← Акыда

Акыда · id 30015

محاسن التوحيد وارتباطها بأركان الإيمان

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (742 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

"إن عرشه على سمواته وأرضه هكذا" وأشار بأصابعه مثل القبة، فالنبي ﷺ يشبه العرش بأنه كالقبة على هذا العالم المكون من السموات والأرض وما فيها، وكالسقف عليهما، وفي هذا بيان واضح على عظم العرش، وكبر مساحته، وفي حديث آخر يبين لنا مدى عظم العرش، وكبر ومساحته، فليس العرش بأكبر من السموات والأرض فقط، بل هو من الكبر وسعة الحجم بحيث لا تعدل السموات والأرض على سعة حجمهما بجانبه شيئا يذكر، فعن أبي ذر (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁-أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة"، وفي رواية: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة" (١).

стр. 387

فالحديث كما أسلفنا دليل واضح على سعة العرش وعظم خلقه. وأما مقدار ذلك وتلك السعة لا يعلمها إلا الله- تعالى-. • قال عبد الله بن عباس- ﵄: "الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدره إلا الله-تعالى-" (١).

стр. 388

المطلب الخامس بعد المائة: كلمة التوحيد يوصى المؤمن بأن يكثر من ذكرها. قال الربيع بن خيثم-﵀: أقلوا الكلام إلا من تسع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقراءة القرآن، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ومسألة خير، وتعوذ من شر" (١). قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "من أسباب دواعي الإيمان: الإكثار من ذكر الله كل وقت، ومن الدعاء الذي هو مخ العبادة؛ فإن الذكر لله يغرس شجرة الإيمان في القلب، ويغذيها وينميها" (٢). المطلب السادس بعد المائة: التوحيد إظهار لكمال سلطان الله وغلبته وقهره وهيمنته على. كل شيء. • قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: الآيتان: ٩٣ - ٩٤].

стр. 389

• قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: الآية: ٨٣]. • قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: الآية: ٨٢]. • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولا شك أن من عرف هذه الصفات وغيرها من صفات الكمال والعظمة، فإنه سيعبد الله وحده؛ لأنه الإله المستحق للعبادة. فالذي يستحق العبادة وحده من يملك القدرة على كل شيء، والإحاطة بكل شيءٍ، وكمال السلطان والغلبة والقهر والهيمنة على كل شيءٍ، والعلم بكل شيء، ويملك الدنيا والآخرة، والنفع والضر، والعطاء والمنع بيده وحده، فمن كان هذا شأنه فإنه حقيق بأن يُذكَر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُطاع فلا يُعصى، ولا يُشرك معه غيره" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀:: "فتأمل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها كيف تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها وأنه المتفرد بذلك الكمال فليس له فيه شبه ولا مثال" (٢).

стр. 390

المطلب الثامن بعد المائة: التوحيد دعوة للإقرار بنعم الله العظيمة: الظاهرة والباطنة، والدينية والدنيوية. • قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله﴾ [النحل: الآية: ٥٣]، قال الله- : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: الآية: ٢٩]. • وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: الآية: ٢٠]. • وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: الآية: ١٣]. • وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: الآيات: ١٤ - ١٨]. فقد أسبغ على عباده جميع النعم وسخر هذا الكون وما فيه من مخلوقات لهذا الإنسان. وقد بيّن سبحانه هذه النعم، وامتنَّ بها على عباده، وأنه المستحق للعبادة وحده، فقد شمل هذا الامتنان جميع النعم: الظاهرة والباطنة، الحسّيّة والمعنوية، فجميع ما في السموات والأرض قد سُخِّر لهذا الإنسان، وهو شامل لأجرام السموات والأرض، وما أودع فيهما من:

стр. 391

الشمس والقمر، والكواكب، والثوابت، والسيارات، والجبال، والبحار، والأنهار، وأنواع الحيوانات، وأصناف الأشجار والثمار، وأجناس المعادن، وغير ذلك مما هو من مصالح بني آدم، ومصالح ما هو من ضروراتهم للانتفاع والاستمتاع والاعتبار. وكل ذلك دالّ على أن الله وحده هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة والذلّ والمحبة إلا له، وهذه أدلّة عقلية لا تقبل ريبًا ولا شكًا على أن الله هو الحق، وأن ما يُدعَى من دونه هو الباطل" (١). "ومن المعلوم قطعًا أنه لا يستطيع فرد من أفراد العباد أن يُحصيما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه، أو حاسّة من حواسّه، فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه في بدنه، وكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنوّعها واختلاف أجناسها؟ " (٢). ولا يسع العاقل بعد ذلك إلا أن يعبد الله الذي أسدى لعباده هذه النعم ولا يشرك به شيئًا؛ لأنه المستحق للعبادة وحده سبحانه. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ الله هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: الآية: ٦٢]. • قال الشيخ صالح آل الشيخ: "الواجب على العبد أن يعلم أنَّ كل النعم من الله-جل وعلا-وأنَّ كمال التوحيد لايكون إلا بإضافة كل نعمة إلى الله-جل وعلا-وأنَّ إضافة النعم إلى غير الله نقص في

стр. 392

كمال التوحيد" (١). المطلب التاسع بعد المائة: التوحيد خاتمة عمل الليل والنهار. • فعَنْ أبي بن كعب (ت: ٣٠ هـ تقريبًا) ﵄-قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» (٢). • عَنِ ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ: بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» (٣). • عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ «قَرَأَ فِي رَكعَتَي الفَجرِ "قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ " و " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ "» (٤). ومما يدل على أهمية التوحيد أن المصطفى ﵊ كان يستفتح يومه بالتوحيد حيث يقرأ في ركعتي الفجر بسورتي الكافرون والإخلاص، ويختم أيضا بالتوحيد حيث كان يقرأ في الشفع والوتر بسورة الكافرون والإخلاص. • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-عن سورة قل يا أيها الكافرون: " كان النبي ﷺ يقرنها بسورة قل هو الله أحد في سنة الفجر وسنة

стр. 393

المغرب. فإن هذين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح له إلا بهما، وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد، وأنه إله أحد صمد لم يلد فيكون له فرع ولم يولد فيكون له أصل ولم يكن له كفوا أحد فيكون له نظير. ومع هذا فهو الصمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها. فتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال، ونفي ما لا يليق به من الشريك أصلا وفرعا ونظيرا. فهذا توحيد العلم والاعتقاد. والثاني: توحيد القصد والإرادة وهو: ألا يعبد إلا إياه، فلا يشرك به في عبادته سواه، بل يكون وحده هو المعبود. وسورة قل يا أيها الكافرون مشتملة على هذا التوحيد. فانتظمت السورتان نوعي التوحيد وأخلصتا له، فكان ﷺ يفتتح بهما النهار في سنة الفجر، ويختتمه بهما في سنة المغرب. وفي السنن «أنه كان يوتر بهما» فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار" (١). المطلب العاشر بعد المائة: التوحيد قسمة الله للمؤمنين. • قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: الآيات: ١ - ٦]. • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فهذا من أسرار الكلام، وبديع الخطاب الذي لا يدركه إلا فحول البلاغة وفرسانها، فإن السورة ما اقتضت

стр. 394

البراءة واقتسام ديني التوحيد والشرك بينه وبينهم، ورضى كل بقسمه، وكان المحق هو صاحب القسمة، وقد أبرز النصيبين وميز القسمين، وعلم أنهم راضون بقسمهم الدون، الذي لا أردأ منه ولا أدون، وأنه هو قد استولى على القسم الأشرف والحظ الأعظم، بمنزلة من اقتسم هو وغيره سما وشفاء، فرضي مقاسمة بالسم، فإنه يقول له: لا تشاركني في قسمي، ولا أشاركك في قسمك، لك قسمك، ولي قسمي. فتقدم ذكر قسمه هنا أحسن وأبلغ، كأنه يقول: هذا هو قسمك الذي آثرته بالتقدم وزعمت أنه أشرف القسمين، وأحقهما بالتقديم، فكان في تقديم ذكر قسمه من التهكم بهم، والنداء على سوء اختيارهم، وقبح ما رضوه لأنفسهم من الحسن والبيان، ما لا يوجد في ذكر تقديم قسم نفسه، والحاكم في هذا هو الذوق. والفطن يكتفي بأدنى إشارة، وأما غليظ الفهم فلا ينجع فيه كثرة البيان" (١). المطلب الحادي عشر بعد المائة: أهل التوحيد هم خير البرية. • قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: الآية: ٧]. • عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال: أتعجبون من منزلة الملائكة من الله؟ والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك، واقرءوا إن شئتم ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ [البينة: الآية: ٧].

стр. 395

• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ثم ذكر مستقر من صدق بالنبي- ﷺ ، فقال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾، يعني: خير الخليقة من أهل الأرض، كل شيء خلق من التراب فإنه يسمى: البرية" (١). • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيّةِ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد، وعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، وأقاموا الصلاة، وآتُوا الزكاة، وأطاعوا الله فيما أمر ونهى. ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيّةِ﴾ يقول: من فعل ذلك من الناس فهم خير البرية" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولا تحسبن أن قوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم* وإن الفجار لفي جحيم﴾ مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة: دار الدنيا، والبرزخ، والقرار، فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب، وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ " (٣). • قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وقد استدل بهذه الآية وطائفة من العلماء، على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ " (٤). • قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿إن الذين آمنوا﴾ أي أقروا بالإيمان من الخلق كلهم الملائكة وغيرهم ﴿وعملوا﴾ أي تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي هذا النوع، ولما كان نعيم القلب أعظم، قدمه على نعيم البدن إبلاغاً في مدحهم فقال: ﴿أولئك﴾ أي العالو الدرجات ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿خير البرية﴾ " (٥). • قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: " ﴿إِنَّ الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات﴾ بيانٌ لمحاسن

стр. 396

أحوالِ المؤمنينَ إثرَ بيانِ سوءِ حالِ الكفرةِ جرياً على السنةِ القرآنيةِ من شفعِ الترهيبِ بالترغيبِ ﴿أولئك﴾ المنعوتونَ بَما هُو في الغايةِ القاصيةِ من الشرفِ والفضيلةِ من الإيمان والطاعة، ﴿هُمْ خَيْرُ البرية﴾ " (١). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ لأنهم عبدوا الله وعرفوه، وفازوا بنعيم الدنيا والآخرة" (٢).

стр. 397

المبحث الثالث: محاسن التوحيد وتعلقها بالدعاء بنوعيه. المطلب الأول: كلمة التوحيد تخرق لها الحجب وتفتح لها أبواب السماء. كلمة التوحيد تخرق الحُجب؛ حتى تصل إلى الله ، وليس دونه حجاب عن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلمتان إحداهما ليس لها ناهية دون العرش، وألاخرى تملأ ما بين السماء وألارض، لا اله إلا الله، والله أكبر» (١). عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-عن النبي- ﷺ : «ما قال عبدٌ لا إلهَ إلَّا اللهُ قطُّ مخلِصًا، إلَّا فُتِحَتْ له أبوابُ السماءِ، حتى تُفْضِيَ إلى العرشِ، ما اجتُنِبَتِ الكبائرُ» (٢).

стр. 398

عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «التسبيح نصف الميزان، والحمد لله يملؤه، ولا اله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه»» (١). عن أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس شيء إلا بينه وبين الله حجاب إلا قول: لا اله إلا الله، ودعاء الوالد» (٢). المطلب الثاني: التوحيد سبب لإجابة الدعاء. • عن فضالة بن عبيد (ت: ٥٣ هـ) ﵁-قال: سمعَ النبيُّ- ﷺ -رجلًا يَدْعُو في صلاتِهِ فلمْ يُصَلِّ على النبيِّ- ﷺ -فقال النبِيُّ ﷺ «عَجِلَ هذا» ثُمَّ دعاهُ فقال لهُ أوْ لغيرِهِ «إذا صلَّى أحدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللهِ والثَّناءِ عليهِ ثُمَّ لَيُصَلِّ على النبيِّ ﷺ ثُمَّ لَيَدْعُ بَعْدُ بِما شاءَ» (٣). • قال رجلٌ لعامر بن عبد قيس (ت: في زمن معاوية) ﵀: ادعُ لي. فقال عامر: "أطعِ الله، ثم ادعه؛ يستجب لك" (٤). • قال علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري الحنبلي (المتوفى: ٥١٣ هـ) ﵀: "يقال: لا يستجاب الدعاء بسرعة

стр. 399

إلا لمخلص أو مظلوم" (١). • قَالَ ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إذَا أرادَ الله بِعَبدٍ خيراً، أَلهَمَهُ دُعاءَهُ والاستِعَانَةُ بِه، وَجَعَلَ استِعانَتَهُ وَدُعاءَهُ سَبباً للخَيرِ الذي قَضَاهَ لَه" (٢). • قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ [الرعد: الآية: ١٤]، أي: باطل لاغ، لأن الكفر محبط لجميع الأعمال صاد لإجابة الدعاء" (٣). المطلب الثالث: التوحيد خاتمة الدعاء في الصلاة. • عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁-عن رسول الله- ﷺ -أنه يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كان النبي ﷺ يختم الصلاة كما في الحديث الصحيح أنه كان يقول في آخر صلاته: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني؛ أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت»، وهنا قدم الدعاء وختمه بالتوحيد؛

стр. 400

لأن الدعاء مأمور به في آخر الصلاة، وختم بالتوحيد ليختم الصلاة بأفضل الأمرين وهو التوحيد" (١). المطلب الرابع: التوحيد يدعوك للافتقار والتذلل بين يدي الله. • قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: الآية: ١٥]. فإن من أخص خصائص العبودية: الافتقار المطلق لله تعالى، فهو: حقيقة العبودية ولبُّها. • وقال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا﴾ [الجن: الآية: ٢٢] قال: "أمره بالافتقار واللجوء إليه، ثم بإظهارهما بقوله، ليزيد بذلك للكافرين ضلالا وللمؤمنين إرشادا، وهي كلمة الإخلاص في التوحيد. إذ حقيقة التوحيد هو النظر للحق لا غير، والإقبال عليه، والاعتماد، ولا يتم ذلك إلا بالإعراض عما سواه، وبإظهار الافتقار واللجوء إليه" (٢). • قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: نحو ٣٢٠ هـ) ﵀: "من شرط التوحيد ألا تطمع للعباد فيما توحد الله تعالى به وتفرد" (٣). • قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "الإعجاب ضرب

стр. 401

من التكبر، والتكبر يُحْبِط الأعمال" (١). • سئل محمد بن عبد الله الفرغاني (لم أقف على تأريخ وفاته) ﵀-عن الافتقار إلى الله تعالى والاستغناء به أيهما أكمل؟ فقال: "إذا صح الافتقار إلى الله تعالى صح الاستغناء به، واذا صح الاستغناء به صح الافتقار إليه، فلا يقال أيهما أكمل لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر" (٢). • قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ [النحل: الآية: ٧٥] دليل آخر على التوحيد، وتقريره أن الله- -غني له ملك السماوات والأرض، وآلهتكم عبيد فقراء، فلا يساوونه في رتبة الإلهية، ولا يستحقون معه صفة المعبودية، كما لا يستوي العبد الفقير منكم والموسر الذي ينفق من يساره سرا وجهرا. ويحتج بهذه على أن العبد لا يملك بالتمليك، لأن الفقر جعل وصفا له لازما في دليل التوحيد؛ فلا يجوز زواله، كما لا يزول التوحيد" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارا إليه وخضوعا له: كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله. وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن

стр. 402

إلى من شئت تكن أميره" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ليس له نظير فيقاس به؛ لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب، وبينهما فروق كثيرة فإن حقيقة العبد قلبه، وروحه، وهى لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذى لا إله إلا هو، فلا تطمئن فى الدنيا إلا بذكره، وهى كادحة إليه كدحا فملاقيته، ولابد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه. ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا فى وقت وفى بعض الأحوال، وتارة أخرى يكون ذلك الذى يتنعم به والتذ غير منعم له ولا ملتذ له، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده، ويضره ذلك. وأما إلهه فلابد له منه فى كل حال وكل وقت، وأينما كان فهو معه؛ ولهذا قال إمامنا [إبراهيم] الخليل ﷺ : ﴿لا أحب الآفلين﴾ [الأنعام: الآية: ٧٦]. وكان أعظم آية فى القرآن الكريم: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥] وقد بسطت الكلام فى معنى [القيوم] فى موضع آخر، وبينا أنه الدائم الباقى الذى لا يزول ولا يعدم، ولا يفنى بوجه من الوجوه" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إذا توجه العبد إلى الله بصدق الافتقار إليه، واستغاث به مخلصا له الدين؛ أجاب دعاءه، وأزال ضرره، وفتح له أبواب الرحمة. فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يذق غيره" (٣).

стр. 403

• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَكُلُّ عَمَلٍ لَا يُعِينُ اللَّهُ الْعَبْدَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَا يَنْفَعُ. فَمَا لَا يَكُونُ بِهِ لَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ لَهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَدُومُ فَلِذَلِكَ أَمَرَ الْعَبْدَ أَنْ يَقُولَ: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ " (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "كثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀-يقول: ﴿إياك نعبد﴾ تدفع الرياء، ﴿وإياك نستعين﴾ تدفع الكبرياء، فإذا عوفي من مرض الرياء ب ﴿إياك نعبد﴾، ومن مرض الكبرياء والعجب ب ﴿إياك نستعين﴾، ومن مرض الضلال والجهل ب ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾؛ عوفي من أمراضه وأسقامه" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن الدعاء عبودية لله وافتقار إليه وتذلل بين يديه فكلما كثره العبد وطوله وأعاده وأبداه ونوع جمله كان ذلك أبلغ في عبوديته وإظهار فقره وتذلله وحاجته وكان ذلك أقرب له من ربه وأعظم لثوابه. فالله يغضب إن تركت سؤاله … وبني آدم حين يسأل يغضب" (٣). قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور؛ وهي: ١ - الإخلاص في العمل. ٢ - والنصيحة لله فيه.

стр. 404

٣ - ومتابعة الرسول فيه. ٤ - وشهود مشهد الإحسان فيه. ٥ - وشهود منة الله عليه. ٦ - وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ليس العجب من مملوك يتذلل لله .. مع حاجته وفقره إليه. إنما العجب من مالك يتحبب إلى مملوكه بصنوف إنعامه .. مع غناه عنه! " (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله، وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله، وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت إلى الله وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "مَنْ عرف نَفسَه اشتغل بإصلاحها عن عُيوب الناس، ومَن عرف رَبَّه اشتغل به عن هَوى نَفسِه" (٤). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الافتقار إلى الله تعالى يتخلى بفقره أن يتأله غير مولاه الحق، وأن يضيع أنفاسه في غير مرضاته، وأن يفرق همومه في غير محابه، وأن يؤثر عليه في حال من الأحوال،

стр. 405

فيوجب له هذا الخلق وهذه المعاملة صفاء العبودية، وعمارة السر بينه وبين الله، وخلوص الود، فيصبح ويمسي ولا هم له غير ربه، فقد قطع همه بربه عنه جميع الهموم، وعطلت إرادته جميع الإرادات، ونسخت محبته له من قلبه كل محبة لسواه" (١). [٢١]. • قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "يخبر تعالى بغنائه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه، وتذللها بين يديه، فقال: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾ [فاطر: الآية: ١٥]، أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو الغني عنهم بالذات؛ ولهذا قال: ﴿والله هو الغني الحميد﴾ أي: هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله، ويقدره ويشرعه" (٢). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "إذا فالناس فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها" (٣). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) -رحمة الله-: "في قصة أصحاب الكهف دليلٌ على أن من فر بدينه من الفتن سلمه الله منها، وأن من حرص على العافية عافاه الله ومن أوى إلى الله،

стр. 406

آواه الله، وجعله هداية لغيره. ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته، كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ [آل عمران: الآية: ١٩٨] " (١). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀-عند تفسير قال تعالى: ﴿ولن تجد من دونه ملتحداً﴾ [الكهف: الآية: ٢٧]: "لن تجد من دون ربك ملجأً تلجأ إليه، ولا معاذًا تعوذ به، فإذا تعيّن أنه وحده الملجأ في كل الأمور؛ تعيّن أن يكون هو المألوه المرغوب إليه في السراء والضراء، المفتقر إليه في جميع الأحوال، المسؤول في جميع المطالب" (٢). • قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "يجب على الإنسان اللجوء إلى الله ؛ لأنه هو الذي بيده ملكوت السموات والأرض، فلا تعتمد على ما في قلبك من رسوخ الإيمان مثلاً، وتعتقد أنه لن يتسلط عليك الشيطان ولن يتسرب إليك هوى النفس الأمارة بالسوء، بل كن دائماً لاجئاً إلى الله سائلاً الثبات" (٣). المطلب الخامس: التوحيد يدعوك للانكسار بين يدي الله. • قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: الآية: ٨٧].

стр. 407

• عَنْ سَعْد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ) ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ» (١). • قيل لسعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: من أعبد الناس؟ فقال: رجل اقترف ذنبًا فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله وانكسر لربه" (٢). • قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فصاحب الحوت ومن أشبهه، لماذا ناسب حالهم صيغة الوصف والخبر دون صيغة الطلب؟ فيقال: لأن المقام مقام اعتراف بأن ما أصابني من الشر كان بذنبي، فأصل الشر هو الذنب، والمقصود دفع الضر، والاستغفار جاء بالقصد الثاني، فلم يذكر صيغة طلب كشف الضر لاستشعاره أنه مسيء ظالم، وهو الذي أدخل الضر على نفسه، فناسب حاله أن يذكر ما يرفع سببه من الاعتراف بظلمه، ولم يذكر صيغة طلب المغفرة؛ لأنه مقصود للعبد المكروب بالقصد الثاني؛ بخلاف كشف الكرب فإنه مقصود له في حال وجوده بالقصد الأول، إذ النفس بطبعها تطلب ما هي محتاجة إليه من زوال الضرر الحاصل في الحال، قبل طلبها زوال ما تخاف وجوده من الضرر في المستقبل بالقصد الثاني، والمقصود الأول في هذا المقام هو المغفرة، وطلب كشف الضر، فهذا مقدم في قصده وإرادته، وأبلغ ما ينال به: رفع سببه، فجاء بما يحصل مقصوده … " (٣).

стр. 408

• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور! وما أدنى النصر والرحمة والرزق منه! وما أنفع هذا المشهد وأجداه عليه! وذرة من هذا ونفس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم. وأحب القلوب إلى الله سبحانه: قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة، وملكته هذه الذلة، فهو ناكس الرأس بين يدي ربه، لا يرفع رأسه إليه حياء وخجلا من الله" (١). • قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: " أن المؤمن إذا استبطأ الفرج ويئس منه ولا سيما بعد كثرة الدعاء وتضرعه ولم يظهر له أثر الإجابة، رجع إلى نفسه باللائمة ويقول لها: إنما أتيت من قبلك ولو كان فيك خير لأجبت!. وهذا اللوم أحب إلى الله من كثير من الطاعات؛ فإن يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأنه ليس بأهل لإجابة دعائه فلذلك يسرع إليه حينئذ إجابة الدعاء وتفريج الكرب، فإنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، على قدر الكسر يكون الجبر" (٢). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته" (٣). • قال تعالى: ﴿إني لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ [القصص: الآية: ٢٤]. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فيه الوصف المتضمن

стр. 409

للسؤال بالحال" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "السرُّ في استجابة دعوة المظلوم، والمسافر، والصائم؛ للكسْرة التي في قلب كُلِّ واحدٍ منهم" (٢). • قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "ينبغي للإنسان أن يستتر بستر الله وأن يحمد الله على العافية وأن يتوب فيما بينه وبين ربه من المعاصي التي قام بها وإذا تاب إلى الله وأناب إلى الله ستره الله في الدنيا والآخرة" (٣). المطلب السادس: التوحيد موجب لحمد الله والثناء عليه. • قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: الآية: ٧٠]. • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد، المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا معبود تجوز عبادته غيره ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الأولَى﴾ يعني: في الدنيا ﴿وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ يقول: وله القضاء بين خلقه ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يقول: وإليه تردون من بعد مماتكم، فيقضي بينكم بالحقّ" (٤). • وقال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " ﴿وهو الله لا إله إلا هو له

стр. 410

الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون﴾ تقدم معناه، وأنه المنفرد بالوحدانية، لأن جميع المحامد، إنما تجب له وأن لا حكم إلا له وإليه المصير" (١). • وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿وهو الله لا إله إلا هو﴾ أي: هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ويختار سواه ﴿له الحمد في الأولى والآخرة﴾ أي: في جميع ما يفعله هو المحمود عليه، لعدله وحكمته ﴿وله الحكم﴾ أي: الذي لا معقب له، لقهره وغلبته وحكمته ورحمته، ﴿وإليه ترجعون﴾ أي: جميعكم يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله، من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال" (٢). • قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: الآية: ٦٥]. • عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-قال: من قال: "لا إله إلا الله" فليقل على أثرها: "الحمد لله رب العالمين" فذلك قوله تعالى: ﴿فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾ " (٣). • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: "لا إله إلا الله" أن يتبعها ب "الحمد لله رب العالمين"، عملا بهذه الآية" (٤).

стр. 411

• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وقال نحو هذا سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ثم قرأ هذه الآية" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ففي لا إله إلا الله إثبات محامده، فإنها كلها داخلة في إثبات إلهيته" (٢). • قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿هو الحي لا إله إلا هو﴾ أي: هو الحي أزلا وأبد، لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، ﴿لا إله إلا هو﴾ أي: لا نظير له ولا عديل له، ﴿فادعوه مخلصين له الدين﴾ أي: موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (٣). • قال محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (ت ١٣٥٣ هـ) ﵀: "اعلم أن لإجابة الدعاء شروطا منها الإخلاص لقوله تعالى ﴿فادعوا الله مخلصين له الدين﴾ [غافر: الآية: ٦٥] " (٤). المطلب السابع: التوحيد تثبيت لإلهية الحق في قلب المؤمن. • قال-تعالى-: ﴿قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم﴾ [الأنعام: الآية: ١٤].

стр. 412

• قال-تعالى-: ﴿أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾ [الأنعام: الآية: ١١٤]. • قال-تعالى-: ﴿أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون-ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين - بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾ [الزمر: الآيات: ٦٤ - ٦٦]. • قال-تعالى-: ﴿قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين - قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين - لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين - قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾ [الأنعام: الآيات: ١٦١ - ١٦٤] • وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه كان يقول: إذا قام يصلي من الليل، وقد روي أنه كان يقوله بعد التكبير: «اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت; فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد مقرون بالبقاء، وهو أن تثبت إلهية الحق في قلبك، وتنفي إلهية ما سواه، فتجمع بين النفي والإثبات، فتقول: لا إله إلا الله، فالنفي هو الفناء، والإثبات هو البقاء. وحقيقته أن تفنى بعبادته عما سواه، ومحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبموالاته عن موالاة ما سواه، وبسؤاله عن سؤال ما سواه، وبالاستعاذة به عن الاستعاذة بما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، وبالتفويض إليه عن التفويض إلى ما سواه، وبالإنابة إليه عن الإنابة إلى ما سواه، وبالتحاكم إليه

стр. 413

عن التحاكم إلى ما سواه، وبالتخاصم إليه عن التخاصم إلى ما سواه" (١). المطلب الثامن: كلمة التوحيد من الباقيات الصالحات. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والباقيات الصالحات نوعان: فسبحان الله وبحمده فيها الشكر والتنزيه والتعظيم، ولا إله إلا الله والله أكبر فيها التوحيد والتكبير" (٢). المطلب التاسع: كلمة التوحيد كان النبي ﷺ يدعو بها عند الكرب. • عن عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-قال: "إنَّ نبيَّ اللهِ- ﷺ -كان يقولُ عند الكربِ: «لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيمُ، لا إله إلا اللهُ ربُّ السمواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرشِ الكريمُ» " (٣). المطلب العاشر: التوحيد مقرون بالتكبير. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأما التهليل فهو قرين التكبير كما في كلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد

стр. 414

أن محمدا رسول الله ثم بعد دعاء العباد إلى الصلاة: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فهو مشتمل على التكبير والتشهد أوله وآخره. وهو ذكر لله تعالى وفي وسطه دعاء الخلق إلى الصلاة والفلاح. فالصلاة هي العمل. والفلاح هو ثواب العمل لكن جعل التكبير شفعا والتشهد وترا فمع كل تكبيرتين شهادة؛ وجعل أوله مضاعفا على آخره ففي أول الأذان يكبر أربعا ويتشهد مرتين والشهادتان جميعا باسم الشهادة وفي آخره التكبير مرتان فقط مع التهليل الذي لم يقترن به لفظ الشهادة ولا الشهادة الأخرى. وهذا والله أعلم بمنزلة الركعتين الأوليين من الصلاة مع الركعتين الأخريين فإن الأوليين فضلتا بقراءة السورة وبالجهر في القراءة فحصل الفضل في قدر القراءة ووصفها كما أن الشطر الأول من الأذان فضل في قدر الذكر وفي وصفه لكن الوصف هنا كون التوحيد قرن به لفظ أشهد ولهذا حذف في الإقامة عند من يختار إيتارها وهي إقامة بلال ما فضل به من القدر كما يخفض من صوت الإقامة لأن هذا المزيد من جنس الأصل فأشبه حذف الركعتين الأخريين في صلاة المسافر. وأما الكلمات الأصول فلم يحذف منها شيء. وهكذا سنة النبي ﷺ في قيام الليل وصلاة الكسوف وغيرهما تطويل أول العبادة على آخرها؛ لأسباب تقتضي ذلك. وكما جمع بين التكبير والتهليل في الأذان جمع بينهما في تكبير الأشراف فكان على الصفا والمروة وإذا علا شرفا في غزوة أو حجة أو عمرة يكبر ثلاثا. ويقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده» (١)، يفعل ذلك ثلاثا. وهذا في الصحاح وكذلك على الدابة كبر ثلاثا وهلل

стр. 415

ثلاثا فجمع بين التكبير والتهليل. وكذلك حديث عدي بن حاتم (ت: بين ٦٦ - ٦٩ هـ) ﵁ الذي رواه أحمد والترمذي فيه أن النبي ﷺ قال له: «يا عدي ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: لا إله إلا الله فهل تعلم من لا إله إلا الله؟ يا عدي ما يفرك أيفرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله» (١)، فقرن النبي ﷺ بين التهليل والتكبير. وفي صحيح مسلم حديث أبي مالك الأشعري (ت: ١٨ هـ) ﵁-عن النبي- ﷺ -أنه قال: «الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو قال تملأ ما بين السماء والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو: فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» (٢)، فأخبر أنه يملأ ما بين السماء والأرض وهذا أعظم من ملئه للميزان. وفي الحديث الذي في الموطأ حديث طلحة بن عبد الله بن كريز (ت: ٣٦ هـ) ﵁-أن النبي- ﷺ -قال: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (٣). فجمع في هذا الحديث بين " أفضل الدعاء وأفضل الثناء فإن الذكر نوعان: دعاء وثناء فقال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة. وأفضل ما قلت هذا الكلام ". ولم يقل أفضل ما قلت يوم عرفة هذا الكلام. وإنما هو أفضل ما قلت مطلقا. وكذلك في حديث رواه ابن أبي الدنيا (ت: ٢٨١ هـ) ﵀ «أفضل

стр. 416

الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله» (١). وأيضا ففي الصحيح عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-عن النبي- ﷺ -أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» (٢)، فقد صرح بأن أعلى شعب الإيمان هي هذه الكلمة. وأيضا ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «يا أبي: أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟»، قال: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥]، فقال رسول الله- ﷺ : «ليهنك العلم أبا المنذر» (٣)، فأخبر في هذا الحديث الصحيح أنها أعظم آية في القرآن وفي ذاك أنها أعلى شعب الإيمان وهذا غاية الفضل فإن الأمر كله مجتمع في القرآن والإيمان فإذا كانت أعظم القرآن وأعلى الإيمان ثبت لها غاية الرجحان. وأيضا فإن التوحيد أصل الإيمان وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار وهو ثمن الجنة ولا يصح إسلام أحد إلا به ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء فمنزلته منزلة الأصل ومنزلة التحميد والتسبيح منزلة الفرع. وأيضا فإنه مشروع على وجه التعظيم والجهر وعند الأمور العظيمة مثل الأذان الذي ترفع به الأصوات وعند الصعود على الأماكن العالية لما في ذلك من العلو والرفعة ويجهر بالتكبير في الصلوات وهو المشروع في الأعياد" (٤).

стр. 417

المطلب الحادي عشر: التوحيد مقرون بالتحميد. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وفي حديث أبي سعيد «الحمد رأس الشكر والتوحيد»، كما جمع بينهما في أم القرآن. فأولها تحميد وأوسطها: توحيد وآخرها: دعاء. وكما في قوله: ﴿هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾ [غافر: الآية: ٦٥]. وفي حديث الموطأ «أفضل ما قلت. أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد. وهو على كل شيء قدير. من قالها: كتب الله له ألف حسنة. وحط عنه ألف سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك. ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل قال مثلها أو زاد عليه. ومن قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر» (١). وفضائل هذه الكلمات في أحاديث كثيرة: وفيها: التوحيد والتحميد. فقوله ﴿لا إله إلا الله وحده لا شريك له﴾ توحيد. وقوله ﴿له الملك وله الحمد﴾ تحميد. وفيها معان أخرى شريفة. وقد جاء الجمع بين التوحيد والتحميد والاستغفار في مواضع مثل حديث كفارة المجلس «سبحانك اللهم وبحمدك. أشهد أن لا إله إلا أنت. أستغفرك وأتوب إليك» فيه: التسبيح والتحميد والتوحيد والاستغفار. من قالها في مجلس إن كان مجلس لغط كانت كفارة له وإن كان مجلس ذكر: كانت كالطابع له. وفي حديث أيضا "إن هذا يقال

стр. 418

عقب الوضوء". ففي الحديث الصحيح في مسلم وغيره من حديث عقبة عن عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية. يدخل من أيها شاء»، وفي حديث آخر أنه يقول «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك». وقد روي عن طائفة من السلف في الكلمات التي تلقاها آدم من ربه نحو هذه الكلمات. روى ابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) ﵀، عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، أنه قال "اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي. إنك خير الغافرين. اللهم لا إله إلا أنت. سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فارحمني. فأنت خير الراحمين. لا إله إلا أنت. سبحانك وبحمدك. رب إني ظلمت نفسي فتب علي. إنك أنت التواب الرحيم" فهذه الكلمات من جنس خاتمة الوضوء. وخاتمة الوضوء: فيها التسبيح والتحميد والتوحيد والاستغفار. فالتسبيح والتحميد والتوحيد لله. فإنه لا يأتي بالحسنات إلا هو. والاستغفار من ذنوب النفس التي منها تأتي السيئات" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والحمد إنما يتم بالتوحيد، وهو مناط للتوحيد، ومقدمة له ولهذا يفتتح به الكلام، ويثنى بالتشهد، وكل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم، وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإذا قيل: "لا إله إلا الله"؛

стр. 419

تضمنت هذه الكلمة إثبات جميع المحامد، وأنه ليس له فيها نظير؛ إذ هو إله، لا إله إلا هو، والشرك كله: إثبات نظير لله " (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولما كان حمده والثناء عليه وتمجيده هو مقصود الصلاة التي هي عماد اإسلام ورأس الطاعات شرع في أولها ووسطها وآخرها وجميع أركانها؛ ففي دعاء الاستفتاح يحمد ويثنى عليه ويمجد، وفي ركن القراءة يحمد ويثنى عليه ويمجد، وفي الركوع يثنى عليه بالتسبيح والتعظيم، وبعد رفع الرأس منه يحمد ويثنى عليه ويمجد كما كان النبي ﷺ يقول: "ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٢)، وفي السجود يثنى عليه بالتسبيح المتضمن لكماله المقدس والعلو المتضمن لمباينته لخلقه وفي التشهد يثنى عليه بأطيب الثناء من التحيات ويختم ذلك بذكر حمده ومجده" (٣). المطلب الثاني عشر: التوحيد والاستغفار بهما يكمل الدين. • قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَم انه لاإله إِلَّا الله واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ [محمد: الآية: ١٩]. • قال تعالى: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ [هود: الآية: ٣].

стр. 420

• قال تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه﴾ [فصلت: الآية: ٦]. • قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: الآيات: ١٣٣ - ١٣٦]. • عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ أن رسول الله- ﷺ -كان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت؛ أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن و الإنس يموتون» (١). • عن عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما منكم من أحدٍ يتوضَّأُ، فيُحسنُ الوضوءَ، ثم يقولُ: أشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه اللهم اجعلْني من التوابين، واجعلني من المتطهِّرين، إلا فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّةِ الثمانيةُ، يدخلُ من أيِّها شاء» (٢). • عن أبي برزة الأسلمي (ت: ٦٤ هـ) ﵁: كان رسول الله ﷺ بآخرة إذا طال المجلس فقام قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا

стр. 421

أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، فقال له بعضنا: إن هذا قول ما كنا نسمعه منك فيما خلا، فقال رسول الله ﷺ : «هو كفارة ما يكون في المجلس» (١). • عن شداد بن أوس (ت: ٥٨ هـ) ﵁، أن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أعوذ بك من شر ما صنعت. إذا قال حين يمسي فمات دخل الجنة - أو: كان من أهل الجنة - وإذا قال حين يصبح فمات من يومه مثله» (٢). • قال شعيب بن أبي حمزة (ت: ١٦٢ هـ) ﵀: "جمع ﷺ في هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الألفاظ، ما يحق له أن يسمى "سيد الاستغفار" ففيه الإقرار لله وحده بالإلهية والعبودية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه عليه، والرجاء بما وعده به، والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه وإضافة النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى نفسه، ورغبته في المغفرة، واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو. وقال أيضا: ويظهر أن اللفظ المذكور إنما يكون " سيد الاستغفار "، إذا جمع صحة النية والتوجه والأدب" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀"التوحيد هو جماع الدين الذي هو أصله وفرعه ولبه، وهو الخير كله، والاستغفار يزيل الشر كله، فأبلغ

стр. 422

الثناء قول لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء استغفر الله" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الاسْتِغْفَار والتوحيد بهما يكمل الدَّين كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَم انه لاإله إِلَّا الله واستغفر لذنبك وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ [محمد: الآية: ١٩] " (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقد قرن الله في كتابه بين التوحيد والاستغفار في غير موضع كقوله ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: الآية: ١٩]، وفي قوله ﴿ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير - وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ [هود: الآيات: ٢ - ٣]، وفي قوله: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه﴾ [فصلت: الآية: ٦] " (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "رتب اقتران الاستغفار بالتوحيد في غير موضع كقوله: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ [محمد: الآية: ١٩]، وقوله: ﴿ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم﴾ [هود: الآيات: ٢ - ٣]، وقوله: ﴿فاستقيموا إليه واستغفروه﴾ [فصلت: الآية: ٦] " (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إذا اجتهد الإنسان، واستعان بالله، ولازم الاستغفار والاجتهاد، فلابُدَّ أن يُؤتيه الله من فضله ما لم يخطر ببال " (٥).

стр. 423

• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فمن أحس بتقصير في قوله أو عمله أو حاله أو رزقه أو تقلب قلب؛ فعليه بالتوحيد والاستغفار ففيهما الشفاء إذا كانا بصدق وإخلاص" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه، إلى الفعل المحبوب من العمل الناقص إلى العمل التام ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل؛ فإن العابد لله والعارف بالله في كل يوم بل في كل ساعة بل في كل لحظة يزداد علما بالله. وبصيرة في دينه وعبوديته بحيث يجد ذلك في طعامه وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية وإعطائها حقها فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار؛ بل هو مضطر إليه دائما في الأقوال والأحوال في الغوائب والمشاهد لما فيه من المصالح وجلب الخيرات ودفع المضرات وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية. وقد ثبتت: دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد واقترانها بشهادة أن لا إله إلا الله من أولهم إلى آخرهم ومن آخرهم إلى أولهم ومن الأعلى إلى الأدنى. وشمول دائرة التوحيد والاستغفار للخلق كلهم وهم فيها درجات عند الله ولكل عامل مقام معلوم. فشهادة أن لا إله إلا الله بصدق ويقين تذهب الشرك كله دقه وجله خطأه وعمده أوله وآخره؛ سره وعلانيته وتأتي على جميع صفاته وخفاياه ودقائقه. والاستغفار يمحو ما بقي من عثراته ويمحو الذنب الذي هو من شعب الشرك فإن الذنوب كلها من شعب الشرك. فالتوحيد يذهب أصل الشرك والاستغفار يمحو فروعه فأبلغ الثناء قول: لا إله إلا الله وأبلغ

стр. 424

الدعاء قول: أستغفر الله. فأمره بالتوحيد والاستغفار لنفسه ولإخوانه من المؤمنين" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-في التعليق على حديث سيد الاستغفار: "تضمن هذا الاستغفار الاعتراف من العبد بربوبية الله وإلهيته وتوحيده، والاعتراف بأن خالفه العالم به، إذ أنشأه نشأة تستلزم عجزه عن أداء حقه وتقصيره فيه، والاعتراف بأنه عبده، الذي ناصيته بيده وفي قبضته، لا مهرب له منه، ولا ولي له سواه، ثم التزام الدخول تحت عهده، وهو أمره ونهيه، الذي عهده إليه على لسان رسوله، وأن ذلك بحسب استطاعتي، لا بحسب اداء حقك، فإنه غير مقدور للبشر، وإنما هو جهد المقل، وقدر الاستطاعة، ومع ذلك فأنا مصدقٌ لوعدك الذي وعدته لأهل طاعتك بالثواب، ولأهل معصيتك بالعقاب، فأنا مقيمٌ على عهدك، مصدقٌ بوعدك. ثم أفزع إلى الاستعاذة والاعتصام بك من شر ما فرطت فيه من أمرك ونهيك، فإنك إن لم تعذني من شره، وإلا أحاطت بي الهالكة، فإن إضاعة حقك سبب الهلاك، وأنا أقر لك وألتزم بنعمتك علي، وأقر وألتزم وأبخع (٢)، بذنبي، فمنك النعمة والإحسان والفضل، ومني الذنب والإساءة، فأسألك أن تغفر لي، بمحو ذنبي، وأن تعفيني من شره، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فلهذا كان هذا الدعاء، سيد الاستغفار، وهو متضمنٌ لمعنى العبودية " (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ما يحتاج العبد إلى الاستغفار

стр. 425

منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه فما سلط عليه مؤذ إلا بذنب" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالتوحيد يدخل العبد على الله-عزوجل-، والاستغفار والتوبة يرفع المانع ويزيل الحجاب الذي يحجب القلب عن الوصول إليه، فإذا وصل القلب إليه، زال همه وغمه وحزنه" (٢). • قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "التوحيد أعظم الأسباب التي يستجلب بها المغفرة وعدمه مانع من المغفرة بالكلية وفي الحديث: «ابن آدم إن جئتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة» (٣) " (٤). المطلب الثالث عشر: التوحيد شرط في قبول الاستغفار. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "من خصائص التوحيد، فإن المكلف لا ينفعه توحيد غيره عنه، ولا ينجيه ذلك من عذاب الله ، بل لا ينجيه إلا توحيد نفسه، ولا ينفعه مع عدم التوحيد الاستغفار عنه، بل لا ينفعه إلا استغفاره الذي تضمن توحيده وتوبته من الشرك. فصار الاستغفار مقرونا بالتوحيد من بداية، لا تقبل النيابة فيه ولا يهدى إلى الغير إلا إذا أتى هو به، فإذا كان هو من أهل ذلك نفعه حينئذ ما يريده
следующие страницы →