الحنفي، وكان جدّه لأبيه يلقب بصلاح الدين فغلب عليه «الصّلاح» بغير إضافة، وربما قيل «صلاح» فظنّ أنّه اسمه، وكان آخر أجداده محيي الدين القاضي، وكان جدّه «الصلاح» ذا أموال عظيمة ومكارم عميمة، واتصال بالأكابر. حكى أنه مرّ به بعض مشايخ العرب فأضافه فقال إنه لم ير أكرم من ثلاثة كلهم فقهاء، وعدّ الصلاح أكرمهم. وكان جده لأمّه عالما صالحا أديبا مصنّفا.
ولد الشهاب في حدود سنة عشرين وثمانمائة بخط الحسينية من القاهرة، وقرأ بها القرآن وصلّى به، وحفظ العمدة لعبد الغنى، والمنهاج للنووي وألفيّة ابن مالك، ومقدمة الشهاب الحناوى المسماة بالدرة المضية في علم العربية «وجمع الجوامع» «وتلخيص المفتاح»، وعرض بعضها على أعيان العصر وأجاز له منهم الرواية شيخ الاسلام قاضى القضاة ابن حجر وقاضى القضاة محب الدين بن نصر الله البغدادي الحنبلي والمجد البرماوى الشافعي.
ثم أقبل على التفهم وسنّه نحو الخمسة عشر فخاض بحار الفنون وغاص لحج غمراتها حتى حصل على الدر المكنون، وجدّ في اشتغاله واجتهد، وطلب التعدد في الأمور فأقام ما قد وهنه، فارتقى ذرى النجوم ولا بدع، وقعد يبحث محفوظاته على علماء العصر، فأخذ العربية عن الشهاب الحنّاوى وهو أول شيخ بحث عليه وانتفع به جدا، وأخذ المنطق والعروض عن الشيخ أبى القاسم النووي، والمعاني والبيان عن الشيخ عضد الدين عبد الرحمن بن الشيخ يحيى السيرافى شيخ الظاهرية والصّرف عنه وعن الشمس القاياتى، وأصول الدين عن التقى الشمنى، وأصول الفقه عن الشمسين الونائى والقاياتى، والفقه عنهما وعن الشريف النسابة، وعلم الحديث عن شيخ الاسلام ابن حجر، فبرع في هذه الفنون كلها في مدة غير طويلة.
стр. 177
وله النثر الفائق والنظم الرائق الممكن القوافي، المنسجم الألفاظ والمعاني.
أنشدني من لفظه لنفسه ما كتبه إلى الشهاب ابن السعود ملغزا في كأس وقد سأله مرارا أن يكاتبه بشيء من شعره فقال:
ألا يا شهابا لي بأنواره هدى … وللضد منه جذوة النار تلفح
ويا ذا الحجى الوارى زناد ذكائه … على أنّ فيه عاقلا ليس يقدح
فديتك يا حلو المراشف واللّما … على أنه عند المذاقة يملح
إذا ارتشف المشتاق يا صاح ثغره … غذا ثملا من ريقه يترنّح
بمبسمه الزهر الأقاحى تضوّعت … ووجنته فيها جنى الورد ينفح
ينم بما استودعته ويذيعه … وكل إناء بالذي فيه ينضح
ويسحب ذيل الشّرب من مرح، ولا … عجيب لكأس إن غدا وهو يمرح
يبيت يكيل التبر لكن مع الغضا … تراه البرايا ساهدا حين يصبح
يقوم على ساق يسرك منظرا … وفي الكعب وصف من ملاحظ (٥٠٦) يترح
عجبت له، كم فيه قد حار ذو حجى … على أنّ أنوار الهدى منة تلمح
وأعجب من ذا أنّ خمر فؤاده … يمج، ومنه الماء يطفو ويطفح
تركّب عندي من ثلاثة أحرف … وقد قيل ثلث الثّمن من ذاك أرجح
وإن صحّف الإنسان مقلوب لفظه … يجده جوابا منه في اللجّ يسبح
فأفصح بما ألغزت فيه فما أرى … سواك فتى عن رمز معناه يفصح
وعش ما بدى شكل الهلال وأشرقت … شموس، ولاحت أنجم تتوضّح
***
стр. 178
فقال ابن أبي السعود مجيبا:
بحسن ابتداء جاء لغزك يوضح … صحيح وداد وهو أنجى وأنجح
وأهديت لي في الكأس لفظا مقرقفا (٥٠٧) … وكلّ إناء بالذي فيه ينضح
وأثلجت صدر اللغز واستيقظ الحجا … ألم تر «حاءات» الروى تنحح؟
ويا ليت ذاك الشعر جاء مرادفا … ليعجب منه قافلا وهو يفتح
ولست أجيب الآن عنه لأنه … يسابقه التفسير منك موضّح
ولكن بدى لي أن أحاجى ناظما … فلا ينثني (٥٠٨) المقصود ما عنه أبرح
واستمر إلى الآخر على هذا النحو الملحون بهذه الألفاظ الركيكة والمعاني السافلة وهو لعمري لا يشعر، وهو مع ذلك يظن-بل صرح لي بما يقتضى-أن نظمه أحسن من نظم الملغز، بل أنه ليس بينهما أفعل تفضيل، فيا للّه العجب من هذا الحمق المتمكن والجهل المركب (٥٠٩).
انظر كيف تهافت على قوله «أشجى وأنجح» من أجل قول ابن صالح «يطفو ويطفح» وقايس بين الكلامين وفقك الله، ما أقعد ذاك وأطيش هذا!! «كيف يليق بمن عنده أدنى أدب أن يضمن «وكل إناء» الشطر هذا التضمين الذي هو باسم التلقين أولى بعد ذاك التضمين البديع.
وتدبّر قوله «مزرقنا، وفاصلا، ومفتح» والله لقد رأيتهن بخطه ونبّهته فوجدته مشيحا (٥١٠)، وتأمّل قوله «لا ينثني المقصود ما عنه أبرح» هل له ملاءمة بالصدر؟ لكن ما أحسن قول ابن صالح أنّ قاضى القضاة شيخ الاسلام ابن حجر لو رأى هذا البيت لرجع عن قوله «إن شعر المذكور غير ممكن القوافي»
стр. 179
وقال إنه غير ممكن الأشطار وقد مدح الشهاب بن صالح المذكور شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر لما خطب لتدريس مقام إمامنا الشافعي ﵁ (٥١١) [عند] تولّيه، وكان شخص قدر رأى في المقام قبل أن يتحدث بولايته بيسير-الإمام الشافعىّ قد جاء للسلام عليه فكان تأويلا قريبا عجيبا بقصيدته الطنانة التي ذكرتها في ترجمة شيخ الاسلام ابن حجر التي مطلعها:
لواحظه تجنى وقلبي يعذّب … فلا سلوتى عنه، ولا الصّبر يعذب
وأنشدنيها من لفظه غير مرة وذلك في شعبان سنة ست وأربعين وثمانمائة، وأنشدني ابن صالح من لفظه ونظمه هذه المقاطيع وهي قوله:
ورب عذول قد رأى من أحبّه … فقال وعندي لوعة من تجانبه
أهذا الذي يسبى حشاك بعينه؟ … فقلت: نعم يا عاذلى وبحاجبه
وقوله:
وظبي من الأتراك حاول عاذلى … كلاما (٥١٢) عليه وهو للقلب مالك
فلما تبدّى خصره وجفونه … ومبسمه: ضاقت عليه المسالك
وقوله في مليح يسمى خضرا:
أضحى ينادى خضر … ثغر بجفنى حما
يا حبّذا كأس طلا … وحبّذا عين حما
وقوله في مليح يسمى «فرجا» مضمنا، والتورية مثله:
يبكى فؤادي همّ الصّدّ يا فرج … وفيك أصبح صدري ضيقا حرجا
واستيأس القب حتى رحت أنشده … يا مشتكى الهمّ دعه وانتظر «فرحا»
وقوله في مليح يدعى بابن شهيدة:
ألا قل لصبّ هام بابن شهيدة … هو الحب فاسلم بالحشا، ما الهوى
نصحتك علما بالهوى والّذي أرى … يخالفنى، فاختر لنفسك ما يحلو
стр. 180
وقوله في مليح معذر:
بدى فوق خدّيه العذار فزاده … جمالا وأضحى عاذلى يحمل النّصحا
وقال: يمينا لا ألومك في الهوى … على حب مخضرّ العذار ولا ألحا
وقوله في مليح كان يسكن الركن المخلق:
بي من ذا الركن أغيد … فدسبانى بحسنه
سمته الوصل مرة … فتولى بركنه
وقوله بديهة وفيه مواربة:
للّه مجد الدين من سيّد … بقربه أصبح قدرى جليل
يرفعني حتّى على نفسه … فلا عدمت الدهر مجدا أثيل
وقوله:
بادر إليها يا نديمى روضة … قد رشّقتها بالمسيل (٥١٣) الغمام
يسمّيها بسحب تهادت … وزهرها يرقص بالأكمام
وقوله في الدولاب مضمنا:
دولابنا هذا يشابه عاشقا … صبا تعدّ من السّقام ضلوعه
يبكى على فقد الأحبّة منشدا … من بعدهم: جهد المقلّ دموعه
وقوله:
يا ربّ ليل بتّه متنعما … بين الكؤوس وبين وصل الخرّد
ومجرة الديجور دون هلاله … نهر لجين فيه زورق عسجد
وقوله:
ويوم به شمس السلامة أشرقت … فغارت شموس الأفق واعتادها المحو
وصلنا به الكاسات، والغيم مطبق … فليس لنا فيه، ولا للسما صحو
стр. 181
وقوله:
رقّت كئوس الخمر لي … فرأيت الكأس رقّت
فصرفت عنها راغما … وقطعتها من حيث رقّت
وحكى لي الشهاب المذكور أنه قبل بلوغه العشرين مدح بعض الرؤساء بقصيدة. وهي أول مدحه-واهتم بإيصالها إليه، فرأى في المنام كأنه يكرّر هذين البيتين، وهما:
عظيم لطف مولانا الرحيم … فثق باللّه ذي الفضل العميم
تأمل لطف ربّك (٥١٤) واعتبره … ترى الإقبال من جهة الكريم
وما كان يحفظهما قبل ذلك ولا رآهما ولا مرّا بذكره.
فقال: «ثم استيقظت وأنا أكررهما وأبكى، فتيسر الاجتماع بذلك الرجل [ولقيت] منه الخير فوق ما كان يرجى منه، ثم ترادفت الألطاف من قبل الله . فلله الحمد».
ورافقنا شخص ثقيل يقال له «المسيرى» في جنازة (٥١٥)، فقال لي ابن صالح: «ينبغي أن ننظم (٥١٦) أشياء، ما رأيت أثقل من هذا المسيرى نودي بهذا» فأخذنا في ذلك، فنظمت البيت الثاني وعجز الأول، ونظم هو صدره، وكان له المعنى ولى غالب اللّفظ، فقلنا:
بلينا بالمسيرى ذات يوم … وقد رحنا إلى نحو القبور
فنازعنا المسير فما رأينا … بأثقل قط من هذا المسير .... (ى)
стр. 182
ثم مررت أنا وهو في بعض الطرق بالقاهرة في أول سنة ست وأربعين وثمانمائة، وقد أمر العوام بأن يقطعوا الطرق، أي يحفروا الأرض ويخففوا من ترابها، وكان الوالي يضرب من لم يفعل ذلك منهم، فقلت: ينبغي أن ننظم هذا المعنى فيقال: «ومن لا يقطع الطّرق يضرب»، فنظم ابن صالح تكملة هذا البيت، ونظمت أنا الأول، ثم غيّر فيه ألفاظا فصار هكذا:
إلى الله نشكو ما بمصر من البلا … فحكّامها في حكمهم قد تقلّبوا
تسلّم قطاع الطريق من الأذى … لديهم، ومن لا يقطع الطرق يضرب
وكان شخص يقال له «ظهير الدين» يصحب ابن الكويز الكركي، واشتركت أنا وابن صالح في نظم هذا المقطوع فيه:
قل للظّهير دع الكويز فأصله … ما قد علمت، فلا تكن مغرورا
وارجع إلى الإيمان تنج من الضلا … ل، ولا تكن للكافرين «ظهيرا»
وصحب ابن صالح القاضي كاتب السرّ ابن البارزى في سنة ثمان وأربعين فاختص به جدا، وصار أحد ندمائه والمقدمين عنده، ولما حجّ سنة خمسين أخذه معه واستأمنه على ما كان معه من النقد، وأركب المحمل الذي أعده لراحته وكان فيه حاله، وكان من أهل الرملة شخص يقال له أبو حامد يستثقل ويحضر مجالس الكبار ويطرد بأنواع الطرد ولا يؤثر فيه، فلما عجزوا فيه خفّفوه بأن اتّخذوه ضحكة، فحضر عند القاضي كاتب السر في مجلس فيه ابن صالح وسيدي يحيى بن العطار وشهاب الدين أحمد بن فلاح فتناوبوا (٥١٧) فيه النظم فقال ابن صالح:
الوز أقسامه شتى، فوزتنا … أنثى، وكنا حسبنا أنها ذكر
وقال بعضهم من قافية أخرى:
كأن فتحته من تحت خصيته- … إذا تكشّف:-باب فيه قنديل
وقال سيدي يحيى:
قوموا اتفلوا في عذاريه ولحيته … لأنه وزة في الماء بل بولوا
стр. 183
وقال ابن صالح:
بلّوه بالبول حتى ذقنه غرقت … هنا على أنّه في الناس مبلول
وقال ابن صالح من قافية أخرى:
يكسى ثياب النحو ما بين الورى … أقبح بها في الناس كسوة عارى
وقال ابن فلاح:
في وسط لحيته [عملت] تعمدا … وعلى شواربه خلعت عذارى
وحكى هذا الثقيل عن نفسه، قال: «غسلت وجهي وأطرافى في زير سبيل عندنا في مدرسة جمال الدين للشرب». فقال ابن صالح (٥١٨) على الفور:
«مسألة: صرح العلماء ﵏ أن المياه المسبلة للشرب لا يجوز غسل الوجوه منها ولا الأطراف»، وكانت من غرائب التورية.
٦٤ - أحمد بن محمد بن عبد الله بن حسن بن يوسف بن هارون بن رحمة
(بمهلتين)، ولىّ الدين بن الشيخ بدر الدين بن قطب القرشي البهنسى (٥١٩) الشافعي.
أخبرني أنّه ولد في ثاني عشر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وسبعمائة بالقاهرة، وقرأ بها القرآن، وأنه حفظ العمدة في الأحكام، والتنبيه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي وأنه عرضهما على السراجين: البلقيني وابن الملقن والزين العراقي والبرهان الأنباسى وغيرهم، وأنه حجّ (٥٢٠) تسع حجات أولاها سنة تسع (٥٢١) وتسعين وجاور فيها، وتلى على الشيخ شهاب الدين الشوبكى
стр. 184
(بالموحدة) برواية أبى عمر من أول القرآن العظيم إلى سورة الأنعام، وبحث على سيدي عبد الوهاب اليافعي من أول التنبيه إلى باب التلقين (٥٢٢).
وبحث جميع المرشدة لابن الهائم في الحساب على الشيخ حسين الزمزمى، واشتغل عليه في الفرائض، وسمع حينئذ على الفقيه على النويري يروى عن الزبير بن علي الأسوانى.
وسمع على العزّ بن جماعة جميع كتاب «المناسك الكبرى» وغير ذلك، ذكره شيخنا في معجمه، وعلى شمس الدين بن بكر (٥٢٣)، وجاور أيضا سنة اثنتين وعشرين، وأخبرني أنه سمع جميع البخاري على العلاء الشامي (أظنه ابن أبي المجد) بالقلعة، وجميع صحيح مسلم عليه بالقلعة أيضا، وكان ذلك سنة تسع وتسعين.
وطوّف بلاد الصعيد، ودخل إسكندرية ودمياط وأن قاضى القضاة شمس الدين بن الصالحي سأله أن ينوب عنه في الحكم وأمانة المودع فأبى تعففا.
اجتمعت به سنة تسع وأربعين وبعدها، وحصل بيننا ودّ، وهو معظم عند الخلفاء العباسيين معروف بصحبتهم، وله تردد إلى الأكابر، وأخبرني أن أباه حج خمسين حجة، وتزوج مائة امرأة، وصام الدهر، وأنه حلف عليه يوما بالطلاق ففطره (٥٢٤)، ثم أراد أن يفعل ذلك يوما آخر فقال له «يا ولدى: أنا إذا أفطرت يوجعنى بطني».
وأنه توفّى بين مكة والمدينة.
ورأيت أنا سماعه لجميع «سنن ابن ماجة» خلا المجلس الرابع والخامس وأول الرابع (٥٢٥) … وأول السابع … على الشمس الغماري والشهاب الجوهري، والمجلس الأخير وأوله: باب الشفاعة، بمشاركة البرهان الأنباسى،
стр. 185
وكتب في الطبقة ما نصه: «وسمعه خلا الرابع والخامس ولى الدين أحمد بن الشيخ العالم بدر الدين محمد بن عبد الله البهنسى القرشي الشافعي وابن أخيه عبد الرحمن بن جمال الدين عبد الله بن بدر الدين المذكور».
٦٥ - أحمد بن محمد بن عبد الله بن حمزة
، الشيخ شهاب الدين الإشليمى (٥٢٦) (بهمزة مكسورة ومعجمة ساكنة وبعد اللام تحتانية) المصري الشافعي نزيل المدرسة الخرّوبية (٥٢٧) على شاطئ النيل من مدينة الجيزة، ولد سنة خمس وستين أو قبلها في قرية سمنديل (٥٢٨) من قرى الغربية، وانتقل إلى إشليم فقرأ بها القرآن وكان أبوه أحد مقطعيها، ثم انتقل إلى القاهرة فتلا برواية أبى عمرو على المشايخ: فخر الدين والشيخ شرف الدين يعقوب والشيخ شمس الدين الزراتيتى. وأخذ العلم عن الشيخ برهان الدين الأنباسى، وحفظ الحاوي وألفية ابن مالك والتصريف للغزى، وحفظ الشاطبية والحاوي والمنهاج على البرهان الانباسى ولازمه كثيرا، وبحث الحاوي أيضا على البدر الطنبدى، وبحث الألفية على الأنباسى وحضر دروس الشيخ سراج الدين البلقيني كثيرا وحج قبل القرن.
وولى مشيخة خانقاه المحسنى باسكندرية وأقام بها فوق السنة، [وولى] الخانقاه الصلاحية بالفيوم وأقام بها ست سنين.
وولى عقود الأنكحة بالديار المصرية عن البدر بن أبي البقاء، وانتقل إلى
стр. 186
الخروبية حين جعلها المؤيّد مدرسة واستمر مقيما بها إلى أن اجتمعت (٥٢٩) به يوم الثلاثاء عاشر شوال سنة أربعين وثمانمائة.
وهو رجل صالح كثير التلاوة كريم، ولديه فضيلة، و [وقد] ضعف بصره في حدود سنة ست وأربعين، وقرأت عليه الثلث الأخير من البخاري بسماعه له من المشايخ الأربعة: الزين العراقي والنور الهيثمي والبرهان الشامي والعلاء ابن أبي المجد بأسانيدهم، كما وجدت اسمه في ثبت السالمى، لكن لما اجتمعت به حصل لي ارتياب في جدّه، هل اسمه عبد الله أولا، ثم استحلفته فحلف أن اسمه «عبد الله» وأجازنى، وقال لي: «سمعت البرهان الانباسى يقول للسراج البلقيني في جنازة: «أنا سمعت كلام الموتى في قبورهم، وعرفت من يعذّب. فقال البلقيني: أنت سمعت ذلك؟ فقال: «نعم، وسمعته في بقيع الغرقد (٥٣٠) في المدينة في قبر جديد فوقفت عنده لأسأل عن صاحبه، وإذا شخص كان يقرأ علىّ فقال لي، يا سيدي تقف عند قبر هذه الرافضية؟ قال الإشليمى: فرأيت البلقيني أحمرّ وجهه ونزلت دموعه، وقال: أنت (٥٣١) أجدر بذلك».
سمع في صحيح البخاري-على العلاء بن أبي المجد الميعاد الأول والثاني وينتهى إلى قوله (٥٣٢) ...... والخامس وأوله (٥٣٣)
وآخره (٥٣٤) ...... والثالث عشر وأوله ...... وآخره ...... والخامس عشر وأوله ...... واخره ...... والعشرين ...... (٥٣٤) وأوله «باب وكلم الله موسى تكليما» وحضر، هذا المجلس البرهان الشامىّ والزين العراقي والنور الهيثمي، وقرأت بأسانيدهم وأجازوا كما في محمد بن أحمد القرقشندى.
стр. 187
٦٦ - أحمد .... (٥٣٥) بن محمد بن عبد الله بن علي بن أبي الفتح
بن أبي البركات محمد بن علي بن أبي القاسم حسن بن عبد القوى (٥٣٦) التّجانى (بكسر المثناة فوق والجيم المثقلة نسبة إلى قبيلة بالمغرب)، التونسي المولد والمنشأ، المالكي الشهير بأبى العباس بن كحيل (٥٣٧) قاضى الركب الحجازي.
ولد في ربيع الأول سنة اثنتين (٥٣٨) وثمانمائة في تونس، وتلا بالثمان والسبع على مشايخ من الأعلام منهم: الشيخ قاسم بن أحمد بن إسماعيل البرزلي القيرواني، والشيخ الصالح أبو محمد عبد الله بن مسعود القرشي، والشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد الشقورى الباجي، الأندلسي الأصل، والشيخ أبو محمد عبد الواحد عرف بالعلّاف، وأعلى ما عنده في ذلك طريق الحرمين قرأه بها على الشيخ الصالح أبى القاسم الفلاحى عن سيدي أبى عبد الله الشريف، وبينه وبين أبى وضاح ثلاثة أنفس. وأخذ النحو عن الشيخ أبى عبد الله محمد بن داود الصّنهاجى الآخذ عن الخولاني، وهو من طبقة أبى حيان عصرا وتمكّنا، بحث عليه الجمل للزجاجى، والمغرب لابن عصفور وبعض كتاب أبى الحسن الجزولى، ثم عن الشيخ أبى الحسن الأندلسي الشهير، سمعت (بلفظ الفعل الماضي المتصل بضمير المتكلم) [أنه] بحث عليه الخلاصة والألفية (٥٣٩) لابن مالك، وأعرب عليه قصيدة البيرى (بفتح الياء) المسماة «منابذة العمر الطويل» وأولها:
تفتّ فؤادك الأيام فتّا … وتنحت جسمك الساعات نحتا
و [بحث] غير ذلك عليهما وعلى غيرهما.
وأخذ علم المنطق وعلم الكلام عن أشياخ عدة منهم:
стр. 188
الشيخ البارع المفنن أبو عبد الله محمد بن خلفة (٥٤٠) الأبّى (بالضم)، والشيخ أبو العباس أحمد بن محمد البسيلي (نسبة إلى بلدة بسيلة (٥٤١)، والشيخ أبو العباس أحمد بن محمد الشماع. و [أخذ] أصول الفقه عن الشيخ أبى العباس أحمد المدغرى والأبّى والشماع والبسيلي المذكورين و [وأخذ] الفقه عن الشيخ أبى القاسم البرزالى المذكور والقاضي أبى يوسف يعقوب الزغبى والشيخ أبى القاسم العبدوسى وغيرهم. وعلم المعاني والبيان عن الشيخ المدغرى وأبى الفضل بن الإمام وغيرهم. كل ذلك لقراءته عليهم بنفسه.
وأخذ علم (٥٤٢) الهندسة حضورا وسماعا عن الشيخ أبى عبد الله محمد بن مرزوق وسمع في مجالسه غالب ما كان يقرأ عليه من علوم شتى وكذا الشيخ [أبو القاسم (٥٤٣) العقبانى. وأما علم الوثائق والأحكام وما يتعلق بذلك فأخذه عن الشيخ] أبى عبد الله محمد بن محمد الأنصاري الخزرجي الشهير بابن الحاج، وأخبرني سنة ست وأربعين أن عمره الآن مائة عام وأربعة أعوام وأنه العدل بتونس وخطيب جامع الزيتونة وإمامه، وأنه طلب للقضاء عام خمسة عشر فامتنع، وشيخه في ذلك الشيخ أبو القاسم الغبرينى.
وسمع الحديث على الشيخ الفاضل أبى زكريا يحيى بن منصور:
حديث الرحمة المشهور في بلاد مصر بالمسلسل بالأولية والشيخ أبى عبد الله محمد بن مسافر العامري والشيخ أبى القاسم الأندلسي والشيخ أبى عبد الله محمد الشريف التلمساني، وقرأ عمدة الأحكام للمقدسى والموطأ رواية يحيى بن يحيى والترمذي والشمائل له رواية على الشيخ أبى القاسم البرزالى والبخاري وأبى داود على الشيخ الشماع وغيره، وسمع قراءة صحيح البخاري ومسلم والموطأ على الشيخ البرزالى والزغبى والأبى ابن داود المذكورين وغيرهم.
стр. 189
وبحث بعض علوم الحديث لابن الصلاح، والبيان للشيخ محيي الدين النواوى على الشيخ أبى محمد عبد الواحد الغريانى والمدغرى المذكور.
وسمع على الغريانى الرسالة القشيرية وسراج المهتدين، وسراج المريدين كلاهما للقاضي أبى بكر بن المغربي، والبخاري سماع تفقّه على الغريانى المذكور وغيره.
وصنّف في علم الفقه [متنا] سماه بالمقدمات في مجلد لطيف، وفي علم الوثائق مجلدا سماه الوثائق العصرية، وفي التصوف كتابا سماه «عون السائرين إلى الحق».
أنشدني يوم الثلاثاء ثامن عشر شوال سنة ست وأربعين وثمانمائة بخط فندق الكارم بمصر العتيقة من لفظه لنفسه يمدح شيخنا شيخ الإسلام [ابن حجر العسقلاني]، وقد لقيته قرب قلعة الجبل وأنشدهما ارتجالا:
أحسنتموا (٥٤٤) في العاملين وحزتموا … رهن السباق بنشر فتح الباري
فالله يكلؤكم ويبقى مجدكم … ويحوطكم من أعين الحساد (٥٤٥)
أنشدنا كذلك يمدح شيخه الشماع عام خمسة عشر بقصيدة منها:
أقول لمن هواه رماه نبلى … مضاع دهره في كل هزل
تبصّر من فعالك وادر قولي … ألا يا طالب العلم استمع لي
وإن لم أحكم الأشياء فهما
إذا ما أنت لنصحى لن تردا … تنل علما وفخرا مستمدّا
وتلحق من علا وتحوز رفدا … عليك بخيرهم: بيتا وجدّا
ودينا مستقيما ثم علما
стр. 190
وخاتمتها:
هدى المبصرين وحيد عصر … فريد الدّهر ذا الإسماع نعما
حياه الله للطلاب جاها … وللحسّاد تعنيفا ورغما
وذلك في مجلس واحد كتبه من غير ترو ولا مسودة، فأجاب الممدوح قدس الله روحه:
يا أبا العباس يا نجل ابن كحيل … فقت في النظم على نظم السهيلي
فحباك الله من علم ودين … واعتقاد سالم من كل ميل
وبقيت الدهر في سقى ورعى … وعداك الكل في نوح وويل
ومن أكثر أشياخه الذين أخذ عنهم القراءات السبع وغير ذلك: الشيخ الشهير أبو مهدى عيسى الغبرينى، وأشياخه كثر جدا.
ومن مشايخه في التصوف الذين بهم يجادل ويصاول ويسأل اللّه بأسراره: الشيخ أبو محمد عبد اللطيف المقدسي والشيخ أبو عبد الله محمد العتابي (٥٤٦) والشيخ أبو عبد الله محمد الأنباسى والشيخ أبو علي عمر الركراكى والشيخ أبو عبد الله محمد الجازولى والشيخ أبو علي منصور البازي نسبة إلى بازة (٥٤٧) بالغرب الجواني، وغيرهم من أرباب الأحوال.
وأدرك أبا زكريا يحيى بن الإمام والشيخ المعمر الشهير أبا الحسن على القطاوى والشيخ أبا الحسن على المنستيرى والشيخ ياسين، ودعوا له بخير وأخبروه ببشائر دنيوية وأخروية نرجو من الله مثلها.
و [أدرك] من العصريين أعلى متنه من أصحاب الأحوال الشيخ أبا عبد الله محمد التبزونى الشهير بشوشو (٥٤٨) والشيخ أبو العباس أحمد بن عروس وغيرهم
стр. 191
من السادات الصوفية أرباب الإشارات كالشيخ أبى عثمان سعيد وغيره كثيرون، أبقاهم الله.
وله سند يعلو من طريق الشيخ أبى عبد الله محمد بن محمد بن القماح، وصهره أبى صهر المترجم أبى العباس محمد بن الأزرق والشيخ أبى زكريا يحيى العنزي والشيخ أبى الحسن علي بن مروان صاحب الفهرست الذي جمع فيه بين أشياخ المشارقة والمغاربة قال:
«وأخذ عنه أشياخنا كأخذى عنه» قال:
«وبينه وبين الشاطبى خمسة أشياخ، ألا وإنّ إلى الله الملتجا، وبثّ ضرورة الشكوى من أمور تترى، تذهب البال، وتقفل المسيرة عن الإقبال، وما أحسن قول القائل:
إذا المرء اشترى فضيلة … فلا تسله عن مسأله
شروط العلم أربعة … فأولها التفرّغ له
وحفظ ثم فهم … ثم نقلكه على الجملة
ألا وإنّي خلو عن الفضل والفهم، ينشد لسان حالي:
خلت الرقاع من الزجاج … فقررت فيها البنادق
صمتت بلابيل الزما … ن فأصبح الخفاش ناطق
وحسبي إذا سئلت الاعتراف بما اجتنبت من الاقتراف وطلب الدعاء من مقام السادة المولوية الحجرية الفريدة في الإسلام، العزيزة بين الأنام، أبقاها الله ووقاها، لكن الامتثال الحامل على إجابة السؤال، فليسمع المملوك مقام الجمال، وإذا كان المترك إكراما كان الفعل احتراما، والله ولى المعونة لا شريك له».
ولما كان عام ستة وأربعين وثمانمائة عزم على الحج إلى بيت الله الحرام مصاحبا للرّكب المغربي الموجه عن أمر السلطان أبى عمرو عثمان بن السلطان أبى
стр. 192
عبد الله محمد بن السلطان أبى فارس، فأكرمه وأرسل إليه بما يعينه على ذلك، وسأله أن يكون قاضى الركب فأجاب بعد امتناع وكراهية سائلا أن يعينه الله على ذلك، وأن يجمل خلاصه من عهد الدنيا ويحمله الفحص عن أرباب الأحوال، ومن فتح عليه باب فليلزمه، جعلنا الله منهم ومعهم في الدنيا والآخرة.
ومن أكابر أقار به البجائيين الشيخ أبو الحسن علي بن أبي البركات محمد، ومن مصنفاته «كرامة العلامة في علاقة الكرامة» في مجلدة قال: «وهو ملكي بخط مؤلفه»، والشيخ أبو عبد الله محرز بن محمد، ومن مصنفاته «تحفة العروس» وهو كتاب يشتمل على أدب وتاريخ، و «أسرار النكاح» وغير ذلك، صنّفه للسلطان أبى يحيى زكريا الحفصى، و «الرحلة» يشتمل على ما استفاده حال رحلته، و «الحلل»، وغير ذلك من تصانيف البجائيين وهم مشهورون في تونس.
لقيته يوم الثلاثاء ثامن عشر شوال سنة ست وأربعين بمصر العتيقة قرب فندق الكارم (٥٤٩)، وأجاز لي، وكتب باستدعائى وأملى علىّ هذه الترجمة.
وهو حسن العبارة، جيّد البديهة، حسن السمت، سديد العقل، وسمعت أنه عازم على المجاورة بمكة المشرفة، نوّله الله ما يرجوه من مقاصد الخير.
ولما ذكرت له شيخنا، أكثر الثناء عليه وشرع يصفه بمولى المسلمين، ويذكر ماله من الشهرة ببلادهم بالعلم والنّهى والدين والمصنفات والذكر الجميل الذي قد ملأ الاسماع.
٦٧ - أحمد بن محمد بن عبد اللطيف بن الفرات
، الطشتدار المصري، الأديب المعروف بين أبناء صنعته بجرد مرد.
стр. 193
ولد بالقاهرة سنة تسعين (٥٥٠) وسبعمائة تقريبا وقرأ بها القرآن، وخرج من الكتّاب صغيرا فنسى، وارتزق بغسل الثياب وصقلها، وخدم في بيوت الأكابر، وتعاني حفظ الشعر بحوره وفنونه، فحفظ من ذلك كثيرا جدا، ونظم، وحج بعد سنة ثلاثين، وسافر إلى حلب ودخل إسكندرية ودمياط، وكان يأتي قاضى القضاة شيخ الإسلام ابن حجر وينشده ويقترح عليه كبقية الأدباء، فنظم شيخ الإسلام مواليا:
لك يا علي عين نفديها بألف عين … ووجه من عين شمس العين نور وعين
وكم على عين أجرى دمع عيني عين … لا صابتك عين، يا من آل اسمو: عين
واقترحه على أدباء العصر فنظم الحاج أحمد ارتجالا:
عرّج على أيمن الوادي وانزل عين … منازل أحباب قلبك، لا أصابك عين
وإن وجدت قباب الحي لاحت عين … خدلى أمان من أحمر خد وأسود عين
واقترح عليه شيخ الإسلام يوما أن ينظم «ماحل» بأربعة معان فقال:
رب السما في هواكم عقدتى ماحل … وعقد ديني على طول المدى ماحل
وغيركم وسط قلبي في الحشا ماحل … لا تقتلوني، فقتلى في الهوى ماحل؟؟؟
стр. 194
أنشدني في جامع البارزى (٥٥١) الذي ببولاق لنفسه في العشر الأوسط من صفر سنة إحدى وأربعين وثمانمائة:
انظر إلى العيد في روضه … فاح به المسك ونشر الخزام
سماؤه بالدّر قد زخرفت … وحل فيه كلّ بدر تمام
وأنشدني كذلك:
أيا كتابي إلى الأحباب كن عوضى … وقبّل الأرض ألفا والزم الأدبا
ولا تقل أدمعى بحر، تذب عرقا … ولا تصف نار أشواقى فتلتهبا
وكذلك:
كتبت وفي قلبي من الشّوق لوعة … ونار صبابات الهوى تتضرّم
وعندي من الأشواق ما لو شرحتها … لطال، ولكن أنت بالحال أعلم
٦٨ - أحمد بن محمد بن علي بن أحمد بن الشيخ عبد الرحمن
، الشيخ شهاب الدين بن القرداح، بضم القاف، الواعظ، وقد اشتغل في فنون من العلم، وأتقن الميقات، وضرب في العلوم العقلية بنصيب، ونظم ونثر النظم الوسط فما دونه.
سمعت أنه بحث «أقليدس» كاملا على شيخنا الشهاب ابن المجدى، وانتهى إليه حسن الإنشاد في زمانه، مع قبول الوجه والكلام والفصاحة ورخامة الصوت وحسن الشكل، وله اليد الطّولى في الضرب بالعود، وهو أستاذ في
стр. 195
ضرب السنطير (٥٥٢)، وكان الملك المؤيد أبو النصر شيخ يميل إليه ويأخذه معه في متنزهاته وخلواته.
سمعت بإنشاده كثيرا من نظمه وغير نظمه، وأنشدني في سنة سبع وعشرين وثمانمائة بالقاهرة قال:
«كنت أؤذّن للملك المؤيد وأسبح في الليل، ومن المقرر أنه لا يتمكن من الأكل على أسمطة الأتراك إلّا من قلّ حياؤه، وارتكب الدناءة بالطلب والخطف ونحو ذلك» قال «ولست بحمد الله في هذا الباب: فكنت أنال المشقة بسبب قلة التفقد، فاجتمعت بالقاضي ناصر الدين محمد بن البارزى كاتب السر وأنشدته في ذلك:
ارحم عبيدا ذاب من ألم العنا … والجوع والتسهيد والتّبريح
هبني عملت مؤذّنا، لكنّنى … بشر، ولست أعيش بالتسبيح
توفى يوم السبت خامس عشر ذي القعدة الحرام سنة إحدى وأربعين وثمانمائة بالقاهرة.
٦٩ - أحمد بن محمد بن علي بن إسماعيل بن علي بن محمد بن محمد
الزاهدى، خادم مقام سيدي الشيخ رسلان بدمشق.
ذكر أن مولده سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. [ومات (٥٥٣) سنة ٨٣٩].
стр. 196
٧٠ - أحمد بن محمد بن علي بن حسن بن إبراهيم
، أبو الطيب شهاب الدين ابن الشيخ صلاح الدين الصالح المقرئ، شمس الدين الأنصاري الخزرجي السعدي العبادي، الحجازي الأصل، المصري الشافعي، الأديب، البارع، المفنن.
ولد في الدرب الأصفر قرب باب النصر من القاهرة في سابع عشرى شعبان سنة تسعين وسبعمائة.
أخبرني أنه كان يلقّب «زكى الدين» ابتداء، وأنه كانت عندهم نسبة تتصل بسعد بن عبادة فأعدمها قريب لهم في كائنة فظيعة فعلها.
حفظ القرآن، وقرأت عليه وأجازنى، وتلى برواية أبى عمرو على أبيه، وحفظ كتبا عرض منها العمدة ونور العين «مختصر السيرة الكبرى النبوية»:
كلاهما تصنيف الحافظ فتح الدين بن سيد الناس، و «التنبيه» و «الملحة» على الزين العراقي وولده الولي أحمد.
واشتغل في النحو والفقه وغيرهما، وأخبرني أن أول شيخ سمع عليه بحث العلم الشيخ كمال الدين الدميري، وقد لازمه مدة وهو صغير، وسمع عليه من شرحه لابن ماجة، وحصلت له منه ملاحظة، ودعا له وأخبر أنه يحبه.
وأخذ الفقه عن العز ابن جماعة والشمس وغيرهما، و [أخذ] النحو عنهما وعن الشيخ ناصر الدين بن أنس والشهاب الحناوى، و [أخذ] الفرائض عن ابن أنس، ولازم قاضى القضاة شمس الدين البساطى وقاضى القضاة ولى الدين العراقي فانتفع بهما كثيرا في الفقه والنحو والأصل وغيرها.
وحج سنة ثلاث وأربعين، ودخل دمياط، وعنى بالأدب كثيرا إلى أن تقدم فيه على أقرانه، وصار أحد أعيانه.
стр. 197
وصنف مجموعا سماه «روض الآداب» يشتمل على منظوم ومنثور وغزل ومدح وألغاز ومفاخرات وأزجال وموشحات وحكايات وغير ذلك، وآخر سماه «حبيب الحبيب ونديم الكئيب» يشتمل على مقاطيع ليس غير، وهو مرتب على حروف المعجم، وانتزع الأبحر، ونظم في فنون الأدب وأكثر.
وهو حلو الكلام، طريف النادرة، خفيف الروح، سريع الجواب، كثير التلاوة، حسن الصورة، حدثني أنه رأى داخل باب النصر من القاهرة شخصا موسطا، أقعد على نصفه الذي فيه رأسه على رماد، فاستمر بعد أن وسّط من بعد العصر إلى المغرب يتحدث حديثا كثيرا منتظما، وحكى للناس أنه مظلوم وأطعموه بطيخا وغيره، فعند المغرب رفسه شخص فقلبه [فبقى (٥٥٤)] قليلا ومات، ووجدوا الذي أكله متغيرا.
عرض الشيخ (٥٥٥) شهاب الدين «ملحة الأعراب» على الزين أبى الفضل العراقي وأجاز له أن يرويها عنه عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخباز عن الكمال بن عبد عن أبي طاهر الخشوعي عن الحريري، وأجاز له جميع ماله وعنه، وكذا ابنه ولىّ الدين والنور الهيثمي والزين عبد الرحمن بن علي بن خلف الفار سكورى، وسمع «الأربعين» لعبد الخالق السحامى مع ما بآخرها تخريج أبى الحسن الشهر ستانى على قاضى القضاة المجد إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن موسى الكناني الحنفي.
***
стр. 198
أنشدني من لفظه لنفسه يوم الثلاثاء ١٤ ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وثمانمائة بالقرا سنقرية (٥٥٦) [قصيدة] على وزن [قصيدة لابن زيدون] في ضد معناها:
ملكت فاحكم بمهما إن تشا فينا … ها أنت ممرضنا، ها أنت شافينا
لسنا نؤمّل شيئا منك غير رضا … وقربنا منك، يا أقصى أمانينا
حاشاك يا غاية الآمال تبعدنا … فما من البرّ إبعاد المحبينا
روحي الفدا لحبيب قد دنا ووفى … ولا رقيب ولا واش فيؤذينا
لا يشتهى الراح مع ظلم له أبدا … ولا الظّما نشتكى ما دام يروينا
يسعى لنا بشمول من شمائله … وبالجدود (٥٥٧) يحيّينا فيحيينا
في روضة رقصت أغصانها طربا … من شدو ورقا عن الألحان يغنينا
شقيقها شقّ غيظا قلب حاسدنا … وحسن منثورها المنظوم يلهينا
والقلب سرّ بعيش قد صفا فدعى … بأن ندوم، فقال الدهر: آمينا
والشمل مجتمع، لا يشتفى أبدا … يوما من الدهر واشينا ولا حينا
فإن بكينا فليس الدمع من حزن … لكنّ فرط السرور المحض يبكينا
لا يعرف الحبّ هجرانا ولا مللا … ونحن لا يعرف (٥٥٨) السلوان نادينا
رأت حاسدنا يشكو الزمان فما … يزال يعصيهمو قهرا ويرضينا
نمسى ونصبح في ظلّ الوصال وقد … «أضحى التدانى بديلا من تنائينا»
حدثنا (٥٥٩) الشيخ شهاب الدين الحجازي قال: مرّت لي غرائب في عمرى، منها أنى كدت أغرق في بطيخة، وذلك أنى لما كنت صبيا حملت بطيخة صيفية على رأسي وإذا هي منتهية جدا ولم يكن على رأسي غير طاقية، فتقوّرت فدخل رأسي فيها حتى غطت على أنفى وفمي، وشرعت أريد رفعها فمنعني من ذلك نزولها إلى أسفل لثقلها، فطأطأت رأسي حتى نزلت منه.
стр. 199
ومنها: أنى كدت أغرق في زير، وذلك أنى دخلت إلى مدرسة بيبرس في شدة الحر وأنا شديد العطش، فنظرت فلم أجد بها ماء إلا في قعر أحد أزيارها وهو كبير جدا، فمددت يدي بالكوز إلى الماء فحملني الطمع على أن زدت شيئا، فانقلبت على رأسي وأيقنت بالهلكة، فجعلت رأسي في جانب الزير وأسفلى (٥٦٠) في جانبه الآخر واستدرت جدا، وأردت الاعتماد بيدي في جوانب الزير فإذا هي شديدة اللزوجة من الطين الذي قد لصق بها من الماء، لا تثبت بها وأنا مع ذلك انخفض إلى الماء قليلا قليلا حتى وصل رأسي إليه وأنا في هذه الحالة-بشهادة الله-أتفكّر في أنّ الناس يستسمجوننى على هذه الموتة، فيقال مات الحجازي، فيقال متى؟ فيقولون الساعة رأيناه!! فيقال:
غرق؟ فيقال: في البحر؟ فيقال: لا، فيقال: في البركة؟ فيقال: لا، فيقال: في الخليج؟ فيقال: لا، فيقال: في البئر؟ فيقال: لا، بل في الزير، فيشتد التعجب من ذلك ولا تحكى لهم الحكاية إلى آخرها على وجهها حتى يتداعى الناس لسماع ذلك من كل ناحية ويستقبلنى كل من يسمع ذلك ويقولون: «هذا رجل لا يدع التغريب لا في حياته ولا في مماته».
فلما وصل رأسي إلى الماء تداركني اللّه بلطفه فوقعت يدي على نقرة في الزير صغيرة فاعتمدت عليها بإصبعى ولم أزل أبذل جهدي حتى تخلصت وقد بلغت الروح التّراقى وأيقنت أنه يوم فراقي.
*** ومنها أنه اتفق يوما أن جعلت. جميع لباسى جديدا حتى العمامة والقبقاب وذهبت لبعض شأني، فلما كنت بالصنادقيين عند دكان الشرائحى واتفق أن ذبح أحد غلمان الجرائحى وزّة فانفجر من ودجيها عينا دم فصعدا كالسهم، فأصابا عمامتي ولوّثا ما دونها من لباسى حتى سير القبقاب وأخذت كلا منى ومن الذابح بهتة، فبقى كل منا على حاله: أنا واقف مكاني وهو ممسك برقبتها والدم فائر علىّ حتى امتلأت ثيابي، فرجعت لأغيّرها، فلما
стр. 200
كنت تجاة الصالحية عند دكان البطيخي دست على قشرة بطيخة فعلا من تحتها من ذلك الطين الخبيث الريح، والحمأة (٥٦١) الرقيقة التي تجتمع من عفونات القشور وغيرها بتراب من داخل، فأصاب سراويلى وبطني وباطن ثيابي حتى انتهى إلى ذقنى، فزاد غيظي واستمريت راجعا، فلما حاذيت مسجد الفجل إذا شخص أمامى على رأسه دست فخفت أن يزيدني سخاما فالتفت فإذا شخص ورائي ومعه حطب، فخفت أن يحرق بعض ثيابي ويضايق ما بينها، فتزايد وجلى وتحيّرت في أمرى فاضطربت رجلاى، فضربت فردة القبقات اليمنى والفردة اليسرى بزّ رجلي اليمنى، فأدمتاهما، وانتزت إحداهما بدرج حتى وقعت داخل كانون الطبّاخ، فتصايح الناس، فاتوا بها فأخرجوا القبقابة تلتهب نارا فدفعت إليهم الأخرى وذهبت، فأحضر لي بعض الناس قبقابا زحّافا فلبسته وتوصلت به إلى بيتي.
ولما فرغ من هذه الحكاية قال:
«ان كثيرا من الناس يظنّون أنى صنعتها لكثرة غرائبها»، ثم حلف بالله جهد يمينه أنها وقعت له برمّتها، وما اخترعها.
*** وأراه بعض أصحابه بيتين مواليا لا يعرف قائلهما فيهما التزامات كثيرة، وهي أنه إذا اخذ من كل قفل من الأقفال الأربعة شطرة اجتمع من ذلك بيتان (٥٦٢) من بحر المجتث، ثم يتهجى حروف بيتي المجتث فيكون بيتين مواليا، ومع ذلك فعدد أحرف كل بيت عشرة فقط، وادعى أن ذلك لا يقدر عليه أحد، وهما:
تقول سيبك منى يا شقيق البدر … تقول: خدعتنى بالخنا والغدر
وكان ظنّك إنّي يا جليل القدر … يكون ذلك منى عند ضيق الصدر
стр. 201
قال الشهاب: «فقدحت الفكرة فأدنوت بيتين في ذلك المجلس على هذا المنوال، وزدت في الالتزام الاشتقاق وهما:
بدى لعزّك ذلى، فارحم الإذلال … وعاد ودّك خلّى ما بدا إخلال
ورام ظلّك ظلى، فانتفى الاضلال … وكان حبّك على جيد الاغلال
ثم يقال:
بدا (٥٦٣) لعزّك ذلى وعادودك؟؟؟ … ورام ظلك ظلى، وكان حبك على
ثم يقال:
يا ذال ألف، لام، عين، زاي، كاف، وال، لام يا … واو، عين، ألف، واو، ذال، كاف، ما لام يا
واو. راء ألف، ميم طا، لام كاف ظا لام يا … فا، كاف، ألف، نون، حا، يا، كاف، عين لا، ويا
ونظم البحور الستة عشر وبعض الفنون من القرآن العزيز، وجعل لذلك خطبة سماها «قلائد النحور، من جواهر البحور».
٧١ - أحمد بن محمد بن علي بن درباس
، شهاب الدين بن علاء الدين.
ولد ...... (٥٦٤)
стр. 202
٧٢ - أحمد بن محمد بن علي بن علي بن معين بن سابق
، الفار سكورى الشافعي، شهاب الدين بن معين الدين بن الحاج على، المشهور بلقب والده.
ولد بعد سنة إحدى وثمانمائة تقريبا بفارسكور (٥٦٥) وقرأ بها القرآن، وحفظ «الملحة» و «الرجبية»، وسافر إلى القاهرة وإسكندرية، وتوفّى والده، وهو صغير فارتزق بعده بالحياكة، ثم هداه الله إلى الخير فتعلم الخطّ، وقرأ القرآن، ولازم الطّلب، وسأل من لقيه من الفضلاء عما يعينه فعرف من النحو ما يصلح به لسانه، ونظم الشعر.
وهو رجل فقير ديّن خيرّ، أثنى عليه أهل بلده كثيرا.
اجتمعت به يوم الجمعة الآتي (٥٦٦) في فارسكور من أعمال المرتاحية.
وأنشدني يوم الجمعة سابع عشر شعبان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة من لفظه لنفسه، وسمع ابن فهد وابن الإمام:
لا تلمني في سكرتى (٥٦٧) يا صاح … أنا مذ ذقت حبهم غير صاحى
مذ سقونى شراب أنس وقرب … غيبونى في الكون عن كلّ لاحى
مه عذولى، إليك عنّى فإنّى … طاب فيهم تهتّكى وافتضاحى
إنّ سكرى صحوى، وغيبى حضوري … وفسادى مدى الزمان صلاحى
أنعشونى بالقرب منهم فما لي … عن هواهم وحقهم من براح
تهت في الكون عن سواهم (٥٦٨) لرشدى … فهمو في الأنام روحي وراحى
وشقائى وصحتى ونعيمى … ودوائى وراحتى وارتياحى
أنجم الرشد والهدى لي لاحت … حيث شاءوا، فلاح ضوء فلاحى
مذ رأوني خلعت أثواب صبري … جلّلونى بحلة الأتراح
стр. 203
صح حبى لهم وأثبتّ صدقي … في البرايا، فجلّ عن ذكر ماحى
لا تلمني لائمى في مليح … فاق حسنا على جميع الملاح
أحمد المصطفى أجل البرايا … روح جسم الرشاد نفس النجاح
يا كثير الذنوب صلّى عليه … فبه تهتدى لسبل كل صلاح
٧٣ - أحمد (٥٦٩) بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد
بن عبد الدائم بن رشيد الدين بن خليفة بن مظفر، الشيخ شهاب الدين بن الشيخ شمس الدين المنصورة الشافعي المشهور بالهائم. ولد سنة ثمان وتسعين وسبعمائة بمدينة المنصورة (٥٧٠)، وحفظ وقرأ بها القرآن العظيم، وحفظ «التنبيه» و «ملحة الأعراب» ثم رحل في حدود سنة خمس وعشرين وثمانمائة إلى القاهرة، فبحث «التنبيه» على القاضي شرف الدين عيسى الأقفهسى الشافعي، و «الألفية» لابن مالك على الشيخ شمس الدين الجندي الحنفي، وبحث عليه أيضا كتابه في النحو: «الزبدة والقطرة» وقال لما فرغ من قراءته، أنشدني من لفظه يوم الجمعة رابع شوال سنة خمسين وثمانمائة.
ثناؤك شمس الدين قد فاح نشره … لأنك لم تبرح فتى طيب الأصل
أفاض علينا بحر علمك «قطرة» … بها زال عن ألبابنا ظمأ الجهل
وأخذ النحو أيضا عن شيخ الشيخونية الشيخ نور الدين [حسن] المقدسي الحنفي المعروف في القدس بابن نضرة ودخل دمشق صغيرا مع أبيه.
اجتمعت به في المنصورة لما دخلها سنة ثمان وثلاثين وكان يتعانى الأدب، وكان شخص من أهل المحلة هجاه ببيتين، ثانيهما:
стр. 204
لو كان ذا قصر يسامى به … لكنه لا قصر للهائم
فلما رجعت (٥٧١) إلى القاهرة طلبته، فأعيانى لقاؤه إلى أن كان يوم الجمعة المذكور فقدر لقاؤه ولقيته على حقيقته، فرأيته إنسانا مسكينا خفيف ذات اليد قد تحامل عليه الزمان، ورمته بسهام هوائها الأيام، وعنده فضيلة في النحو والأدب لكن ليس له إلمام بفن، فهو ينتقل من قافية إلى أخرى فنبهته على ذلك، فالبيتان أول هذه القصيدة الدالية قافيتهما متراكب، وقافية الثالث:
متدارك. ونظم كثيرا جمعه في ديوان كبير، ثم انتخبه في مجلد وسط.
أنشدنا هذه الدالية إجازة مشافهة:
يا رشا للنوم عيني شردا … قد كان عيشى بك عيشا رغدا
يا صادرا عن منهل الدمع لقد … شاهدت من طرفك حتفا وردى
طرف عن التكحيل مستغن فمن … رأى غنيا في الورى مجردا
شننت بالهجر على غارة … ولم تخف في قتل صب قودا
مذ كان صبري في الهوى يخذلني … لولا وجدت من دموعي مددا
عجبت من فعل الهوى بأهله … كيف يصيد الظبي فيه الأسدا
مذ لاح للعزّال حسن وجهه … كادوا يكونون عليه لبدا
أصبح سكرانا بخمر ريقه … أما تراه في الحشا معربدا
في خده الأحمر آس أخضر … يحرسه من شعره بأسودا
جفاك يا قلب وخان عهده … فاصبر وإلّا مت عليه كمدا
من لم يعدّ للجفا لياليا … بكى دما من بعده وعدّدا
ضل الكرى عن مقلتى لولا رأى … طرائق الدمع بخدى قددا
فحق لي إن زار جفنى نومه … أن أشكر الرحمن ثم أحمدا
سيدنا قاضى القضاة المرتضى … للدين والدنيا إماما مقتدى
سميدع قد طاب أصلا، وزكا … فرعا، ونال رفعة وسؤدا
فمن قديم هو أزكى عنصرا … وفي حديث هو أعلى سندا
أضحت به الأيام مستبشرة … وأصبح الشرع به مؤيدا
стр. 205
وهزت العلياء تيها عطفها … لما ترقى من ذراها مقعدا
حديقة الفضل به قد أينعت … وأنعشت من راحتيه بالندى
لا بلغت حساده منا همو … وكل كبش منهم له فدا
هم شياطين فمن تمرد منهمو … يجد له شهابا رصدا
قد خبثوا ذاتا ومعنى والذي … يخبث لا يخرج إلا نكدا
يا من غدا يقيسه بغيره … ويحك لا تعث في الأرض مفسدا
هل تجعل الناقة كالبراق أو … هل صالحا (٥٧٢) في المجد مثل أحمدا
ودع فاعلا قد كان مفعولا به … وأفعل التفضيل صله أبدا
وأن يضارعه امرء في فضله … له المضارع اجعلن مسندا
لا ترج الا من تسامى قدره … ولازم الصدر وكن (٥٧٣) لي منجدا
رفيع قدر لا يزال قدره … على الذي في رفعه قد عهدا
من زاره يخلد في إنعامه … فرده خالدا وقبّل اليدا
نواله قبل السؤال واصل … فلا ترى لسائليه موعدا
فسل ما شئت من جود ومن … علم ترى بحرا خضما مزبدا
لم يحل عقد مجلس إن لم يكن … يوما يشهد فضله منعقدا
أشجع من في حرب بحث ينتضى … للخصم من لسانه مهندا
مهذب بدر عقد نظمه … جيد الزمان قد غدا مقلدا
لوقيس بيت من بديع شعره … بكل ديوان لكان مفردا
يطرب ألباب الجفاة لفظه … كأنما تسمع منه معبدا
ما للمعالى من علاه مصدر … يوما، ولا اختارت سواه موردا
فلفظه العسجد في علوه … لو أنّ لفظا يستحيل عسجدا
يا سيدا بفضله وببذله … صيّر أحرار البرايا أعبدا
العبد قد أهدى إليك مدحة … وربما يهدى إلى البحر الندى
تصغر عن قدرك الا أنها … رضا لأحباب، وغيظ لعدا
أبت رجلا إلا عليك بكرها … إذ لم تجد غيرك كفوا أحدا
لا زلت ترقى رتب المجد الذي … إذا تدانى كاد يعلو الفرقدا
ولا برحت للأيام ملجأ … ومنجى، وللعفاة مقصدا
стр. 206
وأنشدنا الشهاب الهائم لنفسه يوم الجمعة رابع شوال سنة خمسين وثمانمائة بمنزله قرب مدرسة شيخون بالقاهرة:
عجبت لقلبى كيف أمسى يخوننى … ويصبو إلى من بالصدود يروعه
إلام يطيع القلب من لا يطيعه … ويحفظ من أحبابه من يضيعه
إلا أيها القلب الذي طال شوقه … وعز تسلّيه وزاد ولوعه
أمالك في صدري محل؟ أما انحنت … عليك من الصب الكئيب ضلوعه
فحسبك ميل نحو من ألف النوى … وشطت به أطلاله وربوعه
حبيب: ولكن الأعادى دونه … مليح: ولكن ساء منه صنيعه
غزال: ولكن قلّ منه التفاته … هلال: ولكن عز منه طلوعه
سأدعوا الهى سائلا حسن لطفه … لعل دعائي أن يجيب سميعه
ويصبح قلبي والسلو خليله … ويمسى لحظّى والمنام ضجيعه
*** قال، وأنشدناه في اليوم المذكور بمنزله:
تناثر الزهر إذ مد النسيم به … فصرت أمشى على ما تنبت الشجر
ثم انحنيت على خود أقبلها … كأنّنى قوس رام وهي لي وتر
ضمّن فيه قول القائل:
قد كنت أمشى على ثنتين معتدلا … فصرت أمشى قليلا قليلا وهي تسعدن
كأنني قوس رام وهي لي وتر
وقال يرثى صباه ويمدح النبي ﷺ .
*** وأنشدنا في الزمان والمكان، وأعجبني مخلصها جدا:
مضى ما حلا من شبابي ومر … وأقمر بالشيب ليل الشعر
ومذ عسكر الشيب في لمّتى … تقهقر جيش الصبا وانكسر
وكان الشباب كحب دنا … وزار، ولكن كلمح البصر
نعمت به برهة وانقضى … سريعا، فكان كشيء ندر
أظن لسرعة مر (٥٧٤) الصبا … مشيبى لليل شبابي سحر
стр. 207
وما الشّيب عار ولكنه … نذير، وفيه لنا مزدجر
وبالجملة الشيب نور به … يلوح الوقار ويبدو الخفر
ومنه محيّاى في روضة … تبسّم فيها ثغور الزهر
ولم لا يتم سروري به … وقد شبت في دين خير البشر
محمد السيد المصطفى … شفيع العصاة غدا لمن كفر
لقد سر قوم به آمنوا … فعزوا، وذل به من كفر
فوا حربا من قلوب قست … وقد لان من أخمصيه الحجر
ومن مهج فاتها ريها … وقد فاض من إصبعيه نهر
نبي ترقى لأعلى العلا … وقد فاز من ربه بالنظر
دنا فتدلى (٥٧٥) لمحبوبه … وفي قاب قوسين كان المقر
فما كذب القلب ما قد رأى … وما زاغ منه هناك البصر (٥٧٦)
وجبريل كان له خادما … مطيعا له إن نهى أو أمر
رأى قمر التم (٥٧٧) أنواره … (فجاء) (٥٧٨) فخار وشق القمر
وشاهد غصن النقا خده … فجاءت من الشوق تسعى الشجر
ويكفيك من فضله أنه … لزجر الجحيم غدا ينتظر
أيا ربّ: شيطان ذنبي طغى … وأعوزنى منه أخذ الحذر
وأنت القدير على دفعه … بحولك يا من علا فاقتدر
فأنت العياذ، وأنت الملاذ … وأنت الغياث وأنت الوزر
وإنّي وإن عظمت زلتي … لا رجوك يا خير مولى غفر
فصل وسلم على المصطفى … وأصحابه الواضحين الغرر
دوام الدهور، وملأ السماء … وعدّ الرمال، وقطر المطر
***
стр. 208
وقال أيضا يمدحه، وأنشدناه في الزمان والمكان:
تهلل وجه الأرض بعد تعبس … وحاكت له الأنداء حلّة سندس
فظلت تبدى خدود شقائق … وترمقنا شذرا بأحداق نرجس
كأن الغصون المائسات عرائس … تثنين عجبا في ملابس أطلس
كأن بها (٥٧٩) الحوراء حولاء غدت (٥٨٠) … تشمر عن ساق لدى الخوض أملس
كأن زهى (٥٨١) الأقحوان مباسم … تبسم في وجه السحاب المعبس
كأن صفاء الماء والظلّ فوقه … نهار تغشته أوائل حندس
كأن دوىّ الريح بين غصونه … نداء محب أو حديث موسوس
كأن سقيط (٥٨٢) الطل في الورد وجنة … يقابلها ذو لوعة بتنفس
كأن جنوح الشمس للغرب غادة … تودعنا في توب خزّ (٥٨٣) مورس
كأن السحاب الجون ساق مطاوع … يطوف على شرب الرياض بأكوس
كأن هدير الطير والدوح حوله … تصايح حراس بركب معرس
كأن أريج الزهر فوغة تربة … تفدى بآباء (٥٨٤) كرام وأنفس
وصرح حوى فضلا ومجداه وسؤدرا … بأكرم مخلوق وأزكى وأنفس
نبي سما والليل داج إلى السما … وفاز من الباري بأقرب مجلس
وناداه أنت الآن يا أفضل الورى … بحضرة قدس أو بواد مقدس
قرنت (٥٨٥) اسمك الميمون ياسمى تكرما … آتيتك بالقرآن أعظم مؤنس
وحسبك من فضل بأنّى جاعل … شفاعتك العظمى ذخيرة من يسى
وخصصه بالكوثر العذب فألهنا … بخير أناس قد سقوا خير أكؤس
стр. 209
نبي بإكليل الجمال متوج … ومن حلل التشريف والمجد مكتس
ودوحة فخر قد تفيأ ظلها … وطاب الشذا منها بأطيب مغرس
وكم لرسول الله معجزة سمت … سمو جوار في السموات (٥٨٦) كنس
كإبصار أعمى واستقامة أعوج … وإحياء أموات، وإنطاق أخرس
إلهي بجاه المصطفى أصلح قلوبنا … بفضلك وا كلأنا بعينك واحرس
وسامح، وجد، واغفر لعبدك كل ما … تذكر من ذنب جناه وما نسي
فاسمك بر، فيه إرشاد حيرتى … وعفوك بحر منه طهر تدنسى
فلا رب إلا أنت يدعى فنجنى … من الغم يا مولاي إنجاد يونس
وصلّى على الداعي إليك وآله … ليوث الوغى، من كل أروع أشوس
وأصحابه ما سحّ وبل بروضة … فماست من الأزهار في خير ملبس
٧٤ - أحمد (٥٨٧) بن محمد بن علي
، القاضي الإمام العلامة نادرة الزمان، شهاب الدين بن تقى المالكي، الشهير بوالده وبابن أخت بهرام، الدميري ولد سنة خمس وثمانين، وسبعمائة تقريبا بمدينة فوة (٥٨٨) ثم انتقل به والده إلى القاهرة، فقرأ بها القرآن على الشيخ شهاب الدين القرافى والد صاحبنا الشيخ شمس الدين سبط ابن أبي حمزة، ثم أقبل على التفهم فحفظ على خاله الشيخ تاج الدين بهرام وشمس الدين بن مكين والشيخ عبد الحميد الطرابلسي المغربي، و [حفظ] النحو على الشيخ الغماري والأصلين على القاضي شمس الدين البساطى، وسمع على العلاء بن المجد والبرهان الشامي والزين العراقي وغيرهم.
وحج مرارا، وسافر إلى بلاد الشام وحلب (٥٨٩) فما دونها، وقرأ بحلب على الشيخ سعد الدين الهمداني «شرح الطوالع في أصول الدين» للبهنسى وكانت
стр. 210
قراءته قراءة بحث وحل، [وقرأ] «عروض ابن الحاجب» للإسنوى على [محمود] الأنطاكي، وناب في القضاء في حدود سنة (٥٩٠) اثنتين وثمانمائة عن قاضى القضاة ولى الدين ابن خلدون، واستمر إلى آخر وقت حتى صار أعرف الناس بصناعة القضاء أمهرهم في الشروط، و [عن] علامة المالكية بعد قاضيهم البساطى وحافظ مذهبهم وناشر علومهم وناصر مقالاتهم مع ما يحفظه من اختلاف الأئمة وتفوّق في باقي علوم الأمة حتى إنه كان عين (٥٩١) مجالس العلم ولسان خطبها وفارس (٥٩٢) حلبتها.
مناظراته موصوفة، ومحاوراته بين العلماء معروفة، قلّ أن يقوم له في مجلس النظر قائم، وهو من أوعية العلم قلّ أن رأيت في زمانه مثله: فصاحة وعلما ودهاء وحذقا يحفظ كثيرا من التاريخ والشعر والنوادر. وهو حلو النادرة، فكه المحاضرة، سريع الجواب، بليغ القول، جيد الاستحضار لما يرومه، وله شعر سألته أن ينشدنى منه فقال:
فإن لم يكن درا (٥٩٣) فتلك نقيصة … وإن كان درا كيف يهدى إلى البحر
أخبرني الشيخ شمس الدين القرافى أن والده قال له «إن ابني تقى الدين حفظ «العمدة» في ستة أيام ابتدأها يوم السبت فعرضها يوم الخميس»، وأنه كان لا يسمعه يدرس شيئا إنما يكتب اللوح ثم يتأمله ويعرضه.
وأنه حفظ «الموطأ» وعرضه على خاله بهرام فسمعه عليه كاملا، وقابله معه بنسخة عنده صحيحة، وكان فيها حديث مطول ساقط من النسخة التي حفظ منها، فقال له: «لا بد من حفظك هذا الحديث حتى أكتب لك بالعرض» فقال: «اقرأه على» فقرأه عليه فأعاده عليه حفظا، إلى غير ذلك من أمور الحفظ
стр. 211
التي هي خارقة للعادة غالبا. هذا مع ماشا هدناه منه من الفهم الثاقب الصائب، وسرعة التصور وترويج ما يقول، والانتقال بخصمه من بحث إلى آخر بحيث لا يشعر إلى أن يخرجه عن المقصود.
وكان ﵀ عالي (٥٩٤)، الهمّة (٥٩٥)، متكلما في شهادته ثم في أحكامه، مع معرفة تامة في صنعة الشهود بحيث إنه إذا أراد أن ينقض حكما عرف من أن يفتح له بابا. مات يوم الأربعاء ثاني عشر صفر سنة اثنتين (٥٩٦) وأربعين وثمانمائة بالقاهرة.
٧٥ - أحمد بن محمد بن علي القطان
، الشهير بحلال-ضد الحرام-البعلى، نزيل مدرسة أبى عمر، الشيخ المعمر شهاب الدين.
ولد ...... (٥٩٧)
٧٦ - أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن هاشم
بن محمد بن عبد الله الصنهاجى (٥٩٨) (نسبة إلى قبيلة بالغرب قيل إنها حميرية)، السكندرى المولد والمنشأ، الحسيني (٥٩٩) الدار الشيخ الإمام العالم شهاب الدين الشهير بأبى هاشم المالكي.
стр. 212
ولد يوم الجمعة ثالث عشر رجب سنة ثمانين وسبعمائة بثغر الإسكندرية، وحفظ بها القرآن وصلّى به، وحفظ «العمدة» و «الرسالة» لابن أبي زيد وغالب «مختصر ابن الحاجب الفرعى» وجميع «مفتاح الغوامض في أصول الفرائض» للمنصورى وألفية ابن مالك» وعرضهم على قريبه وهو ابن خالد جد الشيخ العلامة شهاب الدين أحمد بن محمد مخلوف الشريف الحسيني السكندرى المالكي وأجاز له ما يرويه، وكان ابن مخلوف هذا قرأ على ابن الفاكهانى شرح «العمدة» وغيرها وأجازه بالفتوى والتدريس وأجاز له الرواية، وبحث عليه ابن هاشم «مختصر (٦٠٠) ابن الحاجب الفرعى»، وأخذ الفقه والنحو على الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الأنصاري المسلاتى المالكي وانتفع به جدا.
وأخذ النحو عن الشيخ جمال الدين القرافى النحوي بحسينية القاهرة، وقرأ القراءات السبع على الشيخ عبد الرحيم (٦٠١) بن الخطيب التونسي و [قرأ]، على الشيخ نور الدين علي بن محمد المرخم اللخمي السكندرى، ثم رحل إلى القاهرة عازما على الحج سنة ست وتسعين فقرأ على العلامة فخر الدين البلبيسى إمام جامع الأزهر ربع حزب جمعا للسبعة، ثم حج ثم رجع إلى بلده، ثم توطن القاهرة سنة تسع وثمانمائة إلى أن لقى العلامة شيخنا أبا الخير محمد ابن الجزري سنة تسع وعشرين وثمانمائة فقرأ عليه الفاتحة وإلى (٦٠٢) «المفلحون» من البقرة بالسبع من طريق الشاطبية والتيسير، وطلب منه الإجازة نظما.
وكان ابن هاشم يتردد إلى الإسكندرية في كل سنة.
وطلب الحديث على كبر جدا سنة تسع وعشرين (٦٠٣) فما بعدها فسمع على ابن خير ما يأتي، وسمع على أحمد بن أبي بكر الواسطي المسلسل بالأولية، وعلى الشيخ زين الدين عبد الرحمن الزركشي مسلما، ولازم شيخنا علامة الدنيا قاضى القضاة شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر الكناني العسقلاني.
стр. 213
لقيت الشيخ شهاب الدين يوم الاثنين تاسع عشر شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة بمدرسة ابن بصاصة في ثغر إسكندرية فرأيت إنسانا وقورا عليه سكينة وعنده فضل جيد وتقليب كبير لحقائق ما يرد عليه من المسائل وسلامه فطرة جدا ودين، وهو حسن التأدية بالقرآن. وعنى بنظم الشعر فنظم [نظما] متوسطا.
سمع المجلس الأخير من موطأ يحيى بن يحيى وأوله «تشميت العاطس» إلى آخر الكتاب على الشيخين أقضى القضاة الكمال عبد الله بن محمد بن خير المالكي وأبى الطيب محمد بن أحمد بن علوان التونس الشهير بالمصرى بإجازة الأول من أبى عبد الله محمد بن جابر الوادي آشى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة بقراءته على أبى محمد عبد الله بن هارون الطائي بروايته ما بين قراءة وسماع عن القاضي أبى القاسم أحمد بن يزيد بن تقى بقراءته (٦٠٤) أبى عبد الله محمد بن عبد الحق الخزرجي بسماعه على أبى عبد الله محمد بن فرج مولى ابن الصلاح بسماعه على يونس بن عبد الله بن محمد بن المحب المعروف بابن الصفار بسماعه على أبى عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى ابن عم أبيه عبيد الله بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى عن مالك خلا الأبواب الثلاثة من كتاب الاعتكاف «التي شك فيها يحيى». رواها عن زياد بن عبد الرحمن وهو خروج المعتكف إلى العيد، وباب قضاء الاعتكاف وباب النكاح في الاعتكاف، يراد به الثاني سماعا للبعض إجازة للباقي عن الإمام أبى القاسم أحمد بن أحمد الغبرينى (٦٠٥) البجائى الأصل، التونسي بروايته غالبا عن الشيخ أبى عبد الله محمد بن صالح الكتاني عن الشيخ القاضي أبى الحسن على عبد الله بن محمد الأنصاري عرف بابن قطران الحافظ أبى عبد الله محمد بن سعيد بن رزقون الأنصاري عن أبي عبد الله أحمد بن محمد الخولاني عن أبي عمرو عثمان بن أحمد بن محمد اللخمي
стр. 214
عن أبيه عيسى وجميع المجلس الأخير من رسالة ابن أبي (٦٠٦) زيد، وأوله باب في القطرة والختان إلى آخر الكتاب برواية الأول عن الوادي آشى عن الإمام أبى محمد عبد الله بن هارون الطائي عن الإمام أبى القاسم بن الطيلسان إجازة عن القاضي أبى محمد عبد الحق بن محمد بن عبد الحق عن أبي عبد الله محمد بن فرج بن الطلاع عن أبي محمد بن مكي عن مؤلفها، وبعرض الثاني لها على الشيخ الإمام أبى القاسم أحمد بن أحمد الغبرينى البجائى المذكور.
قال أنا الإمام أبو عبد الله محمد بن صالح بن أحمد الكناني المذكور عن الفقيه القاضي أبى بكر محمد بن محمد بن أحمد الأزهري ابن محرز عن أبي عبيد الله عن ابن الصفار عن أبي عمر بن الحدا عن أبي القاسم الحضرمي اللبيدى عن المؤلف، وبإجازة الثاني أيضا [وهو أبو الطيب] له من الإمام الرواية أبى عبد الله محمد بن أحمد البطرنى عن والده عن أبي الوليد إسماعيل بن يحيى الأزدي الغرناطي مكاتبة عن أبي بكر عبد الله بن علي بن طلحة المحاربي عن أبي محمد بن عناب عن أبي محمد بن مكي عن المؤلف أبى محمد بن عبد الله بن أبي زيد، ﵀، صح ذلك كله بقراءة الإمام العالم المحدث المفيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن البرشكي التونسي في يوم الخميس ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانمائة بثغر إسكندرية وأجازوا ومن خط القارئ نقلت، صحح المسمعان.
وسمع ابن هاشم على شيخنا العلامة الشمس أبى الخير محمد بن محمد بن محمد الجزري من مسند إمامنا الشافعي من قوله: انا مالك عن نافع عن ابن عمر أن تلبية رسول الله ﷺ لبيك اللهم لبيك الحديث إلى قوله: ومن أحكام القرآن، ومن قوله: كتاب الحدود إلى آخر الكتاب بقراءة الجزري على الجمال محمد بن الحسن بن قاضى الزبدانى بدمشق، انا أم محمد ست الوزراء وزيرة بنت عمر بن أسعد المنجى التنوخية سماعا، أنا أبو عبد الله الحسين بن المبارك الزبيدي سماعا انا الإمام أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر
стр. 215
المقدسي سماعا، نا منصور بن علان الكرخي سماعا قال الجزري. وأخبرني بما فيه من المشيخة البخارية أعلى من هذه بدرجة المشايخ الثلاثة: الصلاح محمد بن أحمد بن إبراهيم بن قدامة المقدسي بن أبي عمر، وأبو حفص عمر بن حسن بن مزيد بن أميلة المراغي الحلبي ثم المزي، والشيخة الصالحة أم محمد زينب بنت القاسم بن عبد الحميد العجمية سماعا عليهم مفترقين وساقته إجازة، وقالوا: نا الفخر علي بن أحمد بن عبد الوحد بن البخاري المقدس سماعا لذلك، إجازة لنا منه، نا القاضي أبو المكارم أحمد بن محمد بن محمد بن اللبان الصبهانى في كتابه، نا أبو بكر عبد الغفار بن محمد بن الحسين قالا أنبأنا القاضي أبو بكر بن أحمد بن الحسن الحرسى سماعا نا أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف الإمام أنبأنا الربيع بن سليمان المرادي أنبأنا الشافعي والمسلسل بالمحمدين قال ابن الجزري أخبرني الإمام العلامة الخطيب البليغ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق التلمساني المالكي محمد بن محمد بن الحصين التلمساني.
أنبأنا محمد بن يوسف البرزالى أنبأنا محمد بن أبي الحسن الصوفي، أنبأنا محمد بن عبد الله بن محمود الطائي، أنبأنا محمد بن عبد الواحد الدقاق، أنبأنا محمد بن علي الكرانى المعروف بالشرابى، أنبأنا محمد ابن إسحاق بن منده الحافظ الأصبهاني (٦٠٧) أنا أبو محمد بن سعد البادرينى، انا محمد بن عبد الله الحضرمي أنبأنا محمد بن عبد الله بن المثنى، أنبأنا محمد بن بشر أنبأنا محمد بن عمرو بن عبيد الأنصاري، أنبأنا محمد بن سيرين أنبأنا محمد بن محمد بن عبد الله بن جحش (٦٠٨) المدني، أنبأنا المدني، أحد الصحابة على الصحيح عن محمد رسول الله ﷺ أنه مرّ في السوق برجل مكشوفة فخذه فقال رسول الله ﷺ «غط فخدك فإنها عورة».