عبد الله بن محمد الحورانى وهند بنت محمد بن علي بن إبراهيم، وكتب عن الجميع ابن موسى المراكشي ومحمد ابن الحاضرى ومحمود بن أحمد بن خطيب الدهشة الإمام نور الدين الشافعي وعلي بن محمود بن أبي بكر السّلمى ثم الحموي الحنبلي الحاكم بمدينة حماة، وأجاز ما صنفه وسيقوله (١٠٥)، ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن أيوب العصيانى الشافعي ومحمد بن جعفر بن علي بن الشويخ ومحمد بن محمد بن علي بن اليونانية البعلى الحنبلي ومحمد بن محمد بن علي بن الحوازة اللبان بالصالحية وأخوه أحمد، ولد محمد سنة اثنتين وخمسين وأحمد سنة أربع وأربعين وسبعمائة ومحمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن علي بن عياش ومولده سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة وابن المحب، وكتب:
وأخبرتهم يروون ما أرويه مع … جمعى ونثرى والقريض بشرطه
من ذاك مسند أحمد مع ستة … كتب الحديث كذا وأجزا قطه (١٠٦)
يا رب فأنفعهم به طول المدى … في صحة من دام ذاك فاعطه
في الخمس والخمسين والسبع المائة … عشرين شوال ولدت لضبطه
ومحمد بن محمد بن محمد … نجل المحبّ يقول ذا وبخطّه
وأحمد بن حجّى بن موسى بن أحمد ومحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله المرادي (١٠٧) القباقيبى الحنبلي ومحمد بن أبي بكر بن كريم (١٠٨) العطار بالقدس الشريف. سمع على الميدومى من مشيخته، وأحمد بن محمد بن الهائم الشافعي وإبراهيم بن أبي محمود أحمد بن إبراهيم بن هلال بن تميم بن سرور المقدسي الشافعي، وأخته (١٠٩) لأبيه فاطمة وزوجته فاطمة بنت سليم، ومحمد بن أحمد بن موسى بن بجاده (١١٠) ومحمد بن إبراهيم بن درباس أحد الخدّام بالمسجد الأقصى الشريف، وكتب عن الأربعة إبراهيم بن أبي محمود وأحمد بن النقيب الحنفي وحسن ابن موسى بن مكي الشافعي، وكتب عن ابن موسى شحنة القاضي بدر الدين قاضى
стр. 282
بيت المقدس، كان سمع على الميدومى المسلسل والبطاقة وغير ذلك، وتوفى سنة سبع عشرة وسبعمائة. وعثمان بن علي بن غانم المقدسي، وإبراهيم بن محمد بن بهادر بن أحمد المغربي النوفلي الشافعي، وعبد الله بن علي بن محمد الكناني العسقلاني الحنبلي سبط القلانسي ومحمد بن أبي اليمن بن الكويك، ومولده في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة.
وكتب شيخنا رضوان تحته: سمع سداسيات الرازي في الرابعة على الأخوة الثلاثة: محمد وإبراهيم وفاطمة أولاد محمد بن محمد الفيومي وسمع على إبراهيم الزرزارى وبدر الدين الفارقي وعلي بن رمح وعبد الله بن محمد بن محمد بن جبر الأنصاري وعلى الفوى ومحمد بن أحمد بن علي الكناني العسقلاني الحنبلي، وعبد الكافي بن عبد الله بن أحمد السويفى الشافعي وأحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي ومحمد بن علي بن محمد الزراتيتى الإمام، وعلي بن حسن بن علي البيجورى الشافعي، وعبد الله بن علي بن فضل الله، كتب شيخنا رضوان تحته: حضر على العرضي جزير الأنصاري وسمع أمالي الأنصاري وثلاثيات المسند مرتبة على الحروف ورباعيات الترمذي جزءين وجزء الغطريف، وأجاز له جماعة فوتت العجلة كتابتهم، فكتب عنهم ابن موسى. فمن أهل حلب عائشة وقفجق ابنتا عبد الله بن أحمد بن عشائر، ومن أهل حمص داود بن ناصر الدين محمد بن السابق، ومن أهل بعلبك يوسف بن أحمد بن أبي الغيث وأمة الواحد بنت العلاء علي بن عمر العطارة، ومن أهل دمشق عائشة بنت علي بن محمد بن عبد الغنى الذهبي ومن أهل داريا: خاتون بنت محمد بن أحمد بن الفقيه، ومن القدس أحمد شهاب الدين ويوسف جمال الدين ابنا علي بن محمد الصفدي، شهرا با بنىّ النقيب الحنفيين، وأحمد شهاب الدين بن محمد الأطروش الواسطي، ومن الخليل العماد إسماعيل بن إبراهيم بن مروان والشمس محمد بن علي بن البرهان وقريبه يوسف بن محمد بن الحسن بن البرهان؛ ومن أهل مصر المحب بن السراج عمر بن علي الحنفي الشهير بابن البابا، والعلامة زين الدين أبو هريرة عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد بن النقاش والشيخ خالد بن قاسم بن محمد (١١١) … والشمس محمد بن يوسف بن سليمان الكتبي الأمشاطى (١١٢).
стр. 283
١١١ - إبراهيم بن خليل بن إبراهيم القراغلام
(١١٣) (بفتح القاف والمهملة وضمّ المعجمة وتخفيف اللام) المدبر في الدولة المعروف الآن بالمدبر وبابن جميلة (بالجيم مصغرا) كان يسكن قرب سويقة الفيل، سمع بعض ابن ماجة على الجوهري والغماري والأنباسى.
١١٢ - إبراهيم بن خليل بن عمر بن أحمد بن خليل بن إبراهيم الفارسكورى
المعروف بابن النبشاوى (١١٤). ولد في أوائل سنة عشر وثمانمائة تقريبا (١١٥) بفارسكور وقرأ بها القرآن وصلى به، ثم ارتزق (١١٦) بالحياكة وما يخلو عن فضيلة في النحو، وهو إنسان جيد وله قول (١١٧) رقيق، عليه آثار الخير والسكينة والله يجبر كسره.
تعاني (١١٨) نظم الشعر فمدح النبىّ ﷺ في قصائد عدة واجتمعت به ليلة الجمعة سابع عشر شعبان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، فأنشدنا من لفظه لنفسه وسمع ابن الإمام وابن فهد:
قد فاق وجهك بدر تمّ مقمرا … وكذا قوامك فاق غصنا مثمرا
والشعر ليل أدعج حلو اللّما … والصبح أضحى من جبينك مسفرا
ولقد حويت بوجنتيك شقائقا … وبورد وجهك فاح بشرا عاطرا (١١٩)
وحويت بالثغر الصحيح سلافة … وحويت فيه عقود در جوهرا
يا مائسا أخجلت أغصان النّقى … بعطاف قدّ للملاحة أظهرا
نلت الجمال ونلت حسنا كاملا … يا متلف العشّاق اسبيت الورى
стр. 284
بهواك قد فتن الوجود بأسره … وكذا الجفون منعتها طيب الكرى
سكنت محبّتك القلوب فأصبحت … بغرام وجدك لا تطيق تصبّرا
وسبيت (١٢٠) أرواح الأنام فلم يزل … يزهو بحسن صباه وجه أقمرا
بضياء طلعتك الدّنى قد أشرقت … بعد الضلال وذل من قد أنكرا
فلك الأمانة والصيانة والهدى … والله أعطاك اللّوا والكوثرا
ولك الحقيقة والشريعة والرّضى … ومن الطريفة غير حسنك لا يرى
يا سيّدا ملأ الوجود بجوده … وبحلمه يا خير من وطأ الثرى
يا من براحته الحجارة سبّحت … وبكفّه الماء الزلال تفجّرا
أنت الرؤوف المشفق الهادي الذي … تنجى العصاة إذا العذاب تسعّرا
سمّيت حقّا أحمدا ومحمّدا … ورسول رحمن أتيت بلا مرا
وبعثت من عند المهيمن رحمة … للمسلمين مبشرا ومحذّرا
أعطيت حظا وافرا لم يعطه … أحد سواك فليس قولي مفترى
من في الخليقة نال ما قد نلته … يا بحر جود بالمآثر قد جرى
أنت الذي أخمدت نيران العدا … وهزمت جيش الكفر ولّى مدبرا
أنت الذي نوديت من ربّ السما … وأتى لك الروح الأمين مخبّرا
أنت الذي لا زلت ترقى في العلا … حتى دنوت مهلّلا ومكبرا
أنت الذي نلت الفضائل كلّها … وحويت علما قدره لن تحصرا
أنت الشفوق رددت عين قتادة … عادت من الشمس المضيئة أنورا
وبلمس عود يابس من وقته … أضحى بفضل اللّه رطبا أخضرا
وبتفلة في الماء وهو مغير … مثل الأجاج فعاد شهدا سكّرا
يا مصطفى أصبحت فيك مولّها … والعقل مختل وفيك تحيّرا
يا عاذلى دعني أهيم بحبّه … ومتى أمت شوقا إليه وأعذرا
هذا النبىّ الهاشمي المجتبى … هذا الذي نال الجمال الأوفرا
هذا المكرم والمعظم شأنه … كتبت له أيدي السعادة أسطرا
стр. 285
هذا المؤيّد والممجّد قدره … قد كان عند البذل بحرا زاخرا
هذا المفضّل والمكمّل بالبها … كم قد كفى كفّاه صبا معسرا
أترى يساعدني الزمان بزورة … قبل الممات أرى بها خير الورى
وأشاهد الأعلام والأرض التي … قد فضّلت وتفوح مسكا أذفرا
وأقبل الأعتاب [من] عرصاتها … وأعفّر الخدّين مع من عفّرا
هي تربة المختار أشرف من بدا … وأجلّ من للّه قام وأنذرا
وأقول عند مقامه بمسرة … هذا الذي لولاه ما طاب السّرى
هذا الذي داس البساط بنعله … في حضرة صمدية لما سرى
هذا المليح الكامل الحسن (١٢١) الذي … عن حبّه إبراهيم لن يتغيرا
من ارض فارسكور يعرف أنّه … يدعى تجافى ذنبه قد أثرا
يا رب بالمختار فاغفر ذنبه … أن الفقير أتاك في طلب القرى
والمسلمين فهب لهم يا ربّنا … منك الرضا والعفو عمّا قد جرى
ثم الصّلاة على النبىّ وآله … ما أقبل الليل البهيم وأدبرا
*** وأنشدنا يوم الجمعة سابع عشر شعبان المذكور:
لا تمزحنّ وكن في الناس ذا أدب … المزح يوقع في الأثام والخطر
فمن يكن مازحا يرمى بمزحته … وكان محتقرا في أعين البشر
وكذلك:
كفّ اللّسان على مدى الأزمان … وإذا نطقت فزنه بالميزان
كم زلة من لفظة يرمى بها … من كان ذا عقل وذا عرفان
وكذلك:
يا من يبوح بسرّه وحديثه … هل غير صدرك في الورى يخفيه
فإذا أبحت السّر تندم حسرة … ويرى عدوّك فيك ما يشفيه
стр. 286
١١٣ - إبراهيم بن صدقة بن إبراهيم بن إسماعيل
، الشيخ الفاضل بن عزّ الدين بن فتح الدين المقدسي الأصل ثم الصالحي، (نسبة إلى صالحية دمشق)، القاهري المولد والمنشأ، الصوفي بالأشرفية المستجدة، الحنبلي، المعروف والده بالصائغ وبالبزاز (١٢٢).
ولد سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة تقريبا، وسمع على الجمال الباجي مسموع الفاقوسى من الطبراني الكبير وعلى التّقى ابن حاتم «دلائل النبوة» للبيهقي وعلى الشمس العسقلاني «الشاطبية»، وعلى السويداوى «النسائي الصغير» وعلى العلامة القاضي فخر الدين أبى اليمن محمد بن العلامة العلاء أبى عبد الله محمد بن الكمال محمد بن أسعد بن عبد الكريم الثقفي القاياتى الشافعي، والصالح المعمّر العمرى الصلاح أبى عبد اللّه محمد بن محمد بن عمر الأنصاري البلبيسى الشافعي والصالح الشمس محمد بن ياسين بن محمد الجزولى المصري المالكي جميع «صحيح مسلم»؛ وعلى النجم عبد الرحمن بن عبد الوهّاب بن عبد الكريم بن رزين جميع «صحيح البخاري»، أنا الحجار ووزيرة، أنبأنا الزبيدي، أنبأنا أبو الوقت، وسمع غير ذلك فأكثر (١٢٣).
١١٤ - إبراهيم بن عبد الرحمن بن حمدان بن حميد
(مكبر) العنبتاوى الأصل (نسبة إلى قرية عنبتا) بفتح العين المهملة والنون وسكون الموحدة بعدها مثناة فوق، بجبل نابلس، المقدسي (١٢٤) الصالحي الحنبلي بن شهاب الدين بن الشيخ زين الدين أخو أحمد المقدم، كان يسكن بقرب بيت ابن عبادة.
ولد سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة بصالحية دمشق وقرأ بها القرآن وصلّى به في رمضان، وحفظ تصنيف والده المسمى «بالأحكام في الحلال والحرام» وهو مختصر كتاب «الانتصار» للقاضي كمال الدين المرداوى؛ وحفظ «ألفية ابن مالك»، «وعمدة
стр. 287
الفقه» للشيخ موفق الدين بن قدامة، وعرض هذين على قاضى القضاة شمس الدين القباقبى الصالحي والشهاب بن يوسف المرداوى، وفي النحو على ابن يونس (١٢٥) أيضا ونشأ على خير، وأخبر أنه سمع الحديث على المحبّ الصامت والحافظ وناصر الدين بن رزيق، وأنه سمع على عائشة بنت عبد الهادي جميع البخاري ولا اتّهمه بكذب ولكن يغلب عليه سذاجة الباطن والغفلة، وسمع على غيرهم.
أخبرني أن أباه اختصر «سيرة ابن هشام» وباشر الشهادة بجامع بنى أمية ثم انقطع إلى المتجر وأغناه الله، وتردّد إلى القاهرة مرارا للتجارة وهو إنسان جيّد ديّن عدل رضىّ مواظب على الصلاة مع الجماعة والتكسب من الحلال، وهو سليم الفطرة (١٢٦) مع كثرة أسفاره، طاف العجم والروم وعرف بلسانيهما ولم يتيسر له الحج إلى الآن، أعانه الله وإيانا على ذلك.
حدثني بأعجوبة قال: ضاق بي الحال مرة واستدنت دينا واشتريت به بعض الأصناف وقدمت به القاهرة، فاشترى القاضي بدر الدين ابن نصر اللّه وهو إذ ذاك ناظر الخواص ومطلنى بالثمن زمانا طويلا وكنت أدخل إليه فلا يلتفت إلىّ وأخبرني ذلك فشكوته إلى السلطان الأشرف برسباى فأمره بإعطائي، ثم دعا رأس نوبة النوب تغرى بردى المحمودي بعد ذهابي وتوعّده على عدم تمكينى من الوصول إليه مراعاة لابن نصر اللّه فتوجهت إليه وطالبته فأعلى لي القول، فلما خرجت من عنده أعلمني التاج الوالي بتوعد السلطان لرأس نوبته ومنعني من الوصول إلى السلطان فقلت: إنما أشكو بثّى وحزنى إلى اللّه، وأرسلت إلى دمشق آمر أقاربى أن يتوجهوا إلى الحوش الذي فيه قبر الشيخ ابن عمر الحنبلي ويقرءوا عنده سورة الأنعام ويدعوا على ابن نصر الله، ثم توجهت إلى الجامع الأزهر فصليت إلى جانب الشيخ خليفة (١٢٧) المغربي ولازمت صلاة الفرائض
стр. 288
عنده ولا أكلّمه، فلما صليت الظهر من الغد قال لي: أيش اتفق لك مع ناظر الخاص من جهة الصنوف؟ ولم أكن حكيت له شيئا من القضية قبل ذلك، فأخبرته الخبر وقلت له عن الذي أرسلت به إلى أقاربى، فقال: إنّ الله انفذ السهم، ما يضيع لك شئ وفي مثل هذا اليوم تزول عنه هذه الوظيفة، ثم جاءه من عند البدر (١٢٨) المذكور مملوك بعد ذهابي فأعلمه خبري وخوّفه من انتقام الله لأجل ظلمي، فلما كان مثل ذلك اليوم عزل من النظر فتوجّهت إليه فقام لي وأجلسني قريبا منه ودفع لي حقي وعاتبني على إرسالى إلى أقاربى ليدعوا عليه، فجئت إلى الشيخ خليفة فقال لي من حين رؤيتي: «تجهّز فإن ولدك ما هو طيب ولكنه إلى سلامة»؛ فأسرعت فوجدت ولدى مطعونا ثم عوفي من ذلك الطعن، ولله الحمد.
قلت: والشيخ خليفة المشار إليه أعلاه هو الذي جاور في الجامع الأزهر حتى توفّى به سنة [تسع (١٢٩) وعشرين وثمانمائة]. وليس هو الذي كان (١٣٠) بالقدس هذا أبيض وذاك أسود الوجه كما هو أسود القلب فإنه مبتدع كاذب كان يكثر مطالعة كلام ابن عربى كالفصوص وغيره حتى مات على ذلك بالقدس سنة [ثلاث (١٣١) وثلاثين وثمانمائة]، نسأل اللّه السلامة والموت على الإسلام.
١١٥ - إبراهيم بن عبد الله بن أحمد بن علي بن محمد بن القاسم
بن صالح بن هاشم القاضي أبو الوفا، برهان الدين بن الشيخ الإمام جمال الدين بن الشيخ الإمام الحافظ شهاب الدين العريانى الشافعي. ولد ثاني عشرى جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة بالقاهرة وقرأ بها القرآن، وأخبرني أنه تلا برواية أبى عمرو على الشمس الزراتيتى، وبكر أبوه فاستدعى له صغيرا، وأنه أخذ النحو عن الشمسين البرماوى والشطنوفى وغيرهما، والفقه عن الشمسين البرماوى والعراقي والبرهان البيجورى وقريبيه
стр. 289
شمس الدين ونور الدين، و [أخذ] علم الحديث على الولىّ العراقي والشهاب بن حجر، وانتفع بوالده الشيخ جمال الدين عبد اللّه في النحو والفقه والحديث، وحجّ مرتين أولاهما (١٣٢) سنة ثمان وعشرين، وناب لشيخنا (١٣٣) قاضى القضاة في الحكم، وادّعى أنه صنف «شرح الشواهد الواقعة في الكافية الشافية» لابن مالك فرأيته فإذا هو شرح حسن يدلّ على اطلاع كثير جدا في النحو وغيره، وحفظ غزير للحديث والأشعار العربية والأمثال فاستكثرته عليه، فلما مات (١٣٤) الشيخ تقى الدين المقريزي، وكان كثير التردّد إليه، أخبرني بعض ثقات أصحابه أنه وجد بتركته شرح شواهد (١٣٥) الكافية المذكورة وأظنّ أنه قال لي إنه للشمس الغماري ولا أشكّ أن الأمر كذلك وأنه أخذه وزاد عليه يسيرا: إن كان؛ وله نظم لا يخلو من النكت الحسنة لكن ربما انتقل فيه من بحر إلى بحر، وربما كان مكسورا أصلا، وهو مسرف على نفسه متهتك (١٣٦) بذلك، والله يغفر لنا وله.
سمع الحديث المسلسل بالأولية من لفظ شيخ الإسلام سراج الدين أبى حفص عمر بن نصر وهو في الخامسة، وهو أول حديث سمعه عليه مطلقا بسماعه له بشرطه من أحمد بن كشتغدى بن عبد اللّه الصيرفي وأبى الفتح صدر الدين بن محمد بن محمد ابن إبراهيم الميدومى، قالا أنبأنا الشيخ نجيب الدين عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني، أنبأنا الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، حدّثنا أبو سعد إسماعيل بن أحمد بن عبد الملك النيسابوري وهو أول، حدّثنا والدي أبو صالح المؤذن وهو أول، حدّثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال البزاز وهو أول، حدثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن مخمّس الزيادي وهو أول، حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم وهو أول حديث سمعته منه حدّثنا سفيان بن عيينة وهو أول حديث سمعته من سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد
стр. 290
اللّه بن عمرو بن العاص أن رسول اللّه ﷺ قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، وسمع عليه جميع فضل الصلاة على النبىّ ﷺ لإسماعيل القاضي بسماعه على النجم بن إسماعيل التفليسي (١٣٧)، وسمع على قاضى القضاة صدر الدين محمد بن إبراهيم المناوي جميع نسخة إبراهيم بن سعد الزهري، وسمع بقراءة والده في الحاشية جزء أبى الجهم على البرهان الشامىّ، وسمع عليه أيضا جميع الدّارمى وتسلسلت له سورة الصف، وسمع غير ذلك وأكثر، وسمع جميع مشيخة أحمد بن عبد الدائم الظاهرية وهو في الخامسة على الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن الغزّى بن الشيخة، وسمع وهو في الرابعة بقراءة والده على ستيتة بنت الشيخ شمس الدين محمد بن غالى بن نجم الدمياطي الجزء الثالث والرابع من كتاب «الطفيليين» للخطيب البغدادي بسماعها على والدها لجميع الكتاب وهو في أربعة أجزاء، بسماعه على النجيب عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني، أنبأنا الشمس أبو يعلى حمزة بن القبيطى الحراني، أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن بويه، أنبأنا الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الخطيب فذكره.
وسمع على الشمس الفرسيسى ختم سيرة ابن سيد الناس الكبرى وهو المجلس الثاني عشر، وأوله: ذكر جمل من أخلاقه ﷺ ، وآخر الكتاب كما في محمد بن حسن.
١١٦ - إبراهيم بن علي بن أحمد بن أبي بكر بن محمد
بن عبد الرحمن بن محمد بن برهان الدين البهنسى الصوفي بخانقاه بيبرس الشافعي.
ولد سنة ست (١٣٨) وستين وسبعمائة تقريبا وهي سنة وقعة إسكندرية بالقاهرة وقرأ بها القرآن برواية أبى عمرو على الشيخ محمد التروجى، وحفظ العمدة و «المنهاج» للنواوى و «ألفية» ابن مالك و «منهاج» البيضاوي. وأخذ النحو عن شهاب الدين الأسيوطيّ،
стр. 291
والفقه عن الشيخ فتح الدين التزمنتى وعزّ الدين الأسيوطيّ، وبحث في الأصول على علي بن عمران المنوفى وحجّ مرتين أولاهما دون البلوغ والثانية سنة ست وثمانين، ورحل إلى دمياط على قدم التجريد؛ وأنشد بها من نظمه شمس الدين الفرسيسى يمدحه، وقد كانت حصلت بمصر جائحة وقع بها غلاء:
أيا مولى سماحة راحتيه … يبادر كلّ ذي فقد إليها
عزمت على المقام لديك لمّا … تغيرت البلاد ومن عليها
أنشدني ذلك يوم السبت ثاني عشر رمضان سنة إحدى وأربعين بالقاهرة قرب جامع (١٣٩) الحاكم وكذا ما بعده، أنشدني الجميع من لفظه:
عذار معذبي لمّا تبدّى … وقامة قده ألف تسامى
وفي هذا وذاك أطال عذلى … عذولى مذ رآني ألفا ولا ما
وكذلك:
لما رأيت الورد ضاع بخدّه … وعذاره آس عليه دائر
أيقنت أن القدّ غصن مثمر … بجماله وعليه قلبي طائر
وكذلك:
وشادن يروى حديث الهوى … بصحة عن جدّه الأزهري
حتى إذا عارضه عارض … أصبح يرويه عن الأشعري
وكذلك:
عليك بخصلتين تعش سعيدا … ولا تك ما حييت لهن كاره
مواظبة الصلاة بلا توان … وإسباغ الوضوء على المكاره
وكذلك:
دع النسوان واهجرهنّ طرّا … ولا تركن (١٤٠) لربات الحجال
فما من فتنة تخشى لعمري … أشدّ من النساء على الرجال
стр. 292
وكذلك:
قل لخلّ رنا إلى امرأة … شقيت: فلا تطل لها نظرا
لا بارك الله في النقاب فكم … وجه قبيح من تحته سترا
وكذلك:
أقول لذي مال يميل إلى الربا … ويظهر فقرا عادما لصواب
صحابك يا هذا لعمري تناقصت … لأنك ذو مال وأنت ترابى
وخمّس البردة تخميسا غريبا، وهو أنه افتتح بصدر بيت الشيخ (١٤١) وختم بعجزه، وجعل كلامه بينهما، فقال في محمد سيد الكونين والثقلين.
محمد سيد الكونين والثقلين … المجتبى كرما من كعب بن لؤىّ
ومن به شرفت بين الأنام قصى … ومن به شرف الشرفين الأقربين
والفريقين من عرب ومن عجم
وقال في قوله «فإن لي نسبة منه بتسميتى»، البيت
فإنّ لي نسبة منه بتسميتى … باسم (١٤٢) ابنه وهو من دون الورى ثقتي
وليس ينفعني ذخرا لمرتبتى … إلّا الذي أرتجيه يوم معذرتي
محمد وهو أوفى (١٤٣) الخلق بالذّمم
وأنشدني كذلك من لفظه يوم الأحد ثاني عشر رمضان سنة إحدى وأربعين:
يا غصن بان النّقا قامتك في تمام … وورد خدّيك قد لمّ إليها إلمام
هذا العذار زرد أم حمل يا همام … أم أس أم هو بنفسج عارضو تمام
وكذلك:
حبىّ الذي عن وداد قط ما نبرح … مقرى وكم قد شفا لفظو حشا مقرح
стр. 293
طلبت وصلوا لعلىّ باللقا أفرح … قرا «عبس» (١٤٤) وتركني في «ألم نشرح»
وكذلك في كان وكان:
ما هو الغريب من يفارق … أهلو وإلفو وموطنه
إلّا الغريب من حبيبه … جارو وهو محجوب عنه
وكذلك: موشح:
من سبا الغزلان جيد والدّما … بجفون ساحرات نعّس
ومهجتي تفديه من ظبي وما … يغلى لو يفدّى بكل الأنفس
مهجتي تفدى (١٤٥) غزالا معرضا … عمّه بالحسن خال كالدّجى
فرقّه كالصبح لما أومضا … وسواد الشعر كاللّيل سجى
سمته في جنح ليل قد أضى … كانشقاق الصبح لمّا انبلجا
جاد (١٤٦) دورى لحظة لما رمى … بسهام من حواجب قسى
رد قلبي فيه من حرّ الظما … وجوى تسهيده في هوس
أنشدني (١٤٧) البرهان البهنسى يوم الأحد العشرين من رمضان سنة إحدى وأربعين وثمانمائة وبيت لنفسه من لفظه:
بي من قمر تحبّه يتمنى … نيران أمسى هجيرها يؤلمني
كم قلت له صلنى فما جاوبنى … إلا بسهام لحظه كلمني
وكذلك قوله:
باكر معي يا صاح … نستجلى الأقداح
فكم ذهب في الحميا … ذهب على كأس وراح
стр. 294
ضرب ثان منه:
قم يا خليع العذار … بروضة الأزهار
وانظر ترى القمرى فيها … غنى على العود وطار
وكذلك:
لقد كان يوم الفراق … مرّ المذاق علقم
أيش ضرب بيد الصفاح … وأيش لدغة الأرقم
وكذلك منه أيضا:
من أهوال يوم الفراق شابت مفارقنا … وأرواحنا بالنحيب كادت تفارقنا
وكذلك منه أيضا:
سمعنا حمام في البستان يعدّد على الأوراق … وما نعرف أيش يقول صفالو الزمان أو راق
ولو كان صفالو الزمان والأيام أو راقوا … ما كان أخذلوا غصن يقدر على أوراقو
عرض الشيخ عزّ الدين مواضع من «العمدة في الأحكام» على عبد الخالق بن علي ابن الفرات المالكي آخر سنة ثمانين وسبعمائة وأجاز له، وعرض، على السراج ابن الملقّن في السنة وأجاز له روايته عنه عن الحافظين فتح الدين اليعمري وقطب الدين عبد الكريم الحلبي كلاهما على الفخر بن البخاري عن المؤلف، وعن المسند بدر الدين حسن الأربلي عن ابن عبد الدائم عن المؤلف، وأجاز له أن يروى (١٤٨) عنه شرحها الذي ألّفه عليها وأسماء رجالها وغير ذلك ممّا ألّفه وشاع له وعنه روايته، وعرض «منهاج الفقه» على السراج بن الملقن سنة ٧٨٥ وأجاز له وعرض عليه الألفية سنة ست وثمانين وأجاز له روايته عنه عن المسند أحمد بن كشتغدى عن مؤلفها جمال الدين بن عبد الله محمد بن مالك الطائي الحيانى، وأنشدني في يوم الاثنين المذكور من لفظه لنفسه قوله:
стр. 295
مع رابعة والخميس ست النسا … سبعة ثمان أشيا شفا للكئيب
ثغر در ومرجان وريق وابتسام … والشهد والراح والضرب والضريب
قالت لي منيتي، قلت: يفنى الزمان … في مدحكى ياست كل الملاح
لكن نصف بعض الجمال الجميل … ربقك سلافة حان، وثغرك أقاح
وقدك قد قدّ لين الغصون … قالت: ووجهي؟ قلت: شمس الصباح
أو بدر لاح وأشرق على عصن بان … بالحسن مثمر بالملاحة خصيب
قالت: ولحظى؟ قلت من غير خطا … إلى الخطا منسوب وسهمو مصيب
يا من لها عين صاد وقامة ألن … وقد حوى ثغرها ريق مدام
وحقّ واوين صدغك العاطفة … عيني بقت غين من عزول جار ولام
وإنا نقول لو لام ألن يا عذول … والظهر من ذاك، ولا أصغى ملام
في حاجبين نونين، وفي الشكل زين … مرفوع بنفسه قدّ أهيف رطيب
قطع ألف وصلى ونا في نصب … ولا لقيت من وصالو نصيب
ستّ البها، زين الملاح، منيتي … في حسنها ما رأيت لها من شقيق
стр. 296
سألتها عن ثغرها والجبين … وخالها والخدّ يحكى الشقيق
خالك شيح أو مسك أو أبنوس … قالت كلام يشقق فؤادي شقيق
خالى وخدّى والجبين والشعر … والقدّ والرّدف والثقيل النسيب
مسكى ووردى والصباح والدّجى … وغصن بان أهيف طلع في كثيب
لك وجنتين جنة ونار أو نقول … ياست دنيا في رضاها حبيت
شقيق وورد أحمر على ياسمين … ولا تقول تفاح في روضة نبتّ
أو زهر حطمية طري أو شفق … أو جلنار بالحيا قد ربت
ولا تقول ياقوت شريت أو جمر … بماء الحيا توقّد، وهذا عجيب
من وجنتين في الواحدة ماء الحياة … توقد، وفي الواحدة حذاها لهيب
جادت بطيب الوصل منها فقم غنى … مقامي من عيش للصباح
واذهب ذهب كيسك على راح … وكأس فكم ذهب من مالها على كأس وراح
واحضر مقامي تلتقى يا نديم … معدود لشرب الراح ووصل الملاح
سبعة ثمانية أشياء لضيقى فرج … تارة فيها يحضر وتارة يغيب
стр. 297
راحة، وراح، والكاس، وكأس المدام … والعود، وعوّاد والنديم والحبيب
جبري انكسر، والوصل عنى انقطع … لما جفت، وانعوج المستقيم
وأصبح وجودي في وجودي عدم … وصرت مضنى الجسم بالى سقيم
ومن بحبها وطول المطال … صبري عزم ع الرحيل ووحدى مقيم
وبعدها كابدت من بعدها … سبعة ثمانية أشياء تضيّق الرحيب
شوقى ووجدى، والسهر، والبعاد … والصدّ، والبين، والبكا، والنحيب
فنّ الزجل ما كل حدّ ينظموا … إلا القليل، والكل يتكشروا
إن جيت تعرفهم عليك ينكسروا … وفي النظام الكلّ ينتشروا
إلى ورا في النظم يمشوكم … في أذيال خطاهم في الخطى يعتروا
والعالية فيهم يرى لو نظام … لفظو الحسن زينه وعمر ونحيب
فاخر مفاخر في جميع الفنون … يفخر بلفظ وحين يقول يا أديب
النظم والنثر لأهل الأدب … مدح الرسول الهاشمي المصطفى
نبي غدا لو في القيامة مقام محمود
стр. 298
وحوض مورود وورد وشفا … ترى الغيمة بظلله معتمه
وقد ظهر للخلق ما كان خفا … يسجد يسأل في سجدتو أمتّوه
يسمع جواب جليل قريب مجيب … ارفع وسل تعطه وقل يسمع
واشفع تشفع عندنا ما يخيب … وأنا إبراهيم لي نظم لو يكتبوه
بماء الذهب اللازورد أنصفوه … مصرى وغربته بقوا يحسبوه
نظام ابن قزمان إذ يوصفوه … صوفي ولي برهان بحالي صفا
وأهل المعاني والبيان يعرفوه … نظمو البديع موزون محرر رقيق
وإن أنكروا وجد الجهول المريب … قد تنكر العين من عماها الضيا
١١٧ - إبراهيم بن علي بن محمد بن داود بن شمس بن عبد الله البيضاوي
الزمزمى (١٤٩) المكي الشافعي، الإمام العلامة الأديب برهان الدين أبو إسحاق ولد بمكة سنة سبع وسبعين (١٥٠) وسبعمائة.
стр. 299
١١٨ - إبراهيم بن علي بن ناصر الدين
، الشيخ الإمام العالم برهان الدين الدمياطي الشافعي، نزيل حلب وقاضى العسكر بها.
ولد في أوائل سنة خمس (١٥١) وستين وسبعمائة تقريبا.
١١٩ - إبراهيم بن علي بن محمد بن محمد بن ظهيرة المخزومي
المكي الشافعي، الإمام العلامة برهان الدين بن القاضي نور الدين بن قاضى القضاة أبى البركات كمال الدين بن أبي (١٥٢) البقاء أبى السعود جمال الدين.
ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وثمانمائة بمكة المكرّمة، وتلا بروايتى أبى عمرو ونافع من طريق الشاطبية على الزين عبد الرحمن بن عبّاس، وأخذ النحو ببلده على الشيخ أحمد الشوائطى وعن البرهان الهندي، والفقه عن عمّه القاضي أبى السعادات والشيخ حسين الأهدل (١٥٣) اليمنى، وأصول الفقه عنهما وعن البرهان الهندي والشيخ أبى الفضل المغربي وانتفع به ما لم ينتفع بغيره، و [أخذ] المنطق عن جماعة من الأعاجم منهم السيد على الشيرازي، وأصول الدين عن النور البوشى.
لقيته (١٥٤) مرة في مكة المشرفة سنة تسع وأربعين وهو يشار إليه في الفضل والدين.
قرأ في سنة خمسين على شيخنا محقق الزمان أبى الفضل المشدالى التجاني جميع «العضد».
فعلا به علوّا كبيرا، ثم رحل سنة إحدى وخمسين إلى القاهرة وأخذ عن مشايخها كشيخ الإسلام ابن حجر علم الحديث والفقه، وعن الكمال بن الهمام الأصول الفقهية، وعن التقىّ الشمنى المنطق والنحو، وعن الشرف يحيى المناوي الفقه فتقدّم كثيرا وأذن له شيخ الإسلام ابن حجر في الإفتاء والتدريس.
стр. 300
وهو شاب (١٥٥) حسن الشكل والمعنى، نشأ في حجر الشهامة والعلم، وربّى في حظيرة السيادة والصيانة والحلم فبرع صغيرا، ومهر في فنون العلم حتى صار بسيادتها جديرا، وتقدّم أقرانه فهو المظنون ألّا قرين (١٥٦) له كثيرا، ولم يخرج من القاهرة إلّا وقد امتطى مراتب الأسلاف، وفاق كثيرا منهم بلا خلاف، ويقرب عندي من التحقيق أنه ينتهى إليه رياسة الحجاز دنيا ودينا، وفضلا وشهامة وعقلا.
١٢٠ - إبراهيم بن عمر بن إبراهيم
، قاضى القضاة برهان الدين السوبينى (بضم المهملة وبعد الواو موحّدة مكسورة ثم تحتانية ونون)، ثم الطرابلسي الشافعي، هكذا أملى علىّ نسبه وقال إنه لا يحفظ ما بعد جدّه.
وأبوه ينسب إلى بعض قبائل العرب ولا يذكر كله أو جله، فلم أحفظ شيئا من ذلك ولا إلى أي قبيلة كان ينسب، وأما الأم فإنها بكريّة.
ولد قبل سنة ثمانمائة في قرية سوبين (١٥٧) وقرأ بها القرآن، بعضه بها وبعضه بحماة، ثم انتقل به أبوه إلى طرابلس فحفظ «المنهاج» الفقهي والأصلي و «الحاجبية» و «إيساغوجى»، وأخذ فقه الشافعية عن الشيخ شمس الدين ابن زهرة والشيخ شمس الدين (ليس هو شيخ (١٥٨) الصلاحية) الهروي وغيرهما، وفقه الحنفية عن القاضي شمس الدين الصفدي وبحث عليه جميع «المختار» وغيره، والفرائض والوصايا عن الشيخ شهاب الدين أحمد بن المالكي، والحساب والغبار عن الشمس الهروي، وعلم التجنيس (١٥٩) والحساب عنه كذلك، ورحل إلى القاهرة سنة ثلاث وأربعين، وأخذ الجبر والمقابلة والمساحة عن الشهاب بن المجدى والمقنطرات في الوقت وغير ذلك، والتصريف والنحو عن الشيخ شهاب الدين بن يهوذا (١٦٠) الحنفي وعن الشمس الحنفي
стр. 301
قاضى طرابلس وغيرهما، وسمع الشهاب أحمد بن البدر الطرابلسي والشهاب ابن الجمال والشمس ابن زهرة وشيخنا شيخ الإسلام وغيرهم، وبحث عليه علم الحديث وشرح «فرائض المنهاج» في أربعة مجلدات وشروحا أخرى أربعة، كل منها في مجلدة، وابتدأ شرح المنهاج وأخذ يشرح التمييز فوصل إلى الرهن في مجلدين (١٦١)، و «الإبهاج في لغات المنهاج» في ثلاثة مجلدات ومجلدا لطيفا في التجنيس في الحساب وشرح «الشامل الصغير» في مجلد كبير، وأوضحه في مجلدة لطيفة سماها «الضياء الكامل في إيضاح الشامل» و «أقدار الرابض على الفتوى في الفرائض» في مجلدة، ذكر فيه خلاف المذاهب الأربعة والخلاف العالي وغير ذلك، منه «ألغاز على أبواب التنبيه» في مجلدين، وشرح «ترتيب المنهاج» في مجلدة. وأفتى في طرابلس؛ وهو ديّن مع محبة للرفعة بالغة (١٦٢)، وصنّف كرّاستين جمع فيهما مسائل زعم أنه ينسب فيها إلى الساكن قول (١٦٣) وقف عليهما الشيخ برهان الدين بن خضر العثماني فردّ عليه فيهما، ثم وقفت عليها فوجدت الرجل لا يدرى ما يقول، ولو سلك المسلك الذي سلكه لكان جميع مسائل الفقه من أوّله إلى آخره على هذا النمط (١٦٤) فإن ذهنه إذا كرر عليه شئ حفظه، وأمّا مخيّلته ففاسدة جدا، وهو على إظهاره أحواله في قالب الصّلاح كلها شديد المحبة للرئاسة كثير الدعوى يرى أنه لا أعلم منه، وأنه إذا قال شيئا لا يمكن أن يقال غيره، وتصرّفه في أمر الدنيا أسوأ حالا من تصرفه في العلم لا يتحرك في حركة وتحمد عاقبتها، وهو مع ذلك واثق بفعله، وإذا أخطأ في شئ ظن أن يخلفه المراد إنما هو في أمور خارجية، ولقد غلط فيه شيخنا قاض القضاة الكناني فترجمه في كتابه مشتبه النسبة بترجمة تستكثر على شيخه ابن زهرة ثم لجّ في غلطه، وكان الظاهر جقمق [غضب] (١٦٥) على القاضي الشافعي بمكة فعزله وآثره بهذا فولّاه في رجب سنة ثمان وأربعين وثمانمائة، ثم سافر مع الحاج الرجبى فباشر الحكم وعفّ فحمدت سيرته في
стр. 302
ذلك جدا ولم يتدنّس بدرهم فما فوقه، وأثنى عليه بالعفة (١٦٦) المخالف والموافق، وانقاد له الضعفاء وعكفوا عليه، وأما غيرهم فإنّهم لم يلبثوا إلّا ريثما حين عرفوا جنّته وسوء تصرّفه فغضب (١٦٧) عليه جماعة ونفروا عنه، وعدّ هباء منثورا؛ سأله الشريف أبو القاسم واجتهد السوبينى في عزله أو إحضاره إليه فلم يصل إلى شئ وندب الركن الذي أقامه الظاهر في مكة من جهته فلم يساعده، وكتب أبو القاسم كتابا يتهدده فيه بالمنع من الحكم وغير ذلك فخارت قواه، وخاف أن يتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق (١٦٨) ومنعه الخوف من قبول ما يشار عليه به مما يرجى له فيه الفرج (١٦٩) وهو مقيم على غير طائل في ذل لا يرضى بحمله عاقل، ولم يزل يسبق به جوار العفاف ويقصر بمعاليه كاذب الحين حال الإرجاف وينفر عنه الأشراف عدم الإنصاف إلى أن أبلغ السلطان كلّ من قدم عليه بما يحصله أنه لا يصلح للقضاء بسبب كونه لا يعرف خداع الناس ولا تلبيساتهم ولا مداراة من تجب مداراته في هذا الباب فلا يبلغ بسبب ذلك من الأحكام قصده، مع ثناء الناس عليه بالعفة والدّيانة، فعزله بأبى السعادات ابن ظهيرة، وتوجّه الأمر بذلك مع الحاج سنة تسع وأربعين وثمانمائة فقدم في أول سنة خمسين (١٧٠) مع الحاج فأقبل عليه السلطان وشكا إليه أبا القاسم ابن عجلان أمير مكة وأعمالها وأبا اليمن ناظر الحرم وخطيب المسجد الحرام فعزلهما، ثم ولّاه قضاء الشافعية بحلب، فلما ظهرت لابن الشحنة جودته وعدم موافقته له في شئ من أغراضه الفاسدة دفعه في أمور أوجبت غضب السلطان عليه وشهادته بأنّه مجنون، فعزله في شوال من السنة.
منها (١٧١) أنه أرسل إليه شخصا ليحكم بمرسوم سلطاني معه فقال: «لا نحكم بمجرّد المرسوم، بل لا بدّ من استيفاء شروط الحكم» فشنع عليه بأنه ردّ مراسيم السلطان وقال لا يجوز تنفيذها.
стр. 303
ومنها أنهم كانوا يضربون الطبلخاناة مع قراءة القرآن فقال: «ينبغي الصبر إلى فراغ القراءة» فشنع عليه بأنه حكم بأن لا يضرب بالطبلخاناة التي هي شعار الملك وهيبة المملكة ونحو ذلك من هذه الأمور، فاستماله ابن الشحنة عليه، فأرسل بعد الحضور فأذن له بعزله؛ ورأيته ينطبق عليه قول بعضهم:
من الناس من إن يستشرك فتجهدن … له الرأي يستغششك ما لم تتابعه
فلا تمنحن الرأي من ليس أهله … فلا أنت محمود، ولا الرأي نافعه
١٢١ - إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعى
الشافعي، أبو الحسن بن الرباط (والرباط بضم الراء المهملة لقب جدّه حسن) رآه شخص من أكابر أقاربه نائما (١٧٢) وهو شاب وكان طويلا دقيقا فقال له: كأنك مقاط وهو عندهم الحبل الصغير ثم رآه بعد ما غلظ فقال له صرت رباطا، شبهه بالحبل الكبير، وهو بكسر الراء ولكنه من لحن العوام. وهو من قرية يقال لها خربة روحا من البقاع العزيزي من قوم يقال لهم بنو حسن؛ وحسن هذا أولد ثلاثة أولاد: يونس وعلى وبنى مكي، وأعقب كل منهم خلائق حتى صار بنو حسن ثلاثة أبطن: بنى يوسف وبنى على وبنى مكي، وتفرقوا في البلاد، فمنهم فرقة ببلاد حلب، وأخرى في مجدل (١٧٣) معرش (بضم الميم والعين المهملة وآخره معجم)، وهي من القرى الشمالية بالبقاع، وأخرى في بلاد كرك الشوبك، وهذه القرية تقارب الخمسمائة رجل أو تزيد والظاهر أنها أصل الجميع، ونزحت منها فرقة إلى نواحي بلبيس من بلاد مصر، وكل فرقة من هؤلاء أشجع بلادها وأفرسهم (١٧٤) وأكرمهم، ويعرف ذلك أهل بلادهم. وصاحب الترجمة من بنى مكي لكن إلى الآن لم يعرف ما بعد أبي بكر من نسبه حتى يتصل ذلك بحسن، ولكن يغلب على الظن أن أبا بكر بن مكي هو لأنّ أقرانه من بنى عمه ليس بينهم وبين حسن أكثر من أربعة، فإن ابن عمته ينسب للأم والتي هي من بنى على واسمه محمد بن حسن بن مكي بن عثمان
стр. 304
ابن علي بن حسن؛ وابن معمر (١٧٥) -وهو من بنى يونس-واسمه: علي بن محمد بن يوسف بن علي بن يونس بن حسن ولم يعرف أيضا ما بعد حسن، لكن قال له شخص من أهل بلدهم إنهم ينسبون إلى سعد بن أبي وقّاص الزهري أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأن عندهم نسبة شاهدة بذلك كانت عند الفقيه يوسف بن مكي عم ابن عمه صاحب الترجمة، فسأله أقاربه عن ذلك عند اجتماعهم به في دمشق. وقد رحل مع قاضى القضاة أبى الفضل ابن حجر إذ سار السلطان الأشرف برسباى بالعساكر إلى ابن قرايلوك في مدينة آمد سنة ستّ وثلاثين فصدفوا المخبر، فطلب منهم إرسال النسبة المذكورة ليقف عليها ويجزم بذلك فلم يتفق إلى الآن، أسأل الله أن يعين عليه، وخفى ذلك عليه لكونه خرج من قريتهم صغيرا.
ولد صاحب (١٧٦) الترجمة سنة تسع وثمانمائة تقريبا بخربة روحا، وقد ذكر مولده في نظم كتبه على استدعاء وهو:
أجزتهم مطلوبهم ومولدي … تاسع قرن تاسع في الجبل
وخط إبراهيم نجل عمر بن … الرباط حسن نجل علي
بن أبى بكر البقاعى الشافعي … اللّه يعفو مالهم من زلل
وإنما قال «في الجبل» لأن البقاع قسمان: جبل وسهل، وخربة روحا بجبله، وقرأ بها القرآن وصلّى به، ثم جرت لهم كائنة قتل فيها أبوه وعماه (١٧٧) وستة من أقاربه غدرا في شعبان سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، فانتقلت به أمه مع أبيها إلى دمشق سنة ثلاث وعشرين فجوّد (١٧٨) بها القرآن وحفظه، وعرف أصول القراءات السبع، وتأهل للمطالعة على ذلك، وحفظ بعض «الشاطبية» ثم قرأ على الشيخ شرف الدين صدقة الضرير المسحرائى علّامة القرّاء بالشام ختمه تجويدا وصل فيه إلى آخر المنافقين، ثم أقبل على الاشتغال سنة ستّ وعشرين وثمانمائة، ولازم (١٧٩) الحبر العلّامة أبا حامد تاج
стр. 305
الدين محمد بن بهادر (١٨٠) سبط ابن الشهيد فأخذ عنه النحو والصرف والفقه، ودرس عليه في المعقولات، فلما قدم علامة الوقت شاطبى الزمان أبو الخير (١٨١) شمس الدين محمد الجزري إلى دمشق سنة سبع وعشرين تلا عليه بالعشر وحفظ منظومته «طيبة النشر في القراءات العشر» وعرض عليه مصنفه الأول وأجاز له قراءة ما قرأه عليه من القراءات وأقرأه وجميع ما يجوز له وعنه روايته. ورحل في تلك السنة (١٨٢) إلى القدس واشتغل بها في الحساب على العماد إسماعيل بن شرف تلميذ ابن الهائم، ونظم في الحساب قليلا، وكتب بها كتبا، وحفظ منظومتى ابن الهائم في الجبر وقواعد الأعراب وعرضهما على ابن شرف، فكتب له الشيخ الإمام المقرئ المجيد.
وماتت أمه-رحمها الله-في القدس في رمضان من تلك السنة، ثم رجع إلى دمشق في ذي القعدة منها فحفظ النصف الأول من «البهجة» ونظم الحاوي لابن الوردي، وأفرد قراءة أبى عمرو بتصنيف لم يسبق إليه مثله في الاشتغال والترتيب، وذكر [في] أوله ما يحتاجه المقرئ من أصول التجويد، وحضر بحث «الحاوي» على فقيه الشام تقى الدين أبى بكر بن قاضى شهبة، واستمر يلازم ابن بهادر إلى أن مات في رمضان سنة إحدى وثلاثين ولم ينتفع بأحد ما انتفع (١٨٣) به، وسافر إلى القدس أول سنة اثنتين وثلاثين فأكمل بها حفظ «البهجة» وزاد ذلك النظم الذي في الحساب قليلا، وبحث على الشيخ زين الدين تلميذ ابن الهائم «الوسيلة» لابن الهائم في الحساب و «الفصول» له أيضا في الفرائض وغير ذلك؛ وعلى الحافظ تاج الدين بن الغرابيلى «شرح نظم كافية ابن الحاجب»: الكل له في النحو؛ وعلى العماد ابن شرف «شرح النخبة» لشيخ الإسلام أبى الفضل ابن حجر، وسمع على الزين القباني وغيره، وابتدأ «بشرح البهجة» على طريقة لم يسبق إلى مثلها في النظم وصل فيه إلى باب التيمّم.
стр. 306
ثم رحل (١٨٤) إلى القاهرة سنة أربع وثلاثين ولازم شيخ الإسلام ابن حجر، وكتب جملة من تصانيفه وقرأها عليه، وبحث عليه شرح نخبة المحدثين فانتفع به كثير، وكتب له التاريخ المفنّن، وأذن له في التدريس، ثم كتب له «العلامة» وأثنى عليه بذلك في غيبته من قضية قراءة البخاري الآتية، وسمع جملة من كتب الحديث على مشايخ القاهرة وقرأ بنفسه واستفتى جماعة من علماء القاهرة فتباروا نظما عن كائنة وقعت له بالقدس وجمعها مع ذكر الواقعة وما يتعلّق بها نظما ونثرا في كراريس سماها «أسد البقاع الناهسة لمعتدى المقادسة»، ثم رجع إلى القدس في أواخر تلك السنة فقرأ بها «سنن أبي داود» وغيره، ثم رجع إلى القاهرة في أوائل سنة خمس وثلاثين، فأكمل نظم الحساب حتى جاء في سبعمائة بيت ضمّنها مسائل الوسيلة وزاد عليها، وضم إلى ذلك علم المساحة سمّاها «مشترك الملاحة في علمي الحساب والمساحة» وهو قليل الحشو جدا، وشرح في هذا النظم اختصار تفسير ابن جرير الطبري ملتزما ألّا يحذف من أسانيده ولا من معانيه، وأن يكون في قدر نصف حجمه أو أزيد بقليل سمّاها «وشى الحرير في اختصار تفسير ابن جرير» كتب منه نحو عشرين كراسة.
واستمر يلازم ابن حجر ورحل معه إلى حلب لما سافر صحبة الأشرف برسباى في قصد أخذ آمد، فقرأ عليه (١٨٥) مشايخ حلب جملة من كتب الحديث مستكثرة، وأكثر عن الشيخ برهان الدين المحدث حافظ الشام المعروف في غير حلب بالقوف من التصانيف والأجزاء، وكتب له في التصحيح لبعض الطباق «الإمام».
وقرأ (١٨٦) على مشايخ من دمشق في رجوعه (١٨٧) إلى القاهرة سنة سبع وثلاثين وثماني مائة، فلما وصل (١٨٨) أكثر من المسموع على مشايخ القاهرة جدا وغالبه بقراءته، وسمع في هذه المدة (١٨٩) على قاضى القضاة ابن حجر غالب شرح ألفية العراقي بحثا،
стр. 307
وعلق كثيرا مما كان يسمعه منه من النكت عليها في كراريس عدة أرجو إكمالها، وسمّيتها «النكت الوفية لشرح الألفية»، ثم رحل إلى دمياط وإسكندرية، وطوّف فيما بينهما من البلاد وسمع بأكثرها وكتب عن شعرائها، ثم رجع إلى القاهرة في السنة المذكورة فسمع بحث «الحاوي» على الشرف السبكي وأجازه بالإفتاء والتدريس [وسمع] كثيرا منه على الشمس الونائى، وعلّق عليه شرحا مدمجا ابتدأ فيه بعد الخطبة من البيع فوصل فيه إلى «الرهن» (١٩٠). وانتقى مصارع العشّاق للسراج ورتبّه وزاد فيه وسمّاه «أشواق الأشواق»، وانتقى «سقط الزند» لأبى العلاء أحمد بن سليمان المعرّى (١٩١)، سماه «فوح الرند من سقط الزند» وكتب مقدسة في علم التجويد نظما ونثرا ليحفظها الصغار في المكاتب؛ لم يسبق إلى مثلها فاشتهرت وحفظها خلق كثير من أهل القاهرة والصعيد، وانتقى كثيرا من مسموعاته من ذلك «الملتقط من معجم الطبراني الوسط» و «منتقى الغريب الغانى من الترغيب للأصفهاني»، و «إشارة المتقى إلى إعلام الدلائل للبيهقي»، وغير ذلك.
وأدرك كثيرا من أصحاب الصلاح بن أبي عمرو بن أميلة وغيرهم من الآخذين عن الفخر، وأخذ عن أصحاب أبي الفتح محمد بن محمد الميدومى وقاضى القضاة شيخ الإسلام تقى الدين علي بن عبد الكافي السبكي، وجمال الدين محمد بن محمد بن نباتة: والحافظين: علاء الدين مغلطاى وصلاح الدين خليل بن كيكلدى العلائي وابن شيخ الجبل (١٩٢) وغيرهم من تلك الطبقة.
وحباه الله تعالى من فضله بألطاف كثيرة ظاهرة الإعجاب من أعظمها أو أعظمها أنه كان برأسه حب وهو صغير وداواه النبي ﷺ ، وذلك أن ابنة خاله مريم بنت محمد بن علي بن محمد بن سليمان رأته ﷺ في المنام فقال لها: تمنّى علىّ، فقالت له ابن عمتي في رأسه حب، فقال لها خذي له هذا الدواء فعوفي بعد ذلك بقليل حتى كأنه لم يكن برأسه أذى قط، واستمرت ابنة خاله بعد الرؤيا لا تستطيع أن ترفع يدها التي أعطاها فيها الدواء.
стр. 308
ورأى هو النبي ﷺ مرارا، وقبّل (١٩٣) في بعضها إحدى يديه، ورأى أبا بكر وعمر وعليا، وقبّل يد علىّ اليسرى.
ورأى له بعض أصحابه أن النبي ﷺ أرسل معه تفاحا لصاحب الترجمة، وكان كثيرا ما يشاهد النعم في النقم، ومن أعظم ذلك أنّ قتل أبيه وأعمامه كان سببا في انتقاله إلى دمشق. وكان مبدأ حصول السعادة لطلب العلم ومعرفة بلاد البشر (١٩٤) وشاهد من العجائب أنه كان وهو صبي بخربة روحا يلازم مسجدا يقال له زاوية الشيخ موسى يقرأ به وحده فسمع فيه قائلا وهو لا يرى شخصه وليس به مكان يمكن أن يتخبأ فيه أحد يقول له: «سيقتلون أبوك!» بهذا اللفظ ويكرر ذلك مرارا، ولذا كان يسمع هذا اللفظ كلّما مرّ على قبور أصحاب الزاوية، فقتل أبوه بعد ذلك بقليل.
وسمع أنينا من قبر شخص كان معروفا بقتل النفس، وسمع مرة أخرى من بعض القبور كلاما لعله نحو عشر كلمات، غير أنه لم يفهم منها شيئا.
كتب هذه الترجمة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة بالقاهرة، وهو ملازم للاشتغال، وكان كثير السؤال لله تعالى أن يرزقه القتل شهيدا في سبيله، بلّغه اللّه من الخير غاية مأموله.
*** ورأى في المنام صبح يوم الثلاثاء ثالث شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين وثمانمائة أن شخصا أجاز له وكتب في استدعائه وسمّى نفسه «هدهد بن حدحد بن رهبوت» وفي ظنه أنه كتب اسما آخر يحسبه «أحمد».
وأن شخصا كان يقرأ على شيخه ابن حجر، فلما فرغ أشار إلى شيخ أسمر أن يستجاز فاستجازه صاحب الترجمة وأجاز واسمه في ظنه مقبل، وكان شيخه ابن حجر أخبره أنهم قرءوا عليه «جزء مقبل بن مفتاح» والظاهر أن ذلك عبارة عن الأمر بالتّنوية والجود لينشأ عنهما الجهد والإقبال والفتح. وكذا جرى وللّه الحمد.
***
стр. 309
قال صاحب الترجمة إنه ذهب بفضل اللّه وتوفيقه إلى الجهاد مرتين في البحر ثم حجّ، وكان ينفق ممّا رزقه الله تعالى غير مسرف ولا مقتّر، فرزقه الله هيبة بين الناس وثناء جميلا، وحصل له فتح ما كان يظنه وهو نظم السيرة على طريق المدح في روىّ واحد في سبعمائة بيت، ثم «مناسبات نظم القرآن» ولم يسبق إلى ذلك، ونظم الشعر الكثير على طريق العرب الأول بجمعه ديوانه المسمّى «إشعار الواعي بأشعار البقاعى»، يصدقه في ذلك قصيدته التي مدح النبىّ ﷺ وهي:
دمعي ينمّ على فؤادي المغرم … فلأبدلنّ به [مسبلا (١٩٥)] من دمى
فأنا القتيل بحبّه من أحببته … وقد اصطفيت فلا يلمنى لوّمى
من ذا ينازعني الغرام وقد رأى … شربى لأبحره، فما ملأت فمي
فأبو الغرام أنا بجدى حزنه … وبه علوت على محلّ الأنجم
قد ذاب جسمي في معاناة الهوى … واندقّ في ثقل الصبابة أعظمى
فبقيت روحا جرّدت عن جسمها … مذ حلّلت لطف الهوى المستحكم
فيها لأنواع الجحيم تضرّم … يعلو مداه على السحاب المظلم
حلو على ما فيه من ألم الجوى … فاعجب لحلو في المذاقة مؤلم
قد جبت أقطار الصبابة مرضعا … وغدا بها زمن الشباب مخيمى
قد صار تيه العشق موطني الذي … فيه ربيت ومنه ابعث فاعلمى
وبقفرة أحببت دهري كله … أرد الرياض وكلّ صاف منعم
وبكل واد قد سلكت لدره … برق يفوق على اللهيب المضرم
تأتى إلى الأبصار منه أشعة … هي في عيون الغير مثل الأسهم
لا يستطيع جوازه إلّا فتى … قدماه قد رسخت بأصل محكم
يدعى على طول الزمان متيّما … لا يستجيز نداء غير متيّم
يمتصّ كاسات الهوى مستحليا … لو أنّ فيها مثل طعم العلقم
عزّت فليس فتى ينال وصالها … حتى يريق دموعه كالعندم
مستحليا من درّه مستحلبا … من دره، إذ كان حلو المطعم
стр. 310
فلأجل (١٩٦) ذا قد عشت فيه مفردا … ما جازني فيه فتى إلا عمى
لم ينسنى أوصاف هاتيك الرّبا … إلّا صفات الهاشمي المكرم
هو أحمد الهادي البشير المنذر … الزّاكى المنير الوجه للمستعلم
من قبل مولده تيقّن أنّه … يهدى الأنام إلى الصراط الأقوم
فأتى الكليم مبشرا عن ربه … بقدومه وابن الزكية مريم
وتحدث الأحبار والكهان عن … أخباره (١٩٧) [تحلو] بقلب المسلم
ولدته آمنة بمكة فانثنت … محفوفة بالمرسلات الحوّم
زمر الملائك حين أشرق نوره … بقصور بصرى الشام غير مكتّم
ونشا بتلك الأرض أحسن نشأة … يدعى الأمين لخلقه المستعظم
وأتاه جبريل فشقّ فؤاده … وأجاد في تغسيله من زمزم
وحشاه إيمانا ودرّ سكينة … وملاه من حكم الكريم الأكرم
فمضت عليه أربعون مهذّبا … ما ضحكة فيها بغير تبسّم
أعلى قريش خلقة وخلائقا … كلّ يقرّ بفضله المستحكم
فأتته حينئذ رسالة ربّه … (١٩٨) أن أنذر الثقلين نار جهنّم
فدعا همو جهرا بمكة وحده … وهو الصّبور على البلاء المبرم
وحباه ربّ العالمين دلائلا … مشهورة تهدى لدين قيّم
قد أنبع الله الزلال بكفّه … كالبحر بين اللحم ينبع والدم
وانشق بدر التيم معجزة له … فرأى البصير هدى له انساق العمى
والجزع حنّ إليه عند فراقه … مثل العشار بريّه وترنّم
لو لم يسكّنه لدام بكاؤه … أبدا إلى لقيا الملاك الأعظم
وتكلّمت عجم البهائم عنده … بفم فصيح القول ليس بأعجم
كالظّبى والضبّ اللّذين تأدّبا … عند التشهد باللسان المفهم
стр. 311
وأطاعت الأشجار عند دعائه … فسعت لخدمته بغير تلعثم
وسع الورى بعطاه فهو أب لهم … روحي الفداء لذا الأب المتكرّم
واختصّ أمّته الكريم لأجله … بخصائص شرفا كحلّ المعتم
ولفضلهم جعل الأراضي مسجدا … وترابها طهر لفعل تيمّم
وأزال عنهم إصرهم وأصارهم … شهدا على كل الورى المتقدّم
والرعب يبصره يسير الشهر في … قصد العداة فهدّ قلب المجرم
أفنى (١٩٩) عديد الشرك منه بهمة … تتهدّم الدنيا ولم يتهدّم
فبيوم بدر قد سقاهم أكؤسا … صرعت كئوس الكفر وسط جهنّم
ولدى حنين قد أزال جموعهم … ثباته، إذ فرّ أهل الموسم
وغدا يقول: أنا النبىّ، بصوته … العالي فيصمى كلّ ليث معلم
ورمى بكف الرمل (٢٠٠) أوجههم فما … منهم فتى إلا بعينيه رمى
فأتى إليه الصحب قد ندموا على … ذاك الفرار وقد تردّوا بالدّم
فسقوهمو حمر الحتوف بسمرهم … ورق الأسنة في مجال مقسم
حتى استباحوا سبيهم في مغنم … بيد الرسول لمن يريد مقسّم
وبخيبر شاعت معالى عزمه … فغدا مخالفه ضجيع تندّم
خرجوا للقياه بكلّ مجرّب … من جمعهم بلظى الحروب مسوّم
فأذاقهم طعم المنايا فاغتدوا … جزر السباع وكل كسر قشعم
ولكم (٢٠١) أراد خصومه استئصاله … فأتوا بجيش قد رضوه عرمرم
فاجتاح بيضهمو ببيض سيوفه … وبكل أسمر كالسهام مقوّم
وغدت قلوبهمو حيارى وانثنوا (٢٠٢) … ونطاق ذاك الجمع غير منظّم
حتى أقام له المهيمن دينه … وغدت به أهل العزائم تحتمى
ماذا أقول ووصفه في محكم … القرآن أنزل في الزمان الأقدم
стр. 312
يتلى على مرّ الدّهور وحلوه … بتصرّم الأزمان غير مصرّم
والمعجزات كثيرة لا تنتهى … من ذا الذي يقوى لعدّ الأنجم
والعين رمدى والفؤاد لأجلها … قلق فيستعصى الكلام على فمي
يا خير مبعوث وأكرم مرسل … أنت الملاذ لدى الزحام (٢٠٣) الأعظم
ما زال إبراهيم (٢٠٤) يقصد أنّه … بعرى مديحك للبقاع وينتمى
حتى أتى والميم تشهد أنه … لا ينتهى كدوائر لم تخرم
ومراده يوم القيامة شربة … من كفّك الرحّب الجميل المنعم
يا رب صلّ على النبىّ وآله … وصحابه طول الزمان وسلّم
*** وكذا قصيدته التي تأسّف فيها على همم الملوك ومروءاتهم في عدم إعانة أهل سبتة من بلاد الغرب إذ أخذها الفرنج فاستنجدوا أهل الإسلام بالقصيدة التي أولها:
حماة الهدى سبقا وإن بعد المدى … فقد سألتكم نصرها ملة الهدى
شاهدة له بذلك، إذ قال وهي من الطويل الثاني والقافية متدارك مطلق مجرّد؛
حروف الندا، سحقا لمن سمع الندا … ولم ينطلق شوقا إلى صدمة العدا
ليكسر جمع الشّرك مفرد عزمه … إذا ما تثنّى الرمح سكرا وعربدا
يكابد أنواع الشدائد وحده … إذا سمع الاشراك باللّه وحّدا
ويجعل ظهر الخيل حبسا مؤبّدا … لينتصر الإسلام نصرا مؤيّدا
ويرسل من سمر الرماح عساكرا … ويتبعها بالبيض جندا مجندا
ليخطف أبصار العدا ببروقها … ويرعب (٢٠٥) أنصار الصليب ويرعدا
إذا استلّ بيض الهند سحت بأحمر … الدّماء فعاد الجوّ أزرق أسودا
على سبتة تهمى الدموع سحائبا … وتغنى النواعى صبرها والتجلّدا
على سبتة تذكى القلوب سعيرها … لتقطر دمع العين وردا مورّدا
стр. 313
وتنفطر الأكباد وهي نوادب … لتلك النوادي مرتع الجود والنّدى
لقد ناحت الدنيا إلى أن تصدّعت … ولم يبق منها موضع إلا تهدّدا
لقد رجّت الآفاق شرقا ومغربا … وأكثر من في الجوّ شجوا وعدّدا
وقد (٢٠٦) أسمع الملهوف لو أن غوثه … يفيد حياة: مطلقا أو مقيّدا
ولكن هي الأشباح قد دفنت بها … القلوب فما تحتاج حفرا لتلحدا
لقد تخذوا الدنيا قرارا وغرّهم … بليل الأماني من أضل وما هدى
وقصيدته التي يمدح بها السلطان الملك الظاهر أبا سعيد جقمق لما قرأ البخاري بحضرته سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وأنشده إياها بعد ختمه موضحة لذلك، وهي مسطورة بكتابي «إشعار الواعي بأشعار البقاعى».
وقصيدته التي مدح بها بعض كتاب السرّ (٢٠٧) وهي:
سرت في سماء القلب تهزأ بالبدر … فلا موضع للغير خال من الصّدر
وبثّت هواها في الجوانح مثلما … تبسّط نور الشمس في البر والبحر
وحلّت على الأكوان أبهى محاسن … فجلّت عن الأوصاف بالنظم والنثر
ولما رأت أن الوفود تحيّروا … عن السير من ليل وقود من الشعر
تراءت ومرآة السماء صقيلة … فأثّر فيها وجهها صورة البدر
فساروا على اسم اللّه والتمسوا العلا … وغرّهمو (٢٠٨) شغل بيتك الخلي الغر
فألقتهمو في التيه صرعى بحبها … سكارى من القول الضحوك من الخمر
وأنزلهم من سحر بابل طرفها … بواد فسيح في البوادي وفي القفر
ولا سحر إلّا مبدع من جمالها … وما أودع الرحمن في النحر والسّحر
ولا تيه إلّا دهشة الحبّ والذي … سقوه من الرّيق المضمن للثغر
تشابهه راح الكؤوس لما حوت … من الطيب والطوق المنظّم بالدّر
وما أورثت من هزة لمواصل … كما ارتعد المشعوف من خيفة البحر
стр. 314
فهذا هو العذب الزلال لوارد … وحاشى صفاه من تكدّره المزرى
تعالى الذي في الحدّ أينع ورده … وأنبع من عنقود فيها جنى الشكر
قضت لي بسيف الهجر بعد وفائها … ومنطقها حال وخال من الحصر (٢٠٩)
وحكمت الألفاظ في رشق مهجتي … بأسهمها اللائي تجلّ عن الحصر
ولما رأتني قد عجزت وليس لي … سوى أدمع زادت على عدد القطر
أصارت عناقى خدعة بعد عشرة … نجوما إذا أعطيتها العشر في شهر
وقد كاتبت سرّى لتوثق سائرى … فانجز حلّ الرقّ لي كاتب السرّ
فجاء فلان الدين طالت حياته … له (٢١٠) طيّب الذكر ما دام لي عمرى
وشدّ له عزمي وجدّد باسمه … عقود عهودى بالوداد إلى الحشر
لقد صفت الدنيا زمان بنائه … بها، والفتى أعطى بنيها من المهر
ودامت لأهليها التهاني فنظّموا … نطاق الأغانى والنّثار مدى الدهر
وسحّ غمام الكفّ ورقا فأطلعت … رياض الأراضي الدرّ كالأنجم الزّهر
له قلم يحبو الطروس بأسطر … معنبرة قد جلّلت حلل الزّهر
بها علم العلم الذي جلّ دقة … فحسب معاني فهمه جودة الفكر
إذا رام إسعادا ترى الليل أبيضا … وإن سام أبعادا كبا الجوّ بالسّمر
ولا زال يجدى النفع والضرّ مثلما … تراه بجرّ الرفع والخفض إذ يجرى
فأقعد عزم الظالمين بحربه … وقام بنصر الله في السرّ والجهر
فأثنى عليه الشرق والغرب طيبا … وأفواههم كلّت من الحمد والشّكر
وعطّرت الأكوان من نشر ذكره … فللّه ذكر أرّج الكون بالعطر
لقد جاد بالأموال من دون سائل … فما أحد في الناس يشكو من الفقر
وقد ناله قوم من الفخر ذروة … فلم يظفروا منها بعظم ولا ظفر
وسابقه قوم إلى المجد فانبروا … حيارى لما ألفوه من شدّة الأمر
مددت له ثوب الثنا وقصرته … على مدحه فأعجب لمدّ مع القصر
بقيت (٢١١) فلان الدين للناس ملجأ … وطاعت لك الأيام في النّهى والأمر
стр. 315
ومن غرر نظمه قصيدة يائية مدح بها سيدي يحيى بن أمير المؤمنين المستعين بالله العباس لطف الله به، أولها «إلى كم يفوت الحظ من رتبة عليا، وهي تزيد على أربعين بيتا.
وأجود نظمه الرثاء والحماسة، يبين ذلك قوله وقد دعاه شخص من أصحابه إلى شئ فيه كسر للنفس لكنه يقترن بالموت «يا من يكلّفنى بالذلّ والملق» إلى آخرها، ويوضّحه قوله من قصيدة يرثى بها أقاربه:
كم ماجد دارت عليه الدائرة … ولطالما استجلى كئوسا دائره
ولطالما قطع اللّيالى ضاحكا … بين العيان ومقلتاه ساهره
هذا الذي أضحى الزمان لقلبه … عبدا فما شا يروم وغادره
وقف الأهلّة والبدور تراه ما … ينفكّ بين مسامر ومسامره
شقته من أيدي المنايا أسهم … عمرت به بعد القصور مقابره
وسقته من صرف الكؤوس معتقا … لو صبّ في الدنيا لأضحت دائره
ما أضحكت دار الغرور منعما … إلّا وأبكت بالدّماء نواظره
لم تبق جبارا ولا مستضعفا … إلا أبادت جمعه وعشائره
عاطت بنى حسن صروف الحتف ما … ما أبقت فتى إلّا أتته غادره
كانت منازلهم صحائف غرّة … وهمو سطور للندى متوازره
عبثت بهم أيدي المنايا فامّحوا … فعلى ضرائحهم سحائب هامره
انظر بنى الشمس الأمور أبادهم … ملك العباد فهم عظام ناخره
وبلاهم حين (٢١٢) البريّة بعد ما … روّى الأعادى من كئوس حائره
أسقى السيوف دماءهم حتى انثنت … عن حوض ذاك الحوض إلا صادره
وكذا الرباط القسور البطل الذي … كان الزمان يراه فردا نادره
وكذا تغيب ذلك الشهم الذي … كانت تخاف العالمون بوادره
كان العظيم رماده فدياره … مأوى الضيوف، بكلّ خير عامره
سل عنه من ورد البقاع مسافرا … ينبيك، أو سل جاره أو زائره
стр. 316
يا لهف نفسي والتلهّف قاتلي … لو كان ساعده الزمان وظاهره
يا صاح إن أنفقت عمرك في البكا … وعلت مدامعك السحاب الهامره
ونسيت أولاد الرباط فأنت قد … مرّت دهورك في صناع مشاعره
كانوا صناديد الوجوه وروحه … كانوا أسودا في البقاع أكاسره
كانوا معادن للنّدى وأكفّهم … كانت سحابا أو بحارا زاخره
برك الزمان على حماهمو فانثنوا … صرعى كأعجاز النخيل الناخره
وأرتهموا (٢١٣) سحب السيوف بروقها … ورعودها فإذا همو بالسّاهره
فصل الذي أوصى لهم أوصالهم … بالبيض إذ ظنت سيوف باتره
لهفى وهل يغنى التلهّف والبكا … أو ينفع التّذكار من يك ذاكره
صبرا على جور الزمان وعزله … هل يدرك الجزع الهلوع بشائره
فسقى الغمام ضرائحا غمرتهمو … أيدي الحمام، بأهل ودّى ماطره
وحباهم الرحمن ﷻ … جنات عدن في رياض ناضره
يا رب في الأولى سترت عيوبهم … فاغفر لم ما قدّموا في الآخرة
*** والقصيدة التي رثى بها أقاربه أيضا شاهدة بذلك، منها:
أسفى على تلك الوجوه يطول … وجفون عيني بالدموع همول
تجرى بأخدود الخدود كأنّها … من عظم ما غاصت بهنّ سيول
من كلّ أروع سيفه في كفّه … يتخطّف الأرواح وهو صقيل
ولهم بها كرّ وفرّ دركه … يرتدّ عنه الطّرف وهو كليل
سهرت بها بيض الصّفاح فكان من … سمر الرماح الجرح والتذييل
يا جمرة رقدت لحين أحبّتى … وعلا ذكاها والفؤاد عليل
هلّا حفظت لنا عهودا أحكمت … أحكامها وتكمّل التسجيل
تلك البليّة لا بليّة مفضل … أمسى حمى الأموال عنه يزول
стр. 317
يا لهف (٢١٤) [نفسي وقعة أرضى] بها … والخيل تحصر والفحول تجول
حتى أريهم للوقائع صدمة … تتصدع الأرضون وهي تصول (٢١٥)
بيض وحمر قد تتابع نظمها … من نثرها كالجمر أو كاللّولو
فطر الفؤاد وشقت الكبد التي … ثبتت ونيل الحادثات نبيل
ما وقعة الحرب التي بركت على … أولاد عمّى والزمان يجول
طحنت رحاها قرب عيجا طحنة … ولمثل محنتها (٢١٦) الدموع تسيل
ومنها:
يا لهف نفسي والدّواهى جمّة … في أرض عيجا والرؤوس تميل
نعت بها الغربان حتى فصّلت … بين الأحبّة فالبكا موصول
طال اعتكاف القتل في أرجائها … فذكى لديها الحج لا التهليل
كانت بها البيض القصار كأنها … السّمر الطوال فأشكل التفصيل
قد طولت ألفاتها مذ دورت … ميماتها أسل شكاها الطول
وطغى الوغى فعلا لوقع سيوفهم … صوت يهول وللخيول صهول
وأدير فيهم للمنايا أكوس (٢١٧) … من قطرة منها يصرّع جيل
لكن أرضا قد نأت ولعلّ ما … كرم الفتى إلّا اعتراه أفول
لهفى على أولاد عمّى إذ مضوا … جزر السباع وشملهم مفلول
كانوا حياتي والبلاد بعيدة … ولهم محلّ بالحشا مأهول
طال اغترابي عنهمو فتفرّقوا … قبل الرجوع فليتني مقتول
стр. 318
عبثت بهم أيدي الشتات فليس لي … حتى الممات إلى اللقاء سبيل
داود عمّى قد مضى، ومحمّد … فهما حديث في الزمان مقول
صارا كأنهما بحلم نائم … ما منه إلّا الوهم والتخييل
لم يبق بعدهما سوى ذكريهما … بتحزّن يدع القلوب تزول
قد أقفرت تلك المنازل منهما … واسودّ وجه الأرض فهو رذيل
مرّت ليالي الوصل وهي قصيرة … ماذا عليها لو تكون تطول
فكأننا لم نقض فيها معهمو … حلو الحديث ولا أتانا السّول
يا لهف نفسي والنبال إليهما … ترمى وصفو الكائنات حبول
وتلاهما ابن نعيم البطل الذي … باهى بأمر الحرب وهو وبيل
فمحمّد: حسن أبوه وخاله … عمر أبى، فمن الجهات أصيل
حاز الجدال بمنطق من سيفه … أمضى وأسرع والخصوم تجول
وخداعه وقت النزال رقيقه … اشراكه، والله فهو خليل
وله إلى رتب (٢١٨) البلاغة مرتقى … تتقاصر الآمال وهو يطول
ولذهنه انقاد الحساب وصعبه … من حسن فكرته له تسهيل
وبجوده وطلاقة في قوله … والوجه قاد المجد وهو ذلول
وقراعه في الحرب، لا أقرانه … تبقى، ولا سيف لديه صقيل
وثباته علم، ومن وثباته … تخشى الأسود فملتقاه مهول
كم خاض بحر الهوج وقت هياجه … فاغتاله-وهو الشجاع-الغول
يا لهف نفسي والتلهّف قاتلي … والقتل فيه مرتضى مقبول
لهفى على ذاك الجمال ويا له … من سيد هو في القلوب جليل
حلو الكلام فصيحه، فحديثه … يجلو صدى الألباب حين يقول
ظنّ العداة بأنّ عند (٢١٩) مماته … يصفو الزمان لهم وذاك غفول
هيهات قد ظنّوا المحال وزخرفت … آراؤهم، فلهم بها تضليل
بعثت صناديد لو قد حروبهم … تصلى تلهّبها وفيه تصول
стр. 319
توفى لهم كيل الحتوف إذا التقوا … وتزيد في الصاعات حين تكيل
عبد العزيز وأحمد ومحمد بن … معمّر، وكذاك إسماعيل
وبنو أبيهم عدّهم متكاثر … وخصومهم وقت النزال قليل
فمحمّد بن معمّر ذو هيبة … وسكينة، وله انتهى المعقول
وهو العفيف الدّين البطل الذي … يخشاه ريب الدّهر وهو صئول
وله اصطبار في العجاج كأنّه … وقت الهياج مهنّد مسبول
وترى لإسماعيل قلبا ثابتا … ويدا لها الخطب الجليل خليل
يا طالما قهر السرايا وحده … وأطارهم بالقول منه: زولوا
لمّا لقوه فكان مفرد صبره … من صبرهم أنمى وإسماعيل
ولهم صحاب كالأسود مهابة … كل بريب الحادثات كفيل
كالفاجريّين اللذين تدرّعا … حلل الحروب وللحروب صليل
أنسوهموا في ليلة السطح التي … زارتهمو فتكاثر التثقيل
ضربت بها الأمثال فهي شهيرة … وسرت بها الركبان جيل جيل
وسطت بها الأبطال من أقيالنا … في جمعهم، فتعاظم التنكيل
لكن إذا نزل القضا لم ينفع … التحذير والبصر الجلىّ كليل
أسفى وما يشفى التأسّف لا ولا … يغنى عن القلب الشجىّ عويل
جعلت مصارعهم فؤادي طائرا … رشقته منها أسهم ونصول
وسقته مرّ الصبر حتى قطعت … أحشاءه، وتناوشته خيول
إنّى لراج أن يكونوا قد مضوا … شهداء إذ كرم الإله جزيل
فاللّه يعفو عنهمو ما قدّموا … يوم الحساب، إذ الحساب مهول
وينيلهم جنّات عدن ما بقي … أسفى على تلك الوجوه يطول
وفراقنا به لا يقصر عن ذلك وهو إلى الأخر، وقريب من ذلك ترفقاته ويده طولى في نظم الشعر (٢٢٠) من غير حشو، يؤيد ذلك قوله:
стр. 320
توفى خير الخلق بعد خديجة … وأزواجه تسع: صفية، حفصة
وعائشة، ميمونة، مع رملة … جويرية، هند، وزينب، سودة
وقوله في نظم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينها في كل ركعة، أخرج البخاري من طريق أبى وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصّل الليلة في ركعة، فقال: هذا كهذا الشعر لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ بينهن فذكر عشرين سورة من المفصّل، سورتين في كل ركعة، واسم الرجل الذي جاءه نهيك ابن سنان كما في مسلم، وقد بيّن ابن خزيمة في صحيحه أسماء السور المذكورة قال:
هي عشرون سورة على تأليف عبد الله أولهن الرحمن، وآخرهن الدخان [وهن] «الرحمن والنجم والذاريات والطور واقترب والحاقة والواقعة ونون والنازعات وسأل والمدثّر والمزمل وويل للمطففين وعبس ولا أقسم وهل أتى والمرسلات وعمّ يتساءلون وإذا الشمس كورت والدخان»، انتهى فنظم ذلك على هذا الترتيب، ولا يعاب بوقوع الشاذّ فإن ذلك مغتفر لا سيما في نظم المعلم، فقال:
حديث عبد الله في نظائر … عشرين من مفصل مجمعه
اقرأ بسورتين كل ركعة … وكن بخير العالمين رافعه
رحمن، نجم، زاريات الطور … اقتربت وحاقة وواقعه
نون، ونزع، سأل، مع مدثر … مزمّل التطفيف والأعمى معه
لا أقسم، الإنسان، مرسلاتهم … وعم، كورت، دخان، تابعه
وقد أخرج الحديث أبو داود وبيّن السّور أيضا، فقدم وأخّر في البعض، فقال:
الرحمن، والنجم في ركعة، واقترب والحاقة في ركعة، والطور والزاريات في أخرى، والواقعة ونون وكذا سأل سائل والنازعات وكذا ويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في أخرى، وهل أتى ولا أقسم وكذا عم والمرسلات وكذا الدخان والتكوير، وقد رتبها كما فيه أيضا:
رحمن، نجم اقتربت وحاقة وطور … وذر ونون بعد الواقعة
وسأل نزع طففت وعبس مدثر … مزمل وهل معه
قيمه وعم مرسلاتهم … دخان والتكوير جاءت تابعه