← Книги сунны

Книги сунны · id 30016

مسند أبي بكر الصديق - لابن كثير

ابن كثير

Полный текст (701 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

حدثني (١) أخي (٢) عبد الله (بن سَعيد) (٣) (٤)، عن جدِّه أبي سعيد المَقْبُري (٥): أنه سَمِع عَلِيّ بن أبي طالب يقول: "ما حدثني محدِّث (٦) حديثًا لم أسمعه أنا من رسول الله ﷺ إلا أمرته أن يقسم بالله هُوَ (٧) سمعه من رسول الله ﷺ إلا أبو بكر فإنه كان لا يكذب، فحدثني أبو بكر ﵁ (٨): أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ما ذكر عبدٌ ذنبًا أذنبه فقام حين يذكر ذنبه ذلك، فيتوضأ فأحسنَ وضوءَه، ثم صلَّى ركعتين، ثم استغفر الله لذنبه ذلك، إلا غَفَرَ (الله) (٩) له) " (١٠).

стр. 212

وهكذا رواه أبو بكر البزَّار في مُسنده حيث قال: "حدثنا (١) أبو كُريب (٢)، عن (٣) أبي (٤) معاوية (٥) (٦)، عن (٧) عبد الله بن سعيد (المقبُري) (٨)، عن جدِّه [أبي سعيد المقبري، قال: سمعتُ] (٩) عَلِيّ بن أبي طالب (١٠) يقول: قال (١١) أبو (١٢) بكر (١٣): "قال رسول الله ﷺ : (ما من مُسلم يتوضَّأ فيُحسن الوضوء، فيأتي (١٤) المسجد، فيصلِّي (١٥) ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غَفَر الله (١٦) له) ". (١٧)

стр. 213

ثم رواه من طريق أخرى عن (١) عبد الله بن سعيد (٢). قال: (وهو لِيَّنٌ (٣)) (٤). قال شيخُنا (٥): "رواه داود بن مِهران (٦) (٧)، عن عُمر بن يزيد (٨)، عن أبي إسحاق (٩)، عن عبد خير (١٠)، عن عَلِيّ. قال: ولم يذكر أحد منهم قصة

стр. 214

الاستحلاف، غير عليّ بن عابس، عن عُثمان بن المُغيرة (١)، والله أعلم. قال: فهذه طرق متعددة يُقَوِّي بعضُها بعضًا، وإن كان في كل منها نَظَر. (٢) قلت: "وقد سَرد هذه الطرق محرَّرة الحافِظ أبو الحسَن الدَّارقُطني في كتابه العلل، وزادَ طُرُقًا أُخَر، وكلها ضعيفة (٣)، والله أعلم". قال شيخُنا: (وما أنكره البُخاري ﵀ من الاستحلاف فقد كان عُمر ﵁ يطلب البَيِّنَة (٤) من بعض الصحابة على صحة ما رواه - يعني - لقصة أبي مُوسى (٥) معه في الاستئذان) (٦) (٧) قال: (والبيِّنةُ أغلظ من الاستحلاف) (٨).

стр. 215

قلت: "وقد استحلف عُبيدة السَّلْمَاني (١) عَليًّا ﵁ لما روى حديث المُخْدَج الخارجي (٢)، فقال: "الله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ الله الذي لا إله إلا هو " (٣). واستحلفَ ضِمَام بنُ ثعلبة (٤) رسول الله ﷺ على ما قاله من الرسالة إلى الناس، والصدقة، والزكاة، وكل ذلك يحلف له رسول الله ﷺ (٥)، ولم يُنْكر عليه، فَدَلَّ على جوازه للتثبُّت (٦). وقال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣]. ومن الشَّواهِد (٧) على صِحَّةِ ما أردناه من هذا الحديث، وهو الصَّلاة عند

стр. 216

التوبة كما نَصَّ على ذلك غير واحد من أئمة الفقهاء (١): حديث عُثمان بن عفان ﵁، وهو في الصحيحين: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن توضأ فأحسنَ الوضوء ثم صلَّى ركعتين لا يُحَدِّثُ فيهما نفسه غُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبه) " (٢). وفي معناه حديث آخر [١٣] قال الحافِظ أبو يَعْلى: "حدثنا عبَّاس بن الوليد النَّرْسِي (٣) (٤) [حدثنا] (٥)

стр. 217

عُمر بن عَلِيّ (١)، حدثنا عبد الرَّحْمن بن زياد بن أَنْعَم (٢)، قال: سمعت مالِك بن قَيْس (٣) (٤) (عن عُقبة بن عامِر (٥)، قال: (سمعت رسول الله ﷺ ) (٦) يقول: (مَن توضأ فأحسن الوضوء ثم صلَّى ركعتين، يريدُ بهما وَجْه الله، غَفَر الله له ما كان قبلها (٧)). فقلت: "الله أكبر".

стр. 218

قال: فضرَبَ رجلٌ على كَتِفي، فالتفتُّ فإذا أبو بكر (١) ﵁ فقال (٢): "يا ابن عامر! ما كان قبلها أفضل". قال (٣): قلت: "ما كان قبلها؟ ". قال: "قال رسول الله ﷺ : (مَن شهد أن لا إله إلا الله، يصدقُ قلبُه لسانَه، دخَلَ في (٤) أي أبوابِ الجنةِ شاء) ". (٥)

стр. 219

هذا غريبٌ من هذا الوجه، وابن أنعم ضعيف (١)، وسيأتي هذا الحديث في مُسند عُمر من روايةِ عُقبة عنه (٢)، وهو عند مُسلم (٣). أحاديث الجنائز [حديث في تلقين الميت: لا إله إلا الله] (٤) [١٤] قال الحافِظ أبو يَعْلى أحمد بن المُثَنَّى (٥) الموصلي ﵀: "حدثنا عُبيد الله بن عُمر (٦)، حدثنا زائدة بن أبي الرُّقَاد (٧)، حدثني زياد

стр. 220

النُّمَيْري (١) (٢)، عن أنس ﵁: أنَّ أبا بكر ﵁ (٣) دخَلَ على النبي ﷺ وهو كئيبٌ، فقال له (٤): (ما لي أراك كئيبًا؟). قال: "يا رسول الله كنت عند ابن عمٍّ لي البارحة فُلان، وهو يَكِيدُ (٥) بنفسه". قال: (فهلَّا لقنتَه: لا إله إلا الله؟). قال: "قد فعلتُ يا رسول الله". قال: (فَقَالَهَا؟ قال: "نعم". قال: (وَجَبَتْ (٦) له الجَّنَّة). قال أبو بكر: "يا رسول الله! كيفَ هي للأحياء؟ ". قال: (هي أَهْدَم (٧) لذنوبهم، هي أهدم لذنوبهم) " (٨).

стр. 221

هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه، وزائِدة (١) هذا، وشيخه زِيَاد (٢) فيهما ضَعْف، وإيراده في مُسند أنس أَوْلى، اللهم إلا أن يقال: الظاهر أنَّ أَنَسًا سمعه من الصِّدِّيق (٣). حديث آخر [١٥] قال الإمام أحمد بن حنبل: "حدثنا عفَّان، حدثنا أبو عَوانة، عن داود بن عبد الله الأَوْدي (٤)، عن حُمَيد بن عبد الرَّحْمن (٥) قال: "تُوُفِّيَ

стр. 222

رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ في طائفة (١) من المدينة (٢)، قال: فجاء فَكَشَفَ عن وجهه فقبَّله، وقال: "فِدًى لك أبي وأمي، ما أطيبكَ حَيًّا وميتًا، مات محمد وربّ الكعبة" فذكر الحديث، قال: (وانطلقَ) (٣) أبو بكر وعُمر ﵄ (٤) يتقاوَدَان حتى أَتَوْهُم، فتكلَّم أبو بكر، فَلَمْ (٥) يترك شيئًا أُنزل في الأنصار، ولا ذكره رسول الله ﷺ في (٦) شأنهم إلا ذكره، وقال: " (٧) لقد علِمتم أنَّ رسول الله ﷺ قال: (لو سَلَكَ (٨) النَّاسُ وادِيًا، وسلكتِ الأنصارُ واديًا، سَلكتُ وادِيَ الأنصار)، ولقد علمتَ يا سَعْد (٩) أنَّ رسول الله ﷺ قال وأنت قاعِدٌ: (قُرَيْشٌ وُلاةُ هذا الأمرِ، فَبَرُّ الناسِ تَبَعٌ لِبَرِّهِمْ، وَفَاجِرُهُمْ تَبَعٌ لَفَاجِرِهِمْ) ". قال: فقال له سَعد: "صدقتَ، نحنُ الوزراءُ، وأنتم الأمراءُ" (١٠).

стр. 223

(هذا الحديثُ حَسَنٌ، وإن كان فيه انقطاع، فإنَّ حُميد بن عبد الرَّحْمن بن عوف لم يُدرك أيام الصديق، وقد يكون أخذه عن أبيهِ (١) أو غيره من الصحابة (٢)، وهذا كان مشهورًا بينهم) (٣)؛ ففيه دلالة على جواز تقبيل الميت. وقد جاء في صحيح البُخاري من حديث سُفيان الثَّوري، عن مُوسى بن أبي عائشة (٤)، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن (٥) عائشة

стр. 224

أم المؤمنين (١): أنَّ أبا بكر قَبَّل النبي ﷺ بعد موته (٢)، وسيأتي (٣). وقد قال الحافِظ أبو يَعْلى هاهُنا: أخبرنا (٤) (أبو سَعيد) (٥) القَواريري، حدثنا مرحوم (٦) (٧)، حدثني أبو عُمران الجَوْني (٨)، عن يزيد بن بابَنُوس (٩)، عن عائشة: أنَّ أبا بكر دَخَلَ على (رسول الله) (١٠) ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين

стр. 225

عينيه، ووضع يديه على صُدْغَيه (١)، وقال: "وانبيَّاه، (وا صَفِيَّاه (٢) وا خَليلاه (٣)) (٤) " (٥). وفي سِيَاقِ الإمام أحمد فائدةٌ جليلةٌ، وهي: أنَّ سَعد بن عبادة (٦) مُسَلِّمٌ لأبي

стр. 226

بكر ﵁ ما قال - وذكر حين ذَكَّرَهُ ورجع إليه - وسيأتي حديث سقيفة بني سَاعِدة (١) (٢) مبسُوطًا في مُسند عُمر ﵁ (٣). حديث آخر [١٦] قال الإمام أحمد: "حدثنا عبد الرزاق (٤)، أخبرني ابن جُرَيْج (٥) (٦)، أخبرني أبي (٧): أنَّ أصحاب النبي ﷺ لم يدروا أين يَقْبُروا (٨) (٩) النبي ﷺ ، حتى قال أبو بكر (١٠):

стр. 227

"سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لم (١) يُقْبَر نبيٌّ إلا حيث يموت) ". فأخَّروا فِراشَه، وحَفَروا له تحت فِراشه" (٢). "هذا منقطع من هذا الوجه؛ فإنَّ ابن جُرَيْج واسمه: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْجٍ، يرويه عن أبيه، وأبوه فيه ضعفٌ، ولم يُدْرِك أيَّام الصديق" (٣). طريق أخرى قال الترمذي: "ح (٤) أبو كُريب، عن (٥) أبي (٦) معاوية، عن عبد الرَّحْمن بن

стр. 228

أبي بكر (المُليكي) (١) (٢)، عن ابن (٣) أبي مُلَيكة (٤)، عن عائشة: أنها (٥) قالت: لما قُبِض (٦) النبي (٧) ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: "سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا ما نسيته، قال: (ما قَبَض الله نبيًّا إلا في الموضع الذي يحب أن يُدفَن فيه)، اِدْفِنوه في موضع فراشه". (٨) ورواه الحافِظ أبو يَعْلى الموصلي،

стр. 229

عن أبي مُوسى الهرَوي، واسمه: إسحاق بن إبراهيم (١)، عن أبي مُعاوية (٢)، عن المُليكي (٣) (٤) به. ولفظه: فقال أبو بكر: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يُقبض النَّبيُّ إلا في أَحَبِّ الأمكنةِ إليه)، اِدْفِنُوهُ حيث قُبِض" (٥). ثم قال الترمذي: "هذا حديثٌ غريبٌ، و (٦) المُليكي يُضعَّف (في الحديث) (٧) من قِبَل حفظه. قال (٨): "وقد رُوِيَ هذا الحديث من غير هذا الوجه، رواه (٩) ابن عباس، عن أبي بكر (١٠) عن النبي ﷺ (١١) " (١٢).

стр. 230

قلتُ: "يُشِيْرُ الترمذي ﵀ إلى الطريق الأخرى التي رواها أبو يَعْلى الموصلي في مُسنده، حيث قال: "حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم (١)، حدثنا أبي (٢)، عن محمد بن إسحاق، حدثني حُسين بن عبد الله (٣)، عن عِكرمة (٤)، عن ابن عباس، عن أبي بكر ﵁ قال: "إني سمعته يقول: (ما قُبِض نبيّ إلا دُفِنَ حيثُ قُبِض (٥) " (٦).

стр. 231

قال إسماعيل بن عَيَّاش (١) (٢): "عن إسحاق بن (٣) عبد الله بن أبي فَرْوة (٤)، [قال: حدثني ابن حزم] (٥)، عن عُمرة بنت عبد الرَّحْمن (٦)، عن أمهات المؤمنين (٧): أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: " (٨) كيف نَبْنِي قَبْرَ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ أنجعلهُ (٩)

стр. 232

مسجدًا؟ ". فقال (١) أبو بكر (٢): "سمعت النبي (٣) ﷺ يقول: (لَعَنَ الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ". قالوا: "فكيف نحفر له؟ ". فقال (٤) أبو بكر الصديق: "إنَّ من أهلِ المدينةِ رجُلًا يَلْحَدُ (٥)، ومن أهلِ مَكَّةَ رجلٌ يشقُّ، اللهم فأطلِعْ عليّنا أحبَّهُما إليكَ أن يَعْمَلَ لنبيِّكَ". فاطَّلعَ أبو طلحة (٦) - وكان يَلحدُ - فأمروه (٧) أن يَلْحَدَ لرسولِ اللهِ ﷺ (٨)، ثم دُفِن، ونُصِبَت (٩) (١٠) عليه اللَّبِن (١١) " (١٢).

стр. 233

هكذا رأيتُه معلَّقًا في كتاب الإمام محمد بن حاتم البُخاري (١)، في كتابه (فضائِلُ الصديق) (٢) (٣). وقال أبو يَعْلى أيضًا: "حدثنا جَعْفر (٤) بن مِهْران السَّبَاك (٥)، حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى (٦) (٧)، عن محمد بن إسحاق (٨) عن (٩)، حُسين (١٠)، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال:

стр. 234

"لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﷺ ، وكان أبو عُبيدة بن الجَرَّاح يضْرَح (١) - يَحْفِر - لأهل مكة، وكان أبو طلحة زيد بن سَهل هو الذي كان يحفر لأهل المدينة، وكان يَلْحَد، فَدَعَا العَبَّاس (٢) رجلين، فقال (٣) لأحدهما: "اذهب إلى أبي عُبيدة، وقال (٤) للآخر: اذهب إلى أبي طلحة، اللهم خِرْ (٥) لرسولك". فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول الله ﷺ ، فلمَّا فُرغَ من جهازه (٦) يوم الثلاثاء وُضِعَ على سَريره، وقد كان المُسلمون اختلفوا في دفنه، فقال قائل: "ندفنه في مسجده"، وقال قائل: "بل يُدْفَن مع أصحابه"، فقال أبو بكر: "إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما قُبِضَ نبيّ إلا دُفِن حيث قُبِض) ". فرُفع فراش رسول الله ﷺ الذي توفي فيه، فَدُفِنَ (٧) تحته، ثم دعَا (٨) الناس على رسول الله ﷺ يُصلُّون عليه أرسالًا (٩)، الرجال حتى إذا فُرغ

стр. 235

منهم، أُدْخِل النساء، حتى إذا فرغ من النساء أُدِخل الصبيان، ولم يَؤُمَّ الناسَ على رسول الله ﷺ أحد، فدُفِن رسول الله ﷺ من أوسَط الليل؛ ليلة الأربعاء" (١). وقد رواه الإمام عليّ بن المديني: عن وَهْب بن جَرير (٢)، عن أبيه (٣)، عن محمد بن إسحاق به بطوله، وزاد بعد هذا: "ونزل في حُفرته عَليِّ، والفضلُ (٤)، وقُثَم (٥)

стр. 236

وشُقْران (١)، وقال أَوْس بن خَوْلي (٢) (٣): "أنشُدُك (٤) بالله وحظنا من رسول الله ﷺ ؟ ". فقال له عليّ: "انْزِل". فنَزَلَ (٥)، وقد كان شُقْرَان أخذ قطيفةً (٦) كان رسول الله ﷺ يلبسها، فدفنها في القبر، ثم قال: "والله لا يلبسها أَحَدٌ بعده أبدًا". (٧) (٨) ثم قال عليّ بن المديني: "في إسناده بعض الضَّعْفِ، وكان حُسين بن عبد الله (٩) مُنْكر الحديث" (١٠).

стр. 237

قلت: "هو حُسين بن عبد الله بن عُبيد الله بن العَبَّاس، تركه الأئمة وضعّفوه (١)، والله أعلم". ولو صَحَّ هذا الحديث لكان مستندًا للإجماع الذي حكاه القاضي عياض بن مُوسى السَّبتي (٢) (٣) وأبو الوليد البَاجِي (٤) (٥) قَبْله على أنَّ أفضل بِقَاع الأرض على الإطلاق؛ المكان الذي ضَمَّ (٦) أعضاء رسول الله ﷺ في حُفرتِهِ (٧). ورِوَاية الحافِظ أبي يَعْلى فيها إشعار بهذا، حيثُ قال أبو بكر: "سمعته يقول: (لا يُقبَض النبي إلا في أحب الأمكنة إليه) " (٨).

стр. 238

اللهم إلا أن يكون المراد: في أحب الأمكنة إليه أن يُدفن فيه (١)، والله أعلم. وقد ذكر بعض أصحاب المقالات (٢): أنَّ هذا الاختلاف هو أول اختلاف وقع بين الصحابة بعد اختلافهم في موته ﵇، وأنَّ منهم مَن قال بدفنِه بمكة بلده الذي وُلِد بها. وقال آخرون: "بل ببيت المقدس بلاد الأنبياء"، وقال آخرون: "بل بالبَقِيع" (٣). وقال آخرون: "بَلْ بمسجده". حتى أخبرهم أبو بكر ﵁ بما فصل نزاعهم (٤)، والله أعلم. عن عُمر، مولى غُفْرة (٥) قال: "لما اِئْتَمروا في دفنِ رسول الله ﷺ قال قائل:

стр. 239

"ندفنه حيث كان يصلِّي في مَقامِه". وقال أبو بكر (الصديق) (١): "مَعَاذَ [الله] (٢) أنْ نجعله وثنًا يُعبد". وقال آخرون (٣): "ندفنه في البَقِيع حيث دفن إخوانه من المُهاجرين". قال (٤) أبو بكر: "إنَّا نَكْرَهُ (٥) أن نُخْرِج قبر رسولِ اللهِ ﷺ إلى البَقِيعِ فَيَعُوذَ به عائِذٌ من النَّاسِ، لله عليه حقٌّ، وحقُّ الله فوق حقَّ رسولِ اللهِ، فإنْ أجرناه ضيَّعنا حقَّ اللهِ، وإن أَخْفَرْناهُ أَخْفَرْنا قبرَ رسول الله ﷺ ". قالوا (٦): "فما ترىَ أنت (٧) يا أبا بكر؟ ". قال: "سمعت رسول الله ﷺ ، وهو يقول: (ما قَبض الله نبيًّا قط إلا دُفِن حيث قُبِض روحه) ". قالوا: "فأنت (والله) (٨) رِضًا (٩) مُقْنِعٌ (١٠) ". ثم خَطُّوا حول الفراش خَطًّا، ثم احتمله عَلِيُّ، والعَبَّاس، والفَضْل،

стр. 240

وأهله (١)، ووقع القوم في الحَفْر يحفرون حيث كان الفراش (٢). هكذا رواه الإمام أبو بكر محمد بن حاتِم بن زَنْجَوِيه البُخاري في كتاب (فضائل الصِّدِّيق) (٣) (٤). ثم قال: "وهذه سُنَّة تفرَّد بها الصِّدِّيق من بين المهاجرين والأنصار، ورجعوا إليه فيها" (٥) (٦). قلت: "وهو مُنقطع من هذا الوجه، فإِنَّ عُمر مَوْلى غُفْرة مع ضعفه لم يُدرك أيَّام الصِّدِّيق" (٧) (٨).

стр. 241

أثر في كراهية كثرة المال عند الاحتضار [١٧] قال الإمام أحمد في الزهد: "حدثنا أبو المُغيرة (١)، حدثنا عُتبة (٢)، حدثني [أبي] (٣) ضَمْرة يعني: ابن حبيب بن (صُهيب) (٤) (٥)، قال: "حَضَرَتِ الوفاة ابنًا لأبي بكر (الصِّدِّيق) (٦)، فجعل الفتَى (٧) يَلْحَظُ (٨) إلى وِسَادةٍ، فلما تُوُفِّيَ قالوا لأبي بكر: "رأينا ابنك يلحظُ (٩) إلى الوسادةِ" (١٠). قال (١١): فرفعوه عن

стр. 242

الوسادة، فوجدوا تحته (١) خمسةَ دنانيرَ أو سِتَّةَ دنانير (٢) (٣)، فضربَ [أبو بكر] (٤) بيده على الأخرى، (فَرَجَعَ يقول) (٥): "إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون (٦)، ما أحسبُ (٧) جِلدك يتسع لها" (٨). مُنقطع (٩). حديث آخر [١٨] قال الإمام أحمد: "حدثنا محمد بن مَيْسَر، أبو سَعد الصَّاغَاني (١٠)

стр. 243

المكفوف، حدثنا هِشَام بن عُرْوَة (١)، عن أبيه، عن عائشة قالت: "إنَّ أبا بكر (٢) ﵁ لما حضرته الوفاة، قال: "أي يوم هذا؟ ". قالوا: "يوم الاثنين". قال: فإنْ مِتُّ من ليلتي فلا تنتظروا بِيَ الغَدْ، فإنَّ أحبَّ الأيام والليالي إليَّ أقربها من رسول الله ﷺ " (٣). هذا حديثٌ جيدٌ (٤)، ومحمد بن مَيْسَر تكلَّم فيه بعض الأئمة (٥)، ولكن

стр. 244

للحديثِ أَصْلٌ من روايةِ عائشة ﵂ كما سيأتي في مُسندها (١) إنْ شاء الله تعالى. حديث آخر [١٩] قال الحافِظ أبو يَعْلى: "حدثنا أبو خيثمة، حدثنا محمد بن الحسَن بن أبي الحسَن المخزومي (٢)، حدثنا سُليمان بن بلال (٣)، عن عبد الحكيم (٤) بن عبد الله بن أبي فروة (٥)، عن يعقوب بن عتبة (٦)، عن عروة بن الزبير، عن عائشة: أنَّ عبد الله بن أبي بكر (٧) لما تُوفي بُكِيَ عليه.

стр. 245

فخرجَ أبو بكر (١) ﵁ إلى الرِّجَالِ فقال: "إني أَعْتَذِرُ إليكم من شَأْنِ (٢) أُوْلَاءِ، إِنَّهُنَّ حديثاتُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: (إنَّ المَيِّتَ يُنْضَحُ (٣) عليه الحَمِيْمُ (٤) بِبُكَاءِ الحَيِّ) " (٥). هذا غريبٌ من هذا الوجه، ومحمد بن الحسَن هو ابن زَبَالة المخزومي المَدَنيُّ، أحد الكذابين المتهمين بالوَضْع (٦).

стр. 246

أثر في كيفية التعزية [٢٠] قال أبو بكر ابن أبي خَيْثَمة (١): "حدَّثنا أبي، عن ابن عُيَيْنَة (٢) قال: كان أبو بكر ﵁ إذا عَزَّى (٣) رَجُلًا قال: "ليسَ مع العَزَاءِ مُصِيبَةٌ، وليس (٤) مع الجَزَعِ (٥) فَائِدَةٌ، الموتُ أَهْوَنُ ما قبله، وأشدُّ ما بعدهُ، اذكرُوا فَقْدَ رسولِ اللهِ ﷺ تَصْغُرْ مُصِيبتُكم، وأَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكُمْ" (٦).

стр. 247

[كتاب الزكاة] (١) أحاديث في الزكاة والصَّدقة والتَّعفُّفِ [٢١] قول أبي بكر ﵁ في مانعي الزكاة: "والله لو منعوني عِقَالًا (٢) لأقاتلهم (٣) على منعه" (٤). سنذكره في مُسند عُمر (٥). وقد اختلف العلماء في معنى قوله: عِقالًا، فقيل: "المراد من ذلك: الحبل الذي يُعْقل به البَعير، كانوا

стр. 248

يأخذونه من المتصدق" (١). كما رواه الواقِدي (٢): "عن إبراهيم بن إسماعيل، وعن عاصِم بن عُمر بن قَتَادَة (٣): أنَّ محمد بن مسلمة (٤) (٥) كانَ يعمل على الصدقة في عهد رسول الله ﷺ فكان يأمر الرجل إذا جاءَ بفريضتين أنْ يأتي بعقاليهما، وقِرانهما (٦) " (٧).

стр. 249

ورُوِيَ أيضًا عن حِزَام بن هِشَام (١)، عن أبيه (٢): "أنَّ عُمر كان يأخذ مع كل فريضة عقالًا ورِوَاءً (٣)، فإذا جاءَت (٤) باعها ثم تصدق بتلك العُقْل والأروية (٥). والرِّوَاء هَاهُنا هو: القِرَان الذي يُقْرَن به البَعِيران (٦). قال الواقِدي: "وهذا رأيُ مالك، و (ابن أبي ذِئْب) (٧)، وهو الأمرُ عندنا" (٨).

стр. 250

أي أنه يُؤْخَذُ من المصدق ذلك. وقال آخرون (١): "بل المراد من العِقَال صدقة العام". وهذا هو الذي رجّحه الإمام أبو عُبيد (٢) (٣) ﵀ قال: "وأخبرني ابن (٤) الكَلْبي (٥) (٦) بإسناده (٧)، قال: استعمل (٨) مُعاوية
следующие страницы →