← Акыда

Акыда · id 30015

محاسن التوحيد وارتباطها بأركان الإيمان

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (742 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الدين كله لله" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "جماع الدين هو عبادة الله وحده، وأعظم الذنوب الشرك، والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه والترغيب فيه، وبيان سعادة أهله، وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه وبيان شقاوة أهله" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فتأمل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها كيف تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها وأنه المتفرد بذلك الكمال فليس له فيه شبه ولا مثال" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الله سبحانه نصب الأدلة على التوحيد، وأقام البراهين وأظهر الآيات، وأمرنا أن نشهد الأدلة والآيات، وننظر فيها ونستدل بها، ولا يجتمع هذا الإثبات وذلك النفي البتة، والمخلوقات كلها آيات للتوحيد، وكذلك الآيات المتلوة أدلة على التوحيد" (٤). المطلب السادس: آيات التوحيد دلالتها على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها. قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الصحابة لم يتنازعوا في

стр. 632

تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها، مع فهم معانيها وإثبات حقائقها. وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانا، وأن العناية ببيانها أهم؛ لأنها من تمام تحقيق الشهادتين، وإثباتها من لوازم التوحيد، فبينها الله ورسوله بيانا شافيًا لا يقع فيه لبس ولا إشكال يوقع الراسخين في العلم في منازعة ولا اشتباه. ومن شرح الله لها صدره ونور لها قلبه يعلم أن دلالتها على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها. ولهذا آيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس، وأما آيات الأسماء والصفات فيشترك في فهمها الخاص والعام، أعني: فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية. ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله: ﴿يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ حتى بين لهم بقوله: ﴿من الفجر﴾ [البقرة: ١٨٦] ولم يشكل عليه ولا على غيره قوله: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة: ١٨٥] وأمثالها من آيات الصفات، وأشكل على عمر بن الخطاب آية الكلالة، ولم يشكل عليه أول الحديد وآخر الحشر وأول سورة طه، ونحوها من آيات الصفات" (١). المطلب السابع: آيات التوحيد يستحيل دخول النسخ عليها. • قال أبو بكر بن أبي طالب القيسي (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "فلا يجوز أن يدخل أخبار الله تعالى النسخ أو التبديل، بل هي محكمة ثابتة؛

стр. 633

لأنه تعالى إذا أخبر عن شيء فإنما يخبر بعلمه، وعلمه أزلي لا أول له، وهو مطابق للأمر في نفسه، علم ما كان، وما يكون، وما سيكون، فلو أخبر عن شيء أنه كان أو سيكون، ثم أخبر بنقيض ذلك أو برفعه، لكان ذلك خلفا وكذبا، مستلزما سبق الجهل، وحدوث العلم وتجدده، وهذا مما يعلم ضرورة أن الله تعالى منزه عنه، بل هو من صفات المخلوقين المربوبين، لا من صفات الخالق سبحانه" (١). • قال أبو جعفر النحاس (ت: ٣٣٨ هـ) ﵀-في معرض الرد على من يجوز النسخ في الأخبار-: "وهذا القول عظيم جدا، يؤول إلى الكفر؛ لأن قائلا لو قال: قام فلان، ثم قال: لم يقم، ثم قال: نسخته لكان كاذبا" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كتاب الله نوعان: خبر وأمر، أما الخبر فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يفسر أحد الخبرين الآخر، ويبين معناه، وأما الأمر فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله إلا بما أنزله الله، فمن أراد أن ينسخ شرع الله الذي أنزله برأيه وهواه كان ملحدا، وكذلك من دفع خبر الله برأيه ونظره كان ملحدا" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀، عند الكلام عن سورة الكافرون: "فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة، وعمومها نص محفوظ، وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها، فإن أحكام التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل

стр. 634

دخول النسخ فيه، وهذه السورة أخلصت التوحيد، ولهذا تسمى سورة الإخلاص" (١). المطلب الثامن: آيات التوحيد الأكثر ورودًا في السور المكية. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن السور المكية تضمنت الأصول التي اتفقت عليها رسل الله؛ إذ كان الخطاب فيها يتضمن الدعوة لمن لا يقر بأصل الرسالة وأما السور المدنية ففيها الخطاب لمن يقر بأصل الرسالة كأهل الكتاب الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض وكالمؤمنين الذين آمنوا بكتب الله ورسله؛ ولهذا قرر فيها الشرائع التي أكمل الله بها الدين: كالقبلة والحج والصيام والاعتكاف والجهاد وأحكام المناكح ونحوها؛ وأحكام الأموال بالعدل كالبيع والإحسان كالصدقة والظلم كالربا وغير ذلك مما هو من تمام الدين ولهذا كان الخطاب في السور المكية: ﴿يا أيها الناس﴾ لعموم الدعوة إلى الأصول؛ إذ لا يدعى إلى الفرع من لا يقر بالأصل" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الاعتناء في السور المكية إنما هو بأصول الدين من تقرير التوحيد والمعاد والنبوة، وأما تقرير الأحكام والشرائع فمظنة السور المدنية" (٣).

стр. 635

المطلب التاسع: التوحيد هو أول أمر في القرآن. • قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: الآية: ٢١]. هذه الآية تضمّنت أوّل أمر وأوّل نهي في القرآن الكريم، فكان أوّل أمر هو الأمر بتوحيد الله، وأوّل نهي هو النّهي عن الإشراك بالله . • قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد" (١). • قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾، يعني المنافقين واليهود وحِّدوا ربكم، ﴿الذي خلقكم﴾ ولم تكونوا شيئا، ﴿والذين من قبلكم﴾ من الأمم الخالية ﴿لعلكم﴾، يعني لكي ﴿تتقون﴾ الشرك وتوحدوا الله إذا تفكرتم في خلقكم وخلق الذين من قبلكم" (٢). • قال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٣٣ هـ) ﵀: "هذا أول أمر في القرآن، وهو الأمر بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك، كما في قوله: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: الآية: ٢١]. وتأمل كيف أمر تعالى بعبادته، أي: فعلها خالصة له، ولم يخص بذلك نوعا من

стр. 636

أنواع العبادة، لا دعاء ولا صلاة ولا غيرهما، ليعم جميع أنواع العبادة، ونهى عن الشرك به، ولم يحض أيضا نوعا من أنواع العبادة بجواز الشرك فيه" (١).

стр. 637

المبحث الثالث: محاسن التوحيد والإيمان بالرسل. وفيه أحد عشر مطلبًا. المطلب الأول: التوحيد أساس دعوة الرسل. • قال- : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥]. فكل الرسل عليهم الصلاة والسلام قبل النبي- ﷺ : زبدة رسالتهم وأصلها: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبيان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة (١)؛ ولهذا قال الله : ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُون﴾ [الزخرف: الآية: ٤٥]. • قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: الاية: ٣٦].

стр. 638

• قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى: الآية: ١٥]. • قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿فلذلك فادع﴾ أي: فإلى هذا فادع، وهو التوحيد" (١). • قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) عند تفسير قوله-تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥]؛ "أي: قلنا للجميع: لا إله إلا الله؛ فأدلَّة العقل شاهدةٌ أنه لا شريك له، والنقل عن جميع الأنبياء موجود، والدليل إمَّا معقولٌ وإما منقولٌ، وقال قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ): لم يُرْسَل نبيٌّ إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في التوراة والإنجيل والقرآن، وكلُّ ذلك على الإخلاص والتوحيد" (٢). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأصل دعوة جميع المرسلين قولهم ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ وعلى ذلك قاتل من قاتل منهم المشركين كما قال خاتم الرسل: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (٣)، قال الله تعالى ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه﴾ [الشورى: الآية: ١٣] " (٤).

стр. 639

• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ (﵀: "التوحيد الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وبه بعث الله الأولين والآخرين من الرسل. • قال تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: الآية: ٤٥]. • قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة﴾ [النحل: الآية: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥]. وقد أخبر الله - تعالى - عن كل من الرسل، مثل نوح وهود، وصالح وشعيب، وغيرهم، أنهم قالوا لقومهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. وهذا أول دعوة الرسل وآخرها" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى: قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: الآية: ٥٩] وقال هود لقومه: ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: الآية: ٦٥] وقال صالح لقومه: ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: الآية: ٧٣] وقال شعيب لقومه: ﴿اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: الآية: ٨٥] وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: الآية: ٣٦] " (٢).

стр. 640

• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "دعوة الرسل تدور على ثلاثة أمور: تعريف الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله. الأصل الثاني: معرفة الطريق الموصلة إليه وهي ذكره وشكره وعبادته التي تجمع كمال حبه وكمال الذل له. الأصل الثالث: تعريفهم ما لهم بعد الوصول إليه في دار كرامته من النعيم الذي أفضله وأجله رضاه عنهم وتجليه لهم ورؤيتهم وجهه الأعلى وسلامه عليهم وتكليمه إياهم ومحاضرتهم في مجالسهم" (١). • قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "أصل الدعوة في كل ملة التوحيد، وكان الشاك فيه شاكا في الله، وكان أمر الله من الظهور بحيث لا يشك فيه عاقل حكم عقله مجردا عن الهوى" (٢). • قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: "لم يبعث الله سبحانه رسله، ولا أنزل عليهم كتبه إلا لإخلاص توحيده، وإفراده بالعبادة" (٣). • قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "يخبر الله- -أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمّة متقدّمة، أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولاً، وكلهم متفقون على دعوة واحدة، ودين واحد، وهو: عبادة الله وحده لا شريك له، فانقسمت الأمم بحسب استجابتها لدعوة الرسل قسمين: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله﴾ [النحل: الآية: ٣٦] فاتبعوا المرسلين، ﴿وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: الآية: ٣٦]، فاتبع سبيل الغي" (٤).

стр. 641

• قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم على أصل العبادة وأساسها، وهو التوحيد بأن يفرد الله تعالى بجميع أنواع العبادة اعتقادا وقولا وعملا، ويكفر بكل ما يعبد من دونه، وأما الفروض المتعبد بها فقد يفرض على هؤلاء من الصلاة والصوم ونحوها مالا يفرض على الآخرين، ويحرم على هؤلاء ما يحل للآخرين، امتحانا من الله تعالى ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ [هود: ٧] الدليل على ذلك من الكتاب على نوعين مجمل ومفصل. أما المجمل فمثل قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: الآية: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: الآية: ٤٥] الآيات، وأما المفصل فمثل قوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: الآية: ٥٩] ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله﴾ [الأعراف: الآية: ٧٣] ﴿وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: الآية: ٦٥] ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: الآية: ٨٥] ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون - إلا الذي فطرني﴾ [الزخرف: الآيات: ٢٦ - ٢٧] وقال موسى: ﴿إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما﴾ [طه: الآية: ٩٨]، ﴿وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾ [المائدة: الآية: ٧٢] ﴿قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله

стр. 642

الواحد القهار﴾ [ص: الآية: ٦٥] وغيرها من الآيات" (١). • قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "فعلينا أن نعلم أن هذا الذي أمر به سيدنا ﷺ من تحقيق العبودية لله، وإخلاص حقوق الله لله، وتحقيق معنى (لا إله إلا الله) علينا أن نتبع فيه نبينا- ﷺ " (٢). المطلب الثاني: التوحيد مفتاح دعوة الرسل. • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالتوحيد: مفتاح دعوة الرسل، ولهذا قال النبي- ﷺ -لرسوله معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-وقد بعثه إلى اليمن - «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله وحده، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة» (٣). وذكر الحديث وقال ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله» (٤)، ولهذا كان الصحيح: أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك - كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم" (٥).

стр. 643

• قال ابن القيم ٠ ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وقد اقتضت رحمة العزيز الحكيم أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين، وجعل معرفته سبحانه بأسمائه وصفاته، أفعاله هي مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم، فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، والأصل الأول فيها: معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله. ثم يتبع هذا الأصل أصلان عظيمان هما: ا- تعريف الناس الطريق الموصلة إلى الله، وهي: "شريعته المتضمنة لأمره ونهيه". ٢ - تعريفهم مآلهم في الآخرة. وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول مبنيان عليه، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصلة إليه، وأعرفهم بحال الناس عند القدوم عليه" (١). • قال ابن القيم ٠ ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن الله جعل لكل خير وشر مفتاحاً وباباً يُدخل منه إليه. كما جعل الشرك والكِبر والأعراض عما بعث الله به رسوله والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحا للنار" (٢). • قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومفتاح كل شرٍّ؛ حُبُّ الدنيا وطول الأمل. وهذا بابٌ عظيمٌ، من أنفع أبواب العلم، وهو: معرفة مفاتيح الخير والشر، لا يُوفق لمعرفته ومراعاته إلا من عَظُم حظُّه وتوفيقه" (٣).

стр. 644

المطلب الثالث: التوحيد خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "معرفة رب العالمين غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإخلاص الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله سواه وهو الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل، وأنزل به جميع الكتب واتفق عليه أهل الإيمان، وهذا هو خلاصة الدعوة النبوية وهو قطب القرآن الذي تدور عليه رحاه" (٢). • قال محمد بن عبد الله الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) ﵀: " التوحيد هو المقصود الأصلي من بعثة الرسل" (٣). المطلب الرابع: التوحيد أصل دين الأنبياء وإن اختلفت شرائعهم. • عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أَولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد» (٤).

стр. 645

• قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم﴾ [البقرة: الآية: ٤١]، بما أنزلت في القرآن مصدقا لما معكم من التوراة. يعني أن القرآن مصدق لما في التوراة من التوحيد ونعت محمد" (١). • قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الزنبياء: الآية: ٩٢]، أي: وحدوني، وحقيقة معنى الآية: أن الملة التي دعوتكم إليها هي ملة الأنبياء قبلكم، إذ دين الكل واحد، وهذا في التوحيد، فأما الشرائع يجوز اختلافها، ويقال: معنى الآية: أنكم خلق واحد وكونوا على دين واحد" (٢). • قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "واختلف المتأولون في معنى قوله ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾ فقال علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁-وقتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀ (ت: ١١٨ هـ)، وجمهور المتكلمين: المعنى «لكل أمة منكم جعلنا شرعة ومنهاجا» أي لليهود شرعت ومنهاج وللنصارى كذلك وللمسلمين كذلك. وهذا عندهم في الأحكام، وأما في المعتقد فالدين واحد لجميع العالم توحيد وإيمان بالبعث وتصديق للرسل، وقد ذكر الله تعالى في كتابه عددا من الأنبياء شرائعهم مختلفة، ثم قال لنبيه ﷺ ﴿أولئك الذين

стр. 646

هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: الآية: ٩٠] فهذا عند العلماء في المعتقدات فقط، وأما أحكام الشرائع فهذه الآية هي القاضية فيها لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" (١). • قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "قال جمهور العلماء معنى الحديث: أصل إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة فإنهم متفقون في أصول التوحيد وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف، فقوله: «ودينهم واحد» أي أصول التوحيد، أو أصل طاعة الله تعالى وإن اختلفت صفتها، أو أصول التوحيد والطاعة جميعا" (٢). فآفاد الحديث أن الأنبياءَ كلَّهم على دين واحد هو دين الإسلام فكلُّهم دعَوا إلى عبادة الله وحده وعدمِ الإشراك به شيئًا والتصديقِ بأنبيائه، ولكنَّ شرائعَهم مختلفةٌ أي الأحكام. فالمرسلين قاطبة يَنتسِبون إلى أصلٍ واحد، هو الدين القيِّم، الذي ارتضاه الله لنفسه، وشرَعه لعبده، ثم وصَّى به رُسله، وكتب ألا يَقبَل غيره، وألا يجزي إلا به، وتعاقب الأنبياء على هذا الدين الحق، الذي أصوله: توحيد الله وتنزيهه. • قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: عند قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا﴾ [النساء: الآية: ١٦٣] "المراد كما أوحينا إليهم في التوحيد ونحوه من قواعد الأصول" (٣).

стр. 647

• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: "اختصاص كل أمة بشرعة إنما هو في فروع التكاليف، أما التوحيد ونحوه من أصول الديانات فالشرائع فيه واحدة" (١). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأصل الدين وقاعدته يتضمن أن يكون الله هو المعبود الذي تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه، والإله ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك. والله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو فتخلو القلوب عن محبة ما سواه بمحبته، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن سؤال ما سواه بسؤاله، وعن العمل لما سواه بالعمل له، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به" (٢). • قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: "التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه " (٣). • قال محمد أنور شاه بن معظم شاه الكشميري الهندي (ت ١٣٥٣ هـ) ﵀: "والذي ظهر لي: أن بعثة الأنبياء كلهم عامة في حق التوحيد كما صرح به ابن دقيق العيد (ت: ٦٢٥ هـ) ﵀، بمعنى أنه يجوز لهم أن يدعو إليه من شاؤوا سواء كانوا مبعوثين إليهم أم لا. ويجب على

стр. 648

القوم إجابة دعوتهم ولا يسع لهم الإنكار بحال، فإن أنكروا استحقوا النار" (١). المطلب الخامس: التوحيد هو نذارة الأنبياء والرسل للناس. • قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِر وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: الآية: ٦٥]. • قال تعالى: ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون﴾ [النحل: الآية: ٢]. • قال الربيع بن أنس (ت: ١٣٩ هـ) ﵀: "حق على من اتبع رسول الله ﷺ أن يدعو كالذي دعا رسول الله ﷺ ، وأن ينذر كالذي أنذر" (٢). • قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿قل إنما أنا منذر﴾ يعني رسول ﴿وما من إله إلا الله الواحد﴾ لا شريك له ﴿القهار﴾ آية لخلقه" (٣). • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿وَما مِنْ إلَهٍ إلاّ اللّهُ الوَاحِدُ القهّارُ﴾ [ص: الآية: ٦٥]، "يقول: وما من معبود تصلح له العبادة، وتنبغي له الربوبية، إلا الله الذي يدين له كلّ شيء، ويعبدهُ كلّ خلق، الواحد الذي لا ينبغي أن يكون له في ملكه شريك، ولا ينبغي أن تكون له

стр. 649

صاحبة، القهار لكلّ ما دونه بقدرته" (١). • قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿قل إنما أنا منذر﴾ أي: نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ﴿وما من إله إلا الله الواحد القهار﴾ أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المنفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقدرته" (٢). • قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "واعلم أن الشرائع مختلفة، ولكل قوم شريعة … وأما الدين في الكل واحد، وهو التوحيد" (٣). • قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا منذر﴾ أي مخوف عقاب الله لمن عصاه وقد تقدم. ﴿وما من إله﴾ أي معبود ﴿إلا الله الواحد القهار﴾ الذي لا شريك له" (٤). • قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿قل﴾ أي لمن يقول لك ذلك: ﴿إنما أنا منذر﴾ أي مخوف لمن عصى، ولم أدّع أني إله، ليطلب مني ذلك فإنه لا يقدر على مثله إلا الإله، فهو قصر قلب للموصوف على الصفة، وأفرد قاصراً للصفة في قوله: ﴿وما﴾ وأعرق في النفي بقوله: ﴿من إله﴾ أي معبود بحق لكونه محيطاً بصفات الكمال. ولما كان السياق للتوحيد الذي هو أصل الدين، لفت القول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه وأبين فقال: ﴿إلا الله﴾ وللإحاطة عبر بالاسم العلم

стр. 650

الجامع لجميع الأسماء الحسنى ولو شاركه شيء لم يكن محيطاً وللتفرد قال مبرهناً على ذلك: ﴿الواحد﴾ أي بكل اعتبار فلا يمكن أن يكون له جزء أو يكون له شبيه محتاجاً مكافئاً ﴿القهار﴾ أي الذي يقهر غيره على ما يريد، وهذا برهان على أنه الإله وحده وأن آلهتهم بعيدة عن استحقاق الإلهية لتعددها وتكافئها بالمشابهة واحتياجها" (١). • قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿كل كذب الرسل﴾ [ق: الآية: ١٤]، أي فيما أرسلوا به من الشرائع التي من جملتها البعث الذي أجمعوا عليه قاطبة أي كل قوم من الأقوام المذكورين كذبوا رسولهم أو كذب جميعهم جميع الرسل بالمعنى المذكور وإفراد الضمير باعتبار لفظ الكل أو كل واحد منهم كذب جمع الرسل لاتفاقهم على الدعوة إلى التوحيد والإنذار بالبعث والحشر فتكذيب واحد منهم تكذيب للكل وهذا على تقدير رسالة تبع ظاهر وأما على تقدير عدمها وهو الأظهر فمعنى تكذيب قومه الرسل تكذيبهم بمن قبلهم من الرسل المجمعين على التوحيد والبعث" (٢). • قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: "ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ أن يقول قولاً جامعاً بين التخويف، والإرشاد إلى التوحيد، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ﴾ أي: مخوّف لكم من عقاب الله وعذابه ﴿وَمَا مِنْ إله﴾ يستحق العبادة ﴿إِلاَّ الله الواحد﴾ الذي لا شريك له القهار﴾ لكل شيء سواه" (٣).

стр. 651

المطلب السادس: التوحيد هو القول اللين. • قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلا لَّيِّنا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: الآية: ٤٤]. • عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀-في قوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قال: لا إله إلا الله" (١). • قال أبو منصور الماتريدي (ت: ٣٣٣ هـ) ﵀: "قال بعضهم: ﴿قولا لينا﴾ قول: لا إله إلا الله" (٢). • قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: "وقيل: القول اللين لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولِينها خفتها على اللسان" (٣). • قال الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ) ﵀: "وروي عن عكرمة أن القول اللين لا إله إلا الله ولينه خفته على اللسان" (٤). المطلب السابع: التوحيد هو وصيته سبحانه لأنبيائه ورسله. • قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا

стр. 652

تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: الآية: ١٣]. • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "ودين الإسلام الذي تمسك به الأنبياء جميعهم ﵈ ودعوا إليه هو توحيد الله والإيمان به وطاعة رسله وقبول شرائعه" (١). والدين الذي أمر الله سبحانه الأنبياء بالاجتماع عليه والتمسك به هو دين واحد وهو دين الإسلام. • قال منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿أن أقيموا الدين﴾ أي: اثبتوا على التوحيد" (٢). • قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: الآيات: ٥١ - ٥٣]. • قال عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قوله تعالى: ﴿وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: الآية: ٥٢]، يقول: دينكم دين واحد" (٣). • قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "ومعنى الأمة هنا: الدين (٤) أي دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد وملة واحدة وهو الدعوة إلى عبادة الله لا شريك له (٥).

стр. 653

• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الدين هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال تعالى عن نوح: ﴿واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون • فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين﴾ [يونس: الآيات: ٧١ - ٧٢]، وقال عن إبراهيم: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين • إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين • ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [البقرة: الآيات: ١٣٠ - ١٣٢]، وقال عن موسى: ﴿وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين﴾ [يونس: الآية: ٨٤]، وقال في خبر المسيح: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾ [المائدة: الآية: ١١١]، وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا﴾ [المائدة: الآية: ٤٤]، وقال عن بلقيس أنها قالت: ﴿رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾ [النمل: الآية: ٤٤]. فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده. وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمر ثانيا باستقبال الكعبة، كان كل من

стр. 654

الفعلين حين أمر به داخلا في دين الإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوع بعض صور الفعل وهو وجهة المصلي، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة. والمنهاج والوجهة والمنسك، فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدا، كما لم يمنع ذلك في شرعة الرسول الواحد" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ [فصلت: الآية: ٧]، أي لا يؤتون ما تزكى به أنفسهم من التوحيد والإيمان، ولهذا فسرها غير واحد من السلف بأن قالوا لا يأتون الزكاة لا يقولون لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأن يكون الله أحب إلى العبد من كل ما سواه هو أعظم وصية جاءت بها الرسل ودعوا إليها الأمم" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التوحيد-كل التوحيد-أن يشهد كل شيء دليلا عليه، مرشدا إليه، ومعلوم أن الرسل أدلة للتوحيد" (٣). • قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀-في تفسير قوله تعالى: ﴿فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم﴾ [الشورى: الآية: ١٥]، اللام في قوله: ﴿فلذلك﴾ قالت فرقة: هي بمنزلة إلى، كما قال تعالى: بأن ربك أوحى لها [الزلزلة: الآية: ٥] أي إليها، كأنه قال: فإلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد فادع" (٤).

стр. 655

المطلب الثامن: التوحيد وصية الأنبياء لذريتهم. • قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: الآيات: ١٣٢ - ١٣٣]. • عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄، أن رسول الله- ﷺ -قال: «إنَّ نبيَّ اللهِ نوحًا صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم لَمَّا حضَرَتْه الوفاةُ قال لابنِه: إنِّي قاصٌّ عليكَ الوصيَّةَ: آمُرُكَ باثنتينِ وأنهاكَ عن اثنتينِ؛ آمُرُكَ بلا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ، لو وُضِعَتْ في كِفَّةٍ ووُضِعَتْ لا إلهَ إلَّا اللهُ في كِفَّةٍ، رجَحَتْ بهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ، ولو أنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ كُنَّ حَلقةً مُبْهَمةً، قَصَمَتْهُنَّ لا إلهُ إلَّا اللهُ وسُبحانَ اللهِ وبحمدِه؛ فإنَّها صلاةُ كلِّ شيءٍ، وبها يُرزَقُ الخَلْقُ، وأنهاكَ عنِ الشِّركِ والكِبْرِ» (١). • قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: الآية: ١٣٢]، يعني: كلمة التوحيد ﴿ويعقوب﴾ أي: وأوصى بها أيضا يعقوب بنيه بعد إبراهيم قال: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أي: اختار لكم الإسلام" (٢).

стр. 656

المطلب التاسع: من تمام التوحيد شهادة أن محمدًا رسول الله. • عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀؛ في قوله : ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ [الشرح: الآية: ٤]؛ قال: إذا ذكرت ذكرت معي؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله" (١). • عن محمد بن كعب (ت: ١٠٨ هـ) ﵀: "قال: إذا ذكر الله ذكر معه؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله- ﷺ " (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "محمد رسول الله، من تمام قول لا إله إلا الله. فالكلمتان تخرجان من أصل القلب، من مشكاة واحدة. لا تتم إحداهما إلا بالأخرى" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إثبات حمده التام، فإنه يقتضي كمال حكمته، وأن لا يخلق خلقه عبثا، ولا يتركهم سدى، لا يؤمرون ولا ينهون، ولذلك نزه الله نفسه عن هذا في غير موضع من كتابه، وأخبر أن من أنكر الرسالة والنبوة وأن يكون ما أنزل على بشر من شيء فإنه ما عرفه حق معرفته، ولا عظمه حق تعظيمه، ولا قدره حق قدره، بل نسبه إلى ما لا يليق به، ويأباه حمده ومجده. فمن أعطى الحمد حقه علما ومعرفة وبصيرة استنبط منه "أشهد أن محمدا رسول الله" كما يستنبط منه أشهد أن لا إله إلا الله، وعلم قطعا أن تعطيل النبوات في منافاته للحمد، كتعطيل صفات الكمال، وكإثبات

стр. 657

الشركاء والأنداد" (١). المطلب العاشر: النبوة مرتبطة بالتوحيد أعظم من ارتباطها بغيرها. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأيضا فالإلهيات التي تعلم منها قدرة الرب وإرادته وحكمته وأفعاله: منها يعلم النبي من المتنبئ، ومنها يعلم صدق النبي فهي أدل على صدق النبي من مجرد القصص وما في القصص من الدلالة على صدقه إنما يدل مع الإلهيات وإلا فلو تجرد لم يدل على شيء، فالنبوة مرتبطة بالإلهيات أعظم من ارتباطها بغيرها، والأنبياء إنما بعثوا بالدعوة إلى الله وحده وقد يذكرون المعاد مجملا ومفصلا، والقصص قد يذكر بعضهم بعضها مجملا. وأما الإلهيات فهي الأصل ولا بد من تفصيل الأمر بعبادة الله وحده دون ما سواه فلا بد لكل نبي من الأصول الثلاثة: الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح" (٢). المطلب الحادي عشر: التوحيد حماه النبي- ﷺ -عما يشوبه من الأقوال والأعمال التي يضمحل معها التوحيد أو ينقص. حمايته ﷺ حمى التوحيد عما يشوبه من الأقوال والأعمال التي

стр. 658

يضمحل معها التوحيد أو ينقص. • فعن عبد الله بن الشخير-﵁، قال: "انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي- ﷺ -فقلنا: أنت سيدنا (١)، فقال: «السيد الله ﵎». قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: «قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان» " (٢). • عن أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁"أن ناسا قالوا: يا رسول الله! يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. فقال: «يا أيها الناس! قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » " (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " "وقد حمى النبي ﷺ جانب التوحيد أعظم حماية، حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لئلا يكون ذريعة إلى التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها فى هاتين الحالتين، وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون

стр. 659

فيهما للشمس" (١). • قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت: ١٢٨٥ هـ) ﵀: "قوله في حديث أنس (ت: ٩٠ هـ): " أن ناسا قالوا يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا "الحديث، كره ذلك لئلا يكون وسيلة إلى الغلو فيه والإطراء كما تقدم في قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله» (٢)، وهذا من كمال نصحه للأمة وشفقته عليهم، حذرهم مما يكون ذريعة إلى الغلو فيه. فقوله: "لا تطروني" الإطراء هو الغلو، "كما أطرت النصارى ابن مريم"، كما قال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ [النساء: الآية: ١٧١]، قوله: «إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله»، أمرهم ﷺ أن لا يتجاوزوا هذا القول، وقد أمر الله عباده بالصلاة والسلام عليه؛ لأن أشرف مقامات الأنبياء العبودية الخاصة والرسالة. وقوله: «أنا محمد عبد الله ورسوله»، فأعلى مراتب العبد هاتان الصفتان العبودية الخاصة والرسالة، وللنبي ﷺ أكملها، وقد أخبر تعالى أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر أمته أن يصلوا عليه، وأثنى عليه بأحسن ثناء وأبلغه، وشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، فلا يذكر في الأذان والتشهد والخطب، إلا ذكر معه صلوات الله وسلامه عليه" (٣).

стр. 660

المبحث الربع: محاسن التوحيد والإيمان باليوم الآخر. وفيه أربع وثلاثون مطلبًا المطلب الأول: كلمة التوحيد مما يسأل عنه العبد يوم القيامة وفي قبره: • قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: الآية: ٢٤]. • قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط لأن السؤال عند الصراط، فقيل: وقفوهم ﴿إنهم مسئولون﴾. • قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "عن لا إله إلا الله" (١). • قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿وقفوهم﴾ أي: احبسوهم، وهذا قبل أن يدخلوا النار ﴿إنهم مسئولون﴾ عن لا إله إلا الله" (٢). • قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ

стр. 661

الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٧]. • عن البراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ) ﵁ مرفوعاً: «المسلمُ إذا سُئِلَ في القَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فذلك قولُهُ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الذِينَ آمَنُوا بالقَوْلِ الثَّابِتِ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وفي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]» (١). • قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثات﴾، كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله ﴿في الحياة الدنيا﴾، يعني قبل الموت، ﴿وفي الآخرة﴾، يعني في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير. وقيل: ﴿في الحياة الدنيا﴾: عند السؤال في القبر" (٢). • قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "وهذه الآية نصُّها في عذاب القبر بصريح الأحاديث، وباتِّفاق أئمة التفسير من الصحابة فالتابعين فمن بعدهم، وأن المراد بالتثبيت هو عند السؤال في القبر حقيقة"" (٣). المطلب الثاني: التوحيد يعين صاحبه على حسن الخاتمة. فالإنسان في حالة وفاته يرى عليه أحيانا أشياء تدل على حسن

стр. 662

خاتمته، من أفضل ما يدل على ذلك قول: لا إله إلا الله عند وفاته. • عن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-قال: قال النبي ﵌: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (١)، فهذه من علامات حسن الخاتمة. • عن حذيفة (ت: ٣٦ هـ) ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة» (٢)، أي: ختم الله له بهذه الكلمة فيدخل الجنة بسببها. • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: ولقد أهلكنا الأمم التي كذبت رسل الله من قبلكم أيها المشركون بربهم، ﴿لما ظلموا﴾، يقول: لما أشركوا وخالفوا أمر الله ونهيه، ﴿وجاءتهم رسلهم﴾ من عند الله، ﴿بالبينات﴾، وهي الآيات والحجج التي تُبين عن صِدْق من جاء بها. ومعنى الكلام: وجاءتهم رسلهم بالآيات البينات أنها حق، ﴿وما كانوا ليؤمنوا﴾ يقول: فلم تكن هذه الأمم التي أهلكناها ليؤمنوا برسلهم ويصدِّقوهم إلى ما دعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له، ﴿وكذلك نجزي المجرمين﴾، يقول تعالى ذكره: كما أهلكنا هذه القرون من قبلكم، أيها المشركون، بظلمهم أنفسَهم، وتكذيبهم رسلهم، وردِّهم نصيحتَهم، كذلك أفعل بكم فأهلككم كما أهلكتهم بتكذيبكم رسولكم محمدًا ﷺ ، وظلمكم أنفسكم بشرككم بربكم، إن أنتم لم تُنيبوا وتتوبوا إلى الله من شرككم فإن من ثواب الكافر بي على كفره عندي، أن أهلكه بسَخَطي في الدنيا، وأوردُه النار في

стр. 663

الآخرة" (١). • قال الحافظ الإشبيلي (ت: ٥٨١ هـ) ﵀: "إنّ سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره وصلُح باطنُه، ما سُمع بهذا قطُّ ولا عُلم به والحمد لله وإنما يكون لمن كان له فسادٌ في العقل أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم أو لمن كان مستقيما ثم تغيّرت حاله وخرج عن سُننه وأخذ في غير طريقه" (٢). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنة" (٣). ومن أعظم صور سوء الخاتمة ما حل بالمكذبين بتوحيد الله قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يونس: الآية: ١٣]. المطلب الثالث: التوحيد به انقسم الناس إلى سعداء وأشقياء. • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وذلك أنه علم بالاضطرار: أن الرسل كانوا يجعلون ما عبده المشركون غير الله؛ ويجعلون عابده عابدا لغير الله مشركا بالله عادلا به جاعلا له ندا فإنهم دعوا الخلق إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ وهذا هو دين الله؛ الذي أنزل به كتبه؛ وأرسل به رسله؛ وهو الإسلام العام؛ الذي لا يقبل الله من الأولين

стр. 664

والآخرين غيره؛ ولا يغفر لمن تركه بعد بلاغ الرسالة؛ كما قال: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨]. وهو الفارق بين أهل الجنة وأهل النار والسعداء والأشقياء كما قال النبي ﷺ «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله: وجبت له الجنة» (١)، وقال: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله: وجبت له الجنة»، وقال: «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت: إلا وجد روحه لها روحا وهي رأس الدين»، وكما قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها: عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (٢) " (٣). • قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "هذه الكلمة هي: الفارق بين أهل الجنة وأهل النار كما في "صحيح مسلم" عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «الموجبتان: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار» (٤)، وفي الصحيح عنه: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٥)، وفي الصحيح أيضا: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» (٦) " (٧).

стр. 665

• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن التوحيد أصل الإيمان وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار وهو ثمن الجنة " (١). المطلب الرابع: التوحيد آخر ما يخرج به من الدنيا. • عن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان آخرُ كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة» (٢). • عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «لقِّنوا موتاكم لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّه مَنْ كان آخرُ كلمتِه لا إلهَ إلَّا اللهُ عندَ الموتِ، دخَل الجنَّةَ يومًا مِنْ الدَّهرِ، وإنْ أصابه قبْلَ ذلك ما أصابه» (٣). • عن أبي ذر (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁-قال: "أتيتُ النبيَّ ﷺ وعليه ثوبٌ أبيضُ، وهو نائمٌ، ثم أتيْتُه وقد استيقَظَ، فقال: «ما مِنْ عبدٍ قال: لا إلهَ إلا اللهُ، ثم ماتَ على ذلك إلا دخَلَ الجنةَ، قلتُ: وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قال: وإن زنى وإن سَرَقَ، قلتُ: وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قال: وإن زنى وإن سَرَقَ، قلتُ: وإن زنى وإن سَرَقَ؟! قال: وإن زنى وإن سَرَقَ على رَغْمِ أنفِ أبي ذرٍّ!، وكان أبو ذرٍّ إذا حدَّثَ بهذا قال: وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذرٍّ!» (٤). • وفي الصحيح من حديث عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) ﵁: «من

стр. 666

مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة» (١). كان سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ) ﵀-يأتي إبراهيم بن أدهم فيقول: "يا إبراهيم بن أدهم ادع الله أن يقبضنا على التوحيد" (٢). قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): " فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨]. والمقصود من التكرير وجهان: أن يكون العبد مواظبًا على تكريرها طول عمره. الثاني: كأنه قال: عبدي، جعلت هذه الكلمة أول الآية وآخرها، فاجعلها أنت أيضًا أول عمرك وآخره، حتى تفوز بالنجاة والسلامة" (٣). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " الصحيح: أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك - كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم. فالتوحيد: أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي- ﷺ : «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة»، فهو أول واجب، وآخر واجب، فالتوحيد: أول الأمر وآخره" (٤).

стр. 667

المطلب الخامس: التوحيد هو ما يسأل عنه جميع الخلق. لما روي عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ)، وابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) في قوله : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ﴾ [الحجر: الآية: ٩٢] قالوا: (عن لا إله إلا الله) (١). المطلب السادس: التوحيد يوصل صاحبه إلى الله وثوابه وجنته. • قال تعالى ﴿إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى﴾ [الليل: الآيات ١٢ - ١٣]. • وقال تعالى ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ [النحل: الآية: ٩]. • وقال تعالى: ﴿هذا صراط علي مستقيم﴾ [الحجر: الآية: ٤١]. • فعن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، في قوله: ﴿وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ﴾ [سورة النحل: الآية: ٩]، يقول: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته" (٢). • قال عبد الله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ) ﵀، وسهل بن عبد الله

стр. 668

التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: ﴿قصد السبيل﴾: السنة، ﴿ومنها جائر﴾ الأهواء والبدع. دليله قوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل﴾ [الأنعام-١٥٣] " (١). • قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: ﴿وعلى الله﴾ أيها الناس بيان طريق الحقّ لكم، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها. والسبيل: هي الطريق، والقصد من الطريق: المستقيم الذي لا اعوجاج فيه. وقوله: ﴿وَمِنْها جائِرٌ﴾ يعني تعالى ذكره: ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوّج، فالقاصد من السبل: الإسلام، والجائر منها: اليهودية والنصرانية وغير ذلك من ملل الكفر كلها جائر عن سواء السبيل وقصدها، سوى الحنيفية المسلمة. • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "المعنى من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ وهذا قول مجاهد (ت: ١٠٤ هـ)، وهو أصح الأقوال في الآية، قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ): ﴿علينا للهدى﴾ أي إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته وهذا المعنى في القرآن في ثلاث مواضع ههنا، وفي النحل في قوله: ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ [سورة النحل: الآية: ٩]، وفي الحجر في قوله ﴿هذا صراط علي مستقيم﴾ [الحجر: الآية: ٤١]، وهو معنى شريف جليل يدل على أن سالك طريق الهدى يوصله طريقه إلى الله ولا بد والهدى هو الصراط المستقيم فمن سلكه أوصله إلى الله فذكر الطريق والغاية فالطريق الهدى والغاية الوصول إلى الله فهذه أشرف الوسائل وغايتها أعلى

стр. 669

الغايات ولما كان مطلوب السالك إلى الله تحصيل مصالح دنياه وآخرته لم يتم له هذا المطلوب إلا بتوحيد طلبه والمطلوب منه فأعلمه سبحانه أن سواه لا يملك من الدنيا والآخرة شيئا وأن الدنيا والآخرة جميعا له وحده فإذا تيقن العبد ذلك اجتمع طلبه ومطلوبه على من يملك الدنيا والآخرة وحده فتضمنت الآيتان أربعة أمور هي المطالب العالية ذكر أعلى الغايات وهو الوصول إلى الله سبحانه وأقرب الطرق والوسائل إليه وهي طريقة الهدى وتوحيد الطريق فلا يعدل عنها إلى غيرها وتوحيد المطلوب وهو الحق فلا يعدل عنه إلى غيره فاقتبس هذه الأمور من مشكاة هذه الكلمات فإن هذه غاية العلم والفهم وبالله التوفيق. والهدى التام يتضمن توحيد المطلوب وتوحيد الطلب وتوحيد الطريق الموصلة والانقطاع وتخلف الوصول يقع من الشركة في هذه الأمور أو في بعضها فالشركة في المطلوب تنافي التوحيد والإخلاص والشركة في الطلب تنافي الصدق والعزيمة والشركة في الطريق تنافي اتباع الأمر فالأول يوقع في الشرك والرياء والثاني يوقع في المعصية والبطالة والثالث يوقع في البدعة ومفارقة السنة فتأمله" (١). • قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ [سورة النحل: الآية: ٩]، في أصح القولين: أي السبيل القصد الذي يوصل إلى الله وهي طريق عليه قال الشاعر: فهن المنايا أي واد سلكنه … عليها طريقي أو علي طريقها وقد قررت هذا المعنى وبينت شواهده من القرآن وسر كون الصراط المستقيم على الله وكونه تعالى على الصراط المستقيم كما في قول هود:

стр. 670

﴿إن ربي على صراط مستقيم﴾ [هود: الآية: ٥٦]، في كتاب التحفة المكية والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق وطرق الباطل متشعبة متعددة فإنها لا ترجع إلى شيء موجود ولا غاية لها يوصل إليها بل هي بمنزلة بنيات الطريق وطريق الحق بمنزلة الطريق الموصل إلى المقصود فهي وإن تنوعت فأصلها طريق واحد ولما كانت الظلمة بمنزلة طرق الباطل والنور بمنزلة طريق الحق فقد أفرد النور وجمعت الظلمات وعلى هذا جاء قوله: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٧]، فوحد ولي الذين آمنوا وهو الله الواحد الأحد وجمع الذين كفروا لتعددهم وكثرتهم وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها ووحد النور وهو دينه الحق وطريقه المستقيم الذي لا طريق إليه سواه" (١). • وقال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: "والسبيل: الإسلام، وبيانه بإرسال الرسل وإقامة الحجج والبراهين. والقصد في السبيل هو كونه موصلاً إلى المطلوب، فالمعنى: وعلى الله بيان الطريق الموصل إلى المطلوب. ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ الضمير في ﴿منها﴾ راجع إلى السبيل بمعنى: الطريق، لأنها تذكر وتؤنث. وقيل: راجع إليها بتقدير مضاف أي: ومن جنس السبيل جائر مائل عن الحق عادل عنه، فلا يهتدي به، ومنه قول امرئ القيس: ومن الطريقة جائر وهدى … قصد السبيل ومنه ذو دخل
следующие страницы →