← Акыда

Акыда · id 30015

محاسن التوحيد وارتباطها بأركان الإيمان

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (742 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المبحث السادس: محاسن التوحيد من جهة ما يضاده. المطلب الأول: التوحيد سد لباب الغلو في الصالحين. • قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى الله إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: الآية: ١٧١]. • قال رسول الله- ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (١). المطلب الثاني: التوحيد ضد الشرك وهو أعظم ما نهي الله عنه. • قال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: الآية: ١٣]. • سُئِل النبي- ﷺ : أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ فقال- ﷺ : «أن

стр. 562

تجعل لله ندًّا، وهو خلقك» (١). • عن ابن مسعود، قال: قال رجل، يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: «من أحسن فى الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل فى الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» (٢). • قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "قال المهلب: وأما حديث ابن مسعود فمعناه: من أحسن في الإسلام بالتمادى عليه ومحافظته، والقيام بشروطه؛ لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، وأجمعت الأمة أن الإسلام يجب ما قبله. وأما قوله: «من أساء في الإسلام» فمعناه: من أساء في عقد الإسلام والتوحيد، بالكفر بالله، فهذا يؤخذ بكل كفر سلف له في الجاهلية والإسلام، فعرضت هذا القول على بعض العلماء فأجازوه، وقالوا: لا معنى لحديث ابن مسعود غير هذا، ولا تكون هذه الإساءة إلا الكفر؛ لأجماع الأمة أن المؤمنين لا يؤاخذون بما عملوا في الجاهلية" (٣). • قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "لا إثم أعظم من إثم الإشراك بالله، ولا عقوبة أعظم من عقوبته في الدنيا والآخرة؛ لأن الخلود الأبدي في النار لا يكون في ذنب غير الشرك بالله تعالى ولا يحبط الإيمان غيره؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨] " (٤).

стр. 563

• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀-في التوحيد: "من خالف أصله كان كافرا، وعلى المسلمين مفارقته والتبرء منه؛ وذلك لأن أدلة التوحيد كثيرة ظاهرة متواترة، قد طبقت العالم وعم وجودها في كل مصنوع، فلم يعذر أحد بالذهاب عنها" (١). • قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: " ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ [يوسف: الآية: ١٠٦] يعني الكفار كانوا يؤمنون بالله أنه الخالق، ومع ذلك يشركون الأصنام في العبادة والإيمان وهو التصديق بالله- -لا ينافي الشرك، إنما الذي ينافي الشرك هو التوحيد وهم كانوا يؤمنون بالله- -وجودا وخلقا وغير ذلك، ولكن لا يوحدونه عبادة" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأعظم السيئات: جحود الخالق. والشرك به وطلب النفس أن تكون شريكة وندا له أو أن تكون إلها من دونه. وكلا هذين وقع فإن فرعون طلب أن يكون إلها معبودا دون الله تعالى. وقال ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: الآية: ٣٨]، وقال ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات: الآية: ٢٤]، وقال لموسى ﴿لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ [الشعراء: الآية: ٢٩]، و ﴿فاستخف قومه فأطاعوه﴾ [الزخرف: الآية: ٥٤]. وإبليس يطلب: أن يعبد ويطاع من دون الله. فيريد: أن يعبد ويطاع هو ولا يعبد الله ولا يطاع. وهذا الذي في فرعون وإبليس هو غاية الظلم والجهل. وفي نفوس سائر الإنس والجن: شعبة من هذا وهذا" (٣).

стр. 564

• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأعظم الذنوب عند الله الشرك به وهو سبحانه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والشرك منه جليل ودقيق وخفي وجلي كما في الحديث الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر (ت: ١٣ هـ) ﵁-يا رسول الله إذا كان أخفى من دبيب النمل فكيف نصنع به؟ أو كما قال فقال: «ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من قليله وكثيرة قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم» " (١). المطلب الثالث: التوحيد يمنع مضاهاة الله بالألفاظ. • عن أبي هريرة يحدث عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي مولاي. ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي» (٢). • قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "إنما منع ﷺ أن يقال: أطعم ربك، اسق ربك، لأن الإنسان مربوب متعبد، بإخلاص التوحيد لله ، وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة بالاسم، لئلا يدخل/ في معنى الشرك، والحر والعبد في هذا بمنزلة واحدة، فأما مالا تعبد عليه من سائر الحيوان والجماد، فلا بأس بإطلاق هذا الاسم عليه عند الإضافة، كقولك: رب الدابة، ورب الدار، والثوب، ونحوها، ولم يمنع العبد أن يقول: سيدي، ومولاي، لأن مرجع السيادة إلى معنى الرئاسة على من

стр. 565

تحت يده، والسياسة له، وحسن التدبير لأمره، ولذلك سمي الزوج سيدا. قال الله ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾. وقال النبي، ﷺ ، في الحسن بن علي: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين) وكان ما جرى منه- رضوان الله عليه- في ذلك المقام حسن تدبير ونظر سياسة، وإن كان أحق بالأمر، وأولى به. وقد قال بعض أهل اللغة: إنما سمي السيد سيدا لأنه يملك السواد الأعظم، أو يليهم، أو كما قال من هذا النحو. وأما المولى فكثير التصرف في الوجوه المختلفة من ولي، وناصر، وابن عم، وحليف، ومعتق، وجماع ذلك كله في معنى الاشتقاق: ولاية أمر وإصلاحه، فلم يمنع أن يوصف بها الإنسان، ويضاف إليها، ولكن لا يقال السيد على الإطلاق، ولا المولى من غير إضافة إلا في صفة الله ، وكذلك العبد يكره لمالك الرقبة أن يقول: عبدي، لأن هذا الاسم من باب المضاف ومقتضاه العبودية له، وصاحبه الذي هو مالكه عبد الله، متعبد بأمره ونهيه، فإدخال مملوكه تحت هذا الاسم يوهم الشرك، ويوجب معنى المضاهاة، فلذلك استحب له أن يقول: فتاي، وفتاتي، ونحو ذلك من القول، والمعنى في ذلك كله راجع إلى البراءة من الكبر، والتزام الذل والخشوع، وهو الذي يليق بسمة العبيدوبصفات المربوبين، لا يحسن بعبد أن يقول: فلان عبدي، وإن كان قد ملك قيادة في الاستخدام له، والاستخذاء لطاعته، امتحانا، وابتلاء من الله لخلقه. وقال تعالى: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتبصرون﴾. وقد روى أبو عبد الله/ على أثر هذا الحديث حديثا حسنا ذكرته، ليكون من قارئ هذا الكتاب على بال" (١).

стр. 566

المطلب الرابع: التوحيد يحسم مواد الشرك. • قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقد كان النبي، ﷺ ، يحقق هذا التوحيد لأمته ويحسم عنهم مواد الشرك إذ هذا تحقيق قولنا لا إله إلا الله فإن الإله هو الذي تألهه القلوب لكمال المحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والرجاء والخوف" (١). • قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "عليك بالعناية بهذه الآية فقد سدت أبواب الشرك في الربوبية والألوهية. قال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ - وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]. أما قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: الآية: ٢٢]. فهذا سد لباب الشرك في ربوبيته: بأن يجعل لغيره معه تدبيرًا ما فبين سبحانه أنهم: لا يملكون ذرة استقلالا، ولا يشركونه في شيء من ذلك. ولا يعينونه على ملكه. ومن لم يكن مالكًا ولا شريكًا ولا عونًا، فقد انقطعت علاقته وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: الآية: ٢٣].

стр. 567

فهدا سد لباب الشرك في الألوهية: بأن يدعى غيره دعاء عبادة، أو دعاء مسألة. إذ قد جعل الخير كله في أنا لا نعبد إلا إياه، ولا نسعتين إلا إياه. وعامة آيات القرآن تثبت هذا الأصل حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون إذنه، كقوله سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥] وكقوله سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: الآية: ٥١] وقوله تعالى: " ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: الآية: ٧٠] وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ [الأنعام: الآية: ٧١]. وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ٩٤] وسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان. وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: الآية: ٤] وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: الآية: ٣] وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ - قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: الآيات: ٤٣ - ٤٤]. وسورة الزمر أصل عظيم في هذا. ومن هذا قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ

стр. 568

عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ - يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ - يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: الآيات: ١١ - ١٣]. وكذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: الآية: ٤١]. والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول. وهذا الذي ذكرناه كله من تحريم هذا الدعاء" (١). المطلب الخامس: التوحيد قرين السنة كما أن البدعة قرينة الشرك. قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "البدعة قرينة الشرك فى كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: الآية: ٣٣]، فالإثم والبغى قرينان، والشرك والبدعة قرينان" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "تفاوت درجات الشهوة في الكبر والصغر بحسب تفاوت درجات المشتهى، فشهوة الكفر والشرك كفر، وشهوة البدعة فسق، وشهوة الكبائر معصية" (٣).

стр. 569

المطلب السادس: التوحيد نور والشرك ظلمات. • قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٧]. فالتوحيد نور يوفق الله له من يشاء من عباده وقد بيّن الله أنه أنزل على محمد ﷺ الآيات الواضحات والدلائل الباهرات، وأعظمها القرآن الكريم؛ ليخرج الناس بإرسال الرسول ﷺ وبما أنزل عليه من الكتاب والحكمة: من ظلمات الضلالة والشرك، والجهل، إلى نور الإيمان والتوحيد، والعلم والهدى. • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀-في تفسيرها: "يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾، نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه ﴿يخرجهم من الظلمات﴾ يعني بذلك: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. وإنما عنى ب ﴿الظلمات﴾ في هذا الموضع، الكفر. وإنما جعل ﴿الظلمات﴾ للكفر مثلا لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، وكذلك الكفر حاجب أبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحته وصحة أسبابه. فأخبر تعالى ذكره عباده أنه ولي المؤمنين، ومبصرهم حقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه، وهاديهم، فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك، بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتر عن أبصار القلوب.

стр. 570

ثم أخبر تعالى ذكره عن أهل الكفر به، فقال: ﴿والذين كفروا﴾، يعني الجاحدين وحدانيته ﴿أولياؤهم﴾، يعني نصراؤهم وظهراؤهم الذين يتولونهم ﴿الطاغوت﴾، يعني الأنداد والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله ﴿يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾، يعني ب ﴿النور﴾ الإيمان، على نحو ما بينا ﴿إلى الظلمات﴾، ويعني ب ﴿الظلمات﴾ ظلمات الكفر وشكوكه، الحائلة دون أبصار القلوب ورؤية ضياء الإيمان وحقائق أدلته وسبله" (١). • قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ هـ) ﵀: "ثم خص المؤمنين بنور العقل، فجعل مسكنه في الدماغ، وجعل له بابا من دماغه إلى صدره، ليشرق شعاعه بين عيني الفؤاد، ليدبر الفؤاد بذلك النور الأمور، فيميز بين الأمور ما حسن منها وما قبح، ووضع نور التوحيد في باطن هذه البضعة، وهي القلب، وفيه نور الحياة فحيي القلب بالله ﵎، وفتح عيني الفؤاد، فأشرق نور التوحيد إلى الصدر من باب القلب، فأبصر عينا الفؤاد بنور الحياة التي فيهما نور التوحيد، فوحد الله ، وعرفه" (٢). • قال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ [النور: الآية: ٣٥]. • قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "الله سبحانه هادي أهل السماء وأهل الأرض، فمثل هداه في قلب المؤمن كمثل الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل فيه الهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد

стр. 571

هدى على هدى ونورا على نور" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "جاءت النصوص الإلهية في أنه بالإيمان يخرج الناس من الظلمات إلى النور" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومن عقوبات المعاصي أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب، فيجد المذنب نفسه مستوحشا، قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق، وبينه وبين نفسه. وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "تعوق القلب عن سيره إلى الله وتقطع عليه طريقه ثلاثة أمور: شرك، وبدعة، ومعصية؛ فيزول عائق الشرك بتجريد التوحيد. وعائق البدعة بتحقيق السنة. وعائق المعصية بتصحيح التوبة" (٤). • قال إسماعيل حقي (ت ١١٢٧ هـ) ﵀: "واعلم أن التوحيد أفضل الفضائل كما أن الشرك أكبر الكبائر، وللتوحيد نور كما أن للشرك نارًا وأن نور التوحيد أحرق لسيئات الموحدين كما أن نار الشرك أحرق لحسنات المشركين، ولكون التوحيد أفضل العبادات وذكر الله أقرب القربات لم يقيد بالزمان والأوقات بخلاف سائر الأعمال من الصيام والصلوات فالخلاص من الضلالة إنما هو بالهداية إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله الحميد" (٥).

стр. 572

المطلب السابع: التوحيد يمنع التسوية بين الله وبين غيره. • قال تعالى: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء: الآيات ٩٧ - ٩٨]. • قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀-في تفسيرها: "أي نجعل أمركم مطاعا كما يطاع أمر رب العالمين وعبدناكم مع رب العالمين" (١). • قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: الآية: ١]. • قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "أي: ثم الذين كفروا بعد هذا البيان بربهم يعدلون، أي: يشركون، وأصله من مساواة الشيء بالشيء، ومنه العدل، أي: يعدلون بالله غير الله تعالى، يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته، وبه قال النضر بن شميل، الباء بمعنى عن، أي: عن ربهم يعدلون، أي يميلون وينحرفون" (٢). • قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "أي: ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا معه شريكا وعدلا واتخذوا له صاحبة وولدا، تعالى عن ذلك علوا كبيرا" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فمن جعل هذا إلها مع القوي العزيز، فما قدر الله حق قدره، ولا عرفه حق معرفته ولا عظمه حق

стр. 573

تعظمه" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ونظير هذا قوله سبحانه: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: الآية: ١]، أي: يعدلون به غيره، فيجعلون له من خلقه عدلا وشبها. قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "يريد: عدلوا بي من خلقي الحجارة والأصنام، بعد أن أقروا بنعمتي وربوبيتي. وقال الزجاج (ت: ٣١١ هـ) ﵀: "أعلم الله سبحانه أنه خالق ما ذكر في هذه الآية، وأن خالقها لا شيء مثله، وأعلم أن الكفار يجعلون له عديلا. والعدل: التسوية، يقال: عدل الشيء بالشيء: إذا سواه، ومعنى يعدلون به: يشركون به غيره. قاله مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀. قال الأحمر: يقال: عدل الكافر بربه عدلا وعدولا، إذا سوى به غيره فعبده. وقال الكسائي (ت: ١٨٩ هـ) ﵀: عدلت الشيء بالشيء أعدله عدولا، إذا ساويته به. ومثله قوله تعالى عن هؤلاء المشبهين إنهم يقولون في النار لآلهتهم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين (٩٧) إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء: الآيات: ٩٧، ٩٨]، فاعترفوا أنهم كانوا في أعظم الضلال وأبينه، إذ جعلوا لله شبها وعدلا من خلقه، سووهم به في العبادة والتعظيم" (٢).

стр. 574

• قال تعالى: ﴿رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا﴾ [مريم: الآية: ٦٥]. قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "شبها ومثلا، وهو من يساميه. وذلك نفي عن المخلوق أن يكون مشابها للخالق ومماثلا له، بحيث يستحق العبادة والتعظيم، ولم يقل سبحانه: هل تعلمه سميا أو مشبها لغيره، فإن هذا لم يقله أحد، بل المشركون المشبهون جعلوا بعض المخلوقات مشابها له مساميا وندا وعدلا، فأنكر عليهم هذا التشبيه والتمثيل. وكذلك قوله: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (٧٣) فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل: الآيات: ٧٣، ٧٤]، فنهاهم أن يضربوا له مثلا من خلقه، ولم ينههم أن يضربوه هو مثلا لخلقه، فإن هذا لم يقله أحد، ولم يكونوا يفعلونه، فإن الله سبحانه أجل وأعظم وأكبر من كل شيء في فطر الناس كلهم، ولكن المشبهون المشركون يغلون فيمن يعظمونه، فيشبهونهم بالخالق، والله تعالى أجل في صدور جميع الخلق من أن يجعلوا غيره أصلا، ثم يشبهونه سبحانه بغيره. فإن الذي يشبهه بغيره: إن قصد تعظيمه لم يكن في هذا تعظيم، لأنه مثل أعظم العظماء بما هو دونه، بل بما ليس بينه نسبة في العظمة والجلالة، وعاقل لا يفعل ذلك. وإن قصد التنقص شبهه بالناقصين المذمومين، لا بالكاملين الممدوحين. ومن هنا يعلم أن إثبات صفات الكمال له لا يتضمن التشبيه والتمثيل، لا بالكاملين ولا بالناقصين، وأن نفي تلك الصفات يستلزم

стр. 575

تشبيهه بأنقص الناقصين" (١). • قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: "تسوية المشركين معبوديهم برب العالمين لم تكن في الخلق والإيجاد، بل سووهم برب العالمين في التوجه والعبادة. فحق الله أن لا يتوجه بطلب الغفران ورفع الدرجات والعطاء والرحمة إلا منه. وهم توجهوا بطلب الغفران والعفو وطلب الخير من أصنامهم الممثلة على صور الصالحين، وكان شعارهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: الآية: ٣]، وكذا قولهم: ﴿ويقولون هؤلاء شفعاؤناعند الله﴾ [يونس: الآية: ١٨]. فتبين باليقين القاطع أن تسويتهم معبوداتهم برب العالمين، إنما هي في المحبة والتعظيم والتوجه والقصد، وطلب الشفاعة والواسطة. فالقرآن حق كله، وأحسن وأعلى وأغلى ما فسر به القرآن القرآن" (٢). المطلب الثامن: حسن التوحيد وقبح الشرك معلومان بالعقل. • قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "التوحيد والشرك ضدان، وكلما كان أحد الضدين أشرف وأكمل كان الضد الثاني أخس وأرذل، ولما كان التوحيد أشرف الأسماء كان الشرك أخس الأشياء، والآتي بأحد الضدين يكون تاركا للضد الثاني، فالآتي بالتوحيد الذي هو

стр. 576

أفضل الأشياء يكون تاركا للشرك الذي هو أخس الأشياء وأرذلها، فلهذا المعنى وصف المصدقين بكونهم متقين" (١). • قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "إن شرف الشيء قد يظهر بواسطة خساسة ضده، فكلما كان ضده شئيًا أخس، كان هو أشرف، ولا شك أن ضد علم الأصول هو الكفر والبدعة، وهما من أخس الأشياء، فوجب أن يكون علم الأصول من أشرف العلوم" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ذنوب المشركين في نوعين: أمر بما لم يأمر الله به كالشرك، ونهي عما لم ينه الله عنه كتحريم الطيبات. فالأول شرع من الدين لما لم يأذن الله به، والثاني تحريم لما لم يحرمه الله" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد وقبح الشرك معلومان بالعقل، مستقرا في الفطر، فلا وثوق بشيء من قضايا العقل، فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات، وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر، ولهذا يقول سبحانه عقيب تقرير ذلك أفلا تعقلون أفلا تذكرون وينفي العقل عن أهل الشرك، ويخبر عنهم بأنهم يعترفون في النار: أنهم لم يكونوا يسمعون ولا يعقلون، وأنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل، وأخبر عنهم أنهم ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾ [البقرة: الآية: ١٧١] وأخبر عنهم أن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئا، وهذا إنما يكون في حق من خرج عن موجب العقل الصريح والفطرة الصحيحة، ولو لم يكن في صريح العقل ما يدل على ذلك لم

стр. 577

يكن في قوله تعالى " انظروا " و " اعتبروا " و " سيروا في الأرض فانظروا " فائدة، فإنهم يقولون: عقولنا لا تدل على ذلك، وإنما هو مجرد إخبارك، فما هذا النظر والتفكر والاعتبار والسير في الأرض؟ وما هذه الأمثال المضروبة، والأقيسة العقلية والشواهد العيانية؟ أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر؟ وقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطر، معلوم لمن كان له قلب حي، وعقل سليم، وفطرة صحيحة؟ قال تعالى ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون﴾ [الزمر: الآية: ٢٧] وقال تعالى ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: الآية: ٤٣] وقال تعالى ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ [ق: الآية: ٣٧] وقال تعالى ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ [الحج: الآية: ٤٦] " (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولما كان المشرك خبيث العنصر خبيث الذات؛ لم تطهر النار خبثه، بل لو خرج منها لعاد خبيثاً كما كان، كالكلب إذا دخل البحر، ثم خرج منه، فلذلك حرم الله تعالى على المشرك الجنة" (٢). • قال ابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ) ﵀: "واتبعْ ما أمرك الشارع به في اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك، لأنه

стр. 578

من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك، وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، وأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد، والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك رجلٌ رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود" (١). المطلب التاسع: بكمال التوحيد تكمل البراءة من الشرك والكبر. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وبكمال عبوديته لله تكمل تبرئته من الْكبر والشرك" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الإسلام له ضدان: الإشراك والاستكبار، لأنه الاستسلام لله وحده كما يترجم فيه شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا عبده ورسوله، فمن استسلم لله ولغير الله فقد أشرك بالله وجعل له عدلا وندا وشريكا، ومن لم يستسلم بحال فقد استكبر كحال فرعون وغيره" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ولهذا قرن هذا في شعار

стр. 579

الإسلام الذي هو الأذان بين التكبير والتهليل، فإن التكبير- وهو قول "الله أكبر"- يمنع كبر غير الله، وقول لا إله إلا الله يوجب التوحيد، وهاتان الكلمتان قرينتان" (١). • قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "حضور القلب في التوحيد عند الأذان والإقامة، فإن من غفل قلبه عند الأذان والإقامة عن التوحيد نقص من صلاته روحها فلم يكن لها عمود قيام، من حضر قلبه عند الأذان والإقامة حضر قلبه في صلاته، ومن غفل قلبه عندهما غفل قلبه في صلاته" (٢). المطلب العاشر: كلمة التوحيد تجدد الإيمان في القلب. • عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁، أن النبي ﷺ قال: «جددوا إيمانكم». قيل: يا رسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟ قال: «أكثروا من قول لا اله إلا الله» (٣).

стр. 580

• عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵁-قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الْخَلِقُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ» (١). • عن عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ أنه كان يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: "قم بنا نزداد إيمانا" (٢). • قال أبو الدرداء (ت: مابين ٣٢ - ٣٨ هـ) ﵁: "إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم يننتقص، وأن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه" (٣). • عن عمير بن حبيب الخطمي (لم أقف على تاريخ وفاته) ﵁-قال: "الإيمان يزيد وينقص، قيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته وإذا غفلنا وضيعنا ونسينا فذلك نقصانه" (٤). • عن عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀-قال: "ليس إيمان من أطاع الله كإيمان من عصى الله" (٥).

стр. 581

• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "متى خالط القلب بشاشة الإيمان واكتحلت بصيرته بحقيقة اليقين انقلبت النفس الأمارة مطمئنة راضية وتلقى أحكام الرب تعالى بصدر واسع منشرح مسلم" (١). المطلب الحادي عشر: التوحيد حرز من الوقوع في ضلال الشرك. • قال الله- : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله مَنلاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُون* وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِين﴾ [الأحقاف: الآيتان: ٥ - ٦]. • قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿ومن أضل ممن يدعوا﴾ يقول: فلا أحد أضل ممن يعبد ﴿من دون الله﴾ من الآلهة ﴿من لا يستجيب له﴾ أبدا إذا دعاء يقول: لا تجيبهم الآلهة يعني الأصنام بشيء أبدا ﴿إلى يوم القيامة﴾. ثم قال: ﴿وهم عن دعائهم غافلون﴾ آية يعني الآلهة غافلون عن من يعبدها، فأخبر الله عنها في الدنيا" (٢). • قال محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: وأيّ عبد أضلّ من عبد يدعو من دون الله آلهة لا تستجيب له إلى يوم القيامة: يقول: لا تُجيب دعاءه أبدا، لأنها حجر أو خشب أو نحو ذلك" (٣).

стр. 582

• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿ومن أضل﴾ أي لا أحد أضل وأجهل ﴿ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة﴾ وهي الأوثان. ﴿وهم عن دعائهم غافلون﴾ يعني لا يسمعون ولا يفهمون" (١). قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "بطلان الشرك وقبحه معلومًا بالفطرة السليمة والعقول الصحيحة، والعلم بقبحه أظهر من العلم بقبح سائر القبائح" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، ، وأخلص له وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (٣٩) إلا عبادك منهم المخلصين (٤٠) قال هذا صراط علي مستقيم (٤١) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: الآيات: ٣٩ - ٤٢].

стр. 583

وقال في سورة النحل: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (٩٩) إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون﴾ [النحل: الآيات: ٩٩، ١٠٠]. فتضمن ذلك أمرين: أحدهما: نفي سلطانه وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص. والثاني: إثبات سلطانه على أهل الشرك وعلى من تولاه. ولما علم عدو الله أن الله لا يسلطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين (٨٢) إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [ص: الآيات: ٨٢، ٨٣]. فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، وأخلص له، وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته، وهو وليهم وسلطانهم ومتبوعهم" (١).

стр. 584

• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ أي: لا أضل ممن يدعو أصناما، ويطلب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول، لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش؛ لأنها جماد حجَارة صُمّ" (١). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: فهل هناك أضل من هؤلاء الذين يعبدون من لا يستجيب لهم مدة مقامهم في الدنيا، لا ينتفعون بهم مثقال ذرة، وهم لا يسمعون منهم دعاءً، ولا يجيبون لهم نداءً، وهذا حالهم في الدنيا، ويوم القيامة يكفرون بشركهم، ويكونون لهم أعداء يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض" (٢). المطلب الثاني عشر: المعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى. • قال ابن تيمية [ت: ٧٢٨) ﵀: "كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا، فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم، ولا أبعد عن التوحيد منهم" (٤). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالمعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع ضال، شاء أم أبى، والمعرض عن محبة الله وذكره عبد الصور، شاء أم أبى، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم" (٥). • قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: "لا خلاف بين المسلمين أن المشرك إذا مات على شركِه، لم يكن من أهل المغفرة التي تفضَّلَ اللهُ بها على غير أهلِ الشرك حسبما تقتضيه مشيئتُه، وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين، فداخلون تحت المشيئة؛ يغفر لمن يشاء، ويعذِّب من يشاء" (٦).

стр. 585

المطلب الثالث عشر: كلمة التوحيد حرز من الشيطان. • قال تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: الآيات ٨٢ - ٨٣]. • قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "ثم استثنى إبليس، فقال: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ أي بالتوحيد، فإني لا أستطيع أن أغويهم" (١). • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ يقول: إلا من أخلصته منهم لعبادتك، وعصمته من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلا، فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه" (٢). • قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: "قال بعضهم: المخلصين للتوحيد. فإن كان ذلك فيكون قوله: ﴿لأغوينهم﴾ لأهلكنهم. وقال بعضهم: ﴿المخلصين﴾ من كل ذنب وكل معصية. لكن الوجهين الأولين أشبه وأقرب، والله أعلم" (٣). • قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿إلا عبادك﴾ فأضافهم إليه سبحانه تنبيهاً على أن غيرهم قد انسلخوا من التشرف بعبوديته بالنسبة إلى من أطاعوه. ولما كان يمكن أن يكون المستثنى، من

стр. 586

غير البشر قيد بقوله: ﴿منهم المخلصين﴾ أي الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته فأخلصوا قصدهم لها، وعرف من الاستثناء أنهم قليل وأن الغواة هم الأصل" (١). • قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: " ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ وهم الذين أخلصَهم الله تعالى لطاعتِه وعصمَهم من الغوايةِ. وقرئ المخلِصين على صيغةِ الفاعلِ أي الذينَ أخلصُوا قلوبَهم وأعمالَهم لله تعالى" (٢). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ علم أن الله سيحفظهم من كيده. ويحتمل أن الباء للاستعانة، وأنه لما علم أنه عاجز من كل وجه، وأنه لا يضل أحدا إلا بمشيئة اللّه تعالى، فاستعان بعزة اللّه على إغواء ذرية آدم هذا، وهو عدو اللّه حقا" (٣). • قال تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: الآية: ٤٢] • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " وقوله: ﴿إنّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلاّ مَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ يقول تعالى ذكره: إن عبادي ليس لك عليهم حجة، إلا من اتبعك على ما دعوته إليه

стр. 587

من الضلالة ممن غوى وهلك" (١). • قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ أي: لا تستطيع أن تضل من هدى الله ﴿إلا من اتبعك من الغاوين﴾ " (٢). • قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿إن عبادي﴾ يعني الذين هداهم واجتباهم ﴿ليس لك عليهم سلطان﴾ قوة وحجة في اغوائهم ودعائهم إلى الشرك والضلال" (٣). • قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: الذين قدرت لهم الهداية، فلا سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم" (٤). • قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: " ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان﴾ المراد بالعباد هنا: هم المخلصون، والمراد أنه لا تسلط له عليهم بإيقاعهم في ذنب يهلكون به، ولا يتوبون منه، فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء ونحوهما، فإنه ذنب مغفور لوقوع التوبة عنه ﴿إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين﴾ استثنى سبحانه من عباده هؤلاء. وهم المتبعون لإبليس من الغاوين عن طريق الحقّ الواقعين في الضلال، وهو موافق لما قاله إبليس اللعين من قوله: ﴿وَلأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ

стр. 588

عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [ص: الآيات ٨٢ - ٨٣]، ويمكن أن يقال: إن بين الكلامين فرقاً فكلام الله سبحانه فيه نفي سلطان إبليس على جميع عباده إلاّ من اتبعه من الغاوين، فيدخل في ذلك المخلصون وغيرهم ممن لم يتبع إبليس من الغاوين؛ وكلام إبليس اللعين يتضمن إغواء الجميع إلاّ المخلصين، فدخل فيهم من لم يكن مخلصاً ولا تابعاً لإبليس غاوياً. والحاصل أن بين المخلصين والغاوين التابعين لإبليس طائفة لم تكن مخلصة ولا غاوية تابعة لإبليس. وقد قيل: إن الغاوين المتبعين لإبليس هم المشركون. ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سلطانه على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: الآية: ١٠٠] " (١). • قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ [الإسراء: ٦٥]. • عن مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀-في قوله: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ قال: عبادي الذين قضيت لهم بالجنة، ليس لك عليهم أن يذنبوا ذنباً، إلا أغفر لهم" (٢). • قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿إن عبادي﴾ المخلصين، ﴿ليس لك عليهم سلطان﴾ ملك في الكفر والشرك أن تضلهم عن الهدى، ﴿وكفى بربك وكيلا﴾ آية، يعنى حرزا ومانعا، فلا أحد أمنع من الله ، فلا يخلص إليهم إبليس" (٣).

стр. 589

• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: قوله تعالى: ﴿إِنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىَ بِرَبّكَ وَكِيلاً﴾. يقول تعالى ذكره لإبلي: إن عبادي الذين أطاعوني. فاتبعوا أمري وعصوك يا إبليس. ليس لك عليهم حجة. وقوله: ﴿وكَفَى بَرَبّكَ وَكِيلاً﴾ يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ : وكفاك يا محمد ربك حفيظا، وقيما بأمرك. فانقَدْ لأمره. وبلغ رسالاته هؤلاء المشركين. ولا تخف أحدا، فإنه قد توكل بحفظك ونصرتك" (١). • قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلاً﴾، أي حافظاً من يوكل الأمر إليه" (٢). • قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ قال ابن عباس: هم المؤمنون. ﴿وكفى بربك وكيلا﴾ أي عاصما من القبول من إبليس، وحافظا من كيده وسوء مكره" (٣). • قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾: إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين، وحفظه إياهم، وحراسته لهم من الشيطان الرجيم؛ ولهذا قال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾ أي: حافظًا ومؤيدًا وناصرًا" (٤). • عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال النبي- ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير

стр. 590

في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه» (١). • عن أبي عياش الزرقي (ت: قيل بعد الأربعين من الهجرة) ﵁-قال قال رسول الله ﷺ : «من قال حين يصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كان له عدل رقبة من ولد إسماعيل، وحط عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي، وإذا أمسى فمثل ذلك حتى يصبح» (٢). • قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُحَصِّلُ هَذَا الْأَجْرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ هَذَا التَّهْلِيلَ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي يَوْمِهِ سَوَاءٌ قَالَهُ مُتَوَالِيَةً، أَوْ مُتَفَرِّقَةً فِي مَجَالِسَ، أَوْ بَعْضَهَا أَوَّلَ النَّهَارِ وَبَعْضَهَا آخِرَهُ. لَكِنَّ الْأَفْضَلَ: أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُتَوَالِيَةً، فِي أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِيَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي جَمِيعِ نَهَارِهِ" (٣). المطلب الرابع عشر: كلمة التوحيد كفارة لمن حلف بغير الله. • عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين فقال في حلفه واللات فليقل لا إله إلا الله، ومن

стр. 591

قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق، يعني بشيء» (١) • عن سعد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ) ﵁-أنه حلف باللات والعزى، فقال له النبي ﷺ : «قل لا إله إلا الله وحده ثلاثا، واتفل عن شمالك ثلاثا، وتعوذ بالله من الشيطان، ولا تعد» (٢). • قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "اليمين إنما تكون بالمعبود الذي يعظم، فإذا حلف بهما؛ فقد ضاهى الكفار في ذلك، فأمره أن يتداركه بكلمة التوحيد المبرئة من الشرك" (٣). • قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "وليس فى قوله- ﷺ : «من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله» إطلاق منه لهم على الحلف بذلك وكفارته بقول: لا إله إلا الله، فإنه علمهم ﵇ أنه من نسى أو جهل فحلف بذلك أن كفارته أن يشهد بشهادة التوحيد؛ لأنه قد تقدم إليهم ﵇ بالنهى عن أن يحلف أحد بغير الله، فعذر الناسى والجاهل، ولذلك سوى البخارى فى ترجمته الجاهل مع المتأول في سقوط الحرج عنه؛ لأن حديث أبى هريرة في الجاهل والناسى، والله أعلم" (٤). • قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "وكذلك ندب من حلف باللات والعزى أن يشهد شهادة التوحيد والاخلاص، لينسج بذلك ماجرى على لسانه من كلمة الاشراك والتعظيم

стр. 592

لها، وإن كان غير معتقد لذلك. والدليل أن ذلك على الندب أن الله لا يؤاخذ العباد من الإيمان إلا بما انطوت الضمائر على اعتقاده وكانت به شريعة لها، وكل محلوف به باطل فلا كفارة فيه، وإنما الكفارات في الإيمان المشروعة" (١). المطلب الخامس عشر: التوحيد يذهب أصل الشرك. • عن أم هانئ بنت أبي طالب-﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا اله إلا الله لا يسبقها عمل ولا تترك ذنبا» (٢). • عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال: لا اله إلا الله أنجته يوما من الدهر أصابه قبلها ما أصابه» (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَالتَّوْحِيدُ يُذْهِبُ أَصْلَ الشِّرْكِ وَالِاسْتِغْفَارُ يَمْحُو فُرُوعَهُ" (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ أَكْبَرِ الْحَسَنَاتِ وَبَابُهُ وَاسِعٌ. فَمَنْ أَحَسَّ بِتَقْصِيرِ فِي قَوْلِهِ أَوْ عَمَلِهِ أَوْ حَالِهِ أَوْ رِزْقِهِ أَوْ تَقَلُّبِ قَلْبٍ: فَعَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ" (٥).

стр. 593

المطلب السادس عشر: كلمة التوحيد توجب البراءة من الشرك وأهله. • قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: الآية: ٤]. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن أهل الملل متفقون على أن الرسل جميعهم نهوا من عبادة الأصنام، وكفروا من يفعل ذلك، وأن المؤمن لا يكون مؤمنا حتى يتبرأ من عبادة الأصنام وكل معبود سوى الله، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: الآية: ٤]. وقال الخليل: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ [الشعراء: الآيات: ٧٥ - ٧٧] .. وقال الخليل لأبيه وقومه: ﴿إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾ [الزخرف: الآيات: ٢٦، ٢٧]. وقال الخليل وهو إمام الحنفاء، الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، واتفق أهل الملل على تعظيمه لقوله: ﴿يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾ [الأنعام: الآيات: ٧٨، ٧٩] " (١).

стр. 594

المطلب السابع عشر: كلمة التوحيد فيها تبرئة من الشرك الأصغر وتكفره. • وجاء في الحديث: «الشركُ أخفَى في أمتي من دبيبِ النملِ على الصَّفا، فقال أبو بكرٍ: فكيف النجاةُ من ذلك؟ فقال: يا أبا بكرٍ ألا أُعلِمُكَ شيئًا إذا قلتَه برِئتَ من قليلِهِ وكثيرِهِ، قلِ: اللهمَّ إني أعوذُ بك أن أُشرِكَ وأنا أعلمُ، وأستغفرُك مما لا أعلم» (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ظلم العبد نفسه كبخله-لحب المال-ببعض الواجب هو شرك أصغر، وحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك. فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا الاعتبار" (٢). المطلب الثامن عشر: إذا ظهر التوحيد في مكان هربت الشياطين. فبالتوحيد يحفظ الله المرء من الشيطان • قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: الآيات: ٩٩ - ١٠٠].

стр. 595

• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-له في قصته مع الشيطان ما نصه: قال -أي الشيطان?: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال: «ما هي؟» قال: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ وقال لي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وكانوا أحرص شيء على الخير فقال النبي- ﷺ «أما إنه صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب من ثلات ليال يا أبا هريرة قلت لا قال: ذاك شيطان» (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والكهانةُ كانت ظاهرةً كثيرةً بأرضِ العَرب،. فلما ظهر التوحيد هربت الشياطين، وبطلت، أو قلّت، ثمّ إنها تظهر في المواضع التي يخفى فيها أثر التوحيد" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن التوحيد يطرد الشيطان" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن الشيطان إنما يمنعه من الدخول إلى قلب ابن آدم ما فيه من ذكر الله الذي أرسل به رسله، فإذا خلا من ذلك تولاه الشيطان. قال تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين﴾ [الزخرف: الآية: ٣٦] " (٤).

стр. 596

• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وأنت ترى الأمكنة والأزمنة التي خفيت فيها آثار النبوة كيف حال أهلها وما دخل عليهم من الجهل والظلم والكفر بالخالق والشرك بالمخلوق واستحسان القبائح وفساد العقائد والأعمال فإن الشرائع بتنزيل الحكيم العليم أنزلها وشرعها الذي يعلم ما في ضمنها من مصالح العباد في المعاش والمعاد وأسباب سعادتهم الدنيوية والأخروية فجعلها غذاء ودواء وشفاء وعصمة وحصنا وملجأ وجنة ووقاية" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "شرع ذكر اسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع، لما في مقارنة اسم الله من البركة. وذكر اسمه يطرد الشيطان، فتحصل البركة، ولا معارض لها. وكل شيء لا يكون لله، فبركته منزوعة، فإن الرب هو الذي تبارك وحده، والبركة كلها منه، وكل ما نسب إليه مبارك" (٢). المطلب التاسع عشر: التوحيد يدفع وساوس الشيطان. • عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: "وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ" (٣). • وفي حديث عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁-قَالَ: سُئِلَ

стр. 597

النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْوَسْوَسَةِ. قَالَ: "تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ" (١) • وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هذَا، خَلَقَ الله الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللّهِ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذلِكَ شَيْئا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللّهِ" (٢). • وفي رواية: "آمَنْتُ بِاللّهِ وَرُسُلِه" رواه مسلم. • عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِالله وَلِيَنْتَهِ " (٣). • عَنْ أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، عَنْ رَسُولِ اللّهِ ﷺ قال "قَالَ الله : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟ مَا كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: هذَا اللّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ. فَمَنْ خَلَقَ اللّهَ؟ " (٤). • وأما رواية البخاري فمن قول النبي- ﷺ -بلفظ: "لن يَبرَحَ الناسُ يتساءَلون حتى يقولوا: ..... " (٥). o واختلف أهل العلم في معنى قول النبي ﷺ «ذاك صريح الإيمان» وقوله «تلك محض الإيمان» والصريح والمحض من الإيمان هو الخالص، اختلفوا على قولين:

стр. 598

القول الأول: أن مجرد وجود الوسوسة دليل على صريح الإيمان واستدلوا: بحديث ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁ في الباب حيث سئل النبي- ﷺ -عن مجرد الوسوسة دون المنازعة، فقال «تلك محض الإيمان»، وقالوا أيضاً لأن القلوب غير المؤمنة لا توسوس أصلاً لتمكن الشيطان منها، بخلاف القلوب المؤمنة، واختار هذا القول القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀ وهو اختيار محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀" (١). والقول الثاني: أن مدافعة المسلم لها ونفرته من هذه الوساوس هي دليل على صريح الإيمان. واستدلوا: بحديث أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-في الباب حيث إن الصحابة شكوا للنبي ﷺ ما يجدونه في أنفسهم ونفرتهم منه وتعاظمهم لما يجدونه، والنبي ﷺ -سألهم عنه فقال «وقد وجدتموه؟»، ثم قال لهم «ذاك صريح الإيمان»، وقالوا المنازعة وكراهة ذلك هي دليل الإيمان وأثره، الذي يردّ وساوس الشيطان، وأما حديث ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁-فهو محمول على حديث أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه-، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀، وهو الأظهر والله أعلم. • قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " «تلك محض الإيمان»، وفي حديث أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه- «ذلك صريح الإيمان»، والصريح الخالص. وهذا ليس على ظاهره، إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي الإيمان، لأن الإيمان اليقين، وإنما الإشارة

стр. 599

إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في أنفسهم، فكأنه قال: جزعكم من هذا هو محض الإيمان وخالصه، لصحة إيمانكم، وعلمكم بفسادها، فسمى الوسوسة إيمانا لما كان دفعها والإعراض عنها والرد لها وعدم قبولها" (١). • قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " «قل آمنت بالله» أمر بتذكر الإيمان الشرعي، واشتغال القلب به لتمحي تلك الشبهات، وتضمحل تلك الترهات، وهذه كلها أدوية للقلوب السليمة الصحيحة المستقيمة التي تعرض الترهات ولا تمكث فيها" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: أَيْ حُصُولِ هَذَا الْوَسْوَاسِ مَعَ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ الْعَظِيمَةِ لَهُ وَدَفْعِهِ عَنْ الْقَلْبِ هُوَ مِنْ صَرِيحِ الْإِيمَانِ" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقالوا في الوسواس الخناس: هو الذي إذا ذكر الله خنس وإذا غفل عن ذكر الله وسوس" (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَالشَّيْطَانُ لَمَّا قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ وَسُوسَةً مَذْمُومَةً تَحَرَّكَ الْإِيمَانُ الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ بِالْكَرَاهَةِ لِذَلِكَ وَالِاسْتِعْظَامِ لَهُ فَكَانَ ذَلِكَ صَرِيحَ الْإِيمَانِ .... فَهُنَا لَمَّا اقْتَرَنَ بِالْوَسْوَاسِ هَذَا الْبُغْضُ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ كَانَ هُوَ صَرِيحَ الْإِيمَانِ وَهُوَ خَالِصُهُ وَمَحْضُهُ؛ لِأَنَّ الْمُنَافِقَ وَالْكَافِرَ لَا يَجِدُ هَذَا الْبُغْضَ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةَ مَعَ الْوَسْوَسَةِ بِذَلِكَ" (٥).

стр. 600

• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ذكر الله أصل لدفع الوسواس الذي هو مبدأ كل كفر وجهل وفسق وظلم. وقال الله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ وقال: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ وقال: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ ونحو ذلك من النصوص (١). المطلب العشرون: التوحيد مرتبط بالإشارة بأصبع السبابة لليد اليمنى دون الأخرى. • عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁: "إن النبي ﷺ رأى رجلا يدعو هكذا بإصبعيه يشير، فقال: «أحد أحد» " (٢). • عن سعد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ) ﵁، قال: "مر علي النبي ﷺ وأنا أدعو بأصبعي فقال «أحد أحد» وأشار بالسبابة" (٣). • عن عمران بن أبي أنس، عن مقسم أبي القاسم قال: حدثني رجل من أهل المدينة قال: "صليت إلى جنب خفاف بن إيماء بن رحضة، فرآني أشير بأصبعي في الصلاة، فقال: ابن أخي، لم تفعل هذا؟ قلت: إني رأيت خيار الناس وفقهاءهم يفعلونه "قال: قد أصبت، رأيت رسول الله ﷺ كان "يشير بأصبعه، إذا جلس يتشهد في صلاته" وكان المشركون يقولون: "إنما يسحرنا، وإنما يريد النبي ﷺ التوحيد" (٤).
следующие страницы →