← Акыда

Акыда · id 30015

محاسن التوحيد وارتباطها بأركان الإيمان

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (742 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وأنت ترى الأمكنة والأزمنة التي خفيت فيها آثار النبوة كيف حال أهلها وما دخل عليهم من الجهل والظلم والكفر بالخالق والشرك بالمخلوق واستحسان القبائح وفساد العقائد والأعمال فإن الشرائع بتنزيل الحكيم العليم أنزلها وشرعها الذي يعلم ما في ضمنها من مصالح العباد في المعاش والمعاد وأسباب سعادتهم الدنيوية والأخروية فجعلها غذاء ودواء وشفاء وعصمة وحصنا وملجأ وجنة ووقاية" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "شرع ذكر اسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع، لما في مقارنة اسم الله من البركة. وذكر اسمه يطرد الشيطان، فتحصل البركة، ولا معارض لها. وكل شيء لا يكون لله، فبركته منزوعة، فإن الرب هو الذي تبارك وحده، والبركة كلها منه، وكل ما نسب إليه مبارك" (٢). المطلب التاسع عشر: التوحيد يدفع وساوس الشيطان. • عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: "وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: "ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ" (٣). • وفي حديث عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁-قَالَ: سُئِلَ

стр. 597

النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْوَسْوَسَةِ. قَالَ: "تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ" (١) • وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هذَا، خَلَقَ الله الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللّهِ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذلِكَ شَيْئا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللّهِ" (٢). • وفي رواية: "آمَنْتُ بِاللّهِ وَرُسُلِه" رواه مسلم. • عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِالله وَلِيَنْتَهِ " (٣). • عَنْ أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، عَنْ رَسُولِ اللّهِ ﷺ قال "قَالَ الله : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا؟ مَا كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: هذَا اللّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ. فَمَنْ خَلَقَ اللّهَ؟ " (٤). • وأما رواية البخاري فمن قول النبي- ﷺ -بلفظ: "لن يَبرَحَ الناسُ يتساءَلون حتى يقولوا: ..... " (٥). o واختلف أهل العلم في معنى قول النبي ﷺ «ذاك صريح الإيمان» وقوله «تلك محض الإيمان» والصريح والمحض من الإيمان هو الخالص، اختلفوا على قولين:

стр. 598

القول الأول: أن مجرد وجود الوسوسة دليل على صريح الإيمان واستدلوا: بحديث ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁ في الباب حيث سئل النبي- ﷺ -عن مجرد الوسوسة دون المنازعة، فقال «تلك محض الإيمان»، وقالوا أيضاً لأن القلوب غير المؤمنة لا توسوس أصلاً لتمكن الشيطان منها، بخلاف القلوب المؤمنة، واختار هذا القول القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀ وهو اختيار محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀" (١). والقول الثاني: أن مدافعة المسلم لها ونفرته من هذه الوساوس هي دليل على صريح الإيمان. واستدلوا: بحديث أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-في الباب حيث إن الصحابة شكوا للنبي ﷺ ما يجدونه في أنفسهم ونفرتهم منه وتعاظمهم لما يجدونه، والنبي ﷺ -سألهم عنه فقال «وقد وجدتموه؟»، ثم قال لهم «ذاك صريح الإيمان»، وقالوا المنازعة وكراهة ذلك هي دليل الإيمان وأثره، الذي يردّ وساوس الشيطان، وأما حديث ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁-فهو محمول على حديث أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه-، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀، وهو الأظهر والله أعلم. • قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " «تلك محض الإيمان»، وفي حديث أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه- «ذلك صريح الإيمان»، والصريح الخالص. وهذا ليس على ظاهره، إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي الإيمان، لأن الإيمان اليقين، وإنما الإشارة

стр. 599

إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في أنفسهم، فكأنه قال: جزعكم من هذا هو محض الإيمان وخالصه، لصحة إيمانكم، وعلمكم بفسادها، فسمى الوسوسة إيمانا لما كان دفعها والإعراض عنها والرد لها وعدم قبولها" (١). • قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " «قل آمنت بالله» أمر بتذكر الإيمان الشرعي، واشتغال القلب به لتمحي تلك الشبهات، وتضمحل تلك الترهات، وهذه كلها أدوية للقلوب السليمة الصحيحة المستقيمة التي تعرض الترهات ولا تمكث فيها" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: أَيْ حُصُولِ هَذَا الْوَسْوَاسِ مَعَ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ الْعَظِيمَةِ لَهُ وَدَفْعِهِ عَنْ الْقَلْبِ هُوَ مِنْ صَرِيحِ الْإِيمَانِ" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقالوا في الوسواس الخناس: هو الذي إذا ذكر الله خنس وإذا غفل عن ذكر الله وسوس" (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَالشَّيْطَانُ لَمَّا قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ وَسُوسَةً مَذْمُومَةً تَحَرَّكَ الْإِيمَانُ الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ بِالْكَرَاهَةِ لِذَلِكَ وَالِاسْتِعْظَامِ لَهُ فَكَانَ ذَلِكَ صَرِيحَ الْإِيمَانِ .... فَهُنَا لَمَّا اقْتَرَنَ بِالْوَسْوَاسِ هَذَا الْبُغْضُ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ كَانَ هُوَ صَرِيحَ الْإِيمَانِ وَهُوَ خَالِصُهُ وَمَحْضُهُ؛ لِأَنَّ الْمُنَافِقَ وَالْكَافِرَ لَا يَجِدُ هَذَا الْبُغْضَ وَهَذِهِ الْكَرَاهَةَ مَعَ الْوَسْوَسَةِ بِذَلِكَ" (٥).

стр. 600

• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ذكر الله أصل لدفع الوسواس الذي هو مبدأ كل كفر وجهل وفسق وظلم. وقال الله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ وقال: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾ وقال: ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ ونحو ذلك من النصوص (١). المطلب العشرون: التوحيد مرتبط بالإشارة بأصبع السبابة لليد اليمنى دون الأخرى. • عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁: "إن النبي ﷺ رأى رجلا يدعو هكذا بإصبعيه يشير، فقال: «أحد أحد» " (٢). • عن سعد بن أبي وقاص (ت: ٥٥ هـ) ﵁، قال: "مر علي النبي ﷺ وأنا أدعو بأصبعي فقال «أحد أحد» وأشار بالسبابة" (٣). • عن عمران بن أبي أنس، عن مقسم أبي القاسم قال: حدثني رجل من أهل المدينة قال: "صليت إلى جنب خفاف بن إيماء بن رحضة، فرآني أشير بأصبعي في الصلاة، فقال: ابن أخي، لم تفعل هذا؟ قلت: إني رأيت خيار الناس وفقهاءهم يفعلونه "قال: قد أصبت، رأيت رسول الله ﷺ كان "يشير بأصبعه، إذا جلس يتشهد في صلاته" وكان المشركون يقولون: "إنما يسحرنا، وإنما يريد النبي ﷺ التوحيد" (٤).

стр. 601

• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "هكذا الإخلاص "يشير بأصبعه التي تلي الإبهام" وهذا الدعاء "فرفع يديه حذو منكبيه" وهذا الابتهال "فرفع يديه مدا" (١). • سئل ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵁، عن الرجل يدعو يشير بأصبعه، فقال ابن عباس: "هو الإخلاص" (٢). • قال مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: "مقمعة الشيطان" (٣). • قال القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀-في معرض حديثه عن رفع الأصبع السبابة-: "وقيل: بل المراد بها الإشارة للتوحيد" (٤). • قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "والسنة أن لا يجاوز بصره إشارته وفيه حديث صحيح في سنن أبي داود ويشير بها موجهة إلى القبلة وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص" (٥). • قال سراج الدين أبو حفص عمر بن علي الأنصاري المعروف ب ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) ﵀: "ويرسل المسبحة، أي في كل التشهد، للاتباع، ويرفعها عند قوله: إلا الله، للاتباع أيضا، ويكون قصده بها التوحيد والاثبات والحكمة في ذلك هو إشارة إلى أن المعبود واحد ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد، وأما الرفع عند الهمزة فلأنه حال إثبات الوحدانية لله تعالى، والحكمة في اختصاص السبابة بذلك، أن لها أتصالا بنياط القلب فكأنها سبب

стр. 602

لحضوره" (١). • قال شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حسين ابن رسلان الشافعي (ت ٨٤٤ هـ) ﵀: "وتسمى المسبحة؛ لأنها يشار بها إلى التوحيد والتنزيه لله تعالى، وهي التي تلي الإبهام، والحكمة في الإشارة بها إلى أن المعبود- -واحد؛ ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ويراد ب"التسبيح": جنس ذكر الله تعالى. يقال: "فلان يسبح" إذا كان يذكر الله، ويدخل في ذلك التهليل والتحميد، ومنه سميت السباحة للأصبع التي يشير بها وإن كان يشير بها في التوحيد" (٣). المطلب الواحد والعشرون: التوحيد يمنع من تسلط الشيطان ومن ولاية الشيطان. • قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: الآيات: ٩٩ - ١٠٠]. • وقال تعالى ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ [الأعراف: الآية: ٢٠١]. • قال تعالى ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: الآية: ٢٤].

стр. 603

• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿إنه ليس له سلطان﴾، يعني: ملك، ﴿على الذين ءامنوا﴾، في علم الله في الشرك، فيضلهم عن الهدى" (١). • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " قوله: ﴿إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ﴾، فإنه يعني بذلك: أن الشيطان ليست له حجة على الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا بما أمر الله به، وانتهوا عما نهاهم الله عنه. ﴿وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ﴾، يقول: وعلى ربهم يتوكلون فيما نابهم من مهمات أمورهم. ﴿إنّمَا سُلْطَانُه عَلىَ الّذِينَ يتَولّونَهُ﴾، يقول: إنما حجته على الذين يعبدونه، ﴿وَالّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾، يقول: والذين هم بالله مشركون" (٢). • قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "أي: ليس له حجة على المؤمنين المتوكلين على الله في مهم أمورهم المتعوذين به من الشيطان" (٣). • قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: "فيه أربعة تأويلات: أحدها: ليس له قدرة على أن يحملهم على ذنب لا يغفر، قاله سفيان. الثاني: ليس له حجة على ما يدعوهم إليه من المعاصي، قاله مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ).

стр. 604

الثالث: ليس له عليهم سلطان لاستعاذتهم باللَّه منه، لقوله تعالى: ﴿وإمّا ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ [فصلت: الآية: ٣٦]. الرابع: أنه ليس له عليهم سلطان بحال؛ لأن الله تعالى صرف سلطانه عنهم حين قال عدو الله إبليس: ﴿ولأغوينهم أجميعن إلا عبادَك منهم المخلصين﴾ [ص: الآية: ٨٠]، فقال الله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: الآية: ٤٢] " (١). • وقال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ): "قوله تعالى: ﴿إنه ليس له سلطان﴾، حجة وولاية، ﴿على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون﴾، قال سفيان: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب ولا يغفر" (٢). • قال أبو الفرج ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "إبليس إنما يتمكن من الإنسان على قدر قلة العلم فكلما قل علم الإنسان كثر تمكن إبليس منه وكلما كثر العلم قل تمكنه منه" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إخلاص الدين لله: يمنع من تسلط الشيطان ومن ولاية الشيطان التي توجب العذاب. كما قال تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين﴾ [يوسف: الآية: ٢٤]. فإذا أخلص العبد لربه الدين: كان هذا مانعا له من فعل ضد ذلك ومن إيقاع الشيطان له في ضد ذلك. وإذا لم يخلص لربه الدين ولم يفعل ما خلق له وفطر عليه: عوقب على ذلك. وكان من عقابه:

стр. 605

تسلط الشيطان عليه حتى يزين له فعل السيئات" (١). المطلب الثاني والعشرون: التوحيد سبب لزوال فقر العبد وفاقته. • قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "لا يزول فقر العبد وفاقته إلا بالتوحيد، وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار؛ حصل للعبد غِناه، وسعادته، وزال عنه ما يعذبه" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فشهادة التوحيد تفتح باب الخير، والاستغفار من الذنوب يغلق باب الشر. " (٣). • قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: "ويحكى أنّ رجلا أتى عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁-فقال: ولّني مما ولاّك اللّه قال أتقرأ القرآن؟ قال: لا. فقال: إنّا لا نولّي من لا يقرأ القرآن، فانصرف الرجل واجتهد في تعلّم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيولّيه عملا، فلمّا تعلم القرآن تخلّف عن عمر، فرآه ذات يوم فقال: يا هذا هجرتنا، فقال: يا أمير المؤمنين لست ممّن يهجر، ولكنّي تعلّمت القرآن فأغناني اللّه تعالى عن عمر وعن باب عمر. فقال: أيُّ آية أغنتك، فقال: قول اللّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: الآيات:: ٢ - ٣] " (٤).

стр. 606

• وقال سهل بن عبد الله التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: " ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في اتّباع السُّنّة ﴿يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً﴾ من عقوبة أهل البدع، ويرزقه الجنّة من حيث لا يحتسب" (١). المطلب الثالث والعشرون: التوحيد يسد باب البدع. • قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: الآية: ٢١]، فذمَّ الله من شرع في الدين ما لم يأذن به الله وأمر سبحانه باتباع صراطه قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: الآية: ١٥٣]. فالواجب على الموحد لزوم شرع الله الذي جاء به القرآن الكريم والسنة المطهرة، وعدم الخروج عن ذلك، لا بقولٍ، ولا بفعلٍ. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كل من كان إلى الرسول ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أقرب، كان أقرب إلى كمال التوحيد والإيمان والعقل والعرفان، وكل من كان عنهم أبعد كان عن ذلك أبعد" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إخلاص الدين لله: يمنع من تسلط الشيطان ومن ولاية الشيطان التي توجب العذاب. كما قال تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا

стр. 607

المخلصين﴾ [يوسف: الآية: ٢٤] " (١). المطلب الرابع والعشرون: أن صحة التوحيد مع وجود الذنوب خير من فساد التوحيد مع عدم الذنوب. • عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁-قال: قال النبيُّ- ﷺ : «قالَ اللَّهُ ﵎: يا بنَ آدمَ، إنَّكَ ما دعوتَني ورجوتَني غفَرتُ لَكَ على ما كانَ فيكَ ولا أُبالي، يا بنَ آدمَ، لو بلغتْ ذنوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لَكَ ولا أبالي، يا بنَ آدمَ، إنَّكَ لو أتيتَني بقُرابِ الأرضِ خطايا ثمَّ لقيتَني لا تُشرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقرابِها مغفرةً» (٢). • عن عبد الله بن مسعود-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ مات يُشرِكُ باللهِ شيئًا، دخَل النارَ» (٣). • عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵁-قال: أتى النَّبيَّ ﷺ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، ما المُوجِبَتانِ؟ فقالَ: «من ماتَ لا يُشرِكُ باللَّهِ شيئًا دخلَ الجنَّةَ، ومن ماتَ يشركُ باللَّهِ شيئًا دخلَ النَّارَ» (٤). • عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله- ﷺ : «يخرجُ من النارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وكان في قلبِه مثقالُ شعيرةٍ من خيرٍ، ويخرجُ من النارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وكان في قلبِه مثقالُ برَّةٍ

стр. 608

من خيرٍ، ويخرجُ من النارِ من قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وكان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من خيرٍ» (١). • عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ اللَّهَ لا يَظلِمُ مؤمنًا حسنةً، يُعطى بِها في الدُّنيا ويُجزى بِها في الآخرةِ، وأمَّا الكافرُ، فيُطعَمُ بحسناتِ ما عمِلَ بِها للَّهِ في الدُّنيا، حتَّى إذا أفضى إلى الآخرةِ، لم يَكُنْ لهُ حسنةٌ يُجزَى بِها» (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَهَذِهِ الذُّنُوب مَعَ صِحَة التَّوْحِيد خير من فَسَاد التَّوْحِيد مَعَ عدم هَذِه الذُّنُوب" (٣). المطلب الخامس والعشرون: أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققا كاملا بالإخلاص التام فإنه يصير القليل من عمل العبد كثيرًا ويضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب • عن أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، عن رسول الله- ﷺ -قال: «قال موسى يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهم غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله الله» (٤).

стр. 609

• عن الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀، قال: "إن المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله، وإنما خُف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر عن غير محاسبة" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀"إنما دين الحق: تحقيق العبودية لله، بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية؛ تكمل محبة العبد لربه ومحبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا، يكون نقص هذا" (٢). المطلب السادس والعشرون: التوحيد يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق به. • قال تعالى:﴾ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون: الآية: ٤]. • قال بعض السَّلف: "النَّاس يطلبون العِزَّ بأبواب الملوك، ولا يجدونه إلَّا في طاعة الله" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "من كان إيمانه أقوى من غيره، كان جنده من الملائكة أقوى" (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَلنْ يَسْتَغْنِي الْقلب عَنْ جَمِيع

стр. 610

الْمَخْلُوقَات إِلَّا بِأَنْ يكون الله هُوَ مَوْلَاهُ الَّذِي لَا يعبد إِلَّا إِيَّاه وَلَا يَسْتَعِين إِلَّا بِهِ وَلَا يتوكل إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا يفرح إِلَّا بِمَا يُحِبهُ ويرضاه وَلَا يكره إِلَّا مَا يبغضه الرب ويكرهه وَلَا يوالى إِلَّا من وَالَاهُ الله وَلَا يعادي إِلَّا من عَادَاهُ الله وَلَا يحب إِلَّا لله وَلَا يبغض شَيْئا إِلَّا لله فَكلما قوي إخلاص دينه لله كملت عبوديته لله واستغناؤه عَنْ الْمَخْلُوقَات وبكمال عبوديته لله تكمل تبرئته من الْكبر والشرك" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀"ومن الشرك أن يدعو العبد غير الله كمن يستغيث في المخاوف والأمراض والفاقات بالأموات والغائبين … فإن هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله باتفاق المسلمين" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "إذا ناجى العبد ربه في السحر واستغاث به، وقال: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، أعطاه الله من التمكين ما لا يعلمه إلا الله" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت" (٤). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀ "فالتوحيد يحرِّر العبد من رِقّ المخلوقين والتعلُّقِ بهم، وخوفهم ورجائهم، والعمل لأجلهم، وهذا هو العزُّ الحقيقي، والشرف العالي،

стр. 611

ويكون مع ذلك متعبِّدًا لله لا يرجو سواه، ولا يخشى إلا إيَّاه، وبذلك يتمُّ فلاحه، ويتحقّق نجاحه" (١). المطلب السابع والعشرون: فقدان التوحيد وعدم تحصيل حقائق الإيمان يهوي بصاحبه في مقامات الظلم والحيرة والشرور ويبعده عن ولاية الله ونصره وتأييده. • قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. [الحج: الآيات: ٣٠ - ٣١]. • قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿حنفاء لله﴾ أي: مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل قصدا إلى الحق; ولهذا قال ﴿غير مشركين به﴾ ثم ضرب للمشرك مثلا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى فقال: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء﴾ أي: سقط منها، ﴿فتخطفه الطير﴾، أي: تقطعه الطيور في الهواء، ﴿أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ أي: بعيد مهلك لمن هوى فيه; ولهذا جاء في حديث البراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ) ﵁: "إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت، وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحا من هناك ". ثم قرأ هذه الآية. وقد ضرب الله تعالى للمشرك مثلا آخر في سورة " الأنعام "، وهو قوله: ﴿قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ

стр. 612

هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ [الأنعام: الآية: ٧١] " (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وشبه تارك الايمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين، من حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة. والطير التي تتخطف أعضاءه وتمزقه كل ممزق بالشياطين التي يرسلها عليه تؤزه أزا وتزعجه وتدفعه إلى مظان هلاكه. فكل شيطان له مزعة من دينه وقلبه، كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه والريح التي تهوى به في مكان سحيق: هو هواه الذي يحمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء" (٢). المطلب الثامن والعشرون: مخالف التوحيد جبار عنيد. • قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: الآية: ١٥]. • قال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: "العنيد الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله. قلت: والجبار والعنيد في الآية بمعنى واحد" (٣). • قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وعبر قتادة

стр. 613

(ت: ١١٨ هـ)، وغيره عن «الجبار» بأنه الذي يأبى أن يقول: لا إله إلا الله. و «العنيد» الذي يعاند ولا ينقاد" (١). • قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿وخاب كل جبار عنيد﴾ أي: متجبر في نفسه معاند للحق، كما قال تعالى: ﴿ألقيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد﴾ [ق: الآيات: ٢٤ - ٢٦] " (٢).

стр. 614

الفصل الثاني: محاسن التوحيد وبقية أركان الإيمان.

стр. 615

المبحث الأول: محاسن التوحيد والإيمان بالملائكة. وفيه أربعة مطالب. المطلب الأول: التوحيد أعظم مشهود عليه. • قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٩]. • قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: " اعلم أن الآية تدل على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله تعالى" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "أنه استشهد بهم على أجل مشهود به وأعظمه وأكبره وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العظيم أكابر الخلق وساداتهم" (٢). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس" (٣).

стр. 616

• قال عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀: "شهادة أن لا إله إلا الله أعظم شهادة في الوجود على أعظم مشهود به، فلا ينصرف الإطلاق إلاَّ إليها" (١). المطلب الثاني: التوحيد يلزم الملائكة كما يلزمهم الصلاة. • قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "وقال بعض من احتج لهذه الطائفة أن الصلاة لا تشبه سائر العبادات ولا يقاس إليها لأنها لم تزل مفتاح شرائع الأديان وهي دين الملائكة والخلق أجمعين. ولم يكن لله تعالى دين قط بغير صلاة، وليس كذلك الزكاة والصيام والحج فليس على الملائكة منها شيء والصلاة تلزمهم كما يلزمهم التوحيد وهي علم الإسلام الفاصل بين المسلم والكافر في كلام أكثر من هذا قد ذكره" (٢). المطلب الثالث: الملائكة تستغفر لأهل التوحيد: • قال تعالى: ﴿فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك﴾ [غافر: ٧] • قال مطرف بن عبد الله الشخير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: "أنصح عباد الله للمؤمنين هم الملائكة، وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين" (٣).

стр. 617

• قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: "وينبغي أن يقال: "أنصح العباد للعباد الأنبياء والملائكة" (١). • قال قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀: "قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ للّذِينَ آمَنُوا﴾ لأهل لا إله إلا الله" (٢). • قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ): ﵀ " ﴿فاغفر للذين تابوا﴾ من الشرك ﴿واتبعوا سبيلك﴾ يعني دينك ﴿وقهم عذاب الجحيم﴾ " (٣). • قال خلف بن هشام البزار القارئ (ت: ٢٢٩ هـ) ﵀: "كنت أقرأ على سليم بن عيسى (ت: ١٨٨ هـ) ﵀، فلما بلغت: ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾ بكى"، ثم قال: "يا خلف ما أكرم المؤمن على الله، نائما على فراشه والملائكة يستغفرون له" (٤). • قال يحيى بن معاذ الرازي (ت: ٢٥٨ هـ) ﵀-لأصحابه في هذه الآية: افهموها فما في العالم جنة أرجى منها، إن ملكا واحدا لو سأل الله أن يغفر لجميع المؤمنين لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين" (٥). • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقرّوا بمثل إقرارهم من توحيد الله، والبراءة من كلّ معبود سواه ذنوبهم، فيعفوها عنهم" (٦).

стр. 618

• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿فاغفر للذين تابوا﴾ من الشرك ﴿واتبعوا سبيلك﴾ يعني: الإسلام" (١). • قال الوزير ابن هبيرة (ت: ٥٦٠ هـ) ﵀: "علمت الملائكة أن الله- -يحب عباده المؤمنين، فتقربوا إليه بالشفاعة فيهم. وأحسن القرب أن يسأل المحب إكرام حبيبه، فإنك لو سألت شخصا أن يزيد في إكرام ولده لارتفعت عنده، حيث تحثه على إكرام محبوبه" (٢). • قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " ﴿فاغفر للذين تابوا﴾ أي من الشرك والمعاصي ﴿واتبعوا سبيلك﴾ أي دين الإسلام" (٣). • قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: " ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنه قيل: ويؤمنون به ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه دليل على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة والشفقة، وإن تباعدت الأجناس والأماكن" (٤). • قال الحسن بن محمد النيسابوري (ت: ٨٥٠ هـ) ﵀: "قال علماء السنة: إن مراد الملائكة ﴿فاغفر للذين تابوا﴾ عن الكفر ﴿واتبعوا سبيلك﴾ الإيمان وهذا لا ينافي كون المستغفر لهم مذنبين ومما يؤيد ما قلنا أن الاستغفار طلب المغفرة، والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العذاب، أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً" (٥). • قال عبد الرحمن الثعالبي المالكي (ت: ٨٧٥ هـ) ﵀: "قوله

стр. 619

تعالى: ﴿الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ الآية، أَخْبَرَ اللَّهُ سبحانَهُ بِخَبَرٍ يتضمَّنُ تَشْرِيفَ المؤمنِينَ، ويُعظِّمُ الرَّجاءَ لهم، وهو أنَّ الملائِكَةَ الحَامِلِينَ لِلْعَرْشِ والذينَ حَوْلَ العَرْشِ؛ وهؤلاءِ أفضلُ الملائِكَةِ يستغْفِرُونَ للمؤمنين، ويسألون اللَّهَ لَهُمُ الرَّحْمَةَ والجَنَّةَ؛ وهذا معنى قوله تعالى في غير هذه الآية، ﴿كَانَ على رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ [الفرقان: ١٦] أي سأَلَتْهُ الملائكةُ" (١). • قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: "لما بين أن الكفار يبالغون في إظهار العداوة مع المؤمنين بين أن أشرف طبقات المخلوقات هم الملائكة الذين هم حملة العرش والحافّون حول العرش يبالغون في إظهار المحبة والنصرة للمؤمنين، فكأنه تعالى يقول: إن كان هؤلاء الأراذل يبالغون في العداوة فلا تلفت إليهم ولا تُقِمْ لهم وزناً فإن حملة العرش معك، والحافّون من حول العرش ينصرونك وهم الكُرُبِيُّونَ" (٢). المطلب الرابع: الملائكة تحرس قائلها وتحفظه. • عن عمارة بن شبيب السبائى (ت: ٥٠ هـ) ﵁، قال قال رسول الله ﷺ : «من قال: لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات على أثر المغرب بعث الله مسلحة يحفظونه من الشيطان حتى يصبح، وكتب الله له

стр. 620

بها عشر حسنات موجبات، ومحى عنه عشر سيئات موبقات، وكانت له بعدل عشر رقاب مؤمنات» (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀ "من كان إيمانه أقوى من غيره، كان جنده من الملائكة أقوى" (٢).

стр. 621

المبحث الثاني: محاسن التوحيد والإيمان بالكتب. وفيه تسعة مطالب. المطلب الأول: التوحيد من أجله أنزل الله الكتب • قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [هود: الآيات: ١ - ٢]. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وعبادة الله وحده هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب" (١). • قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "أي: نزل هذا القرآن المحكم المفصَّل لعبادة الله وحده لا شريك له؛ كقوله - تعالى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: الآية: ٣٦] " (٢).

стр. 622

• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "يقول-تعالى-: هذا ﴿كِتَابٌ﴾ عظيم، ونُزُل كريم، ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي: أُتْقِنت وأُحْسِنَت، صادقة أخبارها، عادلة أوامرها ونواهيها، فصيحة ألفاظه بهية معانيه، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾؛ أي: ميزت، بينت بيانًا في أعلى أنواع البيان، ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾ يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، لا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه حكمته، ﴿خَبِيرٍ﴾ مطَّلع على الظواهر والبواطن، فإذا كان إحكامه وتفصيله من عند الله الحكيم الخبير فلا تسأل بعد هذا عن عظمته وجلالته واشتماله على كمال الحكمة وسعة الرحمة، وإنما أنزل الله كتابه لأجل ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾؛ أي: لأجل إخلاص الدين كله لله، وألاّ يشرك به أحد من خلقه، ﴿إِنَّنِي لَكُمْ﴾ أيُّها الناس ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من الله ربكم ﴿نَذِيرٌ﴾ لِمَنْ تجرَّأ على المعاصي، بعقاب الدنيا والآخرة ﴿وَبَشِيرٌ﴾ للمطيعين لله، بثواب الدنيا والآخرة" (١). • قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "فهذه الآية الكريمة فيها الدلالة الواضحة على أن الحكمة العظمى التي أُنزل القرآن من أجلها هي: أن يُعبد الله-جلَّ وعلا-وحده، ولا يُشرك به في عبادته شيء؛ لأن قوله-جل وعلا-: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [هود: الآيات: ١ - ٢]- صريح في أن آيات هذا الكتاب فصِّلت من عند الحكيم الخبير؛ لأجل أن يُعبد الله وحده" (٢).

стр. 623

المطلب الثاني: سور التوحيد أفضل من غيرها. • قال أبو عبد الله الحسن بن الحسين الحليمي (ت: ٤٠٤ هـ) ﵀: "الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله تعالى وبيان صفاته، والدلالة على عظمته وقدسه أفضل أو خير، بمعنى أن يتعين أنها أسنى وأجل قدرا" (١). • قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "الآيات المشتملة على دلائل علم الأصول أشرف من الآيات المشتملة على دلائل علم الفروع، بدليل أنه قد جاء في فضيلة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: الآية: ١]. و ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: الآية: ٢٨٥]، وآية الكرسي، و ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨]، ما لم يجيء في فضيلة قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: الآية: ٢٢٢]، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: الآية: ٢٧٥]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: الآية: ٢٨٢] الآية. ولذلك فإن الزهاد والعباد يواظبون في شرائف الأوقات على قراءة هذه الآيات المشتملة على الإلهيات، دون الآيات المشتملة على الأحكام. والآيات الواردة في الأحكام الشرعية أقل من ستمائة آية، وأما اللواتي في بيان التوحيد والرد على عبدة الأوثان وأصناف المشركين، وفي إثبات النبوات والمعاد، ومسألة القضاء والقدر فكثيرة. " (٢). • قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المالكي (ت: ٥٤٣ هـ) ﵀: "القرآن توحيد وأحكام ووعظ و ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: الآية: ١]، فيها

стр. 624

التوحيد كله. وبهذه المعاني وقع البيان في قوله ﷺ لأبى بن كعب: «أي آية في القرآن أعظم؟» قال: ﴿لا إله إلا هو الحي القيوم﴾. قال: «ليهنك العلم يا أبا المنذر» (١). وإنما كانت أعظم؟ لأنها توحيد كلها، كما صار قوله: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله" الحديث (٢)، أفضل الذكر؛ لأنها كلمة حوت علوم جميع التوحيد، والفاتحة تضمنت التوحيد كله والعبادة والوعظ والتذكير، ولا يستبعد ذلك في قدرة الله، فإن الله جمع التوحيد كله في آية الكرسي، ثم جمعه في أقل حروفا منها التوحيد، وهو: ﴿قل هو الله أحد﴾. ثم جمعه لرسوله في كلمات يوم عرفة المتقدمة. ثم جمع ذلك في آية واحدة، وهي قوله: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ [الأحقاف: الآية: ٣]. وقوله: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾ [المؤمنون: الآية: ١١٥] " (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ولهذا كانت سورة "الأنعام" أفضل من غيرها وكذلك سورة "يس" ونحوها من السور التي فيها أصول الدين التي اتفق عليها الرسل كلهم صلوات الله عليهم. ولهذا كانت ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: الآية: ١]، مع قلة حروفها تعدل ثلث القرآن؛ لأن فيها التوحيد فعلم أن آيات التوحيد أفضل من غيرها﴾ " (٤). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كلمة التوحيد أفضل الكلام،

стр. 625

وأعظمه فأعظم آية في القرآن آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥]. وقال ﷺ «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (١) " (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "النبي ﷺ سأل أبيًا «أي آية في كتاب الله أعظم؟» فأجابه أبيّ بأنها آية الكرسي، فضرب بيده في صدره وقال «ليهنك العلم»، ولم يستشكل أبيّ ولا غيره السؤال عن كون بعض القرآن أعظم من بعض، بل شهد النبي بالعلم لمن عرف فضل بعضه على بعض؛ وعرف أفضل الآيات" (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظم قدرا من آيات المعاد، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي؛ المتضمنة لذلك، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، وقد ثبت عنه ﷺ من غير وجه أن ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: الآية: ١]، تعدل ثلث القرآن" (٤). المطلب الثالث: كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه. • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه، فإن القرآن: إمَّا خبر عن الله

стр. 626

وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإمَّا أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم" (١). • قال ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: ٦٣٧ هـ) ﵀: "المراد بالقرآن هو دعوة العباد إلى الله تعالى، ولذلك انحصرت سوره وآياته في ستة أقسام: ثلاثة منها هي الأصول، وثلاثة هي الفروع. أما الأصول: فالأول منها: تعريف المدعوّ إليه، وهو الله تعالى، ويشتمل هذا الأصل على ذكر ذاته وصفاته وأفعاله. والأصل الثاني: تعريف الصراط المستقيم الذي تجب ملازمته في السلوك إلى الله تعالى ويشتمل هذا الأصل على التّبتّل بعبادة الله بأفعال القلب وأفعال الجوارح؛ والأصل الثالث: تعريف الحال بعد الوصول إلى الله تعالى، أعني بعد الموت، ويشتمل هذا الأصل على تفصيل أحوال الدار الآخرة من الجنة والنار والصراط والميزان والحساب، وأشباه ذلك؛ فهذه الأصول الثلاثة.

стр. 627

وأما الفروع فالأول منها: تعريف أحوال المجيبين للدعوة، ولطائف صنع الله بهم من النّصرة والإدالة، وتعريف أحوال المخالفين للدعوة والمحادّين لها، وكيفية صنع الله في التّدمير عليهم والتنكير بهم، والفرع الثاني: ذكر مجادلة الخصوم ومحاجّتهم، وحملهم بالمجادلة والمحاجّة على طريق الحق، وهؤلاء هم اليهود والنصارى ومن يجري مجراهم من أرباب الشرائع، والفلاسفة والملحدة من غير أرباب الشرائع؛ والفرع الثالث: تعريف عمارة منازل الطريق، وكيفية أخذ الزاد والأهبة للاستعداد، وذاك قياس الشريعة، وتبيين الحكمة في أوامرها التي تتعلق بأفعال أهل التكليف. فهذه الأقسام الستة المشار إليها هي التي تدور معاني القرآن عليها ولا تتعداها" (١). المطلب الرابع: التوحيد يعدل ثلث القرآن. • قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "وقوله: "إنها لتعدل ثلث القرآن"، أي: في الفضيلة والأجر، وليس يجوز تفضيل شيء من القرآن على شيء منه لذاته، فإن المفضول منقوص، وإنما فضلت هذه السورة في فضل ثوابها، إذ هي سورة الإخلاص ليس فيها شيء من العمل، إنما هي التوحيد والتفريد لاغير" (٢).

стр. 628

• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وقال ﷺ : «إن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن». قال: بما فيها من التوحيد" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقوله ﷺ للناس: «احتشدوا حتى أقرأ عليكم ثلث القرآن فحشدوا حتى قرأ عليهم: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: الآية: ١]، قال: «والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن». وأما توجيه ذلك: فقد قالت طائفة من أهل العلم: إن القرآن باعتبار معانيه ثلاثة أثلاث: ثلث توحيد وثلث قصص وثلث أمر ونهي. و ﴿قل هو الله أحد﴾ هي صفة الرحمن ونسبه وهي متضمنة ثلث القرآن، وذلك لأن القرآن كلام الله تعالى والكلام إما إنشاء وإما إخبار فالإنشاء هو الأمر والنهي وما يتبع ذلك كالإباحة ونحوها وهو الإحكام. والإخبار: إما إخبار عن الخالق، وإما إخبار عن المخلوق. فالإخبار عن الخالق: هو التوحيد وما يتضمنه من أسماء الله وصفاته. والإخبار عن المخلوق: هو القصص وهو الخبر عما كان وعما يكون ويدخل فيه الخبر عن الأنبياء وأممهم ومن كذبهم والإخبار عن الجنة والنار والثواب والعقاب. قالوا: فبهذا الاعتبار تكون ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن لما فيها من التوحيد الذي هو ثلث معاني القرآن" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿قل هو الله

стр. 629

أحد - الله الصمد - لم يلد ولم يولد - ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: الآيات: ١ - ٤]. ولهذا كانت هذه السورة تعدل ثلث القرآن؛ لأنها صفة الرحمن. والقرآن ثلثه توحيد، وثلثه قصص، وثلثه أمر ونهي؛ لأنه كلام الله، والكلام إما إنشاء وإما إخبار، والإخبار إما عن الخالق وإما عن المخلوق، فصار ثلاثة أجزاء: جزء أمر ونهي وإباحة وهو الإنشاء، وجزء إخبار عن المخلوقين، وجزء إخبار عن الخالق، ف " ﴿قل هو الله أحد﴾ " صفة الرحمن [محضا]. وقد بسطنا الكلام على تحقيق قول النبي ﷺ «إنها تعدل ثلث القرآن» في مجلد، وفي تفسيرها في مجلد آخر" (١). • قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀-في إشارته إلى الحيّز الكبير الذي تشغله النصوص المتضمنة للعلم بالله تعالى وعبادته من القرآن؛ عن التوحيد العلمي الخبري: "لا تكاد تخلو ورقة من المصحف منه" (٢). المطلب الخامس: آيات التوحيد أكثر ورودًا في القرآن من آيات الأحكام. من التقسيم الذي قال به بعضُ أهل العلم أن القرآن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد، وأخبار، وأحكام، وهذه الأقسام عند التحقيق كلها تعود إلى التوحيد.

стр. 630

• قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن فيه من ذِكْر أسماء الله وصفاته وأفعاله أكثر مما فيه من ذِكر الأكل والشُّرب والنكاح في الجنة، والآياتُ المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظمُ قدرًا من آيات المعاد؛ فأعظمُ آيةٍ في القرآن آيةُ الكرسي المتضمنة لذلك … ، وأعظم سورةٍ سورةُ أمِّ القرآن .. " (١). بل إن أغلب آيات الأحكام تختم بذكر أسماء الله وصفاته، والمتدبِّرُ لكلام الله - جل ذكره - يجد أن الآياتِ المختومةَ ببعض أسماء الله -تعالى- لا تنتهي إلا بما يناسِبُها من الأسماء، ولنكتفِ بمثال واحد؛ قال -تعالى- في سورة المائدة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: الآيات: ٣٨، ٣٩]، قال الأصمعي - رحمه الله تعالى -: "قرأتُ هذه الآيةَ وإلى جنبي أعرابي، فقلت: والله غفور رحيم - أي بدلاً من "وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" - سهوًا، فقال الأعرابيُّ: كلامُ من هذا؟ قلت: كلامُ الله، قال: أعِدْ، فأعَدْتُ والله غفور رحيم، فقال: ليس هذا كلامَ الله، فتنبَّهْتُ، فقلت: "وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" فقال: أصَبْتَ، هذا كلامُ الله، فقلت: أتقرأُ القرآن؟ قال: لا، فقلت: فمن أين علِمْتَ أني أخطأت؟ فقال: يا هذا، عزَّ فحكَم فقطَع، ولو غفَر ورحِم ما قطَع" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به. ومعلوم أن الناس متفاضلون في تحقيقه، وحقيقته إخلاص

стр. 631

الدين كله لله" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "جماع الدين هو عبادة الله وحده، وأعظم الذنوب الشرك، والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه والترغيب فيه، وبيان سعادة أهله، وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه وبيان شقاوة أهله" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فتأمل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها كيف تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها وأنه المتفرد بذلك الكمال فليس له فيه شبه ولا مثال" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الله سبحانه نصب الأدلة على التوحيد، وأقام البراهين وأظهر الآيات، وأمرنا أن نشهد الأدلة والآيات، وننظر فيها ونستدل بها، ولا يجتمع هذا الإثبات وذلك النفي البتة، والمخلوقات كلها آيات للتوحيد، وكذلك الآيات المتلوة أدلة على التوحيد" (٤). المطلب السادس: آيات التوحيد دلالتها على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها. قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الصحابة لم يتنازعوا في

стр. 632

تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها، مع فهم معانيها وإثبات حقائقها. وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانا، وأن العناية ببيانها أهم؛ لأنها من تمام تحقيق الشهادتين، وإثباتها من لوازم التوحيد، فبينها الله ورسوله بيانا شافيًا لا يقع فيه لبس ولا إشكال يوقع الراسخين في العلم في منازعة ولا اشتباه. ومن شرح الله لها صدره ونور لها قلبه يعلم أن دلالتها على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها. ولهذا آيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس، وأما آيات الأسماء والصفات فيشترك في فهمها الخاص والعام، أعني: فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية. ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله: ﴿يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ حتى بين لهم بقوله: ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٦] ولم يشكل عليه ولا على غيره قوله: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة: ١٨٥] وأمثالها من آيات الصفات، وأشكل على عمر بن الخطاب آية الكلالة، ولم يشكل عليه أول الحديد وآخر الحشر وأول سورة طه، ونحوها من آيات الصفات" (١). المطلب السابع: آيات التوحيد يستحيل دخول النسخ عليها. • قال أبو بكر بن أبي طالب القيسي (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "فلا يجوز أن يدخل أخبار الله تعالى النسخ أو التبديل، بل هي محكمة ثابتة؛

стр. 633

لأنه تعالى إذا أخبر عن شيء فإنما يخبر بعلمه، وعلمه أزلي لا أول له، وهو مطابق للأمر في نفسه، علم ما كان، وما يكون، وما سيكون، فلو أخبر عن شيء أنه كان أو سيكون، ثم أخبر بنقيض ذلك أو برفعه، لكان ذلك خلفا وكذبا، مستلزما سبق الجهل، وحدوث العلم وتجدده، وهذا مما يعلم ضرورة أن الله تعالى منزه عنه، بل هو من صفات المخلوقين المربوبين، لا من صفات الخالق سبحانه" (١). • قال أبو جعفر النحاس (ت: ٣٣٨ هـ) ﵀-في معرض الرد على من يجوز النسخ في الأخبار-: "وهذا القول عظيم جدا، يؤول إلى الكفر؛ لأن قائلا لو قال: قام فلان، ثم قال: لم يقم، ثم قال: نسخته لكان كاذبا" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كتاب الله نوعان: خبر وأمر، أما الخبر فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يفسر أحد الخبرين الآخر، ويبين معناه، وأما الأمر فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله إلا بما أنزله الله، فمن أراد أن ينسخ شرع الله الذي أنزله برأيه وهواه كان ملحدا، وكذلك من دفع خبر الله برأيه ونظره كان ملحدا" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀، عند الكلام عن سورة الكافرون: "فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة، وعمومها نص محفوظ، وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها، فإن أحكام التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل

стр. 634

دخول النسخ فيه، وهذه السورة أخلصت التوحيد، ولهذا تسمى سورة الإخلاص" (١). المطلب الثامن: آيات التوحيد الأكثر ورودًا في السور المكية. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن السور المكية تضمنت الأصول التي اتفقت عليها رسل الله؛ إذ كان الخطاب فيها يتضمن الدعوة لمن لا يقر بأصل الرسالة وأما السور المدنية ففيها الخطاب لمن يقر بأصل الرسالة كأهل الكتاب الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض وكالمؤمنين الذين آمنوا بكتب الله ورسله؛ ولهذا قرر فيها الشرائع التي أكمل الله بها الدين: كالقبلة والحج والصيام والاعتكاف والجهاد وأحكام المناكح ونحوها؛ وأحكام الأموال بالعدل كالبيع والإحسان كالصدقة والظلم كالربا وغير ذلك مما هو من تمام الدين ولهذا كان الخطاب في السور المكية: ﴿يا أيها الناس﴾ لعموم الدعوة إلى الأصول؛ إذ لا يدعى إلى الفرع من لا يقر بالأصل" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة، وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية" (٣).

стр. 635

المطلب التاسع: التوحيد هو أول أمر في القرآن. • قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: الآية: ٢١]. هذه الآية تضمّنت أوّل أمر وأوّل نهي في القرآن الكريم، فكان أوّل أمر هو الأمر بتوحيد الله، وأوّل نهي هو النّهي عن الإشراك بالله . • قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد" (١). • قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾، يعني المنافقين واليهود وحِّدوا ربكم، ﴿الذي خلقكم﴾ ولم تكونوا شيئا، ﴿والذين من قبلكم﴾ من الأمم الخالية ﴿لعلكم﴾، يعني لكي ﴿تتقون﴾ الشرك وتوحدوا الله إذا تفكرتم في خلقكم وخلق الذين من قبلكم" (٢). • قال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٣٣ هـ) ﵀: "هذا أول أمر في القرآن، وهو الأمر بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك، كما في قوله: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: الآية: ٢١]. وتأمل كيف أمر تعالى بعبادته، أي: فعلها خالصة له، ولم يخص بذلك نوعا من
следующие страницы →