مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة» (١).
كان سفيان الثوري (ت: ١٦١ هـ) ﵀-يأتي إبراهيم بن أدهم فيقول: "يا إبراهيم بن أدهم ادع الله أن يقبضنا على التوحيد" (٢).
قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): " فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨].
والمقصود من التكرير وجهان:
أن يكون العبد مواظبًا على تكريرها طول عمره.
الثاني: كأنه قال: عبدي، جعلت هذه الكلمة أول الآية وآخرها، فاجعلها أنت أيضًا أول عمرك وآخره، حتى تفوز بالنجاة والسلامة" (٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " الصحيح: أن أول واجب يجب على المكلف: شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك - كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم.
فالتوحيد: أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي- ﷺ : «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة»، فهو أول واجب، وآخر واجب، فالتوحيد: أول الأمر وآخره" (٤).
стр. 667
المطلب الخامس: التوحيد هو ما يسأل عنه جميع الخلق.
لما روي عن أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ)، وابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) في قوله : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ﴾ [الحجر: الآية: ٩٢] قالوا: (عن لا إله إلا الله) (١).
المطلب السادس: التوحيد يوصل صاحبه إلى الله وثوابه وجنته.
• قال تعالى ﴿إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى﴾ [الليل: الآيات ١٢ - ١٣].
• وقال تعالى ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ [النحل: الآية: ٩].
• وقال تعالى: ﴿هذا صراط علي مستقيم﴾ [الحجر: الآية: ٤١].
• فعن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀، في قوله: ﴿وَعلى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ﴾ [سورة النحل: الآية: ٩]، يقول: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته" (٢).
• قال عبد الله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ) ﵀، وسهل بن عبد الله
стр. 668
التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: ﴿قصد السبيل﴾: السنة، ﴿ومنها جائر﴾ الأهواء والبدع. دليله قوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل﴾ [الأنعام-١٥٣] " (١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: ﴿وعلى الله﴾ أيها الناس بيان طريق الحقّ لكم، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها. والسبيل: هي الطريق، والقصد من الطريق: المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.
وقوله: ﴿وَمِنْها جائِرٌ﴾ يعني تعالى ذكره: ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوّج، فالقاصد من السبل: الإسلام، والجائر منها: اليهودية والنصرانية وغير ذلك من ملل الكفر كلها جائر عن سواء السبيل وقصدها، سوى الحنيفية المسلمة.
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "المعنى من سلك الهدى فعلى الله سبيله كقوله ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ وهذا قول مجاهد (ت: ١٠٤ هـ)، وهو أصح الأقوال في الآية، قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ): ﴿علينا للهدى﴾ أي إن الهدى يوصل صاحبه إلى الله وإلى ثوابه وجنته وهذا المعنى في القرآن في ثلاث مواضع ههنا، وفي النحل في قوله: ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ [سورة النحل: الآية: ٩]، وفي الحجر في قوله ﴿هذا صراط علي مستقيم﴾ [الحجر: الآية: ٤١]، وهو معنى شريف جليل يدل على أن سالك طريق الهدى يوصله طريقه إلى الله ولا بد والهدى هو الصراط المستقيم فمن سلكه أوصله إلى الله فذكر الطريق والغاية فالطريق الهدى والغاية الوصول إلى الله فهذه أشرف الوسائل وغايتها أعلى
стр. 669
الغايات ولما كان مطلوب السالك إلى الله تحصيل مصالح دنياه وآخرته لم يتم له هذا المطلوب إلا بتوحيد طلبه والمطلوب منه فأعلمه سبحانه أن سواه لا يملك من الدنيا والآخرة شيئا وأن الدنيا والآخرة جميعا له وحده فإذا تيقن العبد ذلك اجتمع طلبه ومطلوبه على من يملك الدنيا والآخرة وحده فتضمنت الآيتان أربعة أمور هي المطالب العالية ذكر أعلى الغايات وهو الوصول إلى الله سبحانه وأقرب الطرق والوسائل إليه وهي طريقة الهدى وتوحيد الطريق فلا يعدل عنها إلى غيرها وتوحيد المطلوب وهو الحق فلا يعدل عنه إلى غيره فاقتبس هذه الأمور من مشكاة هذه الكلمات فإن هذه غاية العلم والفهم وبالله التوفيق.
والهدى التام يتضمن توحيد المطلوب وتوحيد الطلب وتوحيد الطريق الموصلة والانقطاع وتخلف الوصول يقع من الشركة في هذه الأمور أو في بعضها فالشركة في المطلوب تنافي التوحيد والإخلاص والشركة في الطلب تنافي الصدق والعزيمة والشركة في الطريق تنافي اتباع الأمر فالأول يوقع في الشرك والرياء والثاني يوقع في المعصية والبطالة والثالث يوقع في البدعة ومفارقة السنة فتأمله" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ [سورة النحل: الآية: ٩]، في أصح القولين: أي السبيل القصد الذي يوصل إلى الله وهي طريق عليه قال الشاعر:
فهن المنايا أي واد سلكنه … عليها طريقي أو علي طريقها
وقد قررت هذا المعنى وبينت شواهده من القرآن وسر كون الصراط المستقيم على الله وكونه تعالى على الصراط المستقيم كما في قول هود:
стр. 670
﴿إن ربي على صراط مستقيم﴾ [هود: الآية: ٥٦]، في كتاب التحفة المكية والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق وطرق الباطل متشعبة متعددة فإنها لا ترجع إلى شيء موجود ولا غاية لها يوصل إليها بل هي بمنزلة بنيات الطريق وطريق الحق بمنزلة الطريق الموصل إلى المقصود فهي وإن تنوعت فأصلها طريق واحد ولما كانت الظلمة بمنزلة طرق الباطل والنور بمنزلة طريق الحق فقد أفرد النور وجمعت الظلمات وعلى هذا جاء قوله: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٧]، فوحد ولي الذين آمنوا وهو الله الواحد الأحد وجمع الذين كفروا لتعددهم وكثرتهم وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها ووحد النور وهو دينه الحق وطريقه المستقيم الذي لا طريق إليه سواه" (١).
• وقال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: "والسبيل: الإسلام، وبيانه بإرسال الرسل وإقامة الحجج والبراهين. والقصد في السبيل هو كونه موصلاً إلى المطلوب، فالمعنى: وعلى الله بيان الطريق الموصل إلى المطلوب.
﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ الضمير في ﴿منها﴾ راجع إلى السبيل بمعنى: الطريق، لأنها تذكر وتؤنث. وقيل: راجع إليها بتقدير مضاف أي: ومن جنس السبيل جائر مائل عن الحق عادل عنه، فلا يهتدي به، ومنه قول امرئ القيس:
ومن الطريقة جائر وهدى … قصد السبيل ومنه ذو دخل
стр. 671
وقيل: إن الطريق كناية عن صاحبها، والمعنى: ومنهم جائر عن سبيل الحق: أي عادل عنه، فلا يهتدي إليه، قيل: وهم أهل الأهواء المختلفة، وقيل: أهل الملل الكفرية" (١).
• قال شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (ت: ١٢٧٠ هـ) ﵀: " ﴿وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل﴾ هداية الطريق المستقيم الموصل لمن سلكه إلى الحق الذي هو التوحيد بنصب الأدلة وإرسال الرسل ﵈ وإنزال الكتب لدعوة الناس إليه" (٢).
• قال جمال الدين القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ) ﵀: "قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿ولو شاء لهداكم أجمعين﴾ أي لو شاء أن يهديكم إلى ما ذكر من التوحيد، هداية موصلة إليه البتة، مستلزمة لاهتدائكم أجمعين، لفعل ذلك. ولكن لم يشأه. لأن مشيئته تابعة للحكمة الداعية إليها. ولا حكمة في تلك المشيئة. لما أن الذي عليه يدور فلك التكليف، وإليه ينسحب الثواب والعقاب، إنما هو الاختيار، الذي عليه يترتب الأعمال، التي بها نيط الجزاء" (٣).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "ذكر الطريق المعنوي الموصل إليه فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أي: الصراط المستقيم، الذي هو أقرب الطرق وأخصرها موصل إلى الله.
وأما الطريق الجائر في عقائده وأعماله وهو: كل ما خالف الصراط
стр. 672
المستقيم فهو قاطع عن الله، موصل إلى دار الشقاء، فسلك المهتدون الصراط المستقيم بإذن ربهم، وضل الغاوون عنه، وسلكوا الطرق الجائرة ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ولكنه هدى بعضا كرما وفضلا، ولم يهد آخرين، حكمة منه وعدلا" (١).
المطلب السابع: التوحيد يحمل البشرى لأصحابه.
• قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ﴾ [الزمر: الآيات ١٧ - ١٨].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ): "قال ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ)، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا … ﴾ الآيتين، حدثني أبي أن هاتين الآيتين نزلتا في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله: زيد بن عمرو، وأبي ذر الغفاري (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁، وسلمان الفارسي (ت: ٣٣ هـ) ﵁، نزل فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في جاهليتهم ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ لا إله إلا الله، أولئك الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبي ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ﴾ " (٢).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ): " ﴿وأنابوا إلى الله﴾ أقبلوا مخلصين إليه ﴿لهم البشرى﴾ يعني الجنة ﴿فبشر عباد الذين يستمعون
стр. 673
القول فيتبعون أحسنه﴾ أي: بشرهم بالجنة" (١).
• قال تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نزلا من غفور رحيم﴾ [فصلت: الآية: ٣٠].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ): " ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت﴾ يعني الأوثان، وهي مؤنثة ﴿أن يعبدوها وأنابوا إلى الله﴾ يعني ورجعوا من عبادة الأوثان إلى عبادة الله ، فقال تعالى: ﴿لهم البشرى﴾ يعني الجنة ﴿فبشر عباد﴾ أي فبشر عبادي بالجنة" (٢).
• قال وكيع بن الجراح (ت: ١٩٧ هـ) ﵀: "البشرى تكون في ثلاث مواطن: عند الموت وفي القبر وعند البعث" (٣).
• قال زيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ) ﵀: "البشارة في ثلاثة مواطن: عند الموت، وعند القبر، وعند البعث" (٤).
المطلب الثامن: التوحيد سبب في تكفير الذنوب ومحو الخطايا.
فيغفر الله بالتوحيد الذنوب ويكفر به السيئات
• عن أنس (ت: ٩٠ هـ) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني
стр. 674
لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" (١).
• عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ)، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما على الأرض أحد يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ إلا كفرت عنه خطاياه ولو كانت مثل زيد البحر» (٢).
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه-: أن النبي ﷺ قال: «من حلَف فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعالَ أُقامِرْك، فليتصدَّق» (٣).
• قال الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ) ﵀: "اليمين إنما تكون بالمعبود الذي يعظم، فإذا حلف بهما؛ فقد ضاهى الكفار في ذلك، فأمره أن يتداركه بكلمة التوحيد المبرئة من الشرك" (٤).
• قال محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري (ت: ٥٣٦ هـ) ﵀: "الأعمال لا يحبطها شيء غير الكفر، وأما مع وجود الإيمان فالأعمال متقبلة وإنما تختلف باختلاف الإخلاص، والقيام بالصالحات على الوجه الأتم" (٥).
стр. 675
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "العبدُ قد تنزِلُ به النازلة؛ فيكون مقصوده طلب حاجته، وتفريج كُرُبات، فيسعى في ذلك بالسؤال والتضرُّع، وإن كان ذلك من العبادة والطاعة، ثم يكون في أول الأمر قصْدُهُ حُصول ذلك المطلوب من الرِّزق والنصر والعافية مُطلقا، ثم الدعاء والتضرُّع يَفتَحُ له من أبواب الإيمان بالله ومعرفته ومحبَّته، والتنعُّم بِذِكْره ودُعائه؛ ما يكون هو أحبَّ إليه وأعظم قدراً عنده من تلك الحاجة التي همَّته، وهذا من رحمة الله بعباده: يسوقهم بالحاجات الدنيوية إلى المقاصد العَلِيَّة الدينيَّة" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالمسلمون ذنوبهم ذنوب موحدين، ويقوي التوحيد على محو آثارها بالكلية وإلا فما معهم من التوحيد يخرجهم من النار إذا عذبوا بذنوبهم.
وأما المشركون والكفار فإن شركهم وكفرهم يحبط حسناتهم، فلا يلقون ربهم بحسنة يرجون بها النجاة، ولا يغفر لهم شيء من ذنوبهم، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: الآية: ١١٦] " (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالذنوب تزول آثارها بالتوبة النصوح، والتوحيد الخالص، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة لها، وشفاعة الشافعين في الموحدين، وآخر ذلك إذا عذب بما يبقى عليه منها أخرجه توحيده من النار، وأما الشرك بالله والكفر بالرسول فإنه يحبط جميع الحسنات بحيث لا تبقى معه حسنة" (٣).
стр. 676
المطلب التاسع: كلمة التوحيد هي المنجية من عذاب القبر.
• قال تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٧].
• عن البراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ) ﵁، أن رسول الله ﷺ ذكر قبض روح المؤمن وقال: "فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد فينتهرانه ويقولان له الثانية: من ربك وما دينك ومن نبيك وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فيثبته الله ، فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد ﷺ ، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [إبراهيم: الآية: ٢٧] " (١).
فالملكان لا يسألان الميت في قبره إلا عن أمور التوحيد وما يتصل به.
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ): "ثم ذكر المؤمنين بالتوحيد في حياتهم وبعد موتهم، فقال سبحانه: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾، وهو التوحيد، ﴿في الحياة الدنيا﴾، ثم قال: ويثبتهم ﴿وفي الآخرة﴾، يعني في قبره في أمر منكر ونكير بالتوحيد، وذلك أن المؤمن يدخل عليه ملكان أحدهما منكر والآخر نكير، فيجلسانه في القبر،
стр. 677
فيسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن رسولك؟ فيقول: ربي الله ، وديني الإسلام، ومحمد ﷺ رسولي، فيقولان له: وقيت وهديت، ثم يقولان: اللهم إن عبدك أرضاك فأرضه، فذلك قوله سبحانه: ﴿وفي الآخرة﴾، أي يثبت الله قول الذين آمنوا" (١).
• قال الفراء (ت: ٢٠٧ هـ): "وقوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ﴾
"يقال: بلا إله إلا الله فهذا في الدنيا. وإذا سئل عنها في القبر بعد موته قالها إذا كان من أهل السَّعادة، وإذا كان منْ أهل الشقاوة لم يقلها. فذلك قوله ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ عنها أي عن قول لا إله إلا الله ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يشاء﴾ (٢٩) أي لا تنكروا له قدرةً ولا يُسأل عما يَفعل" (٢).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ): " ﴿وفي الآخرة﴾ هي وقت سؤاله في قبره. وقال البراء بن عازب (ت: ٧٢ هـ)، وجماعة في الحياة الدنيا هي وقت سؤاله في قبره- ورواه البراء عن النبي ﵇ في لفظ متأول" (٣).
• قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ): "وقيل: معنى الآية: يثبتهم الله في الحياة الدنيا على الإيمان، حتى يموتوا عليه؛ ﴿وفي الآخرة﴾ المساءلة في القبر، قاله طاووس (ت: ١٠٦ هـ)، وقتادة (ت: ١١٨ هـ)، وهو اختيار جماعة من العلماء" (٤).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): "وهي المنجية من عذاب القبر
стр. 678
وعذاب النار" (١).
• قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: " وهي الأمان من وحشة القبور وهول الحشر" (٢).
المطلب العاشر: كلمة التوحيد السؤال كله عنها يوم القيامة.
• قال تعالى: ﴿فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ [الحجر: الآيات: ٩٢ - ٩٣].
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ): "عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ)، في قوله (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) قال: عن لا إله إلا الله" (٣).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ): "وقوله فو ربك لنسئلنهم إلى آخر الآية، ضمير عام ووعيد محض يأخذ كل أحد منه بحسب جرمه وعصيانه، فالكافر يسأل عن لا إله إلا الله وعن الرسل وعن كفره وقصده به، والمؤمن العاصي يسأل عن تضييعه، والإمام عن رعيته، وكل مكلف عما كلف القيام به، وفي هذا المعنى أحاديث، وقال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) في تفسير هذه الآية: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة عما كانوا يعبدون وماذا أجابوا المرسلين، وقال في تفسيرها
стр. 679
أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ)، وابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ): إن السؤال عن لا إله إلا الله" (١).
• قال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: هو عن قول «لا إله إلا الله» وهذا حق. فإن السؤال كله عنها وعن أحكامها وحقوقها، وواجباتها ولوازمها. فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن واجباتها، ولوازمها وحقوقها. قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ): كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟.
فالسؤال عما ذا كانوا يعبدون: هو السؤال عنها نفسها. والسؤال عما ذا أجابوا المرسلين: سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها؟ فعاد الأمر كله إليها. وأمر هذا شأنه حقيق بأن تثنى عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر.
ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضلة، بل يجعل هو المطلب الأعظم، وما سواه إنما يطلب على الفضلة. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه" (٢).
المطلب الحادي عشر: التوحيد ضمان للنجاة.
فأهل التوحيد هم أهل النجاة
• قال : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ
стр. 680
صَاعِقَةُ العَذَابِ الهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصِّلت: ١٧ - ١٨].
• قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾، يعني بينا لهم، ﴿فاستحبوا العمى على الهدى﴾، يقول: اختاروا الكفر على الإيمان، ﴿فأخذتهم صاعقة﴾، يعني صيحة جبريل ﵇، ﴿العذاب الهون بما كانوا يكسبون﴾ آية، يعني يعملون من الشرك" (١).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿فاسْتَحَبّوا العَمَى على الهُدَى﴾ يقول: فاختاروا العمى على البيان الذي بيّنت لهم، والهدى الذي عرفتهم، بأخذهم طريق الضلال على الهدى، يعني على البيان الذي بيّنه لهم، من توحيد الله" (٢).
• قال عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي المعروف ب ابن شاهين (ت ٣٨٥ هـ) ﵀: "أهل النجاة هم العالمون بالصلاح من الفساد عند اختلاف الناس، فمن لم يعرف الحق، وقع في الباطل، ومن عرف الباطل اجتنبه" (٣).
• قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ دعوناهم، قال مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ)، وقال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): بينا لهم سبيل الهدى. وقيل: دللناهم على الخير والشر، كقوله: ﴿هديناه السبيل﴾ [الإنسان-٣]، ﴿فاستحبوا العمى على الهدى﴾ فاختاروا الكفر على الإيمان، ﴿فأخذتهم صاعقة العذاب﴾ أي: مهلكة العذاب، ﴿الهون﴾ أي: ذي الهوان، أي: الهوان، وهو الذي يهينهم
стр. 681
ويخزيهم. ﴿بما كانوا يكسبون ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ " (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله تعالى على غيره، وتزود التقوى، وأتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول- ﷺ -بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم" (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ما سلبت النعم إلا بترك تقوى الله، والإساءة للناس" (٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إذا أراد الله بعبد خيرا أقام في قلبه شاهدا يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة. ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار" (٤).
التوحيد شرطٌ في الشفاعة.
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قوله ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: الآية: ٢٨]، يقول: الذين ارتضى لهم شهادة أن لا إله إلا الله" (٥).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا﴾ [طه: الآية: ١٠٩]، يعني: التوحيد" (٦).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾ [مريم: الآية: ٨٧]، قال بعضهم العهد: التوحيد" (٧).
стр. 682
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وإنما الشفاعة سبب من الأسباب التي بها يرحم الله من يرحم من عباده، وأحق الناس برحمته هم أهل التوحيد والإخلاص له، فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص " لا إله إلا الله " علما وعقيدة، وعملا وبراءة، وموالاة ومعاداة، كان أحق بالرحمة.
والمذنبون الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم فخفت موازينهم فاستحقوا النار من كان منهم من أهل " لا إله إلا الله " فإن النار تصيبه بذنوبه، ويميته الله في النار إماتة، فتحرقه النار إلا موضع السجود، ثم يخرجه الله من النار بالشفاعة، ويدخله الجنة، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.
فبين أن مدار الأمر كله على تحقيق كلمة الإخلاص، وهى "لا إله إلا الله" لا على الشرك بالتعلق بالموتى وعبادتهم، كما ظنه الجاهليون" (١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأهل التوحيد المخلصون لله هم أحق الناس بشفاعته ﷺ ، فمن كان لا يدعو إلا الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يدعو مخلوقا، لا ملكا، ولا بشرا، لا نبيا، ولا صالحا، ولا غيرهما، كان أحق بشفاعته ممن يدعوه، أو يدعو غيره من المخلوقين، فإن هؤلاء مشركون، والشفاعة إنما هي لأهل التوحيد.
стр. 683
وإذا كان كذلك فالذين يدعون المخلوقين، ويطلبون من الموتى، والغائبين، من الملائكة، والبشر، الدعاء، والشفاعة، هم أبعد عن الشفاعة فيهم، والذين لا يدعون إلا الله هم أحق بالشفاعة لهم" (١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وفي الصحيح أن أبا هريرة قال له: أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" (٢). فبين ﷺ أن أحق الناس بشفاعته يوم القيامة من كان أعظم توحيدا وإخلاصا لأن التوحيد جماع الدين والله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فهو سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فإذا شفع محمد ﷺ حد له ربه حدا فيدخلهم الجنة وذلك بحسب ما يقوم بقلوبهم من التوحيد والإيمان. وذكر ﷺ أنه من سأل الله له الوسيلة حلت عليه شفاعته يوم القيامة فبين أن شفاعته تنال باتباعه بما جاء به من التوحيد والإيمان وبالدعاء الذي سن لنا أن ندعو له به" (٣).
• قال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه: الآية: ١٠٩]، والله لا يرتضي إلاَّ التوحيد؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: الآية: ٨٥]، وقال النبي- ﷺ : «أسعد الناس بشفاعتي مَنْ قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه» (٤) " (٥).
стр. 684
• قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: " قال تتعالى: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا﴾ [طه: الآية: ١٠٩]، وهو سبحانه لا يرتضي إلا أهل التوحيد والإخلاص، وأما غيرهم فقال تعالى: ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ [غافر: الآية: ١٨]، وقال تعالى عنهم: ﴿فما لنا من شافعين - ولا صديق حميم﴾ [الشعراء: الآيات: ١٠٠ - ١٠١]، وقال تعالى فيهم: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: الآية: ٤٨]، وقد «أخبرنا النبي ﷺ أنه أوتي الشفاعة، ثم أخبر أنه يأتي فيسجد تحت العرش ويحمد ربه بمحامد يعلمه إياها، لا يبدأ بالشفاعة أولا حتى يقال له: «ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع» (١)، الحديث، ثم أخبر أنه لا يشفع في جميع العصاة من أهل التوحيد دفعة واحدة، بل قال: «فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة»، ثم يرجع فيسجد كذلك فيحد له حدا إلى آخر حديث الشفاعة، وقال له أبو هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه-: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» (٢) " (٣).
المطلب الثاني عشر: أهل التوحيد هم أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ
يقول الله تعالى مثنيًا على المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: الآية: ١٠٠].
стр. 685
قال ابن القيم (ت: ٦٥١ هـ) ﵀: "أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله سبحانه" (١).
المطلب الثالث عشر: أهل التوحيد يشفع بعضهم لبعض.
• قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان: الآيات: ٤١ - ٤٢].
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿إلا من رحم الله﴾ قال الحسن: يعني: من المؤمنين يشفع بعضهم لبعض؛ فينفعهم ذلك عند الله" (٢).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾ [مريم: الآية: ٨٧] يقول تعالى ذكره: لا يملك هؤلاء الكافرون بربهم يا محمد، يوم يحشر الله المتقين إليه وفدا الشفاعة، حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض عند الله، فيشفع بعضهم لبعض" (٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن المؤمنين أهل التوحيد يشفع بعضهم في بعض كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة. كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، عن
стр. 686
النبي- ﷺ قال: -في الحديث الطويل حديث التجلي والشفاعة - «حتى إذا خلص المؤمنون من النار. فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم. فتحرم صورهم على النار» وذكر تمام الحديث ". وسبب نزول الآية - على ما ذكروه - مؤيد لما ذكره. قال أبو الفرج ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: سبب نزولها: أن النضر بن الحارث ونفرا معه قالوا "إن كان ما يقول محمد حقا. فنحن نتولى الملائكة. فهم أحق بالشفاعة من محمد. فنزلت هذه الآية " قاله مقاتل.
وعلى هذا: فيقصد أن الملائكة وغيرهم لا يملكون الشفاعة. فليس توليكم إياهم واستشفاعكم بهم: بالذي يوجب أن يشفعوا لكم. فإن أحدا ممن يدعى من دون الله لا يملك الشفاعة. ولكن ﴿من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ [الزخرف: الآية: ٨٦]، فإن الله يشفع فيه. فالذي تنال به الشفاعة: هي الشهادة بالحق. وهي شهادة أن لا إله إلا الله. لا تنال بتولي غير الله. لا الملائكة ولا الأنبياء ولا الصالحين. فمن والى أحدا من هؤلاء ودعاه وحج إلى قبره أو موضعه ونذر له وحلف به وقرب له القرابين ليشفع له: لم يغن ذلك عنه من الله شيئا. وكان من أبعد الناس عن شفاعته وشفاعة غيره. فإن الشفاعة إنما تكون: لأهل توحيد الله وإخلاص القلب والدين له. ومن تولى أحدا من دون الله فهو مشرك. فهذا القول والعبادة الذي يقصد به المشركون الشفاعة: يحرم عليهم الشفاعة. فالذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين - ليشفعوا لهم - كانت عبادتهم إياهم وإشراكهم بربهم الذي به طلبوا شفاعتهم: به حرموا شفاعتهم وعوقبوا بنقيض قصدهم. لأنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. وكثير من أهل الضلال: يظن أن الشفاعة تنال بهذه الأمور التي فيها شرك أو
стр. 687
هي شرك خالص كما ظن ذلك المشركون الأولون. وكما يظنه النصارى ومن ضل من المنتسبين إلى الإسلام. الذين يدعون غير الله ويحجون إلى قبره أو مكانه وينذرون له ويحلفون به. ويظنون: أنه بهذا يصير شفيعا لهم. قال تعالى ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا - أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾ [الإسراء: الآيات: ٥٦ - ٥٧]. قال طائفة من السلف: كان أقوام يعبدون المسيح والعزير والملائكة فبين الله أنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله. كما بين أنهم لا يملكون الشفاعة. وهذا لا استثناء فيه وإن كان الله يجيب دعاءهم ثم قال ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾ [الإسراء: الآية: ٥٧]، فبين أن هؤلاء المزعومين الذين يدعونهم من دون الله كانوا يرجون رحمة الله ويخافون عذابه ويتقربون إليه بالأعمال الصالحة كسائر عباده المؤمنين وقد قال تعالى ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ [آل عمران: الآية: ٨٠] " (١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الشفاعة: سببها توحيد الله وإخلاص الدين والعبادة بجميع أنواعها له فكل من كان أعظم إخلاصا كان أحق بالشفاعة كما أنه أحق بسائر أنواع الرحمة. فإن الشفاعة: من الله مبدؤها وعلى الله تمامها فلا يشفع أحد إلا بإذنه. وهو الذي يأذن للشافع. وهو الذي يقبل شفاعته في المشفوع له. وإنما الشفاعة سبب من الأسباب التي بها يرحم الله من يرحم من عباده. وأحق الناس برحمته: هم أهل التوحيد والإخلاص له فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص " لا إله إلا الله "
стр. 688
علما وعقيدة وعملا وبراءة وموالاة ومعاداة: كان أحق بالرحمة.
والمذنبون - الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم فخفت موازينهم فاستحقوا النار -: من كان منهم من أهل "لا إله إلا الله" فإن النار تصيبه بذنوبه. ويميته الله في النار إماتة. فتحرقه النار إلا موضع السجود. ثم يخرجه الله من النار بالشفاعة. ويدخله الجنة كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. فبين أن مدار الأمر كله: على تحقيق كلمة الإخلاص وهي "لا إله إلا الله" (١).
المطلب الرابع عشر: كلمة التوحيد اختص الله بها في الشفاعة يوم القيامة.
• عن أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، في حديث الشفاعة وفيه قوله- ﷺ «فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل قد رأيتموها إلى جانب الصخرة إلى جانب الشجرة فما كان إلى الشمس منها كان أخضر وما كان منها إلى الظل كان أبيض فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه» (٢).
стр. 689
• جاء في حديث الشفاعة الطويل: «ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي، وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله» (١).
• وجاء في لفظ مسلم: «فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذاك لك، أو قال: ليس ذاك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي، لأخرجن من قال: لا إله إلا الله» (٢).
المطلب الخامس عشر: الكلمة التى تحط بها الخطايا، هي كلمة التوحيد.
• قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدا وَقُولُوا حِطَّة نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: الآية: ٥٨].
• قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: " وقوله جل وعلا: ﴿قولوا حطة﴾ [البقرة: الآية: ٥٨] قال: "لا إله إلا الله" (٣).
• قال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: "هي قول: لا إله إلا الله" (٤).
стр. 690
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الاعتراف بالخطيئة مع التوحيد إن كان متضمنا للتوبة أوجب المغفرة؛ وإذا غفر الذنب زالت عقوبته؛ فإن المغفرة هي وقاية شر الذنب" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: " ﴿وقولوا حطة﴾ [البقرة: الآية: ٥٨] أي: حط عنا خطايانا. هذا قول الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀، وقتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀. وقال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀ وغيره: أي قولوا: لا إله إلا الله. وكأن أصحاب هذا القول اعتبروا الكلمة التي تحط بها الخطايا، وهي كلمة التوحيد. وقال سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀، عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: أمروا بالاستغفار. وعلى القولين فيكونون مأمورين بالدخول بالتوحيد والاستغفار، وضمن لهم بذلك مغفرة خطاياهم، فتلاعب الشيطان بهم، فبدلوا قولا غير الذي قيل لهم، وفعلا غير الذي أمروا به" (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الكلمة التى تحط بها الخطايا، وهى كلمة التوحيد" (٣).
المطلب السادس عشر: التوحيد الخالص الذى لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب.
• قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨]، [النساء: الآية: ١١٦]
стр. 691
• عن معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «ما على الأرض نفس تموت لا تشرك بالله شيئا تشهد أني رسول الله يرجع ذلك إلى قلب موقن إلا غفر الله لها» (١).
• عن يعلى بن شداد-﵀-قال: حدثني أبي شداد بن أوس (ت: ٥٨ هـ) ﵁، وعبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ) ﵁ حاضر يصدقه ﵃، قال: إنا لعند رسول الله ﷺ إذ قال: «هل فيكم غريب؟» (يعني أهل الكتاب) قلنا: لا يا رسول الله فأمر بغلق الباب، فقال: «ارفعوا أيديكم فقولوا: لا اله إلا الله»، فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله ﷺ يده، ثم قال: «الحمد لله، اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة، إنك لا تخلف الميعاد»، ثم قال ﷺ : «أبشروا فإن الله قد غفر لكم» (٢).
• عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁-قال: قال لي رسول الله ﷺ : «ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر الله لك وإن كنت مغفورا لك؟ قال: قل لا اله إلا الله العلي العظيم، لا اله إلا الله الحليم الكريم، لا اله إلا الله، سبحان الله رب العرش العظيم» (٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وأما قول السائل: هل
стр. 692
الاعتراف بالخطيئة بمجرده مع التوحيد موجب لغفرانها وكشف الكربة الصادرة عنها؛ أم يحتاج إلى شيء آخر؟ فجوابه: أن الموجب للغفران مع التوحيد هو التوبة المأمور بها؛ فإن الشرك لا يغفره الله إلا بتوبة؛ كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨]، [النساء: الآية: ١١٦]، في موضعين من القرآن وما دون الشرك فهو مع التوبة مغفور؛ وبدون التوبة معلق بالمشيئة. كما قال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ [الزمر: الآية: ٥٣]، فهذا في حق التائبين ولهذا عمم وأطلق وحتم أنه يغفر الذنوب جميعا وقال في تلك الآية: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨]، فخص ما دون الشرك وعلقه بالمشيئة، فإذا كان الشرك لا يغفر إلا بتوبة؛ وأما ما دونه فيغفره الله للتائب؛ وقد يغفره بدون التوبة لمن يشاء، فالاعتراف بالخطيئة مع التوحيد إن كان متضمنا للتوبة أوجب المغفرة؛ وإذا غفر الذنب زالت عقوبته؛ فإن المغفرة هي وقاية شر الذنب" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ويعفى لأهل التوحيد المحض الذى لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك فلو لقى الموحد الذى لم يشرك بالله شيئًا البتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده وشابه بالشرك. فإن التوحيد الخالص الذى لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب. فإنه يتضمن من محبة الله تعالى وإجلاله، وتعظيمه، وخوفه، ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب" (٢).
стр. 693
• قال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "فالإنسان قد تغلبه نفسه أحيانا، فيقع في الخطايا لكنه مخلص لله في عبادته وطاعته فحسنة التوحيد تكفر عنه الخطايا إذا لقي الله بها" (١).
المطلب السابع عشر: كلمة التوحيد تثقل الميزان.
• عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ اللَّهَ سيُخَلِّصُ رجلًا من أمَّتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ فينشُرُ علَيهِ تسعةً وتسعينَ سجلًّا، كلُّ سجلٍّ مثلُ مدِّ البصرِ، ثمَّ يقولُ: أتُنكِرُ من هذا شيئًا؟ أظلمَكَ كتَبَتي الحافِظونَ؟ يقولُ: لا يا ربِّ، فيقولُ: أفلَكَ عذرٌ؟ فيقولُ: لا يا ربِّ، فيقولُ: بلَى، إنَّ لَكَ عِندَنا حسنةً، وإنَّهُ لا ظُلمَ عليكَ اليومَ، فتخرجُ بطاقةٌ فيها: "أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ"، فيقولُ: احضُر وزنَكَ، فيقولُ: يا ربِّ، ما هذِهِ البطاقةُ مع هذِهِ السِّجلَّاتِ؟ فقالَ: فإنَّكَ لا تُظلَمُ، قالَ: فتوضَعُ السِّجلَّاتُ في كِفَّةٍ، والبطاقةُ في كفَّةٍ، فطاشتِ السِّجلَّاتُ، وثقُلتِ البطاقةُ، ولا يثقلُ معَ اسمِ اللَّهِ شيءٌ» (٢).
• عن رجل من الأنصار-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «قال نوح لابنه: إني موصيك بوصيةٍ، وقاصرُها لكي لا تنساها: أوصيك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين: أما اللتان أوصيك بهما، فيستبشر الله بهما وصالحُ خَلقِه، وهما يكثرانِ الولوجَ على الله: أوصيك ب (لا إله إلا الله)؛ فإن
стр. 694
السمواتِ والأرضَ لو كانتا حلقةً قصمتْهما، ولو كانتا في كفة وزنتْهما، وأوصيك ب (سبحان الله وبحمده)؛ فإنهما صلاة الخَلق، وبهما يُرزَقُ الخَلقُ، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: الآية: ٤٤]، وأما اللتان أنهاك عنهما، فيحتجب الله منهما وصالح خلقه: أنهاك عن الشِّرك، والكِبر» (١).
• عن عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄-عن النبي- ﷺ : «إن نوحا ﵊ قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعن في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كل حلقة مبهمة لفصمتهن لا إله إلا الله» (٢).
• قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "فقد تقرر في الشرع أن كلمة التوحيد ترجح ميزان من وزنت في أعماله ولا بد، فإن قال قائل كيف تثقل موازين العصاة من المؤمنين بالتوحيد ويصح لهم حكم الفلاح ثم تدخل طائفة منهم النار وذلك شقاء لا محالة؟ فقالت طائفة إنه توزن أعمالهم دون التوحيد فتخف الحسنات فيدخلون النار ثم عند إخراجهم يوزن التوحيد فتثقل الحسنات فيدخلون الجنة، وأيضا فمعرفة العاصي أنه غير مخلد فلاح وإن تقدمه شقاء على جهة التأديب" (٣).
• قال القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀: "وقد جاء فى الحديث هنا أيضًا: أفضل الذكر التهليل، وأنه أفضل ما قاله-﵇-والنبيون من
стр. 695
قبله. وقد قيل: إنه اسم الله الَاعظم، وهي كلمة الإخلاص" (١).
• قال محمد الأمين الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) ﵀: "ثم يؤتى ببطاقة-والبطاقة: القطعة الصغيرة قدر الأنملة-مكتوب فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ﷺ -رسول الله، فيقول: وما تغني هذه البطاقة مع هذه السجلات العظيمة الكثيرة؟! فيقال له: إنك لا تظلم. فتوضع تلك البطاقة الصغيرة في كفة الميزان وتلك السجلات العظيمة الهائلة في الكفة الأخرى، فطاشت تلك السجلات، وثقلت تلك البطاقة؛ لأن اسم الله-جل وعلا-لا يعادله شيء.
استدلوا بهذا الحديث على أن الموزون هو صحائف الأعمال لذكر وزن السجلات ووزن البطاقة التي فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
وذهبت جماعة من العلماء، ورواه غير واحد عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) (٢): أن الموزون نفس الأعمال، وأن الله يحول الأعمال الحسنة إلى أجرام حسنة مضيئة نيرة، والله-جل وعلا-قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يقلب ما ليس بجسم أن يقلبه جسما، وقد جاء ما يدل على هذا كما جاء في حديث الترغيب في الزهراوين البقرة وآل عمران «أنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو فرقان من طير صواف» (٣)، وكما جاء
стр. 696
في الحديث أن عمل الإنسان يتجسم له في صورة إنسان طيب الريح، وكذلك العمل الخبيث (١)، وكما جاء في بعض الأحاديث أن القرآن يتمثل لصاحبه في قبره (٢)، وأمثال هذا كثيرة جدا، وعلى كل حال فالله قادر على أن يقلب الأعمال أجساما، فهو قادر على كل ما يشاء، فيجعل الأعمال الصالحة في صور نيرة حسنة. والأعمال القبيحة في صور مظلمة قبيحة، فتوضع هذه في كفة الحسنات وهذه في كفة السيئات، فتثقل موازين بعض، وتطيش موازين آخرين والعياذ بالله.
وقال بعض أهل العلم: إن ما يوزن أصحاب الأعمال، واستدلوا بالحديث المعروف المشهور: أن الرجل السمين-الأكول الشروب-يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة (٣)، وفي مناقب عبد الله بن مسعود (ت: ٢٩ هـ) ﵁: أنهم لما رأوا دقة ساقيه قال لهم ﷺ «إنها في الميزان أثقل من جبل أحد» (٤).
وما قاله ابن فورك (ت: ٤٠٦ هـ) ﵀، وغيره من المتكلمين: إن وزن حقيقة الأعمال مستحيل؛ لأن ما ليس بجسم يستحيل أن يكون
стр. 697
جسما (١)!! لا يعول عليه لأن الله قادر على كل ما يشاء، لا يتعاصى على قدرته شيء، فهو قادر على ما شاء، وقادر على ما لم يشأ أيضا، فهو قادر على هداية أبي بكر (ت: ١٣ هـ) ﵁، وأبي لهب (ت: ٢ هـ)، وقد شاء أحد المقدورين وهو هداية أبي بكر (ت: ١٣ هـ)، ولم يشأ مقدوره الثاني وهو هداية أبي لهب.
فهذه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الموزون صحف الأعمال.
والثاني: أن الموزون الأعمال، تقلب أجساما في صور موزونة.
الثالث: أن الموزون أصحاب الأعمال. وكان ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀-كبير المفسرين-يرى أن كفة الحسنات يكون فيها نفس الشخص وحسناته، وأن الكفة الأخرى فيها سيئاته (٢)، هكذا يقوله العلماء، وعلى كل حال فالتحقيق أنه وزن حقيقي بميزان ذي لسان وكفتين" (٣).
المطلب الثامن عشر: قيام التوحيد مانع لقيام الساعة
• عَنْ أَنَسٍ (ت: ٩٠ هـ) ﵁-أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ» (٤).
стр. 698
• عَنْ عبد الله بن عمرو (ت: ٦٥ هـ) ﵄-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ، قَالَ: فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا فَيَتَمَثَّلُ لَهُمْ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وأخبر النبي ﷺ أن في آخر الزمان يرفع الله بيته من الأرض وكلامه من المصاحف وصدور الرجال فلا يبقى له في الأرض بيت يحج ولا كلام يتلى فحينئذ يقرب خراب العالم وهكذا الناس اليوم إنما قيامهم بقيام آثار نبيهم وشرائعه بينهم وقيام امورهم حصول مصالحهم واندفاع أنواع البلاء والشر عنهم بحسب ظهورها بينهم وقيامها.
وهلاكهم وعنتهم وحلول البلاء والشر بهم عند تعطلها والإعراض عنها والتحاكم إلى غيرها واتخاذ سواها.
ومن تأمل تسليط الله سبحانه على من سلطه على البلاد والعباد من الأعداء علم أن ذلك بسبب تعطيلهم لدين نبيهم وسننه وشرائعه فسلط الله عليهم من أهلكهم وانتقم منهم حتى إن البلاد التي لآثار الرسول ﷺ
стр. 699
وسننه وشرائعه فيها ظهور دفع عنها بحسب ظهور ذلك بينهم" (١).
المطلب التاسع عشر: التوحيد نعم العدة.
• قال الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀، للفرزدق (ت: ١١٠ هـ) ﵀-وهو يدفن امرأته-: "ما أعددت لهذا اليوم؟
قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة.
قال الحسن: نعم العدة إن ل "لا إله إلا الله" شروطها؛ فإياك وقذف المحصنة!.
وروي عنه أنه قال للفرزدق: هذا العمود. فأين الطنب" (٢).
• قال أبو عبد الله الحسن بن الحسين الحليمي (ت: ٤٠٤ هـ) ﵀: "الراغب في الإيمان لا يسلم مقصوده منه، إلا بأن يكون شحيحًا به، فإنه إذا شح بالإيمان لم يأت ما يفسده عليه، كما أن من وجد حلاوة الحلو لم يأت بما يبطلها عليه". (٣).
المطلب العشرون: التوحيد مفتاح الجنة.
• قال وهب بن منبه (ت: ١١٤ هـ) ﵀-لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان؛ فإن
стр. 700
جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام " (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولقد جعل الله لكل مطلوب مفتاحاً يفتح به، فجعل مفتاح الصلاة الطهارة، كما قال ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور»، ومفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدق، ومفتاح الجنة التوحيد … " (٣).
• قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "ويدل على صحة هذا القول أن النبي- ﷺ رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص، كما في "الصحيحين" عن أبي أيوب (ت: ٥٠ هـ) أن رجلا قال: يا رسول الله! أخبرنى بعمل يدخلنى الجنة. فقال: «تعبد الله، لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصل الرحم» (٤).
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁"أن رجلا قال: يا رسول الله، دلنى على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدى الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». فقال الرجل: والذى نفسى بيده لا أزيد على هذا شيئا ولا أنقص منه.
فقال النبي ﷺ : «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر
стр. 701
إلى هذا» (١).
وفي "المسند" عن بشير بن الخصاصية قال: "أتيت النبي ﷺ لأبايعه فاشترط علي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، أما اثنتان فوالله لا أطيقهما: الجهاد والصدقة! فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حركها، وقال: «فلا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذا؟!» قلت: يا رسول الله! أن أبايعك، فبايعته عليهن كلهن" (٢).
المطلب الواحد والعشرون: التوحيد سبيل الفوز.
• قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨٥].
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «فمَن أحَب أن يُزحزَح عن النار ويدخل الجنة، فلتأتِه منيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» (٣).
• عبد الله بن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : "من سرّه أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن
стр. 702
لا اله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، ويأتي الناس ما يحب أن يؤتى إليه" (١).
• قال الحسن بن محمد النيسابوري (ت: ٨٥٠ هـ) ﵀: "قال ﷺ : «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه». "فالأول رعاية حقوق الله، والثاني محافظة حقوق العباد" (٢).
المطلب الثاني والعشرون: التوحيد يدخل الله به الجنة.
• فعن عبادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (٣).
• وفي حديث جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄-عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» (٤).
• وفي حديث عمر (ت: ٢٣ هـ) ﵁-عن النبي- ﷺ -أنه قال: "ما
стр. 703
منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ويعفى لأهل التوحيد المحض الذى لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك فلو لقى الموحد الذى لم يشرك بالله شيئًا البتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده وشابه بالشرك، فإن التوحيد الخالص الذى لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب. فإنه يتضمن من محبة الله تعالى وإجلاله، وتعظيمه، وخوفه، ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب" (٢).
المطلب الثالث والعشرون: التوحيد أساس دخول الجنة.
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-أن أعرابيا أتى النبي ﷺ ، فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة.
قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولى قال الرسول ﷺ : «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» (٣).
стр. 704
• وعَنْ جَابِرٍ (ت: ٧٨ هـ) ﵁-قال: أتَى النَّبِيَّ- ﷺ -رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا المُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: «مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ النَّارَ» (١).
• عن عتبان بن مالك الأنصاري (ت: وسط خلافة معاوية) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: «لا اله إلا الله يبتغي به وجه الله إلا حرم الله عليه النار» (٢).
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالقلب لَا يصلح وَلَا يفلح وَلَا ينعم وَلَا يسر وَلَا يلتذ وَلَا يطيب وَلَا يسكن وَلَا يطمئن إِلَّا بِعبَادة ربه وحبه والإنابة إِلَيْهِ وَلَو حصل لَهُ كل مَا يلتذ بِهِ من الْمَخْلُوقَات لم يطمئن وَلم يسكن إِذْ فِيهِ فقر ذاتي إِلَى ربه من حَيْثُ هُوَ معبوده ومحبوبه ومطلوبه وَبِذَلِك يحصل لَهُ الْفَرح وَالسُّرُور واللذة وَالنعْمَة والسكون والطمأنينة، وَهَذَا لَا يحصل لَهُ إِلَّا باعانة الله لَهُ فَإِنَّهُ لَا يقدر على تَحْصِيل ذَلِك لَهُ إِلَّا الله فَهُوَ دَائِما مفتقر إِلَى حَقِيقَة ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ [الفاتحة: الآية: ٥] " (٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله" (٤).
• قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀:
стр. 705
"فمن قال: لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها، بل اكتسب مع ذلك ذنوبا وسيئات، وكان صادقا في قولها موقنا بها، لكن ذنوبه أضعاف أضعاف صدقه ويقينه، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي، رجحت هذه الأشياء على هذه الحسنة، ومات مصرا على الذنوب، بخلاف من يقولها بيقين وصدق تام، فإنه لا يموت مصرا على الذنوب، إما أن لا يكون مصرا على سيئة أصلا أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته.
والذين يدخلون النار ممن يقولها قد فاتهم أحد هذين الشرطين: إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التامين المنافيين للسيئات، أو لرجحان السيئات، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام، لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم، فقولها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات بل ترجح سيئاتهم على حسناتهم. انتهى ملخصا.
وقد ذكر معناه غيره كابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀، وابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀، والمنذري (ت: ٦٥٦ هـ) ﵀، والقاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀، وغيرهم.
وحاصله: أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة، والنجاة من النار، ومقتض لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع.
ولهذا قيل للحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀-إن ناسا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها