المنام ليلة السادس والعشرين من شهر رمضان تلك السنة، كأنّي دخلت مسجدا صغيرا وفيه شيء كأنه قبر محجّر عليه بخشب، وفي ذلك الخشب طاق، وإلى جانب التحجير نعش من خشب أبيض (٤٠٢) بأربع قوائم، وعلى ذلك النعش شخص ممدود، عليه ثياب بيض شديدة البياض بحيث أنها لا تشابه ثياب أهل الدنيا كأنها أكفان، وليس من جسده شيء يرى، وإلى جانبه أشخاص ألوانهم خضر.
وكان قاضى القضاة ابن حجر في محراب ذلك المسجد يصلّى إماما، ووراءه السلطان من جهة اليمين، وقاضى القضاة الباسطى المالكي من جهة اليسار يصليان مأمومين به، فأدركت معهم بعض الصلاة ولم أعلم أي صلاة هي.
فلما سلّمت قمت فوضع بعض أولئك الأشخاص أيديهم على كتفي وقالوا: «أما تعرف هذا؟».
«وأشاروا إلى ذلك الذي على النعش فقلت: لا، فقالوا: هذا رسول الله».
واستدار ابن حجر فدعى، ثم قام البساطيّ فجاء إلى النبي ﷺ ومدّ يده إلى صدر، النبي ﷺ ففرج بين الأكفان يسيرا، وأخذ من هناك يا سمينا بحسب ما قدر يقبضه بكفه، ثم تأخّر وشرع يقرّبه إلى أنفه ويشمه، ثم يمد يده ثم يردّه إلى أنفه ويشمه، وتناثر من يده من ذلك الياسمين خمس زهرات أو ست، ثم قام ابن حجر إلى النبي ﷺ فقبّل صدره، وشرعا يتكالمان [بكلام] لم أسمع أحسن منه ولا ألذّ.
غير أنى لم أحفظ منه شيئا، واستمرا على ذلك زمانا طويلا لعله مقدار ما يطبخ الانسان لحما وينضجه، ثم أدخل يده الواحدة تحت كتف النبي ﷺ والأخرى تحت وسطه، فأدخله إلى ذلك المكان المحجر من تلك الطاق من جهة رجلي النبي ﷺ ، والمكالمة مع ذلك مستمرّة حتى استيقظت وقت التسبيح وهما على ذلك.
стр. 142
قلت: من إمارات صحة هذه الرؤيا ظهور بركتها صبيحة الليلة التي رؤيت فيها، فانّ الأشرف كان قد أخذ قاضى القضاة ليكون معه في حصار آمد، فأذن له في ذلك اليوم بالعود إلى حلب من غير أن يسأله في ذلك أحد.
قال شيخنا: «ولعل من إمارات صحته موت البساطى بعد ست سنين من هذه الرؤيا على [عدد] (٤٠٣) زهر الياسمين الذي سقط، فإنه مات في رمضان سنة اثنتين وأربعين، وربما يكون الذي في يده تتمة بعدد مضى من عمره من السنين إذ ذاك، والله أعلم. انتهى.
قلت: وأنا والله أخاف أن يكون تأويل إنزال شيخنا للنبي ﷺ إلى ذلك الذي يشبه القبر الدلالة على قرب الساعة بأن شيخنا يدفن بموته علم السّنة ولا يقوم بعده به أحد، والعياذ بالله.
ومن ذلك ما حدّثنى [به] (٤٠٤) العلامة الشيخ برهان الدين بن خضر (٤٠٥) ليلة السبت ثالث عشر رجب سنة ست وأربعين، قال: «حدثني زين الدين أبو بكر يحيى المنوفى الخياط يوم الجمعة ثامن عشر الشهر المذكور أنه رأى في ليلة ذلك اليوم الإمام الشافعي ومعه ثلاثة أنفس، فسأل عن ممشاه فقيل له إنه ذاهب إلى ابن حجر يسلم عليه». قال: «فتوجهت معهم إلى أن أتى إليه ولاقاه قاضى القضاة فتسالما وتعانقا، ثم رجع الشافعىّ فسألته الدعاء وشكوت إليه حالي فقال: رتّبوا له رغيفين في كل يوم»، فاستيقظت.
ثم سمعنا بعد حكاية البرهان لي هذا المنام أنّ السلطان عزل العلاء القرقشندى من تدريس مقام الإمام الشافعي وفوّض أمره إلى قاضى القضاة في يوم الجمعة الذي رؤى المنام في ليلته، وقال البرهان إنه لم يسمع ذلك قبل حكايته لي هذا المنام، وهذا من أغرب الرؤى وأسرعها: وقوع تأويل وأصدقها.
стр. 143
وفي يوم الاثنين ثاني عشر الشهر خلع على قاضى القضاة بذلك فتوجّه إليه للتدريس، وحضر ذلك المقام الشريف الناصري محمد ولد الملك الظاهر [جقمق] والقضاة وجميع أركان الدولة، وكان مجلسا عظيما؛ وقع الكلام فيه على خطبة الرسالة للشافعي، فذكر نسبه وما يسعه ذلك الوقت من مناقبه وغير ذلك.
*** ومدحه الشهاب أحمد بن صالح بقصيدة طنانة وأشار فيها إلى الرؤيا.
سمعتها من لفظه، وهي:
لواحظه تجنى، وقلبي يعذّب … ولا سلوتى عنه ولا الصبر يعذب
غزال بجفنيه من السّقم كسره … على أخذ أوراح البرية تنصب
غرير، كحيل الطّرف، أسمر، أحور … أغنّ، رخيم الدّل، ألعس أشنب
إذا ما بدى أو ماس، أو صال أو رنا … فبدر، وخطّى، وليث، وربرب
خذوا حذركم إن طال كاسر جفنه … فكم صاد قلبي منه بالهدب مخلب
هو الشمس بعدا في المكان وبهجة … ولكنه عن ناظرىّ محجّب
تعشّقته حلو الشمائل أغيدا … يكاد بألحاظ المحبّين يشرب
وأسكنته عيني التي الدّمع ملؤها … وهيهات يرضيه خباها المطنّب
عجبت لماء الحسن فاض بخدّه … على أنّ فيه جمرة تتلهّب
وأعجب من ذا أنّ نبت عذاره … بأحمر تلك الحمر أخضر مخضب
لئن كان منه الوجه أصبح روضة … ففيه رأيت الحسن وهو مهذّب
وإن كنت يا قلبي سعيدا بحبّه … فإنّ عدولي في هواه المسبّب
وإن طاب في وصف الغزال تغزّلى … فإنّ ثنا قاضى القضاة لأطيب
هو المشترى بالجود بيتا من العلا … يبيت السّها ساه له يتعجّب
стр. 144
شهاب رقى العليا بصدق عزائم … فلا مطلب عنه من الفخر يحجب
وحاز سهام الفضل من حيث قد غدا … قديما لأعلى كتّابيه ينسب
أبو الفضل لا ينفكّ بالعقل مغرما … ولا عجب أن يفتنن بابنه الأب
بنو حجر، بيت علاء، وأحمد … له كعبة حجّوا لها وتقرّبوا
لأعجب ممّا يحمد الناس قوله … ولكن وفاق الاسم والعقل (٤٠٦) أعجب
له راحة لو جادت الغيث في الندى … تقطّر في آثارها وهو متعب
ألم تر أنّ السحب أمست من الحيا … إذا ما بدى منه الندى تتسحّب
ويجلى دياجير الخطوب يراعه … فلله منه في دجى الخطب كوكب
ويبرق ما بين البنان كأنّه … سنا بارق من خلفه الغيث يسكب
يدير طلا الإنشاء صرفا فننتشى … ويسمعنا شدو الظّريف (٤٠٧) فنطرب
له الله من عالي السجيّة عذبها … كما انهلّ من صوب الغمائم صيّب
تجانس رياه: البديع ولفظه … فيا حبّذا في الحالتين التأدّب
طباع من الصهبا أرقّ، ومنطقّ … إلى الصبّ (٤٠٨) من ريق الحبائب وأعذب
روى عن سجاياه السّجيّات سهلها … وعن سطوات الناس حدّث مصعب
ليهن الإمام الشافعيّ بأحمد … فتى ماله إلّا الفضائل مذهب
إمام لأشتات البلاغة جامع … يقاس بقسّ حين يرقى ويخطب
فقيه إذا رام الكتابة طالب … يفيض عليه من عطاياه مطلب
وقد حفظ اللّه الحديث بحفظه … فلا ضائع إلّا شذى منه طيّب
وما زال يملى الطّرس من بحر صدره … لآلئ إذ يملى علينا ونكتب
وأظهر في «شرح الصحيح» غرائبا … يشرّق طورا ذكرها ويغرّب
«وبارؤه» بالفتح منه أمدّه … ونال بحسن الختم ما كان يطلب
стр. 145
وكم فيه من باب يدلك أنّه … لسبل الهدى باب صحيح مجرّب
ولم أنس إذ بالتّاج والقرط تجتلى … عرائسه، والحسن لا يتحجّب
وأجمع من فوق البسيطة أنه … فريد، بجهل الحاسدين مركّب
أسيدنا قاضى القضاة ومن به … تهنّى ولايات، ويغبط منصب
ويا واحدا قد زاد علياه أربع: … تقى، وعلوم، واحتشام، ومنصب
تولّيتها (٤٠٩) بالعلم لا الجاه رتبة … غدت بك تزهى من فخار وتعجب
وفي رجب وافت إليك فآذنت … بأنّك فرد في البرايا مرحّب
ومذ كنت أكفى الناس قاطبة لها … أتت بابك العالي لمجدك تخطب
وقد صدقت رأى الامام فأقبلت … تضاحك عنه نحوه وترحّب
لعمري ولو يحيى ابن إدريس برهة … بدت رؤية الرؤيا التي لا تكذّب
وأنت بما ولّيت أولى، وأنت بال … معارف. والمعروف أورى وأوهب
وكلّ غمام غير فضلك مقلع … وكل وميض غير برقك خلّب
نعم، وعلى نعماك نعقد خنصرا … وتقصد في أقسى المساعى وترغب
ونعطى بمغناك (٤١٠) الغنى، ولأجل ذا … ترانا بموصول المديح نشبّب (٤١١)
فخذ من ثنائى كالكئوس محبّبا … وكأس الثنا عند الكرام محبّب
بجودك سعر (٤١٢) الشّعر في الناس قد غلا … إلى أن غدت أوزانه تتسبب
وليس يساوى قدرك العالي الثنا … وإن أوجز (٤١٣) المداح فيه وأطنبوا
وانّا لنرجو العفو منك لهفونا … فما زلت تعفو حين نهفو ونذنب (٤١٤)
بقيت شهابا في سما الفضل طالعا … وبدرك وضاح الثّنا ليس يغرب
وعشت بمجد يستجدّ بناؤه … وحسن ثناء عن معاليك يعرب
***
стр. 146
ومن الغرائب أيضا أن الشهاب بن تمرية (٤١٥) -وكان يقرأ الدرس للعلاء القرقشندى-رأى في المنام أن الشيخ برهان الدين بن خضر تزوج بزوجته وأنه لم يحصل له من ذلك غيرة، وأنه سأل زوجته عن ذلك فقالت: «أمر قدّره الله»، أو نحو ذلك، فسأل قاضى القضاة أن يكون قارئا بين يديه فقال له:
«عيّنت الشيخ برهان الدين لذلك».
وكان ذلك من غرائب الاتفاق في كون ولاية كل من المدرس والقارئ تأويل منام، قال شيخنا: «ولو ذكر لي ابن تمرية أنه كان يقرأ علىّ من قبل لاستمريت به، فإن لا أحب قطع عادة أحد».
*** ومن ذلك أنى كنت أقرأ عليه المعجم الأوسط للطبراني في سنة ثمان وثلاثين بعد العشاء في المدرسة المنكوتمرية جوار سكنه من حارة بهاء الدين بالقاهرة.
وكان من جهة السّامعين امرأة يقال لها: أمّ محمد فاطمة بنت محمد بن محمد، زوج الحاج محمد النجار الشهير بالعاقل، فحصل لها حالة السماع إغفاء، فرأت عن يمين الكرسىّ الذي كنت أجلس عليه-حالة القراءة-حلقة لطيفه بها رجل مثل مرتد بكساء أو غيره أبيض لامع البياض، وقد سطع نور ذلك الرجل حتى غلب نور الشمعة، قالت: فتطاولت لأنظره وقلت ما هذا فقيل لي: «أما تعلمين؟، هذا رسول الله ﷺ جاء يحضر حديثه»، قالت:
«فأردت أن أصيح بالصلاة عليه، وإذا صياح السامعين قد ارتفع بالصلاة والسلام عليه وزاد ضجيجهم ﷺ وزاده فضلا وشرفا لديه».
«وكان هذا المنام في المجلس الثالث والسبعين، وأوله: حديث مطلب بن شعيب، أنبأنا عبد الله بن صالح، فذكر حديث فضالة بن عبيد» (٤١٦)
стр. 147
لا تبيعوا الذهب إلّا وزنا بوزن، وفي أوله قصّته، وأول المجلس الرابع والسبعين:
حدثنا مطلب بن شعيب، حدثنا عبد الله بن صالح، فذكر عبد الله بن عمرو.
ومنها ما حدّثنى به الشيخ شرف الدين محمد بن الإمام صدر الدين بن الخشاب، قال:
«حدثتني أمىّ الحاجة بمثل هذه الرؤية أنها رأت أن جماعة دخلوا إلى بيت شيخنا وأحدهم راكب على فرس، فلما وصل إلى الإيوان طأطأت به الفرس حتى وصل قدمه إلى الإيوان فنزل، وبقيت أتعجب من فعلها ذلك ومن دخولها إلى هناك غاية التعجب.
ثم جلس الراكب في صدر الإيوان، وجلس أحد جماعته عن يمينه في زاوية الإيوان، وجلس الآخر في الزاوية اليسرى، وآخر إلى جانب أحدهما، قالت: فسألت عنه فقيل هذا رسول الله ﷺ ، وهذا أبو بكر، وهذا عمر، وهذا على ﵁».
*** ولله تعالى به عنايات، منها أن الأشرف [برسباى] برز أمره إلى قاضى القضاة علم الدين صالح بن شيخ الإسلام البلقيني أن يذهب إلى بيت شيخنا فيسلم عليه ويشكر فضله على ما كان الأشرف رسم أن يعطاه من الوظائف التي يستحقّها شيخنا لكونه صار قاضيا، فقال شيخنا: «أما إذ أمر بهذا وصار لمجيئه متحققا فأنا أكون البادئ بالسلام»، فذهب إليه في رمضان سنة .. (٤١٧)
وثلاثين وقارئ يقرأ على القاضي علم الدين البخاري في مدرسة أبيه، فحدّثنى من أثق به أن شيخنا لما صعد أبواب المدرسة وافق القارئ يقرأ من حديث الاسراء قوله «مرحبا به ولنعم المجيء» وكان لذلك وقع عظيم في القلوب وضجّ الناس له، وبالجملة فهو عين العصر ومن جملة حسنات هذا الدهر.
стр. 148
وحصل له رمد فكتبت إليه (٤١٨):
شفاك إلهي يا إمام زماننا … وهذا دعاء للبرية غامر
رمدت فإنسان الورى عاد أرمدا … لأنك عين للأنام وناظر
نشأت قديما على محبته وما زلت متشوقا إلى لقائه، ويمنعني من الرحلة (٤١٩) لذلك الإملاق إلى أن كنت في القدس سنة أربع وثلاثين فقدّر الله تعالى ذلك في أمر غريب، وهو أنه حصل لي حاجة في بلد الخليل ﵊، فلما قدمتها احتجت إلى السفر إلى غزّة (٤٢٠)، فلما وصلت إليها هانت عندي بقية الطريق، وقذف في قلبي السفر بحيث لم أقدر على الرجوع، ولم يكن معي نفقة تكفيني، فدخلت إلى القاهرة وليس معي درهم، فمثلت بين يديه يوم مقدمى وكان يوم الثلاثاء سادس (٤٢١) عشر صفر من السنة، فحدّثنى من حفظه بالمسلسل بالأولية وهو أول حديث سمعته منه مطلقا، قال حدثنا شيخ الاسلام سراج الدين أبو حفص عمر بن رسلان البلقيني، وهو أول حديث سمعته عليه لفظا، أنبأنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومى بشرطه بسنده.
*** ثم لازمته فلم يمض غير يسير حتى عددت من أصحابه الذين يحفّون (٤٢٢) به ويعلمهم إذا أراد التنزه، وحصل لي منه-ولله الحمد-حظ وافر من الإقبال والعلم والمال والشهرة بين الناس وبالتوقير والإجلال، ولم أزل حريصا على مجالسه حضرا وسفرا إلا أوقاتا يسيرة لا تعدّ قدحا (٤٢٣) في الملازمة، وسمعت عليه بعد ذلك أسانيد كثيرة جدا للمسلسل، وسمعت عليه بقراءتي وقراءة
стр. 149
غيرى من الكتب الكبار والأجزاء الصغار شيئا كثيرا، وأخذت عنه علما غزيرا، ولازمته طويلا ولم أعدل به بديلا.
وهو كثير المدائح، جمّ المآثر، جليل المناقب، عظيم الفضائل، جميل الفواضل، فلو بسطت القول في محاسنه لكان في مجلدات، ولو استمريت أكتب.
لاستمرت علىّ صفاته تملى، فالله تعالى المسؤول أن يمتّع المسلمين بحياته ويعمّهم ببركاته.
فمن الفوائد التي حفظتها عنه مما كان يجيب به إذا سئل في المجالس من غير مراجعة كتاب مما ظننت أنه ادخر له ولم يسبق اليه بهذا النظام (٤٢٤) فقيّدته بحسب ما بلغته عبارتى أنه سئل عن الجمع بين قوله تعالى (٤٢٥) ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وقوله تعالى (٤٢٦) ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فقال: الجارّ في سورة سأل «ليس متعلقا بالعروج بل بواقع» أي: أنّ العذاب واقع بالكافرين في اليوم الموصوف وهو يوم القيامة، ولكن المشكل الجمع بين آية «سأل» وبين قوله تعالى (٤٢٧) ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ فسئل عن الجواب فقال: «يمكن أن يكون مقدار ذلك اليوم في الواقع ألف سنة (٤٢٨)، وطوله على الكافرين حتى يكون بمقدار خمسين ألف سنة وإنما هو اعتبار ما يحصل لهم من الأهوال ويقصر على المؤمنين باعتبار ما يحصل لهم من المسرات حتى يكون كطرفة عين كما ورد في الحديث، ومثال ذلك في الدنيا الانتظار فإنه يخيّل به أن الزّمن اليسير صار في غاية الطول والاجتماع على المسرات فإنه يظن به قصر الزمن الطويل حتى يتوهم أن اليوم ساعة.
***
стр. 150
ومنها بحثه المرقص (٤٢٩) المطرب في إثبات البسملة: آية من الفاتحة أو نفيها، ومحصّله النظر إليها باعتبار طرق القراء فمن تواترت في حروفه آية من أول السورة لم تصح صلاة أحد بروايته إلّا بقراءتها على أنها أية لأنها لم تصل (٤٣٠) إليه إلّا كذلك ومن ثم أوجبها الشافعي ﵀ لكون قراءته قراءة ابن كثير، وهذا من نفائس الأنظار التي ادّخرها الله تعالى له، وقد أشبعت القول فيه في «النكت على شرح ألفية العراقي» في نوع المعلول.
*** ومنها أنه سئل أيهما أفضل: الصلاة على النبي ﷺ بصيغة الخبر لإفهامها وقوع الصلاة وتضمنها الطلب؟ أو بصيغة الطلب؟ فقال «بصيغة الطلب لأنها الواردة في الخبر ولا يعلمهم الأفضل» يشير إلى الوارد عقب التشهد: قولوا اللهم صلّى على محمد … إلى آخره، فقيل له: «ولأيّ شيء أطبق أصحاب الحديث قديما وحديثا على كتابتهم (٤٣١) إياها وقراءتها بصيغة الخبر (٤٣٢): صلّى ﷺ أو ﵊ لا يكاد يوجد غير ذلك؟».
«فقال»: لأنّا مأمورون بإفشاء العلم وبأنها تحدّث الناس بما يعرفون.
وكتب الحديث يجتمع عند قراءتها الخواصّ الذين يعرفون اللسان والعلوم الشرعية، والعوام وهم الأكثر، فخيف أن هؤلاء ربما فهموا من صيغة الطلب: أن الصلاة عليه لم توجد من الله سبحانه بعد وإنما يطلب منه تعالى حصولها له، فأتى بصيغة يتبادر إلى أفهامهم منها الحصول وهي (مع إبعادهم من هذه الورطة) -متضمنة للطلب الذي أمرنا به في الخبر.
ومنها أنى (٤٣٣) سألته عن الجمع بين قول ﷺ في حق الصحبة «لو أنفق
стр. 151
أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» وبين قوله إنه يأتي على الناس زمان للعامل منهم أجر خمسين. قال الصحابة: «أجر خمسين منهم؟» قال: «بل منكم» فقال: يحمل الأول على الانفاق خاصة والثاني على كلمة الحق، وكل من الشقين صعب في وقته، فانّ الإنفاق في ذلك الزمان كما أنه دال على غاية الايمان لعدم الوجدان (٤٣٤): فكلمة الحق الآن دالة على كمال الايمان ليوقع الذّلّ والهوان بغلبة أهل الفساد والطغيان، قلت: نعم.
ويؤيده تمام الحديث: فإنكم تجدون على الخير أعوانا ولا تجدون فهو يكاد أن يكون صريحا في تخصيص كلمة «الحق» لأنّ الغالب وجود الإحجام عن الكلام لقلة المساعد أو عدمه أو وجود المعارض.
وأما الانفاق فلا يحتاج فيه إلى الإعانة بل ربما كان قلة فاعله أدعى لفعله.
ومنها (٤٣٥) أنه سئل عن قوله ﷺ لعبد الله بن الزبير ﵁ عنهما لما شرب (٤٣٦) دمه الشريف ﷺ : «ويل لك من الناس وويل للناس منك».
وقوله لمالك بن (٤٣٧) سنان والد أبي سعيد الخدري ﵁ لما امتص جرحه وازدرد الدم: «لا تمسّك النار» ما الحكمة في تنويع القول مع اتحاد السبب؟ «فقال: إن عبد الله بن الزبير ﵁ شرب دم الحجامة وهو قدر كبير يحصل به الاغتذاء، وقوة المص تجذبه من سائر العروق أو كثير منها، فعلم ﷺ يسرى
стр. 152
في جميع جسده فتكسب جميع أعضائه قوى من قوى النبي ﷺ ، فيورثه ذلك غاية القوة في البدن والقلب، وتكسبه نهاية الشهامة والشجاعة، فلا ينقاد لمن هو دونه بعد ضعف العدل وقلة ناصره لتمكن الظلم وكثرة أعوانه، فيحصل له ما أشار إليه ﷺ من تلك الحروب الهائلة، وينتهك (٤٣٨) بها مع حرمته حرمة البيت العتيق فيقتل، فويل له من الناس لقتلهم إياه وانتهاك حرمته ويلا أخرويا.
وأما مالك بن سنان فإنه أزد رد مصة من الجرح الذي في وجنته الشريفة، وهو أقل من دم الحجامة، وكأنه علم ﷺ أنه يقتل في ذلك اليوم فلم يبق له شيء من أحوال الدنيا يخبره به فأعلمه بما هو الأهم له فلم يمش الّا وقد وجد ما وعد به ﷺ ويلقى بأنواع المسرات».
*** ومنها أنه سئل عن الجمع بين الحديث الذي في صحيح ابن حبّان في قصة عجوز بني إسرائيل، وفيه أنها دلت موسى على الصندوق الذي فيه عظام يوسف ﵇، فاستخرجه وحمله معهم عند قصدهم الذهاب من مصر، وبين الحديث الذي فيه أنّ الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، على تقدير تعادلها، فقال: «يجمع بأن العظام ذكرت والمراد بها جميع البدن من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل» قلت: وتكون الحكمة فيه أن الجسد لما لم يكن فيه الروح في تلك الحالة عبّر عنه بالعظام التي من شأنها عدم الاحساس، أو أن يكون هذا باعتبار ظن تلك العجوز أنه لا فرق بين أبدان الأنبياء وسائر الناس في البلى (٤٣٩)، والله أعلم.
ومنها أنى سألته عند قراءة الحديث الذي في مسند (٤٤٠) ابن سرهند من حديث حذيفة في فتنة الدجال وفي آخره، قلت فما يكون بعد ذلك، قال:
«لو أن رجلا نتج فرسا له لم يركب ولدها حتى تقوم الساعة، فسألته عن مدة
стр. 153
إقامة عيسى ﵇ في الأرض من بعد الدجال فقال: «أقلّ ما قبل منها سبع سنين» فقلت: والساعة لا تقوم على من يقول: الله، والوصول إلى ذلك الحد يحتاج بحسب العادة إلى زمن طويل بعد عيسى ﵇ فما الجمع بين ذلك وبين ظاهر هذا الحديث في الدلالة على قرب قيام الساعة من مقتل الدجال هذا القرب العظيم؟
فقال: «كان الصحابة ﵃ يعرفون أن عيسى ﵇ يقتل الدجال وأنه يقيم بعده، ويعرفون جميع أحواله لكثرة ما كان النبي ﷺ وسلم يحذرهم من الدجال ويقصّ عليهم من أخباره، فالظاهر أن قول حذيفة «فما يكون بعد ذلك».
سؤال عمّا بعد أمر الدجال وما يتعلق به ويتبعه من زمن عيسى ﵇، وهذا جواب بديع.
ومنها أنّا لما سمعنا عليه صحيح ابن خزيمة فمر الحديث الذي فيه يؤمهم من الصبح حتى طلعة الشمس، وقول النبي ﷺ بعد الصلاة صلوها الغد لوقتها، وقول ابن خزيمة في معناه ان هذا أمر استحباب لا أمر إيجاب لقوله ﷺ من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، ففهم أن المراد إعادة هذه الصلاة التي كانت وقت الصبح من الغد فقال شيخنا:
«عندي تأويل أحسن من هذا، وهو أن النبي ﷺ لما قال لهم «لا صبر» خشي أن يظنوا أو [يظن] أحد منهم أن وقتها الأول نسخ إلى الوقت الذي صلّوها فيه بعد طلوع الشمس أو يواظبوا على فعلها، ولا سيما مع معرفتهم أنّ فعل النبي ﷺ «فنفى» عنهم هذا الاحتمال. فكأنه قال إذا جاء وقت هذه الصلاة الذي كنتم تصلونها فيه فصلوها فيه ولا تؤخروها إلى هذا الوقت الذي صليناها فيه اليوم»، فإن الأول لم ينسخ.
ومنها إنه قيل له ما ذكره (٤٤١) بعض العلماء من أنّ الغنىّ الشاكر أفضل من الفقير الصابر، لأنّ الأوّل وافق صفتين من صفات الله تعالى وهما
стр. 154
«الغنى» و «الشكور»، والثاني لم يوافق إلّا واحدة، وهي الصّبور فقال بل إنما في كل منهما صفة واحدة، وإنما الغنى فليس صفة للعبد أصلا ولو حاز (٤٤٢) الدنيا بحذا فيرها لأن الغنىّ هو الذي لا يحتاج إلى شيء، وهذا يصح أن يقال في حال كثرة أمواله واتساع مملكته أنه فقير وليس بغنى ولو لم يكن محتاجا إلّا إلى دوام ما فيه لكن في اتّصافه بالفقر، بخلاف «الشكور» فإنّه إذا اتصف به لم يصح أن يقال في تلك الحال إنه (٤٤٣) غير شاكر وكذا الصبر، فعلم أن الغنىّ ليس أعلى من الفقير بهذا الاعتبار.
ومنها أنه قال ليس كلّ حديث أخرج الشيخان أو أحدهما لرجال سنده يكون على شرطهما أو شرط أحدهما، بل لا بدّ مع ذلك من قدر زائد عليه وهو يكون رواية بهيئة الإجماع التي أخرجا عنهم بها، فإذا وجدنا سندا منسوقا مرتبا بالنسق والترتيب الذي (٤٤٤) ساقاه ورتباه به حكمنا على متنه أنه الحاكم وغيره من الغفلة عن هذا القيد لأن السند الذي يوجد كما هو عندهما أو عند أحدهما مأمون من أن توجد فيه علة أو شيء من القوادح بخلاف ما يتفق من رجالها بغير سياقهما، فهو وإن تحققنا تميّزا لرجاله لكننا لم نأمن وجود العلل فيه، فإنّ من الرجال من يكون ضعيفا بالنسبة إلى راو ثقة بالنسبة إلى آخر، والله أعلم.
*** ومنها أنه قرئ عنده الحديث الذي فيه عن الصلاة «ائتوها وعليكم السكينة ولا تؤتوها تسعون» ذكر قول الفقهاء من الأصحاب أن محل هذا في الجمعة ما لم يخش الفوات فهم فاهمون من الحاضرين أنه إذا خاف الفوات يسعى، ونقل بعضهم عن بعض المصنفين و [قولهم في هذا الأمر].
وأظنه ابن العماد-أنّه إن لم يكن مقصّرا في التأخير لم يجب عليه السعي
стр. 155
والحالة هذه، وإن كان مقصرا سعى، فقال شيخنا «ليس الأمر كذلك بل الذي يقال: إن المشي بالسكينة-وهو مشى دون مشية الإنسان المعتادة فإذا خاف الفوات مشى مشيته المعتادة وترك المشي بالسكينة، لا أنه يسعى ولا يرمل، بل كل إنسان يمشى بحسب عادته التي يفعلها عند التوجه لحوائجه (٤٤٥).
*** ومنها أنه سئل لأىّ معنى عدة الحرة ثلاثة: إقراء، واستبراء الأمة حيضة واحدة، والمقصود في كل منهما معرفة براءة الرحم، فقلت يحتمل أن يقال إن أقل ما يمكن أن يغلب على الظن براءة الرّحم به حيضة واحدة، والتثليث له مدخل في الشرع كثير، فبولغ به في استبراء المعتدة لأنها إذا طلقت حرمت معاشرة الزوج لها ووجب اعتزالها عنه وعن كلّ ما يصلح لزواجها، ولا مشقة على أحد في تطويل مدتها، واقتصر في استبراء الأمة على أقلّ ما يمكن مراعاة لحق السيد لأنه يكون غالبا معاشرا لها فيشق عليه الصبر. فاستحسن هذا شيخنا.
وقال أيضا: فان غالب الطلاق رجعي فطولت مدة الحرة ليتروى الزوج في رجعتها، ولو كانت المدة قصيرة لأمكن أن يستمر الغضب الذي من أجله فارقها حتى تذهب العدة، ثم يظهر ضرر لها بفراقه لها من عشق أو غيرة فيحصل له غاية المشقة.
ولما كانت عدة الزوجة الأمة على النصف من عدة الحرة ولم يمكن تنصيف المقر وسار عنهما فهنا حقان:
حق الزوج وهو يقتضى التطويل لما تقدم، وحق السيد وهو يقتضى التعجيل روعى لكل منهما حق: أما حقّ الزوج فبأن يجبر، فجبر النصف.
قلت: فإن قيل لم زيد في عدة الوفاة إلى أربعة أشهر وعشر؟ أجيب بأنه
стр. 156
روعيت خواطر الورثة فزيد في مدتها إلى حد لا صبر للنساء فوقه لئلا يحصل لهم مشقة بتزويج امرأة متوفّاهم، واقتصر على ذلك بألا يزداد ضررها لأنه نقل أنّه لا صبر للنساء بعد ذلك، ولأن هذه المدة لها مدخل في العلم باشتغال الرحم وبرئه لأنها المدة التي تنفخ في الولد الروح فيها لأنه يكون نطفة أربعين يوما، ثم علقه مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم ينفخ فيه الروح فيظهر الحمل، قيل هذا المذكور أربعة أشهر: مائة وعشرون يوما فلم زيدت عشرة أيام فقال شيخنا لأنه ربما نقصت الأشهر أربعة أيام فتبقى مائة وستة عشر يوما فزيدت أربعة احتياطا وجبرت بأقرب المعقود إليها وهي العشرة.
وإن حسبنا على ما في صحيح مسلم في بعض الطرق ازداد الأمر وضوحا لأن فيه تقدير كلّ مدة من الثلاث باثنين وأربعين يوما فتزداد الأيام ستة فتكون الجملة مائة يوم فتزداد الأيام ستة فتكون الجملة مائة يوم وستّة وعشرين يوما، وزادها الشارع أربعة لاحتمال توالى نقص الأشهر، فتلك عشرة تتمة أربعة أشهر وعشر.
وهذا ما حضرني الآن من أمثال هذا، وقد علقت عنه كثيرا نظمته في سلك مظانّه فهو منثور في خلال مصنفاتى ومنتقياتى من مسموعاتى، وسأفرده إن شاء الله تعالى في جزء أسميه «قدح الفكر وتنوير البصر، بأجوبة الشهاب ابن حجر».
*** وحدثنا بعجائب منها أنه سئل عن ورود الحديث في أن ما يقبل في حصى الجمار رفع، فقال: نعم، ورد، وأنا شاهدت من ذلك العجب، كنت أتأمل فأراهم يرمون كثيرا ولا أرى يسقط منه إلى الأرض إلّا يسير جدا».
ومنها أنه قال: كان صلاح الدين (٤٤٦) يوسف بن السلطان الملك الناصر أحمد صاحب الحصن فاضلا عالما ذكيا جدا زاهدا.
стр. 157
رأيته يطنب في مدحه حتى إنه ربما قال «ما رأيت مثله»، قال: «وكان قد عزفت نفسه عن الدنيا فترك الملك ورحل إلى القاهرة على نيّة الاشتغال بالعلم، ثم التوجه إلى بعض الثغور للجهاد فمات في الطاعون سنة تسع عشرة، وكنت ممن حضر جنازته، فوافق إثر الدفن قراءة القارئ ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢٤) فكان ذلك من غرائب الاتفاق لكون اسمه يوسف، ويزيد التعجب أنه ليس لقراء الجنائز عادة بقراءة سورة يوسف، قال: «ثم حضرت عن قرب من ذلك دفن شخص من الظلمة فلما دلى في حفرته إذا بالقارئ يقرأ «هذِهِ ٤٤٧ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ».
فقضيت العجب من حسن هذين الاتفاقين. إنّ في ذلك لعبرة.
ومنها أنه قال: حدّثنا شيخ الإسلام زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، قال: سمعت مرة مؤذنا يسبّح على مئذنة جامع بالقرب منا، وكان حسن الصوت جدا فطاب شخص من السامعين وتواجد إلى أن مات، وشاهدته ميتا، ﵀.
ومنها أنه قال: «شاهدت إنسانا يلعب الشطرنج وهو غائب عنه، فقال للذي ينقل له ما الذي نقل [يعنى خصمه] قال: نقل كذا (٤٤٨) قال: كل فرسه، فقال بأي شيء؟».
فقال: انقل كذا، فأخذ الفرس في النقلة الرابعة» وهذا شيء ممرع (٤٤٩).
وسمعت عليه من شعره (٤٥٠) كثيرا، منه: «جمع المنتقى»، المسمى بالكواكب السبع السيارة، وغير ذلك.
стр. 158
٤٣ - أحمد بن علي بن محمد بن مكي بن محمد بن عبيد بن عبد الرحيم،
القاضي شهاب الدين الأنصاري الدماصى (نسبة إلى دماص (٤٥١): بمهملة وميم مفتوحتين، وآخره مهملة، قرية في ريف القاهرة).
ولد سنة تسعين (٤٥٢) وسبعمائة أو قبلها بيسير بالقاهرة، وقرأ بها القرآن، وحفظ المختار على مذهب أبي حنيفة، واشتغل بالفقه على الشيخ جمال الدين يوسف الضرير والشيخ خير الدين، وبالنّحو على الشيخ عزّ الدين بن جماعة، وحضر دروسه في غيره (٤٥٣)، وحجّ سنة أربع وأربعين وثمانمائة، ودخل دمياط والصعيد، وناب في القضاء عن البدر العيني ثم [عن] الزّين التّفهنى ثم السعد بن الديري، وكان في القاهرة أمير اسمه قرقماس [وكان] مشهورا بالعسف في الأحكام والتجبر والتعاظم حتى بقي له في القلوب مهابة شديدة، وكان صاحب الترجمة شابهه في بعض صفاته فشبّهوه به ولقب «قرقماس» فغلب عليه هذا اللقب حتى [أصبح] لا يعرف إلّا به.
أجاز في استدعائى وشافهنى بها.
سمع ابن ماجة (٤٥٤) على الجوهري والعمادي وبعضه على البرهان الأنباسى.
٤٤ - أحمد بن عمر بن أحمد بن منصور بن موسى التّروّجي الشافعي
، شهاب الدين.
ولد سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة في تروجة (٤٥٥) (بفتح المثناة فوق
стр. 159
والمهملة وسكون الواو ثم جيم) قرية من أعمال البحيرة قرب إسكندرية.
قرأ القرآن باسكندرية، وتلى بالروايات على شخص مغربى، وحفظ «المنهاج» للنووي، وعرضه على العلامة بدر الدين الدمامينى، وكتب له كتابة عظيمة بخطه أولها: «الحمد لله الذي أوضح لأحكام هذه الشريعة الشريفة منهاجا، وعرّف روضتها للأفهام الذكية فيا طيب نفس منها (٤٥٦) جا»، وبحث في المنهاج (٤٥٧) وألفية ابن مالك على الشيخ نور الدين علي بن صالح والشيخ خلف التروجيين بإسكندرية، وتردد إلى القاهرة كثيرا، فحضر بها دروس الشمس الغراقى والجلال البلقيني والشموس: البساطى المالكي والقاياتى والونائى الشافعيين، وسمع شيخنا حافظ العصر وغيره، ونظم الشعر الكثير، وحلّ المترجم، ومدح شيخنا كثيرا، وحجّ سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وزار قبر المصطفى ﷺ على العادة.
اجتمعت به سنة خمس وثلاثين، وسمعت من شعره. وهو انسان (٤٥٨) جيّد ديّن عنده سذاجة وكرم نفس وعفة وانجماع عن الناس، ولديه فضيلة، وفي شعره المنقول-وكثير منه سفساف-يحوم على المعاني الجيدة ولا توفى بها عبارته، وأحسن نظمه ما كان في العلم، نظم ما جاء فيه لبعض القرائن السبع أربعة أوجه أو خمسة أو ستة بصريح الأسماء من غير رمز، في أبيات لامية تزيد على الثلاثين، وأنشدنا في رمضان سنة ثمان وثلاثين في منزله في تروجة، ومنه في حرف أرجيه (٤٥٩):
ففي همزه جاء السكون وهاؤه … تضم لقصر منه نص فتى العلا
وقال مع المكّى هشام بهمزة … وضمهما للهاء بالوصل أصلا
ووافق في الهمز ابن ذكوان معهمو … وفي الهاء كسرعته بالقصر أقبلا
ويحذف ورش والكسائىّ همزة … وكسرهما للهاء معا فيه وصلا
стр. 160
وقال بحذف الهمز قالون بعدها … رأى القصر في الها حيث يكسر أعدلا
وعن همزة في الهمز حذف وعاصم … كما عنهما الإمكان في هائه انجلى
وأنشدنا قبل ذلك، وهما من أحسن نظمه:
جنّات وجناته بالنار قد مزجت … فكم لها من سعيد وارد وشقى
ومذ حمى ما حوى ريحان عارضه … حمى حما فيه ورد بالحياء سقى
*** سألني أن أكتب له شيئا بقلم اخترعه لاختبر به حلّه للمترجم فكتبت:
لمولانا (٤٦٠) شهاب الدين حدس … ضياه قد أعاد الشمس كسفا
وأفكار تترجم عن مرادي … فما يحتاج للمرموز كشفا
فتأمّلهما ثم سألني أن أضمّ إليهما كلاما يشتمل على بقية حروف المعجم ليهون عليه الحل، فكتبت له:
أثبت على خلال التّقى … وخذ من الأحوال ما صفا
ودع موارد من غوى … ولو طال بك السّغب والظّما
تصل إلى جنة المأوى … في جوار الملك الأعلى
فحل جميع ذلك وكتب لي: جلا البرهان (٤٦١) عقدا من لآلئ».
٤٥ - أحمد (٤٦٢) بن عمر بن رضوان
، شهاب الدين بن زين الدين الحلبي الشافعي، العدل داخل باب النصر منها (٤٦٣).
ولد سنة خمس وثمانين وسبعمائة تقريبا.
стр. 161
٤٦ - أحمد بن عمر بن سالم بن محمد بن علي
، شهاب الدين بن سراج الدين الغافي (٤٦٤)، الشهير بالشامي، الشاهد على باب جامع الواسطي من بولاق.
ولد سنة خمس وثمانين وسبعمائة تقريبا بالقاهرة، وقرأ بها القرآن، وعرض المنهاج والعمدة والألفية فيما ذكر سنة إحدى وثمانمائة على الزين العراقي والسراج بن الملقّن والكمال الدميري والشمس الغماري (٤٦٥) والبدر القويسنى وغيرهم، واشتغل بالفقه على البرهان الأنباسى والشيخ بدر الدين والكمال الدميري والشهاب الطنبائى وغيرهم، واشتغل بالنحو على الغماري والأنباسى وغيرهما.
كذا ذكر (٤٦٦)، ووعد أنه يحضر لي الإثبات وأخلف مرارا، فالله أعلم، ثم تبيّن أنه كتب من أمالي العراقي. أجاز باستدعائى وشافهنى بالإجازة.
٤٧ - أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن عبد الهادي
بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة العمرى، المقدسي الصالحي الحنبلي، الشيخ الخيّر شهاب الدين بن زين الدين بن الحافظ أبى عبد الله نزيل الشّبليّة.
ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة.
стр. 162
٤٨ - أحمد بن عيسى بن علي بن يعقوب بن شعيب الداودي
الأوراسى المالكي.
ولد سنة أربع وثمانمائة تقريبا في «أوراس» (٤٦٧)، وحفظ بها القرآن برواية ورش، والرسالة، ثم انتقل إلى مدينة تونس فقرأ بها القرآن برواية نافع بكماله، وحفظ بها بعض ابن الحاجب الفرعى ثم أخذ الفقه عن سيدي أبى القاسم البرزالى وسيدي أبى القاسم العبدوسى (٤٦٨) وسيدي محمد بن مرزوق، وبحث عليه في الأصول والمنطق والمعاني والبيان، وسمع على العبدوسى صحيح البخاري، وعلى سيدي محمد بن مرزوق الكتب الستة، وسمع على البرزالى كلّ كتابه الحاوي في الفروع في ثلاث مجلدات، أوجله سماع بحث، وحشّى كتبه التي قرأها على مشايخه.
اجتمعت (٤٦٩) به بالميدان وقد قدم حاجا سنة تسع وأربعين وثمانمائة.
٤٩ - أحمد (٤٧٠) بن محمد، المدعو مبارك شاه
بن حسين بن إبراهيم بن سليمان الحنفي، شهاب الدين، الأديب البارع.
ولد يوم الجمعة عاشر ربيع الأول سنة ثمان وثمانمائة، واشتغل في الفنون الأدبيّة وغيرها وبرع، وقال الشعر وغاص على جواهر معانيه وطلع، وقد مدح
стр. 163
شيخ الإسلام ابن حجر بقصائد كلها غرر، بل يواقيت درر، وقد ذكرت بعضها في ترجمته، تغمده الله برحمته.
٥٠ - أحمد (٤٧١) بن محمد بن أبي بكر بن سعد الله المقدسي
الشهير بالواسطى.
٥١ - أحمد بن محمد بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي
، شهاب الدين، ابن أخي الحافظ نور الدين، العدل بباب حبس (٤٧٢) الرحبة.
ولد سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، وأجاز باستدعائى، وقرأت عليه.
سمع الثاني من مصافحات النجيب كما في أخيه عبد العزيز، وسمع مشيخة إبراهيم بن سعد الزهري على الشيوخ الخمسة: والده وعمّه والزين العراقي والبرهان الإنباسى والزين عبد الرحمن العزى بن الشيخة.
توفى يوم الثلاثاء سادس أو سابع ذي الحجة سنة أربعين وثمانمائة بالقاهرة.
وصلّى عليه شيخ الإسلام ابن حجر في [مصلّى] باب النصر، ودفن من ذلك اليوم بالصّحراء.
٥٢ - أحمد بن محمد بن إبراهيم الأنصاري الفيشي
(٤٧٣) (بالفاء المكسورة والشين المعجمة) المشهور بالحنّاوى، الشيخ الإمام العالم العلامة شهاب الدين المالكي، نزيل الحسينية.
стр. 164
ولد في شعبان سنة ثلاث وستين وسبعمائة بفيشة المنارة (٤٧٤) بالغربية بالقرب من طندتا، ثم انتقل به والده إلى القاهرة فقرأ بها القرآن تجويدا على الشيخ شمس الدين بن فخر الدين المصري والشيخ مجد الدين عيسى الضرير، وعرض ألفية ابن مالك على الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي، وأجاز له روايتها عنه، عن القاضي شهاب الدين أحد كتاب الدرج سماعا من ناظمها، وعلى السراج ابن الملقن، وأجاز له أيضا.
وأخذ فقه المالكية عن الشيخ شمس الدين الزواوى والشيخ نور الدين على الجلّاوى (بكسر الجيم) والشيخ يعقوب المغربي شارح ابن الحاجب الفرعى وغيرهم، وانتفع بدروس الشيخ سراج الدين البلقيني والشيخ زين الدين العراقي.
وأخذ النّحو عن الشيخ محب الدين بن هشام ولازمه كثيرا، وبحث عليه كتاب أبيه المغنى، وسمع بحث التّوضيح له أيضا وغيره، وعن الشيخ شمس الدين الغماري، ولازم الشيخ عزّ الدين بن جماعة فأسمع به كثيرا من العلوم التي كان يقرئها: من منطق وأصول ومعان ونحو وغير ذلك، وفاق في النحو حتى شهر به وقصده الناس فنفع كثيرين منهم، وهو حسن التعليم له والنصح، وصنّف فيه مقدمة حسنة سمّاها «الدرة المضية في العربية»، قرأها عليه كثير من حذّاق الطلبة، وحدثني أن سبب تصنيفه لها أنه بحث الألفية جميعها في مبدأ حاله فلم يتقدّم شيئا، فعلم أنه لا بد للمبتدى من مقدّمة يتقنها قبل أن يخوض فيها أو في غيرها من الكتب الصعبة، فكان إذا قصده مبتدئ أقرأه إياها (٤٧٥).
وحجّ مرتين، وناب في القضاء للجمال البساطى وغيره من قضاة المالكية، وهو ديّن خيّر جدا، انقطع عن الناس في منزله ومسجده بالحسينية، وكان كثير التلاوة، سريع البكاء عند ذكر الله ورسوله، ومع ذلك فهو حسن الكلام، حلو النادرة، طريف المحادثة، حدثني أنه شاهد حمارا انعظ (٤٧٦) ووثب بيديه على
стр. 165
أكتاف صبىّ أمرد فلم يقدر الناس على تخليصه حتى أمنى، قال: فكنا نسميه «علق الحمار»، وهي من الغرائب (٤٧٧).
وشافهنى بالإجازة، وقرأت عليه مجلس البطاقة مع الكلام عليه بسماعه له على الشيخين: الزين عبد الرحمن بن أحمد بن مبارك المقرئ ابن الشيخة والشهاب أحمد بن حسن السّويداوى بسماعهما من المشايخ الأربعة، وسمع جميع صحيح البخاري على الشمس محمد بن البدر على السّراج عمر بن الخشّاب الجزري، انا الحجار ووزيرة، قالا: أنبأنا ابن الزبيدي سماعا، وزاد ابن الشّحنة وأبو الحسن القطيعي والقلانسي وابن اللتي بسماعهم بجميع الصحيح إلّا ابن اللتي فللرّبع الأخير وهو من باب الإكراه، على أبى الوقت بسنده، فصحّ ذلك بقراءة الشمس (٤٧٨) السعودي الحنفي والجمال بن حديدة بمنزل القاضي جمال الدين محمود في مجالس آخرها في عاشر شعبان سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، نقلته من خطّ شيخنا رضوان عن خطّ القارئ الأول.
وسمع جزء ابن عرفة على ابن الشيخة زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن مبارك المقرئ بسماعه له من المشايخ الأربعة عشر: الحافظ قطب الدين أبى سعد عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي، والمقرئ ضياء الدين أبى عمر بن موسى بن علي بن يوسف القطب الزرزارى والفتح بن يونس بن إبراهيم الدبابيسى، والشهاب أحمد بن منصور بن إبراهيم بن الجوهري والشمس محمّد بن غالى الدمياطي، والبدر محمد بن حسن بن أبي الحسن المغربي، والنور علىّ بن إسماعيل بن قريش المخزومي والأخوين: الناصر محمّد والشهاب أحمد ابني كشتغدى الخطّابى، والتقىّ صالح (٤٧٩) بن مختار بن صالح الأسنوي، والبدر محمد بن الحافظ بن الحسن بن علي بن جابر الهاشمي، والسراج أبى نعيم أحمد بن التقى بن القاسم بن عبيد بن محمد الأسعردى،
стр. 166
وأبى الحسن علىّ بن عوض بن محمد القاهري، والتّقىّ صالح بن عبد العزيز (٤٨٠) بن يونس العسقلاني (٤٨١) روى عن أبي بن كعب قال: قيل لنا أشياء إلى آخره على الحافظ فتح الدين أبى محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس اليعمري الشافعي بسماعه وسماع الأول، وابن الهاشمي من العزّ الحراني وبإجازة الدبابيسى من أبى المكارم عبد الله بن حسن بن منصور السعدي، وأبى المرجّى علىّ بن هبة الله بن شقير الواسطي المقرئ، والنجيب أبى الفرج عبد المنصف بن عبد المنعم الحراني، قال أبو المكارم أنبا أبو منصور عبد الله بن هبة الله الكاتب، وقال ابن شقيرة أنا أبو طالب محمد بن علي بن أحمد الكناني وبإجازة الدبابيسي من أبى الحسن بن المقير بإجازته من الحافظ أبى الفضل محمد بن ناصر السلامي، وأبى طالب المبارك بن أحمد الصيرفي، وأبى محمد سليمان بن مسعود القصّاب، وأبى المعمر المبارك بن أحمد الأنصاري، وأبى الفتح عبد الوهاب بن محمد بن الحسن الصابوني المالكي، وأبى الحسن بن أحمد بن محبوب القرني وأبى العباس أحمد بن يحيى بن مانه وأبى بكر أحمد بن المقرب الكرخي، ومحمود بن أبي السّعادات البواب، وأبى محمد عبد الله بن محمد بن أحمد بن أحمد بن الخشاب النحوي، وبسماع النجيب المذكور أولا من أبى الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب الحراني، بسماعهم من ابن ميان، وبإجازة ابن المقير أيضا من أبى القاسم أحمد بن .... (٤٨٢) المبارك أنبأنا أبو يعلى علىّ بن عبد الواحد المنصوري، أنبأنا أبو الحسين محمد بن الفضل القطان قال: هو وابن بيان، انا ابن مخلد وبإجازة ابن نعير أيضا من الحافظ أبى العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد الهمداني المقير العطار وأبى السعادات نصر الله بن عبد الرحمن بن القزاز وعبد الحق بن يوسف، قالوا أنبأنا ابن بيان. وقال عبد الحق، وأخبرنا أبو القاسم علىّ بن الحسين بن الربعي قالا أنبأنا ابن مخلد وقال ابن المقير أيضا.
стр. 167
وأخبرتنا شهدة بنت الاثرى إجازة قالت أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة النعالي، أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن زرقويه قالت شهدة. أنا أبو سعد محمد بن عبد الكريم بن حشيش أنبأنا ابن مخلد.
وقال ابن المقير أيضا أنبأنا الحاجب أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن البطى إجازة، أنا أبو الحسن علي بن محمد بن محمد الخطيب الأنباري، أنا أبو عمر عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي وقال ابن البطى أيضا: أنا أبو بكر أحمد بن علي بن علي بن الحسين الطريشنى أنبأنا أبو الحسين محمد بن الفضل القطان، أنبأنا ابن مخلد وقال ابن المقير أيضا. أنا الشريف أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباسي المكي إجازة، أنبأنا أبو علي الحسن بن عبد الرحمن الشافعي، أنبأنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن أحمد بن جعفر السفطى، قال هو وابن مخلد وابن زرقويه وابن مهدي، أنبأنا أبو علي الصفار، أنبأنا ابن عرفة وبإجازة الدبابيسى أيضا من أبى القاسم سبط السلفي بسماعه من جدّه السلفي، أنبأنا أبو القاسم الربعي وابن بيان وغيرهما، قالوا أنبأنا ابن مخلد بسماع صالح الأسنوي من ابن العباس أحمد بن عبد الدائم المقدسي وبسماع ابن قريش من شيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز بن عبد المحسن الأنصاري وسماع الباقين وابن قريش أيضا، من النجيب الحراّنى سماعه وابن عبد الدائم وشيخ الشيوخ وإجازة العز الحرّاني من ابن عبد المنعم وهو ابن كليب بسنده، صح ذلك يوم الأربعاء ثاني عشر ذي القعدة سنة ثمانين وسبعمائة بجامع الأزهر بقراءة كاتب الثبت أحمد بن عبد الله بن حسن الأوحدي المقرئ الشافعي، ومن خطه لخص شيخنا رضوان، ومن خطه كتبت قال: وصحح المسمع وجزءا فيه أحاديث مخرجة من مسند الإمام أحمد بن حنبل رواها عن إمامنا الشافعي على الشهاب أحمد بن الحسن السويداوى بسماعه لها من الشيخين النجم عبد العزيز بن عبد القادر بن أبي الدر الربعي البغدادي الشافعي الصوفي والزين أبى بكر بن قاسم بن أبي بكر الرحبي، بسماع الأول لها على الشيخ فخر الدين أحمد بن الحسن بن البخاري وبسماعه
стр. 168
أيضا لجميع المسند على زينب بنت مكي بن علي الجرجاني وبإجازة الرحبي من ابن البخاري قالا: أنبأنا حسان، صح ذلك بقراءة أحمد الأوحدي بجامع الحاكم يوم السبت ١٤ ذي القعدة من السنة، وأجاز المسمع وكتب تحت خط المثبت، ومن خط شيخنا المفيد لخصت.
وسمع جميع سيرة ابن هشام على الزيني عبد الرحيم بن الحسين العراقي بقراءة ولده أبى زرعة، أنبأنا الشيوخ الثلاثة: أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد العزيز القطروانى وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى الأيوبي وأبو بكر بن محمد الفارقي بقراءتي على كل منهم، «الأول والأخير لجميع الكتاب، والثاني للتسعة الأجزاء الأولى من مشيخة الوزير أبى القاسم المغربي»، قال الأول أنبأنا بجميع الكتاب والثاني للتسعة الأجزاء الأول من الوزير أبى القاسم بأول الأول، انا لجميع الكتاب المذكور أبو عبد الله محمد بن ربيعة بن حاتم بن سفيان الكتبي، وقال الأخير أنبأنا أحمد بن إسحاق بن محمد الأبرقوهى قالا: انا عبد القوى بن عبد العزيز بن الحباب وقال الثاني أنبأنا الشيخان الشهاب محمد بن عبد المنعم بن الخيمى وشمس الدين عبد الرحيم بن محمد بن درباس المازني، قال أنبأنا القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله المحلى، قال الأول سماعا والثاني حضورا، قال ابن المحلى هو وابن الحباب أنبأنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن رفاعة بن عذير بسنده، صح ذلك في مجالس آخرها يوم الخميس عاشر شعبان من السنة بالقاهرة، وسمع يونس بن حسين الألواحى والشيخ شمس الدين محمد بن أحمد السعودي الحنفي وأجاد المسمع. لخصته من خطّ شيخنا رضوان عن خط يونس الألواحى وصحح المسمع.
٥٣ - أحمد بن محمد بن أبي بكر بن أحمد
، شهاب الدين بن الحنفي بن الخازن بصهريج منجك بالقرب من قلعة (٤٨٣) الجبل بالقاهرة.
стр. 169
ولد سنة (٤٨٤) سبع وخمسين وسبع مائة تقريبا بالقاهرة بالصهريج المذكور، وحفظ القرآن وحج مرارا وجاور بمكة والمدينة، وقرأ على عبد الرحمن بن عياش بعض القرآن، ورحل إلى القدس ودمشق ودمياط، وقرأ على الشهاب بن الخاص الحنفي كتاب النافع في مذهب أبي حنيفة للزين، وهو كثير التلاوة للقرآن.
شافهنى بالإجازة، وقرأت عليه.
سمع على البرهان الشامي جميع المنتخب من سند عبيد، أنا الحجار وجزء (٤٨٥) أبى الجهم.
٥٤ - أحمد بن محمد بن أبي بكر بن سعد بن مسافر بن إبراهيم
الشهير بابن عون، شهاب الدين الدمشقي، نزيل مسجد القصب (٤٨٦). لم يحرر مولده (٤٨٧) إلى الآن.
٥٥ - أحمد بن محمد أبى بكر بن عمر بن أبي بكر
بن محمد بن سليمان بن جعفر بن يحيى بن حسين بن محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن علي بن صالح بن إبراهيم بن سليمان بن معاوية بن زيد بن سليمان بن خالد بن الوليد المخزومي، شهاب الدين بن العلامة بدر الدين الدمامينى السكندرى.
ولد سنة تسعين وسبعمائة (٤٨٨) تقريبا، وأخبرني أنه حفظ القرآن وصلّى به، وحفظ الحاجبية والألفية والرسالة، وقال إنه بحثهم على والده.
стр. 170
لقيته بإسكندرية وأجاز باستدعاء شيخنا ابن حجر جماعة، وسمع سداسيات الرازي يوم الاثنين العشرين من ذي القعدة سنة سبع وتسعين [وسبعمائة] بالناصرية بين القصرين تخريج السلفي على الناصر محمد بن أحمد بن الموفق والجمال عبد الله بن محمد بن محمد الخراط والشمس محمد بن علي بن علي بن غزوان الشهير بالعزيز، بسماعهم من شرف الدين أبى العباس أحمد بن أبي الحسن بن عبد العزيز بن عبد الله بن الصفى والجلال أبى الفتوح على الصفى بن عبد الوهاب بن علي بن الفرات، وبسماع ابن الصفى عن أبي البركات هبة الله بن عبد الله بن أبي البركات بن زوين الأزدي، أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي بن حمزة بن موقا الأنصاري الإسكندري، وبسماع ابن الفرات من والده، بإجازته من أبى الطاهر إسماعيل بن صالح بن ياسين المقرئ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي، قال ابن موقا بقراءة مخرجها الحافظ أبى الطاهر أحمد بن محمد بن حسن بن أحمد السلفي.
٥٦ - أحمد بن محمد بن أبي بكر محمد بن حسن
(٤٨٩) بن سلمان الشيخ جمال الدين أبو العباس بن الشيخ ناصر الدين، الجزري الأصل، السكندرى، ويعرف [بابن قرطاس] العدل بمسطبة العتّالين بالثغر السكندرى.
ولد سنة خمس وثمانين وسبعمائة تقريبا في ثغر إسكندرية، وقرأ بها القرآن وصلّى بها. وحفظ الرسالة على الشيخ سعيد المهدى وبعض ابن الحاجب الفرعى وبعض الألفية، وبحث عليه جميع الجرومية في النحو، ورحل إلى القاهرة سنة عشرين وثمانمائة تقريبا فلم يتيسر له قراءته على أحد، ثم رحل سنة تسع وعشرين فلقى مشايخنا وشيخ الإسلام ابن حجر والشهاب الأموي وغيرهما، وعنى بالشفاء فقرأه على جماعة، وأتقن قراءته. وأخبرني الشهاب بن هاشم أنه حسن القراءة لحديث النبي ﷺ جدّا.
стр. 171
سمع جميع الموطأ رواية يحيى الليثي على الشيخين القاضي كمال الدين عبد الله بن محمد بن محمد بن خير المالكي الأنصاري وأبى الطيب محمد بن أحمد بن محمد بن علوان، المصري الشهرة، التونسي المولد بإجازة الأول-إن لم يكن حضورا-من الشيخ الإمام الرحال أبى عبد الله محمد بن جابر الوادي آشى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة بقراءته لجميعه على أبى محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطائي وبقراءته لبعضه وسماعه لغالبه على القاضي أبى العباس أحمد بن محمد بن حسن بن الغمار الخزرجي بسندهما، وبسماع الثاني لبعضه وإجازته لبقيته على جماعة، أعلاهم: مفتى المسلمين الرواية أبو القاسم أحمد بن أحمد الغبرينى، البجائى الأصل، نزيل تونس المحروسة، سماعا عليه لبعضه وإجازة لبقيته سنة (٤٩٠) ......... وسبعين وسبعمائة.
قال: فيه طرق أعلاها ما أنا به الخطيب أبو عبد الله بن محمد بن صالح بن أحمد الكناني بسنده، صح ذلك وثبت في مجالس آخرها يوم الخميس الثامن عشرين من شهر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانمائة بقراءة المحدث عبد الرحمن العدنانى البرشكي التونسي بالمسجد المعروف بالولوى أبى الحسن الشاذلي بثغر الإسكندرية المحروس (٤٩١)، ومن خطّه نقلت، وصحّحا تحت خطه، وعلى ابن خير جميع كتاب الشفاء لعياض بإجازة ابن خير له من الوادي آشى بطرقه التي ذكرها في فهرسته، ومن أعلاها ما أخبر به أبو الزهر ربيع بن أبي عامر بن عبد الرحمن بن ربيع إجازة عن أبي الحسن علي بن أحمد الغافقي، إجازة عن مصنفه وأجازه صح ذلك في ثمانية مجالس آخرها سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وثمانمائة بالخانقاه الناصرية بالثغر بقراءة البرشكي أيضا، ومن خطه نقلت وصحح.
وسمع جميع كتاب التيسير لأبى عمر الداني وثلاثيات البخاري وأربعين حديثا منتقاة من مسلم، وعشرة أحاديث من المائة المنتقاة الزيجية، وجميع
стр. 172
كتاب «مقاصد الصلاة» للإمام عزّ الدين عبد السلام الشافعي وجميع الشاطبيتين، وأبعاض كتب أخرى بإجازته بجميع ذلك من الوادي آشى إن لم يكن سماعا عليه (٤٩٢) أيضا بأسانيده المثبتة في فهرسته، وأجازه بذلك وسمع مروياته، وسمع عليه أيضا بقراءة المذكور جميع سداسيات الرازي تخريج السلفي بسماعه لجميعها على الشيخ شرف الدين أحمد بن الصفىّ، أنبأنا أبو البركات هبة الله بن عبد الله بن أبي البركات بن ذوين، أنبأنا أبو القاسم بن موقا، أنبأنا الرازي، صح جميع ذلك في مجالس آخرها ٦ رجب سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وصحح المسمع. وسمع جميع «الرسالة» لابن أبي زيد على الكمال بن خير وأبى الطيب المغربي المذكورين بإجازة الأول من الوادي آشى، أنبأنا الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطائي، أنبأنا أبو القاسم بن الطيلسان إجازة، أنبأنا القاضي أبو محمد عبد الحق بن محمد بن عبد الحق عن أبي عبد الله محمد بن الكلاع عن أبي محمد بن مكي عن مؤلفها وبرواية الثاني لها عن المفتى أبى القاسم أحمد بن أحمد الغبرينى إجازة عن الشيخ الفقيه الخطيب أبى عبد الله محمد بن صالح بن محمد الكناني عن أبي بكر محمد بن محمد بن أحمد الزهري [وهو ابن محرز] عن أبي عبيد الله عن ابن الصفّار عن أبي عمرو بن الحذاء عن أبي القاسم الحضرمي عن المؤلف وأجاز، وصح ذلك في مجالس آخرها يوم الخميس ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانمائة بمسجد الشاذلي بالثغر، وصحّحا، وذلك بقراءة البركشى، ومن خطه نقلت.
٥٧ - أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن زيد
، الموصل الأصل الدمشقي الحنبلي صاحبنا، نزيل قبر عاتكة بقرب زاوية الشيخ داود (٤٩٣). ولد في صفر سنة ثمان وثمانين وسبعمائة.
стр. 173
٥٨ - أحمد بن أحمد بن جبريل بن أحمد الأنصاري السعدي
، أبو العباس الحجازي نزيل البرقوقية، الأديب البارع.
ولد قبل سنة خمسين وسبعمائة تقريبا في شعب (٤٩٤) جياد بالحجاز، ثم انتقل إلى القاهرة مع زكى الدين الخروبى وعمره اثنتا عشرة سنة واستمر بها.
اجتمعت به سنة ثلاثين وثمانمائة، وكان شيخا همّا مسكينا عليه سمت أهل الخير، يمدح الأكابر بشعر جيد أو وسط يتهمونه فيه، ويرمونه بأنه وقع على بعض دواوين المتأخرين المغربية، فإذا مدح شخصا غير المخلص (٤٩٥)، والله أعلم.
سمعت كثيرا من إنشاده لنفسه يمدح قاضى القضاة ابن حجر وأنشدني سنة سبع وثلاثين وثمانمائة لنفسه من قصيدة طويلة:
غاض صبري وفاض بحر افتكارى … حين سار الصّبا وشاب عذارى
طرقتنى الهموم من كلّ وجه … ومكان، حتّى أطارت قرارى
واستردّ الزمان ما كان أعطى … من شباب منى بغير اختياري
فأنا اليوم-بعد أهلي غريب … بعد عزّ-في ذلّة وانكسار
من ذنوبي، إذا تفكّرت فيها … زاد وجدى بها وقلّ اصطبارى
مدح خير الأنام أحمد أحيى … شرفى، بعد ما أصاب صغارى
وبنى لي مجدا وأنعش شأني … وكساني عزّا، وأعلى منارى
***
стр. 174
٥٩ - أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد المحسن
، القاضي شهاب الدين الزفتاوى الشافعي، نائب الحكم بجامع الصالح خارج باب زويلة من القاهرة.
ولد (٤٩٦) قبل سنة سبعين وسبعمائة تقريبا بمصر العتيقة، وقرأ بها القرآن وصلّى به، ثم حفظ الحاوي وألفية ابن مالك ومنهاج الأصول، وحضر دروس الفقه عند السراجين: ابن الملقن والبلقيني والشيخ بدر الدين القويسنى والشمس بن القطان الكناني والشيخ نور الدين الأدمى، وقرأ الأصول عند البلقيني، وحضر دروس العزّ محمد بن جماعة في المعقولات، وحضر عند البرهان الأنباسى، وبحث في النّحو على ناصر الدين بن داود منكلى بغا، وبحث على الشمس القليوبى، وحجّ مرات، وناب في القضاء عن الصدر المناوي .... (٤٩٧) والصالحي ومن بعدهما في القاهرة والبلاد، وأجاز باستدعائى، وقرأت عليه جزء ابن الجهم على البرهان الشامي، وسمع ترغيب الأصبهاني على النجم البالسى.
٦٠ - أحمد بن محمد بن أحمد
، الذهبيّ أبوه، الصالحي، الشيخ شهاب الدين بن ذرينى (٤٩٨) الأموي نزيل الروضة من الصالحية (٤٩٩).
ولد سنة سبع (٥٠٠) وسبعين وسبعمائة تقريبا.
стр. 175
٦١ - أحمد بن محمد بن خليل بن هلال
شهاب الدين أحمد بن العلامة عزّ الدين بن صلاح الدين الحاضرى الحنفي.
ولد سنة أربع وثمانين وسبعمائة بحلب، ونشأ على خير ودين، وحفظ القرآن وحافظ على تلاوته، وكان يرتزق من كسبه.
سمع صحيح مسلم على ابن المرحل الحراني.
٦٢ - أحمد بن محمد بن سعيد
، شهاب الدين الشرعبى (٥٠١) اليمنى التعزى الشافعي، الشيخ الإمام العالم المقرئ المفنن الأديب البارع، نزيل السميساطية (٥٠٢) من دمشق (٥٠٣).
٦٣ - أحمد بن محمد بن صالح
، بن الفخر عثمان بن النجم محمد بن المحبي محمد، الإمام الفاضل والأديب البارع أبو الثناء، شهاب الدين بن شمس الدين (٥٠٤) الأشليمى، الحسيني (٥٠٥) سكنا، الشيخ شمس الدين السعودي
стр. 176
الحنفي، وكان جدّه لأبيه يلقب بصلاح الدين فغلب عليه «الصّلاح» بغير إضافة، وربما قيل «صلاح» فظنّ أنّه اسمه، وكان آخر أجداده محيي الدين القاضي، وكان جدّه «الصلاح» ذا أموال عظيمة ومكارم عميمة، واتصال بالأكابر. حكى أنه مرّ به بعض مشايخ العرب فأضافه فقال إنه لم ير أكرم من ثلاثة كلهم فقهاء، وعدّ الصلاح أكرمهم. وكان جده لأمّه عالما صالحا أديبا مصنّفا.
ولد الشهاب في حدود سنة عشرين وثمانمائة بخط الحسينية من القاهرة، وقرأ بها القرآن وصلّى به، وحفظ العمدة لعبد الغنى، والمنهاج للنووي وألفيّة ابن مالك، ومقدمة الشهاب الحناوى المسماة بالدرة المضية في علم العربية «وجمع الجوامع» «وتلخيص المفتاح»، وعرض بعضها على أعيان العصر وأجاز له منهم الرواية شيخ الاسلام قاضى القضاة ابن حجر وقاضى القضاة محب الدين بن نصر الله البغدادي الحنبلي والمجد البرماوى الشافعي.
ثم أقبل على التفهم وسنّه نحو الخمسة عشر فخاض بحار الفنون وغاص لحج غمراتها حتى حصل على الدر المكنون، وجدّ في اشتغاله واجتهد، وطلب التعدد في الأمور فأقام ما قد وهنه، فارتقى ذرى النجوم ولا بدع، وقعد يبحث محفوظاته على علماء العصر، فأخذ العربية عن الشهاب الحنّاوى وهو أول شيخ بحث عليه وانتفع به جدا، وأخذ المنطق والعروض عن الشيخ أبى القاسم النووي، والمعاني والبيان عن الشيخ عضد الدين عبد الرحمن بن الشيخ يحيى السيرافى شيخ الظاهرية والصّرف عنه وعن الشمس القاياتى، وأصول الدين عن التقى الشمنى، وأصول الفقه عن الشمسين الونائى والقاياتى، والفقه عنهما وعن الشريف النسابة، وعلم الحديث عن شيخ الاسلام ابن حجر، فبرع في هذه الفنون كلها في مدة غير طويلة.
стр. 177
وله النثر الفائق والنظم الرائق الممكن القوافي، المنسجم الألفاظ والمعاني.
أنشدني من لفظه لنفسه ما كتبه إلى الشهاب ابن السعود ملغزا في كأس وقد سأله مرارا أن يكاتبه بشيء من شعره فقال:
ألا يا شهابا لي بأنواره هدى … وللضد منه جذوة النار تلفح
ويا ذا الحجى الوارى زناد ذكائه … على أنّ فيه عاقلا ليس يقدح
فديتك يا حلو المراشف واللّما … على أنه عند المذاقة يملح
إذا ارتشف المشتاق يا صاح ثغره … غذا ثملا من ريقه يترنّح
بمبسمه الزهر الأقاحى تضوّعت … ووجنته فيها جنى الورد ينفح
ينم بما استودعته ويذيعه … وكل إناء بالذي فيه ينضح
ويسحب ذيل الشّرب من مرح، ولا … عجيب لكأس إن غدا وهو يمرح
يبيت يكيل التبر لكن مع الغضا … تراه البرايا ساهدا حين يصبح
يقوم على ساق يسرك منظرا … وفي الكعب وصف من ملاحظ (٥٠٦) يترح
عجبت له، كم فيه قد حار ذو حجى … على أنّ أنوار الهدى منة تلمح
وأعجب من ذا أنّ خمر فؤاده … يمج، ومنه الماء يطفو ويطفح
تركّب عندي من ثلاثة أحرف … وقد قيل ثلث الثّمن من ذاك أرجح
وإن صحّف الإنسان مقلوب لفظه … يجده جوابا منه في اللجّ يسبح
فأفصح بما ألغزت فيه فما أرى … سواك فتى عن رمز معناه يفصح
وعش ما بدى شكل الهلال وأشرقت … شموس، ولاحت أنجم تتوضّح
***
стр. 178
فقال ابن أبي السعود مجيبا:
بحسن ابتداء جاء لغزك يوضح … صحيح وداد وهو أنجى وأنجح
وأهديت لي في الكأس لفظا مقرقفا (٥٠٧) … وكلّ إناء بالذي فيه ينضح
وأثلجت صدر اللغز واستيقظ الحجا … ألم تر «حاءات» الروى تنحح؟
ويا ليت ذاك الشعر جاء مرادفا … ليعجب منه قافلا وهو يفتح
ولست أجيب الآن عنه لأنه … يسابقه التفسير منك موضّح
ولكن بدى لي أن أحاجى ناظما … فلا ينثني (٥٠٨) المقصود ما عنه أبرح
واستمر إلى الآخر على هذا النحو الملحون بهذه الألفاظ الركيكة والمعاني السافلة وهو لعمري لا يشعر، وهو مع ذلك يظن-بل صرح لي بما يقتضى-أن نظمه أحسن من نظم الملغز، بل أنه ليس بينهما أفعل تفضيل، فيا للّه العجب من هذا الحمق المتمكن والجهل المركب (٥٠٩).
انظر كيف تهافت على قوله «أشجى وأنجح» من أجل قول ابن صالح «يطفو ويطفح» وقايس بين الكلامين وفقك الله، ما أقعد ذاك وأطيش هذا!! «كيف يليق بمن عنده أدنى أدب أن يضمن «وكل إناء» الشطر هذا التضمين الذي هو باسم التلقين أولى بعد ذاك التضمين البديع.
وتدبّر قوله «مزرقنا، وفاصلا، ومفتح» والله لقد رأيتهن بخطه ونبّهته فوجدته مشيحا (٥١٠)، وتأمّل قوله «لا ينثني المقصود ما عنه أبرح» هل له ملاءمة بالصدر؟ لكن ما أحسن قول ابن صالح أنّ قاضى القضاة شيخ الاسلام ابن حجر لو رأى هذا البيت لرجع عن قوله «إن شعر المذكور غير ممكن القوافي»
стр. 179
وقال إنه غير ممكن الأشطار وقد مدح الشهاب بن صالح المذكور شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر لما خطب لتدريس مقام إمامنا الشافعي ﵁ (٥١١) [عند] تولّيه، وكان شخص قدر رأى في المقام قبل أن يتحدث بولايته بيسير-الإمام الشافعىّ قد جاء للسلام عليه فكان تأويلا قريبا عجيبا بقصيدته الطنانة التي ذكرتها في ترجمة شيخ الاسلام ابن حجر التي مطلعها:
لواحظه تجنى وقلبي يعذّب … فلا سلوتى عنه، ولا الصّبر يعذب
وأنشدنيها من لفظه غير مرة وذلك في شعبان سنة ست وأربعين وثمانمائة، وأنشدني ابن صالح من لفظه ونظمه هذه المقاطيع وهي قوله:
ورب عذول قد رأى من أحبّه … فقال وعندي لوعة من تجانبه
أهذا الذي يسبى حشاك بعينه؟ … فقلت: نعم يا عاذلى وبحاجبه
وقوله:
وظبي من الأتراك حاول عاذلى … كلاما (٥١٢) عليه وهو للقلب مالك
فلما تبدّى خصره وجفونه … ومبسمه: ضاقت عليه المسالك
وقوله في مليح يسمى خضرا:
أضحى ينادى خضر … ثغر بجفنى حما
يا حبّذا كأس طلا … وحبّذا عين حما
وقوله في مليح يسمى «فرجا» مضمنا، والتورية مثله:
يبكى فؤادي همّ الصّدّ يا فرج … وفيك أصبح صدري ضيقا حرجا
واستيأس القب حتى رحت أنشده … يا مشتكى الهمّ دعه وانتظر «فرحا»
وقوله في مليح يدعى بابن شهيدة:
ألا قل لصبّ هام بابن شهيدة … هو الحب فاسلم بالحشا، ما الهوى
نصحتك علما بالهوى والّذي أرى … يخالفنى، فاختر لنفسك ما يحلو
стр. 180
وقوله في مليح معذر:
بدى فوق خدّيه العذار فزاده … جمالا وأضحى عاذلى يحمل النّصحا
وقال: يمينا لا ألومك في الهوى … على حب مخضرّ العذار ولا ألحا
وقوله في مليح كان يسكن الركن المخلق:
بي من ذا الركن أغيد … فدسبانى بحسنه
سمته الوصل مرة … فتولى بركنه
وقوله بديهة وفيه مواربة:
للّه مجد الدين من سيّد … بقربه أصبح قدرى جليل
يرفعني حتّى على نفسه … فلا عدمت الدهر مجدا أثيل
وقوله:
بادر إليها يا نديمى روضة … قد رشّقتها بالمسيل (٥١٣) الغمام
يسمّيها بسحب تهادت … وزهرها يرقص بالأكمام
وقوله في الدولاب مضمنا:
دولابنا هذا يشابه عاشقا … صبا تعدّ من السّقام ضلوعه
يبكى على فقد الأحبّة منشدا … من بعدهم: جهد المقلّ دموعه
وقوله:
يا ربّ ليل بتّه متنعما … بين الكؤوس وبين وصل الخرّد
ومجرة الديجور دون هلاله … نهر لجين فيه زورق عسجد
وقوله:
ويوم به شمس السلامة أشرقت … فغارت شموس الأفق واعتادها المحو
وصلنا به الكاسات، والغيم مطبق … فليس لنا فيه، ولا للسما صحو