← Акыда

Акыда · id 30015

محاسن التوحيد وارتباطها بأركان الإيمان

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (742 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ولا إله غيره-بالمحبة والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل والإنابة، والرغبة والرهبة، فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره فإنما يحب تبعا لمحبته، وكونه وسيلة إلى زيادة محبته، ولا يخاف سواه، ولا يرجي سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا بإسمه، ولا ينذر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه، ويجتمع ذلك في حرف واحد، وهو: أن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة، ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: الآية: ٣٣] " (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر: الآية: ٢٨] أي العلماء به، وقال النبي ﷺ : «أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية» (٢) " (٣). • قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "إنّ تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تألّه الله وحده، إجلالاً، وهيبة، ومخافة، ومحبة، ورجاء، وتعظيماً، وتوكلاً، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم

стр. 492

يبق فيه محبة، ولا إرادة، ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحبّ شيئاً وأطاعه، وأحبّ عليه وأبغض عليه فهو إلهه، فمن كان لا يحبّ ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له، فالله إلهه حقّاً، ومن أحبّ لهواه، وأبغض لهواه، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه" (١). • قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "رقة القلوب تنشأ عن الذكر فإن ذكر الله يوجب خشوع القلب وصلاحه ورقته ويذهب الغفلة عنه" (٢). • قال محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (ت ١٣٥٣ هـ) ﵀: "قوله «أفضل الذكر لا إله إلا الله» لأنها كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله شيء وهي الفارقة بين الكفر والإيمان ولأنها أجمع للقلب مع الله وأنفى للغير وأشد تزكية للنفس وتصفية للباطن وتنقية للخاطر من خبث النفس وأطرد للشيطان" (٣). المطلب الثالث والثلاثون: كلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه. • قال أبو الدرداء (ت: مابين ٣٢ - ٣٨ هـ) ﵁: "إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ

стр. 493

جِلَاءً، وَإِنَّ جِلَاءَ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللهِ " (١). • وقيل لسهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ): "ما حقيقة التوكل في الأصل؟ فقال: حقيقة التوكل في الأصل الإقرار بالتوحيد" (٢). • قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "عند تفسير قوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا﴾ [المزمل: الآية: ٩]. أي كفيلا بما وعدك من المعونة على الأمر، والعصمة عن النهي، والتوفيق للشكر، والصبر في البلوى، والخاتمة المحمودة. ثم قال: في الدنيا الجنة والنار، فالجنة والعافية أن تولي الله أمرك، والنار البلوى، والبلوى أن يكلك إلى نفسك. قيل: فما الفرج؟ قال: لا تطمع في الفرج وأنت ترى مخلوقا، وما من عبد أراد الله بعزم صحيح إلا زال عنه كل شيء دونه، وما من عبد زال عنه كل شيء دونه إلا حق عليه أن يقوم بأمره، وليس في الدنيا مطيع لله وهو يطيع نفسه، ولا يتباعد أحد عن الله إلا بالاشتغال بغير الله، وإنما تدخل الأشياء على الفارغ، وأما من كان مشغول القلب بالله لم تصل إليه الوسوسة وهو في المزيد أبدا، واحفظ نفسك بالأصل. قيل له: ما هو؟ قال: التسليم لأمر الله، والتبري ممن سواه" (٣). • قال أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، الدارمي، البُستي (ات: ٣٥٤ هـ): "الواجب على العاقل لزوم التوكل على من تكفل بالأرزاق؛ إذ التوكل هو نظام الإيمان، وهو قرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر ووجود الراحة، وما توكل أحد على الله جل وعلا

стр. 494

من صحة قلبه - حتى كان الله جل وعلا بما تضمن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده، إلا لم يكله الله إلى عباده، وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب" (١). • قال أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، الدارمي، البُستي (ت: ٣٥٤ هـ): "التوكل هو نظام الإيمان، وقرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر ووجود الراحة. وما توكل أحد على اللَّه جل وعلا من صحة قلبه حتى كان اللَّه جل وعلا بما تضمن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده إلا لم يكله اللَّه إلى عباده وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب" (٢). • قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: " قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [التغابن: الآية: ١٣] فيه أن التوكل قرين التوحيد ونتيجته، ومن أكبر مقاماته، والتوكل هو التفويض إلى الله- -مع ترك الاعتراض. " (٣). • قال الإمام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والعبد إذا أنعم الله عليه بالتوحيد فشهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه، والإله هو المعبود الذي يستحق غاية الحب والعبودية بالإجلال والإكرام والخوف والرجاء يفنى القلب بحب الله تعالى عن حب ما سواه ودعائه والتوكل عليه وسؤاله عما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه حلاه الله بالأمن والسرور والحبور والرحمة للخلق؛ والجهاد في سبيل الله؛ فهو يجاهد ويرحم. له الصبر والرحمة قال الله تعالى: ﴿وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ [البلد: الآية: ١٧]، وكلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه. والخوف الذي يحصل في قلوب الناس هو الشرك الذي في قلوبهم قال الله تعالى: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله﴾ [آل عمران: الآية: ١٥]. وكما قال الله ﷻ في قصة الخليل ﵇ أتحاجونني في الله وقد هداني إلى قوله: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك

стр. 495

لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: الآية: ٨٢]. وفي الحديث الصحيح: "تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش". فمن كان في قلبه رياسة لمخلوق ففيه من عبوديته بحسب ذلك. فلما خوفوا خليله بما يعبدونه ويشركون به-الشرك الأكبر كالعبادة-قال الخليل: ﴿وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ [الأنعام: الآية: ٨١]، يقول: إن تطيعوا غير الله وتعبدوا غيره وتكلمون في دينه ما لم ينزل به سلطانا: فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ أي تشركون بالله ولا تخافونه وتخوفوني أنا بغير الله فمن ذا الذي يستحق الأمن إلى قوله: ﴿أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: الآية: ٨٢]، أي: هؤلاء الموحدون المخلصون؛ ولهذا قال الإمام أحمد لبعض الناس: لو صححت لم تخف أحدا" (١). • قال الإمام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالتوحيد والإشراك يكون في أقوال القلب، ويكون في أعمال القلب؛ ولهذا قال الجنيد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب أراد بذلك التوحيد الذي هو التصديق، فإنه لما قرنه بالتوكل جعله أصله، وإذا أفرد لفظ التوحيد فهو يتضمن قول القلب وعمله، والتوكل من تمام التوحيد" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والتوكل معنى يلتئم من معنى التوحيد والعقل والشرع، فالموحد المتوكل لا يلتفت إلى الأسباب،

стр. 496

بمعنى أنه لا يطمئن إليها، ولا يثق بها، ولا يرجوها، ولا يخافها؛ فإنه ليس في الوجود سبب يستقل بحكم، بل كل سبب فهو مفتقر إلى أمور أخرى تضم إليه، وله موانع وعوائق تمنع موجبه، وما ثم سبب مستقل بالإحداث إلا مشيئة الله وحده، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وما شاء خلقه بالأسباب التي يحدثها ويصرف عنه الموانع، فلا يجوز التوكل إلا عليه" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته، قويت عبوديته له، وحريته مما سواه" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ كِدنا لِيوسُفَ﴾ [يوسف: الآية: ٧٦]. " … وفيها تنبيه على أن المؤمنَ المتوكّلَ على الله إذا كاده الخلقُ فإنّ اللهَ سبحانه يَكيِدُ له وينتصِرُ له بغير حول منه ولا قوة" (٣). • قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالتوحيد يفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والفرج والابتهاج" (٤). • قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "والتوكل من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه، كما قال: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق: الآية: ٣] " (٥).

стр. 497

• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: عند شرح قول النبي ﷺ : «من سرته حسنته، وساءته سيئته فذلك المؤمن» (١). "فإذا رأيت من نفسك أن صدرك ينشرح بالطاعة، وأنه يضيق بالمعصية فهذه بشرى لك، أنك من عباد الله المؤمنين ومن أوليائه المتقين" (٢). المطلب الرابع والثلاثون: التوحيد يحقق الرجاء بالله وحده. • قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: الآية: ٥٧]. • عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخلَ على شابٍّ وَهوَ في الموتِ فقالَ: «كيفَ تجدُكَ» قالَ واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أرجو اللَّهَ وإنِّي أخافُ ذنوبي فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يجتَمِعانِ في قلبِ عبدٍ في مثلِ هذا الموطِنِ إلَّا أعطاهُ اللَّهُ ما يرجو وآمنَهُ ممَّا يخافُ» (٣).

стр. 498

وقوله: "لا يَجتمِعان"، أي: الرَّجاءُ والخوفُ مِنْ اللهِ، "في قلبِ عبدٍ في مثلِ هذا الموطنِ"، أي: عندَ قُربِ موتِه، "إلَّا أعطاه اللهُ ما يَرْجو وآمَنه ممَّا يَخافُ"، أي: إنَّ اللهَ يُعطيه ما يَرْجوه مِنْ عَفْوِه ودخولِ الجنَّةِ، ويُؤمِّنُه ممَّا يَخافُه؛ مِنْ النَّارِ. وفي الحديث: بيانُ فَضلِ الخوفِ والرَّجاءِ مِنْ اللهِ تعالى، وأنَّهما سببٌ للنَّجاةِ من النارِ ودُخولِ الجنَّةِ؛ لأنَّهما يحثَّانِ الإنسانِ على حُسنِ العَملِ مع حُسنِ الاعتقادِ في اللهِ. قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالرجاء ينبغي أن يتعلق بالله، ولا يتعلق بمخلوق ولا بقوة العبد ولا عمله، فإن تعليق الرجاء بغير الله إشراك، وإن كان الله قد جعل لها أسبابا فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بد له من معاون، ولا بد أن يمنع المعارض المعوق له وهو لا يحصل ويبقى إلا بمشيئة الله تعالى. ولهذا قيل: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع. ولهذا قال الله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب﴾ [الشرح: الآية: ٧] ﴿وإلى ربك فارغب﴾ [الشرح: الآية: ٨] فأمر بأن تكون الرغبة إليه وحده، وقال: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ [المائدة: الآية: ٢٣] فالقلب لا يتوكل إلا على من يرجوه، فمن رجا قوته أو عمله أو علمه أو أو صديقه أو قرابته أو شيخه أو ملكه أو ماله غير ناظر إلى الله كان فيه نوع توكل على ذلك السبب، وما رجا أحد مخلوقا أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه فإنه مشرك: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان

стр. 499

سحيق﴾ [الحج: الآية: ٣١] " (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب-جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره-بالمحبة والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل والإنابة، والرغبة والرهبة، فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره فإنما يحب تبعا لمحبته، وكونه وسيلة إلى زيادة محبته، ولا يخاف سواه، ولا يرجي سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا بإسمه، ولا ينذر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه، ويجتمع ذلك في حرف واحد، وهو: أن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة، ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ [المعارج: الآية: ٣٣] " (٢). المطلب الخامس والثلاثون: التوحيد يورث الهمة العالية. • روي عن عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁-أنه قال: "لا تصغرنَّ همتكم؛ فإني لم أرَ أقعد عن المكرمات من صغر الهمم" (٣).

стр. 500

• قال سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ) ﵀: "إذا هممت بأمر من أمور الآخرة فشمر إليها وأسرع من قبل أن يحول بينها وبينك الشيطان" (١). • قال الإمام مالك بن أنس (ت: ١٧٩ هـ) ﵀: "عليك بمعالي الأمور وكرائمها، واتقِ رذائلها وما سفَّ منها؛ فإنَّ الله تعالى يحبُّ معالي الأمور، ويكره سفسافها" (٢). • قال ممشاد الدينوري (ت ٢٩٩) ﵀: "الهِمَّة مقدمة الأشياء؛ فمن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراءها من الأعمال والأحوال" (٣). • قال أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان، الدارمي، البُستي (ات: ٣٥٤ هـ): ﵀"لن تصفو القلوب من وجود الدرن فيها حتى تكون الهمم في اللَّه هما واحدا، فإذا كان كذلك كفي الهم في الهموم إلا الهم الذي يؤول متعقبه إلى رضا الباري جل وعز بلزوم تقوى الله في الخلوة والملاء" (٤). • قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "ولله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها؛ فهم يبالغون في كل علم ويجتهدون في كل عمل يثابرون على كل فضيلة فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة وهم لها سابقون" (٥). • قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "وليس بعاقل من أمكنه درجة

стр. 501

وِراثة الأنبياء، ثم فَوَّتها! " (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ضعف الإرادة والطلب: من ضعف حياة القلب وكلما كان القلب أتم حياة كانت همته أعلى وإرادته ومحبته أقوى" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الهمة العلية لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء، تعرف لصفة من الصفات العليا تزداد بمعرفتها محبة وإرادة؛ وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكر أو طاعة؛ وتذكر لذنب تزداد بتذكره توبة وخشية" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "شغلوا قلوبهم بالدنيا! ولو شغلوها بالله والدّار الآخرة؛ لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحِكم وطرف الفوائد" (٤). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل، ولا الهمة العالية إلا في نفس نفيسة" (٥). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لابد للسالك من همَّة تسيِّره وترقِّيه، وعلم يبصِّره ويهديه، فلابد لكل طالب علم بجانب علمه من همة تسيره وترقيه في مدارج الطلب، بها يستعلي طالب العلم على سفاسف الأمور، ويتحلى بإرادة من حديد؛ إذ هو مقدم على أمر عظيم حاله، خطير شأنه، ألا وهو وراثة النبي ﷺ في التعليم والدعوة

стр. 502

والبلاغ. فلا يصلح لهذه المنزلة من سفلت همته؛ فحامت حول الدنايا، أو ضعفت إرادته؛ فانكسرت أمام الصعاب والبلايا … وصاحب الهمة العالية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان، والعلم الذي يقربه إلى الله ويدنيه من جواره، فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خدع وغرور" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الهمة إذا كانت عالية تعلقت به وحده دون غيره. وإذا كانت النية صحيحة سلك العبد الطريق الموصلة إليه. فالنية تفرد له الطريق والهمة تفرد له المطلوب" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكمال كل إنسان إنما يتم بهذين النوعين "همة ترقيه" و "علم يبصره، ويهديه"، فإن مراتب السعادة والفلاح إنما تفوت العبد من هاتين الجهتين، أو من إحداهما: إما أن لا يكون له علم بها، فلا يتحرك في طلبها، أو يكون عالما بها، ولا تنهض همته إليها فلا يزال في حضيض طبعه محبوسا، وقلبه عن كماله الذي خلق له مصدودا منكوسا" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقهَا بهَا،. فالقلوب آنِية الله فِي أرضه فأحبها إلَيه أرقها وأصلبها وأصفاها" (٤). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "بين العبد وبين السعادة والفلاح قوة عزيمة وصبر ساعة وشجاعة نفس وثبات قلب. والفضل

стр. 503

بيد الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فمن علت همته، وخشعت نفسه، اتصف بكلِّ خلق جميل، ومن دنت همته، وطغت نفسه، اتصف بكلِّ خلق رذيل" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "جميعُ المصالحِ إنما تنشأُ من الوقتِ، فإنْ أضاعَه ضاعَتْ عليه مصالِحُه كلُّها، ومتى أضاعَ الوقتَ لم يستدركْه" (٣). • قال محمد بن مفلح (ت: ٧٦٣ هـ) ﵀: "إنَّ مِنْ صِغَرِ الْهِمَّةِ، الْحَسَدُ لِلصِّدِّيقِ عَلَى النِّعْمَةِ" (٤). • قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "فمن كانت نفسه شريفة، وهِمَّته عالية لم يرض لها بالمعاصي؛ فإنها خيانةٌ، ولايرضى بالخيانة إلا من لا نفس له" (٥). • قال سعيد بن المسيّب (ت: ٩٤ هـ) ﵀: "ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد" (٦). • قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "فلا يلحقك العجز والكسل إذا رأيت أن الأمور لم تتمَّ لك بأول مرة، بل اصبر، وكرِّر مرَّة بعد أخرى، واصبر على ما يقال فيك من استهزاء

стр. 504

وسخرية؛ لأن أعداء الدين كثيرون. ولا يثني عزمك أن ترى نفسك وحيدًا في الميدان، فأنت الجماعة وإن كنت واحدًا ما دمت على الحق، ولهذا ثِقْ بأنك منصور؛ إمَّا في الدنيا، وإمَّا في الآخرة" (١). المطلب السادس والثلاثون: التوحيد عمارة للعالم. • قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "الشرك سبب لخراب العالم بدليل قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم: الآيات: ٩٠ - ٩١]. وإذا كان الشرك سببًا لخراب العالم، وجب أن يكون التوحيد سببًا لعمارة العالم، ضرورة كون الضدين مختلفين في الحكم، فإذا ثبت أن كلمة التوحيد سبب لعمارة العالم فأولى أن تكون سببًا لعمارة القلب الذي هو محل الوحدانية، ولعمارة اللسان الذي هو محل ذكر الوحدانية، وذلك يناسب عفو الله عن أهل التوحيد" (٢). المطلب السابع والثلاثون: التوحيد نجاة من شتات الأمر والحيرة. • قال تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلًا رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: الآية: ٢٩].

стр. 505

فلاآبية من أبلغ الأمثال التي تُبيّن أن المشرك قد تشتّت شمله، واحتارفي أمره. • قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "لما ذكر أنه ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل مجملا جاء بعد ذلك بمثل في أهم الأمور وأعظمها خطرا وهو التوحيد، فمثل تعالى الكافر والعابد للأوثان والشياطين لرجال عدة في أخلاقهم شكاسة ونقص وعدم مسامحة، فهم لذلك يعذبون ذلك العبد بأنهم يتضايقون في أوقاتهم ويضايقون العبد في كثرة العمل، فهو أبدا ناصب، فكذلك عابد الأوثان الذي يعتقد أن ضره ونفعه عندها هو معذب الفكر بها وبحراسة حاله منها، ومتى أرضى صنما منها بالذبح له في زعمه تفكر فيما يصنع مع الآخر، فهو أبدا تعب في ضلال، وكذلك هو المصانع للناس الممتحن بخدمة الملوك، ومثل تعالى المؤمن بالله وحده بعبد لرجل واحد يكلفه شغله فهو يعمله على تؤدته وقد ساس مولاه، فالمولى يغفر زلته ويشكره على إعادة عمله" (١). • قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ [الزمر: الآية: ٢٩]، هو من أدلة التوحيد؛ وبيانه أن التوحيد أصلح للموحد، كما أن المالك الواحد للعبد أصلح له من تعدد الملاك؛ لأن كثرة الأرباب والملاك تتنازع الواحد؛ فيهلك، أو يشقى ويتعب؛ بخلاف الرب الواحد؛ والمالك الواحد، إذ لا تنازع مع الوحدة وهذه المادة شبيهة بمادة ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش

стр. 506

عما يصفون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٢] " (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والمقصود أن الطريق إلى الله تعالي واحد، فإنه الحق المبين، والحق واحد، مرجعه إلى واحد، وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد وطرقه متعددة" (٢). • قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "وقد صح بالتجربة أن الراحة في حصبة [مطاوعة] الواحد، وأن التعب في اتباع العدد لاختصاص كل واحد بقصد في التابع يتشاكس عليه لذلك حال اتباعهم فكان أعظم دعوة إلى جمع الخلق دعوتهم إلى جمع توحيد الإلهية انتظاما بما دعوا إليه من الاجتماع في اسم الربوبية في قوله تعالى متقدما ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: الآية: ٢١] " (٣). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "فهذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك والموحِّد، فالمشرك لمّا كان يعبد آلهة شتى شُبِّهَ بعبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون، سيئة أخلاقهم، يتنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، فهو في عذاب. والموحِّد لمّا كان يعبد الله وحده لا شريك له، فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه واختلافهم، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟ والجواب: كلا،

стр. 507

لا يستويان أبدًا" (١). المطلب الثامن والثلاثون: التوحيد سبب للثبات والاستقامة. • قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: الآية: ٣٠]. • عن الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀-قال: "ما أيقن عبد بالجنة والنار حق يقينهما إلا خشع ووجل، وذل واستقام، واقتصد حتى يأتيه الموت" (٢). • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده لا شريك له، وبرئوا من الآلهة والأنداد، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى" (٣). • قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ هـ) ﵀: "فمن نور الله قلبه بالإيمان قويت معرفته، واستنارت بنور اليقين، فاستقام به قلبه، واطمأنت به نفسه، وسكنت ووثقت وأيقنت، وأتمنته على نفسها، فرضيت لها به وكيلا، وتركت

стр. 508

التدبير عليه، فإن وسوس له عدو بالرزق والمعايش، لم يضطرب قلبه ولم يتحير، لأنه قد عرف ربه معرفة أنه قريب، وأنه لا يغفل ولا ينسى، وأنه رءوف رحيم، وأنه رب غفور رحيم، وأنه عدل لا يجور، وأنه عزيز لا تمتنع منه الأشياء، وأنه يجير ولا يجار عليه، فكما خلقه محتاجا مضطرا، فإنه سيوصله إليه من حيث يريد الرب ﵎، لا من حيث يريد العبد، على الهيئة التي يريد الرب، لا على الهيئة التي يريد العبد، وبمقدار ما يريد الرب، لا بمقدار ما يريد العبد، وفي الوقت الذي يريد الرب، لا في الوقت الذي يريد العبد؛ فعامة أهل التوحيد قد أيقنوا بهذا، إيمانا به، وقبولا له، ولم يستقر ذلك الإيمان في قلوبهم، حتى إذا كان وقت، الحاجة اضطربت قلوبهم وتحيرت، واشتغلت عن خالق الأشياء، ومالك الملوك، وأهل اليقين الذين قد استنار الإيمان في قلوبهم، سكنت القلوب، واطمأنت النفوس إلى ضمان ربها، وقربه منهم، وقدرته عليهم. فهذا شأن الرزق والمعاش. وفوضوا أمورهم فيما سوى المعاش إليه، واتخذوه وكيلا، لأنهم لما عرفوا بأنه رءوف رحيم منهم بأنفسهم، وأحق وأولى بأنفسهم من العبيد بأنفسهم، لأنه خلقهم فصورهم، وركبهم وأحسن تقويمهم، وسوى تعديلهم، فلم يكن لهم بأنفسهم من العلم والتدبير ما دبر لهم، وعرفه ملكا قادرا قاهرا، يفعل ما يشاء، قد سبق علمه فيهم، بما يكون فيهم ولهم وعليهم، وجرى مع سابق العلم لهم بذلك قلمه في اللوح المحفوظ، ليكون أوكد في قلوب العباد، لأن سابق العلم غائب عن القلوب لا يدري كنفسه، واللوح قد خط بالقلم فيه أمر محدود، وشخص مخلوق، ويدرك بالقلوب معاينة، فما عاين القلب وأدركه أثبت عندهم مما لا تعاينه القلوب، ولا يمكن توهمه، فخلق اللوح وأثبت مقاديرهم فيه، لا لحاجة به إلى ذلك، وليكون أثبت على القلوب، لتسكن النفوس

стр. 509

وتستقر على ما جرى القلم به، فإذا سكنت النفوس، تفرغت القلوب لعبادته، وحفظ حدوده، وإقامة أموره، وسقطت أشغال النفوس عن القلوب فيما يراد بها، وما يكون وما يحدث، لأنها قد أيست عن أن يكون غير ما جرى به القلم، وعند الإياس تسكن النفوس، وإنما دعانا إلى أن بعبده، ونقيم حدوده، ونقيم فرائضه، ونتجنب مساخطه، ولنا قلب واحد، فأثبت في اللوح أرزاقنا وسعينا، وآثارنا وأحداثنا، ومدة آجالنا، وعامة أمورنا، لتطمئن النفوس، وتخلص القلوب من وساوسها، فتبده بفراغ، وكل ذلك منه رحمة علينا، وبين ذلك في تنزيله، فقال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾ [الحديد: الآية: ٢٢]، أي من قبل أن نخلق تلك المصيبة، ثم بين لم فعل ذلك، فقال: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ [الحديد: الآية: ٢٣]. فإن التأسي على الشيء الذي لم يقدر لك في اللوح هو استبداد وطلب ما ليس لك، والفرح بما آتاك يلهيك ويشغلك عن المعطي، حتى تأشر وتبطر بما تعطى، فتهلك، وإنما المبتغى منك في ذلك أن تلهو عن الغائب، وتفرح في الوجود الذي أتاك بالأهل الذي أتاك، ثم بفضله ورحمته عليك، وإلى هذا ندبك فقال: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون﴾ [يونس: الآية: ٥٨]. وقال تعالى في شأن الرزق: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين﴾ [هود: الآية: ٦]. ثم قال تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: الآية: ٥٩]. أي من يأكل تلك الحبة ومن يرزقها" (١).

стр. 510

• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وذهب أبو بكر الصديق ﵁ وجماعة معه إلى أن المعنى ﴿ثم استقاموا﴾ على قولهم: ﴿ربنا الله﴾، فلم يختل توحيدهم ولا اضطرب إيمانهم" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الكامل: هُوَ من كَانَ لله أطوع وعَلى مَا يُصِيبهُ أَصْبِر. فَكلما كَانَ أتبع لما يَأْمر الله بِهِ وَرَسُوله وَأعظم مُوَافقَة لله فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه وصبرا على مَا قدره وقضاه كَانَ أكمل وَأفضل. وكل من نقص عَنْ هذَيْن كَانَ فِيهِ من النَّقْص بِحَسب ذَلِك" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "استقامة القلب بشئيين: أحدهما: أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحاب … الأمر الثاني: تعظيم الأمر والنهي، وهو ناشئ عن تعظيم الآمر الناهي، فإن الله تعالى ذم من لا يعظمه ولا يعظم أمره ونهيه، قال الله : ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ [نوح: الآية: ١٣]، قالوا في تفسيرها: ما لكم لا ترجون لله تعالى عظمة". ثم قال: " .. فعلامة التعظيم للأوامر: رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على تحسينها وفعلها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها .. ". ثم ذكر عددا من علامات تعظيم المناهي، وهي على وجه الاختصار:

стр. 511

١ - الحرص على التباعد عن مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب إليها. ٢ - أن يغضب لله إذا انتهكت محارمه، وأن يجد في قلبه حزنا وكسرة إذا عصي الله تعالى في أرضه، ولم يطع بإقامة حدوده وأوامره، ولم يستطع هو أن يغير ذلك. ٣ - أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون فيه جافيا غير مستقيم على المنهج الوسط. ٤ - أن لا يحمل الأمر على علة تضعف الانقياد والتسليم لأمر الله ، بل يسلم لأمر الله تعالى وحكمه، متمثلا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه أو لم تظهر .. " (١). • قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "بمعنى الثبات على التوحيد والشهادة" (٢). • قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "الاِستِقامَةُ والثَّبات لا قُدرَةَ للعبدِ عليهِ بنَفسِه، ولِذلِك يحتاجُ أن يسألَ ربَّهُ الثّبات، كَمْ مِنْ عامِلٍ يَعملُ الخَيْر، إذا بقِيَ بيْنهُ وبيْنَ الجنَّة ذِراع، وشارَفَ مَركَبهُ ساحِلَ النَّجاة، ضرَبهُ مَوجُ الهَوَى فغَرِق" (٣). • قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀-عند تفسير قوله

стр. 512

تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: الآية: ٣٠]، " ﴿قالوا﴾ أي قولا حقيقيًا مذعنين به بالجنان وناطقين باللسان تصديقا لداعي الله في دار الدنيا متذللين حيث ينفع الذل جامعين بين الأس الذي هو المعرفة والاعتقاد، والبناء الذي هو العمل الصالح بالقول والفعل على السداد، فإن أصل الكمالات النفسانية يقين مصلح وعمل صالح، تعرف الحق لذاته والخير لتعمل له، ورأس المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله، ورأس الأعمال الصالحة الاستقامة على حد الاعتدال من غير ميل إلى طرف إفراط أو تفريط: ﴿ربنا﴾ أي المحسن إلينا ﴿الله﴾ المختص بالجلال والإكرام وحده لا شريك له. ولما كان الثبات على التوحيد ومصححاته إلى الممات أمرا في علو رتبته لا يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام، أشار إليه بأداة التراخي فقال: ﴿ثم استقاموا﴾ طلبوا وأوجدوا القوام بالإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب ولم يشركوا به صنما ولا ثنا ولا آدميا ولا ملكا ولا كوكبا ولا غير بعبادة ولا رياء، وعملوا بما يرضيه وتجنبوا كل ما يسخطه وإن طال الزمان، امتثالا لما أمر به أول السورة في قوله ﴿إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه﴾ [فصلت: الآية: ٦]، فمن كان له أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود، ومن كان له كمال الاستقامة في الأصول والفروع أمن الوعيد. ﴿تتنزل﴾ على سبيل التدريج المتصل ﴿عليهم﴾ من حين نفخ الروح فيهم إلى أن يموتوا ثم إلى أن يدخلوا الجنة باطنا فظاهرا ﴿الملائكة﴾ بالتأييد في جميع ما ينوبهم فتستعلي الأحوال الملكية على صفاتهم البشرية وشهواتهم الحيوانية فتضمحل عندها، وتشرق مرائيهم،

стр. 513

ثم شرح ما يؤيدونهم به وفسره فقال: ﴿ألا تخافوا﴾ أي من شي مثله يخيف، وكأنهم يثبتون ذلك في قلوبهم ﴿ولا تحزنوا﴾ أي على شيء فاتكم، فإن ما حصل لكم أفضل منه، فأوقاتكم الأخراوية فيها بل هي كلها روح وراحة، فلا يفوتهم لذلك محبوب ولا يلحقهم مكروه ﴿وابشروا﴾ أي املأوا صدوركم سرورا يظهر أثره على بشرتكم بتهلل الوجه ونعمة سائر الجسد ﴿بالجنة التي كنتم﴾ أي كونا عظيما على ألسنة الرسل ﴿توعدون﴾ أي يتجدد لكم ذلك كل حين بالكتب والرسل" (١). المطلب التاسع والثلاثون: التوحيد تكفل الله لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف. • قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: الآية: ٥٥]. • قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿يعبدونني﴾ يعنى يوحدونني ﴿لا يشركون بي شيئا﴾ من الآلهة" (٢). • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿يعبدونني﴾ يقول: يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لأمري ونهيي ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ يقول: لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام

стр. 514

ولا شيئا غيرها، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إليَّ دون كل ما عبد من شيء غيري" (١). • قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وروي أن سبب هذه الآية أن أحد أصحاب النبي ﷺ شكا جهد مكافحة العدو وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم وأنهم لا يضعون أسلحتهم فنزلت هذه الآية عامة لأمة محمد ﵇" (٢). • قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: " ﴿ويعبدونني لا يشركون بي شيئا﴾ فيه أربعة أوجه: أحدهما: لا يعبدون إلها غيري، حكاه النقاش. الثاني: لا يراءون بعبادتي أحدا. الثالث: لا يخافون غيري، قاله ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄. الرابع: لا يحبون غيري، قاله مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀" (٣). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومن فضائل التوحيد: أن الله تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال" (٤). • قال. ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه، قال تعالى: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ [الحج: الآية: ٣٨] فإذا ضعف الدفع عنه فهو من نقص إيمانه، والله سبحانه إنما ضمن

стр. 515

نصر دينه وحزبه وأوليائه بدينه علما وعملا، لم يضمن نصر الباطل، ولو اعتقد صاحبه أنه محق" (١). المطلب الأربعون: التوحيد يحرر العبد من رق المخلوقين. • قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: الآية: ٢٦]. • قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، قوله: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض﴾ [الأنفال: الآية: ٢٦]، قال: "كان هذا الحي من العرب أذلَّ الناس ذلًا وأشقاهُ عيشًا، وأجوعَه بطونًا، وأعراه جلودًا، وأبينَه ضلالا مكعومين (٢).، على رأس حجر، بين الأسدين فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات منهم رُدِّي في الناس، يوكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلًا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشرَّ منهم منزلًا حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسَّع به في الرزق، وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس. فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعمٌ يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله ﵎" (٣).

стр. 516

• قال محمد بن إدريس بن القاسم-﵀: "مثل الرزق الذي تطلبه … مثل الظل الذي يمشي معك. أنت لا تدركه متبعًا .... فإذا وليت عنه اتبعك" (١). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومن أعظم فضائله: أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم، وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي. ويكون مع ذلك متألها متعبدا لله، لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه، ولا ينيب إلا إليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه" (٢). • قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "فكل إنسان يفر من عبادة الله فإنه سيبقى في رق الشيطان" (٣). • قال عبد الله الغنيمان: "والتوحيد الخالص هو الذي يرفع نفوس معتقديه ويخلصها من رق الاغيار ويفك إرادتهم من أسر الرؤساء الروحانيين كما يسمون، وشيوخ الطرق الباطلة والدجل، والضلال والتعلقات بالأحياء والأموات، ويخلصها كذلك من إله المادة والتعلق بالطواغيت الماديين وكل مخلوق، فيطلق عزائمهم من قيود العبودية لغير الله والتعلقات بالأحياء والأموات، فيكون المؤمن مع الناس حرا عزيزا كريما، ومع الله عبدا خاضعا ذليلا خائفا، فهذا الذي يجب على العبد أن يعتني به أشد الاعتناء، ويحذر أشد الحذر أن ينحرف عنه؛ لأن الانحراف عنه هو الهلاك المحتم والخسران الأكبر والخلود

стр. 517

في جهنم" (١). المسلم المؤمن بربه يتحرر من عبودية كل شيء سوى الله -تعالى-، فهو لا يرى لأحد عليه نعمة ولا فضل إلا للذي خلقه، فيرتبط قلبه بربه بعرى وثيقة، فلا يسجد ولا يخضع إلا للذي خلقه، ويتوكل على الله -تعالى- في كل شؤونه، فلا يطلب الرزق إلا من الله -تعالى-، ولا يخشى أحداً إلا الله -تعالى. المطلب الواحد والأربعون: كلمة التوحيد تثمر لقائلها عملًا صالحًا كل وقت • قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ [إبراهيم: الآيات: ٢٤ - ٢٦]. • قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "الكلمة الطيبة لاإله إلا الله، والكلمة الخبيثة الشرك" (٢). • قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة﴾ هي: لا إله إلا الله" (٣). • قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "والحكمة

стр. 518

في تمثيل الإيمان بالشجرة؛ هي: أنّ الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء: عرقٌ راسخٌ، وأصلٌ قائمٌ، وفرعٌ عالٍ، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: تصديقٌ بالقلب، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالأبدان" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَكُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْعَبْدُ وَلَا يَكُونُ طَاعَةً لِلَّهِ وَعِبَادَةً وَعَمَلًا صَالِحًا فَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ وَإِنْ نَالَ بِذَلِكَ الْعَمَلِ رِئَاسَةً وَمَالًا فَغَايَةُ الْمُتَرَئِّسِ أَنْ يَكُونَ كَفِرْعَوْنَ وَغَايَةُ الْمُتَمَوِّلِ أَنْ يَكُونَ كقارون" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والمقصود أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا وإثباتا متصفا بموجبها قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته، فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد، أصلها ثابت راسخ في قلبه، وفروعها متصلة بالسماء، وهي مخرجة لثمرتها كل وقت" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "شبه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة. لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع. وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة: هي شهادة أن لا إله إلا الله. فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة والباطنة. فكل عمل صالح مرض لله فهو ثمرة هذه الكلمة. وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ قال: ﴿كلمة طيبة﴾: شهادة أن لا إله إلا الله ﴿كشجرة طيبة﴾: وهو

стр. 519

المؤمن. أصلها ثابت قول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن وفرعها في السماء يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء. قال الربيع بن أنس (ت: ١٣٩ هـ) ﵀: ﴿كلمة طيبة﴾: هذا مثل الإيمان. فإن الإيمان الشجرة الطيبة، وأصلها الثابت الذي لا يزول: الإخلاص فيه. وفرعها في السماء: خشية الله. والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن. فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في السماء علوا، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين. وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء. ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها، ومراعاتها حق رعايتها. فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها، واتصف قلبه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها. فعرف حقيقة إلهيته التي يثبتها قلبه لله، ويشهد بها لسانه، وتصدقها جوارحه، ونفي تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله وواطأ قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالكة سبل ربه ذللا غير ناكبة عنها ولا باغية سواها بدلا. كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلا. فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت. فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى. وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلما كثيرا طيبا، يقارنه عمل صالح، فيرفع

стр. 520

العمل الصالح الكلم الطيب، كما قال تعالى: ٣٥: ١٠ ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: الآية: ١٠]، فأخبر سبحانه، أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملا صالحا كل وقت. والمقصود: أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا وإثباتا، ومتصفا بموجبها، قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته. فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد أصلها ثابت راسخ في قلبه. وفروعها متصلة بالسماء. وهي مخرجة ثمرتها كل وقت … والشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها. فإذا قطع عنها السقي أوشك أن تيبس. فهكذا شجرة الإسلام في القلب، إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعود بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، وإلا أوشك أن تيبس. ومن ها هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات، ومن عظيم رحمته، وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده: أن وظفها عليها وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب، فروعها الأعمال، وثمرها طيب الحياة في الدنيا والنعيم

стр. 521

المقيم في الآخرة. وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعةٍ ولا ممنوعةٍ فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "شجرة الإسلام في القلب، إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعود بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، وإلا أوشك أن تيبس" (٢). المطلب الثاني والأربعون: التوحيد يصحح عمل القلب. • عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄-قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الْخَلِقُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ» (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالقلب الصحيح: هو الذى همه كله فى الله، وحبه كله له، وقصده له، وبدنه له وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه، والخلوة به آثر عنده من الخلطة إلا حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له .. قرة عينه به، وطمأنينته وسكونه إليه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتا إلى غيره تلا عليها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِى إلى رَبِّكِ رَاضِيَة مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: الآيات: ٢٧ - ٢٨] " (٤).

стр. 522

• قال علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال (ت: ٤٤٩ هـ) ﵀: "فينبغي للمؤمن أن لا يزهد في قليلٍ من الخير يأتيه، ولا يستقل قليلاً من الشرِّ يجتنبُه فيحسبه هيناً؛ وهو عند الله عظيمٌ، فإنّ المؤمن لا يعلم الحسنةَ التي يرحمه الله بها، ولا يعلم السيئة التي يسخط الله عليه بها" (١). المطلب الثالث والأربعون: التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان. • قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: الآية: ٧]. • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀-في تفسيره لهذه الآية: "هؤلاء الذين حبَّب الله إليهم الإيمان، وزيَّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون السالكون طريق الحق" (٢). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ومن فضائل التوحيد: أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات ويسليه عن المصيبات، فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي، لما يخشى من سخطه وعقابه، فالتوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر

стр. 523

والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين" (١). • قال ابن أبي زيد القيرواني (المتوفى: ٣٨٥ هـ) ﵀: "تفضل الله على من أطاعه فوفقه، وحبب الإيمان إليه فيسره له، وشرح له صدره فهداه، و ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الكهف: الآية: ١٧]. وخذل من عصاه وكفر به فأسلمه ويسره لذلك فحجبه وأضله، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: الآية: ١٧] " (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن يعطي العلم المفصل فيزيد الإيمان كما قال جندب بن عبد الله (ت: ٧٠ هـ تقريبًا) ﵁، وغيره من الصحابة: "تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا" (٤). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكمال العبد بحسب هاتين القوتين العلم والحب، وأفضل العلم العلم بالله، وأعلى الحب الحب له، وأكمل اللذة بحسبهما والله المستعان" (٥). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "علامة موت القلب أنه لا تؤلمه جراحات القبائح" (٦). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "القلب المعلق بالشهوات

стр. 524

لا يصح له زهد ولا ورع" (١). المطلب الرابع والأربعون: التوحيد يحيط الله صاحبه بما يؤدبه ويهذبه. • قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ٤٢]. • قال تعالى: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾ [المؤمنون: الآية: ٧٦] • قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "تّأمّلتُ وقوعَ الشّدائد بالمُؤمنِ، ووجه الحكمة في ذلك؛ فوجدتُ المُرادَ إقَامَةَ القَلْبِ على بابِ الرّبِّ " (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "من الخير الذي يحصل بالمصيبة: دعاء الله والتضرع إليه؛ كما قال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون﴾ [الأنعام: الآية: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾ [المؤمنون: الآية: ٧٦]، ودعاء الله والتضرع إليه من أعظم النعم" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كل من حدثته نفسُه بذنبٍ فكرهه ونفاه عن نفسه وتركه لله، ازداد صلاحاً وبِّراً وتقوى" (٤). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا يستقيم لأحد قط الأدب

стр. 525

مع الله إلا بثلاثة أشياء: معرفته بأسمائه وصفاته؛ ومعرفته بدينه وشرعه، وما يحب وما يكره؛ ونفس مستعدة قابلة لينة، متهيئة لقبول الحق علمًا وعملًا وحالًا" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "يؤدب الله عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده بأدنى زلة أو هفوة، فلا يزال مستيقظا حذرا، وأما من سقط من عينه وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة، والمغرور يظن أن ذلك من كرامته عليه ولا يعلم أن ذلك عين الإهانة، وأنه يريد به العذاب الشديد، والعقوبة التي لا عاقبة معها " (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إذا ابتلى الله عبده بشيء من أَنواع البلايا والمحن؛ فإن ردّه ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به. وإِن لم يردّه ذلك البلاء إليه بل شرد قلبه عنه وأنساه ذكر ربه والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀"أنواع الأدب مع الله: أحدها: صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة. الثاني: صيانة قلبه أن يلتفت إلى غيره. الثالث: صيانة إرادته أن تتعلق بما يمقتك عليه" (٤). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لولا محن الدنيا ومصائبها

стр. 526

لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلا وآجلاً" (١). • قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الشوق إلى الله ولقائه نسيمٌ يهب على القلب؛ يروح عنه وهج الدنيا" (٢). المطلب الخامس والأربعون: التوحيد يفتح أبواب الخير. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿لا إله إلا أنت﴾ [الأنبياء: الآية: ٨٧] تحقيق لتوحيد الإلهية، فإن الخير لا موجب له إلا مشيئة الله، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والمعوق له من العبد هو ذنوبه، وما كان خارجا عن قدرة العبد فهو من الله، وإن كانت أفعال العباد بقدر الله تعالى، لكن الله جعل فعل المأمور وترك المحظور سببا للنجاة، والسعادة، فشهادة التوحيد تفتح باب الخير، والاستغفار من الذنوب يغلق باب الشر. ولهذا ينبغي للعبد أن لا يعلق رجاءه إلا بالله ولا يخاف من الله أن يظلمه؛ فإن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون؛ بل يخاف أن يجزيه بذنوبه، وهذا معنى ما روي عن علي-﵁-أنه قال: لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه. وفي الحديث المرفوع: إلى النبي- ﷺ «أنه دخل على مريض فقال: كيف تجدك؟ فقال أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال: ما اجتمعا في قلب

стр. 527

عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف». فالرجاء ينبغي أن يتعلق بالله، ولا يتعلق بمخلوق ولا بقوة العبد ولا عمله، فإن تعليق الرجاء بغير الله إشراك، وإن كان الله قد جعل لها أسبابا فالسبب لا يستقل بنفسه، بل لا بد له من معاون، ولا بد أن يمنع المعارض المعوق له وهو لا يحصل ويبقى إلا بمشيئة الله تعالى" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "المسلم الصادق إذا عبد الله بما شرع فتح الله عليه أنوار الهداية في مدة قريبة" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-عند تعليقه على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ "وهل تركت الشريعة خيرا ومصلحة إلا جاءت به وأمرت به وندبت إليه وهل تركت شرا ومفسدة إلا نهت عنه" (٣). • قال محمد بن عبد الرؤف المناوي (ت: ١٠٣١ هـ) ﵀: "أشرف العِبادات ولب الطّاعات: أن يتوجه القلب بهمومه كُلّها إلى مولاه، فإذا نزل به ضيق انتظر فرجه منه؛ لا من سواه" (٤). المطلب السادس والأربعون: أهل التوحيد هم المستحقون لرحمة الله. قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ

стр. 528

يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: الآية: ١٥٦]. عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾، يعني الشرك" (١). وقال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿فسأكتبها﴾ يعني: فسأجعلها ﴿للذين يتقون﴾ الشرك ﴿ويؤتون الزكاة﴾ التوحيد" (٢). قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀"فإن الله إنما يرحم أهل توحيده المؤمنين به وإنما كتب رحمته: للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون والذين يتبعون رسوله فهؤلاء هم أهل الرحمة، كما أنهم هم المحسنون، وكما أحسنوا جوزوا بالإحسان. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ يعني هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه؟ قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد ﷺ إلا الجنة؟ " (٣). قال ابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀: "فأهل التوحيد يرجى لهم ولا يرجى للآخرين أبدًا" (٤). المطلب السابع والأربعون: التوحيد صفاء للعيش وطيب للحياة. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس في الكائنات ما يسكن

стр. 529

العبد إليه ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه؛ الا الله سبحانه؛ ومن عبد غير الله وإن أحبه وحصل له به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة أكل الطعام المسموم" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ينبغي للإنسان أن تكون له ساعات يناجي فيها ربه، ويخلو فيها بنفسه ويحاسبها، ويكون فعله ذلك أفضل من اجتماعه بالناس ونفعهم، ولهذا كانت خلوة الإنسان في الليل بربه أفضل من اجتماعه بالناس" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀-نقلاً عن بعض الصالحين: "من عرف الله تعالى صفا له العيش، فطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله " (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك" (٤). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الإخلاص: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن. والرياء: أن يكون ظاهره خيرا من باطنه. والصدق في الإخلاص: أن يكون باطنه أعمر من ظاهره" (٥). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الذكر: هو قوت قلوب القوم، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق، ودواء أسقامهم، يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات،

стр. 530

وتهون عليهم به المصيبات، إذا أظلهم البلاء فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم" (١). • قال الإمام ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "فمن أنس باللَّه في الدنيا، واشتاق إِلَى لقائه، فقد فاز بأعظم لذّة يمكن لبشر الوصول إليها في هذه الدار" (٢). المطلب الثامن والأربعون: صاحب التوحيد له من العزة بحسب ما معه من التوحيد. • قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: الآية: ٨]. • قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: الآية: ١٣٩]. • قال الله تعالى: ﴿من كان يُرِيدُ العزَّة فللَّه العزَّة جميعاً﴾ [فاطر: الآية: ١٠]. • قال الإمام قتادة (ت ١١٧ هـ) ﵀: "من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله". أخرجه الطبري واختاره" (٣). • كان داود الطائي (ت: ١٦٥ هـ) ﵀-يقول: "ما أخرج الله عبداً من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس" (٤). • قال سفيان بن عيينة (ت: ١٩٨ هـ) ﵀: "ليس في الأرض
следующие страницы →