادة الدنيا والآخرة، وبياض الوجوه.
ونتيجة الفرقة: عذاب الله، ولعنته، وسواد الوجوه، وبراءة الرسول- ﷺ -منهم.
وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجة قاطعة، فإنهم إذا اجتمعوا
стр. 329
كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا تكون طاعة الله ورحمته: بفعل لم يأمر الله به من اعتقاد، أو قول، أو عمل، فلو كان القول، أو العمل الذي اجتمعوا عليه لم يأمر الله به لم يكن ذلك طاعة لله، ولا سببا لرحمته" (١).
المطلب الواحد والثمانون: التوحيد سر القرآن.
قال ابن تيمية: "فإن التوحيد، هو سر القرآن ولب الإيمان، وتنويع العبارة بوجوه الدلالات من أهم الأمور وأنفعها للعباد في مصالح المعاش والمعاد" (٢).
المطلب الثاني والثمانون: التوحيد سر الحج.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وأما الحج فشأن آخر لا يدركه إلا الحنفاء الذين ضربوا في المحبة بسهم وشأنه أجل من أن تحيط به العبارة وهو خاصة هذا الدين الحنيف حتى قيل في قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: الآية: ٣١]، أي حجاجًا؛ وجعل الله بيته الحرام قياما للناس فهو عمود العالم الذي عليه بناؤه فلو ترك الناس كلهم الحج سنة لخرت السماء على الأرض هكذا قال ترجمان القرآن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ)، فالبيت الحرام قيام العالم فلا يزال قياما ما زال
стр. 330
هذا البيت محجوجا. فالحج هو خاصة الحنيفية، ومعونة الصلاة، وسر قول العبد لا إله إلا الله فإنه مؤسس على التوحيد المحض والمحبة الخالصة" (١).
"ومشاهد التوحيد في الحج كثيرة يأتي على رأسها التلبية "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك" والممعن في هذه الكلمات يجد آثارها في تحقيق هذا الأمر والتذكير به.
ومعنى "لبيك اللهم لبيك" أي إجيبك إجابة بعد إجابة، وأنا مقيم على طاعتك، ففيها التصريح بنبذ ما يخالف حقيقة التوحيد "لبيك لا شريك لك لبيك" ولعظمة هذه الكلمة وأثرها ومعانيها العظام
• قال ﷺ «أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال» (٢).
• قال جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄"كنّا نصرخ بها صراخاً" (٣)،
• وفي حديث سهل بن سعد (ت: ٩١ هـ)، قال ﷺ : «ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا» (٤).
ويتكرر مشهد التوحيد والعناية به في هذه الفريضة والتأكيد عليه في مشاهد أخرى من هذه الفريضة العظيمة، يبدو ذلك في الركعتين التي
стр. 331
يركعهما الحاج خلف المقام بعد نهاية الطواف حيث ورد في السنة أن المصلي يقرأ في هذا الموضع سورتي الإخلاص، قل هو الله أحد والكافرون، وهي ذاتها التي يقرأ بها في سنة الفجر، وسنة المغرب.
وإذا أردت أن تعرف مشاهد السورة وما تتركه في قلب المؤمن الحي فتأمل في آياتها لا ترى فيها إلا معلم التوحيد فحسب .. إنه مشهد آخر من مشاهد التأكيد على هذه الغاية الكبيرة في الحج ..
ويتكرر مشهد التوحيد ثالثة في الدعاء على الصفا والمروة حين يردد الحاج ما أشار إليه نبينا ﷺ «لا إله إلا الله وحد لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده» (١)، وأنت ترى التأكيد على هذه المسألة، وغرس كلماتها ومعانيها وآثارها في نفس كل مسلم على أرض مكة في فريضة الحج.
ومثل ذلك ما قاله ﷺ في دعاء عرفة «خير ما قلت أنا والنبيون من بعدي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».
بل ذات المعنى تجده في كل أعمال الحج صغيرها وكبيرها لا فرق، وحين تتأمّل هذه القضية لا تكاد تغيب في مشهد الحج من خروج الإنسان من بيته إلى طواف الوداع مما يعطيك دلالة كبيرة على عظمة التوحيد في الحج" (٢).
стр. 332
المطلب الثالث والثمانون: التوحيد صدر الشهادتين.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن صدره الشهادتان اللتان هما أصلا الدين وجماعه؛ فإن جميع الدين داخل في "الشهادتين" إذ مضمونهما أن لا نعبد إلا الله، وأن نطيع رسوله، "والدين" كله داخل في هذا في عبادة الله بطاعة الله وطاعة رسوله، وكل ما يجب أو يستحب داخل في طاعة الله ورسوله" (١).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "التوحيد لا ينفع بدون الشهادة له بالرسالة" (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "محمد رسول الله- ﷺ ، من تمام قول لا إله إلا الله. فالكلمتان تخرجان من أصل القلب، من مشكاة واحدة. لا تتم إحداهما إلا بالأخرى" (٣).
المطلب الرابع والثمانون: أشعة التوحيد تبدد من ضباب الذنوب وغيومها.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك النور-قوة، وضعفا-لا يحصيه إلا الله تعالى.
стр. 333
فمن الناس من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس.
ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري.
ومنهم من نورها في قلبه كالمشعل العظيم.
وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف.
ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم، وبين أيديهم، على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة، علما وعملا، ومعرفة وحالا.
وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة، ولا ذنبا، إلا أحرقه، وهذا حال الصادق في توحيده، الذي لم يشرك بالله شيئا، فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد حرست بالنجوم من كل سارق لحسناته، فلا ينال منها السارق إلا على غرة وغفلة لا بد منها للبشر، فإذا استيقظ وعلم ما سرق منه استنقذه من سارقه، أو حصل أضعافه بكسبه، فهو هكذا أبدا مع لصوص الجن والإنس، ليس كمن فتح لهم خزانته، وولى الباب ظهره" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من قواعد الشرع والحكمة أيضاً: أنَّ من كَثُرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهرٌ؛ فإنه يُحتمل له ما لايُحتمل لغيره، ويُعفى عنه ما لايُعفى عن غيره" (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والله سبحانه يُوازنُ يوم
стр. 334
القيامة بين حسنات العبد وسيئاته، فأيهما غَلبَ كان التأثير له، فيفعل مع أهل الحسنات الكثيرة الذين آثروا محابّه ومراضيه وغلبتهم دواعي طبعهم أحياناً من العفو والمسامحة ما لا يفعله مع غيرهم" (١).
• ذكر الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ) ﵀: "قال عون بن عُمارة (ت: ٢١٢ هـ) ﵀: سمعت هشامًا الدستوائي (ت: ١٥٤ هـ) ﵀-يقول: "والله ما أستطيع أن أقول: أني ذهبت يوماً قط أطلب الحديث أريد به وجه الله ".
قلت-أي الذهبي-: "والله ولا أنا فقد كان السلف يطلبون العلم لله فنبلوا، وصاروا أئمة يقتدى بهم.
وطلبه قوم منهم أولًا لا لله، وحصلوه، ثم استفاقوا، وحاسبوا أنفسهم فجرهم العلم إلى الأخلاص في أثناء الطريق، كما قال مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀-وغيره: "طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعدُ"، وبعضهم يقول: "طلبنا هذا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله". فهذا أيضاً حسن. ثم نشروه بنية صالحة.
وقوم طلبوه بنية فاسدة، لأجل الدنيا وليثنى عليهم، فلهم ما نووا. قال ﵇ «من غزا ينوي عقالًا فله ما نوى» (٢). وترى هذا الضرب لم
стр. 335
يستضيؤوا بنور العلم، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل، وإنما العالم من يخشى الله تعالى.
وقوم نالوا العلم، وولوا به المناصب، فظلموا، وتركوا التقيد بالعلم، وركبوا الكبائر والفواحش، فتبا لهم فما هؤلاء بعلماء!! وبعضهم لم يتق الله في علمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرخص، وروى الشاذ من الأخبار. وبعضهم أجترأ على الله، ووضع الأحاديث فهتكه الله وذهب علمه، وصار زاده إلى النار.
وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئاً كبيراً، وتضلعوا منه في الجملة، فخلف من بعدهم خلف بَان نقصهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر، ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير، أوهموا به أنهم علماء فضلاء، ولم يدر في أذهانهم قط أنهم يتقربون به إلى الله؛ لأنهم ما رأوا شيخاً يُقتدى به في العلم، فصاروا همجاً رعاعاً، غاية المدرس منهم أن يحصل كتبا مُثَمَّنة، يَخْزُنُها، وينظر فيها يوماً ما، فيصحف ما يورده، ولا يقرره. فنسأل الله النجاة والعفو، كما قال بعضهم: ما أنا عالم، ولا رأيت عالماً" (١).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "لا تجد شيئا أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، بل هو عين الإخلاص، ومن جنح إلى منحرف عن دينه أو داهن مبتدعا في عقده نزع الله نور التوحيد من قلبه" (٢).
стр. 336
المطلب الخامس والثمانون: التوحيد منزلته بمنزلة الماء في الدنيا.
• عن سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ) ﵀: أنه قال: "منزلة لا إله إلا الله في العبد بمنزلة الماء في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ [الأنبياء: الآية: ٣٠] فمن لم ينفعه اعتقاد لا إله إلا الله والاقتداء بسنة رسول الله ﷺ فهو ميت" (١).
• قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: الآية: ١٩] قال: الخلق كلهم موتى إلا العلماء، ولذلك دعا نبيه ﷺ إلى محل الحياة بالعلم بقوله: فاعلم" (٢).
المطلب السادس والثمانون: التوحيد منة من الله على عباده الموحدين.
• قال تعالى: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم﴾ [آل عمران: الآية: ١٦٤].
• قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجزات: الآية: ١٧].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "فإن الله هو الذي منّ عليكم بأن هداكم له، فلا تمنوا عليّ بإسلامكم" (٣).
стр. 337
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "المنة تقع بالهداية إلى الإيمان" (١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والله سبحانه بعث محمدا بالكتاب والسنة، وبهما أتم على أمته المنة. قال تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: الآية: ١٥٠]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: الآية: ١٦٤] " (٢).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "فكما أنه تعالى يمن عليهم، بالخلق والرزق، والنعم الظاهرة والباطنة، فمنته عليهم بهدايتهم إلى الإسلام، ومنته عليهم بالإيمان، أعظم من كل شيء" (٣).
• قال عبد العزيز بن باز (ت: ١٤٢٠ هـ) ﵀: "المنة لله سبحانه في كل شيء، كما قال تعالى في آخر سورة الحجرات: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: الآية: ١٧] فالمنة لله وحده في كل شيء من نعم الدنيا والآخرة" (٤).
• وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ
стр. 338
اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: الآية: ٩٤].
• عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، قال: سمع النبي ﷺ رجلا يقول: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك المنان يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار فقال النبي ﷺ : لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب» (١).
• وقال أبو بكر الأنباري (ت: ٣٢٨ هـ) ﵀: في شرح المنان: "معناه: المعطي ابتداء ولله المنة على عباده، ولا منة لأحد منهم عليه، تعالى الله علوا كبيرا" (٢).
• وقال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "وأما (المنان) فهو كثير العطاء" (٣).
المطلب السادس والثمانون: التوحيد ينال به الموحد أبوة الأنبياء وأمومة أزواج النبي وأخوة المؤمنين.
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): "وجد المؤمن بهذه الشهادة أبوة إبراهيم، وهو قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: الآية: ٧٨]، وأمومة
стр. 339
أزواج النبي ﷺ ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: الآية: ٦]، وأخوة المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: الآية: ١٠] " (١).
المطلب السابع والثمانون: التوحيد ينال به الموحد استغفار الأنبياء والملائكة وشفاعتهم.
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "وجد المؤمن بهذه الشهادة استغفار الأنبياء: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: الآية: ١٩]، واستغفار الملائكة: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: الآية: ٧]. وشفيعًا مثل محمد- ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي " (٢) " (٣).
الموحد اشتق الله له من اسمه "المؤمن".
• قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: الآية: ١].
• قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: الآية: ١٠].
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "وجد المؤمن بهذه الشهادة ومشاركة (٤). الله تعالى في الاسم "المؤمن" (٥). يعني بذلك اسمه (المؤمن) كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
стр. 340
الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: الآية: ٢٣].
المطلب الثامن والثمانون: أهل التوحيد اشتق لهم اسم من التوحيد فسموا الموحدين.
• ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [الحجر: الآية: ٤٠].
• عن فروة بن نوفل أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله علمني شيئا أقوله إذا أويت إلى فراشي، فقال: «اقرأ: قل يا أيها الكافرون فإنها براءة من الشرك» (١).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [الحجر: الآية: ٤٠]، الموحدين" (٢).
• قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ أي الموحدين المؤمنين الذي أخلصوا دينهم عن الشرك" (٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-عن سورة الكافرون: "فمقصودها الأعظم هو البراءة المطلقة بين الموحدين والمشركين، ولهذا أتى بالنفي في الجانبين تحقيقا للبراءة المطلوبة، هذا مع أنها متضمنة
стр. 341
للإثبات صريحا فقوله: ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾ [الكافرون: الآية: ٢]، براءة محضة، ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ [الكافرون: الآية: ٣]، إثبات أن له معبودا يعبده وأنهم بريئون من عبادته، فتضمنت النفي والإثبات وطابقت قول إمام الحنفاء: ﴿إنني براء مما تعبدون (٢٦) إلا الذي فطرني﴾ [الزخرف: الآيات: ٢٦ - ٢٧]، وطابقت قول الفتية الموحدين: ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله﴾ [الكهف: الآية: ١٦] فانتظمت حقيقة لا إله إلا الله، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بها وب ﴿قل هو الله أحد (١)﴾ [الإخلاص: الآية: ١]، في سنة الفجر وسنة المغرب (١)، فإن هاتين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد، الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح إلا بهما، وهما توحيد العلم والاعتقاد" (٢).
المطلب التاسع والثمانون: التوحيد يورث الثبات في قلب المؤمن.
• قال تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٧].
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "القول الثابت في الحياة الدنيا، كلمة الإخلاص، والنجاة من النار: لا إله إلا الله، والإقرار بالنبوة
стр. 342
وهذه الآية تعم العالم من لدن آدم ﵇ إلى يوم القيامة، وقال طاووس (ت: ١٠٦ هـ) وقتادة (ت: ١١٨ هـ)، وجمهور العلماء: الحياة الدنيا هي مدة حياة الإنسان.
﴿وفي الآخرة﴾ هي وقت سؤاله في قبره. وقال البراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ)، وجماعة في الحياة الدنيا هي وقت سؤاله في قبره- ورواه البراء عن النبي ﵇ في لفظ متأول.
ووجه القول لأن ذلك في مدة وجود الدنيا.
وقوله في الآخرة هو يوم القيامة عند العرض.
والأول أحسن، ورجحه الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀" (١).
• قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: " ﴿كلمة طيبة﴾، يعني كلمة الإخلاص ﴿كشجرة طيبة﴾، يعني النخلة ﴿أصلها ثابت وفرعها في السماء﴾، يعني أغصانها مرفوعة إلى السماء، فكذلك أصل عمل المؤمن كلمة التوحيد، وهو أصل ثابت، وفرعه وهو عمله مرفوع إلى السماء مقبول، إلا أن فيه خللا وإحداثا، ولكن لا يزول أصل عمله، وهو كلمة التوحيد، كما أن الرياح تزعزع أغصان النخلة، ولا يزول أصلها، وشبه عمل الكافر كشجرة خبيثة فقال: ﴿ومثل كلمة خبيثة﴾، يعني شجرة الحنظل أخبث ما فوق الأرض ليس لها أصل في الأرض، كذلك الكفر والنفاق ليس له في الآخرة من ثبات، وليس في خزائن الله أكبر من التوحيد" (٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الكلمة الطيبة لها أصل ثابت
стр. 343
في قلب المؤمن ولها فرع عال وهي ثابتة في قلب ثابت كما قال ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٧]، فالمؤمن عنده يقين وطمأنينة والإيمان في قلبه ثابت مستقر وهو في نفسه ثابت على الإيمان مستقر لا يتحول عنه والكلمة الخبيثة ﴿كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٦]، استؤصلت واجتثت كما يقطع الشيء يجتث من فوق الأرض ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَار﴾ لا مكان تستقر فيه ولا استقرار في المكان؛ فإن القرار يراد به مكان الاستقرار كما قال تعالى: ﴿وبئس القرار﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٦]، وقال: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارا﴾ [غافر: الآية: ٦٤].
ويقال: فلان ما له قرار أي ثبات وقد فسر القرار في الآية بهذا وهذا فالمبطل ليس قوله ثابتا في قلبه ولا هو ثابت فيه ولا يستقر كما قال تعالى في المثل الآخر: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: الآية: ١٧]، فإنه وإن اعتقده مدة فإنه عند الحقيقة يخونه كالذي يشرك بالله فعند الحقيقة يضل عنه ما كان يدعو من دون الله. وكذلك الأفعال الباطلة التي يعتقدها الإنسان عند الحقيقة تخونه ولا تنفعه بل هي كالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار فمن كان معه كلمة طيبة أصلها ثابت كان له فرع في السماء يوصله إلى الله فإنه سبحانه ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: الآية: ١٠]، ومن لم يكن معه أصل ثابت فإنه يحرم الوصول؛ لأنه ضيع الأصول؛ ولهذا تجد أهل البدع والشبهات لا يصلون إلى غاية محمودة كما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَال﴾ [الرعد: الآية: ١٤] " (١).
стр. 344
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين. فإن لم يثبته الله، وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما. وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا﴾ [الإسراء: الآية: ٧٤] " (١).
• قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: الآية: ١٣].
قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: وقوله: ﴿أن أقيموا الدين﴾ أي: اثبتوا على التوحيد، وقيل: أقيموا الدين أي: استقيموا على الدين. ويقال: أقيموا الدين هو فعل الطاعات وامتثال الأوامر" (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الدِّين مداره على أصلين: العزم والثبات، وهما الأصلان المذكوران في الحديث: «اللهمَّ إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد» (٣) " (٤).
стр. 345
المطلب التسعون: التوحيد يوجب على المؤمن أن يقدر الله حق قدره.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب؛ بأن يكون هو المعبود وحده لا شريك له وإنما يعبد بما أمر به على ألسن رسله. وأصل عبادته معرفته بما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه به رسله؛ ولهذا كان مذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وما وصفه به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل والذين ينكرون بعض ذلك ما قدروا الله حق قدره وما عرفوه حق معرفته ولا وصفوه حق صفته ولا عبدوه حق عبادته. والله سبحانه قد ذكر هذه الكلمة ﴿ما قدروا الله حق قدره﴾ في ثلاث مواضع [الأنعام: الآية: ٩١]، [الحج: الآية: ٧٤]، [الزمر: الآية: ٦٤]؛ ليثبت عظمته في نفسه وما يستحقه من الصفات وليثبت وحدانيته وأنه لا يستحق العبادة إلا هو وليثبت ما أنزله على رسله فقال في الزمر: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة﴾ الآية [الزمر: الآية: ٦٤]. وقال في الحج: ﴿ضعف الطالب والمطلوب﴾ [الحج: الآية: ٧٣]، ﴿ما قدروا الله حق قدره﴾ [الحج: الآية: ٧٤]، وقال في الأنعام: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: الآية: ٩١].
وفي المواضع الثلاثة ذم الذين ما قدروه حق قدره من الكفار فدل ذلك على أنه يجب على المؤمن أن يقدر الله حق قدره كما يجب عليه أن يتقيه حق تقاته وأن يجاهد فيه حق جهاده قال تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ [الحج: الآية: ٧٨]، وقال: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ [آل عمران: الآية: ١٠٢]، والمصدر هنا مضاف إلى المفعول والفاعل مراد أي حق جهاده
стр. 346
الذي أمركم به وحق تقاته التي أمركم بها واقدروه قدره الذي بينه لكم وأمركم به فصدقوا الرسول فيما أخبر وأطيعوه فيما أوجب وأمر.
ودلت الآية على أن له قدرا عظيما؛ لا سيما قوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: الآية: ٦٧]، وفي تفسير ابن أبي طلحة عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) قال: من آمن بأن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره" (١).
المطلب الواحد والتسعون: لا إله إلا الله معناها التوحيد.
• لما بعث معاذا (ت: ١٨ هـ) ﵁، إلى اليمن قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (٢).
و"لا إله إلا الله" معناها التوحيد؛ ولهذا في الأحاديث تارة يُعبر عن هذه الكلمات بالتوحيد، وتارة تُذكر هذه الكلمة.
• ومن ذلك: ما جاء في بعض رويات الحديث من قوله- ﷺ -لمعاذ
стр. 347
(ت: ١٨ هـ) ﵁، لما بعثه إلى اليمن: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله-تعالى-" (١).
• ولفظ مصنف عبد الرزاق (ت: ٢١١ هـ) ﵀: "إنك ستأتي على ناس من أهل الكتاب فادعهم إلى التوحيد" (٢).
• عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄-عن النبي- ﷺ : "بني الإسلام على خمسة على أن يوحدوا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحج" أخرجه مسلم (٣).
• وعنه ﷺ -أنه قال: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله" (٤).
• وفي رواية: "من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله .. " (٥).
• فعن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ في قوله: لا إله إلا هو قال: توحيد" (٦).
• قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت: ١٢٨٥ هـ) ﵀: "قوله: "وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله» " هذه الرواية ثابتة في كتاب
стр. 348
التوحيد من صحيح البخاري. وأشار المصنف بذكر هذه الرواية إلى التنبيه على معنى "شهادة أن لا إله إلا الله"؛ فإن معناها توحيد الله بالعبادة ونفي عبادة ما سواه. وفي رواية: " «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله» وذلك هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله" (١).
• قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت: ١٢٨٥ هـ) ﵀: " فإن التوحيد أن لا يدعى إلا الله وحده" (٢).
المطلب الثاني والتسعون: النعم داعية إلى التوحيد وذاك داع إلى شكرها.
• ﴿وَمَا بِكُمْ مِّن نِّعْمَة فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ﴾.
• قال صالح الدمشقي (من القرن الثاني من الهجرة) ﵀، لا بنه: "يا بني، إذا مرَّ بك يوم وليلة قد سلم فيهما دينك، وجسمك، ومالك، وعيالك فأكثِر الشكر للَّه تعالى" (٣).
• وقال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: "كلما شكرت نعمة؛ تجدد لك بالشكر أعظم منها" (٤).
• وقال الجنيد (ت: ٢٩٨ هـ) ﵀: "الشكر: أن لا يعصى الله بنعمه" (٥).
стр. 349
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "ذكرهم النعم، فقال سبحانه: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾، ليوحدوا رب هذه النعم، يعني بالنعم الخير والعافية، ﴿ثم إذا مسكم الضر﴾، يعني الشدة، وهو الجوع، والبلاء، وهو قحط المطر بمكة سبع سنين، ﴿فإليه تجئرون﴾ [آية: ٥٣]، يعني تضرعون بالدعاء، لا تدعون غيره أن يكشف عنكم ما نزل بكم من البلاء والدعاء حين قالوا في حم الدخان: ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾ [الدخان: الآية: ١٢]، يعني مصدقين بالتوحيد" (١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "شكر العبد هو: إقراره بأن ذلك من الله دون غيره، وإقرار الحقيقة: الفعل، ويصدقه العمل، فأما الإقرار الذي يكذبه العمل، فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق، ولكنه يقال شكر باللسان، والدليل على صحة ذلك: قوله تعالى: ﴿اعملوا آل داوود شكرا﴾ [سبأ: الآية: ١٣]، ومعلوم أنه لم يأمرهم، إذ قال لهم ذلك، بالإقرار بنعمه؛ لأنهم كانوا لا يجحدون أن يكون ذلك تفضلا منه عليهم، وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة له بالعمل، وكذلك قال ﷺ حين تفطرت قدماه في قيام الليل: «أفلا أكون عبدا شكورا» (٢) " (٣).
• قال أبو عبد الله الحسن بن الحسين الحليمي (ت: ٤٠٤ هـ) ﵀: "فمعلوم أن النعم متفاوتة في مراتبها فأولاها بالشكر نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان، والإرشاد إلى الحق، والتوفيق لقوله، لأنه هو الغرض الذي ليس بتابع لما سواه، وكل فرض سواه، فهو تابع له،
стр. 350
فهو ممن جاء به، وثبت عليه شكره لفقره من النعم، والتيسير له نعمة عظيمة يقتضي الشكر لها بالإنهاء على المعاصي، وإتباع الإيمان حقوقه، لأن الإيمان بالله عهد بينه وبين العبد ولكل عهد وفاء. فالوفاء بالإيمان إتباعه ما بعده.
فإن قيل: إلا قلتم إن أولي النعم أولاها بالشكر، هو الحياة ثم العقل والبيان.
قيل: لأن هذه النعم كلها لتكون من المنعم عليه بها الإيمان، فصح إن أفضل النعم الإيمان، فمن شكر لله تعالى تيسيره للإيمان، فقد شكر عامة ما كان الإيمان به، فصارت هذه النعم التي ذكرتها ذا صلة في الشكر والله أعلم" (١).
• قال ابن عطية (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "ومعنى الآية: التذكير بأن الإنسان في جليل أمره ودقيقه، إنما هو في نعمة الله وأفضاله، إيجاده داخل في ذلك فما بعده، ثم ذكر تعالى بأوقات المرض، لكون الإنسان الجاهل يحس فيها قدر الحاجة إلى لطف الله تعالى" (٢).
• وقال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "والمعنى: أنه تعالى بين أن جميع النعم من الله تعالى، ثم إذا اتفق لأحد مضرة توجب زوال شيء من تلك النعم فإلى الله يجأر، أي لا يستغيث أحدا إلا الله تعالى لعلمه بأنه لا مفزع للخلق إلا هو، فكأنه تعالى قال لهم فأين أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاء والسلامة؟ " (٣).
• ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-شارحًا حديث: «سلوا الله العفو
стр. 351
والعافية والمعافاة» (١). قال ﵀: "وهذا السؤال متضمن للعفو عما مضى، والعافية في الحال، والمعافاة في المستقبل بدوام العافية واستمرارها" (٢).
• قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم: الآية: ٥٥].
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الْآلَاءُ: هِيَ النِّعَمُ؛ وَالنِّعَمُ كُلُّهَا مِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ" (٣).
• قال تعالى: ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾ [إبراهيم: الآية: ٧].
• قال تعالى: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما﴾ [النساء: الآية: ١٤٧].
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَإِنَّ الْعَبْدَ يَدْعُوهُ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ
دَاعِي الشُّكْرِ
وَدَاعِي الْعِلْمِ
فَإِنَّهُ يَشْهَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَذَاكَ دَاعٍ إلَى شُكْرِهَا" (٤).
стр. 352
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وشكر العامة؛ على المطعم والمشرب والملبس وقوت الأبدان، وشكر الخاصة؛ على التوحيد والإيمان وقوت القلوب" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الشكر يكون بالقلب خضوعاً واستكانة، وباللسان ثناء واعترافاً، وبالجوارح طاعة وانقياداً" (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إنعام الرب تعالى على عبده: فإحسان إليه، وتفضل عليه، ومجرد امتنان. لا لحاجة منه إليه، ولا لمعاوضة، ولا لاستعانة به، ولا ليتكثر به من قلة، ولا ليتعزز به من ذلة، ولا ليقوى به من ضعف. سبحانه وبحمده.
وأمره له بالشكر أيضا: إنعام آخر عليه. وإحسان منه إليه. إذ منفعة الشكر ترجع إلى العبد دنيا وآخرة. لا إلى الله. والعبد هو الذي ينتفع بشكره. كما قال تعالى: ﴿ومن شكر فإنما يشكر لنفسه﴾ [النمل: الآية: ٤٠] فشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وأخرى. فلا يذم ما أتى به من ذلك، وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به. ولا يستطيع شكره. فإنه إنما هو محسن إلى نفسه بالشكر. لا أنه مكافئ به لنعم الرب. فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمه أبدا، ولا أقلها، ولا أدنى نعمة من نعمه. فإنه تعالى هو المنعم المتفضل، الخالق للشكر والشاكر، وما يشكر عليه. فلا يستطيع أحد أن يحصي ثناء عليه. فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه، وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها. فشكره نعمة من الله أنعم بها عليه. تحتاج إلى شكر آخر. وهلم جرا" (٣).
стр. 353
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدا، ولهذا أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركا؛ فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: الآية: ٢٤] " (١).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "قال بعض السلف: "الشكر أن لا يُستعان بشيءٍ من النعَم على معصيته" (٢).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "الشكر على درجتين:
إحداهما: واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويتجنب المحرمات، فهذا لا بد منه، ويكفي في شكر هذه النعم، ....
ومن هنا قال بعض السلف: "الشكر: ترك المعاصي".
وقال بعضهم: "الشكر أن لا يستعان بشيء من النعم على معصيته".
وذكر أبو حازم الزاهد شكر الجوارح كلها: "أن تكف عن المعاصي، وتستعمل في الطاعات "، ثم قال: "وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه: فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من البرد، والحر، والثلج، والمطر".
الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحب، وهو أن يعمل العبد
стр. 354
بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم: بنوافل الطاعات، وهذه درجة السابقين المقربين" (١).
• وقال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "فكل عطاء الله فضل، فإنه لا واجب عليه، فكان لذلك واجبا على كل أحد إخلاص التوحيد له شكرا على فضله لما تظافر عليه دليلا العقل والنقل من أن شكر المنعم واجب" (٢).
المطلب الثالث والتسعون: التوحيد يعزز مكارم الأخلاق.
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمُتْ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليُكرِمْ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». وفي رواية: «فلا يؤذِ جاره»، وللبخاري: «فليصِلْ رحمه» (٣).
"وهذا الحديث عظيم تتفرع منه آداب الخير، وقيل فيه: إنه نصف
стр. 355
الإسلام؛ لأن الأحكام تتعلق بالحق، أو الخلق، وهذا أفاد الثاني" (١).
• قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "وقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» المراد بقوله: «يؤمن» الإيمان الكامل، وخصه بالله واليوم الآخر إشارة إلى المبدأ أو المعاد؛ أي: من آمن بالله الذي خلَقه، وآمن بأنه سيجازيه بعمله، فليفعل الخصال المذكورات" (٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالذي شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش والمعاد وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد. فإن الله تعالى أمر المؤمنين بعبادته والإحسان إلى عباده كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ [النساء: الآية: ٣٦]، وهذا أمر بمعالي الأخلاق وهو سبحانه يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها. وقد روي عنه ﷺ أنه قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» رواه الحاكم في صحيحه" (٣).
المطلب الرابع والتسعون: بالتوحيد تحرم الدماء والأعراض ويدخل المرء الإسلام.
• عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله- ﷺ : «أمرت