قطعت به من أسود الليل مهمها (٣١٤) … على صهوة من در نظم تنضدا
جوادا إذا أرسلت فضل عنانه … يبلّغنى من غاية الشرف المدى
كنفحة مسك قد تضاعف نشرها … بألسننا مما يعاد ويبتدى
لتصرف لي وجه القبول فإنني … فتى لم أحاول غير ذلك مقصدا
فلا زال ركب المدح من كل وجهة … يوشّيك حاديه، ويقطع فدفدا
فعش لوفود سيق نحوك عيسهم … إذا زمزم الحادي بذكرك أوحدا
*** ومنها: قول الأديب الفاضل شهاب الدين أحمد بن أبي السعود:
تمنّعت بدموع الصّب في حجب … فانظر لشمس الضحى في جملة السحب
غزالة عن سماء القلب ما أفلت … يا من يرى جنّة الرضوان في لهب
أشكو سهادى ودمعي وهي لاهية … والثغر يضحك، والأصداغ في لعب
فيا رعى الله أعكافا (٣١٥) بنا فتكت … وهنّ من نسمات الروض في رهب
والله يعفو عن الألحاظ كم قتلت … بسحرها من كليم القلب مكتئب
وفي سبيل البكا، ليل أكابده … يا فجر قلبي، فجرى غير مقترب
لم أدر أن كئوس الدمع تسهرنى … حتى رأيت محيّا النجم كالحبب
وبعد رشف الثنايا رحت ملتثما … خالا وكان ختام المسك مطلبي
كأنّ حسن ختام منه يسند عن … قاضى القضاة ختام العلم والأدب
ومنها:
يا عالما شرح الله الصدور به … وباسط العلم والآمال للطّلب
شرحت صدر البخاري مثل جامعه … فراح ينشد: «هذا منتهى الطلب»
فحبذا جامع بالشرح صار له … وقف كبحر جرى، باق مدى الحقب
شرح حكى الشمس، فالدنيا قد امتلأت … تغيب زهر الدراري وهو لم يغب
стр. 107
ومنها:
هذا وحقّك عام الفتح حجّ به … لبيت (٣١٦) فضلك وفد العلم عن رغب
أفديه عاما كأنّ الدهر أسنده … عن حافظ العصر عن آبائه النّجب
لله حبر [ألمعىّ]، ماجد، شبم … علا بأصل على الخالين خير أب
يغنيك عن طالب الأسفار مقولة … «والسيف (٣١٧) أصدق أنباء من الكتب»
ومنها:
[أغنى] (٣١٨) البرية بالجدوى فما [برحت] (٣١٩) … أمواله عند أيدي الناس من طنب
وكم له من تصانيف جلت وعلت … كالنجم تكثر عن قطر الحيا الشّرب
فضائل علّمت شعري مدائحه … وأنجم الليل تهدى كلّ مرتقب
يا مهجة الفضل، يا عين العلوم، ويا … روح العلا، وحياة العلم والحسب
عذرا فإنسان نظمي قد أتى عجلا … ووسع قولي وضيق الوقت في حرب
وهذه بنت فكر حبّها شغف … يجرجر الذيل من صحف على كتب
كأنها الراح في كاسات أسطرها … تحلو بتكرير حرف الباء في الحبب
أما وأوصافك المنظوم جوهرها … لولاك ما امتد لي في الشعر من سبب
بقيت يا سند الدنيا صحيح علا … وعشت يا بحر علم غير مضطرب
ولا برحت مدى الأيام تكسبها … حسن الختام وترفى أشرف الرّتب
***
стр. 108
ومنها قول الأوحد المفنن أحد أدباء العصر شهاب الدين أحمد الحجازي الشافعي، وأغار على افتتاح قصيدة للممدوح:
إذا نوه الحادي بذكرك أوحدا … تيقّنت أنّى صرت في الحب أو حدا
فوا عجبا في فيه خمر معتّق … وفي كل يوم حسنه قد تجدّدا
ولولا رضاب الثّغر صهباء لم يكن … بسيف (٣٢٠) لحاظ صار فينا معربدا
رعى الله أياما وحبا وصبوة، … وكأسا، وحربالا (٣٢١)، وخلّا، ومعهدا
وحيىّ ليال بات بدري منادمى … بها، وشعاع الشمس من دنّنا بدى (٣٢٢)
ليال حكت في وجنة الدهر شامة … وبالكأس ذاك الخد كان مورّدا
نعمت وعيشى مرّ حلوا به كما … أريد على رغم الحواسد والعدا
فحلّيت كأسى بالطّلا فتذهّبت … وبالقدح الفضّى كم كلت عسجدا
ولم يبق لي مال لدىّ لأننى … أذبت بكأسى ما بكأس (٣٢٣) تجمّدا
بدومة روض ضاع من كمّها الشذى … فعرّفه نشر النسيم مردّدا
وشحرورها أضحى خطيبا بها وقد … غدت ركّعا قضب تميس وسجّدا
وقد نثرت أيدي السحاب لئالئا … نظمن فصارت عقد درّ منضّدا
لنظمى .. في قاضى القضاة بديع ما … يشنف أسماعا إذا هو أنشدا
إمام علا مقداره فكأنه … تخير كيوانا لعلياه مقعدا
هو العالم الحبر الذي زاد رفعة … ولم تلقه عند احتياجك مبعدا
هو البحر في علم وجود وبهجة … وتحيى به كلّ النفوس من الرّدى
نعم هو بحر لا يحركه الهوا … وهذاك بالأهواء أرغى وأزبدا
وأعجب من ذا كيف تبدو جواهر … من السّائغ العذب الذي طاب موردا
له الله من مولى، عظيم نواله … يصيّرنى استصغر البحر موردا
فيا شيخ لسلام عظّم قدره … ويا حاكما بالله أضحى مؤيّدا
стр. 109
شرحت صدورا عند شرحك للورى … صحيح البخاري، وهو خير تجددا
وأظهرت فيه ما اختفى من دقائق … وبيّنت فيه ما يدل على الهدى
بلغت به مولاي كلّ يتيمة … وزيّنت فيه ماله الفكر ولّدا
وجاء كعقد الدّر في جيد طالب … تحلى به حيث اجتهدت تقلدا
وأكملته بالأمن واليمن والهنا … فمات حسود بعدها قد تجلدا
*** قال الفاسىّ وبالجملة فهو أحفظ أهل العصر للأحاديث والآثار وأسماء الرجال المتقدمين منهم والمتأخرين، والعالي من ذلك والنازل، مع معرفة قويّة بعلل الأحاديث، وبراعة حسنة في الفقه وغيره.
*** وإليه تدريس الفقه بالمدرسة المؤيدية المنشأة بباب زويلة من القاهرة، ويبدي في دروسه بها أشياء حسنة، وكان الملك المؤيد كثير الإقبال عليه ويسأله في قضاء دمشق فلم يقبل مع وجود من سعى فيه (٣٢٤) ببذل كثير.
وهو سريع الكتابة حسنها، بديع القراءة، قرأ المعجم الصغير للطبراني بمجلس واحد بصالحيّة دمشق. [وقرأ] صحيح مسلم في خمسة مجالس (٣٢٥) بالقاهرة.
وله من حسن البشر وحلاوة المذاكرة والمروءة، وكثرة العناية بقضاء حوائج أصحابه ما كثر الجدل بسببه، زاده الله توفيقا وفضلا. وقد انتفعت به في علم الحديث وغيره كثيرا. جزاه الله عنا خيرا.
*** وممّا حدّث به من مروياته، صحيح مسلم لما قرأه على شيخنا شرف الدين محمد بن عزّ الدين محمد بن عبد اللطيف بن الكويك الرّبعى في خمسة مجالس، ورواه للحاضرين عن محمد بن ياسين الجزولى المصري
стр. 110
أذنا عن الشريف موسى بن علي بن أبي طالب الموسوي حضورا وإجازة، أنا الحافظ تقى الدين بن الصلاح وغيرهم بسندهم المشهور برواية الحديث الحافظ شهاب الدين ابن حجر المذكور عن المفنّن شهاب الدين أحمد بن أبي بكر العزّ الصالحي الحنبلي أذنا عن القاضي تقى الدين سليمان بن حمزة، أذنا عن الحسن بن علي بن السّيد العلوي الهاشمي البغدادي، عن الحافظ أبى الفضل محمد بن ناصر السلامي، عن عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن منده، عن أبي بكر محمد بن عبد الله الشيباني، عن مكىّ بن عبدان وأبى حامد بن الشرفى الحافظين عن مسلم، والسنن الكبير للنسائي رواية ابن الأحمر عن العفيف عبد الله محمد بن النشاوى المكي إجازة، وقد سمع عليه بمكة في صغره جانبا من صحيح البخاري عن الإمام رضىّ الدين بن إبراهيم بن محمد الطبري أذنا عن الحافظ أبى بكر محمد بن يوسف بن مندى الأندلسي نزيل مكة وخطيبها، عن أبي القاسم أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي المطرف بن سعيد بسماعه على أبى جعفر النطروجى بسنده المشهور.
هكذا لقيت إسناد الحافظ شهاب الدين بن حجر للكتابين في بيت أخي وشقيقى الإمام المفتى نجم الدين عبد اللطيف (٣٢٦) بن أحمد الحسين بخط بعض أصحابنا المحدثين» انتهى.
ثم حدّث بعد ذلك بغالب مروياته حتى لا يمكن أحد من خلق الله آن يحصر الآخذين عنه فإنهم على كثرتهم منتشرون في جميع أقطار الأرض.
*** قال الفاسي: «وقد دخل الحافظ شهاب الدين ابن حجر اليمن مرتين، واغتبط به فضلاؤها وغيرهم، وأخذ باليمن عن قاضيها مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي اللغوي، وحجّ مرات، وناب في القضاء بالديار المصرية عن
стр. 111
قاضى القضاة شيخ الإسلام جلال الدين [البلقيني] (٣٢٧) مدة سنتين بسؤال قاضى القضاة جلال الدين له في ذلك، وكان كثير الإقبال عليه، وكان يقيد أسماء مبهمة وقعت في صحيح البخاري، فذكر ذلك قاضى القضاة جلال الدين في المبهمات التي جمعها المتعلقة بصحيح البخاري.
*** ثم ولى صاحب هذه الترجمة قضاء الديار المصرية مرتين (٣٢٨)، وكثر حمد الناس له، وكانت ولايته الأولى في سابع عشرى المحرم سنة سبع وعشرين وثمانمائة إلى سابع ذي القعدة منها، والثانية في شهر رجب سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، أدام الله أيامه وبلغه مرامه بمحمد وآله» انتهى.
واستمر فيها (٣٢٩) إلى الخامس والعشرين من صفر [سنه ٨٣٣] فانفضل منها، واستقر علم الدين صالح بن الشيخ سراج الدين البلقيني من السادس والعشرين من صفر سنة ثلاث وثلاثين، فكانت ولاية صاحب الترجمة أربع سنين وثمانية أشهر إلا أياما.
ثم ولى ثالثا في ٢٤ جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين واستمر إلى أن عزل بالعلم في أوائل شوال سنة أربعين، ثم ولى شيخنا في أوائل شوال سنة إحدى وأربعين. على أنى ما لقيت أحدا من ذوى العقول إلا وهو يقول: «إن منصب القضاء لم يزده رفعة، بل المنصب تشرّف به»، واستمر إلى يوم الخمسين ثامن عشرى رمضان سنة ست وأربعين فحصل من القاضي المالكي-بحضرة السلطان-كلام لا يليق به فعزل نفسه فأعاده السلطان وألحّ عليه وهو يمتنع إلى أن قبل، ثم لم يطلع يوم الجمعة للخطابة فأرسل إليه السلطان وألحّوا عليه في الطلوع لخطبة العيد، ففعل.
стр. 112
وفي يوم الخميس سادس شوال فصّلت له جبّة بسمّور وطلب ليلبسها فحضر، فأعلم أنه فصّل للمالكي مثلها فامتنع من اللبس وأراد النزول من القلعة فأرسل السلطان إليه أكابر الدولة من أمراء وغيرهم، فأصرّ على الامتناع، فأمر المالكي بالنزول وحده، ثم تلطّفوا بشيخنا حتى لبس، وكأنما وجد السلطان عليه من كثرة ترفعه وامتناع شيخنا، فلما كان في ذي القعدة ورد من دمشق قضية تتعلق بامرأتين تتنازعان نظرا، وأثبتت كلّ منهما أنها أرشد.
ثم حكم السراج الحمصي بالتشريك بينهما، ثم عملت إحداهما (٣٣٠) محضرا بفسق الأخرى وحكم به الشيخ شمس الدين الوفائى (٣٣١)، فطلب من شيخنا نقضه، وكان الوفائى قادما إلى القاهرة فقال شيخنا: «يمهل إلى حضور الوفائى، فإن فسر الفسق بأمر واضح تم حكمه، وإلّا نقض» فلم يسمع.
وألحّ السلطان عليه في أن ينقضه فلم يوافق على ذلك فعزله يوم الاثنين خامس عشر ذي القعدة من السنة. أحسن الله له العاقبة. آمين.
ثم لما كان يوم الخميس ثامن عشر الشهر المذكور أرسل إليه وألبسه خلعة العود وأمره أن ينفذ الأحكام على الكبير والصغير، فقال له «قال علىّ ﵁ للنبي ﷺ لما عقد له اللواء لقتال أهل خيبر «أكون في أمرك كالسكين (٣٣٢) المحماة أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» فقال السلطان: أنت قلت إنّ حكم الحمصي صحيح فما الذي نقض هذا؟ «فقال: يا مولانا: قولي إنه صحيح:
فتوى. وأما الحكم بنقض ما يخالفه فيحتاج إلى شروط كثيرة من مدّع ومدعى عليه، وتصحيح دعوى وغير ذلك».
***
стр. 113
ولم يزل على خدمة العلوم حتى صار رأس الناس قاطبة وإمام المسلمين كافة:
في كل وصف ترتضيه محسن … في كل رأى يصطفيه عاقل
مع أنه قد فاق أهل الأرض في … علم الشريعة، كم تقوم دلائل
علم الكتاب، وعلم سنّة أحمد … هل غير ذا إلا الضلال الباطل
فالله يبقيه لدين محمد … ما دام بحر (٣٣٣) أو سحاب هاطل
وله جميع المكرمات، وحسبه … رب البرية وهو نعم الكافل
*** هذا مع التضلع بعلوم الأدب، والحفظ الواسع للأشعار والنوادر، بحيث أنّ غالب كلامه منتزع (٣٣٤) من ذلك، مع بعد عهده بالاعتناء به (٣٣٥) وصرف المهمة إلى سواه، حتى إنه رأى مرة معي كتابا يتعلق بالأدب فقال: «أمسى الليل» يشير إلى قصر العمر عن ذلك، وأن مطالعة غيره أولى.
وهو مع ذلك كله حسن الشكل، جميل الوجه، منوّر الشيبة من كثرة صلاته بالليل، كثير الوقار، قليل الكلام، نافعه، بديعه، شديد الاتباع للسنة في النية والطهارة والملبس وغير ذلك، حلو الشمائل، بديع القول، ظريف النادرة جدا، مجلسه كأنه البستان فيه من جميع ما يشتهى الإنسان: العلم والأخبار الحسان، والنوادر اللطاف، وأحوال الناس في كل زمان من غير خروج في ذلك عن السّنة، إذا رأى من بعض جلسائه ما يسوؤه قطع المجلس وقام إلى الصلاة أو دخل البيت ونحو ذلك. قلّ أن يواجه أحدا بما يكره، يؤدب بأحواله، ويهذب بأقواله:
طباع من الصّهبا أرق، ومنطق … إلى الصب من ريق الحبائب أعذب
стр. 114
لا يترك الحلم إلا إذا علم أن المقصود المغالبة، فإنه حينئذ يستعمل الشهامة ولا يرجع إلى أحد:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له … بوادر تحمى صفوه أن يكدّرا
يكرم جليسه غاية الإكرام، مع الاقتصاد في المدح والذّم، وينزل الناس منازلهم، له الخبرة التامة بذلك من معرفة أحوال الدهر وأخبار أبنائه ومخالطة رؤساء الوقت تزيد في محبته، وتحثّ على آدابه في الصحبة، ويعرّف الجاهل بمقداره. وينبه العاقل على حسن إعلانه وإسراره، وهو في جميع ذلك كما قلت، ولم أقصد غلوّا ولا مبالغة:
لساني يا قاضى القضاة عن الذي … أحاول من حسن الثناء: كليل
فإنك قد أرسلت في الناس أنعما … تجلّ عن الإحصا، وأنت جليل
ملأت طباق الأرض علما وحكمة … وحلما وجودا، والثناء يطول
وأنت شهاب الدين تحمى سماءه … فلا مارد إلّا عليه تصول
أبا (٣٣٦) الفضل: عمّ الجود منك ومن بغى … بحدّك يأتيه الردى فيحول
لقد جبت أقطار البلاد معاشرا … رؤوس البرايا والرؤوس قليل
فما أنتجت لي خبرتى وصحابتى … لهم غير حبّ فيك ليس يزول
ومعرفتي أن ليس غيرك سيدا … ومالك كفء في الأنام عديل
تسنّنت أفعال النبىّ وقوله … فماذا الذي من بعد ذاك أقول
يهابك من لاقاك يوما بديهة … يحبك إن يصحب وطال مقيل
ولم يبق في الآفاق شرقا ومغربا … سواك على ماضي الكرام دليل
فأسأل ربّى أن يطيل لك البقا … ليبقى ثناء للعباد جميل
***
стр. 115
فاق أهل العصر في كل ما يكون المدح: نسبه العقل الوافر، والاحتمال العظيم، والشفقة على عباد الله، والرحمة لهم، على شدة اليقظة والحزم، وسرعة الكتابة والكشف والفهم وقوّة الحافظة وصحة الجسم وبسط البنان، فهو عجب من عجب، كرمه متوال على سائر الأنام وكرّ الليالي، لم ير في زماننا أكرم منه.
حدّثنى الشيخ تقى الدين المقريزي أنه شاهده يهب-وهو صبىّ أمرد- المائتى درهم الفضة دفعة. انتهى.
ولم يزل يزداد كرما وإحسانا [وصدقة وإيثارا (٣٣٧) حتى أنه في السنة التي ختم فيها شرح البخاري أنفق ما ينيف على ألف دينار على الطلبة وأهل الخير وغيرهم شكرا لله تعالى على تلك النعمة، نعم رأينا من يتكرّم ويظهر علوّ الهمة لاستجلاب الناس فإذا حصل له مراده من الدنيا قطع ذلك، وأما شيخنا فهو لا يزداد مع العلوّ إلّا كرما وتواضعا مع آحاد الطلبة، وإحسانا] إليهم، حتى شاهدت بعض أصاغرهم يقول له عند البحث «لا نسلم لما ترى» من تواضعه.
رحلت إليه سنة أربع وثلاثين (٣٣٨)، ولم أزل ملازما له حتى كتبت هذه الترجمة في سنة ست وأربعين، فأقسم بالله ما مرّت بي سنة من تلك السنين إلا رأيته ازداد فيها تواضعا على أنى لم أزدد له إلّا مهابة، يزيده السّن وقارا ولينا ونفعا لعباد الله، وبرا وصبرا على الطلبة، جنابه مأوى طلاب (٣٣٩) الفضائل والفواضل الذي إليه يلجئون وعليه يعولون، وهو من غرائب الدهر في جميع أحواله، لقد نقلت إلينا أخبار أهل عصرنا شرقا ومغربا، واجتمعنا بغالب أعيانهم فلم نر من يقاربه، لا تشغله دنياه-على اتساعها-عن الاشتغال بالعلم والإفتاء والتصنيف والإسماع والتدريس وقيام الليل، وتعرّف الأخبار،
стр. 116
ولا يشغله شئ من ذلك عن دنياه، ما رأيت أحدا: شيخا ولا شابا إلّا وهو يتعجب من أحواله، ويشهد له بالبركة في أوقاته، وهو مع الحلم الزائد والتغافل عن الهفوات في غاية اليقظة والتّثبّت والحدس الصائب، والنظر الثاقب، فلا يسلم قياده لأحد في شيء [ممّا هو تحت نظره لخبرته بأحوال أهل العصر وأخلاقهم، ولا يخفى عليه] (٣٤٠) شيء من فنون مكرهم، وهو لأجل ذلك بديع الأفعال في أحكامه وقضائه وجميع أحواله، لا يستطيع أحد أن يغرّه في شيء أصلا ولا أن يقرب من ذلك، لا يقبل كلام أحد في غيبة خصمه، فهو آية في حسن القضاء، ومعرفة دسائس الناس في كلامهم، والاهتداء إلى قطع الأمور.
*** وله في المناظرة مسلك غريب قل أن يثبت له ذلك أحد، بلغني أنّ علّامة العصر قاضى القضاة شمس الدين البساطى كان يقول: «حيّرنا هذا الرجل، لا نشرع في ذكر شيء من العلوم أفنينا العمر فيها إلّا فهم المراد قبل تكميل الكلام، ثم يبتدئ فيه بعبارة أخرى بحيث يظنّ السامع المعنى غير المعنى، ويتمم القول في ذلك بأرشق كلام».
وبلغني أن الشيخ علاء الدين (٣٤١) الرومي-الآتي ذكره-سئل في بلاد الروم عن شيخنا فقال: هو رجل إن أردت أن تحتجّ عليه بحجة مبنية على عشرين مقدمة، ثم شرعت في ذكر المقدّمة الأولى فهم جميع تلك المقدمات وتلك الحجة، وشرع في الجواب عن ذلك.
ولما مات السلطان الملك الأشرف وعاثت مماليكه بالفساد ونابذوا السلطان الملك الظاهر جقمق ومن معه بالعداوة-لمّا كان نظام الملك-
стр. 117
واحتيج إلى دخول القضاة في الإصلاح ظهرت حينئذ محاسن تصرّفاته، ورقص (٣٤٢) الناس طربا لبدائع كلماته، وبانت آثار عقله، واتّضحت دلائل متقن فعله، ودبر المملكة بجليل آرائه، واستفرغ في إصلاح ذات البين جهده، وظهر بذلك عظيم صبره، وحسن بلائه، وثبت أساس الأمن بعد اختلاله، وضمّ شمل المسلمين بعد انحلاله، وهو مع القدرة على التعبير عمّا في نفسه بجواب سريع، وقول بديع يأتي به مع كونه في غاية الرشاقة، محتملا بغير معنى، قلّ أن يتكلم إلا على هذا النمط: البلاغة فيه سجية لا يتكلفها، وكذا كتابته على القصص، لا يرد قصة إلا مكتوبا، عليها تارة يمنع وتارة يعطى بعبارات متنوعة وإشارات مخترعة، وقد صار إلى رياسة ضخمة ورفعة عظيمة وحشمة، وهو زمام الناس الآن: رؤوس المفسدين بوجوده مطرقة، وباعاتهم طول الأيام قصيرة لا سيما في نصر (٣٤٣) السّنّة والذبّ عن حماها، لا يتجاسر أحد على رواية حديث باطل، وإن رواه أسرع الناس إلى استفتائه عليه فيتبيّن الحال فيخسر هناك المبطلون، وينقمع الملحدون، وكلامه في ذلك غاية المطالب، ونهاية الرغائب، أكبّ الناس ستة أزمان على التردد إليه، والاستفادة مما لديه حتى ملأت تلامذته الآفاق ولا يحصون كثرة، وأسروا في أرجاء الأقطار فلا يحيدون عنه، يخالط الناس ويصبر على أذاهم.
و [هو] (٣٤٤) ممن سهل له
الرسول ﷺ بقوله «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم» خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» رواه الطيالسي في مسنده من حديث ابن عمر الذي أشار إليه إمامنا الشافعي ﵁ مما كان يتمثل به.
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم … ولن تكرم النفس التي لا تهينها
стр. 118
فأصحابه لا يريدون به بدلا ولا يبغون عنه حولا، لا يزيدهم طول الصحبة إلّا تأكيد المحبة وذلك لحسن عشرته لهم، فضلا عليهم بالمال والجاه وإفادة بالعلم والآداب، وصبرا على هناتهم، وتغافلا عن فلتاتهم وهفواتهم، مستنا بما أشار الله سبحانه لنبيه ﵊ من قوله تعالى (٣٤٥) ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.
يخالق الناس بخلق حسن ويستجلب قلوبهم وموداتهم بلين الكلام، ويستعبد رقاب أحرارهم بالإحسان والصبر على الأذى لا سيما الغرباء، فعلا لذلك شأنه، واتضح برهانه، وطار ذكره في سائر الأقطار، وبعد صيته فأنجد في كل أرض وأغار، وسافرت بمصنفاته الركبان، وتهاداها الملوك والأعيان، ويطلبها أوفاد البلاد، ويسوق إلى تحصيلها طلبة العباد كما قلت ذلك في قصيدتي العينية التي مدحته بها، وأولها:
خذوا من سلامي في الصبابة أو دعوا … فقلبي مشغوف فيه أو دعوا
فقد أرسل المنصور صاحب تونس … لشرح البخاري طالبا يتضرع
وشاروخ أيضا نجل تيمر لنك قد … أراد به يحظى فيشفى وينفع
وللناصر بن الأشرف الملك الذي … زبيد به أضحت تعزّ وترفع
بتذكرة قد زانها حسن جمعه … جمالا، كمالا، نشره يتضوع
وافتخر بلقائه الأكابر من سائر الأمصار، وتمنّى أهل البلاد النائية لو رأوه ولو في الطيف الساري.
ومصنّفاته تناهز مائة وخمسين مصنفا، ولنذكرها لتطلب وتقرأ وتكتب إن شاء الله. فأولها في التقديم (٣٤٦) وأولاها بالتعظيم: شرح صحيح البخاري المسمى «فتح الباري» في اثنى عشر مجلدا كبارا، «ومقدمته» في مجلد ضخم يشتمل على جميع مقاصد الشرح. سوى الاستنباط.
стр. 119
وكتاب «تعليق التعليق». قصد فيه إلى وصل الأحاديث الموقوفة الواقعة في صحيح البخاري بأسانيد المصنف في كل منها، وهو قدر المقدمة، وقد كمل هذا في حياة كبار المشايخ، وشهدوا بأنه لم يسبق إلى مثله.
ووجد شاهد ذلك من كلام أبى عبد الله بن رشيد وغيره من الأئمة، فإنهم صرحوا بأن هذا النوع جدير بأن يفرد بالتصنيف، يتصدى لجميع طرقه ووصل منقطعة، وقد حصل بفراغه إعانة عظيمة عندما شرع في الشرح، وأغنى عن تعب كبير. ومختصر هذا التصنيف واسمه «التشويق، إلى وصل المهم من التعليق» ومختصر آخر منه يسمى «التوفيق» اقتصر فيه على ذكر الأحاديث التي لم تقع في الأصل إلّا معلقة ولم توصل في مكان آخر منه.
«وتقريب الغريب»، جزء، وفيه غريب الألفاظ من مختصر القرطبي، مع التنبيه على فوائد وزوائد وفرائد.
«والاحتفال في بيان أحوال الرجال» المذكورين في صحيح البخاري، وزيادة على ما في تهذيب الكمال في مجلد ضخم لم يبيض.
ومن ذلك «شرح على الترمذي» شرع فيه في سنة ثمان، فكتب منه جزءا وفتر العزم ولو كمل لكان يخرج في ستة أسفار.
وكتاب «اللباب في تخريج ما يقول الترمذي وفي الباب»، شرع فكتب من أوله ثلاث كراريس، ومن كتاب «الحج» كراسة.
ومنها «إتحاف المهرة بأطراف العشرة» وهي: الموطأ، ومسند الشافعي، ومسند الإمام أحمد، وجامع الدارمي، وصحيح ابن خزيمة، ومنتقى ابن الجارود، وصحيح ابن حبان، ومستخرج أبى عوانه، ومستدرك الحاكم.
وشرح معاني الآثار للطحاوي، وسنن الدار قطني، وإنما زيد العدد واحدا لأن صحيح ابن خزيمة لم يوجد منه سوى قدر ربعه، وقد كمل هذا الكتاب.
стр. 120
وهو في ثمانية أسفار وشرع في تبييض أوائله، وأفرد منه أطراف مسند أحمد، وسمى أطراف المسند «المعتلى بأطراف المسند الحنبلي»، وكان شيخنا حافظ العصر-يعنى الزين العراقي-يعتمد عليه في إملائه. وبيان أحوال الرواة في هذا الكتاب مما ليس في تهذيب الكمال، وشرع فيه ولو كمل لخرج في خمسة أسفار.
و «تهذيب التهذيب» كمل قديما وانتهى تبييضه في سنة سبع وثمانمائة، وهو يشتمل على اختصار تهذيب الكمال للمزى مع زيادات عليه تقرب من ثلث حجمه، وخرّج كله مع ذلك في قدر ثلث حجم الأصل، وقد بيضت منه نسخة في خمسة مجلدات وأخرى في ست مجلدات. ومختصر هذا الكتاب يسمى «تهذيب التهذيب» في مجلد واحد يحصّل ما في الأصل ويزيد ضبط الأسماء المشكلة.
ومنها «ترتيب طبقات الحفّاظ» في سفرين لم يبيض.
«وثقات الرجال ممن ليس في تهذيب الكمال» في ثلاثة لم يبيض.
«والكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف» في مجلد، بيّض.
و «الاستبدال» (٣٤٧) عليه في آخر لم يبيض.
و «الإعجاب ببيان الأنساب» في مجلّد ضخم لم يبيض.
و «التمييز، في تخريج أحاديث شرح الوجيز» في مجلدين: بيّض.
و «الإصابة في تمييز الصحابة» في ثلاث مجلدات، كمل وبيض منه نحو النصف وهو يشتمل على أربعة أقسام في كل حرف منه، الأول من جاء ذكره أو روايته في حديث أو حكاية، الثاني من له رواية فقط، الثالث من أدرك الجاهلية والإسلام ولم يرد في خبر أنه اجتمع بالنبي ﷺ .
стр. 121
والرابع: من ذكر في كتب من صنف في الصحابة أو خرّج من المسانيد على سبيل الغلط والذهول، وبيان ذلك وتحقيقه بما لم يسبق إلى غالبه.
ومنها.
«المقرر في شرح المحرر».
و «مناسك الحج» في جزء لطيف.
و «شرح مناسك المنهاج» للنووي.
كذلك «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر». كراسة منها مقاصد الأنواع التي في كتاب ابن الصلاح، مع زيادات كثيرة وتوضيحها في مجلد، وبيض.
و «الاستدلال على النكت على ابن الصلاح» في مجلد ضخم لم يكمل.
و «النكت على شرح الألفية» للشيخ زين الدين العراقي: لم يكمل. ومنها «لسان الميزان»، ويشتمل على تراجمه التي ليست في تهذيب الكمال مع البيان لها من جرح وتعديل، وبيان وهم من وهم وما فاته من ترجمة.
و «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، لخص فيه أصول هذا الفن وفروعه، واعتنى بضبطه بالحروف. وقد كمل وبيض في مجلد.
و «النكت على شرح مسلم للنووي» شرع في أوائله.
و «النكت على شرح المهذب» (٣٤٨).
كذلك «تخريج أحاديث شرح التنبيه للزنكلونى، شرع فيه.
و «النكت على تنقيح الزركشي على البخاري» شرع فيه.
و «النكت على شرح العمدة» للشيخ سراج الدين بن الملقن، شرع فيه.
стр. 122
و «عشاريات الصحابة» في المسودة، وأملى منه نحو مائتي مجلس.
و «التعليق على مستدرك الحاكم» شرع فيه.
و «التعليق على الموضوعات لابن الجوزي»، شرع فيه.
و «الإيناس بمناقب العباس» في مجلدة المسودة.
و «تقريب المنهج، بترتيب المدرج».
و «الأفنان في رواية الأقران».
و «المقترب (٣٤٩) في بيان المضطرب».
و «شفاء الغلل في بيان العلل».
و «التعريج على التدريج».
و «نزهة الألباب في الألقاب».
و «ترتيب المتفق» للخطيب.
و «ترتيب مسند عبد بن حميد».
و «ترتيب فوائد سمويه».
و «ترتيب فوائد تمام».
والدرّ المنتخب من (٣٥٠) مسند البزاز مما ليس في السنة ولا في مسند أحمد».
و «أطراف الأحاديث المختارة» للضياء في مجلد ضخم.
стр. 123
و «تعريف الفئة ممّن عاش من هذه الأمّة مائة»: مجلدة في المسودة.
و «إقامة الدلائل على معرفة الأوائل» كمل وهو في المسودة.
و «ترتيب المبهمات على الأبواب»، مجلدة ضخمة مسودة.
و «أطراف الصحيحين على الأبواب والمسانيد» [وهو] عجيب الوضع.
و «المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس»، يشتمل على تراجم شيوخه وما أخذ عنهم.
و «التذكرة الحديثية» في عشر مجلدات.
و «التذكرة الأدبية (٣٥١) في أربعين لطاف.
و «الأجوبة المشرقة عن المسائل المفرقة».
و «ديوان الشعر، وآخر يسمى «المستغاث» وديوان الخطب الأزهرية، و «ديوان الخطب القلعية».
و «مختصر العروض».
و «الأمالي الحديثية».
و «الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة».
و «تخريج الأحاديث في السيرة النبوية الهشامية» والمسمّى «المنيرة في تعريف الكبيرة».
و «المنحة فيما علق الشافعي القول به على الصحة».
و «تحفة المستريض، بمسالة التحميض».
و «الاستبصار على الطاعن المعثار» هو صورة استفتاء.
стр. 124
و «المائة العشارية من حديث البرهان الشامي» والأربعون التالية لها.
و «المعجم الكبير» للشامي في أربعة وعشرين جزءا حديثية، مجلدة ضخمة.
و «مشيخة ابن أبي المجد الذين تفرد بهم» وهو في جزء ضخم.
و «مشيخة ابن الكويك» الذين أجازوا له.
و «الأربعون العالية» لمسلم على البخاري.
و «ضياء الأنام بعوالى شيخ الإسلام».
و «فهرست مرويات ولده جلال الدين». كراسة.
و «كتاب الأربعين من حديث أبي الحسين».
و «المعجم، للحرة مريم».
و «بيان ما أخرجه البخاري عاليا» عن شيخ أخرج ذلك الحديث أحد الأئمة عن واحد عنه.
و «طرق حديث الغسل يوم الجمعة» من رواية نافع بن عمرو خاصة.
و «طرق حديث زرغبّا تزدد حبا».
و «جزء يسمى: الإنارة بطرق حديث غب الزيارة».
و «طرق حديث: «تعلموا الفرائض».
و «طرق حديث: المجامع في رمضان».
و «طرق حديث: القضاة ثلاثة» وطرق حديث «من بنى مسجدا».
و «طرق حديث: المغفرة»، وقع رواية سبعة عشر نفسا رووه عن الزهري مع مالك ردا على من قال إن مالكا تفرّد به.
стр. 125
وطرق حديث: «من كذب علىّ».
وطرق حديث: «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة».
و «طرق حديث: الصادق المصدوق».
و «طرق حديث: «قبض العلم» و «المسح على الخفين».
و «طرق حديث: «ماء زمزم لما شرب له».
و «طرق حديث: احتج آدم وموسى».
و «تخريج الأربعين النواوية بالأسانيد العالية.
والأربعون المهذبة بالأحاديث المكّية».
و «الإتقان في فضائل القرآن».
والإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع»، وشرائط كثيرة لم يسبق إلى مثلها.
و «التعليق النافع، في النكت على جمع الجوامع».
و «الأنوار بخصائص المختار»
و «الآيات النيرات للخوارق المعجزات».
و «تصحيح الروضة» كمل منه مجلد إلى الصلاة، وكتب في الثاني إلى (٣٥٢)
و «المنتخب من كتاب الأدب».
و «تلخيص مغازى الواقدي».
وتلخيص «البداية والنهاية لابن كثير».
стр. 126
وتلخيص «الوشى المعلم والزيادة عليه»، سمى علم الموشى والنبأ الأنبه، في بناء الكعبة».
ونظم «وفيات المحدثين»، لم يكمل.
و «نزهة النواظر المجموعة، في النوادر المسموعة».
و «القصد المسدد في الذب عن مسند أحمد».
و «تعريف أولى التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس».
و «قذى العين».
و «تلخيص السيرة المؤيدية، للشيخ بدر الدين العيني ويسمى حذف العين من قذى العين.
و «الزوائد العالية من المسانيد الثمانية»، في ثلاثة مجلدات، كمل في المسودة.
و «الاعتراف والاستدراك على من جمع ديوان ابن نباتة المصري».
و «الجامع الكبير من سنن البشير النذير» شرع في أوائله.
و «إنباء (٣٥٣) الغمر بأنباء العمر».
و «نزهة القلوب في معرفة المبدل والمقلوب».
و «المزيد النفع، بمعرفة ما رجح فيه الوقف على الرفع».
و «بيان الفصل، لما رجح فيه الإرسال على الوصل».
و «تقويم السناد بمدرج الاسناد».
و «رفع الإصر عن قضاة مصر».
стр. 127
و «الإعلام بمن سمى محمدا قبل (٣٥٤) الاسلام».
و «بلوغ المرام بأدلة الأحكام» وهو في مجلد لطيف.
و «الخصال (٣٥٥) الموصلة إلى الضلال».
و «الإيثار برجال الآثار» لمحمد بن الحسن.
و «ترجمة الشافعي، سماه» توالى التأنيس بمعالى ابن إدريس وترجمة الكتب سماها «الترجمة العينية بالترجمة اللبية (٣٥٦)».
و «تعجيل المنفعة في الأئمة الأربعة» أصحاب المذاهب.
و «فهرست مروياته» في مجلد كبير.
و «الماعون في الطاعون».
و «شرح سيرة النظم وكلام الناس في المسألة الزيجية في الطلاق، سماه … (٣٥٧) ...... إن كمل يكون عديم المثيل، وقد وصل في سنة ست وأربعين وثمانمائة في الأمالي البيبرسية خاصة مناهزة المجلس الثمانمائة، أحسن الله عاقبته. آمين.
*** وهذا (٣٥٨) دون ما أملاه في الشيخونية والمنكوتمرية والسّفر، وقد كنت تظمت منها جملة في قصيد في العينية التي أشرت إليها قبل في قولي بعد ذكر الشرح:
стр. 128
وتعليق تعليق البخارىّ مبدع … فليس يجارى في الذي هو يصنع
وتقسيمه فيما حواه كتابة … إصابة تمييز الصحابة أبدع
وتهذيب تهذيب الكمال كماله … شهير كمثل الشمس في الأفق تلمع
وتطريقه للعشرة الكتب روحه … بوسط سماء الحفظ يرعى ويرتع
وديوانه للشعر فيه عجائب … لها فوق متن الفرقدين تفرّع
ثلاثون سفرا هذه الستة ارتقت … كبارا، وذو الإكرام يعطى ويمنع
وكم من تصانيف له طال حصرها … عليّ، وموج البحر لا يتجمّع
وقد طال نظمى قاصرا عن مقاصدى … وباعي ضئيل عن مقامك يدفع
فيا شيخ لسلام اغتفر لي فإنّه … بفكرى ردئ ضيق، وعفوك أوسع
ودم في علاء آخر الدهر سرمدا … وكن في هناء دائما نتمتع
*** وكتب (٣٥٩) على حواشي نسخته لطبقات الفقهاء للقاضي تاج الدين السبكي زيادات كثيرة جدا، نقلها صاحبنا القطب الخيضرى، وكتب طبقات افتخر فيها بالزيادة على السبكي. وغالب زياداته من تلك الحواشى ولم يعزها- أو أكثرها-إلى مقيّدها.
وهذه المصنفات-كما ترى-يضيق الزمان عن نسخها فكيف بتصنيفها، لكن أعانه الله على ذلك بنيّة جميلة وهمة عليّة وبنية قوية، وبدن صحيح، وسمع شديد، وبصر حديد، ورأى سديد، وكتابة سريعة، وفكر صقيل، وحفظ جليل، وكتب لم تجتمع لغيره (٣٦٠) ولا قريب منها، فكلها تزيد-ملكا ووقفا (بما في مدرسة (٣٦١) محمود التي إليه أمر خزانتها) -على عشرة آلاف
стр. 129
مجلد، عنده من الكتاب الواحد عدة نسخ، يراجع كلا منها بل ويراجع أصولها وأصول أصولها، ما بينه وبين الكلام إلّا أن ينظره فيعرف من أين أخذه قائله، ومن أين أخذه (٣٦٢) ذلك المأخوذ منه، فعله في ذلك يشبه القيافة (٣٦٣).
ومما شاهدت منه في هذا من الغرائب أنى قرأت عليه في شوال سنة (٣٦٤) ست وثلاثين [بقرية] جبريل (٣٦٥) من قرى حلب: «الأربعين حديثا» تخريج علي بن سلمان الناصري من مسموعات أبى عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن المجير (بالياء التحانية)، ولم يكن معه إذ ذاك كتاب يشغل بمطالعته وقته، فأخذ الجزء منى فنظر فيه فعرف من أين خرجت تلك الأحاديث لابن المجير، فساق من حفظه إلى كل جزء أو كتاب خرج منه حديثا منها اسنادا لنفسه أعلى من إسناد الأصل، ولم يخف عليه من ذلك سوى الحديث الرابع، عرف أنه من أحد معاجم الطبراني ولم يعلم من أىّ معجم، والحديث السابع عشر عرف أنه من مجالس الفخري ولم تحفظ ذلك الوقت إسناده إليه.
وقرأت عليه بتلك الأسانيد التي خرّجها بحضوري من كان هناك من علماء حلب، وهذا أمر كما ترى مدهش.
ولقد كثر نفع الطلبة بما آل إليه أمره من الكتب، فما رأيت من يماثله في ذلك ولا يدانيه، حتى أنه ليعير من لا يعرفه بعض مصنفاته التي بخطه وغير ذلك من مصنفات من قبله، ولا يستخبره عن اسمه، وتضيع له بسبب ذلك كتب فيحتسبها، وربما باعها من أخذها فيسمع بها فيشتريها ولا يؤذى أحدا، ولا يكفّه ذلك عن الإعارة.
стр. 130
وهو أعجوبة في سرعة الفهم، وغاية في الحفظ، وآية في حسن التصور، له حدس يظن أنه الكشف، وفكر كأن دقّته خفىّ اللّطف، وتأمّل يرفع الأستار عن غوامض الأسرار، وصبر متين، وجلد مبين، وقلب على نوب الأيام ثابت، وجنان من صروف الدهر غير طائش، وشجاعة متقنة، يتجرع الغصّة، وينتهز الفرصة، وعزم برويّة، وجزم يزينة اتقاد العزم، وما أصدق قولي في مناسبة كثير من صفاته لاسم أبيه:
وكم خلق في شيخ لسلام عزوه … إلى اسم أبيه من جمال جلاله
فنسبته منه رزانة عقله … وما حازه من صبره واحتماله
وذهن كنار قد ورت، ولجسمه … جلاد قوى مثل قلب جداله
وخشيته لله تعلو، وبذله … أجلّ، وفيض العلم أعلى كماله
لازمته حضرا، وصحبته سفرا، فرأيت منه الغرائب.
كان الأتراك سنة ست وثلاثين (٣٦٦) يتعجبون منه في قوة صبره على شدائد السّير، يركب البغل مرة والهجين أخرى ويثنى رجله على كوره (٣٦٧)، ويسبق فينزل إلى الكتابة والمطالعة حيث يترك غيره إلى النّوم والراحة، ولا يقطع قيام ثلث الليل الآخر مع جهد ذلك السفر العنيف.
أوقاته مشحونة بالأشغال، قد جعل نصب عينيه أن هذه الدنيا دار ليس فيها راحة، فخفف ذلك عنه كل تعب، فهو لا يمكث لحظة بغير عمل.
بلغني أنه ذهب مرة إلى مدرسة محمود ليكشف عن شئ فلما وصل تذكّر أنه نسي المفتاح فأرسل من يحضر نجارا ليفتح الباب، فقام يتنفّل بالصلاة حتى جاء.
لا تشغله النزهة عن عمل ما يعمله في البيت، وربما التمس منه أكابر أصحابه البطالة حينئذ فيقول: «ما فائدة ذلك إلا محادثتكم ومشاركتكم في جميع ما أنتم فيه لا ما أنا فيه، وفلا يفوتهم شئ من أنسه. لا مثل لملكته
стр. 131
في ذلك، شاهدته-وهو يتحدث-يكتب على الفتاوى أو يصنف أو يسمع ويرد على القارئ ما ينبغي رده، قلّ أن يمضى يوم له لا يكتب فيه في المجلس الواحد على نحو عشرين فتوى أو أكثر، هذا مع أشغاله الكثيرة التي شرحها في قوله، وقد ألغز إليه الشريف صلاح الدين الأسيوطى في «العقل» في قصيدة منها (وقد أنشدني جميع القصيدة في سنة سبع وثلاثين):
ألا يا ذوى الآداب والعلم والنهى … ومن عنهمو طابت صبا وقبول
فديتكموا (٣٦٨) لولا نفيس نفوسكم … يصونونه، كيما يعزّ وصول
فإنّى رأيت الفضل قد صار كاسدا … على أنّ أهليه إذن لقليل
فعن رؤوساء الوقت عدّ، وجلهم … فليس إلى حسن الثناء سبيل
ولا تنس أنباء الزمان، فشرح ما … يسوؤك منهم أنه لطويل
ومنها:
خبر تهموا قدما فما فيهمو وفا … وعندهمو في الأفضلين فضول
سوى صاحب يا صاح بي مترفق … وذاك له بين الضلوع مقيل
يحقّ له منّى الصيانة، إنه … قئول لما قال الكرام فعول
يصاحبنى في القبض والبسط دائما … وليس له بين الأنام عديل
ومنها:
وليس بجسم مع جهالة قدره … على أنه للجسم سوف يؤول
وفي الطرف تلقاه، وبالقلب ساكن … وليس لمثل القلب عنه ذهول
إذا انفض-ممن قد جنى-عنه لم يكن … وفاء، وقد صحّت بذاك نقول
له ذمة كالنفس كاملة إذن … وجوبا على الجانبين حين يجول
ويحسب طرف منه نصف جمعه … وفي جمل الحسّاب فيه فضول
وزاد على حد الثلاثين ثلثه … وفيه معان في البيان تطول
стр. 132
فكتب إليه هذين البيتين يعتذر عن عدم حله:
لك الخير: لي قلب بشغلى ممتل … وجسم انتحالى للقريض نحيل
فعذرا فما أخّرت نظم جوابكم … لبخل ولكن ما لي إليه سبيل
فأرسل إليه يكرر السؤال ويقول إنه لا بد من ذلك بأبيات منها:
ومثلك لا يعيى بفكر تحلّه … فأنت مليء بالجواب (٣٦٩) كفيل
أيا سيّدا سادت معاليه رفعة … وجرّت لها فوق السّماك ذيول
لكم في العلا والفضل أىّ نباهة … وللضد عند العارفين خمول
أتاني لغز منك للعقل مدهش … قئول لما قال الكرام فعول
تنظّم في سلك البلاغة دره … وكم لك عندي في القلائد لولو
تقول جوابا باعتذار تهكما … لأنت مليء بالجواب كفيل
تنظّم كان لي ميل إلى الشعر برهة … وأبكار فكرى ما لهن بعول
فشعّب منّى فكرتى عبء منصب … تحمّلته في كاهلىّ ثقيل
وفصل قضايا، في تفاصيل أمرها … فصول، وكم عند الخصوم فضول
ومجلس إملاء وخطبة جمعة … ودرس وتعليل له، ودليل
حديث، وتفسير، وفقه: قوامها … عقول تعاني فهمها ونقول
لمستنبطات الفكر مستنبطاتها … نزور، فإن لم أضبطنّ تزول
وطالب إسماع، وفتيا، وحاجة … وطالب علم في البحوث سئول
وكلهمو يرجو نجاح مراده … ويصخب ان أرجأته ويصول
وهذا إلى أوقات يوم راحة … وأكل، وشرب يعتريه ذهول
وفي نفس ترويح لنفس أجمّها … وتأنيس أهل هزلهن هزيل
وأمر معادى رحت فيه مفرّطا … وأمر معاشى قد حواه وكيل
ولا تنس أنباء الرسائل إنهم … متى عوقوا نحو العقوق يميل
وأما مداراة الأنام وشرح ما … أعانيه منها، فالكلام يطول
стр. 133
فهل لامرئ هذى تفاصيل أمره … فراغ لنظم فارع فيقول
وأنّى ترى من ليس للشعر شاعرا … مطيع مفاعيل له وفعول
ولست الذي ترضى سلوك خلاف ما … يدلّ عليه العقل وهو خليل
فأنظم ما لو قاله الغير منشدا … لعاد، وسيف الطّرف عنه كليل
فعذرا فما أخّرت نظم جوابكم … لبخل، ولكن ما إليه سبيل
وقد صحّ قولي أن قلبي ممتل … وجسم انتحالى للقريض نحيل
ولا تلح نظم المستعين بمن مضى … بهدم، وتضمين عليه بخيل
فإن أنت لم تعذر أخاك وجدته … وإيثاره للصبر عنك جميل
ولغزك في القلب استقرّ مقامه … وثلثاه للقلب الذكي مثيل
نفيس فإن قلّبته فنفوس من … يعاني الصّبا ظلت إليه تميل
وقلّبه أيضا تلق عون مسافر … يطيب إذا هبت عليه قبول
لقيت صلاح (٣٧٠) الدين يقمع بالنهى … فسادا له في الفاضلين دخول
ولم لا يحوز العقل أجمع سيد … -فأخبره عمّا له-وعقيل
*** وهو كثير الصوم، قليل الأكل جدا، شديد التحرّى في المطعم، لا يأكل من هدايا الإخوان ولا من مرتبات السلطان (٣٧١).
كان في السفر يشترى له من ماله ما يشتهى من دجاج وغيره، وربما فنى ذلك في المفازة فيبلّ البقسماط ويأكله بسكر أو نحوه، ومن معه يأكلون اللحم المرتب له على السلطان على السفرة (٣٧٢) التي يأكل عليها.
ما رأيت أكظم منه للغيظ بحيث إنه لا يظهر عليه الغضب إلّا نادرا، ولا أجلد على ريب الزمان، يتلقّاه بصدر واسع، ويظهر البشاشة حتى يظن من لا خبرة له به أنه سرّ بذلك، فيستعين على الشدائد بالصبر والصلاة. حدّثت أنه
стр. 134
كان مرة مع أصحابه فوق الأهرام فرأوا أناسا قد أحاطوا بدوابهم وغلمانهم فلم يشكّوا أنهم قطاع (٣٧٣) [طرق] فاشتد جزع رفقته، وأما هو فقام يصلى فكشف الأمر عن أنهم مازحون، وكفاهم الله تعالى السوء.
وهو الآن رأس المسلمين في جميع أقطار الأرض، غير منازع في ذلك في إقليم من الأقاليم ولا مدافع، رحل إليه الناس من أقاصي البلاد، وأشربت محبّته في قلوب جميع العباد.
مدحه الناس وأطنبوا، وأرقصوا بما اخترعوا من دقيق المعاني وأطربوا، ولو جمع ذلك لكان مجلدات كثيرة، [منهم: الشاعر الشيخ شمس الدين النواجى أديب عصره] (٣٧٤).
يقصده كلّ سنة بقصيدة ينشدها المنشد في رمضان يوم ختم البخاري، سوى ما يقوله في أثناء العام لعارض يعرض، ومن هذا ما قاله وقد قرأ شخص من أصحابه الموطأ، وأنشده المنشد في المدرسة البيبرسية في عقب الإملاء في شهر (٣٧٥) ............... سنة أربع وأربعين بحضوره، وسمعته عليه:
نفس على هام الكواكب تشرف … وحلا أرقّ من النسيم وألطف
يا واحد الدنيا الذي عزماته … حلف الزمان بمثلها لا يخلف
كم رام بدر التّم دهرا وجهك ال … وضّاح حسنا، فاعتراه تكلّف
لا شك فيك من الإله سريرة … بالبشر من صفحات وجهك تعرف
حمّلت أعناق الرجال (٣٧٦) صنائعا … عن بعض أيسرها نكلّ ونضعف
ومدحت أرباب البيوت بدائعا … بحلى معانيك الحسان تزخرف
لله درّك من سبيل مآثر … بأثيل محتده العلا تتشرّف
شهم، أبىّ، جائد، متفضل، … ندب، وفىّ، زاهد، متعفف
стр. 135
ورث السيادة (٣٧٧) لا أقول كلالة … بل ذاك مجد عن أبيه مخلف
رحب الحظيرة في العلوم مبصّر … في الحكم لا أنف ولا مستنكف
يبدي الترفع حيث شام فأمره … شمس، ويرفق بالضعيف ويرؤف
أبدا ينزّه طرفه في روضة … أطيار فكرته عليها عكّف
ويكاد صدر الطّرس يخبره بما … فيه، وتنطق في يديه الأحرف
وإذا الفقير شكى إليه ظلامة … رفّت أنامله الكريمة تكشف
هو سيبويه زمانه، وعلومه … «عين» الخليل لنحوها تتشوّف
فأبو عبيدة لو تأخر عنه لم … ينسب إليه في الغريب مصنّف
ولو ابن عصفور رآه لطار من … فرح وعاد إليه وهو يرفرف
بأداة الاستقبال لم يك ناطقا … وبأحرف الشفتين ليس يسوّف
بل أمره في الحال يرجع ماضيا … حتما، وفعل نواله متصرّف
قد حاز معرفة ووزنا من ندى … كفّ، فعن رتب العلا لا تصرف
وإذا وجوه المكرمات تنكّرت … ناداه نشر عطائه يتعرّف
لا عيب في علياه الّا أنه … يحبو بما ملكت يداه ويتحف
وإذا تعذّر ماله عن طالب … رفدا، تراه لذا وهذا يضعف
لا يخلف الميعاد أصلا بل يرى … أنّ الاله عليه حقا يخلف
كلف بأمر الدين لا يلوى على … ما فات من دنيا ولا يتأسف
وله إذا سدل الظلام (٣٧٨) رواقه … عين تسهّده ودمع يذرف
فألذّ ما يتلى عليه: كلام خا … لقه، وأشهى ما إليه: المصحف
يا كعبة الجود الذي بلثامه … تسعى الوفود ندا، ولا تتوقف
ويطوف حول البيت منه كأنه … للفصل ما بين الخلائق موقف
بمنى التي وقفوا، وفي حرم الهنا … عكفوا، وبالحجر المكرّم أتحفوا
стр. 136
بالعلم والحلم اشتهرت فقل لنا … هل أنت أحمد عصرنا أم أحنف (٣٧٩)
وبحسن خلقك حيث (٣٨٠) راح موطأ … أصبحت فينا مالكا تتصرف
أم نقش خاتم نقش خاتم كفكم … بهما الجناس يروق وهو مصحّف
يا حافظ الاسلام من لدد ومن … نزعات خصم كيده مستضعف
لك منطق جزل، رصين اللفظ لا … متكلف لسنا ولا متعسّف
برد بسفساف الكلام إذا انتضى … حد لنحلة حائد يتفلسف
ما زلت تحمى شرع سنّة أحمد … وبه تذبّ عن الحديث وتصرف
حتّى أعدت الحقّ أبيض أبلجا … لسنا (٣٨١) يكاد البرق منه يخطف
وقفوت أثار الرجال فلم تدع … لهمو طريقا فيه ما يتخوّف
وبمجلس الإملاء كم أسمعتنا … دررا بها أذن الرّواة تشنّف
وإذا أتيت بطرفة شهد الورى … حقا بأنك يا إمام مطوّف
و «بنخبة الفكر» انتخبت طريقة … غرّاء يعرف فضلها من يعرف
و «بفتح باريك» اعتنيت فكلهم … من فيض فضل علومكم يتلقّف
وعنيت بالذهبىّ في ميزانه … بالنقد فيما بهر جوه وزيّفوا
حركت فيه لسان علم مصلتا … كالسّيف يرهبه الحسام المرهف
لا غرو أن يقضى بقطع نزاعهم … فاللفظ عضب واليراع مثقّف
يا شيخ لسلام الذي أفكاره … أبدا بها شمل العلوم مؤلّف
من بحر جودك قد نظمت قصيدة … زهر البلاغة من حلاها يقطف
حاكت بصنعاء القريض برودها … وأتت تجر المرط وهو مفوّف
стр. 137
لطفت معانيها فأغنى عينها … لك من كوى طاقاتها تتشوف
وتمايلت مرحا فلولا نسبة … لكمو لقيل ثنى المليحة قرقف
هي بهجة للشمس إلّا أنها … تسمو بعلياء الشهاب وتشرف
طوقتنى بالجود منك فلم أزل … بعلاك في فنن البلاغة أهتف
وكسوتنى حلل الجمال فها أنا … لكمو مريد في الورى متصوّف
لي فيك حسن تخضّع وتذلّل … ولكم علىّ تحنّن وتعطّف
فو حق فيض نداك وهو أليّتى … ويحقّ لي أنّى بذلك أحلف
مالي إلى أحد سواك تلفت … كلا، ولا لي عن جنابك مصرف
وعلى محبتك الخلائق أجمعوا … كلا، فما أحد عليك يعنّف
لا زلت (٣٨٢) في أمر المهالك قاضيا … وشهاب علمك بالفضائل يسعف
ويحفّك البدر المنير بطلعة … شمس الظهيرة من سناها تكسف
والله يكلؤكم بعين عناية … منه، ويحفظكم لديه ويزلف
يا ربّ واحشرنى بزمرته إذا … هاجت سعير لظى وهال الموقف
فبجاه أحمد لم أزل متشفّعا … من مالك، وبدينه أتحنّف
صلّى عليه الله ما ذكر اسمه … لهج، فهام إليه صبّ مدنف
واتفق في إنشادها عجيبة وهي أن الذين معهم الخلعة ألبسوها للمنشد عند قوله «هي (٣٨٣) بهجة للشمس» البيت، مع أن عادتهم فعل ذلك بعد إلقاء القصيدة، فلما أتى البيت الذي فيه «متصوف» (٣٨٤) كان له وقع عظيم.
*** ومن ذلك قولي و [قد] ذكرت فيه خمسة عشر عينا: هي للعين:
ولقد سبقتني ذات عين عينا … تركت منامي لم يزرني عينا (٣٨٥)
стр. 138
كتبت إلىّ سعاد بيتا ألغزت … فيه اسمها، فلثمت منه عينا (٣٨٦)
رفعت بأطراف البنان لثامها … فظننت أن الشمس أبدت عينا (٣٨٧)
وأتت إلىّ تضمنى مذ غيّبت … عنّا الليالي من أتانا عينا (٣٨٨)
وصفت لنا الأيام لولا حاسد … عاد اجتماع الشّمل منا عينا (٣٨٩)
فغدا غراب البين ينعق في الحمى … فأعاد في ميزان وصلّى عينا (٣٩٠)
سرت الحداة بها سحيرا، يا لها … من فرقة أجرت دموعي عينا (٣٩١)
أطلقت من فرس العنان فلم أجد … أثرا، ولا ألفيت منهم عينا (٣٩٢)
ليت الركائب قطّعت قبل السرى … لا حرّكت ركب الغوادى عينا (٣٩٣)
لولا الشهاب لطار قلبي: الحمد … لله الذي في الناس أبقى عينا (٣٩٤)
قاضى القضاة ومن حكت كفّاه من … هامى السحائب يوم صوب عينا
عمّ البرية جوده لم يأته … أحد وما ملّت يداه عينا
وإذا أردت الشافعي وأحمدا … علما يكون العسقلاني عينا
الفضل والعقل البديع، ودينه … ما مثله في الناس نلقى عينا
أبقاه ربىّ لست أبلغ وصفه … أبدا ولو صنّفت فيه عينا
*** وقولي وقد بنى له ولده القاضي بدر الدين مقعدا عند رجوعه من حلب:
لعمري هذا مقعد الصّدق لامرا … به لحديث المصطفى أيّما ذكر
لقد طاول الأفلاك مجدا ورفعة … فها هو أفق للشهاب وللبدر
***
стр. 139
ومن ذلك قول الإمام البارع المفنن الأديب شهاب الدين بن صالح، وقد حصل له رمد مورّيا، وسمعته من لفظه، وكذا ما بعده:
مولاي قاضى القضاة انظر لعبدك من … ضرّ تضاعف حتى صار ضرّين
[و] رمدت (٣٩٥) فاستهلك الكحال ما بيدي … [إنّى] أصبت على الحالين في عيني
فأجازه بخمسمائة [درهم]
ثم عاوده الرمد فكتب إليه أيضا:
أقاضى قضاة الفضل عطفا فعبدكم … إلى جودكم يشكو تجدّد حينه
فقد مسّه الضّرّ الذي كان مسّه … وعاوده ذاك المصاب بعينه
وكتب معهما هذه الأبيات:
سيدي حنت بنعماكم على … فضلكم احتال صفر الراحتين
جزتموا عيني خمسة … حملتى من خالص النقد اللجين
كنت قد أهديتكم تورية … مذ شكت عيني، تحوى معنيين
فإذا ما عزّزا بثالث … ضمن بيتين وكانا أوحدين
الخمسين تلى سبع مئين … أجازى أم بها مع مائتين
فأجز ما شئت يا أفتى الورى … إنّما مدحك أضحى فرض عين
وكثير من ذلك منشور في هذا المعجم في تراجم قائليه.
*** ورويت له منامات كثيرة عديدة حسنة جدا من أعظمها ما رآه شخص من الأتراك اسمه طغتمر بن عبد الله الناصري البارزى، وليس بينه وبين قاضى (٣٩٦) القضاة صحبة، ولم يذكر هذا المنام لكثير أحد إلّا بعد صدق هذه الواقعة وهي أنه لما كانت سنة أربعين وثمانمائة وحضر القضاة (٣٩٧) والعلماء قراءة البخاري في قلعة الجبل عند السلطان الملك الأشرف [برسباى] في رمضانها على عادتهم، تكلم الشيخ أبو بكر المعروف بباكير شيخ الشيخونية
стр. 140
مع الشيخ على الرومي في الإيجاب والوجوب، فكفّر الرومىّ باكيرا بالباطل على عادته في بذاءة اللسان والفجور، فأمر السلطان بالدعوى عند شيخنا قاضى القضاة، فأرسل إليه رسولين فركب معهما الرّومىّ إلى بعض الطريق، ثم أراد الهرب فمنعاه، فضرب أحدهما-وهو شريف برجله في رأسه وساق الفرس ليفوتهما فلم يتمكن من مراده، فحمله الخلق (٣٩٨) على أن نزل عن فرسه ومشى، وادّعى عليه باكير فأنكر، واستكتبه قاضى القضاة خطّه بالإنكار، وطلب البيّنة من باكير، وكان بعض فجّار الأتراك يميل إلى الرومي بواسطة اللسان والمذهب والفجور، وألّبوا كذلك على شيخنا ومعهم قاضى القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي وبقيّة أبناء العجم.
فأنهوا إلى السلطان أنه أهين إهانة زائدة، وأوغروا السلطان على أبناء العرب، فطلب القضاة وأكابر العلماء، وعقد لذلك مجلسا بحضرته، فانتدب إمام أهل المعقول قاضى القضاة شمس الدين البساطى للبحث معهم، فقال العيني: «ليس هذا وقت بحث وإنما جئنا للصّلح».
وأسرعوا في طلب ذلك، فأجابهم باكير فصالحه، وانفصل الأمر على ذلك.
وإنما كان مرادهم به أن يظهروا للأتراك أنه لا حقّ لبكير وإلّا لم يصالح، وأن أبناء العرب ليس قصدهم إلا أذى أبناء العجم، فصدّقهم الأتراك (٣٩٩) وازدادوا بغضا لهم، وشرع بعضهم يذكر قاضى القضاة بما لا يليق به، فقال (٤٠٠) طغتمر المذكور:
«اسكت فإني رأيت له مناما عجيبا»، وقصّه عليه، فحكى لي (٤٠٠) ذلك فاجتمعت به فحدثنا قال:
«لما سار السلطان الأشرف سنة ست» وثلاثين وثمانمائة إلى قتال عثمان بك بن قرايلك بمدينة آمد، ووصلنا إلى مدينة ألبيرة (٤٠١) وراء الفرات رأيت في
стр. 141
المنام ليلة السادس والعشرين من شهر رمضان تلك السنة، كأنّي دخلت مسجدا صغيرا وفيه شيء كأنه قبر محجّر عليه بخشب، وفي ذلك الخشب طاق، وإلى جانب التحجير نعش من خشب أبيض (٤٠٢) بأربع قوائم، وعلى ذلك النعش شخص ممدود، عليه ثياب بيض شديدة البياض بحيث أنها لا تشابه ثياب أهل الدنيا كأنها أكفان، وليس من جسده شيء يرى، وإلى جانبه أشخاص ألوانهم خضر.
وكان قاضى القضاة ابن حجر في محراب ذلك المسجد يصلّى إماما، ووراءه السلطان من جهة اليمين، وقاضى القضاة الباسطى المالكي من جهة اليسار يصليان مأمومين به، فأدركت معهم بعض الصلاة ولم أعلم أي صلاة هي.
فلما سلّمت قمت فوضع بعض أولئك الأشخاص أيديهم على كتفي وقالوا: «أما تعرف هذا؟».
«وأشاروا إلى ذلك الذي على النعش فقلت: لا، فقالوا: هذا رسول الله».
واستدار ابن حجر فدعى، ثم قام البساطيّ فجاء إلى النبي ﷺ ومدّ يده إلى صدر، النبي ﷺ ففرج بين الأكفان يسيرا، وأخذ من هناك يا سمينا بحسب ما قدر يقبضه بكفه، ثم تأخّر وشرع يقرّبه إلى أنفه ويشمه، ثم يمد يده ثم يردّه إلى أنفه ويشمه، وتناثر من يده من ذلك الياسمين خمس زهرات أو ست، ثم قام ابن حجر إلى النبي ﷺ فقبّل صدره، وشرعا يتكالمان [بكلام] لم أسمع أحسن منه ولا ألذّ.
غير أنى لم أحفظ منه شيئا، واستمرا على ذلك زمانا طويلا لعله مقدار ما يطبخ الانسان لحما وينضجه، ثم أدخل يده الواحدة تحت كتف النبي ﷺ والأخرى تحت وسطه، فأدخله إلى ذلك المكان المحجر من تلك الطاق من جهة رجلي النبي ﷺ ، والمكالمة مع ذلك مستمرّة حتى استيقظت وقت التسبيح وهما على ذلك.
стр. 142
قلت: من إمارات صحة هذه الرؤيا ظهور بركتها صبيحة الليلة التي رؤيت فيها، فانّ الأشرف كان قد أخذ قاضى القضاة ليكون معه في حصار آمد، فأذن له في ذلك اليوم بالعود إلى حلب من غير أن يسأله في ذلك أحد.
قال شيخنا: «ولعل من إمارات صحته موت البساطى بعد ست سنين من هذه الرؤيا على [عدد] (٤٠٣) زهر الياسمين الذي سقط، فإنه مات في رمضان سنة اثنتين وأربعين، وربما يكون الذي في يده تتمة بعدد مضى من عمره من السنين إذ ذاك، والله أعلم. انتهى.
قلت: وأنا والله أخاف أن يكون تأويل إنزال شيخنا للنبي ﷺ إلى ذلك الذي يشبه القبر الدلالة على قرب الساعة بأن شيخنا يدفن بموته علم السّنة ولا يقوم بعده به أحد، والعياذ بالله.
ومن ذلك ما حدّثنى [به] (٤٠٤) العلامة الشيخ برهان الدين بن خضر (٤٠٥) ليلة السبت ثالث عشر رجب سنة ست وأربعين، قال: «حدثني زين الدين أبو بكر يحيى المنوفى الخياط يوم الجمعة ثامن عشر الشهر المذكور أنه رأى في ليلة ذلك اليوم الإمام الشافعي ومعه ثلاثة أنفس، فسأل عن ممشاه فقيل له إنه ذاهب إلى ابن حجر يسلم عليه». قال: «فتوجهت معهم إلى أن أتى إليه ولاقاه قاضى القضاة فتسالما وتعانقا، ثم رجع الشافعىّ فسألته الدعاء وشكوت إليه حالي فقال: رتّبوا له رغيفين في كل يوم»، فاستيقظت.
ثم سمعنا بعد حكاية البرهان لي هذا المنام أنّ السلطان عزل العلاء القرقشندى من تدريس مقام الإمام الشافعي وفوّض أمره إلى قاضى القضاة في يوم الجمعة الذي رؤى المنام في ليلته، وقال البرهان إنه لم يسمع ذلك قبل حكايته لي هذا المنام، وهذا من أغرب الرؤى وأسرعها: وقوع تأويل وأصدقها.
стр. 143
وفي يوم الاثنين ثاني عشر الشهر خلع على قاضى القضاة بذلك فتوجّه إليه للتدريس، وحضر ذلك المقام الشريف الناصري محمد ولد الملك الظاهر [جقمق] والقضاة وجميع أركان الدولة، وكان مجلسا عظيما؛ وقع الكلام فيه على خطبة الرسالة للشافعي، فذكر نسبه وما يسعه ذلك الوقت من مناقبه وغير ذلك.
*** ومدحه الشهاب أحمد بن صالح بقصيدة طنانة وأشار فيها إلى الرؤيا.
سمعتها من لفظه، وهي:
لواحظه تجنى، وقلبي يعذّب … ولا سلوتى عنه ولا الصبر يعذب
غزال بجفنيه من السّقم كسره … على أخذ أوراح البرية تنصب
غرير، كحيل الطّرف، أسمر، أحور … أغنّ، رخيم الدّل، ألعس أشنب
إذا ما بدى أو ماس، أو صال أو رنا … فبدر، وخطّى، وليث، وربرب
خذوا حذركم إن طال كاسر جفنه … فكم صاد قلبي منه بالهدب مخلب
هو الشمس بعدا في المكان وبهجة … ولكنه عن ناظرىّ محجّب
تعشّقته حلو الشمائل أغيدا … يكاد بألحاظ المحبّين يشرب
وأسكنته عيني التي الدّمع ملؤها … وهيهات يرضيه خباها المطنّب
عجبت لماء الحسن فاض بخدّه … على أنّ فيه جمرة تتلهّب
وأعجب من ذا أنّ نبت عذاره … بأحمر تلك الحمر أخضر مخضب
لئن كان منه الوجه أصبح روضة … ففيه رأيت الحسن وهو مهذّب
وإن كنت يا قلبي سعيدا بحبّه … فإنّ عدولي في هواه المسبّب
وإن طاب في وصف الغزال تغزّلى … فإنّ ثنا قاضى القضاة لأطيب
هو المشترى بالجود بيتا من العلا … يبيت السّها ساه له يتعجّب
стр. 144
شهاب رقى العليا بصدق عزائم … فلا مطلب عنه من الفخر يحجب
وحاز سهام الفضل من حيث قد غدا … قديما لأعلى كتّابيه ينسب
أبو الفضل لا ينفكّ بالعقل مغرما … ولا عجب أن يفتنن بابنه الأب
بنو حجر، بيت علاء، وأحمد … له كعبة حجّوا لها وتقرّبوا
لأعجب ممّا يحمد الناس قوله … ولكن وفاق الاسم والعقل (٤٠٦) أعجب
له راحة لو جادت الغيث في الندى … تقطّر في آثارها وهو متعب
ألم تر أنّ السحب أمست من الحيا … إذا ما بدى منه الندى تتسحّب
ويجلى دياجير الخطوب يراعه … فلله منه في دجى الخطب كوكب
ويبرق ما بين البنان كأنّه … سنا بارق من خلفه الغيث يسكب
يدير طلا الإنشاء صرفا فننتشى … ويسمعنا شدو الظّريف (٤٠٧) فنطرب
له الله من عالي السجيّة عذبها … كما انهلّ من صوب الغمائم صيّب
تجانس رياه: البديع ولفظه … فيا حبّذا في الحالتين التأدّب
طباع من الصهبا أرقّ، ومنطقّ … إلى الصبّ (٤٠٨) من ريق الحبائب وأعذب
روى عن سجاياه السّجيّات سهلها … وعن سطوات الناس حدّث مصعب
ليهن الإمام الشافعيّ بأحمد … فتى ماله إلّا الفضائل مذهب
إمام لأشتات البلاغة جامع … يقاس بقسّ حين يرقى ويخطب
فقيه إذا رام الكتابة طالب … يفيض عليه من عطاياه مطلب
وقد حفظ اللّه الحديث بحفظه … فلا ضائع إلّا شذى منه طيّب
وما زال يملى الطّرس من بحر صدره … لآلئ إذ يملى علينا ونكتب
وأظهر في «شرح الصحيح» غرائبا … يشرّق طورا ذكرها ويغرّب
«وبارؤه» بالفتح منه أمدّه … ونال بحسن الختم ما كان يطلب
стр. 145
وكم فيه من باب يدلك أنّه … لسبل الهدى باب صحيح مجرّب
ولم أنس إذ بالتّاج والقرط تجتلى … عرائسه، والحسن لا يتحجّب
وأجمع من فوق البسيطة أنه … فريد، بجهل الحاسدين مركّب
أسيدنا قاضى القضاة ومن به … تهنّى ولايات، ويغبط منصب
ويا واحدا قد زاد علياه أربع: … تقى، وعلوم، واحتشام، ومنصب
تولّيتها (٤٠٩) بالعلم لا الجاه رتبة … غدت بك تزهى من فخار وتعجب
وفي رجب وافت إليك فآذنت … بأنّك فرد في البرايا مرحّب
ومذ كنت أكفى الناس قاطبة لها … أتت بابك العالي لمجدك تخطب
وقد صدقت رأى الامام فأقبلت … تضاحك عنه نحوه وترحّب
لعمري ولو يحيى ابن إدريس برهة … بدت رؤية الرؤيا التي لا تكذّب
وأنت بما ولّيت أولى، وأنت بال … معارف. والمعروف أورى وأوهب
وكلّ غمام غير فضلك مقلع … وكل وميض غير برقك خلّب
نعم، وعلى نعماك نعقد خنصرا … وتقصد في أقسى المساعى وترغب
ونعطى بمغناك (٤١٠) الغنى، ولأجل ذا … ترانا بموصول المديح نشبّب (٤١١)
فخذ من ثنائى كالكئوس محبّبا … وكأس الثنا عند الكرام محبّب
بجودك سعر (٤١٢) الشّعر في الناس قد غلا … إلى أن غدت أوزانه تتسبب
وليس يساوى قدرك العالي الثنا … وإن أوجز (٤١٣) المداح فيه وأطنبوا
وانّا لنرجو العفو منك لهفونا … فما زلت تعفو حين نهفو ونذنب (٤١٤)
بقيت شهابا في سما الفضل طالعا … وبدرك وضاح الثّنا ليس يغرب
وعشت بمجد يستجدّ بناؤه … وحسن ثناء عن معاليك يعرب
***