← Акыда

Акыда · id 30015

محاسن التوحيد وارتباطها بأركان الإيمان

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (742 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ترتب عليها ثلاثة أشياء، فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات والبدنية بالغفران، وقوبلت المالية بالرزق الكريم، وهذا النوع من المقابلة من بديع علم البديع-انتهى" (١). المطلب الثامن عشر: التوحيد يجعل النفوس سماوية علوية. • قال عبد الله بن محمد بن مغيث بن عبد الله الأنصاري: (ت: ٣٥٢ هـ) ﵀: "أوثق عملي في نفسي ملامة صدري، إني آوي إلى فراشي ولا يأوي إلى صدري غائلة لمسلم" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "النفوس ثلاثة: نفس سماوية علوية: فمحبتها منصرفة إلى المعارف واكتساب الفضائل والكمالات الممكنة للإنسان، واجتناب الرذائل، وهي مشغوفة بما يقربها من الرفيق الأعلى وذلك قوتها وغذاؤها ودواؤها فاشتغالها بغيره هو داؤها.

стр. 457

ونفس سبعية غضبية: فمحبتها منصرفة إلى القهر والبغي والعلو في الأرض والتكبر والرئاسة على الناس بالباطل فلذتها في ذلك وشغفها به. ونفس حيوانية شهوانية: فمحبتها منصرفة إلى المأكل والمشرب والمنكح وربما جمعت الأمرين فانصرفت محبتها إلى العلو في الأرض والفساد كما قال الله تعالى ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: الآية: ٤]. والحب في هذا العالم دائر بين هذه النفوس الثلاثة، فأي نفس منها صادفت ما يلائم طبعها استحسنته ومالت إليه ولم تصغ فيه لعاذل ولم تأخذها فيه لومة لائم" (١). • قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالقلب الطاهر لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث لا يشبع من القرآن، ولا يتغذَّى إلا بحقائقه، ولايتداوى إلا بأدويته" (٢). المطلب التاسع عشر: التوحيد لا يقبل من قلب الموحد أن يكون لغير الله. • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٢] فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادًا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود

стр. 458

منه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه" (١). المطلب العشرون: التوحيد زينة لصاحبه. • قال تعالى: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً﴾ • قال الإمام أبو عبد الله الحسن بن الحسين الحليمي (ت: ٤٠٤ هـ) ﵀: "العبد كلما ازداد تأملاً للآيات؛ زادته هداية ودلالة، تقرَّبت بصيرته، وخلصت من الخواطر والهواجس عقيدته" (٢). • قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه؛ فالله الله في إصلاح السرائر فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح الظاهر" (٣). • قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: الآيات: ٧ - ٨]. • قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان﴾ فجعله أحب الأديان إليكم، ﴿وزينه﴾ حسنه، ﴿في قلوبكم﴾ حتى اخترتموه، وتطيعون رسول الله- ﷺ ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق﴾. قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): يريد الكذب ﴿والعصيان﴾ جميع

стр. 459

معاصي الله. ثم عاد من الخطاب إلى الخبر، وقال: ﴿أولئك هم الراشدون﴾ المهتدون" (١). • قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "هذا خطاب للمؤمنين المخلصين الذين لا يكذبون النبي- ﷺ -ولا يخبرون بالباطل، أي: جعل الإيمان أحب الأديان إليكم. وزينه بتوفيقه. في قلوبكم أي: حسنه إليكم حتى اخترتموه" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَهَذَا الْحسن وَالْجمال الَّذِي يكون عَنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة فِي الْقلب يسري إِلَى الْوَجْه، والقبح والشين الَّذِي يكون عَنْ الْأَعْمَال الْفَاسِدَة فِي الْقلب يسري إِلَى الْوَجْه كَمَا تقدم، ثمَّ إِنْ ذَلِك يقوى بِقُوَّة الْأَعْمَال الصَّالِحَة والأعمال الْفَاسِدَة، فَكلما كثر الْبر وَالتَّقوى قوى الْحسن وَالْجمال وَكلما قوى الْإِثْم والعدوان قوى الْقبْح والشين، حَتَّى ينْسَخ ذَلِك مَا كَانَ للصورة من حسن وقبح، فكم مِمَّنْ لم تكن صورته حَسَنَة وَلَكِن من الْأَعْمَال الصَّالِحَة مَا عظم بِهِ جماله وبهاؤه حَتَّى ظهر ذَلِك على صورته، وَلِهَذَا ظهر ذَلِك ظهورا بَينا عِنْد الْإِصْرَار على القبائح فِي آخر الْعُمر عِنْد قرب الْمَوْت فنرى وُجُوه أهل السّنة وَالطَّاعَة كلما كبروا ازْدَادَ حسنها وبهاؤها حَتَّى يكون أحدهم فِي كبره أحسن واجمل مِنْهُ فِي صغره، ونجد وُجُوه أهل الْبِدْعَة وَالْمَعْصِيَة كلما كبروا عظم قبحها وشينها حَتَّى لَا يَسْتَطِيع النّظر إِلَيْهَا من كَانَ منبهرا بهَا فِي حَال الصغر لجمال صورتهَا، وَهَذَا ظَاهر لكل اُحْدُ فِيمَن يعظم بدعته وفجوره مثل الرافضة وَأهل الْمَظَالِم وَالْفَوَاحِش من التّرْك وَنَحْوهم،

стр. 460

فَإِنْ الرافضي كلما كبر قبح وَجهه وَعظم شينه حَتَّى يقوى شبهه بالخنزير وَرُبمَا مسخ خنزيرا وقردا كَمَا قد تَوَاتر ذَلِك عَنْهُ" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: قال بعض السلف: "قوة المؤمن في قلبه، وضعفه في جسده، وقوة المنافق في جسمه، وضعفه في قلبه" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الجمال الذي للخُلُق، من العلم والإيمان والتقوى أعظم من الجمال الذي للخَلْق، وهو الصورة الظاهرة" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "خير الْقُلُوب مَا كَانَ واعيا للخير ضابطا لَهُ. وَلَيْسَ كالقلب القاسي الَّذِي لا يقبله" (٤). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه" (٥). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الذِكر نورٌ للذاكر في الدنيا، ونورٌ له في قبره، ونورٌ له في معاده يسعى بين يديه على الصراط، فما استنارت القلوب والقبور بمثل ذكر الله، قال الله تعالى: ﴿أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في النّاس كمن مثله في الظُّلمات ليس بخارجٍ منها﴾ " (٦).

стр. 461

• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "والله تعالى يحبب إليكم الإيمان، ويزينه في قلوبكم، بما أودع الله في قلوبكم من محبة الحق وإيثاره، وبما ينصب على الحق من الشواهد، والأدلة الدالة على صحته، وقبول القلوب والفطر له، وبما يفعله تعالى بكم، من توفيقه للإنابة إليه" (١). • قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "ويهمنا هنا: أنه لا يتم تحقيق الإيمان وحبه في القلب حتى يخلو القلب من شوائب الكفر؛ لأن الكفر والإيمان لا يجتمعان أبدا" (٢). • قال الشيخ أبو بكر الجزائري (ت: ١٤٣٩ هـ) ﵀: "من أكبر النعم على المؤمنين تحبيب الله تعالى الإيمان إليه وتزيينه في قلبه، وتكريه الكفر إليه والفسوق والعصيان وبذلك أصبح المؤمن أرشد الخلق بعد أصحاب رسول الله ﷺ " (٣). • وفي الحديث صلَّى عمَّارُ بنُ ياسرٍ بالقومِ صلاةً أخفَّها، فَكأنَّهم أنْكروها! فقالَ: ألم أُتمَّ الرُّكوعَ والسُّجودَ؟ قالوا: بلى، قالَ أمَّا أنِّي دعوتُ فيها بدعاءٍ كانَ النَّبيُّ ﷺ يدعو بِهِ «اللَّهمَّ بعِلمِكَ الغيبَ وقدرتِكَ على الخلقِ أحيني ما علمتَ الحياةَ خيرًا لي وتوفَّني إذا علمتَ الوفاةَ خيرًا لي، وأسألُكَ خشيتَكَ في الغيبِ والشَّهادةِ، وَكلمةَ الإخلاصِ في الرِّضا والغضبِ، وأسألُكَ نعيمًا لَا ينفدُ، وقرَّةَ عينٍ لَا تنقطعُ، وأسألُكَ الرِّضاءَ بالقضاءِ، وبردَ العيشِ بعدَ الموتِ، ولذَّةَ النَّظرِ إلى وجْهِكَ، والشَّوقَ إلى لقائِكَ، وأعوذُ بِكَ من ضرَّاءٍ مُضرَّةٍ وفتنةٍ مضلَّةٍ؛ اللَّهمَّ زيِّنَّا

стр. 462

بزينةِ الإيمانِ واجعَلنا هداةً مُهتدين» (١). • قال عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-في بيان معانٍ من هذه الزينة: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق" (٢). • قال بعض الحكماء: "ينبغي للعبد أن ينظر كل يوم في المرآة، فإن رأى صورته حسنة؛ لم يشنها بقبيح فعله، وإن رآها قبيحة؛ لم يجمع بين قبح الصورة، وقبح الفعل" (٣). • قال الإمام ابن رجب الحنبلي (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀ في شرح حديث النبي ﷺ : «اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهديين»: "أما زينة الإيمان؛ فالإيمان قول وعمل ونية؛ فزينة الإيمان تشمل زينة القلب بتحقيق الإيمان له، وزينة اللسان بأقوال الإيمان، وزينة الجوارح بأعمال الإيمان" (٤). فللإيمان زينة جميلة لصاحبه في الدنيا والآخرة، ولن يبدو صاحبه جميلاً بدونه، وهذه الزينة يهبها الله-تعالى-لمن يشاء من عباده، ويضاعفها عليهم، ويقذفها في قلوبهم. والزينة زينتان: زينة البدن وزينة القلب "وهي أعظمها"، وإذا حصلتْ فيرد به مَنْ يعاملهم مِنْ الناس، فيعظم ما عظَّمه الله

стр. 463

ومَن يعظمه الله، ويحقِّر ما حقره الله ومَن حقره الله. فمن زينة الإيمان ما يجعله الله في القلب، وهي البصيرة التي يلقيها الله في قلب العبد حتى يبصر حقائق الوجود، ويعرف ما تئول إليه هذه الحياة ويتعظ بمن مضى، ويتذكر ما هو مقبل عليه من الآخرة. المطلب الواحد والعشرون: التوحيد طهر لصاحبه. • قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: الآية: ٢٢٢] • قال سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ): "التوابين من الشرك والمتطهرين من الذنوب" (١). • قال مقاتل بن حيان (ت: في حدود ١٥٠ هـ) ﵀: "يحب التوابين من الذنوب والمتطهرين من الشرك" (٢). • وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِى كِتَابٍ مَّكْنُونٍ، لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: الآيات: ٧٧ - ٧٩]. • قال طلق بن حبيب (ت: قبل سنة ١٠٠ هـ) ﵀: "إن حقوق الله تعالى أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى،

стр. 464

ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين" (١). • قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "المؤمن على طهارة التوحيد من يوم ﴿ألست بربكم﴾ [الآعراف: الآية: ١٧٢]، غير أنه لما خالط أوساخ الهوى تدنست ثياب، وليس لها تنظف إلا بماء العلم في بيت العزلة" (٢). • قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): "قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: الآية: ٧٠]، فإذا كان الأصل فيه كونه مكرمًا، كان كونه مطهرًا على وفق الأصل، وكونه منسجما على خلاف الأصل، ثم إنا رأينا الإنسان متى أشرك صار نجسًا، بدليل قوله تعالى: ﴿آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: الآية: ٢٨]، فإذا كان الشرك يقتضي كونه نجسًا مع ذلك خلاف الأصل، فكونه موحدًا بأن يقتضي كونه طاهرًا أولى، لأنه على وفق الأصل. وإذا ثبت أن الموحد كامل في كونه طاهرًا وجب أن يكون من خواص الله تعالى، لقوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: الآية: ٢٦) " (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإذا كان ورقه لا يمسه إلا المطهرون فمعانيه لا يهتدي بها إلا القلوب الطاهرة. وإذا كان المَلَك لا يدخل بيتًا فيه كلب، فالمعاني التي تحبها الملائكة لا تدخل قلبًا فيه أخلاق الكلاب المذمومة" (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فنجد كثيرًا من المتفقهة

стр. 465

والمتعبدة، إنما همته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع اهتماما وعملا. ويترك من طهارة القلب ما أمر به؛ إيجابا، أو استحبابا، ولا يفهم من الطهارة إلا ذلك. ونجد كثيرا من المتصوفة والمتفقرة، إنما همته طهارة القلب فقط؛ حتى يزيد فيها على المشروع اهتماما وعملا؛ ويترك من طهارة البدن ما أمر به إيجابا، أو استحبابا. فالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة في كثرة صب الماء، وتنجيس ما ليس بنجس، واجتناب ما لا يشرع اجتنابه مع اشتمال قلوبهم على أنواع من الحسد والكبر والغل لإخوانهم، وفي ذلك مشابهة بينة لليهود. والآخرون يخرجون إلى الغفلة المذمومة، فيبالغون في سلامة الباطن حتى يجعلون الجهل بما تجب معرفته من الشر-الذي يجب اتقاؤه-من سلامة الباطن، ولا يفرقون بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهي عنه، وبين سلامة القلب من معرفة الشر المعرفة المأمور بها ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون النجاسات، ويقيمون الطهارة الواجبة مضاهاة للنصارى. وتقع العداوة بين الطائفتين بسبب ترك حظ مما ذكروا به والبغي الذي هو مجاوزة الحد إما تفريطا وتضييعا للحق، وإما عدوانا وفعلا للظلم. والبغي تارة يكون من بعضهم على بعض وتارة يكون في حقوق الله، وهما متلازمان" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ "دلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرامٌ على

стр. 466

القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيَه، وأن يفهمه كما ينبغي" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إن الطهر طهران: طهر بالماء من الأحداث والنجاسات، وطهر بالتوبة من الشرك والمعاصي" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق والعلم والعمل. فكل وقت عصيت الله فيه، أو مال عصي الله به، أو بدن، أو جاه، أو علم، أو عمل، فهو على صاحبه، ليس له. فليس عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع الله به" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ذِكرُ الله، والإقبالُ عليه، والإنابةُ إليه، والفزعُ إلى الصلاة، كم قد شُفِيَ به من عليلٍ، وكم قد عُوفِيَ به من مريض" (٤). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار؛ فقد هُدي لأعظم الشيم" (٥). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "من أسباب دواعي الإيمان: الإكثار من ذكر الله كل وقت، ومن الدعاء الذي هو مخ العبادة؛ فإن الذكر لله يغرس شجرة الإيمان في القلب، ويغذيها وينميها" (٦).

стр. 467

المطلب الثاني والعشرون: أهل التوحيد أبعد الناس عن التلبس بالنجاسات. • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدًا، ولهذا كان أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركاء، فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق ﵇ ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: الآية: ٢٤] " (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "النجاسة تارة تكون محسوسة ظاهرة، وتارة تكون معنوية باطنة فيغلب على الروح والقلب الخبث والنجاسة، حتى إن صاحب القلب الحى ليشم من تلك الروح والقلب رائحة خبيثةيتأذى بها، كما يتأذى من يشم رائحة النتن، ويظهر ذلك كثيرا فى عرقه، حتى ليوجد لرائحة عرقه نتنا، فإن نتن الروح والقلب يتصل بباطن البدن أكثر من ظاهره. والعرق يفيض من الباطن" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فكلما قوى شرك العبد بلى بعشق الصور، وكلما قوى توحيده صرف ذلك عنه" (٣).

стр. 468

المطلب الثالث والعشرون: التوحيد سعادة لصاحبه. • قال ابن حزم (ت: ٣٨٤ هـ) ﵀: "كل أملٍ ظفرت به فعقباه حزنٌ؛ إما بذهابه عنك وإما بذهابك عنه، ولابد من أحد هذين السبيلين. إلا العمل لله ، فعقباه على كل حال سرور في عاجل وآجل؛ أما في العاجل، فقلة الهم بما يهتم به الناس، وأنك به معظم من الصديق والعدو، وأما في الآجل فالجنة" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "في القرآن في مواضع يبين أن الرسل أمروا بعبادة الله وحده لا شريك له ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه وأن أهل السعادة هم أهل التوحيد وأن المشركين هم أهل الشقاوة ويبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسل مشركون فعلم أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان وكذلك الإيمان باليوم الآخر فالثلاثة متلازمة" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله" (٤).

стр. 469

• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالغاية الحميدة التي بها يحصل كمال بني آدم وسعادتهم ونجاتهم عبادة الله وحده، وهي حقيقة قول القائل: لا إله إلا الله، ولهذا بعث الله جميع الرسل، وأنزل جميع الكتب، ولا تصلح النفس وتزكو وتكمل إلا بهذا، كما قال تعالى: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت: الآية: ٦] أي لا يؤتون ما تزكو به نفوسهم من التوحيد، والإيمان. وكل من لم يحصل له هذا الإخلاص لم يكن من أهل النجاة والسعادة كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨] " (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فلا حياة للقلوب ولا نعيم ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها ويكون أحب إليها مما سواه، والإنسان بدون الإيمان بالله لا يمكنه أن ينال معرفة ولا هداية، وبدون اهتدائه إلى ربه لا يكون إلا شقيا معذبا كما هو حال الكافرين. فالله تبارك خلق هذا الإنسان وركبه من الجسد والروح وشاء أن يكون خلق الجسد من التراب، قال تعالى: ﴿فإنا خلقناكم من تراب﴾ [الحج: الآية: ٥] وجعل قوام الجسد وحياته من التراب، فهو يأكل ويشرب ويكتسي من الأرض وما فيها، وجعل في هذا الجسد الروح، قال تعالى: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: الآية: ٢٩] وشاء أن يكون قوام هذه الروح وحياتها في معرفة الله وعبادته، فلا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبة فاطره وباريه ودوام ذكره والسعي في مرضاته، لذلك فإن من في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه، فطلبه لهذا الباب وحرصه على معرفته

стр. 470

وازدياده من التبصر فيه، وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته، فهذا هو الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خلق الخلق، ولأجله نزل الوحي، وأرسلت الرسل وقامت السموات والأرض، ووجدت الجنة والنار، ولأجله شرعت الشرائع، وأسست الملة، ونصبت القبلة، وهو قطب رحى الخلق والأمر الذي مدارهما عليه. وهو بحق أفضل ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول، وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر ولا فرحها بشيء أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "السعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم، ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم، ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله، لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفًا من الله، لا منهم" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "لا يزول فقر العبد وفاقته إلا بالتوحيد، وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار؛ حصل للعبد غناه، وسعادته، وزال عنه ما يعذبه" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية" (٤).

стр. 471

• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وهو أكبر من كل شيء، وهو المستحق للتحميد والتنزيه، هو متصف بذلك كله في نفس الأمر. فالعباد لا يثبتون له بكلامهم شيئًا لم يكن ثابتا له، بل المقصود بكلامهم تحقيق ذلك في أنفسهم، فإنهم يسعدون السعادة التامة، إذا صار أحدهم ليس في نفسه إله إلا الله خلص من شرك المشركين" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَأَمَّا الْحُزْنُ فَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِأَمْرِ الدِّينِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] ﴿لِكَيْلا""تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ، نَعَمْ وَلَا يَأْثَمُ بِهِ صَاحِبُهُ إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِحُزْنِهِ مُحَرَّمٌ وَقَدْ يَقْتَرِنُ الْحُزْنُ بِمَا يُثَابُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ وَيُحْمَدُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَحْمُودًا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْحُزْنِ، كَالْحَزِينِ عَلَى مُصِيبَةٍ فِي دِينِهِ وَعَلَى مَصَائِبِ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا، فَهَذَا يُثَابُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ حُبِّ الْخَيْرِ وَبُغْضِ الشَّرِّ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْحُزْنَ عَلَى ذَلِكَ إذَا أَفْضَى إلَى تَرْكِ مَأْمُورٍ مِنْ الصَّبْرِ وَالْجِهَادِ وَجَلْبِ مَنْفَعَةٍ وَدَفْعِ مَضَرَّةٍ نُهِيَ عَنْهُ وَإِلَّا كَانَ حَسْبَ صَاحِبِهِ رُفِعَ الْإِثْمُ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ الْحُزْنِ، وَأَمَّا إذَا أَفْضَى إلَى ضَعْفِ الْقَلْبِ وَاشْتِغَالِهِ بِهِ عَنْ فِعْلِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ كَانَ مَذْمُومًا وَمَرْدُودًا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ وَإِنْ كَانَ مَحْمُودًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى" (٢).

стр. 472

• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "سر عظيم من أسرار التوحيد، وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ويسكن إلا بالوصول إليه، وكل ما سواه مما يحب ويراد فمراد لغيره، وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحدا إليه المنتهى، ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين، فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك، وزال عنه وفارقه أحوج ما كان إليه، ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد. " (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وملاك النجاة والسعادة والفوز بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما مدار كتب الله تعالى، وبتحقيقهما بعث الله رسله عليهم الصلاة والسلام وإليهما رغب الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كلهم، من أولهم إلى آخرهم. أحدهما: التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص. والتوحيد الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرضى به ربا وإلها ووليا، وأن لا يجعل له عدلا في شيء من الأشياء. وقد جمع هذين النوعين من التوحيد في سورتي الإخلاص وهما: سورة ﴿قل ياأيها الكافرون﴾ المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي، وسورة ﴿قل هو الله أحد﴾ المتضمنةللتوحيد الخبري العلمي.

стр. 473

فسورة ﴿قل هو الله أحد﴾ فيها بيان ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وبيان ما يجب تنزيهه من النقائص والأمثال، وسورة ﴿قل ياأيها الكافرون﴾ فيها إيجاب عبادته وحده، والتبري من عبادة كل ما سواه. ولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سنة الفجر والوتر، اللتين هما فاتحة العملوخاتمته، ليكون مبدأ النهار توحيدا وخاتمته توحيدا" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالنعمة المطلقة: هي المتصلة بسعادة الأبد، وهي نعمة الإسلام والسنة، وهي النعمة التي أمرنا الله سبحانه أن نسأله في صلواتنا؛ أن يهدينا صراط أهلها ومن خصهم بها وجعلهم أهل الرفيق الأعلى، حيث يقول تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ [النساء: الآية: ٦٩]. فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل هذه النعمة المطلقة، وأصحابها" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا

стр. 474

من الأنعام، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالغاية الحميدة التي يحصل بها كمال بني آدم وسعادتهم ونجاحهم هي معرفة الله ومحبته وعبادته وحده لا شريك له وهي حقيقة قول العبد لا اله إلا الله وبها بعث الرسل ونزلت جميع الكتب ولا تصلح النفس ولا تزكو ولا تكمل إلا بذلك" (٢). • قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "هي سبيل السعادة في الدارين أي طريقهما لا وصول إليهما إلا بهذه الكلمة" (٣). المطلب الرابع والعشرون: أهل التوحيد أحق الناس برحمته. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأحق الناس برحمته: هم أهل التوحيد والإخلاص له، فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص "لا إله إلا الله" علما وعقيدة وعملا وبراءة وموالاة ومعاداة: كان أحق بالرحمة" (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ

стр. 475

يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: الآية: ١٨]، "بين إنما يعمرها من آمن بالله، واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله، وهذه صفة أهل التوحيد وإخلاص الدين لله، الذين لا يخشون إلا الله، ولا يرجون سواه، ولا يستعينون إلا به، ولا يدعون إلا إياه" (١). المطلب الخامس والعشرون: التوحيد يجعل المؤمن ينطق بالحكمة. • قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: الآية: ٢٢]. • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: أفمن فَسَح الله قلبه لمعرفته، والإقرار بوحدانيته، والإذعان لربوبيته، والخضوع لطاعته ﴿فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبّهِ﴾ يقول: فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين، بتنوير الحقّ في قلبه، فهو لذلك لأمر الله متبع، وعما نهاه عنه منته فيما يرضيه، كمن أقسى الله قلبه، وأخلاه من ذكره، وضيّقه عن استماع الحق، واتّباع الهدى، والعمل بالصواب؟ وترك ذكر الذي أقسى الله قلبه" (٢). • قال تعالى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ

стр. 476

لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: الآية: ٣٥] • قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: "النفس إذا استعدت لقبول العيان، بالعلوم النظرية صارت كسراج فيه ذبالة مرواة بالزيت، فإذا أشرقت عليها أنوار المعرفة أوقدتها فعادت كمشكاة فيها مصباح" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿نور على نور﴾ [النور: الآية: ٣٥]، قال بعض السلف في الآية: هو المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر فإذا سمع بالأثر كان نورا على نور. نور الإيمان الذي في قلبه يطابق نور القرآن كما أن الميزان العقلي يطابق الكتاب المنزل؛ فإن الله أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط. وقد يؤتى العبد أحدهما ولا يؤتى الآخر" (٢). • قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: "ذكر الله- -يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانيَّة، ويوجب القَسْوَة والبعد عن الحقّ في النفوس الخبيثة الشَّيْطَانِيَّة" (٣). المطلب السادس والعشرون: التوحيد واعظ الله في قلب كل مؤمن. • عن النواس عن النبي ﷺ أنه قال: " «ضرب الله مثلا صراطا

стр. 477

مستقيما. وعلى جنبتي الصراط سوران وفي السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع يدعو على رأس الصراط وداع يدعو من فوق الصراط. فالصراط المستقيم هو الإسلام، والستور حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله فإذا أراد العبد أن يفتح بابا من تلك الأبواب ناداه المنادي-أو كما قال-يا عبد الله لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه. والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن». • قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀: "يأتي على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن، ولا يجدون له حلاوة ولا لذاذة، إن قصروا عما أمروا به قالوا: إن الله غفور رحيم! وإن عملوا بما نهوا عنه قالوا: سيغفر لنا؛ إنا لم نشرك بالله شيئا!! أمرهم كله طمع ليس معه صدق، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم في دينه المداهن" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فقد بين أن في قلب كل مؤمن واعظ والواعظ الأمر والنهي بترغيب وترهيب؛ فهذا الأمر والنهي الذي يقع في قلب المؤمن مطابق لأمر القرآن ونهيه ولهذا يقوى أحدهما بالآخر" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "القلبُ في سيره إلى الله بمنزلة الطَّائر، فالمحبَّة رأسه، والخوف والرَّجاء جناحاه، فمتى سلِم الرَّأس والجناحان، فالطائر جيِّدُ الطيران، ومتى قطع الرأس، مات الطائر، ومتى فقد الجناحان، فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر" (٣).

стр. 478

المطلب السابع والعشرون: التوحيد يدعو إلى محبة الله. • عن عائشة (ت: ٥٨ هـ) ﵂؛ أن النبي ﷺ بعث رجلاً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته، فيختم ب ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، فلما رجعوا؛ ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟». فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ : «أخبروه أن الله يحبه» (١). • عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁-قال: كانَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يَؤُمُّهُمْ في مَسْجِدِ قُباءٍ، وكانَ كُلَّما افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بها لهمْ في الصَّلَاةِ ممَّا يَقْرَأُ به افْتَتَحَ: بقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ حتَّى يَفْرُغَ مِنْها، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى معها، وكانَ يَصْنَعُ ذلكَ في كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أصْحابُهُ، فقالوا: إنَّكَ تَفْتَتِحُ بهذِه السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أنَّها تُجْزِئُكَ حتَّى تَقْرَأَ بأُخْرَى، فَإِمَّا تَقْرَأُ بها وإمَّا أنْ تَدَعَها، وتَقْرَأَ بأُخْرَى فقالَ: ما أنا بتارِكِها، إنْ أحْبَبْتُمْ أنْ أؤُمَّكُمْ بذلكَ فَعَلْتُ، وإنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وكانُوا يَرَوْنَ أنَّه مِنْ أفْضَلِهِمْ، وكَرِهُوا أنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أتاهُمُ النبيُّ ﷺ أخْبَرُوهُ الخَبَرَ، فقالَ: «يا فُلَانُ، ما يَمْنَعُكَ أنْ تَفْعَلَ ما يَأْمُرُكَ به أصْحابُكَ، وما يَحْمِلُكَ علَى لُزُومِ هذِه السُّورَةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ» فقالَ: إنِّي أُحِبُّها، فقالَ: «حُبُّكَ إيَّاها أدْخَلَكَ الجَنَّةَ» (٢).

стр. 479

• قال الصحابي الجليل أبو الدرداء (ت: مابين ٣٢ - ٣٨ هـ) ﵁: "إن شئتم لأُقسمنَّ لكم؛ إنَّ أحب العباد إلى الله: الذين يحبُّون الله، ويحببون الله إلى عباده" (١). • قال الربيع بن أنس (ت: ١٣٩ هـ) ﵀: "علامة حب الله: كثرة ذكره، فإنك لا تحب شيئا إلا أكثرت من ذكره" (٢). • قال إبراهيم الحربي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀: سمعت أحمد بن حنبل (ت: ٢٤١ هـ) ﵀-يقول: "إن أحببت أن يدوم الله لك على ما تحب فدم له على ما يحب" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله" (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَمن كَانَ الله يُحِبهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ، ومحبوبه لَا يفعل مَا يبغضه الْحق ويسخطه من الْكفْر والفسوق والعصيان" (٥). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "العبادة تتضمن: كمال الحب، وكمال التعظيم، وكمال الرجاء، والخشية، والإجلال، والإكرام" (٦).

стр. 480

• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ومحبة التوحيد إنما تكون لله وحده على متابعة رسوله؛ كما قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ [آل عمران: الآية: ٣١]، فلهذا يكون أهل الاتباع فيهم جهاد ونية في محبتهم؛ يحبون لله ويبغضون له. وهم على ملة إبراهيم. والذين معه ﴿إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ [الممتحنة: الآية: ٤]، وأولئك محبتهم فيها شرك وليسوا متابعين للرسول ولا مجاهدين في سبيل الله فليست هي المحبة الإخلاصية. فإنها مقرونة بالتوحيد" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالمحب الصادق: إن نطق نطق لله وبالله، وإن سكت سكت لله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فسكونه استعانة على مرضاة الله، فهو لله وبالله ومع الله" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إن الحديد إذا لم يستعمل غشيه الصدأ حتى يفسده كذلك القلب إذا عطل من حب الله والشوق إليه وذكره غلبه الجهل حتى يميته ويهلكه" (٤).

стр. 481

المطلب الثامن والعشرون: التوحيد حامل على تعظيم الله والحياء منه. • قال تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: الآية: ١٣]. • قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "لا تعظمون الله حق عظمته، أي: لا تخافون من بأسه ونقمته" (١). • قال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: "ما لكم لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة (٢). • قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ما لكم لا ترجون لله عاقبة؛ كأن المعنى ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان. • قال وهب بن كيسان (ت: ١٢٧ هـ) ﵀: "ما لكم لا ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيرا" (٣). • قال ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) ﵀: "ما لكم لا تؤدون لله طاعة" (٤). • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ): "معنى ذلك: ما لكم لا تخافون لله عظمة" (٥). • قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني (ت: ٣٢٢ هـ) ﵀: إن

стр. 482

الوقار الثبات لله ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ [الأحزاب: الآية: ٣٣]، أي اثبتن. ومعناه ما لكم لا تثبتون وحدانية الله تعالى وأنه إلهكم لا إله لكم سواه؛ " (١). • قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "والوقار: العظمة. والتوقير: التعظيم، وقيل: ما لكم لا توحدون الله؛ لأن من عظمه فقد وحده" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد يقتضي تعظيم حرماته، وتعظيم حرماته يحول بينه وبين الذنوب والمتجرئون على معاصيه ما قدروه حق قدره" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من وقارهِ أن يستحي منه في الخلوة أعظم مما يستحي من أكابر النّاس" (٤). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: قال بعض السلف: "أكبر الكبائر الأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله" (٥). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "على قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب. وأعرف الناس به: أشدهم له تعظيما وإجلالا" (٦).

стр. 483

• قال محمد بن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ) ﵀: "إِنَّ اللَّهَ بِحَمْدِهِ نَزَّهَ الْإِسْلَامَ عَنْ كُلِّ قَبِيحَةٍ، وَأَكْرَمَهُ عَنْ كُلِّ رَذِيلَةٍ وَرَفَعَهُ عَنْ كُلِّ دَنِيئَةٍ، وَشَرَّفَهُ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ، وَجَعَلَ سِيمَا أَهْلِهِ الْوَقَارَ وَالسَّكِينَةَ" (١). • قال محمد بن أحمد السفاريني (ت: ١١٨٨ هـ) ﵀: "فإذا رأيت إنساناً لا يبالي بما أصابه في دينه؛ من ارتكاب الذنوب، وفوات الجمعة والجماعة، وأوقات الطاعات؛ فاعلم أنه ميت لا يحس بألم المصيبة، فإنك لا تُسمع الموتى" (٢). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀-عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: الآية: ١٣]: " أي: لا تخافون لله عظمة، وليس لله عندكم قدر" (٣). المطلب التاسع والعشرون: التوحيد هو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة، يدفع الله به العقوبات في الدارين، ويبسط به النعم والخيرات. • عن عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-قال: إنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ عند الكربِ: «لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربُّ العرشِ العظيمُ، لا إله إلا اللهُ ربُّ السمواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرشِ الكريمُ» (٤).

стр. 484

• عن أسماء بنت عميس ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : «ألَا أُعلِّمُكِ كلماتٍ تقولينَهُنَّ عندَ الكَرْبِ، أو في الكَرْبِ؟ اللهُ اللهُ ربِّي، لا أُشرِكُ به شيئًا» (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فما دُفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد، ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد، ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد، فلا يلقي في الكُرب العظام إلا الشرك، ولا ينجي منها إلا التوحيد، فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التَّوْحِيد مفزع أعدائه وأوليائه، فأما اعداؤه فينجيهم من كرب الدنيا وشدائدها ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْك دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: الآية: ٦٥]. وَأما أولياؤه فينجيهم به من كربات الدنيا والآخرة وشدائدها؛ ولذلك فزع إليه يونس فنجاه الله من تلك الظلمات وفزع إليه أتباع الرسل فنجوا به مما عذب به المشركون في الدنيا وما أعد لهم في الآخرة، ولما فزع إليه فرعون عند معاينة الهلاك وإدراك الغرق له لم ينفعه لأن الإيمان عند المعاينة لا يقبل، هذه سنة الله في عباده، فما دفعت شدائد الدنيا بمثل التوحيد؛ ولذلك كان دعاء الكرب بالتوحيد ودعوة ذي النون التي ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه بالتوحيد. فلا يلقي في الكرب العظام إلا الشرك ولا ينجي منها إلا التوحيد، فهو مفزع الخليقة وملجؤها وحصنها وغياثها" (٣). • قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "قول الله تعالى: ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أن لا إلهَ إلّا أنت سُبحانك إني كُنْتُ من الظّالِمين﴾ [الأنبياء: الآية: ٨٧]، يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكرب والغم فيبتهل إلى الله داعياً بإخلاص، إلا نجاه الله من ذلك الغم، ولا سيما إذا دعا بدعاء يونس هذا" (٤).

стр. 485

المطلب الثلاثون: التوحيد شرط في الأمن والاهتداء التام. • قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: «وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً» (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة؛ كان له الأمن التام والاهتداء التام. ومن لم يسلم من ظلمه نفسه؛ كان له الأمن والاهتداء مطلقا بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في الآية الأخرى وقد هداه إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه. وليس مراد النبي ﷺ بقوله: «إنما هو الشرك» أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام. فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف لم يحصل لهم الأمن التام ولا الاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين من غير عذاب يحصل لهم؛ بل معهم أصل الاهتداء إلى هذا الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم ولا بد لهم من دخول الجنة. وقول النبي ﷺ «إنما هو الشرك» إن أراد به الشرك الأكبر فمقصوده أن من لم يكن من أهله فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة وهو مهتد إلى ذلك.

стр. 486

وإن كان مراده جنس الشرك؛ فيقال: ظلم العبد نفسه كبخله-لحب المال-ببعض الواجب هو شرك أصغر، وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك. فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الأمن من عذاب الله وحصول السعادة إنما هو بطاعته تعالى لقوله: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ [النساء: الآية: ١٤٧]، وقال تعالى: ﴿قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾ [الفرقان: الآية: ٧٧]، أي لو لم تدعوه كما أمر فتطيعوه فتعبدوه وتطيعوا رسله فإنه لا يعبأ بكم شيئا. وهذه الوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ [المائدة: الآية: ٣٥]، قال عامة المفسرين كابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) والفراء (ت: ٢٠٧ هـ): الوسيلة القربة. قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ): تقربوا إلى الله بما يرضيه. قال أبو عبيدة: توسلت إليه أي تقربت. وقال عبد الرحمن بن زيد (ت: ١٨٢ هـ): تحببوا إلى الله. والتحبب والتقرب إليه إنما هو بطاعة رسوله. فالإيمان بالرسول وطاعته هو وسيلة الخلق إلى الله ليس لهم وسيلة يتوسلون بها ألبتة إلا الإيمان برسوله وطاعته" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك

стр. 487

لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: الآية: ٨٢] وقد فسر النبي ﷺ الظلم هنا بالشرك" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إن الإيمان الكامل بالله -تعالى- غير المتلبس بأي شيء من الشرك يكون جزاؤه وأجره عظيماً، ومصير من أخلص لله -تعالى- بالتوحيد الجنة، والمفازة من النار، والتوحيد يكفّر الذنوب، ويمحو الخطايا، وأما الكفار فالشرك محبط لحسناتهم" (٢). المطلب الواحد والثلاثون: التوحيد يحقق في قلب العبد أن الله أكبر من كل شيء. • قال تعالى: ﴿ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: الآية: ٤٥] • قال تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة﴾ [الأنعام: الآية: ١٩]. • عن عدي بن حاتم: أن النبي ﷺ قال له: "ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ " (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فكلما قال العبد: الله أكبر؛ تحقق قلبه بأن يكون الله في قلبه أكبر من كل شيء، فلا يبقى

стр. 488

لمخلوق على القلب ربّانية تساوي ربّانية الرب، فضلاً عن أن تكون مثلها" (١). • قال ابن القيم: (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة﴾ [الأنعام: الآية: ١٩]، وهذا يقتضي جوابا: لا شيء أكبر شهادة من الله، فالله أكبر شهادة من كل شيء. كما أن قوله لعدي: "هل تعلم شيئا أكبر من الله؟ " يقتضي جواب (١): لا شيء أكبر من الله، فالله أكبر من كل شيء" (٢). • قال ابن القيم: (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالله سبحانه أكبر من كل شيء ذاتا وقدرا ومعنى وعزة وجلالة فهو أكبر من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله كما هو فوق كل شيء وعال على كل شيء وأعظم من كل شيء وأجل من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله" (٣). المطلب الثاني والثلاثون: التوحيد يورث المحبة والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء وتوابع ذلك. • قال عمر (ت: ٢٣ هـ) ﵁-في وصيته: "وشاور في أمورك الذين يخشون الله تعالى" (٤). • قال الحافظ عبيد الله بن أبي جعفر (ت: ١٣٤ هـ) ﵀: "ما

стр. 489

استعان عبد على دينه بمثل الخشية من الله" (١). • قال أبو علي الجوزجاني (ت: في القرن الرابع للهجرة) ﵀: "ثلاثة أشياء من عقد التوحيد: الخوف، والرجاء، والمحبة" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد للخالق بالرغبة إليه والرجاء له، والتوكل عليه، والحب له … فالرسول ﷺ أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة التي تصلح أمور أصحابها في الدنيا والآخرة" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرّب إليه بما يحبّه، ولا تتمّ محبّة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله" (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ [الأنبياء: الآية: ٩٠] وقال تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا﴾ [السجدة: الآية: ١٦] ولا يتصور أن يخلو داع لله-دعاء عبادة أو دعاء مسألة-من الرغب والرهب من الخوف والطمع" (٥). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَمن كَانَ الله يُحِبهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ ومحبوبه لَا يفعل مَا يبغضه الْحق ويسخطه من الْكفْر والفسوق

стр. 490

والعصيان" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "مرض القلب يكون بالحب والبغض الخارجين عن الاعتدال، وهي الأهواء التي قال اللّه فيها: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ﴾ [القصص: الآية: ٥٠]، وقال: ﴿بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم: الآية: ٢٩] " (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَمن كَانَ الله يُحِبهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ، ومحبوبه لَا يفعل مَا يبغضه الْحق ويسخطه من الْكفْر والفسوق والعصيان" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقال الخليل: ﴿إنني براء مما تعبدون﴾ [الزخرف: الآية: ٢٦]، ﴿إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾ [الزخرف: الآية: ٢٧]، والبراءة ضد الولاية وأصل البراءة البغض وأصل الولاية الحب وهذا لأن حقيقة التوحيد ألا يحب إلا الله ويحب ما يحبه الله لله فلا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله. قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: الآية: ١٦٥] " (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الحنيفية: هي الاستقامة بإخلاص الدين لله وذلك يتضمن حبه تعالى والذل له لا يشرك به شيئا لا في الحب ولا في الذل فإن العبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل وذلك لا يستحقه إلا الله وحده وكذلك الخشية والتقوى لله وحده والتوكل على الله وحده" (٥). • قال ابن القيم: (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب-جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جده،

стр. 491

ولا إله غيره-بالمحبة والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل والإنابة، والرغبة والرهبة، فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره فإنما يحب تبعا لمحبته، وكونه وسيلة إلى زيادة محبته، ولا يخاف سواه، ولا يرجي سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا بإسمه، ولا ينذر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه، ويجتمع ذلك في حرف واحد، وهو: أن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة، ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: الآية: ٣٣] " (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر: الآية: ٢٨] أي العلماء به، وقال النبي ﷺ : «أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية» (٢) " (٣). • قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "إنّ تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تألّه الله وحده، إجلالاً، وهيبة، ومخافة، ومحبة، ورجاء، وتعظيماً، وتوكلاً، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم

стр. 492

يبق فيه محبة، ولا إرادة، ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحبّ شيئاً وأطاعه، وأحبّ عليه وأبغض عليه فهو إلهه، فمن كان لا يحبّ ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له، فالله إلهه حقّاً، ومن أحبّ لهواه، وأبغض لهواه، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه" (١). • قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "رقة القلوب تنشأ عن الذكر فإن ذكر الله يوجب خشوع القلب وصلاحه ورقته ويذهب الغفلة عنه" (٢). • قال محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (ت ١٣٥٣ هـ) ﵀: "قوله «أفضل الذكر لا إله إلا الله» لأنها كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله شيء وهي الفارقة بين الكفر والإيمان ولأنها أجمع للقلب مع الله وأنفى للغير وأشد تزكية للنفس وتصفية للباطن وتنقية للخاطر من خبث النفس وأطرد للشيطان" (٣). المطلب الثالث والثلاثون: كلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه. • قال أبو الدرداء (ت: مابين ٣٢ - ٣٨ هـ) ﵁: "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ

стр. 493

جِلَاءً، وَإِنَّ جِلَاءَ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللهِ " (١). • وقيل لسهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ): "ما حقيقة التوكل في الأصل؟ فقال: حقيقة التوكل في الأصل الإقرار بالتوحيد" (٢). • قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "عند تفسير قوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا﴾ [المزمل: الآية: ٩]. أي كفيلا بما وعدك من المعونة على الأمر، والعصمة عن النهي، والتوفيق للشكر، والصبر في البلوى، والخاتمة المحمودة. ثم قال: في الدنيا الجنة والنار، فالجنة والعافية أن تولي الله أمرك، والنار البلوى، والبلوى أن يكلك إلى نفسك. قيل: فما الفرج؟ قال: لا تطمع في الفرج وأنت ترى مخلوقا، وما من عبد أراد الله بعزم صحيح إلا زال عنه كل شيء دونه، وما من عبد زال عنه كل شيء دونه إلا حق عليه أن يقوم بأمره، وليس في الدنيا مطيع لله وهو يطيع نفسه، ولا يتباعد أحد عن الله إلا بالاشتغال بغير الله، وإنما تدخل الأشياء على الفارغ، وأما من كان مشغول القلب بالله لم تصل إليه الوسوسة وهو في المزيد أبدا، واحفظ نفسك بالأصل. قيل له: ما هو؟ قال: التسليم لأمر الله، والتبري ممن سواه" (٣). • قال أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، الدارمي، البُستي (ات: ٣٥٤ هـ): "الواجب على العاقل لزوم التوكل على من تكفل بالأرزاق؛ إذ التوكل هو نظام الإيمان، وهو قرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر ووجود الراحة، وما توكل أحد على الله جل وعلا

стр. 494

من صحة قلبه - حتى كان الله جل وعلا بما تضمن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده، إلا لم يكله الله إلى عباده، وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب" (١). • قال أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، الدارمي، البُستي (ت: ٣٥٤ هـ): "التوكل هو نظام الإيمان، وقرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر ووجود الراحة. وما توكل أحد على اللَّه جل وعلا من صحة قلبه حتى كان اللَّه جل وعلا بما تضمن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده إلا لم يكله اللَّه إلى عباده وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب" (٢). • قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: " قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [التغابن: الآية: ١٣] فيه أن التوكل قرين التوحيد ونتيجته، ومن أكبر مقاماته، والتوكل هو التفويض إلى الله- -مع ترك الاعتراض. " (٣). • قال الإمام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والعبد إذا أنعم الله عليه بالتوحيد فشهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه، والإله هو المعبود الذي يستحق غاية الحب والعبودية بالإجلال والإكرام والخوف والرجاء يفنى القلب بحب الله تعالى عن حب ما سواه ودعائه والتوكل عليه وسؤاله عما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه حلاه الله بالأمن والسرور والحبور والرحمة للخلق؛ والجهاد في سبيل الله؛ فهو يجاهد ويرحم. له الصبر والرحمة قال الله تعالى: ﴿وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ [البلد: الآية: ١٧]، وكلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه. والخوف الذي يحصل في قلوب الناس هو الشرك الذي في قلوبهم قال الله تعالى: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله﴾ [آل عمران: الآية: ١٥]. وكما قال الله ﷻ في قصة الخليل ﵇ أتحاجونني في الله وقد هداني إلى قوله: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك

стр. 495

لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: الآية: ٨٢]. وفي الحديث الصحيح: "تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش". فمن كان في قلبه رياسة لمخلوق ففيه من عبوديته بحسب ذلك. فلما خوفوا خليله بما يعبدونه ويشركون به-الشرك الأكبر كالعبادة-قال الخليل: ﴿وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ [الأنعام: الآية: ٨١]، يقول: إن تطيعوا غير الله وتعبدوا غيره وتكلمون في دينه ما لم ينزل به سلطانا: فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ أي تشركون بالله ولا تخافونه وتخوفوني أنا بغير الله فمن ذا الذي يستحق الأمن إلى قوله: ﴿أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: الآية: ٨٢]، أي: هؤلاء الموحدون المخلصون؛ ولهذا قال الإمام أحمد لبعض الناس: لو صححت لم تخف أحدا" (١). • قال الإمام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالتوحيد والإشراك يكون في أقوال القلب، ويكون في أعمال القلب؛ ولهذا قال الجنيد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب أراد بذلك التوحيد الذي هو التصديق، فإنه لما قرنه بالتوكل جعله أصله، وإذا أفرد لفظ التوحيد فهو يتضمن قول القلب وعمله، والتوكل من تمام التوحيد" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والتوكل معنى يلتئم من معنى التوحيد والعقل والشرع، فالموحد المتوكل لا يلتفت إلى الأسباب،
следующие страницы →