وأخذ الفقه عن السراج البلقيني والشيخ شمس الدين العراقي والبدر الطنبدى وغيرهم.
[وأخذ] الفرائض عن الجماعة (٦٩١) والشهاب العاملي، والنحو عن الشيخ شهاب الدين العبادي.
ونظم أرجوزة في الفرائض سماها «المربعة» لكونها حوت أربعة أقسام:
الحساب والفرائض والوصايا والجبر والمقابلة، عدتها ثلاثمائة وثلاث عشر بيتا على عدد (٦٩٢) الأنبياء والمرسلين، وقرظها له جماعة، منهم: ابن الهائم وابن خلدون وشيخنا الشمس الجزري وغيرهم، وأثنوا عليه وعليها، وذلك في سنة تسع وتسعين، وشرحها في مجلدة.
وشرع في تصنيف بديع في الفقه سماه «الطراز المذهب لأحكام المذهب» وصل فيه إلى الإقرار، ثم أكمله بعد ذلك.
وناب في القضاء للجلال البلقيني سنة أربع وثمانمائة، وكذا لمن بعده، وصح قريب بلوغه.
وسمع السراج البلقيني والصلاح الزفتاوى والزين العراقي وغيرهم، وهو من أعيان نواب الشافعية بالقاهرة أو عينهم علما (٦٩٣)، غير أن قلمه في التصنيف أحسن من لسانه، يخطئ كثيرا في البحث وينتقل ذهنه من مسألة إلى أخرى، ويجازف في النقل، لا يتوقف أن ينسب إلى مذهب الشافعي مهما خطر في ذهنه بل وإلى نص الشافعي.
стр. 247
ادعى بحضوري أن القاضي [قال] له أن يسقط جميع التعاذير، فسأله بعض المالكية: أيقول هذا نقلا أم بحثا؟، فقال: بل نقلا، فقال: ندع التعاذير في حقوق الله ونسأل عن حقوق الآدميين، كيف يسوغ أن يطالب الآدمي بحقه فيسقطه القاضي؟، فقال نعم، يسقطه القاضي، فقال [المالكي] له: وما وجهه؟، فقال: «أتريدون أن تبطلوا مذهب الشافعي؟ «فخافوا من حدوث فتنة فتركوه، فطالبته أنا بوجه (٦٩٤) ذلك فقال: «هكذا قال الأصحاب».
فقلت: «الأصحاب لا يقولون شيئا إلا بعد تعقل معناه، فما مستندهم في هذا؟، فقال: «القاضي قائم مقام الشرع»، فضحك الحاضرون من هذا القول المهمل.
*** وادعى في ذلك المجلس أيضا أن الجار له أن يمنع جاره من التصرف في ملكه بما ينقص نوره أو يسد عليه الهواء أو يدخن عليه، ونحو ذلك، فرددت عليه، وأحضرت له المنهاج قرئ عليه، وأنّ الأصح أن له أن يتخذ دكانه في سوق البزازين وكان حدادا، فلم يرجع.
وله في مثل ذلك أمور كثيرة لا يتوقف على القضاء بها وهو يتكلم فيها من جهة القضاء وغيره، فاللّه تعالى يوفقنا وإياه إلى ما يرضيه، أو يعجل له قضاء الموت ليستريح الناس منه. آمين.
وورد على قاضى القضاة شيخ الإسلام أبى الفضل شهاب الدين أحمد بن حجر الكناني العسقلاني الشافعي سؤال منظوم، معناه أن ورثة اقتسموا مال مورثهم قبل وفاء دينه وفيهم عاصب طالبه صاحب الدين فقال: «لا أعطى إلا ما يخصني»، وكانوا عالمين بالدين فأجاب ببيت واحد جمع فيه المقاصد وهو:
لصاحب الدّين أخذ الدّين أجمعه … من عاصب حاز قدر الدّين في طلق
стр. 248
فسئل الشيخ شهاب الدين السيرجى تبيين معنى هذا البيت فقال:
وأنشدنيه يوم الخميس رابع شهر رجب سنة ٨٤٦، أمام خلوته بالصالحية:
لصاحب الدّين أخذ الدين أجمعه … من عاصب حاز قدر الدين في طلق
وقسمة الإرث قبل الدّين باطلة … وبعد أن علموا: ضرب من الحمق
وما احتوى العاصب المذكور مرتهن … بالدّين، فهو به في ربقة العلق
هذا بيان جواب الحبر سيدنا … قاضى القضاة المفدّى عالم الفرق
فخذ جوابا لنجل السّيرجى فقد … جاء الجواب بالاستفتا على نسق
ثم الصلاة على المختار من مضر … خير البرية في خلق وفي خلق
قال: «ثم قرأت ذلك على قاضى القضاة المشار إليه فأسدى إلىّ معروفا، ودفع عنى مكروها» فقلت شكرا لذلك، وأنشدناه كذلك، وسمع صهرى:
بالله قل لإمام العصر سيدنا … قاضى القضاة المفدّى عالم الفرق
يا حافظ العصر حتى لا نظير له … يا نخبة الدهر ممن قد مضى وبقي
يا جامعا من فنون الفضل أزهرها … ويا خطيبا إلى المجد المنيف رقى
جمعت مفترقات الحسن فانعطفت … عليك طرا، وهذا العطف بالنسق
لقد حرست سماء العلم فانحفظت … يا ثاقب الفهم يردى كلّ مسترق
وقد روينا أحاديث الشهاب بأس … ناد إلى جودك: المأثور من طرق
إن كنت في الناس معزوا إلى حجر … فإنه الإثمد الموصوف للحدق
بل المكرّم، بل جاءت مدائحنا … للاستلام تجدّ السير في عبق
قلدتنا مثل أطواق الحمام من … الأنعام فضلا فصرنا وهي في نسق
فالورق تصدح بالأشجار في ورق … ونحن نمدح بالأسحار في ورق
فأسأل اللّه (٦٩٥) يجرى سحب أنعمه … من فضله عذقا عن فضلك العذق
ثم الصلاة على خير الورى وعلى … أصحابه وذويه: أنجم الغسق
***
стр. 249
وقال في منظومته في الفرائض في العمل بالخطأ:
بخطإ تعمل في المسائل … وذلك أن تضرب وقف السائل
في مالك الذي إذا أخذته … وأقم على ما أولا وصلته (٦٩٦)
وقال في شرحه لذلك يمكن أن يستخرج السائل بخط واحد وذلك بأن يأخذ مالا ويعمل به ما قال السائل، فإن صح فذاك، والا تضرب المال الذي أخذته فيما وقف عليه السائل بعد العمل، ويقسم الحاصل علي ما بلغ عملك، فالخارج يكون مطلوبا، مثاله مال زيد عليه نصفه وثلثه ثم نقص عنه نصفه يبقى عشره، فيعرض المال اثنى عشر فيكون بعد الزيادة اثنين وعشرين، وبعد نقصان النصف أحد عشر فتضرب اثنى عشر فيما وقف السائل، وهو عشرة تبلغ مائة وعشرين تقسمها على أحد عشر يخرج عشرة وعشرة أجزاء من أحد عشر جزءا من واحد وهو المال المطلوب.
٩٦ - آمنة بنت نصر الله بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح
بن هاشم بن إسماعيل بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد عمّة صاحبنا العلامة عزّ الدين أحمد المقدم.
ولدت سنة سبعين وسبعمائة (٦٩٧).
стр. 250
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يصدر هذا الجزء من «عنوان الزمان» بعد غيبة فرضتها ظروف خاصة لا أطيل الحديث عنها. ولكن حسبي أن يتابع المخطوط صدوره بعد أن كلّ مداه.
وأرجو أن يكون هناك من التعاون الصادق ما ييسر خروج «عنوان الزمان» بأجزائه المختلفة في تتابع لا عوج فيه.
وآمل أن ينجز هذا المعجم الضخم الذي يطبع لأول مرة في مدى قصير مصححا محققا بما يرضى العالم ويعاون الباحث على العثور على مبتغاه.
والشكر بعد الله لمن عاون في هذا العمل.
حسن حبشي ١/ ٢٠٠٤/٣
стр. 251
٩٦ - آمنة بنت نصر الله بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح
بن هاشم بن إسماعيل بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد، عمّة صاحبنا العلامة عزّ الدين أحمد المقدم.
ولدت سنة سبعين وسبعمائة (١).
٩٧ - إبراهيم بن أحمد بن أحمد الميلق
(٢) بن محمد بن عبد الواحد بن قاسم بن كليل بن عبد الحق بن طاهر بن حسن بن حسين بن جرير بن عبد اللّه بن النعمان بن المنذر بن ماء السماء اللخمي الحسيني، برهان الدين الشافعي الشاذلي القاضي بجامع ألماس (٣) قرب الصليبة من القاهرة وخطيبه وابن خطيبه. ويعرف ببرهان الدين بن بدر الدين بن الميلق.
ولد في شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة بالقاهرة. وأخبرني [أن] «ابن الميلق» لقب جده، وأن «كليل» بالتصغير، وأن «الحسيني» نسبة إلى حسين [الإمام] وأظنه ابن جرير المذكور في نسبه، وجرير بفتح الجيم. وأخبرني أنه تلا برواية أبى عمرو على الفخر الضرير بجامع ابن طولون وكان يدرس القرآن به، وأن الضرير أخذ عن الشيخ شهاب الدين ابن الميلق، وهو أخذ عن المكين الأسمر شيخ إسكندرية، وأنه سمع دروس الفقه على السّراجين البلقيني وابن الملقّن، والشيخ شمس الدين القليوبى والنور الآدمي. وحضر في النحو على الشمس الأبوصيرى، والنور الآدمي؛ وحجّ مرارا أولاها سنة تسع وثمانمائة.
وأخبرني أنه سمع على البرهان الشامي وغيره، ولا يوثق بقوله وناب في (٤) القضاء.
стр. 252
[و] سمع من «صحيح البخاري» من قوله: باب ما يكره من النياحة على الميت، إلى قوله: باب الرمل في الحج والعمرة، على الأشياخ: الصلاح محمد بن محمد بن علي الجيزى الأصل الزفتاوى، والجمال عبد الله بن عمر بن علي الحلاوى، والشهاب أحمد بن محمد بن حسن السويداوى بسماع الزفتاوى لجميعه، خلا من باب كفران العشير في كتاب النكاح إلى باب غيرة النساء ووجدهن فيه. أيضا على العباس أحمد بن أبي طالب الحجازي، ووزيرة بنت عمر بن أسعد بن المنجى، قالا: أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى الزبيدي، أنبأنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب الشحرى. وسيرته في القضاء مذمومة جدا لا سيما بعد سلطنة الظاهر جقمق، فإنه كان يصحبه في حال إمرته فصار أحد جلسائه. ولما عزل السلطان ابن النقاش من خطابة الجامع الطولوني وطلب خطيبا لم يجد سواه، [وذلك] لخوف الناس عاقبة القضية، ثم أقدم هذا وباشرها وطاش لذلك حتى كاد يطير، وأظهر أمرا لا يليق بنوّاب القضاء، وأقبل (٥) على عمل ما يريده صغرا وكبرا من غير عرض على شيخنا قاضى القضاة، فعزله، فولّاه السلطان. فلم يجد شيخنا بدا من ولايته لئلا يخرج عما في يده.
فبلغه يوما أنه غضب على شخص فضربه بالدبوس (٦)، فقال هذا قاض بالدبّوس، وعنده لآمة ودهاء واستماتة؛ يظهر الخشوع حسب طرائق الصوفية، كلماتهم من قلب أنجس من قلوب الذئاب، حتّى لقد غطى بخبثه على السلطان مساويء أخلاقه، وأثبت بالتدريج في قلبه ضده، فعسر قلع ذلك من ذهنه فمدّ إلى المتحاكمين إليه غوائل مكره، ونصب لهم حبائل جوره وغدره، وعنده جهل مفرط وتهوّر زائد في الأحكام، وإقدام بالغ وجاهلية قديمة فاشتدّ أذاه وعظم الخطب بوجوده، وتناقل الناس عنه في ذلك وغيره عظائم يبلغ القدر المشترك منها حدّ التواتر، أنزه كتابي (٧) عن شبهها، وأغار على هذا الدين من نسبة شئ منها إلى من (٨) يظهر التنسك به. وبالجملة فهو من خبائث الزمان، لا جعل الله في المسلمين مثله.
стр. 253
ولقد اختلف فيما يغلب على ظنّى هذا النسب، وقلت له حال إملائه علىّ: «غير ممكن عادة أن يوصل إلى العرب بمثل هذا العدد» «فراجع ما نقلته عنه فلعله سقط منه شئ» فلم يصنع شيئا فيما ظننته.
٩٨ - إبراهيم (٩) بن أحمد بن علي بن عمر
، الشيخ الأديب برهان الدين بن شهاب الدين، العسقلاني الأصل الكناني المليجى الشافعي، العدل بجوار جامع الأقمر من القاهرة. ولد (١٠) بعد سنة ثمانين وسبعمائة بمليج (١١) وقرأ بها القرآن، وحفظ «المنهاج».
ثم انتقل إلى القاهرة فجلس بحانوت في جامع الأقمر للشهادة، واستمر.
وحجّ سنة خمس وثلاثين وثمانمائة في رجب، وجاور بقية السنة وقرأ بها البخاري على الشيبى. وسمع بالقاهرة على الزين القمنى، وبحث في فقه الشافعية على قاضى القضاة بدر الدين بن أبي البقاء، وذلك أنه كان يقرئ أولاده.
ودخل إسكندرية ودمياط متفرّجا، وناب في بعض البلاد للقاضي علم الدين صالح وابن حجر. وعنده بعض اهتمام (١٢) بالنحو، وربّما تكلّموا في شهادته.
أنشدني جميع ما هنا من نظمه، في أواخر جمادى الآخرة سنة ٨٤١ بحارة برجوان (١٣) من القاهرة، قال إنه أنشأها (١٤) بديهة على باب السلام من مكة المشرفة:
مولاي فضلك قد وفى بي مكة … وأنا المقصّر والضعيف الجاني
وعن الذّنوب العفو منك رجوته … بجميل ظن فيك قد ألجانى
стр. 254
وافيت بيتك للقرى مترجّيا … أبكى على ذنبي بدمعى القانى
لولا قصدت العفو عنى لم يكن … عزمي على باب الوفا ألقانى
أقضى به خير المناسك في حمى … حرم يهيج بالرجا أقرانى
فلى الهناء بمنزل رحب الذّرى … قد صار يغبطني به أقرانى
شكرا لربّ البيت في إنعامه … أملى حياتي ثمّ في أكفانى
فكفى بما أسدى إلىّ تكرما … وبفضله عن غيره أكفانى
وقال وهو بمكة المشرفة:
أتيتك يا مولاي بالذّنب أرتجى … له العفو لما ضاق صدري به ذرعا
فإن نلت ما (١٥) أرجو فعادتك الوفا … وإن يحرم الرّاجى فيا خيبة المسعى
*** وقال:
يا أيها الحجر المكرم والذي … أضحى يمين الله بين عباده
اشهد لعبد أوثقته ذنوبه … بشهادة الإيمان يوم معاده
وقال عند معاينة (١٦) الحجرة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام:
يا أكرم الخلق عبد جاء في وجل … من الذّنوب وعفو الله مأمول
فاشفع له في مقام العرض إنك ذو … جاه عريض وأنت القصد والسّول
وقال حين وداعه للحجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام:
زعمت بأنىّ للصبابة أملك … وأوثقت شرط الحبّ، والشرط أملك
وأمّلت إن شطّ النوى ودّع الهوى … فؤادي وما فيه من الوجد يترك
فرحت غداة البين أنفق أدمعى … وعما جرى لما جرى الدّمع أمسك
وكذّبنى دمع عليهم وقفته … وصحّ لديهم أن جسمي مملّك
стр. 255
وقلت لمن باللّوم أصبح مغرما … يلوم، على أنى بكيت ويضحك
مع الهجر كيف السّتر في الحبّ لا مرئ … أطاب له خلع العذار التهتّك
وفي الحبّ أوقات يلذّ بها الفتى … وحتف وإن طالت وقبر (١٧) ومهلك
هواهم بقلبي ساكن حرّك الهوى … ففي القلب منه ساكن ومحرّك
ومذ قطعوا حبل الوصال وصلته … بمدح زها مسكا به أتمسّك
مديح نبىّ جاء للحق رحمة … فمنهجه للوفد حجّ ومنسك
محمد الهادي الذي جاء بالهدى … البشير النذير المقتفى والمسالك
بمعجزة القرآن قد أعجز الورى … فمنطوقه المفهوم أفتى وأفتك
كريم كريم في انعطاف شمائل … جميل جليل طاهر متنسّك
رؤوف رحيم عاقب حاشر أتى … بشرعته البيضاء والكفر أحلك
عفو (١٨) فلم يبرح يناوئ جاحدا … ويبذل جهدا في الجهاد ويملك
رقاب أعاديه بحد مهنّد … به كم من دماء جانب السفح تسفك
وكم هام في هام الطغاة وكم له … به وبنصر الله في الحرب معرك
هنيئا لقوم آمنوا أسوأ الرّدى … وتعسا لقوم خالفوه فأهلكوا
عدوا منه في الدنيا بخزى مؤبّد … به كلّ أفاك كذلك يؤفك
إذا استوقدت نار الجحيم مقامه … لمن أدمن العصيان في الحشر مسلك
يقوم فيأتي العرش يسجد سجدة … يقول له اشفع أنت أدرى وأدرك
فتشفع عند اللّه حين تقول ما … أبرّك (١٩) يا مختار فينا وأبرك
إليك رسول اللّه وافيت مرة … وفي النفس أخرى إن بها القصد يملك
أقوم على باب الضريح بمدحة … يفوق سناها التّبر إذ هو يسبك
فأحسن ما يتلى عليك مكرّرا … مديح له في غرة النجم مدرك
لأوصافه أضحى المليجى ناظما … ودهرّا به بين الورى يتبرك
عليك سلام الله ما عزّ مسلم … وذلّ بحرمان اتباعك مشرك
وآلك والأصحاب ما وفد الحمى … حجيج أنابوا رغبة وتنسّكوا
стр. 256
وقال في الكعبة المشرفة:
حبّ المتيم نار في الحشا وكفى … يوم النوى ما جرى من مدمعى وكفى
ما شاقة غير ورد شاقه لربى … بخد عهد بيانات النقا سلفا
يودّ لو كان بين الظاعنين مشى … نحو الحمى أو على جمر الغضا وقفا
وباع نفسا لربّاه ومدّ به … باع المنى في رياض الأنس واقتطفا
وصاح إذ جلبت ذات الستور على … عشّاقها حيث في أكنافها اكتنفا
يا كعبة الله بذل المال فيك غدا … لمن وفى شرفا في الدهر لا سرفا
يا كعبة اللّه طاب السير فيك لنا … ما بين شوق، وشوقى عنك ما انصرفا
لأنت أول بيت قد غدا حرما … مباركا وهدى للعالمين شفا
آياته بينات والمقام به … لمن أقام وفي أرجائه اعتكفا
ركن شديد وأمن من عذاب لظى … قد أذهب الله عن زوّاره الأسفا
ترى أعود لمعناك الجميل فلى … عهد بمعهده قد زادنى شغفا
حملت ذنبا عظيما ثم جئت به … بيت الكريم الذي بالعفو قد عرفا
وكان ما صحّ من فضل ومرحمة … تجاوز الله عمن عدّها وعفا
إن لم أنل عمرة في العمر يا أسفى … قضيتها بفؤادي حسرة وجفا
وسيلتي مدح خير المرسلين ومن … حاز الفخار وبالإحسان قد وصفا
بضاعتى مدحتى أرجو شفاعته … أنفقتها حيث يعطى منفق خلفا
فهو الذي أثبت الإيمان حيث أتى … ببعثه ولزيغ المشركين نفى
وللمليجى رجاء في المعاد له … هو الشفيع الذي بالجود قد عطفا
صلّى وسلم ربّ العالمين على … المختار والآل ثم السادة الخلفا
ما هبّ ريح الصّبا واشتاق ذو شجن … إلى الحجاز وما بين الغصن وانعطفا
*** وله أرجوزة في قصة (٢٠) يوسف [في] ألف بيت، وقصيدة هائية من بحر الطويل ذكر فيها مسيره للحج، وإحرامه وطوافه، وشربه من ماء زمزم، ومجاورة من جاور وصلاتهم وبعض فضائل الصلاة هناك، ثم سيرهم إلى منى وعرفات وتلك الأراضي المباركات وما أعطى اللّه تعالى لأهل ذاك الموقف والجمع من الخيرات، وما حصل لإبليس من ذلك من
стр. 257
الحنق، ثم زيارة قبر المصطفى ﷺ ومدحه وذكر تبليغه سلام من أرسله معه وهي قصيدة حسنة (٢١).
٩٩ - - إبراهيم بن أحمد بن علي الحسيني
، برهان الدين أبو السعود ابن الشيخ شهاب الدين، سبط الشيخ شمس الدين محمد ابن إمام (٢٢) جامع البوصيري الشافعي.
ولد … (٢٣) وسمع على الشمس محمد بن حسن البيجورى الشافعي جزءا من حديث الشرف الدمياطي، بسماع البيجورى له من قاضى القضاة العز عبد العزيز بن جماعة.
١٠٠ - - إبراهيم بن أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج
بن عبد الله بن عبد الرحمن الباعوني ثم الدمشقي، الشيخ الإمام العالم الأديب البارع برهان الدين أبو إسحاق بن العلامة قاضى القضاة شهاب الدين.
ولد سابع عشر في رمضان سنة ست أو سبع وسبعين وسبعمائة بباعون (٢٤)، وهي قرية من نواحي عجلون من أعمال دمشق.
قرأت على الشيخ برهان الدين الباعوني بالباسطية (٢٥) من صالحية دمشق يوم الأربعاء سادس عشرى جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثمانمائة الحديث المسلسل بالأولية من حفظي، وهو أول حديث سمعته (٢٦) منه. أنبأني الميدومى، وهو أول من
стр. 258
أخبرني، وهو ثقة، أنه سمعه بشرطه على العراقي والنور الهيثمي، وأنه سمع عليه البخاري كاملا. وكان له فوت فأعاده، وأنه سمع بعضه على عائشة بنت عبد الباري، وأجاز له ماله وروايته عنه. وأنشدني من لفظه لنفسه سادس شهر ربيع الآخر سنة ٥٩ بالباسطية، وفيه لزوم ما لا يلزم:
ألم تر أنّى قد حلفت كما ترى … بأخلاق أحرار الورى أتخلّق
وإنّي صبار شكور وحامد … وأنى إذا أملقت لا أتملّق
وإن عرضت لي حاجة من حوائجي … فإنّى بغير اللّه لا أتعلّق
وإنّي راض عنه في كل حالة … وإنّي من المقدور لا أتقلّق
ولو كنت ذا دنيا وقادت مذلّة … إلىّ لكانت بالثلاث تطلّق
ولست بحمد اللّه ذا طمع به … إلى نيل جدوى منعم أتسلّق
ولا خابطا (٢٧) في ظلمة من ضلالة … ونور الهدى لي ظاهر يتألّق
نظرت إلى الدنيا ونقمة أهلها … وأهوائها لا كالشعور تحلق
وشاهدت هامات لهم بسيوفها … وقد أصبحت مسلولة تتفلّق
وقد فتحت أبواب شهوتها ولو … أمدّتهموا الألطاف كانت تغلّق
وكم بتّ مسرور الفؤاد بتركها … وبات على النار الندى والمحلق
ويا ربّ مفتون بها عاد وهو من … سرور عراه بالدماء مخلّق
وكذلك في الزمان والمكان معاتبا لبعض من يرجوه فجفاه، وفيه اللزوم:
رجوتك لي عونا وذخرا وملجأ … فخاب رجائي فيك يا أحسن الخلق
وذلك تأديب من اللّه لي على … تعلق آمالي بمثلى من الخلق
ولو أنني وفّقت لم أرج غيره … ولا غرّنى الإشراق من وجهك الطّلق
وما أنا ممن يستميل امرؤ إذا … جفاني وأقصانى بشئ من الملق
ولو بلغت روحي التراقى وأصبحت … تردّد من فرط الضرورة في حلقي
стр. 259
وأنشدني في التاريخ والمكان لنفسه:
أقسم باللّه العلىّ العظيم … مكوّن الكون العزيز العليم
ما تعدل الدنيا لدى عاقل … خضوعه فيها لنذل لئيم
فكن فتى حرّا أخا همّة … عالية واقف (٢٨) الصراط القويم
ولا (٢٩) تعول في الدنا تبتغى … إلّا على الله الجواد الكريم
وأنشدني كذلك لغيره من التذكرة (٣٠):
وما عذلوك مسبوقا ولكن … إلى الغايات سبّاقا جوادا
وقد هدموا بما فعلوا المعالي … وربّ العرش يفعل ما أرادا
وحدّثنى في المكان، يوم الجمعة سادس عشر شهر ربيع الآخر من السنة، أن أباه حدثه، أنه رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في المنام وأنه سأله أن يأذن له في تقبيل رجله، فأذن له بتمنّع ووضع ثوبه عليها فقبّلها من وراء الثوب، فحصل لأمير المؤمنين من ذلك بعض انزعاج، قال: «فرأيت ذلك منى قلة أدب»، فقلت: يا مولانا أمير المؤمنين، الشوق يغلب أحيانا على الأدب.
وحدثني الشيخ برهان الدين عن بعض أكاذيب الحمصي فقال: «اعتل مرة علّة طويلة، وكان قاضيا بدمشق فنقل إلى المزة بأمر الأطباء لحسن هوائها وطيب مناخها، فاخترت يوما أنا والقاضي كاتب السر نجم الدين يحيى بن المدني من هناك فعرض علىّ أنّا نعوده فأجبت، فلما دخلنا سرّ بنا وشرع يهذر على عادته، فكان ممّا قال: إنّ لي حظا عظيما من الأولياء، كنت مرة مارّا في باب زويلة بالقاهرة على حمار قصير، فلقيني بعض أكابرهم فسلّم علىّ ثم طلب عمامتي فدفعتها إليه ولففت على رأسي منديلا ثم قال لي انزل عن الحمار فهممت بالنزول فقال: لا تفعل، ثم قال لي أبشر إنك لا تموت حتى تقطب، قال الشيخ برهان الدين: فقلت في نفسي (٣١) إثره: إن شاء اللّه!، قال: ثم
стр. 260
قال: وكنت بائتا مرة في بيت وحدى، فطرق الباب في بعض الليل فقلت: من؟ فقيل:
رجلان من الجنّ، ففتحت لهما الباب فدخلا فسلّما ثم جلسا بين يدي، فقلت: مرحبا بكما، ألكما حاجة؟ فقالا: نعم، اختلف الجنّ في مسألة وطال نزاعهم فيها، فأرسلونا إليك. فقلت: وهل تعرفوننى (٣٢)؟ فقالا: سبحان الله! نعم، هم يعرفونك ولا تعرف بينهم إلا بشيخ الإسلام، وهم يقبلون قولك. فأفتيتهما في المسألة وانصرفا.
وأنشدني البرهان الباعوني ﵀ يوم السبت أول جمادى الأولى سنة ٤٩، قال: كتب إلىّ الصدر بن الآدمي من مصر وقد أبطأت عنه كتبي:
خليلىّ إبراهيم بالغت في الجفا … وأنت إلى قلبي الكليم حبيب
وفي غربتي قصدي إليك تقرّب … وكل غريب للغريب نسيب
قال: فأجبته بقولي:
فديتك لا والله ما كنت جافيا … لمثلك يوما والإله حسيب
وما حلت عن ودى وصدق محبّتى … وإنّي مقيم ما أقام عسيب
قال:
وأرسلت إلى البرهان بن الكشك ما جنا، وكان عشير الصدر بن الآدمي:
هل لك إبراهيم في قهوة … أرسلها يوم الثلاثاء إليك؟
حمراء كالنار ولكنها … في الكأس برد وسلام عليك
قال فأجاب عنه الصدر بن الآدمي:
يا راعى الحمراء إن سقتها … جئناك بالخيل سباقا إليك
وإن تجاهلت ولم تعتمد … ما نبتغيه فسلام عليك
قال: وكنت أراسل ابن الآدمي كثيرا في أوصاف الخمر وما يلائمها فيحتاج إلى الجواب، فقال تشتهى أن الشيخ عنى هذا فإني منسوب إلى شئ من أحوالها وأما الشيخ فمعلوم عند كلّ أحد برأيه في ذلك، فذكرنا لهذا يضرنا ولا يضرّه، فكتبت إليه قولي:
стр. 261
عجبت لصدر الدين مع لطف ذاته … ولطف معانيه وحسن صفاته
يصدّ (٣٣) عن الرّاح الشمول التي غدت … لطافتها تعزى إلى كلماته
ويسأم من تكرار أوصافنا لها … وقد يسأم الإنسان طول حياته
*** وأنشدني البرهان من لفظه لنفسه في النصف الأول من شهر رمضان سنة تسع وخمسين المذكورة في مليح ساعى:
بالروح أفدى ساعيا … جماله سبى الورى
لا بدّ لي من وصله … ولو جرى مهما جرى
ولما رأيت أن حضرة الشيخ برهان الدين ﵀ محلّ الأنس، وكلامه يأخذ بمجامع القلوب لما يشتمل عليه من الحكم والرقائق والأمثال والمواعظ مع عذوبة الألفاظ وفصاحتها، وجلالة المعاني وبلاغتها، ورشاقة السياقات وجزالتها، مع سلامة الصدر ولطف الطبع وطيب النبع وخفة الروح وجمال الذات وجلال الصفات. قلت وأنشدته إياه من غير فكر كبير:
يا أيّها السيد المشهور سؤدده … أنسيتني الأهل والأولاد والوطنا
هذى مجالسك العالي مراتبها … تجلو القلوب وتنفى الهمّ والحزنا
وكتب الشيخ برهان الدين إلىّ (٣٤) كتابا أوّله مفرد، لا أدرى هل (٣٥) هو له أم لا:
الشوق أعظم أن يحيط بوصفه … قلم وأن يطوى عليه كتاب
وكتب إلىّ في جواب البيتين النونين عشرين بيتا أشار فيها إلى ما وقع بعد موته بنحو بضع عشرة سنة، فقال ما نصه: «كتب إلىّ الشيخ الإمام الحافظ برهان الدين البقاعى، أمتع الله بحياته هذين البيتين»، وذكرهما كما مضى، فأجبت مرتجلا وقلت عجلا»:
стр. 262
مجالس كلها شكر لكم وثنا … ما صدّنى أحد عن بثّه أو ثنى
واللّه يعلم أنى منطو لكم … على وداد وحب في الحشا سكنا
كل الورى يدّعى مثلي محبتكم … وأصدق الكلّ فيما يدّعيه أنا
لو عن لو أن أحصى فضائلكم … أو بعضها بلسان لي لقيت عنا
أرضيتم الله مولاكم فكم بدع … أمتّموها وكم أحييتموا سننا
وكم أحاديث صدق لا خفاء بها … رويتموها-عن الهادي النبىّ -لنا
أحسنتموا، حيث أكمدتم بها زمرا … يرون أقبح ما يأتونه حسنا
من كلّ مبدع للغى متّبع … لا يتقى اللّه لا سرا ولا علنا
أعمى البصيرة لم يسلك سبيل هدى … ولا اقتفى بسبيل واضح سننا
سلّت عليه من الشرع الشريف ظبا … تقضى عليه بموت عاجل وفنا
وكم لكم من علوم غير منكرة … وكم لكم من أياد قلّدت مننا
ومن فضائل لا تحصى مآثرها … ومن مكارم شاعت مزنها هتنا
أبقاكم الله في خير وعافية … ما لاح بدر منير ذو ضيا وسنا
وأضحك الروض دمع للسحاب وما … هبت نسيمة صبح حرّكت فننا
وما بكت لفراق الإلف صادحة … في أيكة وشكت من شوقها شجنا
وما رنت مقلة بالسحر قد كحلت … نجلاء كم ولّدت لما رنت فتنا
وماس قدّ قويم مثل غصن نقا … لدن المعاطف منه غار رمح قنا
وما جنى الورد من وجنات غانية … صبّت عليه هواها والغرام جنى
متيّم رقّ حتى عاد من سقم … لخصرها وغدا مثل الخلال ضنا
يقول من فرط أشواق يعالجها … طوبى لمن من خيام الظاعنين دنا
فقلت (٣٦): أنشدتكم من بنات فكرى بيتين لا يساويان فلسين، فجبرتم الخواطر وقابلتم بما لا طاقة به لشاعر، جعلتم الحسنة بعشرة أمثالها، فأرسلتم عشرين بيتا بكمالها، وأنتم-أمتع الله بحياتكم وأدام عموم النفع ببركاتكم بحر لا تكدّره الدلاء، ولا تنقصه كثرة الاستقاء عن الامتلاء، متى استنطقت لسان قلم قال لسانه تاليا بغرائب
стр. 263
مراداتك فلم يسكت إلّا بفراغ الطرس، أو نفاذ النفس، فعلمت أن باعي عن مقاومتكم ضئيل، وطرف شعري بأشعّة جواهركم كليل، والاعتراف إنصاف، والاغتراف من بحر مساجلتكم تلاف، وقد قلت معتذرا:
رأيت صدرك بحرا جلّ جوهره … ولم أجد ببحور الشعر لي سفنا
وعاين العبد من يدنو للّجته … غرقى فعاد لبرّ العجز قد سكنا
وأرسلت ذلك إليه فأعاد الجواب مفيضا له من بحره العباب بقوله:
بعثت يوم الثلاثاء نظمك الحسنا … كخادم كم وكم قلّدته مننا
رآه درّا غنيّا ما أعدّ له … لما يؤمّله إلا الدعا ثمنا
دعا إلى الله ربّ العرش يرفعه … مع ما يضاف إليه من جميل ثنا
ثنا كأنّ شذاه حين ينشقه … مسك فتيت بماء الورد قد عجنا
وطيب ذكر حديث عنك يسنده … عن كل صادق قول، قال: حدّثنا
وكم روى عنك من وافاك مبتغيا … جدواك من خبر في الجود صحّ لنا
وكم أغثت لهيفا لا مغيث له … وكم أعنت ضعيفا ذدت عنه عنا (٣٧)
وكم غرست من المعروف من شجر … جنيت منه بحمد اللّه خير جنا
تقوم مع كل مظلوم ومضطهد … بين الأنام بعزم قطّ ما وهنا
لا زلت في نعم ينهلّ وابلها … في غبطة وسرور دائم وهنا
ما لاح وجه جميل للصباح وما … هبّ النسيم بروض مزهر ورنا
وما شدت ذات طوق قال سامعها … لا شكّ عندي أن الموصلىّ هنا
المملوك (٣٨) إبراهيم يقبل الأرض وينهى أن الولد مبارك حضر وعلى يده مثال كريم، بل عقد نظيم، بل روض بسيم، هبّ عليه نسيم، فتناوله بيمينه، ووضعه على جبينه، وتنزّه في رياض بلاغته، ورأى ذهب أدب عجب من حسن صناعته وصادف وصوله إليه ووروده عليه حين خرج من الحمام وهو محرور إلى الراحة مضرور، فتعذّر عليه الجواب في تلك الحالة، مع ما عنده من الفتور والملالة، ولم يجد إلى النشاط سبيلا، فلما استراح
стр. 264
قليلا كتب هذه الأدبيات عجلا، وأنشأها مرتجلا وبعثها إلى خدمته خجلا، سائلا إصلاح خللها والإغضاء عن زللها، على المعهود من كرم سجاياه وشرف مزاياه، والله يمتع بفوائده، ويجزيه من الألطاف على أجمل عوائده، ويديم عليه سوابغ نعمه، ويحرسه بمنّه وكرمه.
وممّا عددته من كرامات الشيخ برهان الدين أنه كان لهم قريب يقال له جلال الدين وكان جريئا على حداثة (٣٩) سنّه على الأمور الكبار فبغى في قضاء الشافعية بدمشق على الجمال يوسف أخي الشيخ، فكتب الشيخ إلىّ كتابا عرّفنى فيه بموت البلاطنسى وذكر ما حصل من الضرر بسعى قريبهم هذا على أخيه، وقال من جملة الكتاب: ولهذا الصبىّ الغبىّ، النازل من الخذلان في المنزل الدنىّ (٤٠) أب جاهل، عن الآخرة ذاهل، ألأم من مادر، يسمى عبد القادر، باشر تقدمة بأخيه من نواحي البلاد الصفدية فأقصى وأبعد بسيرته الزرية معروف بسوء الطريقة في زمن الصبا، وهو الآن بالشام يتعاطى الرّبا، أشاع أن ابنه ولى القضا فضاق على المسلمين بذلك الفضا، وارتمضوا من سماع هذا الكلام وقالوا: يا لله للإسلام [من] صبي ذي فرية، لا يصلح لقضاء قرية، يلي منصبا وليه السبكي! إن هذا مما يؤلم ويبكى، فقال شخص من الفضلاء الأذكياء النبلاء:
تولى شييخ قضا جلق … فيا لك من حادث ممرض
وهول يشيب رأس الرضيع … فيصبح كالكرسف الأبيض (٤١)
ويا لك من كارث مؤلم … لكل امرئ مسلم مرمض (٤٢)
فنوحوا على الدين وابكوا وما … وفرّوا إلى الله مما قضى
وتوبوا إلى ربكم توبة … نصوحا بصدق له يرتضى
عساه يهيى له قاتلا … بسيف صقيل له ينتضى
يريح البريّة من وجهه … فما وجهه بمنبر مضىّ (٤٣)
ولو قيل للكلب من بعده … تعال تولّى القضا، ما رضى
стр. 265
ثم قال: «هذا لا يكون ويأبى الله ذلك والمؤمنون، ولا يجتمع على المسلمين مصيبتان جليلتان عظيمتان: موت هذا العالم (٤٤) التقى وولاية هذا الجاهل الشقي» يشير بذلك إلى موت الشيخ شمس الدين البلاطنسى، فتمنى في هذا الكلام شيئين: قتله، وعدم ولايته للقضاء.
وكان الشيخ لم يحب مع أنه بذل للأشرف إينال رشوة على ولايته ما سبقه إليها أحد ولا خطر لعاقل أن يفعلها وهو سبعة عشر ألف دينار، فلما لم يجب حمل على نفسه وذهب إلى بلاد الروم فحصل له هناك شئ من الدنيا، فقتل بسببه.
١٠١ - إبراهيم (٤٥) بن أحمد بن يونس
، برهان الدين بن الشيخ الفاضل شهاب الدين الضعيف (بالتصغير والتثقيل) المعرى (٤٦).
١٠٢ - إبراهيم (٤٧) بن الجلال أحمد بن محمد بن محمد بن محمد
، بن الشيخ برهان الدين بن العلّامة جلال الدين الخجندى (٤٨) الأصل، المدني الأخوى (بفتح الهمزة والمعجمة) الحنفي.
стр. 266
ولد بعد (٤٩) سنة ثمانين تقريبا بالمدينة (٥٠) الشريفة، وقرأ بها القرآن، وتلا بالسبع على الشيخ عبد الله الشينى (بفتح المعجمة وكسر النون، بينهما تحتانية)، وعلى الشيخ يحيى التلمساني الضرير، وأخذ النحو عنه وعن والده الشيخ جلال الدين، و [أخذ] الفقه عن والده، وسمع (٥١) الشيخ زين الدين العراقي والشيخ زين الدين أبا بكر بن الحسين المراغي الشافعي قاضى طيبة، وبرهان الدين بن فرحون المالكي قاضيها أيضا، وزين الدين عبد الرحمن بن علي الأنصاري الحنفي قاضيها أيضا، والبرهان بن محمد بن صديق.
وحجّ مرارا، وعنى بالأدب، وله شعر كثير، جيّده قليل، تنتقل فيه من بحر إلى بحر، ومن لجة إلى قفر، ومعناه بالعربية (٥٢) غير واف، وكثير منه سفساف (٥٣)، وربّما انتقل من الحضيض إلى السها، كأنه ليس له قلب في مدح الناس، فإذا قال في الغرام أجاد.
لقيته سنة تسع وأربعين لما زرت النبي ﷺ ، وجاورت ثمّ بعض السنة.
وهو شيخ كيّس حسن المجالسة وعنده إنصاف، إذا غيّر له أحد شيئا من شعره بأحسن منه لم يستنكف من قوله.
أنشدني من لفظه لنفسه يوم السبت خامس عشر جمادى الآخرة من السنة (٥٤) بالمدينة الشريفة:
رسمت-وقال اللّه-كل مضرة … بنذل خسيس القدر للفضل حائز
وما أنت بالأدنى فبالنزر أرتضى … وأنت جليل القدر للفضل حائز
стр. 267
ولا يدرك السها (٥٥) بالبخل، عودت … ولا أنت يوما عندك المدح (٥٦) جائز
علام أرى حظى دنيا وإنني … لشكرك نثرى دائما فيك راجز
فمنّ (٥٧) يا رعاك الله يا قطب وقته … بما فيه لي خير إذا هو ناجز
ودم (٥٨) راقيا ظهر العلا طول دهرنا … وأنت لأعلى الأجر والحمد كانز
وكذلك أنشدني ما قاله في وصيفة باعها ثم ندم:
وجدى بمن فارقتها يتجدد … والقلب منّى واله متنكّد
لفراقها بين الجوانح وحشة … ومع الأسى لي زفرة تتصعّد
وتلهفى بين الجوانح زائد (٥٩) … وتشوقى جند يقيم ويقعد
ورثى العذول لحالتى لمّا رأى … لهب الجوى بحشاشتى يتوقد
قولوا لمن شغف الفؤاد بحبّها … منّى، عليك تحية لا تنفد
وكذلك أنشدني ما قاله في امرأة حضرمية اسمها فاطمة:
أقاتلتى (٦٠) في مذهب الحبّ ظالمه … ومسهدتى في حبها وهي نائمة
أبثّ لك السرّ الذي في ضمائرى … وأشكو الذي بي منك أم أنت عالمه
وحقّك ما يهوى فؤادي وناظرى … سواك، فكونى يا منى القلب راحمه
ولي كبد ذابت إليك صبابة … وعين سفوح الجفن بالدمع ساجمه
أذوب إذا سمّيت في كل ساعة … ويطرب سمعي كلما قيل «فاطمة»
وإن وفد الزوار سارعت نحوهم … أقبّل من شوقى أكف (٦١) الحضارمة
أشيرى (٦٢) بأطراف البنان وسلمىّ … علينا إذا ما كنت بالسطح قائمة
стр. 268
لعلى أملى الطرف منك بنظرة … هي القصد لا غزلان سلع وكاظمه
فديتك أنت الماء قد مسّنى الظما … ونفسي التي (٦٣) تظما على الماء حائمه
سألت الذي فوق السموات عرشه … وأقداره في سائر الناس حاكمه
كما جعل الهجران والصدّ والقلى … بدايتنا أن يجعل الوصل خاتمه
وكذلك أنشدني من لفظه لنفسه ما قاله-وقد وعده شخص بسكّر وهو يشتكى:
من مثلكم نجح الوعود مؤمّل … ومحقق قول الصدوق إذا نطق
قد زدت سقما لانتظارى وعدكم … يا ليت لا وعد جرى أو لا اتفق (٦٤)
وكذلك ما قاله يهجو بعض من مدحه ولم يجزه:
سمع القريض وقال: هذا كلّه … إفك وما جازى عليه قلامه
وأفادنى بعد الشباب مذمّة … حتى كأنّى قد قطعت سلامه
فأنا الذي منّى الخباية قد جرت … لما نبشت سباطه (٦٥) وقمامه
لكنني فيها «فعلت» (٦٦) وقلت قد … يأتي الكنيف لحاجة من رامه
وكذلك أنشدني ما كتبه على استدعاء وكل ذلك بالزمان والمكان:
أجزت لهم أبقاهمو اللّه كل ما … رويت عن الأشياخ في سالف الدّهر
ومالي من نظم ونثر بشرطه … على رأى من يروى الحديث ومن يدرى (٦٧)
وأسأل إحسانا من القوم دعوة … تحقق لي الآمال والأمن في الحشر
وأنشدني ما قاله يمدح أبا عصيدة:
بخير نبىّ في الأنام مشفع … وأعظم من يدعى لكشف ملمّة
أتانا أبو العباس أحمد يرتجى … شفاعة خير الخلق هادي البريّة
стр. 269
من الغير وافانا مشوقا وزائرا … ليدرك بالغفران تكفير زلة
بدار أبى أيوب قد كان ساكنا … بها المبرك المشهور للناقة التّى
لها قال خير الخلق خلّوا سبيلها … فلم تعد-عمّا ألهمت فيه-خطوتى
وكذا أنشدني لنفسه:
طوبى لصبّ بالوصال تلذّذا … مثلي فقد نلت المراد وحبّذا
جاورت (٦٨) خير العالمين وصحبه … وبهم سموت، وحجّتى لن تنبذا
طابت حياتي مذ حللت بطيبة … وبمدح خير الخلق صرت ملذّذا
وبمدحه أرجو السعادة في الدّنا … والفوز في الأخرى وإذهاب الأذى
قد فاز من أضحى مقيما عنده … واعتزّ من أمسى به متعوّذا
ما أمّه أحد ونادى باسمه … إلّا (٦٩) وراح بجاهه مستنقذا
أصبو لمعناه المشرّف دائما … وأهيم وجدا في حماه وحبّذا
يا آخذا سبل النجاة لأحمد … أبشر، أصبت من السعادة مأخذا
حادي المطىّ، إذا أتيت لطيبة … فأنخ بها كي في القيامة تنقذا
واقصد لباب الجود واقرعه وسل … منه النّوال فحقّه أن يشحذا (٧٠)
واستشف من داء الذّنوب بشربة … من نيله الصافي الخلىّ من القذا
فنواله عمّ الخلائق كلّهم … ولكم أجاد، وكم أفاد، وكم جزا (٧١)
هو سيّد الرسل الكرام وأمره … ما زال في كلّ الوجوه منفذا
وهو الذي ما في الخلائق مثله … عفّ اللسان عن الفواحش والبذا
هذاك منبره، وذاك مقامه … وهناك روضته ومغنى الفضل ذا
عفّر خدودك في تراب نعاله … فالفخر في آثار هذاك الخدا
يا سيّد الرسل الكرام ومن به … موسى وآدم في المعاد تعوّذا
صلّى عليك الله ما هبّت صبا … وغدا النسيم عليك فيّاح الشذا
والآل والأصحاب مع أتباعهم … أرجو بهم من زلتي أن أنقذا
стр. 270
١٠٣ - إبراهيم (٧٢) بن أحمد الشريف الطباطبى
، برهان الدين، من خانقاه سرياقوس وختن محمود بن علي الهندي الآتي. ولد … (٧٣).
١٠٤ - إبراهيم بن حاجى، صارم الدين
، شيخ الشيوخ زين الدين، كان أبوه قاضى العسكر الحنفي وشيخ تربة برقوق.
سمع على الجمال عبد اللّه الجندي سبط القلانسي ثمانيات النجيب وسباعياته (٧٤).
١٠٥ - إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن عبد الكريم
، العرابى (٧٥) الأصل (بفتح المهملة وتشديد الراء، وقبل ياء النسبة باء (٧٦) موحدة، نسبة إلى قرية من نواحي صفد) المقدسي الشافعي، برهان الدين، الفقيه الفاضل الصالح المعمّر نزيل الصالحية بباب حطة من القدس، كان كثير التلاوة ويختم القرآن العظيم في غالب الأيام.
ولد سنة خمسين وسبعمائة (٧٧).
стр. 271
١٠٦ - إبراهيم بن حسن بن فرج بن سعد
(٧٨)، كمال الدين بن الخطيب الحلبي الشافعي الموقع.
ولد (٧٩) في منتصف جمادى الأولى سنة أربع وسبعين وسبعمائة.
١٠٧ - إبراهيم بن حمزة بن أبي بكر
، السيد برهان الدين بن السيد عزّ الدين الجعفري الحلبي الحنفي. ولد في العشر الأول من شهر رمضان سنة سبع وسبعين وسبعمائة بحلب (٨٠).
١٠٨ - إبراهيم بن خضر بن أحمد بن عثمان بن كريم الدين
جامع بن محمد بن جامع ابن نوّارة بن فضالة بن عكاشة بن يحيى بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي الطيب ابن هبة الله بن أبي إسحاق محمد بن ميكائيل بن عمر بن عثمان بن عفان، ﵁، صاحبا الإمام العلامة برهان الدين ابن خضر العثماني القصورى (٨١) الأصل (نسبة إلى القصّور: بضم القاف والمهملة قرية من قرى الصعيد من أعمال منفلوط) القاهري المولد والمنشأ، الشافعي. ولد في شوال سنة أربع وتسعين وسبعمائة. بالقاهرة، وحفظ القرآن، وكتب في عدّة فنون، وسمع المسلسل بالأوّلية من لفظ الشرف أبى الطاهر محمد بن العرابى والشمس محمد بن الكويك، أنابه بشرطه أبو الفتح الميدومى بسنده وأجاز له
стр. 272
الحافظ زين الدين العراقي، ثم أقبل على التفهّم ولازم العلماء والطلاب حتى برع في النحو، وفاق في الفقه، وتقدّم في الفرائض والحساب، وضرب في غالب الفنون بأوفر سهم ولازم العلماء ولازم الطلاب، وفاز بأجلّ نصيب حتى صار من أعيان فضلاء القاهرة وأجلّ أصحاب مولانا شيخ الإسلام ابن حجر. صحبته مدة طويلة فرأيته ينطوى على خير كثير ودين متين وعلم غزير راسخ في الفقه. وهو إمام في الفرائض، علامة في العربية، أخبرني الإمام القاضي زين الدين قاسم بن الزفتاوى أنه (٨٢) كان في حال شبوبيته (٨٣) يخرج على قاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام السراج البلقيني في الفقه فيرجع إلى قوله ويضرب على ما كان كتبه، وأنه لم يكن عند البرهان البيجورى والشمس البرماوى أحد يعدله؛ وكان كثير التواضع مع شهامة النفس وعدم التردّد لأبناء الدنيا، وذهنه في غاية الاستقامة، وكرمه [بلا] نهاية، وهو عظيم الوفاء لأصحابه، سريع الحركة في تفقّدهم مع ثقل جثته وكان في غاية السمن وإذا لقى أحدا من أصحابه نزل في الطريق للسّلام عليه؛ سهل محبب إلى الناس، كثير الأدب طلق الوجه يخجل من يسلّم عليه بما يلقاه من البشاشة والأدب والتواضع وتلك أخلاق لا يتكلفها، وكان كثير المصائب في بدنه بالأمراض، قلّ أن يفارقه وجع الرأس الذي يسمى النزلة.
[وكان] مقترا عليه في دنياه، غير منصف من رؤساء الزمان مع أنه غير مبال بذلك ولا يلتفت إلى دنيا، غير أنه حصل له مع القاضي علم الدين صالح بن السراج البلقيني في ولايته سنة إحدى وخمسين كائنة أحرقت فؤاده ونفت رقاده ولم يجد له ظهيرا ولا وليا ولا نصيرا؛ ولم أزل معه على ما يرضاه بشرع المودّة والإخاء إلى أن رماه حادث الأيام وريب الدهر بمرض في باطنه عظم منه بوجهه، ثم ظهر له خرّاج في مقعدته، نقل لي عن الجرائحى الذي كان يعالجه أنه طاعون فزاد به الأمر وشبّ في أحشائه اللهيب إلى أن اخترمته المنية-وهو يستغفر الله في ليلة (٨٤) الخميس خامس عشر محرم سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة بالقاهرة-وصلّى عليه من الغد على باب المصلّى من باب المصلىّ
стр. 273
من باب النصر، وعظم تأسف الناس عليه وزاد بكاؤهم وشيّعه (٨٥) من الأكابر وفضلاء الطلبة وأعيان الناس وصلحاء العالم من لم يسعهم المصلىّ، وكان على جنازته من الأنس والخفر والسكون والوقار ما يفوق الوصف، وحصل عليه لكلّ من سمع به ما يكاد يشقّق الأكباد حتى بكى بحرقة من لم يكن يطمع في بكائه، وأطبق الناس على حسن الثناء عليه والشهادة له بجميع خصال الخير كأن الناس لم تصيبهم قبله مصيبة.
ودفن في تربة جوشن، ورجع الناس من جنازته وكلّ كأنه فارق ابنه أو أباه أو أخاه، ولعمري لقد كان جديرا بذلك، فاللّه المسؤول أن يتلقاه (٨٦) وأن يجعله مع النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك (٨٧) رفيقا وأن لا يحرمنا أجره ولا يفتننا بعده.
وكنت رأيت له في أيام مرضه أنه صحيح على عادته، ولحيته أكبر ممّا كانت فيه في اليقظة كبرا لم يخرج بها عن القدر المعتاد وفيها السواد أكثر مما كان، ووجهه في غاية الإشراق والبهاء والجلالة والحلاوة وقد قال المعبرون (٨٨) إن المريض إذا رؤى صحيحا، وأن كبر اللحية على هذا الوصف دالّ على العزّ والجاه والمال وحسن الخلق، والوجه على نحو ذلك فإنه من الجاه، فلم أشك أنه يتعافى وتحصل له ثروة مع عز وجاه وكان ذلك عند الله وهو غريب ما سمعنا بمثله أن ما يدل على أشياء تتعلق بالدنيا فيكون تأويله ما بعد الموت.
وأخبرت عن تلميذه الفاضل علم الدين سليمان الحوفى (٨٩) أنه قال: «رأيته في النوم في أوائل مرضه وهو يقول: «دعنا نروح إلى الله ونستريح ممّا نحن فيه من الكدورات والأذى والأقذار».
وأخبرت عن القاضي جلال الدين عبد الرحمن بن الإمامة أنه رآه في الليلة التي توفى فيها بعد وفاته قبيل ما يعلم ذلك، فقال له: «ما حالك يا سيدي؟ فقال: أنا أطيب مما كنت وهو الذي نرجوه أو نتحققه من كرم اللّه بشهادة نبيّه الصادق أنتم شهداء الله في الأرض».
стр. 274
وأخبرت عن امرأة من سكان تربة جوشن أنها رأت قبل بأيام أن التربة مزيّنة، وهي تتعجب من ذلك.
١٠٩ - إبراهيم بن خلف بن تاج
(بالفوقانية والجيم) ابن صدقة البلبيسى النحال الشافعي؛ ولد قبل سنة ثمانين وسبعمائة في بلبيس، وقرأ بها القرآن ثم اشتغل بتربية النحل والتجارة فيما يخرجه الله منها فنسب (٩٠) إليه، وحجّ مرتين أولاهما في أول هذا القرن (٩١)، وزار القدس والخليل وسافر إلى صفد وجاوز سنّه الأربعين وهو لا يعرف نظما ولا تحدّثه نفسه به إلى أن قدم إلى بلبيس واعظ يقال له الطنبدى، فتكلم على قوله تعالى: «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى». فنقل أن الله لما استخرج ذرية آدم من ظهره في صورة الذر وقال لهم ألست بربكم؟ انقسموا قسمين فقسم قال بلى، وقسم سكت.
ثم انقسم كل قسم إلى قسمين، فقال قسم من الساكتين: ليتنا أجبنا كما أجاب هؤلاء، واستمر القسم الآخر على السكوت، وقال قسم من المجيبين: ليتنا سكتنا كما سكت هؤلاء، واستمر القسم الآخر على إجابته، فأمّا المجيبون فالذين استمروا منهم على الإجابة يعيشون مؤمنين ويموتون كذلك، والذين قالوا ليتنا سكتنا يعيشون مؤمنين لكونهم أجابوا، ويموتون كفارا لكونهم تمنّوا السكوت أما الساكتون الذين استمروا منهم على السكوت والذين قالوا ليتنا أجبنا كذلك يعيشون كفارا لسكوتهم أولا ويموتون مؤمنين لتمنّيهم الإجابة في ثاني الحال.
*** ثم حكى أن عابدا عبد الله مائة سنة ثم حضرته الوفاة فاستدار نحو الشرق فاستعظم خادمه ذلك فقال له ما معناه إن نفسه حصل لها إعجاب فخذلت ومات على غير التوحيد، فطار قلب الخادم خوفا وأكثر النحيب، فبينما هو كذلك إذ طرق الباب فخرج فإذا راهب، فقال له؟ ما شأنك؟ «قال: إن راهبا منا مات فوجهناه إلى الشرق فتوجّه إلى القبلة ومات مسلما فجئت إليك لتسأل لي شيخك ماذا نصنع به؟ فقال إن شيخى مات
стр. 275
إلى المشرق كافرا فهات ميتنا وخذ ميتكم، فدفنوا الراهب بالزاوية ونقلوا الشيخ إلى مقبرة الرهبان (٩٢) وكان اسم الخادم عليا وكان في الخليل، فاشتد خوفه لذلك إلى أن كان لا يفتر عن البكاء ولا يهجع من النحيب، فسمىّ بالشيخ على البكاء، قال النحال: «فلما سمعت هذا الأمر حصل لي منه ما أزعج نفسي وأطار (٩٣) عقلي وأدهش فكرى وأطال غمّى وأدام همى بحيث بقيت أياما لا أنام أصلا ولا آكل إلا كما يأكل العليل، ولا شغل لي إلا الافتكار في أنى من أي قسم أكون، فبينا أنا ليلة أفكر إذ جرى على لساني كلام في معنى ما أنا فيه فكتبته في لوح كان عندي ثم تتابع حتى تمّ في هذه القطعة الآتية».
واستمر بعد ذلك ينظم في الفنون والأبحر، والنظم يسهل عليه جدا غير أنه لا يعرف النحو فنظمه في البحور كثير اللحن ولا عجب إذا كان النحال لحانا، وقد أنشدناها من لفظه يوم الأحد رابع عشر رجب سنة ست وأربعين وثمانمائة في زاوية الشاذلية بساباط اللبن من بلبيس، وقد أثبتّها هنا، وقدّمت بعض أبياتها المناسبة، وهذا ما انتقيته منها:
ضاع عمرى في افتكار … ولا أدرى ما الخبر
وصبح قلبي حزين … يا ترى أين المفرّ
قد رسخ في سمعي … من كلام رب الأنام
زادنى كثرة هموم … وبقي دمعي سجام
حين قسم قسمتو … من أبينا أدم قسم
وآخر في ظهر وذر … فالمشيئة للإله الذي أنشا الصور
ليس في حكمو يجور … في البرايا يا فهيم
***
عالم ما في الصدور … حكم عدل حكيم
باعث من القبور … يحيى العظم الرميم
جلّ رب قد نفذ … حكمه فيما أمر
ذا إلى دار النعيم … ثم هذا إلى سقر
***
جلّ ربّى في علاه … قد على رب عظيم
ليس يدرك الوصف (٩٤) … وهو بالعالم عليم
стр. 276
ماله في كبرياه … من شريك ولا قسيم
احتجب في ملكه … عن عيون أهل النظر
أرتجى منه السماح … ففؤادى في فكر
***
ما يكفيه بالظنون … وأحد فرد صمد
قد تقدس في علاه … لا شريك له ولا ولد
ليس معه من إله … وعلى العرش افترد
جلّ من لا لو شبيه … وبفضلو قد أمر
بجنان رضوان … لكون التقى دار المقر
***
والأراضي قد دحاها … سبعة من فوق ماء
وخلق فيها بحار … زاخرات تشفى الظمأ
وبراهنّ بالثمار … باذن رب قدس
وخلق جنة ونار … عبرة لأهل النظر
الجنان دار التقى … والجحيم دار من كفر
***
قد حكم ربّ العباد … في الخلائق أجمعين
والجنان لمن أطاع … وجزاه حور وعين
والجحيم قد اسعرت … للذين هم مشركين
وأنا ومن يكون مثلي … واقع في القدر
نرتجى رحمة الله … ليس من حكمو مفر
***
ليس في حكمو نفاد … وسوانا لا يرى، ذا رؤوف بالعباد
وله أمر الورى … ارتجى قبل المعاد
أن أرى أم القرى … وأزور المصطفى
من له لان الحجر
قبل أن أقضى فقد … زادنى كثر الضّجر
***
قد علا ظهر البراق … صح ذا حق يقين
ورقى سبعا طباقا … هو وجبريل الأمين
عند قدسية مليك … قاللو: أقبل يا أمين
стр. 277
دس بنعليك البساط … وبهذا قد أمر
خالقو رب الأنام … الذي بالموت قهر
***
ذا نبي لولاه ما … خلقت دنيا ودينا
ولا أرضين مع سما … سبعه يا أهل اليقين
ولا كان كرسي وعرش … ثم أفلاك دائرين
وجميع ما قد خلق … لأجل من حاز الفخر
النبي المصطفى … سيد ربيعة مع مضر
***
والسما قد زينت … بالنجوم الزاهرات
وقمر فيها منير … وسحائب سائرات
وملوك يذكرون ربهم … بأفصح لغات
السحائب والغمام … يجيبو ماء المطر
والكواكب والهلال … من صفا خير البشر
***
فأنا والمادحون … وجميع العاملين
إيش تقولوا في معجزات … النبي طه الأمين
لكن القلب المشوق ينقاد … وصار حزين
وتزايد في الغرام … والفؤاد منى انفطر
قصدي انظر حجر تو … لو على وجهي أخر
***
من خطاى والذنوب … قد صبح حالي عجيب
وبقيت كلى ذنوب … وقرّح قلبي النحيب
كلما أنوى أتوب … وارتجع لله قريب
خاننى فيما أروم … فإني فصل القدر
وأنا مستشفع بالنبي … خير البشر
***
أرض بلبيس موطني … وأنا إبراهيم حقيق
أسألك ربى أتوب … فعسى أمشى الطريق
وأسافر مستقيم … لأفوز من كل ضيق
بجناب نبي كريم … قد حوى كل الفخر
стр. 278
من نطق ليه البعير … وكذا صمّ الحجر
***
صنعتى نحّال وقد صرت … من شوقى نحيل
لضريح المصطفى … من له سار الدليل
وبارجو من الله صاحب … الفضل الجزيل
خاتمة خير في الممات … لا أرى معها كدر
وأزور المصطفى … وضجيعيه الغرر
***
يا إلهي من سمع نظم من … لا هو أديب
وستر عيب ويكون لو … مع الحجاج نصيب
وارزقوا عند الممات خاتمة … خير يا مجيب
وتسامح ما سلف من ذنوبو … والوزر
ولجميع الحاضرين … ولمن لا قد حضر
*** وطرأت له محنة في نحله فسأله شخص غير ذلك يزعم له، ثم بلغه أنه شمت به فقال مضمّنا للبيت الأول، وأنشدني ذلك في التاريخ والمكان وكان فيه لحن فأصلحته له:
ويسألني صديقي كيف حالي … فأطرق لا أرد إليه قولا
وإنّي إن أبحت شكوت ربّى … ويشمت حاسدي فالصمت أولى
فصبرا للإله على بلاه … وأشكره لما أعطى وأولى
وحدثنا عن حجّه عجبا وهو أنّه بشّر بكل حجة قبل كونها. أما المرة الأولى فرأت له امرأة مناما يدلّ على ذلك وخبرت به وقالت له: «ادع لي هناك»، قال: «فاستبعدت ذلك جدا لعدم حصول آلاته، فما أتى أوان الحج حتى يسّر الله وحججت».
أما المرة الثانية فأمرها أعجب فإني رأيت في المنام أن القيامة قد قامت، وأن الناس قد قسموا قسمين فأمر بأحدهما إلى الجنة وبالآخر إلى النار، فإذا أنا من الفريق المأمور بهم إلى النار، فزاد من ذلك رعبى فتأخرت عنهم قليلا، وكان خلفنا أناس يسوقوننا فلم يزعجوني وشرعت أتذكر كلام العابر وأتعجب، ولم أشك في خلاف ما قال، ثم نظرت بعد ذلك بيسير في الخلايا فلم أجد بها عسلا، فلما كان وقت الحج مضيت إلى المكان الذي به النحل لعلى أجد خمسة أرطال أو ستة أعطيها للرجل الذي [يوجد] النحل في
стр. 279
بيته، فسألته أن يحضر لي قصعة أجمع فيها، فقال: «خذ هذا المطر (٩٥)» (وهو بسكون الطاء وعاء كبير) فقلت: «ما أصنع به؟».
فقال: «ضع ما تجد فيه» وامتنع من إحضار غيره، ففتحت خلية فوجدتها مملوءة عسلا في غاية الحسن، فملأت ذلك المطر منها ومن التي تليها، واستمر الحال على ذلك لا أفتح واحدة إلا وجدتها أشد امتلاء من الأخرى إلى أن ملأت أمطارا كثيرة، ثم فتحتها لأنظر العسل فوجدته في غاية الثخانة، فزدته ماء وضربته فبلغ نحوا من ثلاثين مطرا، ثم جاء شخص يشترى عسلا فأريته له فوجدنا أبيض جدا إلا أنه رقيق فبعته فزاد ثمنه على مائة دينار فحجت منها تلك السنة.
قال: «وقد رأيت في هذا العام أنى حججت وطفت بالكعبة ثلاثة أشواط ثم استيقظت، فقال لي بعض الأصحاب إن كلّ طوفة بحجة، وأنى أحج الثالثة وها أنا أنتظر فضل الله الذي يؤتيه من يشاء، وهو حسبي ونعم الوكيل».
١١٠ - إبراهيم بن خليل بن إبراهيم بن محمد بن إسماعيل الأنصاري
الصنهاجى المنصوري (نسبة إلى مدينة المنصورة (٩٦) من ضواحى القاهرة) الشافعي الفاضل البارع المقنّن برهان الدين العدل بالزجاجين (٩٧).
ولد (٩٨) سنة تسعين وسبعمائة تقريبا بالمنصورة، وقرأ بها القرآن، ثم انتقل إلى القاهرة سنة خمس وثمانمائة للاشتغال بالعلم فتلا برواية أبى عمرو على الشيخ شمس الدين الغزولى الزراتيتى، وحفظ «العمدة» و «المنهاجين»: الفقهي والأصلي، و «ألفية ابن مالك». ثم أقبل على التفهم، فأخذ الفقه عن مشايخ منهم: الشيخ برهان الدين
стр. 280
البيجورى ونور الدين الأدمى وشمس الدين العراقي؛ و [أخذ] الفرائض والحساب بأنواعه عنه وعن شيخنا الشيخ شهاب الدين بن المجدى، وعلم الوقت عنه؛ والنحو عن الشمسين الشطنوفى والبرماوى وغيرهما، والتصوف والأصلين عن: البخاري والجلال الحلواني
وبحث في فقه الحنفية على الشيخ ناصر الدين الأنباسى بغزة، قرأ عليه بعض المختار وفي نظم طاهر بن حبيب لكتاب (٩٩) السائل لابن الكشك وأقرأ ذلك بها وتردد إلى دمشق وحضر دروس مشايخها كالشمس بن العيار في النحو والشمس الكفيرى (١٠٠) وغيره في الفقه، وزار القدس والخليل، وحج سنة خمس وعشرين وثمانمائة، ودخل إسكندرية وأخذ بها الفرائض عن شيخنا (١٠١) حبيبات ودخل دمياط.
وهو من ثقات العدول بالقاهرة، يجلس بالزجاجين؛ ولديه فضيلة في جميع ما اشتغل فيه، وهو بارع في الحساب والفرائض، وأجاز له باستدعاء شيخنا الشيخ زين الدين رضوان العقبى (١٠٢) جماعة كثيرون، منهم مسندة الدنيا عائشة بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي، وكتب عنها محمد بن موسى المراكشي سابع عشر ربيع الأول سنة ٨١٥ ومحمد بن أحمد بن محمد بن الحبال، وعلىّ بن أحمد بن الناصح الحنبلي، وعبد الرحمن بن سليمان بن عبد الرحمن المقدسي ومولده سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وأحمد بن إسماعيل بن خليفة بن الحسبانى الشافعي، وكذا أجاز لهم ما ألّفه وجمعه، وأحمد بن علي بن قوام وعلي بن محمد بن علي بن الحسن ابن حمزة الحسيني الشافعي وعبد القادر بن إبراهيم بن محمد الأرموي ومحمد بن إسماعيل بن محمد بن بردس بن نصر بن رسلان البعلبكي، والجمال عبد الله أبو محمد ابن إبراهيم بن الخليل البعلى بن الشرائحى [وأخيه (١٠٣) ابن مالة] والشهاب أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن عبد القادر الخليلي (١٠٤) قطلو ملك بنت الناصر محمد بن إبراهيم ابن يعقوب بن عبد الملك ولطيفة بنت العزّ محمد بن عثمان الأنباسى وفاطمة بنت
стр. 281
عبد الله بن محمد الحورانى وهند بنت محمد بن علي بن إبراهيم، وكتب عن الجميع ابن موسى المراكشي ومحمد ابن الحاضرى ومحمود بن أحمد بن خطيب الدهشة الإمام نور الدين الشافعي وعلي بن محمود بن أبي بكر السّلمى ثم الحموي الحنبلي الحاكم بمدينة حماة، وأجاز ما صنفه وسيقوله (١٠٥)، ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن أيوب العصيانى الشافعي ومحمد بن جعفر بن علي بن الشويخ ومحمد بن محمد بن علي بن اليونانية البعلى الحنبلي ومحمد بن محمد بن علي بن الحوازة اللبان بالصالحية وأخوه أحمد، ولد محمد سنة اثنتين وخمسين وأحمد سنة أربع وأربعين وسبعمائة ومحمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن علي بن عياش ومولده سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة وابن المحب، وكتب:
وأخبرتهم يروون ما أرويه مع … جمعى ونثرى والقريض بشرطه
من ذاك مسند أحمد مع ستة … كتب الحديث كذا وأجزا قطه (١٠٦)
يا رب فأنفعهم به طول المدى … في صحة من دام ذاك فاعطه
في الخمس والخمسين والسبع المائة … عشرين شوال ولدت لضبطه
ومحمد بن محمد بن محمد … نجل المحبّ يقول ذا وبخطّه
وأحمد بن حجّى بن موسى بن أحمد ومحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله المرادي (١٠٧) القباقيبى الحنبلي ومحمد بن أبي بكر بن كريم (١٠٨) العطار بالقدس الشريف. سمع على الميدومى من مشيخته، وأحمد بن محمد بن الهائم الشافعي وإبراهيم بن أبي محمود أحمد بن إبراهيم بن هلال بن تميم بن سرور المقدسي الشافعي، وأخته (١٠٩) لأبيه فاطمة وزوجته فاطمة بنت سليم، ومحمد بن أحمد بن موسى بن بجاده (١١٠) ومحمد بن إبراهيم بن درباس أحد الخدّام بالمسجد الأقصى الشريف، وكتب عن الأربعة إبراهيم بن أبي محمود وأحمد بن النقيب الحنفي وحسن ابن موسى بن مكي الشافعي، وكتب عن ابن موسى شحنة القاضي بدر الدين قاضى
стр. 282
بيت المقدس، كان سمع على الميدومى المسلسل والبطاقة وغير ذلك، وتوفى سنة سبع عشرة وسبعمائة. وعثمان بن علي بن غانم المقدسي، وإبراهيم بن محمد بن بهادر بن أحمد المغربي النوفلي الشافعي، وعبد الله بن علي بن محمد الكناني العسقلاني الحنبلي سبط القلانسي ومحمد بن أبي اليمن بن الكويك، ومولده في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة.
وكتب شيخنا رضوان تحته: سمع سداسيات الرازي في الرابعة على الأخوة الثلاثة: محمد وإبراهيم وفاطمة أولاد محمد بن محمد الفيومي وسمع على إبراهيم الزرزارى وبدر الدين الفارقي وعلي بن رمح وعبد الله بن محمد بن محمد بن جبر الأنصاري وعلى الفوى ومحمد بن أحمد بن علي الكناني العسقلاني الحنبلي، وعبد الكافي بن عبد الله بن أحمد السويفى الشافعي وأحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي ومحمد بن علي بن محمد الزراتيتى الإمام، وعلي بن حسن بن علي البيجورى الشافعي، وعبد الله بن علي بن فضل الله، كتب شيخنا رضوان تحته: حضر على العرضي جزير الأنصاري وسمع أمالي الأنصاري وثلاثيات المسند مرتبة على الحروف ورباعيات الترمذي جزءين وجزء الغطريف، وأجاز له جماعة فوتت العجلة كتابتهم، فكتب عنهم ابن موسى. فمن أهل حلب عائشة وقفجق ابنتا عبد الله بن أحمد بن عشائر، ومن أهل حمص داود بن ناصر الدين محمد بن السابق، ومن أهل بعلبك يوسف بن أحمد بن أبي الغيث وأمة الواحد بنت العلاء علي بن عمر العطارة، ومن أهل دمشق عائشة بنت علي بن محمد بن عبد الغنى الذهبي ومن أهل داريا: خاتون بنت محمد بن أحمد بن الفقيه، ومن القدس أحمد شهاب الدين ويوسف جمال الدين ابنا علي بن محمد الصفدي، شهرا با بنىّ النقيب الحنفيين، وأحمد شهاب الدين بن محمد الأطروش الواسطي، ومن الخليل العماد إسماعيل بن إبراهيم بن مروان والشمس محمد بن علي بن البرهان وقريبه يوسف بن محمد بن الحسن بن البرهان؛ ومن أهل مصر المحب بن السراج عمر بن علي الحنفي الشهير بابن البابا، والعلامة زين الدين أبو هريرة عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد بن النقاش والشيخ خالد بن قاسم بن محمد (١١١) … والشمس محمد بن يوسف بن سليمان الكتبي الأمشاطى (١١٢).
стр. 283
١١١ - إبراهيم بن خليل بن إبراهيم القراغلام
(١١٣) (بفتح القاف والمهملة وضمّ المعجمة وتخفيف اللام) المدبر في الدولة المعروف الآن بالمدبر وبابن جميلة (بالجيم مصغرا) كان يسكن قرب سويقة الفيل، سمع بعض ابن ماجة على الجوهري والغماري والأنباسى.
١١٢ - إبراهيم بن خليل بن عمر بن أحمد بن خليل بن إبراهيم الفارسكورى
المعروف بابن النبشاوى (١١٤). ولد في أوائل سنة عشر وثمانمائة تقريبا (١١٥) بفارسكور وقرأ بها القرآن وصلى به، ثم ارتزق (١١٦) بالحياكة وما يخلو عن فضيلة في النحو، وهو إنسان جيد وله قول (١١٧) رقيق، عليه آثار الخير والسكينة والله يجبر كسره.
تعاني (١١٨) نظم الشعر فمدح النبىّ ﷺ في قصائد عدة واجتمعت به ليلة الجمعة سابع عشر شعبان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، فأنشدنا من لفظه لنفسه وسمع ابن الإمام وابن فهد:
قد فاق وجهك بدر تمّ مقمرا … وكذا قوامك فاق غصنا مثمرا
والشعر ليل أدعج حلو اللّما … والصبح أضحى من جبينك مسفرا
ولقد حويت بوجنتيك شقائقا … وبورد وجهك فاح بشرا عاطرا (١١٩)
وحويت بالثغر الصحيح سلافة … وحويت فيه عقود در جوهرا
يا مائسا أخجلت أغصان النّقى … بعطاف قدّ للملاحة أظهرا
نلت الجمال ونلت حسنا كاملا … يا متلف العشّاق اسبيت الورى
стр. 284
بهواك قد فتن الوجود بأسره … وكذا الجفون منعتها طيب الكرى
سكنت محبّتك القلوب فأصبحت … بغرام وجدك لا تطيق تصبّرا
وسبيت (١٢٠) أرواح الأنام فلم يزل … يزهو بحسن صباه وجه أقمرا
بضياء طلعتك الدّنى قد أشرقت … بعد الضلال وذل من قد أنكرا
فلك الأمانة والصيانة والهدى … والله أعطاك اللّوا والكوثرا
ولك الحقيقة والشريعة والرّضى … ومن الطريفة غير حسنك لا يرى
يا سيّدا ملأ الوجود بجوده … وبحلمه يا خير من وطأ الثرى
يا من براحته الحجارة سبّحت … وبكفّه الماء الزلال تفجّرا
أنت الرؤوف المشفق الهادي الذي … تنجى العصاة إذا العذاب تسعّرا
سمّيت حقّا أحمدا ومحمّدا … ورسول رحمن أتيت بلا مرا
وبعثت من عند المهيمن رحمة … للمسلمين مبشرا ومحذّرا
أعطيت حظا وافرا لم يعطه … أحد سواك فليس قولي مفترى
من في الخليقة نال ما قد نلته … يا بحر جود بالمآثر قد جرى
أنت الذي أخمدت نيران العدا … وهزمت جيش الكفر ولّى مدبرا
أنت الذي نوديت من ربّ السما … وأتى لك الروح الأمين مخبّرا
أنت الذي لا زلت ترقى في العلا … حتى دنوت مهلّلا ومكبرا
أنت الذي نلت الفضائل كلّها … وحويت علما قدره لن تحصرا
أنت الشفوق رددت عين قتادة … عادت من الشمس المضيئة أنورا
وبلمس عود يابس من وقته … أضحى بفضل اللّه رطبا أخضرا
وبتفلة في الماء وهو مغير … مثل الأجاج فعاد شهدا سكّرا
يا مصطفى أصبحت فيك مولّها … والعقل مختل وفيك تحيّرا
يا عاذلى دعني أهيم بحبّه … ومتى أمت شوقا إليه وأعذرا
هذا النبىّ الهاشمي المجتبى … هذا الذي نال الجمال الأوفرا
هذا المكرم والمعظم شأنه … كتبت له أيدي السعادة أسطرا
стр. 285
هذا المؤيّد والممجّد قدره … قد كان عند البذل بحرا زاخرا
هذا المفضّل والمكمّل بالبها … كم قد كفى كفّاه صبا معسرا
أترى يساعدني الزمان بزورة … قبل الممات أرى بها خير الورى
وأشاهد الأعلام والأرض التي … قد فضّلت وتفوح مسكا أذفرا
وأقبل الأعتاب [من] عرصاتها … وأعفّر الخدّين مع من عفّرا
هي تربة المختار أشرف من بدا … وأجلّ من للّه قام وأنذرا
وأقول عند مقامه بمسرة … هذا الذي لولاه ما طاب السّرى
هذا الذي داس البساط بنعله … في حضرة صمدية لما سرى
هذا المليح الكامل الحسن (١٢١) الذي … عن حبّه إبراهيم لن يتغيرا
من ارض فارسكور يعرف أنّه … يدعى تجافى ذنبه قد أثرا
يا رب بالمختار فاغفر ذنبه … أن الفقير أتاك في طلب القرى
والمسلمين فهب لهم يا ربّنا … منك الرضا والعفو عمّا قد جرى
ثم الصّلاة على النبىّ وآله … ما أقبل الليل البهيم وأدبرا
*** وأنشدنا يوم الجمعة سابع عشر شعبان المذكور:
لا تمزحنّ وكن في الناس ذا أدب … المزح يوقع في الأثام والخطر
فمن يكن مازحا يرمى بمزحته … وكان محتقرا في أعين البشر
وكذلك:
كفّ اللّسان على مدى الأزمان … وإذا نطقت فزنه بالميزان
كم زلة من لفظة يرمى بها … من كان ذا عقل وذا عرفان
وكذلك:
يا من يبوح بسرّه وحديثه … هل غير صدرك في الورى يخفيه
فإذا أبحت السّر تندم حسرة … ويرى عدوّك فيك ما يشفيه