يا لهف نفسي والتلهّف قاتلي … لو كان ساعده الزمان وظاهره
يا صاح إن أنفقت عمرك في البكا … وعلت مدامعك السحاب الهامره
ونسيت أولاد الرباط فأنت قد … مرّت دهورك في صناع مشاعره
كانوا صناديد الوجوه وروحه … كانوا أسودا في البقاع أكاسره
كانوا معادن للنّدى وأكفّهم … كانت سحابا أو بحارا زاخره
برك الزمان على حماهمو فانثنوا … صرعى كأعجاز النخيل الناخره
وأرتهموا (٢١٣) سحب السيوف بروقها … ورعودها فإذا همو بالسّاهره
فصل الذي أوصى لهم أوصالهم … بالبيض إذ ظنت سيوف باتره
لهفى وهل يغنى التلهّف والبكا … أو ينفع التّذكار من يك ذاكره
صبرا على جور الزمان وعزله … هل يدرك الجزع الهلوع بشائره
فسقى الغمام ضرائحا غمرتهمو … أيدي الحمام، بأهل ودّى ماطره
وحباهم الرحمن ﷻ … جنات عدن في رياض ناضره
يا رب في الأولى سترت عيوبهم … فاغفر لم ما قدّموا في الآخرة
*** والقصيدة التي رثى بها أقاربه أيضا شاهدة بذلك، منها:
أسفى على تلك الوجوه يطول … وجفون عيني بالدموع همول
تجرى بأخدود الخدود كأنّها … من عظم ما غاصت بهنّ سيول
من كلّ أروع سيفه في كفّه … يتخطّف الأرواح وهو صقيل
ولهم بها كرّ وفرّ دركه … يرتدّ عنه الطّرف وهو كليل
سهرت بها بيض الصّفاح فكان من … سمر الرماح الجرح والتذييل
يا جمرة رقدت لحين أحبّتى … وعلا ذكاها والفؤاد عليل
هلّا حفظت لنا عهودا أحكمت … أحكامها وتكمّل التسجيل
تلك البليّة لا بليّة مفضل … أمسى حمى الأموال عنه يزول
стр. 317
يا لهف (٢١٤) [نفسي وقعة أرضى] بها … والخيل تحصر والفحول تجول
حتى أريهم للوقائع صدمة … تتصدع الأرضون وهي تصول (٢١٥)
بيض وحمر قد تتابع نظمها … من نثرها كالجمر أو كاللّولو
فطر الفؤاد وشقت الكبد التي … ثبتت ونيل الحادثات نبيل
ما وقعة الحرب التي بركت على … أولاد عمّى والزمان يجول
طحنت رحاها قرب عيجا طحنة … ولمثل محنتها (٢١٦) الدموع تسيل
ومنها:
يا لهف نفسي والدّواهى جمّة … في أرض عيجا والرؤوس تميل
نعت بها الغربان حتى فصّلت … بين الأحبّة فالبكا موصول
طال اعتكاف القتل في أرجائها … فذكى لديها الحج لا التهليل
كانت بها البيض القصار كأنها … السّمر الطوال فأشكل التفصيل
قد طولت ألفاتها مذ دورت … ميماتها أسل شكاها الطول
وطغى الوغى فعلا لوقع سيوفهم … صوت يهول وللخيول صهول
وأدير فيهم للمنايا أكوس (٢١٧) … من قطرة منها يصرّع جيل
لكن أرضا قد نأت ولعلّ ما … كرم الفتى إلّا اعتراه أفول
لهفى على أولاد عمّى إذ مضوا … جزر السباع وشملهم مفلول
كانوا حياتي والبلاد بعيدة … ولهم محلّ بالحشا مأهول
طال اغترابي عنهمو فتفرّقوا … قبل الرجوع فليتني مقتول
стр. 318
عبثت بهم أيدي الشتات فليس لي … حتى الممات إلى اللقاء سبيل
داود عمّى قد مضى، ومحمّد … فهما حديث في الزمان مقول
صارا كأنهما بحلم نائم … ما منه إلّا الوهم والتخييل
لم يبق بعدهما سوى ذكريهما … بتحزّن يدع القلوب تزول
قد أقفرت تلك المنازل منهما … واسودّ وجه الأرض فهو رذيل
مرّت ليالي الوصل وهي قصيرة … ماذا عليها لو تكون تطول
فكأننا لم نقض فيها معهمو … حلو الحديث ولا أتانا السّول
يا لهف نفسي والنبال إليهما … ترمى وصفو الكائنات حبول
وتلاهما ابن نعيم البطل الذي … باهى بأمر الحرب وهو وبيل
فمحمّد: حسن أبوه وخاله … عمر أبى، فمن الجهات أصيل
حاز الجدال بمنطق من سيفه … أمضى وأسرع والخصوم تجول
وخداعه وقت النزال رقيقه … اشراكه، والله فهو خليل
وله إلى رتب (٢١٨) البلاغة مرتقى … تتقاصر الآمال وهو يطول
ولذهنه انقاد الحساب وصعبه … من حسن فكرته له تسهيل
وبجوده وطلاقة في قوله … والوجه قاد المجد وهو ذلول
وقراعه في الحرب، لا أقرانه … تبقى، ولا سيف لديه صقيل
وثباته علم، ومن وثباته … تخشى الأسود فملتقاه مهول
كم خاض بحر الهوج وقت هياجه … فاغتاله-وهو الشجاع-الغول
يا لهف نفسي والتلهّف قاتلي … والقتل فيه مرتضى مقبول
لهفى على ذاك الجمال ويا له … من سيد هو في القلوب جليل
حلو الكلام فصيحه، فحديثه … يجلو صدى الألباب حين يقول
ظنّ العداة بأنّ عند (٢١٩) مماته … يصفو الزمان لهم وذاك غفول
هيهات قد ظنّوا المحال وزخرفت … آراؤهم، فلهم بها تضليل
بعثت صناديد لو قد حروبهم … تصلى تلهّبها وفيه تصول
стр. 319
توفى لهم كيل الحتوف إذا التقوا … وتزيد في الصاعات حين تكيل
عبد العزيز وأحمد ومحمد بن … معمّر، وكذاك إسماعيل
وبنو أبيهم عدّهم متكاثر … وخصومهم وقت النزال قليل
فمحمّد بن معمّر ذو هيبة … وسكينة، وله انتهى المعقول
وهو العفيف الدّين البطل الذي … يخشاه ريب الدّهر وهو صئول
وله اصطبار في العجاج كأنّه … وقت الهياج مهنّد مسبول
وترى لإسماعيل قلبا ثابتا … ويدا لها الخطب الجليل خليل
يا طالما قهر السرايا وحده … وأطارهم بالقول منه: زولوا
لمّا لقوه فكان مفرد صبره … من صبرهم أنمى وإسماعيل
ولهم صحاب كالأسود مهابة … كل بريب الحادثات كفيل
كالفاجريّين اللذين تدرّعا … حلل الحروب وللحروب صليل
أنسوهموا في ليلة السطح التي … زارتهمو فتكاثر التثقيل
ضربت بها الأمثال فهي شهيرة … وسرت بها الركبان جيل جيل
وسطت بها الأبطال من أقيالنا … في جمعهم، فتعاظم التنكيل
لكن إذا نزل القضا لم ينفع … التحذير والبصر الجلىّ كليل
أسفى وما يشفى التأسّف لا ولا … يغنى عن القلب الشجىّ عويل
جعلت مصارعهم فؤادي طائرا … رشقته منها أسهم ونصول
وسقته مرّ الصبر حتى قطعت … أحشاءه، وتناوشته خيول
إنّى لراج أن يكونوا قد مضوا … شهداء إذ كرم الإله جزيل
فاللّه يعفو عنهمو ما قدّموا … يوم الحساب، إذ الحساب مهول
وينيلهم جنّات عدن ما بقي … أسفى على تلك الوجوه يطول
وفراقنا به لا يقصر عن ذلك وهو إلى الأخر، وقريب من ذلك ترفقاته ويده طولى في نظم الشعر (٢٢٠) من غير حشو، يؤيد ذلك قوله:
стр. 320
توفى خير الخلق بعد خديجة … وأزواجه تسع: صفية، حفصة
وعائشة، ميمونة، مع رملة … جويرية، هند، وزينب، سودة
وقوله في نظم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينها في كل ركعة، أخرج البخاري من طريق أبى وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصّل الليلة في ركعة، فقال: هذا كهذا الشعر لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ بينهن فذكر عشرين سورة من المفصّل، سورتين في كل ركعة، واسم الرجل الذي جاءه نهيك ابن سنان كما في مسلم، وقد بيّن ابن خزيمة في صحيحه أسماء السور المذكورة قال:
هي عشرون سورة على تأليف عبد الله أولهن الرحمن، وآخرهن الدخان [وهن] «الرحمن والنجم والذاريات والطور واقترب والحاقة والواقعة ونون والنازعات وسأل والمدثّر والمزمل وويل للمطففين وعبس ولا أقسم وهل أتى والمرسلات وعمّ يتساءلون وإذا الشمس كورت والدخان»، انتهى فنظم ذلك على هذا الترتيب، ولا يعاب بوقوع الشاذّ فإن ذلك مغتفر لا سيما في نظم المعلم، فقال:
حديث عبد الله في نظائر … عشرين من مفصل مجمعه
اقرأ بسورتين كل ركعة … وكن بخير العالمين رافعه
رحمن، نجم، زاريات الطور … اقتربت وحاقة وواقعه
نون، ونزع، سأل، مع مدثر … مزمّل التطفيف والأعمى معه
لا أقسم، الإنسان، مرسلاتهم … وعم، كورت، دخان، تابعه
وقد أخرج الحديث أبو داود وبيّن السّور أيضا، فقدم وأخّر في البعض، فقال:
الرحمن، والنجم في ركعة، واقترب والحاقة في ركعة، والطور والزاريات في أخرى، والواقعة ونون وكذا سأل سائل والنازعات وكذا ويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في أخرى، وهل أتى ولا أقسم وكذا عم والمرسلات وكذا الدخان والتكوير، وقد رتبها كما فيه أيضا:
رحمن، نجم اقتربت وحاقة وطور … وذر ونون بعد الواقعة
وسأل نزع طففت وعبس مدثر … مزمل وهل معه
قيمه وعم مرسلاتهم … دخان والتكوير جاءت تابعه
стр. 321
وكذا قوله في الخصال التي يجرى على صاحبها أجرها بعد موته التي اشتملت عليها روايتا أنس وأبي هريرة ﵄ وذلك فيما ذكره صاحب الفردوس بغير إسناد، وعن أنس رفعه، قال: «سبع يجزى للعبد أجرها بعد موته وهو في قبره: من علّم علما، أو أجرى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته»، وقد رواه ابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه من حديث أبي هريرة بلفظ «إنما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما نشره، وولدا صالحا تركه، ومسجدا بناه، وبيتا لابن السبيل، ونهرا أجراه، وصدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته، فقال:
للعبد يجرى الأجر بعد موته … في تسع كما قال الرسول المصطفى
اجراء نهر، حفر بئر، غرس نخل، … نشر علم والتصدّق في الشفا
وبناء بيت ابن السبيل ومسجد … وبتركه ابنا صالحا أو مصحفا
وهكذا قوله في استخراج الضمير من حروف المعجم:
أطاع الدن في الجيد السنىّ … وعوطى الصرف تزداد السنى
حبيب معرق طبي تيمي … شذاه لا يصبّر عن شذىّ
علا وصفى حلاه وحثّ شوقى … هزيز سيوف وجه يوسف الذي
هلال شخصه يزهو، نديم … سليم وملك كسروىّ
قوىّ لا يهولك يوم ضعف … ويكظم عنف غيظ عن وطىّ (٢٢١)
لأولها وثانيها سمىّ … وأربعة لياليها البهىّ
ورابعها له تسع (٢٢٢) وختم … له خمس وعشر في الروىّ
فإن يضمر لك الإنسان حرفا … ليكشفه بايضاح جلىّ
وأسمعها له بيتا فبيتا … وهل جاء الضمير بها بأىّ
стр. 322
وضمّ عداد ما المضمور فيه … يكون ضميره في اسم السمىّ
وذلك من حروف ألفا وباتا … على الترتيب للحرف القصىّ
مثال: قال مضمورى ببدر … وختم جاء فطاول في الطوىّ
لأن الأول والختم ستا … وعشرا هي وطار بالسوىّ
*** ومن هذا النظم قوله في ترتيب حروف المعجم عند المغاربة:
رمز حروف العرب بعد الزا … طيب طريف كان للحسنا
من ناله صحّ ضيا عينه … غنمته في قينه سهلا
سرى هواها ودواها لائح … يشفى فختم الكل حرف اليا
وهكذا في ترتيب حروف كتاب العين للخليل، والمحكم لابن سيده، والتهذيب للأزهرى: الكلّ في اللغة وترتيب مواد أبوابها:
وعرفان ترتيب الأمور بمحكم … وعين وتهذيب له في الكشف واجب
له صغت أبيات ثلاثا رمزتها … أوائل كلمات فهنّ مراتب
على حىّ هند خفت غيظ قبيله … كأنهمو جسم شباب ضوارب
حبيبهمو سام زكا طول درعه … تليهم ظلامات ذوار ثواقب
رأيتهمو ليلا نجوما فزرتهم … بكل منى، والدهر أضحى يلاعب
ولكن تلا ميما بعين ومحكم … بهمز تليه الياء والواو عاقب
وتعليل ذا الترتيب رعى مخارج … بحلق بدا حتى الشفاه يصاحب
وفي كل باب يبتدى بصحيحه … يضاعفه، قبل الثلاثي راتب
فمثلهمو مثل الصحيح وبعده … رباعيهم ثم الخماسى بجانب
وفي كلّ تركيب يبيّن ما عسى … بجيبك من تقليبه ويناسب
*** على أن غزله لا يخلو عن الجيد كقوله:
خبر أني عن المنازل بعدى … هل محاها بكا العيون لبعدى؟
واذكرانى لحورها، وأذكرا لي … هل وفت لي على البعاد بعهدي؟
أم تناست تلك الليالي فماست … عند من لا أرضاه عبدا لعبدي
стр. 323
يا لحى اللّه فتية ألجأتنى … لاغتراب بعد اقتراب لهند
ربّ ليل ركضت فيه جيادا … للملاهي، وما بلغت أشدّى
رصّعته شهب السماء ببدر … نضّدته عليه أبهج نضد
ثم خطّت بالنصر منه سجلا … رمّلته بأحسن اللّازوردى
وحباه كف الثريّا نثارا … نظمته الميزان أنفس عقد
فاجتدى البحر الخضمّ نداه … فرماه من اللآلي بمدّ
وأدارت بدوره نبت كرم … مثل شمس تسربلت ثوب شهد
طالما أبرمت يد السحب نسجا … عقده في عنقودها أىّ عقد
ما هداني لحانها غير نفح … قد شدا من نفح الرياض بنجد
وشعاع سرى بأطيب عرف … من تجلّى صرف الكؤوس وورد
عجبا هل رأيت لمع رحيق … في طريق يرى الصواب ويهدى
أم علمت الضلال يجلو ظلاما … ليت شعري أم فرط غىّ كرشد
يا رعى اللّه هاتيك الليالي … مثل برق سرى وما نلت قصدي
يا ترى هل أفوز منها بعود … قبل ألقى مثل الرّكاز (٢٢٣) بلحدى
أو أرى من تلك البدور اجتماعا … مثل عهد مضى بأنضر حدّ
شبه إكليل حول ساقى المحيا … كل صدر به سقى كأس ود
إن أفز بالوصال أو لم أجزه … فدواما للّه شكري وحمدى
*** وكذا قوله:
ولى معشر في نيل مصر توافقت … مناهم وأوقات الزمان عبيد
كأنّهمو عقد تنظّم جوهرا … وكل مقال يذكرون سديد
قضيت بهم أيام أنسى وقد نأى … رقيبى، ولم يقدر علىّ حسود
ونحن على متن السفين كأننا … علونا سحابا للسرور تميد
أشبه موج البحر جيشا تتابعت … به الخيل إذ ثوب الرياح حديد
وجادت له أيدي النسيم بنفحها … فمدّت شباكا للقلوب تصيد
стр. 324
غالب مقاطيعه على الطريق السابقة في التورية (٢٢٤) والاستخدام وغير ذلك كقوله:
يا ربّ إنّى كنت أسأل صادقا … نيل الشهادة بعد حسن مآب
فقتلت (٢٢٥) صبرا يا كريم فوفّنى … أجرى على صبري بغير حساب
وقوله مضمّنا النصف الأخير:
أخا الكاسات إنّا في انتظار … وبنت الكرم واسطة العقود
وقد رمنا نزوّحها ابن مزن (٢٢٦) … فهل لك أن تكون من الشهود
من رام ناموس الملوك مهابة … فليسلب النفس الهوى فهو الدوّا
أو ما ترى الناموس (٢٢٧) يكثر عندما … يقع السكون له ويطرده الهوا
وقوله:
عشق الزمان بنى الرّباط وكم سبى … قوما هواه وميله أولى لهم
أوصى لهم بظبا الخدور فقطّعوا … غلطا بلّماع الظبا أوصالهم
وقوله ما كتبه على كرّاسة أهداها للكمال بن البارزى:
لقد أهديتها جهدي ولم لا … أقدّم نحوكم روحي ومالي
وإن نقصت فإنّ لديك إغضا (٢٢٨) … يبلغها إلى رتب الكمال
وقوله:
كم في الهوى من مطلب كتب القضا … ء عليه هذا مهلك تأتى له
تأوى له همم الأراذل لم يروا … خطأ، ولمّا يعلموا تأويله
وقوله:
كم عسكر ضخم الذرى متمنّع … تهويله يدع المنى يهوى له
صدمته من أبطال قومي فتية … شمّ ولم (٢٢٩) يتبينوا تهويله
стр. 325
وقوله:
لا تروموا (٢٣٠) نيل بر … ونفيس المال مخزوه
لن تنالوا البر حتى … تنفقوا ممّا تحبّون
وقوله:
لما بكى انفطرت من في هواه جرت … عيني دما ومرير الصّبر فيه حلا
هام الفريقان من عرب ومن عجم … في الحبّ فاختصما في القرب واقتلا
وقوله:
ولقد مررت بمعشر بفنائهم … سمر يلذّ لعاشقيهنّ الفنا
فطلبت من سمر الفناء فصحفّوا … فتناولت فرسانهم سمر القنا
وقوله:
يا أيها الحبر الذي من علمه … بحر المعارف قد أسيغ وقد طما
أنت الذي ما زال يسمح بالمنى … ويجيب قصد السائلين وقد ظما
وقوله:
يا سائرا ساهرا والروح تتبعه … نحو الشمال وأين الحبّ عن وصبي
فليس منّى في مصر سوى جسدي … والقلب في صفر، والدمع في حلب
وقوله:
وروض (٢٣١) أتيناه عشيّة أقبلت … ملاح البريا من غضيض وغضّه
حكى لونه والبيض محدقة به … زمرّدة خضراء في وسط فيضّه
وقوله وقد سرق ياقوت عبد ابن الجنيد له مالا:
لم يبرح الياقوت أكرم جوهر … يعدو (٢٣٢) على أموالهم ياقوت
وعجيب أمر بنى جنيد ظاهر … نظّمت أبهى جوهر في تاجى
стр. 326
وقوله:
رام يهجى (٢٣٣) رؤوس الشعر مذ … نظّمت أبهى جوهر في تاجى
فشعرت أعينهم فما من مادح … نال المفاص ولا اهتدى منهاجى
وقوله يمدح الشهاب بن المجدى:
يا من إليه العلم سيق بأسره … حتى تجاوز فيه أقصى الحدّ
أنت الذي عمّ الوجود محامدا … وأبو العلا والعزّ يا ابن المجدى
وقوله في صدر رسالة:
إنّى إلى تذكار أنسك سيّدى … ليسوقنى حبّ لدى شديد
والله يشهد انني لك زائد … شوقى وحسبي سائق وشهيد
وقوله:
ولما رأيت البدر ألقى شعاعه … على نيل مصر والسفين بنا تجرى
تخيلته نهرا يسير بسيرنا … من الفضّة البيضاء في لجة البحر
وقوله:
لي صاحب مثل النسيم لطافة … كم ضمّ من خمر الصبا من جرّه (٢٣٤)
وتبطأ (٢٣٥) البيض الليالي ضاحكا … وسقى بها الأعداء كأسا مرّه
وقوله:
تحريف صبر إن نظرت محققا … بصر ومن عاناه نال الشرفا
فاسمح به تعط البصيرة مرشدا … في كلّ علم والرضا والعرفا
وقوله:
لم يبق همك غير حرف واحد … من فهمك افطن زانك التوفيق (٢٣٦)
ثلثيه غطّى فاستعن بتصبّر … وتوكلن إنّي عليك شفيق
стр. 327
وقوله:
إن كان طهر نجاسة حسبه … بالماء وهو حياة خلق يخلق
قدم (٢٣٧) الشهادة طهر حيث معتبرى … وبفضله يحيا القتيل ويرزق
وقوله:
يا قاصر الطرف ما يفتر عن حبب … إلا انجلت ضياء نقطة الخال
قد عاد كلّى ببعض الوجه منتحلا … ودام في تيه ما في الحسّ بليال
١٢٢ - إبراهيم بن فايد
(بفاء وهمزة) بن موسى بن عمر بن سعيد بن علّال (بفتح المهملة وتشديد اللام الأولى) ابن سعيد الزواوى (٢٣٨) السنجارى القسنطينى (٢٣٩) الدار؛ ولد سنة ستّ وتسعين وسبعمائة في جبل جرجرا، ثم انتقل إلى بجاية فقرأ بها القرآن فيما أظنّ واشتغل بها في الفقه على الشيخ أبى الحسن علي بن عثمان، ثم رحل إلى تونس فأخذ المنطق والفقه عن الشيخ أبى عبد الله الآتي، والفقه أيضا عن يعقوب الزغبى، والأصول عن عبد الواحد الغريانى، والفقه أيضا والتفسير عن القاضي أبى عبد الله القلشانى. ثم رجع إلى جبال بجاية فأخذ العربية عن الأستاذ عبد العال بن فراج ثم انتقل إلى قسنطينة فقطنها وأخذ بها الأصلين والمنطق عن الشيخ الحافظ لمذهب مالك أبى زيد عبد الرحمن الملقب بالباز، والمعاني والبيان عن الشاب الصالح شيخنا أبى عبد اللّه محمد البلينى (٢٤٠) الحكمي الأندلسي، ورد عليهم حاجا، و [أخذ] الأصلين والمنطق والمعاني والبيان والفقه وغالب العلوم المتداولة عن سيدي أبى عبد اللّه بن مرزوق عالم الغرب، قدم عليهم قسنطينة فأقام بها نحو ثمانية أشهر، ثم استمر يقرأ ويقرئ حتى برع في جميع هذه الفنون لا سيّما الفقه، وشرح ألفية ابن مالك في مجلدة،
стр. 328
و «تلخيص المفتاح» في مجلدة سمّاها «تخليص (٢٤١) التلخيص» ومختصر الشيخ خليل في مذهب مالك في ثلاث مجلدات سمّاها «تسهيل السبيل في مختصر الشيخ خليل»، وآخر إن كمل كان في مجلدين سمّاها «فيض النيل».
وحج مرارا وجاور وتلا برواية نافع من طريقي قالون وورش على الزين عبد الرحمن ابن عياش مقرئ الحجاز، وحضر مجلس شيخنا الشمس الجزري في الحديث سنة ثمان وعشرين، وحج سنة ثلاث وخمسين، وبها اجتمعت به بالقاهرة في منزل شيخنا العلّامة محقق الزمان أبى الفضل المشدّالى البجائى، وهو رجل صالح مشهور بين المغاربة بالدين والعلم، وعليه سمت الزّهاد وسكونهم. وأجاز لي رواية جميع ما يجوز له وعنه روايته، وأخبرني أن العلامة أبا عبد اللّه بن مرزوق أرسل إلى والد الشيخ أبى الفضل يقول له: «بعثت إلينا أبا الفضل فما أدرى بعثته ليقرأ علينا أو لنقرأ عليه» أو قال: «بعثته ليقرأ علينا فإذا هو أهل لأن لنقرأ عليه «أو كما قال».
١٢٣ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم
، الأمير صارم الدين المهمندار بن القاضي نجم الدين بن الشهيد التنيسى (٢٤٢) المولد، المصري الشافعي ولد سنة إحدى وثمانين وسبعمائة بمدينة تنيس. كان والده إذ ذاك كاتب السرّ بها وقرأ بها بعض القرآن ثم انتقل به والده إلى القاهرة فأكمل بها القرآن، وحفظ «العمدة» وسمع العلاء بن أبي المجد، وحجّ مرتين أولاهما سنة ست وسبعين وسبعمائة، وزار القدس والخليل وسافر إلى الشام فأكثر، وولى المهمندارية سنة عشرين وثمانمائة واستمر، ومعنى هذه الوظيفة الأمانة للسلطان على من يطرقه من الضيوف من رسل الملوك والعربان والتركمان وغيرهم؛ سمع جميع البخاري على الشيخ علاء الدين علي بن أبي المجد والمجلس الأخير وأوله باب «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً» بمشاركة الشامي والعراقي والهيثمي بأسانيدهم المذكورة في محمد بن أحمد القلقشندي.
стр. 329
لقيت هذا الشيخ في جمادى الآخرة سنة ستّ وأربعين فأجاز باستدعائى وشافهنى بها.
وهو شيخ نيرّ حسن الشكل.
١٢٤ - إبراهيم بن محمد بن أبي بكر، برهان الدين بن الحداد الدمشقي
الشافعي المقرئ العدل قرب قناة ابن (٢٤٣) العوفي بدمشق.
١٢٥ - إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن علي بن مسعود بن رضوان
، الفاضل البارع برهان الدين بن أبي شريف المرى (بالمهملة) المقدسي الشافعي.
ولد في ذي القعدة (٢٤٤) سنة ستّ وثلاثين وثمانمائة بالقدس الشريف، وحفظ القرآن وسنّه سبع سنين، وتلا على الشمس بن عمران الغزي لابن كثير وأبى عمرو من طريق الشاطبية، وشرع في التفهّم على أخيه العلّامة كمال الدين محمد الآتي، فبحث عليه في النحو والفقه ومصطلح الحديث، وفي علم التجويد للقرآن المجيد على ابن عمران، ولازم الشيخ سراج الدين الرومي مدّة فبحث عليه في العربية والأصول والمنطق، وعلى الشيخ يعقوب الرومي في النحو والمعاني والبيان، وسمع عليهما بحثا كبيرا من فقه الحنفية، ثم قدم القاهرة صحبة أبيه وأخيه في أواخر جمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين فبحث على بعض المشايخ في الفقه والأصول والعربية والتجويد فبرع في أقرب مدّة براعة لم تتفق لأحد من أقرانه في زمانه، ثم توجه إلى الحجاز صحبة أبيه وأخيه في ثامن عشر شعبان من تلك السنة في ركب كان رئيسه القاضي عبد الباسط بن خليل الدمشقي فوصلوا إلى المدينة الشريفة (٢٤٥) (في العشرين من رمضان فأقاموا بها إلى سادس شوال وتوجهوا إلى مكة المشرفة) فحجّوا تلك السنة، ثم رجع إلى القدس فاستمر
стр. 330
على الإقبال والتفهّم، ونظم في سنة أربع وخمسين قراءة أبى عمرو بن العلاء في نحو خمسمائة بيت في نحو «الشاطبية» وقافيتها ورويّها؛ ثم مرض في أواخر سنة خمس وخمسين مرضة أشفى منها على الموت وطالت به فرأى بعد العاشر منها أنه في الروضة الشريفة بالمدينة الشريفة وأنّه أتى إلى مصلّى النبي ﷺ فرفع السّتر عنه وشرع يقبّله ويمرغ وجهه عليه، ثم استيقظ.
وفي الليلة الثانية من ذاك غاب عن هذا الوجود وظن أهله أنه أخذ في مقدمات الموت واستداروا به (٢٤٦) [نحو القبلة]، فرأى في تلك الغيبة أنه في الروضة الشريفة أيضا وأن النبي ﷺ جالس بها مسندا ظهره للداربزين (٢٤٧) القبلي (٢٤٨) الشمالي وهو مستقبل المنبر وعليه عمامة سوداء، فأتى إليه وقبّل يده المباركة ثم تأخر ووقف بين يديه ﷺ وهو يبتسم، [فقال له]: أتحبّ الآخرة أم الدنيا؟ [قال] فقلت: الآخرة يا رسول الله ولكن لم أقض في الدنيا وطري من الخير، ولم أعش زمنا استكثر فيه من الطاعات، فقال: كم تريد من العمر؟ فقلت: أربعين سنة أخرى أصرفها في التصنيف في العلم؛ فسكت ﷺ وإذا ورقة قد نزلت من السّماء بيني وبينه ﷺ فتناولها ﵊ ودفعها إلىّ وقال «إن الله وهبك أربعين وزادك عشرين!» فوضع البرهان الورقة في رأسه واستيقظ فلمس ذلك الموضع من عمامته فلم يجدها فقال: «أين الورقة؟» فسألوه عن ذلك فحدّثهم فسروا به، وأخذ في العافية من ذلك الوقت.
ولمّا عوفي يسّر الله له قواعد ابن هشام المسمّاة «بالإعراب عن قواعد الاعراب» شرحها شرحا مزدوجا فيه المتن فجاء في نحو عشرة كراريس، ونظم «النخبة» في نيف ومائة بيت، ثم شرع في كتاب في الفقه يذكر فيه اختلاف مذاهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي، فوصل فيه إلى سجود السهّو.
ثم رحل إلى القاهرة في شعبان سنة ستّ فدار على مشايخ القاهرة كالعلم البلقيني والجلال المحلىّ والزين الأبوتيجى والسّعد الدميري والأمين الأقصرائى وأبى الفضل المغربي وغيرهم، فبحث في الفقه والفرائض والحساب والتفسير والأصلين، وكتب له
стр. 331
كثير منهم ومن أهل الشام على مصنفاته، وأجازه المشايخ بالتدريس، وأجاز له العلم البلقيني الافتاء وجدّ جدّا لا مزيد عليه والله تعالى ينفعه وينفع به. أمين.
وأنشدني من لفظه لنفسه في يوم الأربعاء رابع صفر سنة سبع وخمسين وثمانمائة بالمؤيدية بالقاهرة:
تحكم في قلبي هواكم أحبّتى … فأنحل جسمي بل أذاب فؤادي
عصيت عذولى في المحبة فيكمو … وقلت: همو عيشى وكلّ مرادي
سكنتم سويدا القلب يا خير سادة … ومن مقلتى أيضا سواد سوادي
جرى عن دم دمعي فأشبه عندما … لطول صدود منكمو وبعاد
سقاني الهوى صرفا كئوس محبّة … فأشربها قلبي ليوم معادى
فبالله منّوا أوعدوني بوصلكم … فإني المحبّ المشمر عن ودادي
وكذلك أنشد في التاريخ والمكان:
دموعي قد نمّت بسرّ غرامى … وباح بوجدى للوشاة سقامى
فأضحى حديثي بالصبابة مسندا … ومرسل دمعي من جفونى دامى
تسلسل بالخدّين يجرى متابعا … يقارن (٢٤٩) عالي زفرة لهيامى
ومن طرفي المجروح قد قام شاهد … يعادله حقا نحول عظامي
فصبرى ضعيف والفؤاد معلّل … وحالي غريب والعزيز مرامى
فمستور أمرى صار يروى معنّفا … وسرّى مشهور ووجدى نامى
وكم يلبس الواشون عنّى منكرا … من العدل موصولا بزور كلام
فيا عاذلى إن شئت فاعذل أو اعدلن … عن العذل، لا أصغى لقول ملام
فقلبي موقوف على من أحبّه … مقامي مرفوع، وقدرى سامى
بنىّ شريف شرّف الله قدره … وبوّأه منه علىّ مقام
стр. 332
١٢٦ - إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي الأصل
، الحلبي المولد والدار، سبط ابن العجمي (٢٥٠)، ويعرف هناك بالشيخ إبراهيم المحدّث، وفي الديار الشامية (٢٥١) بالشيخ برهان الدين القوف (٢٥٢)، وهو يكره هذا اللقب، وهو حافظ تلك البلاد غير منازع في ذلك؛ انتهت إليه مشيخة حلب حتى صار فقهاؤها جميعهم تلامذته: القضاة فمن دونهم.
ولد بحلب في ثاني عشرى رجب سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بمكان منها يقال له الجلّوم (بفتح الجيم وتشديد اللام المضمومة) بقرب فرن عميرة (بفتح العين) وحارة بلبان.
والده من طرابلس الشام، وجدّه لأمه هو عمرو بن محمد بن الموفق أحمد بن هاشم ابن أبي حامد عبد الله بن العجمي الحلبي؛ وتوفى أبوه وهو صغير جدا فسافرت به أمّه إلى دمشق فقرأ بها بعض القرآن، ثم ردّته إلى حلب فأكمل حفظ القرآن العظيم في مكتب الأيتام لناصر الدين الطواشى بالنشابين، وصلّى به بخانقاه أحد أجداده لأمه شمس الدين أبى بكر أحمد بن العجمي (٢٥٣) وتلا برواية أبى عمرو على الماجدى إلى أثناء سورة التوبة وكذا لقالون على الشهاب أحمد بن أبي الرضا الحميدي الشافعي إلى آخر سورة نوح، ولأبى عمرو أيضا على الشيخ عبد الواحد (٢٥٤) الحراني الحنبلي ختمتين ولعاصم عليه إلى آخر سورة فاطر، وعلى أبى عبد الله محمد بن ميمون البلوى الأندلسي بعض القرآن لنافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر.
وأخذ الفقه عن العلامة كمال الدين أبى حفص عمر بن تقى الدين إبراهيم بن عبد اللّه بن عبيد الله العجمي الحلبي الشافعي والإمام علاء الدين علي بن خميس البابي وتقى الدين محمد بن نور الدين محمود بن علي بن العطار الحراني وأبى البركات
стр. 333
الأنصاري والإمام نور الدين محمود بن علي الحراني والد تقى الدين المذكور، والعلامة شهاب الدين بن أبي الرضا، وحضر عند علامة المذهب شهاب الدين الأذرعى وهو يبحث عليه في منهاج النووي، وكان القارئ بشر والد ابن الأنصاري ومعه ابن ظهيرة المكي، وحضر بعض دروسه في المدارس، وسمع عليه قطعة من «رسالة الشافعي» وغيرها، وحضر بعض دروسه الإمام شهاب الدين أحمد بن الحنبلي، قال: «ورأيت الشيخ زين الدين البارينى ولم أقرأ عليه شيئا لأنه توفى سنة أربع وستين وأنا في المكتب»، وأخذه في القاهرة عن شيخ الإسلام السراج وابن الملقن والإمام شمس الدين محمد الصفدي نزيل القاهرة وغيرهم، وأخذ النحو بحلب على الإمام زين الدين عمر بن أحمد بن عبد الله ابن المهاجر والإمام كمال الدين إبراهيم بن الحاج عمر الحلاوى والعلّامتين أبى جعفر وأبى عبد الله الأندلسيين وغيرهم، وبالقاهرة عن الإمام زين الدين أبى بكر بن عبد اللّه بن مقبل التاجر الحنفي، قال: وقرأت كتاب تحبير الموشيين على جامعه علّامة اللغة مجد الدين الفيروزآبادي بالقاهرة، وبحث غالب قصيدته شيخه ابن عبد الله الأندلسي التي أولها: «بطيبة أنزل ويمّم سيد الأمم» في البديع وبحث في علم الحديث على الحافظ صدر الدين سليمان الياسوفى بدمشق، وعلى الحافظين الزين العراقي والسراج بن الملقن بالقاهرة وسمع بحثه على البلقيني.
وبحث في التصريف على الإمام جمال الدين يوسف الملطى نزيل حلب، ثم ولى قضاء القضاة بالقاهرة وتوفى بها.
وحبب إلى صاحب الترجمة سماع الحديث وأكثر منه جدا وأول سماعه سنة تسع وستين وسبعمائة. وسمع على مشايخ حلب وكتب الحديث سنة سبعين في جمادى الآخرة وسمع وقرأ بها غالب مرويات البلد على نحو سبعين شيخا، وأجازه من دمشق من أصحاب الفخر بن البخاري صلاح الدين محمد أبو حفص عمر بن أميلة، وابن الهيلمى، ثم رحل إلى حماة وحمص وبعلبك ودمشق فسمع بهذه البلاد ولم يسمع على أحد من أصحاب الفخر سوى الصلاح، سمع عليه أشياء منها المشيخة.
وسمع بدمشق في هذه الرحلة على نحو أربعين شيخا ثم رحل منها إلى القدس الشريف فسمع به وبالخليل، ثم إلى القاهرة فسمع بها، وبمصر القديمة على مشايخ يزيدون على ثلاثين، منهم ناصر الدين الطبردار من أصحاب الحافظ الدمياطي وجويرية
стр. 334
بنت شهاب الدين الهكارى من أصحاب ابن الصواف وابن القيّم، ثم رحل إلى الإسكندرية فأخذ بها عن أربعة (٢٥٥) مشايخ سماعا وقراءة، ثم رجع إلى القاهرة واستفاد بها شيخا آخر ثم إلى غزة (٢٥٦) فسمع بها، ثم الخليل ثم القدس ثم نابلس ثم دمشق ثم حمص ثم حماة ثم حلب فأقام بها سنتين، ثم رحل إلى القاهرة وسمع بما دونها من البلاد، ثم رحل إلى دمياط فسمع بها وبتنيس، ثم رجع إلى بيت المقدس ثم دمشق ثم حلب.
وانتهى إثبات ما سمعه في مجلّدة ضخمه بخطة الدقيق. ومشايخه في الحديث وغيره نحو مائتي شيخ وثلاثين شيخا. وجوّد الكتابة على جماعة بحلب أكتبهم الشيخ بدر الدين حسن البغدادي الشهير بالناسخ، وكتب الكثير بخطّه الدقيق الحسن لا سيما في هذا الشأن وكتب العالي والنازل وعنى بهذا الشأن، وكتب تعليقا لطيفا على «سنن ابن ماجة» وآخر على «صحيح البخاري (٢٥٧)» وأخر «على سيرة (٢٥٨) أبى الفتح بن سيد الناس اليعمري»، وأخر على «الشفا» (٢٥٩) للقاضي عياض. واختصر كتاب «المبهمات» لابن بشكوال، وكتب على بعض «صحيح مسلم» [كتابا] فذهب في فتنة تمر، وأفرد (٢٦٠) كلا من المدلسين والمختلطين والمخضرمين والوضاعين، وكتب حواشي على «صحيح مسلم» وعلى «سنن أبي داود»، وعلى «تجريد الذهبي» و «كاشفه» وعلى «مراسيل العلائي» وذيّل على «ميزان الذهبي» وكان يمعن النظر فيه، وله «حواش على الميزان» وعلى «تلخيص المستدرك» كلاهما للذهبي، قال: «وكتب عنى املاء على البخاري صلاح الدين بن صالح بن السّفاح، وتعليقا آخر على شمس الدين بن شفليش العزازى وكذا القاضي محبّ الدين محمد أبى الوليد بن الشحنة وغيرهم، وزار بيت المقدس أربع مرات، وحج سنة ثلاث عشرة وكانت وقفتها الجمعة، ورزق عدة أولاد منهم الآن موجود
стр. 335
أبو حمزة أنس، أجازته عائشة بنت عبد الهادي، سمعت على الحجار جميع صحيح البخاري وهي آخر أصحابه بالسماع، وأبو ذر أحمد، وأبو حامد عبد الله، وأم هانئ.
قال: «وقرأت صحيح البخاري على الناس في الجوامع والمساجد وغير ذلك؛ غير ما قرأته في حال الطلب وما قرئ علىّ إلى آخر سنة ست وثلاثين وثمانمائة ثمانيا وخمسين مرة، وقرأت صحيح مسلم مرارا كثيرة دون ذلك بكثير»، قال: «وقد كتبت في سنة تسع وعشرين مؤلفا حسنا ذكرت فيه أسماء رواة الكتب الستة مع من يشبه بالواحد منهم، وسميته غاية السول في رواة الستة الأصول».
هذا ملخّص ما رأيته من ترجمته لنفسه بخطه، وربّما زدت فيه. قلت: وكان ﵀ على طريق السلف في التوسط في العيش وفي الانقطاع عن الناس لا سيّما أهل الدنيا، عالما بغريب الحديث، شديد الاطلاع على المتون، بارعا في معرفة العلل إذا حفظ شيئا لا يكاد يخرج من ذهنه، ما نازع أحدا بحضرتي في شئ وكشف عنه إلّا ظهر الصواب ما قاله أو كان ما قاله أحد ما قيل في ذلك وهو كثير التواضع مع الطلبة والنصح لهم وحاله مقتصد في غالب أمره توفى ﵀ في [حلب يوم الاثنين سادس عشرى شوال سنة إحدى وأربعين وثمانمائة بحلب].
١٢٧ - إبراهيم بن محمد بن علي بن أحمد بن أبي بكر
بن شبل بن محمد بن خزيمة ابن عنان بن محمد بن مدلج، الشيخ الإمام العالم برهان الدين الشيخ الإمام العلّامة شمس الدين البديوي العدوي النحريرى الشافعي الرفاعي، ولد بعد سنة ثمانين وسبعمائة بالنحرارية وقرأ بها القرآن وصلّى به وحفظ العمدة والتبريزي وألفية ابن مالك، وأخبرني أنه عرضهم على السراجين البلقيني وابن الملقن وبحث في التبريزي والألفية على الشيخ نور الدين علي بن مسعود النحريرى وولده الشيخ شمس الدين، وحجّ سنة خمس وعشرين وثمانمائة، وتردّد إلى القاهرة وإسكندرية مرارا ورحل إلى دمياط لزيارة الصالحين، وعنى بنظم الشعر وسلك الطريقة السابقة ففاق والده في ذلك، وذكر أنه سمع كتاب الشفا للقاضي عياض بالإجازة على قاض النحرارية برهان الدين إبراهيم ابن أحمد بن البزاز الأنصاري الشافعي قبل هذا القرن بيسير بسماعه على محمد بن جابر بن أحمد الفيسى الوادي آشى سنة ٧٤٤.
стр. 336
حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد الخزرجي حدثنا سليمان بن موسى الكلاعي حدّثنا القاضي عياض وأخبرني أنه يحل المترجم (٢٦١) كوالده، إلا أن والده كان قد فاق أهل العصر في ذلك، وأن هذا له مدة متطاولة لم يجد فيه مذاكرا ولا من يكتب له فيه شيئا، فكتبت له بيتين بعلم أخبر عنه، وهما:
إنّي (٢٦٢) عقدت فصول حبىّ فيك من … أبوابها ومترجم عما عمى
فوعدت إبراهيم حلّ مترجم … فسألت فيها كيف حلّ مترجمى
فحلّها بكلام غالبه منتظم غير البيتين المذكورين، فأعلمته بالبيتين فأخبرني أنه أتى من جهة قواعد قسّموا فيها الحروف إلى كثرة وقلة ومن حروف الكثرة الألف والهاء وحروف أخر، وأن الأمر انعكس في البيتين.
وأراني كلام أهل هذا الفنّ كما قال، فأقمت له العذر، وحصلت بيننا مودّة زائدة، والله يلطف بنا وبه وبالمسلمين.
اجتمعت به يوم الأحد رابع شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة بزاوية عبد الله بخط النشارين بالنحرارية، فرأيته مشتملا على اللطافة الزائدة والذهن السيّال وإدراك النكتة الأدبية بسرعة وحلاوة النادرة.
وأنشدنا لنفسه يوم الاثنين تلو الأحد المذكور بالمكان يمدح النبي ﷺ ، وأنشدها في حجرة النبي ﷺ وسمع رفيقاى ابن الإمام وابن فهد:
نادى منادى الصفا أهل الوفا … بشراك قلبي ما هذا الندا زور
قم، شقّه البين والهجران قد طويت … وأسود الصد بعد الطول مقصور
يمّمت نحو الحمى يا صاح مجتهدا … وللذّيول بصدق العزم تشمير
في فرقة مولا العليا ناحية … شموس حرب تحامتها الدياجير
سموا جميعا لأبواب القبول فما … في الفرد نقص ولا في الجمع تكسير
стр. 337
يطوون بالعزم برد البرد حيث غدا … لهم من اللّه بالغفران منشور
بكل وجنا باسم الله قد برزت … علامة وكتاب الركب مسطور
آثار ميسمها فوق الثرى قمر … وقلبها بشعاب الحىّ مقمور
بعد أمالها شوق قد اقتصرت … على هواه فممدود ومقصور
في كل منزلة بتنا يلوح لنا … بروق بشر ذراها العطر مقطور
تبارك اللّه كم شاهدت من وطن … له من اللّه تعظيم وتوقير
استقبل الكعبة العظمى ولي طرب … حيث السّتور وتمجيد وتطهير
أطوف منها بأركان معظمة … لها على الحىّ والأكوان تعطير
لله حجر بذاك البيت أو حجر … ما للهنا عنه حجر قط محجور
أصبح للمحسن المولى بكل دعا … عاد له سند في الفضل مأثور
وفي منى جمرات مالها ثمن … لكن لها في حشا الشيطان تسعير
نذرت في عرفات إذ وقفت بها … نذرا صحيحا له بالحق توقير
إن زرت قبر رسول اللّه شافعنا … ليجعلن لخدى فيه تعفير
طاب السّرى ونزلنا طيبة سحرا … وطيب سعى من الرحمن منثور
وفيت بالنّذر ملهوفا على ثقة … أن التراب بعيني منه تنوير
وصحت: يا خير خلق الله كلّهمو … يا من له علم بالفضل منشور
يا من أتته وحوش البرّ واعتذرت … بنطقها، قبلت منها المعاذير (٢٦٣)
فقال للبعض منها: من أنا؟ شهدت … أنت الرسول وهل في الحق تنكير
يا من إذا سار في حرّ تظلّله … سحب الغمام وللهيجاء تهجير
يا من دنا وتدلّى واجتلى ورأى … وداس فرش بساط الأنس، مأمور
يا من بآي كتاب الله ممتدح … فيه لقدرك تبجيل وتوقير
يا شافع الخلق يوم الحشر إذ يئسوا … وللحساب مناقيش وتحرير
أنت الذي لأولى التّقديم متصف … وما لفضلك في الدارين تأخير
يا خير من أرتجى دنيا وأخرة … حبىّ لجاهك يوم العرض مذخور
من زار قبرك زالت عنه غمّته … وما لعضو هناه قط تكدير
стр. 338
يا أكرم الخلق، يا ذخرى ويا سندى … إنّي بذنبي ملهوف ومضرور
وليس لي ملجأ إلاك أقصده … وهل يرى لاعتمادى فيه تأثير
ظلمت نفسي وجئت الآن معترفا … مستغفرا، حيث لي بالذّنب تقصير
فاستغفر اللّه يا مختار لي كرما … فجاهك الرّحب فيه الذنب مغفور
ولى إليك شفيع أنّ لي سلفا … لهم بمدحك أوزان وتحرير
وقد وقفت بباب المدح أخلفهم … فلن يرى لسبيلى فيه تعسير
ضمّنت نفسي الوفا في بعضه فوفى … مع أنني ضامن بالعجز مكسور
إن متّ شوقا أنا العذرىّ فيك ومن … من غدره مات حبا فهو معذور
وابن البديوي وأهلوه وعترته … رجاؤهم بامتداح فيك معمور
خدّام مدحك ما زالوا ذوى شرف … ومادح الغير ممجوج ومغرور
لغير قدرك لم تسمح قرائحنا … وليس في حبّنا بالله تغيير
بعنا النفوس فحبّ المدح حجّتنا … وهو الوثائق فينا والمساطير
زنادنا لم يزل بالمدح مقتدحا … وكسرنا دائما بالحمد مجبور
يا سيّد الرسل إنّى خائف وجل … إذا الجحيم لها قيظ وتسعير
إن كان لي ذرّة من صالح عرفت … فإنّ ذنبي وأوزانى قناطير
عنوان يسرك يولى اليسر كلّ يد … معجّلا، فإذا العنوان تيسير
إن يسأل الغير من بعد فساعدنى … بالسعد (٢٦٤) زين فبرد الوجه مجبور
الله أكبر يا فوزا ظفرت به … في حضرة الأنس بالمحبوب مسرور
في روضة من جنان الخلد قمت بها … ومنبر عند قبر كلّه نور
أقول للمصطفى من غير واسطة … يا سيد الخلق مالي عنك تأخير
نال اتباعك قلبي واطمأنّ به … فليس لي عن سبيل الرشد تغيير
فالحمد للّه مولانا ونشكره … فهو الذي بجميع الحمد مشكور
عليك أزكى سلام ماله عدد … وليس يحصره حدّ وتقدير
كذا ضجيعك والآل الذين لهم … في نصرة الحق (٢٦٥) تهليل وتكبير
ما رنّمت فوق غصن الدّوح صادحة … لها من الشوق تغريد وتهدير
стр. 339
وكذلك مضمّنا للبيت الآخر:
بتنا على روضة كان الغدير بها … والأقحوان بها فاحت أزاهره
والطل كاللؤلؤ المنثور يبسطه … على الرياض (٢٦٦) سحاب جاف ماطره
والورد مثل خدود الغانيات بدى … والنرجس الغضّ تسبينا نواظره
والدّوح يطرب والأغصان مائدة … والدّيك يرقص إذ غنّاه طائره
وكوكب الصبح نجّاب على يده … محلّق وعلى الدنيا بشائره
وكذلك مضمّنا البيت الأخير وهو لابن النبيه:
هذا أوان الورد فاشرب قهوة … قد شاكلته فلونها من لونه
ومذاقها من طعمه، وأريجها … من نشره، وكأنها من كونه
إن جفّ كأس كان وردا جامدا … أو ذاب ورد فالمدام بعينه
وكذلك مضمّنا البيت الأخير:
لا تكن في الهوى ملولا يئوسا … لم ينل حظّه الملول اليئوس
واكتم الحبّ ما استطعت وصنه … فبصون الهوى يلين اليبيس
وعلى الهجر فاصطبر إنّ قدما … قيل بيت تهفو إليه النفوس
عرضا للذي تحبّ بحبّ … ثم دعه يروضه إبليس
*** وكذلك لقطب بن قاسم الدمياطي:
إذا لاذ بالقطب النجوم فعادة … تداولها الأفلاك جهلا بمعناه
فنحن بقطب الدين لذنا لعلمنا … بكعبة فضل منه طبنا بمغناه
وكذلك في الأمير بدر الدين بن نعمة الدمياطي:
يا بدر دين الإله يا من … في الحسن واللّطف رأس سهمه
إن عمّك الحسن لا عجيب … فأنت بدر وابن عمه
стр. 340
وفيه أيضا، وأنشدناه كذلك:
رأيتك بدر الدين للمال باذلا … وما قلت يوما للعباد سوى نعم
فمن أجل ذا نادوك يا ابن نعمة … لكثرة ما أوليت للناس من نعم
وقال، وقد سئل أيما أعظم: السكر أو الزنا:
علىّ في الخمر جلد … إذا سكرت لجلدى
وفي الزنا القتل فانظر … كم بين قتل وجلد
وقال في القطب المذكور وأنشدناه كذلك:
إذا كنت فردا بلا صاحب … وأصبحت في الدّهر لا إلف لك
فعرج على القطب أو لذ به … فللقطب عاد بجمع الفلك
وكذلك وهو مردوف:
وجدى عليك كما علمت: قديمه يتجدد … طول المدى يا متلفى
وعلى هواك مدى الزمان أنا المقيم المقعد … بصبابتى وتلهّفى
يا مائسا من قده غصن النقا يتأود … يا ذا القوام الأهيف
قلبي عليك من الجوى بلهيبه: يتوقّد … وكآبتى ما تنطفى
ولئن نقضت حبال ودّ بيننا: يتأكّد … أو خنتنى فأنا الوفي
ما حلت عن عهدي ولم أبرح به، أتودّد … يا للهوى من منصفى
كلّا ولم أدر السّلوّ وناظرى: يتسهّد … يرعى النجوم وما غض
لم أصغ فيك للومى إن اتهموا: أو أنجدوا … وعصيت أمر معنفى
هل لي معين في الغرام على النوى أو منجد … فمن الضنى جسمي وخفى
ولقد رنى من عظم ما بي في الغرام … ومن الجوى لم أعرف
وللبرهان ابن البديوي مجيبا للشعر المشهور الذي أراد بصاحبه التشكيك وهو:
أيا (٢٦٧) علماء الدين ذمّى دينكم … تحير دلوّه بأوضح حجة (٢٦٨)
إذا ما قضى ربّى بكفرى بزعمكم … ولم يرضه منىّ فما وجه حيلتي
стр. 341
دعاني وسدّ الباب عنى فهل إلى … دخولي سبيل بيّنوا لي قصّتى
قضى بضلالى ثم قال ارض بالقضا … فها أنا راض بالذي فيه شقوتي
فإن أك بالمقضىّ يا قوم راضيا … فربّى لا يرضى بشؤم بليّتى
إذا شاء ربىّ الكفر منىّ بزعمكم … فهل أنا عاص في اتباع المشيئة؟
وهل لي اختيار أن أخالف حكمه … وأدخل في دار السّلام بحيلة
وهل لي رضا ما ليس يرضاه خالقي … فباللّه فاشفوا بالبراهين حجّتى
فقال الشيخ الإمام العالم الزاهد الصالح اليقظ الشديد في دين الله على من خالف السّنة النبويّة شمس الدين محمد بن الخبرى الشهير بالعطار خمسة أبيات ونصف في الأبيات الآتية، ثم عجز عن التكملة فأرسلها إلى الشيخ برهان الدين المذكور وأكمل عليها إلى الآخر.
وأنشدنيها جميعها بسماعه لما نظمه العطار، وكان إنشاده لي يوم الأربعاء سابع رمضان بالرواية (٢٦٩) المذكورة:
سؤال أتى من كافر متهوّر … يجادل بالتلبيس أهل الحقيقة
يروم بجهل منه يحتج بالقضا … ويعلق في طغيانه بالمشيئة
فهلا (٢٧٠) أطاع الأمر والنهى واهتدى … وآمن بالمقضّى من غير علّة
مراد إله العرش من كل خلقه … لما هم عليه فيه أقوى الأدلّة
بعلم قديم منه أن مرادهم … يوافق ما هم فيه من كلّ حلية
فأهل البلا لا يصلحون لغيره … كذا من مضى من مشركي كل أمّة
ولو أنهم ردوا لعادوا إلى الذي … نهوا عنه من كفر وسوء عقيدة
ولو علم الرحمن خيرا لسمعهم … لأسمعهم منه خطابا بلذّة
ولو سمعوا ولّوا ومالوا وأعرضوا … ولن يصلحوا إلّا بتلك القطيعة
فحجتنا أن لا على اللّه حجة … ومن أين تأتيه العباد بحجّة
وما كان ربّى للعبيد بظالم … وحاشاه من ظلم لضعف الخليقة
стр. 342
وقد أرسل اللّه المهيمن رسله … شهودا إلى العاصين من كلّ ملة
على غرّة لم يأخذ اللّه من مضى … وأنذرهم في الكتب وقع البلية
فإن خالفوا حق العذاب عليهمو … كذا شهد القرآن في كلّ قصة
فسبحانه من قادر ومقسّم … لأديان أهل الدين من كلّ فرقة
على سابق العلم المغيّب صوّروا … فسبحان باريهم بأحسن صنعة
وكل جماد صامت فيه آية … تدل بأنّ الكائنات بحكمة
وكلّ الورى في أصل قبضة قهره … فليس لما يختاره من مفوّت
قديم حكيم، مالك الملك، قاهر … بصير بما تخفيه كل طويّة
تقرّ يقينا أنّه اللّه ربنا … وجاعلنا بالفضل من خير زمرة
ونبرأ ممّا يدعيه معطّل … كذوب جهول حائر بتشتّت
ويدحض ما يحتاج في كل ما أتى … به من تحاييل بغير تثبّت
ويلهج بالتسليم في كلّ ساعة … على المصطفى أزكى الورى بالنبوّة
محمّد المبعوث من خير عنصر … بخير تشاريع إلى خير أمة
عليك صلاة اللّه ما أحلو لك الدّجى … وما أسفر الفجر المنير بغرّة
*** وحكى لي الشيخ برهان الدين بن العدوي المذكور، قال: حدّثنى الشيخ شمس الدين العطار قال: «توجّهنا في صحبة سيدي يوسف العجمي إلى الإسكندرية لزيارة سيدي يحيى الصنافيرى وكان مجذوبا لا يفيد كلامه ولا يجيب سائله بكل ما يريد ولا تنضبط أحواله مع كل أحد، قال: فتلقّاه خارج باب إسكندرية ثم قال [سيدي يحيى الصنافيرى] يا يوسف:
ألم تعلم بأنّى صيرفىّ … أحكّ الأصدقاء على محكى
فمنهم يهرج لا خير فيه … ومنهم من أجوّزه بشك
وأنت الخالص الذهب المصفىّ … بتزكيتى ومثلي من يزكّى
стр. 343
ثم قال ارجع من هنا.
«وعاد على ما كان عليه من الوله والكلام الذي لا ينضبط (٢٧١)»، قال: «فرجع يوسف [العجمي] ولم يدخل إلى الإسكندرية» وكذا حكى عن القاضي شمس الدين بن المغيربى لكن قال إنهم إنما زاروه إلى صنافير لا إلى إسكندرية.
وقال: «وقد عتب عليه الشمس شمس الدين محمد بن نور الدين على الأبيارى الشهير بابن المغيربى بأنّ ودّه قد صار مكلّفا واعتذر عنه بأنّه إنما شغله عن الرد الجلوس مع الشهود، فكتب إليه معاتبا، وأنشدناه يوم الأربعاء سابع رمضان المذكور.
وكذا سميع الهجر في حال الرضا … يقضى له وإذا تحرّف حرّفا
كالراح يدعى الاسم عند ملالها … ومع الرضا يدعى البلا والقرقفا
فأرسل إليه ابن المغيربى المذكور مجيبا، وقد أنشدني ابن المغيربى هذه الأبيات يوم الأربعاء ثامن عشر ذي الحجة سنة أربعين وثمانمائة بالبرانجية (٢٧٢) على شاطئ النيل، وسمع ابن مزهر:
حتّام أمنحك المودّة والوفا … وتسومنى قطع القطيعة والجفا
يا عاتبا بجريرة لم أجنها … ظنّا بأن وفاى صار مكلّفا
أتظنّ أن الودّ فيه تكلّف … هذا وأنت أجلّ إخوان الصّفا
لا تحسبنّى للشهود مشاركا … أو سامعا قول الذي ما أنصفا
من قال إنّي عدت أجلس عندهم … تالله بدّل ما رواه وحرّفا
فافرح وطب نفسا فلست بعائد … أبدا لهم لو أن عمرى ألفا
وانظر بجودك في حبال مودّتى … لا تلفها بالهجر قاعا صفصفا
هب أنني أغلظت قولي عاتبا … أيجوز أن يلقى الصديق إذا هنا
إنّ الصديق إذا تمكّن حبّه … بالودّ أغلا في العتاب وعنّفا
ورد المشرّف من خليل أنصفا … يا حبذا البشرى بذلك إن صفا
لا بدع إن وفي الخليل فقد أتى … في محكم الذكر العزيز له الوفا
стр. 344
قلبي المبرد يا خليل ولم أفه … أبدا بأن الودّ صار تكلّفا
عتبى المحرّك للقريحة بعد ما … سكنت وكادت أن تميل إلى الجفا
صحّ العدول عن العذول بمجلس … فيه القضا يغتال خنقا من هفا
رام المزوّر لي الشهادة بيننا … كدرا وكان مرامه عين الصفا
روحي وروحك يا خليل تعارفا … من سابق، فعلى الوفاء تآلفا
وإذا تآلفت القلوب، وكلّ من … رام التحالف في المراد تخلّفا
عوفيت في الذات الشريفة سيّدى … أبدا وعاملك المهيمن بالشفا
١٢٨ - إبراهيم بن محمد بن موسى بن السيف
محمد بن أحمد بن عمر بن أبي عمرو محمد بن أحمد بن قدامة بن مقدام المقدسي العمرى العدوي الصالحي الحنبلي الشهير بالبقاعى، الشيخ الصالح العابد الزاهد الأصيل برهان الدين بن سيف الدين، ومن ورعه أنه لا يأكل إلّا من كسب يده، وضعفت حاله فانقطع بمنزله إلّا عن صلاة الجماعة [وكان] يسكن بحارة الحالة بقرب جامع المظفري بالسفح.
١٢٩ - إبراهيم بن محمود بن إبراهيم بن محمود بن عبد الحميد
بن هلال الدولة عمر ابن منير الحارثي الصالحي نزيل الشبلية (٢٧٣). ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة.
١٣٠ - إبراهيم بن موسى بن بلال بن عمران بن مسعود بن دمج
(بالتحريك) الشيخ الإمام العالم العلامة برهان الدين الكركي الشافعي، أخبرني أنه ولد سنة ستّ وسبعين
стр. 345
وسبعمائة بمدينة كرك الشوبك وحفظ بها القرآن وصلّى به، وحفظ بها ألفية ابن مالك؛ ثم انتقل إلى بيت المقدس بعد موت والده سنة ستّ وثمانين وحفظ بها «الشاطبية» وعرضها على الشيخ بيرو وغيره، وقرأ عليه برواية نافع وابن كثير وابن عامر وقرأ الثلاثة المتقدمة على الشيخ شهاب الدين بن مثبت المالكي، وبحث غالب ألفية ابن مالك على الشيخ علاء الدين بن الرصاص القدسي، ثم انتقل في السنة إلى مدينة بلبيس من أعمال القاهرة وأكمل بها القراءات السبع على الشيخ سراج الدين بن الهلّيس وحفظ بها النصف الأول من «منهاج النووي» وبحثه على الشيخ شمس الدين بن منيجن ثم انتقل إلى القاهرة في أواخر السنة فأكمل بحث «الألفية» على البرهان الأنباسى وبحث عليه من كتاب النكاح من المنهاج إلى كتاب الصداق، ثم لازم تلميذه الشيخ تقى الدين الكركي فأكمل عليه بحث المنهاج، وحفظ بها «منهاج البيضاوي» وبحثه على التقى المذكور، وقرأ على الفخر البلبيسى إمام الجامع الأزهر رواية أبى عمرو، وعرض عليه الشاطبيتين، وتلا على الشيخ تقى الدين محمد بن أحمد العسقلاني إمام جامع طولون القراءات السبع وقراءة يعقوب في ختمة كاملة من التفسير والشاطبية والعنوان وحفظ «ألفية» الزين العراقي وعرضها عليه (٢٧٤)، وسمع عليه «البخاري» بفوت، ثم رجع إلى الكرك سنة ثمان وثمانين فقرأ بها على الشيخ علاء الدين الفاقوسى تلميذ الشهاب الأذرعى «منهاج النووي» بحثا، ونصف «التنبيه» الأول، وحفظ «العمدة» وعرضها عليه وأجازه بروايته لها عنه عن الحافظ قطب الدين الحلبي، وسمع «صحيح البخاري» بقراءته وقراءة غيره على القاضي تقى الدين محمد بن الشيخ محيي الدين بن الزكي الكركي ثم الأربلي، أنا الحجار.
وعرض بها (٢٧٥) «منهاج النووي» على الشيخ بدر الدين محمود العجلوني حين ورد عليه في السنة المذكورة، وقرأ عليه «الأذكار» و «الرياض» للنووي بروايته على القاضي ناصر الدين الغزنائى، ثم رحل إلى دمشق سنة تسعين فقرأ على الشيخ شمس الدين بن اللبان ختمة برواية حمزة والكسائي، وأفرد على تلميذه أبى العباس أحمد بن محمد بن
стр. 346
عيّاش القراءات السبع، وكذلك على الفخر ابن الزكىّ إمام الكلاسة (٢٧٦) وبحث على الشيخ شهاب الدين الحباب الشافعي ربع العبادات من «منهاج النووي»، وحضر دروس الشيخ بدر الدين بن قاضى شهبة من شيخنا تقى الدين، ثم عاد إلى الكرك سنة اثنتين وتسعين فبحث بها (٢٧٧) على الشيخ أبى عبد الله محمد المغربي التوزرى (٢٧٨) في النحو والتصريف والقراءات والمنطق، ثم رحل منها إلى القاهرة سنة ستّ وتسعين بعد خروج الظاهر من الكرك وعوده إلى الملك في المرة الثانية، فلازم الشيخ برهان الدين البيجورى والشمس البرماوى والتقىّ الكركي والبدر الطنبدى والولىّ العراقي، وعرض «منهاج النووي» على السراج البلقيني وولده الجلال وحضر درسه سبع مرات، ثم رحل إلى دمنهور (٢٧٩) الوحش في ذي القعدة من السنة المذكورة إلى الشيخ شهاب الدين أحمد بن الجندي شيخ تلك الناحية ومفتيها فتوفّي قبل وصوله فأدرك بها من أصحابه الشيخ شمس الدين وأخاه الشيخ شهاب الدين ابن السنديونى والشيخ قاسم بن عمر بن عواض فانتفع بهم كثيرا في علم الفقه والحديث والعربية وغير ذلك، ثم عاد إلى القاهرة في سنة سبع وتسعين وأقام بها عند التقى الكركي إلى آخر السنة فقرأ عليه «منهاج العابدين» للغزالي وتردّد طلى دروس الشيخ قنبر العجمي بالجامع الأزهر فقرأ عليه تصريف العزى، ثم عاد إلى بيت المقدس فلازم الشيخ شمس الدين بن الخطيب والشمس القرقشندى، وتلا بالسبع على البرهان الشامي الضرير من أول القرآن إلى سورة ص ثم أكمل الختمة عليه بالخليل وسمع عليه «البخاري» وعدّة من كتب الحديث، وقرأ بالخليل بالسّبع على الشيخ شمس الدين بن عثمان من طريق الشاطبية والتيسير ثم قراءة يعقوب وأبى جعفر وخلف بما تضمّنه نظم الجعبرى، ثم عاد إلى الكرك سنة ثمان وسبعين فورد عليهم الشيخ شهاب الدين بن عياش في أواخرها فجمع عليه القراءات السبع في ختمة كاملة
стр. 347
بما تضمّنته القصيدة وأصلها والعنوان والإعلان للصفراوى ثم جرت هناك فتن متواترة بين العشير منعته من الاشتغال (٢٨٠)، ثم انتقل إلى القدس سنة اثنتين وثمانمائة فلازم الشهاب ابن الهائم، وحفظ نظمه في قواعد الاعراب وعرضه عليه وأجاز له، وسمع البخاري على البرهان بن صدّيق، ثم لمّا تحدّث الناس بقدوم تمرلنك انجفل الناس إلى الكرك ونحوها إلى البلاد المستقصية فرجع إلى الكرك في أواخر سنة ثلاث، ثم رحل سنة أربع إلى القدس فوجد الهمم قد ضعفت عن الاشتغال، والناس قد تغيّروا وانخلعت قلوبهم خوفا من تمر.
ثم نزل الرملة وارتزق بها من التجارة في البر، وسمع بها البخاري على القاضي ابن قرمون بسماعه على وزيرة والحجار، ثم رجع إلى بيت المقدس فسمع بها مسلما على الشهاب بن المهندس والشمس الديري، ثم لمّا ورد عليهم الزين القمنى صحبه وحضر دروسه فحمله معه إلى القاهرة سنة ثمان وثماني مائة فلازم البحث على التقىّ الكركي والبيجورى والبدر الطنبدى إلى أن توفى البدر، وأقام بالقاهرة إلى أن اجتمعت به سنة خمس وثلاثين وثمانمائة فوجدته إماما عالما بارعا مفنّنا متضلعا من العلم، كان العلامة تاج الدين الغرابيلى يقول: «ما وعيت الدنيا إلا والشيخ برهان الدين يشار إليه في العلوم».
وناب عن الجلال البلقيني واشتغل بالمحلة عن الهروي سنة سبع وعشرين، وعن الشهاب ابن حجر سنة تسع، وتولى عنه منوفا سنة ثلاثين، لكنّه متّهم بالمجازفة، أخبرني صاحبنا البارع شهاب الدين بن أسد وشيخنا الإمام العالم شهاب الدين بن هاشم أنه بلغ شيخنا العلّامة شاطبىّ الزمان الشمس الحردى أنه ادّعى أنه قرأ على الكفتى وابن الجندي فأنكر ذلك أشد الإنكار ورماه بالكذب، ورام طلبه للانتقام منه فلطف اللّه به.
وصنّف كتبا كثيرة منها «الإسعاف في معرفة القطع والاستئناف» في مجلد، ثم «لحظة الطرف في معرفة الوقف» وهي مختصرة، ثم «التوسط بين اللحظة والإسعاف» ثم «النكت على الشاطبية» في مجلد لطيف، و «الآلة، في معرفة الفتح والإمالة» في جزء لطيف، و «أنموذج حلّ الرمز».
стр. 348
وأفرد رواية كل قارئ من التسعة على حدة في مجلد كبير سماه «عمدة المحصّل الهمام في مذاهب السبعة الأعلام» و «درة القارئ المجيد في أحكام القراءة والتجويد»، و «شرح ألفية ابن مالك» في مجلد لطيف، و «إعراب المفصل من الحجرات إلى آخر القرآن» في مجلد لطيف، و «مرقاة اللبيب إلى علم الأعاريب» في جزء لطيف، و «نثر الألفية والنحو»، واختصر من أول الروضة إلى باب الربا، وشرح من أول تنقيح اللباب للولي العراقي إلى كتاب الحج، وكتب توضيحا لمولدات ابن الحداد، وشرح النصف الأول من فصول ابن معطى، وكتب حاشية على تفسير القاضي علاء الدين التركماني الحنفي من أوله إلى آخر سورة المائدة في مجلد، واختصر ورقات الإمام في مقدار نصفها.
سمعت عليه يوم الخميس ثامن رمضان سنة ثمان وثلاثين بقراءة الشهاب أحمد بن علي بن أحمد بن الدحس الفوى برواية الشيخ شمس الدين الفقاعي بمدينة ابن البخاري من باب كيف كان عيسى النبىّ ﷺ وأصحابه وتخلّيهم عن الدنيا إلى باب سكرات الموت بسماعه على ابن صديق كما أخبرنا بسماعه على الحجار بسنده.
١٣١ - إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن أحمد بن يوسف بن أبي الفتح
، الشيخ برهان الدين الفاقوسى (٢٨١) ثم البلبيسى الشافعي الرفاعي المقرئ، أخبرني أن أبا الفتح هذا جدّ عال ينسبون إليه، وأنه يقال إنهم من ذرية محمد بن الحنفية.
ولد سنة خمس وتسعين بالفوقانية أو أول سبعمائة تقريبا في قرية فاقوس من شرقية مصر، ثم انتقل إلى مدينة بلبيس سنة تسع وثلاثين وثمانمائة، وتلا بالسبع (٢٨٢) على
стр. 349
الشيخ برهان الدين الكركي الماضي بها (٢٨٣) بالقاهرة، وبحث عليه «المنهاج» في فقه الشافعية، وفي «الجرجانية» في النحو؛ وأخذ علم الوقت عن الشهاب البرديني بالقاهرة، ونظم مولد النبي ﷺ نظما قليل الحشو غير بعيد عن الحسن إلا أنه لا يعرف العروض؛ ابتدأه بمسطور الرجز ثم انتقل إلى الكامل، وأوّله:
الحمد للّه الحميد الصمد … منوّر الأكوان بالممجّد
محمد خير الورى المكمّل … أهدى إلينا في ربيع الأول
اجتمعت به يوم الأحد رابع عشر رجب سنة ست وأربعين وثمانمائة في مدينة بلبيس في زاوية (٢٨٤) الشاذلية بساباط اللبن منها وهو يقرئ الأطفال بها، وهو إنسان جيّد، والثناء عليه حسن، وبه قوام الفقراء وأهل الدين في بلبيس ويقوم في الله كثيرا؛ وولى الحسبة لذلك من غير سؤاله، ثم توسّط بعض أهل الظلم لغيره، والله تعالى يعينه.
أنشدنا من أول المولد الذي نظمه أبياتا كثيرة، وشافهنا بالإجازة، وأنشدنا من لفظه في التاريخ والمكان:
فراق حبيبي مزيد الفراق … عليه جرى دمعنا باندفاق
وفي كل قلب عليه احتراق … فيا من علينا قضى بالفراق
تصدق علينا غذا بالتّلاق
[من اسمه أبو بكر]
١٣٢ - أبو بكر بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الوهاب بن أحمد ابن فخر الدين، الفوّى الأصل المالكي، الشهير بابن المرشدى الشافعي.
ولد سنة (٢٨٥) ثلاث وثمانمائة بمكة المشرفة، وقرأ بها القرآن وتلا على شيخنا علامة الوقت شمس الدين بن الجزري بعدة روايات، وحفظ «أربعين النواوى» و «العمدة»
стр. 350
و «المنهاج» الفقهي (٢٨٦) وعرض بعضها على القاضي جمال الدين بن ظهيرة والشيخ سعد الدين بن سلامة والنجم المرجاني وغيرهم، وأجازوا له، ولازم الحج والاعتمار من الجعرّانة (٢٨٧) مدّة إقامته بالبلد الحرام، وبحث في الفقه على الشيخ شمس الدين الكفرينى وقاضى القضاة شهاب الدين بن المحبّرة، ثم نقله والده إلى المدينة الشريفة وسمع على الشيخ زين الدين بن الحسين المراغي وعلى شيخنا ابن الجزري، وأجاز له من أهل المدينة القاضي عبد الرحمن بن صالح والقاضي نور الدين علي بن أبي الفتح الزّرندى والشيخ جمال الدين الكازروني وغيرهم، وبحث عليه نحو نصف تفسير البغوي ثم رجع إلى مكة المشرّفة، وسمع بها قاضى القضاة ولىّ الدين بن زرعة العراقي وشيخنا شيخ الإسلام ابن حجر، ورحل إلى أدرنة من بلاد الروم فما دونها، وحضر هناك غزاة على ساحل البحر الأخضر، وباشر فيها القتال، وقرأ قصيدة البوصيري صاحب البردة (٢٨٨) على شيخ تلك الديار شمس الدين محمد بن حمزة الفنرى (٢٨٩)، وسمع في حلب على شيخنا الشيخ برهان (٢٩٠) الدين، وفي دمشق على مشايخنا: ابن ناصر الدين وأبى شعر وابن زكنون، وعرض بها «المنهاج» على الشيخ علاء الدين البخاري وأجاز له الرواية، ورحل إلى القاهرة وأجاب (٢٩١) بها عن ذلك اللغز الضّادى الذي أوّله:
تقول فتاة المنحنى بعد بعدها … وقد سمحت من بعد صد وإعراض
بقوله:
إليك جوابا من عزيز سروره … ولم يك في علم الحساب بمرتاض
بواقي الدّجى إذ ذاك سبع ومثلها … ومثلهما، فافهم جوابي وإيماضى
اجتمعت به سنة أربعين.
стр. 351
وهو حسن المعاشرة، غزير الحفظ لأيّام العرب وأشعارهم، كثير المخالطة للموجودين منهم والحفظ لكلامهم، وكنا كثيرا نتحادى في ذلك، وحصلت بيننا مودّة، ثم تأكدت إذ حججت سنة ثمان وأربعين، وأنشدني البيتين السابقين من نظمه.
وأنشدني أيضا ما قاله وقد فارقنا الحضرة الشريفة النبويّة: فاضل دمشق
صلاة وتسليما وأزكى تحية … على قبر خير الخلق من عبد رقّه
عبيد حقير، مذنب، متشفّع … إلى الله بالمختار أكرم خلقه
لزلاته تمحى وستر عيوبه … وفي حفظ أهليه وتوسيع رزقه
وأن يستر المولى عليهم جميعهم … وأن يجعل التوحيد آخر نطقة
وأنشدني-يشتكى جفاء من بعض أقاربه-مواليا، وفيه لزوم ما لا يلزم:
يا مالك الملك ربّ الأرض والتمكين … أمنن بفضلك على مستضعف مسكين
من معشر عن حسدهم غير منفكّين … لو مكنوا مكّنوا من نحره السكين
وكان الفخر المرشدى أوسع أقاربه رزقا وأحظاهم عند الأكابر، فكانوا يحسدونه فلا يزالون يؤذونه، واتّفق أن شارك بعض الأراذل في بستان في الطائف وعجّل له ما يخصّه من المال فلما ذهب إليه وأنا بصحبته وأظهر المنّة عليه بمشاركته فارقه، وتذكر قول بعض شعراء الحماسة:
نزلت على آل المهلّب شاتيا … غريبا عن الأوطان في زمن محل
فما زال بي إكرامهم وافتقارهم … وألطافهم حتّى حسبتهموا أهلي
فقال الفخر، [وقد] أنشدنيه من لفظه:
رحلت إلى شرك بن درزة صانها … غنيا بمالي عن قراه على فضل
وأوطانه حدى بخوف ملامة … ولم آله نصحا وصبرا على الجهل
فما زال يؤذيني ويمتن صحبتي … ويغمضى حتى لقد خلته أهلي
وإنما قال «ابن درزة» لأن العرب تقول ذلك لإسقاط الناس.
стр. 352
١٣٣ - أبو بكر (٢٩٢) بن أحمد بن إبراهيم بن أبي بكر
بن العجمي الحلبي، البلان بحمّام شيخو بالصليبة في القاهرة المعروف جدّه بالبقيار.
١٣٤ - أبو بكر بن أحمد بن عبد اللّه التاجر الكارمى
، ركن الدين المصري المعروف بابن الهلّيس (بكسر الهاء وبعد اللام تحتانية وآخره مهملة) (٢٩٣) ولد سنة خمس وسبعين وسبعمائة تقريبا، وأجاز باستدعائى. وقرأت عليه خير المؤمّل لا أهاب بسماعه على الحافظين: الزين عبد الرحيم بن الحسين العراقي والنور علي بن أبي بكر الهيثمي بسماعها على محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الخباز، أنبأنا إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي، أنبأنا أبو طاهر الخشوعي؛ وسمع على الفخر القاياتى جميع «الخلعيات» وهو عشرون جزءا، وسمع على البرهان الشامي جزء «أيوب السختياني» لإسماعيل القاضي.
١٣٥ - أبو بكر بن أحمد بن علي بن سليم
(٢٩٤) الكركي الصّالحى الشهير براجح؛ ولد بعد سنة خمسين وسبعمائة تقريبا فسمع «صحيح البخاري» على المحب الصامت والعماد الخليلي ورسلان (٢٩٥) الذهبي وأبى الهول.
أجازنى باستدعاء النجم بن فهد، وكتب عنه ناصر الدين بن زريق، وتوفّى ضحى يوم الخمسين ثاني جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، ودفن بسفح جبل قاسيون من صالحية دمشق.
стр. 353
١٣٦ - أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر بن عبد الوهاب بن ذؤيب الأسدي
، الشيخ الإمام العالم العلامة تقى الدين بن قاضى (٢٩٦) شهبة الشافعي، فقيه الشام وعالمها ورئيسها ومؤرّخها. ولد في ربيع الأول سنة تسع وسبعين وسبعمائة، وزار القدس في سنة إحدى وخمسين وثمانمائة-أظنّه في رمضان منها-بجميع عياله، ثم رجع إلى دمشق وتوفى بها ليلة الجمعة ثاني عشر ذي القعدة الحرام من السنة (٢٩٧) فجأة فعظم تأسّف الناس عليه، وكان له مشهد لم ير لأحد من أهل عصره، وكان جديرا بذلك، ﵀.
وحدّث عنه ولده القاضي بدر الدين محمد (٢٩٨) أنه قبل موته بقليل-أظنه قال بيوم- ذكر موت الفجاءة وأنه إنما هو أخذه أسف للكافر، وأما المؤمن فهو له رحمة، وقرّر ذلك تقريرا شافيا، فكان ذلك من عجائب الاتفاق وليس بمستنكر أن يكون ذكره لذلك كرامة له، قلت: والمسألة ذكرها شيخنا (٢٩٩) شيخ الإسلام حافظ العصر في «باب موت الفجاءة من كتاب الجنائز» من شرحه للبخاري فقال ما نصّه: «في مصنّف أبى شيبة (٣٠٠) عن عائشة وابن مسعود-﵄: موت الفجاءة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر»، وقد نقل عن أحمد وبعض الشافعية كراهية موت الفجاءة، ونقل النووي عن بعض الفقهاء أن جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا كذلك، قال النووي: «وهو محبوب للمراقبين» قال شيخنا: «وبذلك يجتمع القولان».
١٣٧ - أبو بكر بن أحمد بن محمد
، الشيخ ركن الدين السعودي المصري المقرئ الشافعي الضرير المعبر (٣٠١)، ولد قبل سنة سبعين وسبعمائة تقريبا بمصر وأخبرني أن أمّه سافرت به صغيرا إلى إسكندرية فرآه الشيخ نهار فقال لها إنّه يكفّ بعد قليل ويكون
стр. 354
آخر عمره خيرا عن أوّله ولا يموت إلا مستورا، فكفّ (٣٠٢) بعد خمسة أشهر، وأنه قرأ بمصر القرآن على صدر الدين السفطى شيخ الآثار، وتلا عليه بالسّبع وعلى الشيخ مظفر المقرئ والشيخ خليل المشبب (بمعجمة مفتوحة وموحّدين، الأولى ثقيلة مكسورة) والشيخ شمس الدين العسقلاني إمام جامع طولون، ولازمه كثيرا، وسمع عليه الشاطبيين وأنه حفظ «العمدة» و «المنهاج» و «الشاطبية» وعرضهم على السراج البلقيني والبرهان الانباسى والعزّ بن الكويك وأجازوا له، ثم حفظ «الكافية الشافية» لابن مالك وهو يحفظها إلى الآن؛ وأنه بحث في الفقه على الشيخ شمس الدين بن القطان وغيره، وسمع دروسا في النحو على الشيخ شمس الدين الغماري، وحجّ سنة أربع عشرة وجاور (٣٠٣) سنتين بعدها، ودخل اليمن وأقرأ بتعزّ وسافر إلى طرابلس.
اجتمعت به يوم الأحد ثالث عشرى جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثمانمائة بمنزله بخط فندق الرز من مصر تجاه المقياس. وكنت أسمع عنه أنّه شديد البخل بإفادة هذا العلم وبالإجازة والرواية حتى إن حافظ العصر سأله أن يجيز بعض تلامذته فامتنع، وكان معي جماعة فسلمنا عليه وألنّا له المقال وتعطفناه برهة ثم سألناه الإجازة فامتنع، فشرعنا نذكر له ما في ذلك من الخير من جهة إن الانسان إذا روى عنه اجتمع اسمه مع اسم النبي ﷺ في نحو سطرين، وإذا انتظم في هذه الدار معه في سلك رجى أنه لا ينفك عنه في الدار الأخرى، وأنّ الله تعالى حثّ على التبليغ وذم الكتمان بقوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ (٣٠٤) الآية؛ وأن النبي ﷺ قال: «بلغوا عنى ولو آية»، وأنه قال «من علم علما وكتمه ألجمه الله بلجام من نار» ونحو هذا، فأصرّ على الامتناع، فسألته عن المانع له من ذلك فلم يبد عذرا. ولم يزد على قوله «ما أقع في هذا»، وقلت له. «أليس هذا خيرا؟ فأقرّ به مع الامتناع، وتكرّر ذلك منّا ومنه، وكلما زدنا خضوعا زاد إباء فعلمت أن ذلك إنما هو مجرّد حرمان له لسوء باطنه فقلت له: «أنت شيخ قد أعمى الله بصيرتك كما أعمى بصرك، وفارقناه»، وقد فاته خير كثير.
стр. 355
١٣٨ - أبو بكر بن سليمان بن إسماعيل بن يوسف بن عثمان
بن عماد القاضي شرف الدين الأشقر (٣٠٥) بن علم الدين الحلبي سبط ابن العجمي، كان نائبا لكاتب السرّ بالقاهرة. ولد سنة سبع وتسعين (٣٠٦) وسبعمائة.
١٣٩ - أبو بكر بن عبد الرحمن بن دحّال
(بالمهملتين والحاء مشدّدة) بن منصور اللوبيانى (٣٠٧) ثم الدمشقي الشافعي، أقضى القضاة تقىّ الدين الإمام العالم الفقيه مفتى المسلمين (٣٠٨) ومقيدهم.
١٤٠ - أبو بكر (٣٠٩) بن عبد الله بن عمر بن خضر بن إياس
، زكى الدين المناوي، ولد بالأشمونين (٣١٠) من بلاد الصعيد سنة سبعين وسبعمائة تقريبا، ثم انتقل به أبوه إلى