والعافية والمعافاة» (١). قال ﵀: "وهذا السؤال متضمن للعفو عما مضى، والعافية في الحال، والمعافاة في المستقبل بدوام العافية واستمرارها" (٢).
• قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم: الآية: ٥٥].
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الْآلَاءُ: هِيَ النِّعَمُ؛ وَالنِّعَمُ كُلُّهَا مِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ" (٣).
• قال تعالى: ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾ [إبراهيم: الآية: ٧].
• قال تعالى: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما﴾ [النساء: الآية: ١٤٧].
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَإِنَّ الْعَبْدَ يَدْعُوهُ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ
دَاعِي الشُّكْرِ
وَدَاعِي الْعِلْمِ
فَإِنَّهُ يَشْهَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَذَاكَ دَاعٍ إلَى شُكْرِهَا" (٤).
стр. 352
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وشكر العامة؛ على المطعم والمشرب والملبس وقوت الأبدان، وشكر الخاصة؛ على التوحيد والإيمان وقوت القلوب" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الشكر يكون بالقلب خضوعاً واستكانة، وباللسان ثناء واعترافاً، وبالجوارح طاعة وانقياداً" (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إنعام الرب تعالى على عبده: فإحسان إليه، وتفضل عليه، ومجرد امتنان. لا لحاجة منه إليه، ولا لمعاوضة، ولا لاستعانة به، ولا ليتكثر به من قلة، ولا ليتعزز به من ذلة، ولا ليقوى به من ضعف. سبحانه وبحمده.
وأمره له بالشكر أيضا: إنعام آخر عليه. وإحسان منه إليه. إذ منفعة الشكر ترجع إلى العبد دنيا وآخرة. لا إلى الله. والعبد هو الذي ينتفع بشكره. كما قال تعالى: ﴿ومن شكر فإنما يشكر لنفسه﴾ [النمل: الآية: ٤٠] فشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وأخرى. فلا يذم ما أتى به من ذلك، وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به. ولا يستطيع شكره. فإنه إنما هو محسن إلى نفسه بالشكر. لا أنه مكافئ به لنعم الرب. فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمه أبدا، ولا أقلها، ولا أدنى نعمة من نعمه. فإنه تعالى هو المنعم المتفضل، الخالق للشكر والشاكر، وما يشكر عليه. فلا يستطيع أحد أن يحصي ثناء عليه. فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه، وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها. فشكره نعمة من الله أنعم بها عليه. تحتاج إلى شكر آخر. وهلم جرا" (٣).
стр. 353
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدا، ولهذا أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركا؛ فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: الآية: ٢٤] " (١).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "قال بعض السلف: "الشكر أن لا يُستعان بشيءٍ من النعَم على معصيته" (٢).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "الشكر على درجتين:
إحداهما: واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويتجنب المحرمات، فهذا لا بد منه، ويكفي في شكر هذه النعم، ....
ومن هنا قال بعض السلف: "الشكر: ترك المعاصي".
وقال بعضهم: "الشكر أن لا يستعان بشيء من النعم على معصيته".
وذكر أبو حازم الزاهد شكر الجوارح كلها: "أن تكف عن المعاصي، وتستعمل في الطاعات "، ثم قال: "وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه: فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من البرد، والحر، والثلج، والمطر".
الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحب، وهو أن يعمل العبد
стр. 354
بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم: بنوافل الطاعات، وهذه درجة السابقين المقربين" (١).
• وقال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "فكل عطاء الله فضل، فإنه لا واجب عليه، فكان لذلك واجبا على كل أحد إخلاص التوحيد له شكرا على فضله لما تظافر عليه دليلا العقل والنقل من أن شكر المنعم واجب" (٢).
المطلب الثالث والتسعون: التوحيد يعزز مكارم الأخلاق.
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-عن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمُتْ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليُكرِمْ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». وفي رواية: «فلا يؤذِ جاره»، وللبخاري: «فليصِلْ رحمه» (٣).
"وهذا الحديث عظيم تتفرع منه آداب الخير، وقيل فيه: إنه نصف
стр. 355
الإسلام؛ لأن الأحكام تتعلق بالحق، أو الخلق، وهذا أفاد الثاني" (١).
• قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "وقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» المراد بقوله: «يؤمن» الإيمان الكامل، وخصه بالله واليوم الآخر إشارة إلى المبدأ أو المعاد؛ أي: من آمن بالله الذي خلَقه، وآمن بأنه سيجازيه بعمله، فليفعل الخصال المذكورات" (٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالذي شرعه الله ورسوله توحيد وعدل وإحسان وإخلاص وصلاح للعباد في المعاش والمعاد وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات المبتدعة فيه شرك وظلم وإساءة وفساد العباد في المعاش والمعاد. فإن الله تعالى أمر المؤمنين بعبادته والإحسان إلى عباده كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ [النساء: الآية: ٣٦]، وهذا أمر بمعالي الأخلاق وهو سبحانه يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها. وقد روي عنه ﷺ أنه قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» رواه الحاكم في صحيحه" (٣).
المطلب الرابع والتسعون: بالتوحيد تحرم الدماء والأعراض ويدخل المرء الإسلام.
• عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله- ﷺ : «أمرت
стр. 356
أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (١).
• قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "دين الإسلام يحكم بشهادة أن لا إله إلا الله في الظاهر، فالله-جل وعلا-يقبل من المنافقين كلمة (لا إله إلا الله) ظاهرا، كما أرادوا أن يخدعوه فهو يخدعهم حيث يقبلها منهم ظاهرا في الدنيا، وهو يعد لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار، كما في قوله: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [النساء: الآية ١٤٢] " (٢).
المطلب الخامس والتسعون: أن الكافر إذا رجع إلى التوحيد هدم التوحيد كفره.
• قال تعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: الآية: ٣٨].
• عن عمرو بن العاص ﵁-قال: "فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ ، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: «ما لك يا عمرو؟» قال: قلت: أردت أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يغفر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟» (٣).
стр. 357
• عن عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحْسَن في الإسلام، لم يُؤاخَذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام، أخذ بالأول والآخر» (١).
• قال مقاتل بن سليمان (ت:: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿قل﴾ يا محمد ﴿للذين كفروا﴾ بالتوحيد، ﴿إن ينتهوا﴾ عن الشرك ويتوبوا، ﴿يغفر لهم ما قد سلف﴾ من شركهم قبل الإسلام" (٢).
• عن مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ) ﵀-قال: "لا يؤخذ الكافر بشيء صنعه في كفره إذا أسلم، وذلك أن الله تعالى يقول ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ " (٣).
• قال يحيى بن معاذ الرازي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀: "توحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر، أرجو أن لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب" (٤).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا﴾، عن الشرك.
قوله تعالى: ﴿يغفر لهم ما قد سلف﴾، أي: ما مضى من ذنوبهم قبل الإسلام.
قوله تعالى: ﴿وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين﴾، في
стр. 358
نصر الله أنبياءه، وأوليائه، وإهلاك أعدائه (١).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "التوحيد مؤثر في إزالة الذنب، فالكافر وإن عظم كفره إذا رجع من الكفر إلى التوحيد هدم التوحيد كفره" (٢).
• قال أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد، الشهير بابن قدامة المقدسي (ت: ٦٢٠ هـ) ﵀: " وقال الله-تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: الآية: ٦٨]. لأنه نص في مضاعفة العذاب في حق من جمع بين المحظورات وفائدة الوجوب: أنه لو مات عوقب على تركه، وإن أسلم سقط عنه؛ لأن الإسلام يجب ما قبله" (٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إنَّ الكفَّار إذا أسلموا أو عاهدوا لم يضمَّنوا ما أتلفوه للمسلمين من الدَّماء والأموال بل لو أسلموا وبأيديهم ما غنموه من أموال المسلمين كان لهم عند جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد وهو الذي مضت به سنَّة رسول الله وسنَّة خلفائه الرَّشدين" (٤).
• قال ابن جزي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿إن ينتهوا﴾ يعني: عن الكفر إلى الإسلام لأن الإسلام يجب ما قبله، ولا تصح المغفرة إلا به" (٥).
стр. 359
• قال زين الدين بن إبراهيم بن محمد، الشهير بابن نجيم (ت ٩٧٠ هـ) ﵀: "الإسلام يجب ما قبله من حقوق الله تعالى دون حقوق الآدميين، كالقصاص وضمان الأموال إلا في مسائل: لو أجنب الكافر ثم أسلم لم تسقط ومنها لو زنى ثم أسلم وكان زناه ثابتا ببينة مسلمين لم يسقط الحد بإسلامه وإلا سقط" (١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ عن كفرهم وذلك بالإسلام للّه وحده لا شريك له. ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ منهم من الجرائم وَإِنْ يَعُودُوا إلى كفرهم وعنادهم فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ بإهلاك الأمم المكذبة، فلينتظروا ما حل بالمعاندين، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، فهذا خطابه للمكذبين" (٢).
المطلب السادس والتسعون: التوحيد شرط لقبول العمل.
• قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠].
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥ هـ) ﵄-قال: إن الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، فهي كلمة الإخلاص التى لا يقبل الله من أحد عملا حتى يقولها، فإذا قال: الحمد لله، فهى كلمة الشكر التى لم
стр. 360
يشكر الله أحد حتى يقولها، فإذا قال: الله أكبر فهى كلمة تملأ ما بين السماء والأرض، فإذا قال: سبحان الله فهى صلاة الخلائق التي لم يدع الله أحدا حتى قرره بالصلاة والتسبيح، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: استسلم عبدى" (١).
• قال أبو محمد عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي (ت: ١٩٤ هـ) ﵀: "لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان صواباً، ومن صوابها إلا ما كان خالصاً، ومن خالصها إلا ما وافق السنة" (٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المشركين يا محمد: إنما أنا بشر مثلكم من بني آدم لا علم لي إلا ما علمني الله وإن الله يوحي إليّ أن معبودكم الذي يجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، معبود واحد لا ثاني له، ولا شريك ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ يقول: فمن يخاف ربه يوم لقائه، ويراقبه على معاصيه، ويرجو ثوابه على طاعته ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا﴾ يقول: فليخلص له العبادة، وليفرد له الربوبية" (٣).
• قال أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، (ت ٤٢٧ هـ) ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: الآية: ١٠]: "العمل الصالح هو الخالص، يعني أن الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأعمال، دليله قوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠]، أي: خالصا، ثم قال: ﴿ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠]، فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء، وقال
стр. 361
قوم: هذه الكناية راجعة إلى العمل، يعني أن الكلم الطيب يرفع العمل، فلا يرفع ولا يقبل عمل إلا أن يكون صادرا عن التوحيد" (١).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "الرياء ينقسم قسمين: فإن كان الرياء فى عقد الإيمان فهو كفر ونفاق، وصاحبه فى الدرك الأسفل من النار. وإن كان الرياء لمن سلم له عقد الإيمان من الشرك، ولحقه شاء من الرياء في بعض أعماله، فليس ذلك بمخرج من الإيمان إلا أنه مذموم فاعله، لأنه أشرك في بعض أعماله حمد المخلوقين مع حمد ربه، فحرم ثواب عمله ذلك" (٢).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "قال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون﴾ [الزمر: الآية: ٤٧] قال: أعمال كانوا يحسبونها حسنات بدت لهم سيئات، وإنما لحقهم ذلك لعدم المراعاة وقلة الإخلاص، أو لتعديهم السنة وركوبهم بالتأويل وجوه الفتنة" (٣)
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن الله جعل الإخلاص والمتابعة سَبَبَا لقبول الأعمال، فإذا فقدا لم تُقبل الأعمال" (٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " وقوله: «فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصا». والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة. فالمقبول ما كان لله خالصا وللسنة موافقا، والمردود ما فقد منه الوصفان أو أحدهما. وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبه الله ورضيه،
стр. 362
وهو سبحانه إنما يحب ما أمر به وما عمل لوجهه. وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها، بل يمقتها ويمقت أهلها.
• قال تعالى: ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ [الملك: ٢]. قال الفضيل [٣٥٠/ ب] بن عياض: هو أخلص العمل وأصوبه. فسئل عن معنى ذلك، فقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. ثم قرأ قوله: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠] (١).
فإن قيل: فقد بان بهذا أن العمل لغير الله مردود غير مقبول، والعمل لله وحده مقبول. فبقي قسم آخر، وهو أن يعمل العمل لله ولغيره، فلا يكون لله محضا ولا للناس محضا، فما حكم هذا القسم؟ هل يبطل العمل كله أم يبطل ما كان لغير الله، ويصح ما كان لله؟
قيل: هذا القسم تحته أنواع ثلاثة:
أحدها: أن يكون الباعث الأول على العمل هو الإخلاص، ثم يعرض له الرياء وإرادة غير الله في أثنائه. فهذا المعول فيه على الباعث الأول، ما لم يفسخه بإرادة جازمة لغير الله؟ فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة وفسخها، أعني قطع ترك استصحاب حكمها.
الثاني عكس هذا، وهو أن يكون الباعث الأول لغير الله، ثم يعرض له قلب النية لله، فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل، ويحتسب له من حين قلب نيته. ثم إن كانت العبادة لا يصح آخرها إلا
стр. 363
بصحة أولها وجبت الإعادة، كالصلاة، وإلا لم تجب كمن أحرم لغير الله، ثم قلب نيته لله عند الوقوف والطواف.
الثالث: أن يبتدئها مريدا بها الله والناس، فيريد أداء فرضه، والجزاء والشكور من الناس. وهذا كمن يصلي بالأجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة صلى، ولكنه يصلي لله وللأجرة؛ وكمن يحج ليسقط الفرض عنه، ويقال: فلان حج؛ أو يعطي الزكاة لذلك؛ فهذا لا يقبل منه العمل.
وإن كانت النية شرطا في سقوط الفرض وجبت عليه الإعادة. فإن حقيقة الإخلاص التي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكم المعلق بالشرط عدم عند عدمه، فإن الإخلاص هو تجريد القصد طاعة للمعبود، ولم يؤمر إلا بهذا. وإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عهدة الأمر.
وقد دلت السنة الصريحة على ذلك، كما في قوله ﷺ : «يقول الله يوم القيامة: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فهو كله للذي أشرك به» (١)، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: الآية: ١١٠] " (٢).
• قال عمر بن علي الأنصاري المعروف ب ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) ﵀: "الإخلاص شرط في العبادة، فمن غلب باعثه الدنيوي، فقد خسر ومن غلب الديني ففائز عند الجمهور خلافا للحارث المحاسبي" (٣).
стр. 364
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "أي: فضلت عليكم بالوحي، الذي يوحيه الله إلي، الذي أجله الإخبار لكم: أنما إلهكم إله واحد، أي: لا شريك له، ولا أحد يستحق من العبادة مثقال ذرة غيره، وأدعوكم إلى العمل الذي يقربكم منه، وينيلكم ثوابه، ويدفع عنكم عقابه. ولهذا قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو الموافق لشرع الله، من واجب ومستحب، ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أي: لا يرائي بعمله بل يعمله خالصا لوجه الله تعالى، فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة، هو الذي ينال ما يرجو ويطلب، وأما من عدا ذلك، فإنه خاسر في دنياه وأخراه، وقد فاته القرب من مولاه، ونيل رضاه" (١).
• قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِن فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَّشْكُورا﴾ [الإسراء: الآية: ١٩]. في الآية الدليل على أن الأعمال الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان بالله. لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة، لأنه شرط في ذلك قوله: ﴿وهو مؤمن﴾ " (٢).
المطلب السابع والتسعون: التوحيد هو العدل وعليه مدار الأمور كلها.
• قال تعالى: ﴿قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: الآية: ٢٩]. ولهذا أمر الله رسوله أن يقول لأهل الكتاب:
стр. 365
﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله﴾ الآية [آل عمران: الآية: ٦٤].
• قال تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: الآية: ٩٠]
• قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "العدل قول لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والاقتداء بسنة نبيه ﷺ " (١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وإذا كان التوحيد أصل صلاح الناس والإشراك أصل فسادهم والقسط مقرون بالتوحيد؛ إذ التوحيد أصل العدل؛ وإرادة العلو مقرونة بالفساد؛ إذ هو أصل الظلم فهذا مع هذا وهذا مع هذا كالملزوزين في قرن فالتوحيد وما يتبعه من الحسنات هو صلاح وعدل؛ ولهذا كان الرجل الصالح هو القائم بالواجبات؛ وهو البر؛ وهو العدل. والذنوب التي فيها تفريط أو عدوان في حقوق الله تعالى وحقوق عباده هي فساد وظلم؛ ولهذا سمي قطاع الطريق مفسدين وكانت عقوبتهم حقا لله تعالى لاجتماع الوصفين والذي يريد العلو على غيره من أبناء جنسه هو ظالم له باغ؛ إذ ليس كونك عاليا عليه بأولى من كونه عاليا عليك وكلاكما من جنس واحد فالقسط والعدل أن يكونوا إخوة كما وصف الله المؤمنين بذلك. والتوحيد وإن كان أصل الصلاح فهو أعظم العدل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ [آل عمران: الآية: ٦٤]، ولهذا كان تخصيصه بالذكر في مثل قوله: ﴿قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين﴾ [الأعراف: الآية: ٢٩]، لا يمنع أن يكون داخلا في القسط كما أن ذكر العمل الصالح
стр. 366
بعد الإيمان لا يمنع أن يكون داخلا في الإيمان كما في قوله: ﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: الآية: ٩٨]، و ﴿من النبيين ميثاقهم ومنك﴾ [الأحزاب: الآية: ٧]، هذا إذا قيل: إن اسم الإيمان يتناوله. سواء قيل: إنه في مثل هذا يكون داخلا في الأول فيكون مذكورا مرتين أو قيل: بل عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلا فيه هنا وإن كان داخلا فيه منفردا كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين وأمثال ذلك مما تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران. لكن المقصود: أن كل خير فهو داخل في القسط والعدل وكل شر فهو داخل في الظلم. ولهذا كان العدل أمرا واجبا في كل شيء وعلى كل أحد والظلم محرما في كل شيء ولكل أحد فلا يحل ظلم أحد أصلا سواء كان مسلما أو كافرا أو كان ظالما بل الظلم إنما يباح أو يجب فيه العدل عليه أيضا قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن﴾ [المائدة: الآية: ٢]، أي: لا يحملنكم شنآن أي: بغض قوم - وهم الكفار - على عدم العدل؛ ﴿قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: الآية: ٨]، وقال تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: الآية: ١٩٤]، وقال تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: الآية: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى: الآية: ٤٠]. وقد دل على هذا قوله في الحديث: " ﴿يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا﴾ " فإن هذا خطاب لجميع العباد أن لا يظلم أحد أحدا وأمر العالم في الشريعة مبني على هذا وهو العدل في الدماء والأموال؛ والأبضاع والأنساب؛ والأعراض" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فلا أعدل من توحيد الرسل،
стр. 367
ولا أظلم من الشرك. فهو سبحانه قائم بالعدل في هذه الشهادة قولا وفعلا، حيث شهد بها وأخبر، وأعلم عباده وبين لهم تحقيقها وصحتها، وألزمهم بمقتضاها، وحكم به، وجعل الثواب والعقاب عليها، وجعل الأمر والنهي من حقوقها وواجباتها.
فالدين كله من حقوقها. والثواب كله عليها. والعقاب كله على تركها. وهذا هو العدل الذي قام به الرب تعالى في هذه الشهادة.
فأوامره كلها تكميل لها. وأمر بأداء حقوقها. ونواهيه كلها صيانة لها عما يهدمها ويضادها.
وثوابه كلها عليها. وعقابه على تركها، وترك حقوقها.
وخلقه السموات والأرض وما بينهما كان بها ولأجلها.
وهي الحق الذي خلقت به المخلوقات. وضدها: هو الباطل والعبث الذي نزه الله نفسه عنه، وأخبر أنه لم يخلق به السموات والأرض.
قال تعالى ردا على المشركين المنكرين لهذه الشهادة ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا. ذلك ظن الذين كفروا. فويل للذين كفروا من النار﴾ [ص: الآية: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى. والذين كفروا عما أنذروا معرضون﴾ [الأحقاف: الآيات: ١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا. وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب. ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ [يونس: الآية: ٥]، وقال تعالى: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم؟ ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى، وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون﴾ [الروم: الآية: ٨]، وقال تعالى: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ما خلقناهما إلا بالحق﴾ [الدخان: الآيات: ٣٨ - ٣٩]، وهذا كثير في القرآن.
стр. 368
والحق الذي خلقت به السموات والأرض، ولأجله: هو التوحيد وحقوقه: من الأمر والنهي. والثواب والعقاب، والشرع والقدر، والخلق، والثواب والعقاب: قائم بالعدل. والتوحيد صادر عنهما. وهذا هو الصراط المستقيم الذي عليه الرب . قال تعالى حكاية عن نبيه هود أنه قال: ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها. إن ربي على صراط مستقيم﴾ [هود: الآية: ٥٦].
فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله. فهو يقول الحق ويفعل العدل: ٦: ١١٥ ﴿وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم﴾ [الأنعام: الآية: ١١٥]، ﴿والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل﴾ [الأحزاب: الآية: ٤].
فالصراط المستقيم الذي عليه ربنا ﵎: هو مقتضي التوحيد والعدل. قال تعالى: ﴿وضرب الله مثلا: رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء، وهو كل على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم﴾ [النحل: الآية: ٧٦] " (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨].
تضمنت الآية توحيده وعدله، وعزته وحكمته، فالتوحيد: يتضمن ثبوت صفات كماله، ونعوت جلاله، وعدم المماثل له فيها وعبادته وحده لا شريك له، والعدل يتضمن وضعه الأشياء موضعها، وتنزيلها منازلها، وأنه لم يخص شيئًا منها إلا بمخصص اقتضى ذلك، وأنه لا يعاقب من لا يستحق العقوبة، ولا يمنع من يستحق العطاء، وإن كان هو الذي جعله
стр. 369
مستحقا، والعزة تتضمن كمال قدرته وقوته وقهره، والحكمة تتضمن كمال علمه، وخبرته، وأنه أمر ونهى، وخلق وقدر، لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة التي يستحق عليها كمال الحمد.
فاسمه العزيز يتضمن الملك، واسمه الحكيم يتضمن الحمد، وأول الآية يتضمن التوحيد، وذلك حقيقة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وذلك أفضل ما قاله رسول الله ﷺ والنبيون من قبله، والحكيم الذي إذا أمر بأمر كان حسنا في نفسه وإذا نهى عن شيء كان قبيحا في نفسه، وإذا أخبر بخبر كان صدقا، وإذا فعل فعلا كان صوابا، وإذا أراد شيئا كان أولى بالإرادة من غيره، وهذا الوصف على الكمال لا يكون إلا لله وحده.
فتضمنت هذه الآية وهذه الشهادة: الدلالة على وحدانيته المنافية للشرك، وعدله المنافي للظلم، وعزته المنافية للعجز، وحكمته المنافية للجهل والعيب، ففيها الشهادة له بالتوحيد، والعدل، والقدرة والعلم والحكمة، ولهذا كانت أعظم شهادة" (١).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وصدق بالحسنى﴾ [الليل: الآية: ٦]: " ﴿وصدق﴾ أي أوقع التصديق للمخبر ﴿بالحسنى﴾ أي وهي كلمة العدل التي هي أحسن الكلام من التوحيد وما يتفرع عنه" (٢).
فالإسلام يتضمن العدل، وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المتفاضلين من المخلوقات، إذ ذلك من الإسلام لله رب العالمين وحده، فإنه إذا كان الدين كله لله وكانت كلمة الله هي العليا كان الله يأمر بالعدل
стр. 370
وينهى عن الظلم. وأصل العدل هو القسط، والقسط هو الإقساط في حق الله تعالى بأن لا يعدل به غيره ولا يجعل له شريك، كما قال النبي ﷺ لمعاذ (ت: ١٨ هـ): «حق الله على عباده أن يعبدوه لا يشركون به شيئا» فإذا لم يسلموا له بل عدلوا به غيره كان ذلك ظلما عظيما، وإذا فعلوا هذا الظلم في حق الله فهم في حقوق العباد أظلم" (١).
• وقيل في بعض المواعظ: "عجبا لمن يخاف العقاب كيف لا يكف عن المعاصي، وعجبا لمن يرجو الثواب كيف لا يعمل" (٢).
المطلب الثامن والتسعون: التوحيد مركوزٌ في الفِطَر والشرك طارئ ودخيل عليها.
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنَّما يعتبر الإيمان الشرعي المأمور به المكتسَب بالإرادة والفعل، ألَا ترى أنه يقول: «فأبواه يهوِّدانه»؟ فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكومٌ له بحكم أبويه الكافرين، وهذا معنى قوله- ﷺ : «يقول الله-تعالى-: إني خلقتُ عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم»، ويحكى معنى هذا عن الأوزاعي (ت: ١٥٧ هـ)، وحماد بن سلمة (ت: ١٦٧ هـ)، وحُكِي عن عبد الله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ)، أنه قال: معنى الحديث: أن كل مولود يولد على فطرته؛ أي: على خلقته التي جُبِل عليها في علم الله-تعالى-من السعادة أو الشقاوة، فكلٌّ منهم صائرٌ في العاقبة إلى ما فطر عليها، وعامل في الدنيا بالعمل
стр. 371
المُشَاكِل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديَّين أو نصرانيَّين، فيحملانه - لشقائه - على اعتقاد دينهما، وقيل: معناه: أن كل مولودٍ يولد في مبدأ الخلقة على الفطرة؛ أي: على الجبلَّة السليمة والطبع المتهيِّئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمرَّ على لزومها؛ لأن هذا الدين موجودٌ حسنُه في العقول، وإنَّما يعدل عنه مَنْ يعدل إلى غيره؛ لآفةٍ من آفات النشوء والتقليد، فلو سَلِم من تلك الآفات لم يعتقد غيره" (١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن النفس خلقت بفطرتها تقتضي معرفة الله ومحبته. وقد هديت إلى علوم وأعمال تعينها على ذلك. وهذا كله من فضل الله وإحسانه" (٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأخبر أنه فطر عباده على إقامة الوجه حنيفًا، وهي عبادة اللّه وحده لا شريك له، فهذه من الحركة الفطرية الطبيعية المستقيمة المعتدلة للقلب، وتركها ظلم عظيم اتَّبع أهلُه أهواءَهم بغير علم، ولا بُدَّ لهذه الفطرة والخلقة-وهي صحة الخلقة-من قوت وغذاء يمدُّها بنظير ما فيها مما فطرت عليه علمًا وعملاً؛ ولهذا كان تمام الدين بالفطرة المكمَّلة بالشريعة المنزَّلة، وهي مأدُبة الله كما قال النبي ﷺ في حديث ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ): «إنَّ كل آدبٍ يحبُّ أن تُؤتى مأدُبته، وإن مأدُبَة الله هي القرآن»، ومثله كماءٍ أنزله الله من السماء، كما جرى تمثيله بذلك في الكتاب والسُّنَّة، والمحرِّفون للفطرة المغيِّرون للقلب عن استقامته، هم ممرضون القلوبَ مسقمون لها، وقد أنزل الله كتابه شفاءً لما في الصدور " (٣).
стр. 372
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن صعب عليهم ترك الذنوب فاجتهد أن تحبب الله إليهم بذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وصفات كماله ونعوت جلاله، فإن القلوب مفطورة على محبته فإذا تعلقت بحبه هان عليها ترك الذنوب والاستقلال منها والإصرار عليها" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن الله فَطَرَ القلوب على قبول الحق والانقياد له والطمأنينة به، والسكون إليه ومحبته، وفطرها على بغض الكذب والباطل والنفور عنه والريبة به وعدم السكون إليه، ولو بقيت الفِطَر على حالها لما آثرت على الحقِّ سواه، ولما سكنت إلاَّ إليه، ولا اطمأنَّت إلا به، ولا أحبَّت غيره" (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولهذا كان بطلان الشرك وقبحه معلومًا بالفطرة السليمة والعقول الصحيحة، والعلم بقبحه أظهر من العلم بقبح سائر القبائح" (٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١) ﵀: "معرفة الله والشهادة له بالتوحيد، وإثبات أسمائه وصفاته، ورسالة رسله، والبعث للجزاء مسطورة مثبتة في الفطرة" (٤).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "فسدِّد وجهك واستمِرَّ على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم الذي هداك الله لها، وكمَّلها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه-تعالى-فطر خلقه على معرفته وتوحيده،
стр. 373
وأنه لا إله غيره؛ كما تقدَّم عند قوله-تعالى-: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: الآية: ١٧٢]، وفي الحديث: «إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم» (١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "التوحيد فطرة الله التي فطر الناس عليها: قال-تعالى-: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: الآية: ٣٠]؛ " ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾؛ أي: انصبه ووجِّهه ﴿لِلدِّينِ﴾ الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان؛ بأن تتوجَّه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ونحوها، وشرائعه الباطنة؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة، بأن تعبد الله فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك، وخصَّ الله إقامة الوجه؛ لأن إقبال الوجه تبعٌ لإقبال القلب، ويترتَّب على الأمرين سعيُ البدن، ولهذا قال: ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مُقْبِلاً على الله في ذلك، معرِضًا عمَّا سواه، وهذا الأمر الذي أمرناك به هو ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، ووضع في عقولهم حسنها، واستقباح غيرها. فإن جميع أحكام الشرع، الظاهرة والباطنة، قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم الميلَ إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق، وهذه حقيقة الفِطَر، ومَن خرج عن هذا الأصل، فلِعارِضٍ عرض لفطرته أفسدها؛ كما قال النبي ﷺ : «كل مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه». ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا أحد يبدِّل خلق الله، فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه الله ﴿ذَلِكَ﴾ الذي أمرناك به
стр. 374
﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ أي: الطريق المستقيم الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته، فإنَّ مَنْ أقام وجهه للدين حنيفًا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطرقه؛ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فلا يتعرَّفون الدين القيم، وإن عرفوه لم يسلكوه" (١).
• قال الشيخ صالح الفوزان: "والنفس بفطرتها إذا تُرِكت كانت مُقِرَّة لله بالإلهية، مُحبَّةً لله، تعبدُه لا تُشرك به شيئًا، ولكن يفسدها وينحرف بها عن ذلك ما يُزيِّنُ لها شياطين الإنس والجن بما يوحي بعضُهم إلى بعضٍ زخرف القول غرورًا، فالتوحيد مركوزٌ في الفِطَر والشرك طارئ ودخيل عليها" (٢).
المطلب التاسع والتسعون: العبادة لا تُسمَّى عبادةً إلا مع التوحيد.
• قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: الآية: ١٤].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ يقول تعالى ذكره: إنني أنا المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، لا إلَهَ إلا أنا فلا تعبد غيري، فإنه لا معبود تجوز أو تصلح له العبادة سواي ﴿فاعْبُدْنِي﴾ يقول: فأخلص العبادة لي دون كلّ ما عبد من دوني ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ " (٣).
стр. 375
• قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: الآية: ٦٥].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: أي: أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد، والتوحيد محذوف" (١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد أوحي إليك يا محمد ربك، وإلى الذين من قبلك من الرسل ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ يقول: لئن أشركت بالله شيئًا يا محمد، ليبطل عملك، ولا تنال به ثوابًا، ولا تدرك جزاء إلا جزاء من أشرك بالله" (٢).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ وهذه كقوله: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾ [الأنعام: الآية: ٨٨] " (٣).
• قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: "فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته، فاعلم أن العبادة لا تُسمَّى عبادةً إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تُسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة" (٤).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "جميع الأعمال متوقفة في صحتها وقبولها على التوحيد" (٥).
стр. 376
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ومن أعظم فضائله: أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها، وفي ترتب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت" (١).
المطلب المائة: التوحيد إحسان للظن بالله.
• قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: الآية: ٢٣].
• عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀-قال: "الظنّ ظنان، فظنّ منج، وظنّ مُرْدٍ قال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: الآية: ٤٦]، قال ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: الآية: ٢٠]، وهذا الظنّ المنجي ظنا يقينا، وقال ها هنا: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت: الآية: ٢٣]، هذا ظنّ مُرْدٍ" (٢).
• سئل الإمام الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀، كيف يكون سوء الظن بالله؟ قال: الوسوسة، والخوف الدائم من وقوع مصيبة، وترقب زوال النعمة كلها من سوء الظن بالرحمن الرحيم" (٣).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "قال الحسن: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم؛ فأما المؤمن فأحسن بالله
стр. 377
الظن، فأحسن العمل؛ وأما الكافر والمنافق، فأساءا الظن فأساءا العمل" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله، ولهذا قال إمام الحنفاء ﵇ لخصمائه من المشركين: ﴿أئفكا آلهة دون الله تريدون (٨٦) فما ظنكم برب العالمين﴾ [الصافات: الآيات: ٨٦، ٨٧]، وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به، وقد عبدتم معه غيره، وجعلتم له ندا؟ فأنت تجد تحت هذا التهديد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره؟
فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزير أو ظهير أو عون، وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أنه سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك، وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أو لا يرحم حتى تجعله الواسطة يرحم، أو لا يكفي وحده، أو لا يفعل ما يريد بالعبد حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به، وتكثره به من القلة، وتعززه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده، حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه، كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق، أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم، حتى ترفع الوسائط إليه ذلك، أو يظن أن للمخلوق عليه حقا؛ فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق، كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته.
стр. 378
وكل هذا تنقص للربوبية، وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك؛ بسبب قسمة ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء؛ بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه.
فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى، ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته ألا يغفره، وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وإن زعم أنه يعظمه بذلك" (١).
• وقال تعالى: ﴿ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا﴾ [الفتح: الآية: ٦].
• قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا الظن به لوحدوه حق التوحيد" (٢).
المطلب الواحد بعد المائة: التوحيد سببٌ في منع وقوع النفوس في العلو وحب الرئاسة.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "قال بعض العارفين: ما من نفس إلا وفيها ما في نفس فرعون غير أن فرعون قدر فأظهر. وغيره عجز
стр. 379
فأضمر. وذلك: أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس وسمع أخبارهم: رأى الواحد منهم يريد لنفسه أن تطاع وتعلو بحسب قدرته. فالنفس مشحونة بحب العلو والرياسة بحسب إمكانها فتجد أحدهم يوالي من يوافقه على هواه ويعادي من يخالفه في هواه. وإنما معبوده: ما يهواه ويريده. قال تعالى ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا﴾ [الفرقان: الآية: ٤٣] " (١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فمن كان من المطاعين-من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك-متبعا للرسل: أمر بما أمروا به. ودعا إلى ما دعوا إليه. وأحب من دعا إلى مثل ما دعا إليه. فإن الله يحب ذلك. فيحب ما يحبه الله تعالى. وهذا قصده في نفس الأمر: أن تكون العبادة لله تعالى وحده وأن يكون الدين كله لله.
وأما من كان يكره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك: فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود. فله نصيب من حال فرعون وأشباهه. فمن طلب أن يطاع دون الله: فهذا حال فرعون. ومن طلب أن يطاع مع الله: فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله. والله أمر: أن لا يعبد إلا إياه وأن لا يكون الدين إلا له وأن تكون الموالاة فيه والمعاداة فيه. وأن لا يتوكل إلا عليه ولا يستعان إلا به.
فالمؤمن المتبع للرسل: يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل ليكون الدين كله لله لا له. وإذا أمر أحد غيره بمثل ذلك: أحبه وأعانه وسر بوجود مطلوبه. وإذا أحسن إلى الناس فإنما يحسن إليهم: ابتغاء وجه ربه الأعلى. ويعلم أن الله قد من عليه بأن جعله محسنا ولم يجعله مسيئا
стр. 380
فيرى أن عمله لله وأنه بالله. وهذا مذكور في فاتحة الكتاب التي ذكرنا أن جميع الخلق محتاجون إليها أعظم من حاجتهم إلى أي شيء. ولهذا فرضت عليهم قراءتها في كل صلاة دون غيرها من السور ولم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها. فإن فيها ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: الآية: ٥]. فالمؤمن يرى: أن عمله لله لأنه إياه يعبد وأنه بالله. لأنه إياه يستعين. فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكورا. لأنه إنما عمل له ما عمل لله كما قال الأبرار ﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾ [الإنسان: الآية: ٩]، ولا يمن عليه بذلك ولا يؤذيه. فإنه قد علم أن الله هو المان عليه إذ استعمله في الإحسان. وأن المنة لله عليه وعلى ذلك الشخص. فعليه هو: أن يشكر الله. إذ يسره لليسرى. وعلى ذلك: أن يشكر الله. إذ يسر له من يقدم له ما ينفعه من رزق أو علم أو نصر أو غير ذلك. ومن الناس: من يحسن إلى غيره ليمن عليه أو يرد الإحسان له بطاعته إليه وتعظيمه أو نفع آخر. وقد يمن عليه. فيقول: أنا فعلت بك كذا. فهذا لم يعبد الله ولم يستعنه. ولا عمل لله ولا عمل بالله. فهو المرائي. وقد أبطل الله صدقة المنان وصدقة المرائي. قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَاب فَأَصَابَهُ وَابِل فَتَرَكَهُ صَلْدا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْء مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: الآية: ٢٦٤]، ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِل فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِل فَطَلّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: الآية: ٢٦٥] " (١).
стр. 381
المطلب الثاني بعد المائة: التوحيد جزاؤه الإحسان من الله تعالى.
• قال تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: الآية: ٦٠].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-والمفسرون: هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد ﷺ إلا الجنة" (١).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وحكى النقاش أن النبي- ﷺ -فسر هذه الآية: «هل جزاء التوحيد إلا الجنة» " (٢).
المطلب الثالث بعد المائة: التوحيد مقرون بالعدل والعزة والحكمة في منهج السلف.
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "الحمد معناه الثناء الكامل، والألف واللام فيه لاستغراق الجنس من المحامد، وهو أعم من الشكر، لأن الشكر إنما يكون على فعل جميل يسدى إلى الشاكر، وشكره حمد ما، والحمد المجرد هو ثناء بصفات المحمود من غير أن يسدي شيئا، فالحامد من الناس قسمان: الشاكر والمثني بالصفات" (٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وعلى مذهب السلف: له
стр. 382
الملك وله الحمد تامين. وهو محمود على حكمته كما هو محمود على قدرته ورحمته.
وقد قال ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ [آل عمران: الآية: ١٨]، فله الوحدانية في إلهيته وله العدل وله العزة والحكمة. وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم. فمن قصر عن معرفة السنة فقد نقص الرب بعض حقه. والجهمي الجبري لا يثبت عدلا ولا حكمة ولا توحيد إلهية. بل توحيد ربوبيته. والمعتزلي أيضا لا يثبت في الحقيقة توحيد إلهية ولا عدلا في الحسنات والسيئات ولا عزة ولا حكمة في الحقيقة وإن قال: إنه يثبت الحكمة بما معناها يعود إلى غيره. وتلك لا يصلح أن تكون حكمة من فعل لا لأمر يرجع إليه بل لغيره هو عند العقلاء قاطبة بها ليس بحكيم بل سفيه. وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة فقد ثبت: أنه رأس الشكر. فهو أول الشكر. والحمد-وإن كان على نعمته وعلى حكمته-فالشكر بالأعمال هو على نعمته. وهو عبادة له لإلهيته التي تتضمن حكمته. فقد صار مجموع الأمور داخلا في الشكر. ولهذا عظم القرآن أمر الشكر. ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا من الشكر. وشرع الحمد-الذي هو الشكر المقول-أمام كل خطاب مع التوحيد. ففي الفاتحة: الشكر والتوحيد. والخطب الشرعية لا بد فيها من الشكر والتوحيد. والباقيات الصالحات نوعان. فسبحان الله وبحمده: فيها الشكر والتنزيه والتعظيم. ولا إله إلا الله. والله أكبر: فيها التوحيد والتكبير. وقد قال تعالى: ﴿فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾ [غافر: الآية: ٦٥] " (١).
стр. 383
المطلب الرابع بعد المائة: التوحيد مقترن ذكره بأعظم المخلوقات وأرفعها.
• قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: الآية: ٢٦].
• قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: الآية: ١١٦].
• جاء في الحديث أن النبي- ﷺ -قال لجويرية: "لقد قلت بعدك أربع كلمات مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته " (١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان" (٢).
فالعرش يمتاز مع كبر حجمه وسعته، بكونه أثقل المخلوقات، وزنته أثقل الأوزان، ويعتبر استواء الله- على العرش أعظم الخصائص التي اختص بها العرش، بل إن ما سواها من الخصائص الأخرى التي تميز بها العرش إنما جعلت له لأجل استواء الله- عليه، وذلك أن الله - تعالى- لما اختصه بهذا الأمر جعل له من الخصائص والصفات، كارتفاعه، وعظم خلقه، وكبره، وثقل وزنه، لكي يتناسب مع ما ميز وشرف به من الاستواء عليه.
ومما خص به الخالق- -العرش مع استوائه عليه كونه أعلى
стр. 384
المخلوقات، وأرفعها، وأقربها إلى الله تعالى، فقد ثبت أن العرش أعلى من السموات والأرض والجنة، وأنه كالسقف عليها، والأدلة على هذا الأمر كثيرة.
والقول بأن العرش أعلى المخلوقات هو قول السلف الذي قالوا به وذهبوا إليه، قال محمد بن عبد الله بن أبي زمنين في كتابه "أصول السنة": "ومن قول أهل السنة أن الله خلق العرش، واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء" (١).
وكون العرش أعلى المخلوقات يدل على أنه أقربها إلى الله- تعالى- وهذه ميزة أخرى تضاف إلى الخصائص التي انفرد بها العرش، ويدل على هذا الأمر ما جاء في حديث الأوعال: "ثم فوق ظهورهم العرش، بين أعلاه وأسفله مثل ما بين السماء إلى سماء، والله-تعالى-فوق ذلك " (٢).
• وكذلك ما جاء. ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁: "بين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي إلى الماء خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه " (٣).
стр. 385
وعرش الرحمن-﵎-يعتبر أكبر مخلوقات الله، وأوسعها، وأعظمها على الإطلاق، فقد خص الله العرش بهذه الميزة العظيمة، وشرفه بها مع غيرها من الميزات، لكي يتناسب مع ذلك الشرف العظيم ألا وهو استواء البارئ- -عليه.
وعظم العرش وسعة خلقه قد دل عليهما القرآن والسنة، فالله- -يقول في محكم التنزيل: ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة: الآية: ١٢٩]، فالله-سبحانه-وصف العرش في هذه الآية وغيرها بكونه عظيما في خلقه وسعته.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والله سبحانه إنما يدعو عباده إلى النظر والفكر في مخلوقاته العظام لظهور أثر الدلالة فيها، وبديع عجائب الصنعة، والحكمة فيها، واتساع مجال الفكر والنظر في أرجائها وإلَّا:
ففي كل شيء له آيةٌ .. تدل على أنه واحدُ" (١).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀، في تفسير هذه الآية: "أي هو مالك كل شيء، وخالقه، لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما تحت العرش مقهورين بقدرة الله تعالى" (٢).
ومما يشهد لعظم العرش وسعة خلقه الأحاديث والآثار التي تتحدث عن كبر حجمه وسعته، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال:
стр. 386
"إن عرشه على سمواته وأرضه هكذا" وأشار بأصابعه مثل القبة، فالنبي ﷺ يشبه العرش بأنه كالقبة على هذا العالم المكون من السموات والأرض وما فيها، وكالسقف عليهما، وفي هذا بيان واضح على عظم العرش، وكبر مساحته، وفي حديث آخر يبين لنا مدى عظم العرش، وكبر ومساحته، فليس العرش بأكبر من السموات والأرض فقط، بل هو من الكبر وسعة الحجم بحيث لا تعدل السموات والأرض على سعة حجمهما بجانبه شيئا يذكر، فعن أبي ذر (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁-أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة"، وفي رواية: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن
في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة" (١).
стр. 387
فالحديث كما أسلفنا دليل واضح على سعة العرش وعظم خلقه.
وأما مقدار ذلك وتلك السعة لا يعلمها إلا الله- تعالى-.
• قال عبد الله بن عباس- ﵄: "الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدره إلا الله-تعالى-" (١).
стр. 388
المطلب الخامس بعد المائة: كلمة التوحيد يوصى المؤمن بأن يكثر من ذكرها.
قال الربيع بن خيثم-﵀: أقلوا الكلام إلا من تسع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقراءة القرآن، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ومسألة خير، وتعوذ من شر" (١).
قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "من أسباب دواعي الإيمان: الإكثار من ذكر الله كل وقت، ومن الدعاء الذي هو مخ العبادة؛ فإن الذكر لله يغرس شجرة الإيمان في القلب، ويغذيها وينميها" (٢).
المطلب السادس بعد المائة: التوحيد إظهار لكمال سلطان الله وغلبته وقهره وهيمنته على. كل شيء.
• قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: الآيتان: ٩٣ - ٩٤].
стр. 389
• قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: الآية: ٨٣].
• قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: الآية: ٨٢].
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولا شك أن من عرف هذه الصفات وغيرها من صفات الكمال والعظمة، فإنه سيعبد الله وحده؛ لأنه الإله المستحق للعبادة. فالذي يستحق العبادة وحده من يملك القدرة على كل شيء، والإحاطة بكل شيءٍ، وكمال السلطان والغلبة والقهر والهيمنة على كل شيءٍ، والعلم بكل شيء، ويملك الدنيا والآخرة، والنفع والضر، والعطاء والمنع بيده وحده، فمن كان هذا شأنه فإنه حقيق بأن يُذكَر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُطاع فلا يُعصى، ولا يُشرك معه غيره" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀:: "فتأمل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها كيف تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها وأنه المتفرد بذلك الكمال فليس له فيه شبه ولا مثال" (٢).
стр. 390
المطلب الثامن بعد المائة: التوحيد دعوة للإقرار بنعم الله العظيمة: الظاهرة والباطنة، والدينية والدنيوية.
• قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله﴾ [النحل: الآية: ٥٣]، قال الله- : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: الآية: ٢٩].
• وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: الآية: ٢٠].
• وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: الآية: ١٣].
• وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: الآيات: ١٤ - ١٨].
فقد أسبغ على عباده جميع النعم وسخر هذا الكون وما فيه من مخلوقات لهذا الإنسان.
وقد بيّن سبحانه هذه النعم، وامتنَّ بها على عباده، وأنه المستحق للعبادة وحده، فقد شمل هذا الامتنان جميع النعم: الظاهرة والباطنة، الحسّيّة والمعنوية، فجميع ما في السموات والأرض قد سُخِّر لهذا الإنسان، وهو شامل لأجرام السموات والأرض، وما أودع فيهما من: