← Тараджим

Тараджим · id 30020

عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران جـ 1 - 5

برهان الدين البقاعي

Полный текст (787 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

٢٩٦ - عبد السلام بن أحمد بن عبد المنعم بن محمد بن أحمد (١) القيلوى - بالقاف ثم تحتانية ساكنة ثم لام مفتوحة وبعد الواو ياء النسب-نسبة إلى قرية بأرض بغداد يقال لها: قيلويه-مثل نفطويه-نزيل القاهرة، الإمام العالم العلامة عزّ الدين الحنفي. ولد سنة ثمانين وسبعمائة (٢) تقريبا بالجانب الشرقي من بغداد، وقرأ به القرآن برواية عاصم، وحفظ كتبا في النحو والأصول والفقه والمعاني وغير ذلك، فأكثر من المحفوظات جدا، ثم سمع البخاري على الشيخ محمد بن الحادي وعن الشيخ عبد الله بن عزيز-بالزاءين والتصغير المثقل-وعن الشيخ محمود المعروف بكريكر، بالتصغير، وعن الشيخ محمد الكيلاني؛ وذلك أن أباه كان حنبليا، فلما ارتحل هو إلى السلطانية (٣) وبحث فقه الشافعية والحنفية، مال إلى التحنف ولم يتيسر له البحث في الفقه على طريقة المالكية، وقصد ذلك في مصر فلم يقدّر. ثم أخذ أصول الفقه عن الشيخ أحمد الدواليبي أخي شيخنا محمد الدواليبي، والنحو عن الشيخ أحمد بن المقداد، والشيخ عبد القادر الواسطي. والطب عن الشيخ موفق الدين الهمداني. ثم وقعت فتنة تمر العظمي سنة اثنتين وثمانمائة، وحصلت له فيها محن فيها عجائب، فلما نجاه الله تعالى منهم ارتحل إلى بلاد العجم فبحث الحاوي للشافعية بعد أن حفظه بالسلطانية من عمل أذربيجان (٤)، على الشيخ ناصر الدين محمد المعروف بأيادي الأبهري الشافعي، ولازمه مدة طويلة أخذ عنه بها النحو والصرف. ولازم بها أيضا ضياء الدين محمد الهروي الحنفي فأخذ عنه فقه الحنفية بعد أن حفظ مجمع البحرين، وسمع غالب الهداية بحثا على الشيخ عبد الرحمن القشلاغي-بالقاف والشين والغين المعجمتين-خال الشيخ علاء الدين البخاري، وسمع عليه أصول الحنفية بحثا.

стр. 527

وبحث المعاني والبيان بعد حفظ التلخيص على الشيخ مجد الدين محمد المشيرقي السلطاني الشافعي، وبحث المنطق بها أيضا على القاضي غياث الدين محمد الخراساني الشافعي بعد حفظه للشمسية، وعلم الجدل عليه أيضا. وحضر بحث المختصر [الأصلي] (١) لابن الحاجب والعضد، وكثيرا من شروح التلخيص [في المعاني] (٢)، وكثيرا من الكشاف على مولانا ميرك الصيرامي أحد تلامذة السعد التفتازاني. وبحث الشاطبية بعد حفظها على الشريف محمد القمني، وسمع بحث شرح الهداية في الحكمة لمولانا زاده مع حفظ متنها على مجد الدين محمد التوريزي، وغير ذلك من الطب. وأخذ أصول الدين وآداب البحث عن سراج الدين الزنجاني، وسمع على مولانا موسى باشا الرومي علم الموسيقى بحثا، وعلى مولانا عبد الرحمن ابن أخت أحمد الجندي بحث بعض الكشاف والمعاني والبيان، وحضر بحث فقه الشافعية على مولانا حجة شيخ تلك البلاد، ويقال إنه من أولاد بنت صاحب الحاوي، وغيرهم من العلماء بالسلطانية. وسبب اجتماع هؤلاء العلماء بها؛ أن تمرلنك جمعهم بها وأجرى عليهم الأعطية هو وحريمه، وكان حريمه بها. ثم ارتحل إلى تبريز (٣) فأخذ بها عن الشيخ ضياء الدين التبريزي علم النحو، وأصول الفقه، وأخذ فقه الشافعية وأصول الفقه عن الشيخ جلال الدين محمد القلندشي، وحضر المعاني والبيان وبعض الكشاف على مولانا حيدر. ثم ارتحل إلى أرزنجان (٤) من بلاد الروم فأخذ علم التصوف عن الشيخ يارعلى السيواسي، ثم رجع من بلاد الروم إلى بلاد الشام مجردا وعليه كنبك فدخل حلب سنة عشر وثمانمائة. ثم دخل إلى دمشق فناظر الجمال الطيماني، ثم ارتحل إلى القدس فاجتمع بالقدوة العلامة شهاب الدين بن الهائم فحصل له منه تعظيم كثير وتأدب زائد. ثم رحل إلى القاهرة فدخل في مستهل رجب من سنة عشر، فأخذ علم الحديث عن

стр. 528

قاضي القضاة ولى الدين العراقي، وقاضي القضاة شهاب الدين بن حجر، وسمع على الشرف بن الكويك، والولي العراقي، والجمال الحنبلي الجندي، وشمس الدين الشامي وغيرهم من أهل الطبقة فأكثر جدا. ودرّس في القاهرة بعدة أماكن ولازمه الناس جدا، فانتفع به خلائق. وهو رجل خيّر زاهد، مؤثر للانقطاع عن الناس والعفة والتقنع بزراعات يزرعها، ولم يحصل له إنصاف من رؤساء الزمان في أمر الدنيا، وعنده رياضة زائدة، وصبر على إشغال الناس، وغيرة وطلاقة لسان، وله نظم جيد ولم يفتن الناس بالتصنيف. أجاز باستدعائي، سمع المسلسل بالأولية على الزين أبي بكر بن الحسين المراغي المدني، أنبأنا الميدومي بسنده كما بخط شيخنا رضوان، وقرأ كتاب الثبات عند الممات لابن الجوزي، على: الشرف ابن الكويك بإجازته، إن لم يكن سماعا من الصدر الميدومي بسماعه للجزء الأول على: النجيب الحراني بسماعه لجميع الكتاب على مصنفه. أنشدني من لفظه لنفسه في يوم السبت (١) خامس عشرى ذي القعدة سنة خمس وأربعين وثمانمائة، يمدح قاضي القضاة ابن حجر ويلوح له بالبيت الأخير منها بقضية استعان به فيها: آيا من بأمر الله والحق يصدع … ومن لجميع الناس كالغيث ينفع ويا من لآثار الرسول محمد … غدا وحده عنها يذب ويدفع ويا شافعيا في زمانك أوحدا … فتاواك قد شاعت فلا تتقنع ويا حاكما أضحى إماما وقدوة … عفيف تقي زاهد يتورع ويا قائما في الليل يحييه قانتا … بذكر وقرآن يصلي ويخشع شهابا مضيئا بل وشمسا منيرة … تضيء الدياجي حين تبدو وتطلع نواجيكم أمسى مجازا ومكرما … وعبدكم عبد السلام مضيع لئن جدتم أو جرتم أو عدلتم … فإن ضميري عندك الدهر أجمع فأجازه على كل بيت دينارا، وقضى الحاجة التي نظم ذلك بسببها.

стр. 529

وأنشدنا لنفسه من لفظه يوم الأحد خامس عشر جمادى الأول سنة ٤٥ بمنزله من الحسينية: شرابك المختوم في آنية … وخمر أعداك من آنية فليت أيامك لي آنية … قبل انقضاء العمر في آنية [ومات في الخامس والعشرين من رمضان سنة تسع وخمسين وثمانمائة بمصر] (١) ٢٩٧ - عبد السلام بن داود بن عثمان بن عبد السلام بن عباس، السّلطي الأصل، الشيخ عزّ الدين القدسي المصري الشافعي، شيخ الصلاحية، الإمام العالم العلامة الحبر الراسخ. ولد سنة إحدى-أو اثنتين-وسبعين وسبعمائة تقريبا بكفر الماء، قرية بين عجلون وحبراض، وقرأ بها القرآن. وفهّمه عم أبيه الشيخ شهاب الدين أحمد ابن القاضي شهاب الدين عبد السلام بعض مسائل، ثم انتقل به قريبه العلامة بدر الدين محمود العجلوني إلى القدس في حدود سنة سبع وثمانين، فحفظ بها في تلك السنة كتبا عدة في فنون شتى، حتى حصّل العجب من قوة حافظته وعلو همته، وبحث على قريبه المذكور في الفقه فأجازه بالإفتاء والتدريس. ثم رحل إلى القاهرة في حدود سنة ثمان وثمانين، فحضر بها دروس السراجين: البلقيني وابن الملقن، ثم رحلا إلى دمياط وإسكندرية وطوفا بما بينهما من البلاد، وسمع درس الشيخ المقبلي بإسكندرية في مدرسة ابن الريفي، ثم عاد إلى القاهرة، ثم إلى القدس. [مات في القدس الشريف شيخا للصلاحية يوم الخميس خامس شهر رمضان سنة خمسين وثمانمائة مطعونا] (٢)

стр. 530

٢٩٨ - عبد العزيز بن أحمد بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن عامر بن جابر، الفاضل الأديب عزّ الدين ابن الفاضل القاضي شهاب الدين ابن القاضي عماد الدين بن مكينة-بفتح أوله-المذحجي القصوري-بضم القاف والمهملة-نسبة إلى بلدة باليمن ثم الطائفي الشافعي، أخو أمي الحسن والحسين (١) الماضيين، ومحمد الآتي. ولد بعد سنة خمس عشرة تقريبا (٢) في قرية المليسا (٣) -بلام ومهملة مصغرا ممدودا-من وادي الطائف، وحفظ بها القرآن، وتلى برواية نافع على أبيه، وحفظ العمدة والمنهاج الفقهي، وأجاز له من ذكر في الاستدعائين المذكورين في تراجم إخوته. وأمّ بعد أبيه بجامع المليسا، وداوم الحج وتردد إلى المدينة الشريفة لزيارة النبي- ﷺ -ماشيا. ونظم الشعر. لقيته في المليسا يوم الجمعة رابع عشر صفر سنة تسع وأربعين وثمانمائة. قرأت عليه حديثا من البخاري هو في رحلتي، وأجاز. وأنشدني من لفظه لنفسه قصيدة طويلة، غالبها ملحون أو سفساف، فانتقيت منها قوله وأصلحت له بعضه: [الطويل] مساءلتي عما ألاقي من الأسى … سلى الليل عني هل أجن إذا جنّا فإن كنت في شك لما بي فانظري … دموعي التي فاضت فأحرقت الجفنا هم رحلوا عنا لأمر لهم عنا … وما أحد منهم على ضعفنا حنا وما رحلوا حتى استقادوا نفوسنا … كأنهم كانوا أحق بها منا ولم يحفظوا حبا جرى في قلوبنا … ظننا بكم ظنا فأخلفتم الظنا تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا … وأبديتم الهجران ما هكذا كنا إذا غرد القمري بكيت صبابة … ويعجبني صوت الحمام إذا غنا ألا يا حماما بات يدعو قرينه … لقد هجتني شوقا وجددت لي حزنا سأبكي على قوم وقد كان بيننا … من القرب منهم قاب قوسين أو أدنى

стр. 531

٢٩٩ - عبد العزيز بن عبد الرحمن بن إبراهيم، صاحبنا القاضي عزّ الدين ابن العديم الحلبي الفاضل البارع. ولد … (١). [ومن شعره] (٢): [الطويل] لها صفرة في وجهها من ملاحة … كصفرة لون العاج لا صفرة الورس فظل فتيت المسك فوق فراشها … ويصبح مفتوتا عليه كما يمس إذا ما بخار الند من تحتها علا … على وجهها أبصرت غيما على شمس ٣٠٠ - عبد العزيز بن أحمد بن علي بن يحيى بن أبي بكر بن أبي السعادات بن زكريا بن يحيى بن أحمد الربيعي - بالتكبير-نسبة إلى ربيعة الفرس-بفتح الفاء والراء- الفارقي الأصل نسبة إلى ميافارقين (٣) بديار بكر، المصري المولد. ولد بعد سنة ثمانين وسبعمائة تقريبا، ثم رحل إلى اليمن مع والده، وسنّه نحو العشر سنين، فأقام هناك إلى أن قدم القاهرة سنة سبع وثمانمائة لشغل، فأقام بها قليلا ثم [رجع] (٤) إلى اليمن. وكان بها ذا حظ وافر عند السلطان الملك الأشرف إسماعيل (٥) ابن الأفضل العباس [بن] (٦) المجاهد يتنقل معه حيث ما سكن، تارة بتعز (٧) وتارة بغيرها، وكان أبوه من قبله يخدمه، وكان عمه وزيره. ثم قدم القاهرة سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، فأقام تارة بها وتارة بإسكندرية وتارة بغيرهما.

стр. 532

اجتمعت به في رمضان سنة سبع وثلاثين على باب [البرقوقية] (١) بين القصرين بالقاهرة، فحصلت بيننا أنسة فحكى لي: إن عادتهم في عدن أن من كان حمله أكثر من التجار بدئ بتقبين حمله. فاتفق أن اجتمع تجار منهم خصي، يقال له: يمن عتيق الشجاعي-وكان أكثر حملا-ومنهم: نور الدين الفوي من التجار المقيمين بعدن، وكان كبير السن وذا وجاهة عندهم، فأرادوا تقديمه فلم يمكنهم الخصي من ذلك، وسألهم الجري على العادة أو يكاتبوا السلطان وما رسم به فعل، فكاتبوه فكتب إليهم: بمنّ يمنّ يمن ثمن يمن ثمن ثمن، ولم ينقط حرفا منها، فلم يفهم المباشرون مراده وفهمه الخصي، فكتب إلى السلطان كتابا وضع فيه هذه الكلمات بعينها ولم ينقط أيضا شيئا، ففهم السلطان أن مراده: يمنّ يمن بمن ثمّن يمن ثمن ثمن. فأرسل إليهم أن قدموه، وأراد شراءه فوجده عتيقا. وأنشدني المترجم في التاريخ والمكان، قال: أنشدنا الأشرف المذكور لنفسه من لفظه في بعض سراريه: [الطويل] وآلفة للطيب ليست تغبّه … منعمة الأطراف تؤذى من اللمس [مات يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى من سنة ثمان وستين وثمانمائة بالقاهرة] (٢) ٣٠١ - عبد العزيز بن محمد بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، عزّ الدين أخو عبد الله الآتي، ولد أخي الحافظ نور الدين (٣) نزيل تربة منكلي بغا بالصحراء من القاهرة. ولد سنة ثلاث وستين وسبعمائة تقريبا، أجاز باستدعائي.

стр. 533

قرأت عليه الأول من فوائد الصقلي خلا الكلام على الأحاديث، وهو أول ما قرأت عليه. وسمعت عليه مطلقا، بل وفي أول اجتماعي به، بحضوره له في الثانية سنة خمس وستين وسبعمائة، على: أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر ابن إبراهيم الأنصاري الخزرجي البياني وإجازته منه، وهو أول شيء حضره عليه، بحضوره له في الثالثة من عمره، على: الفخر علي بن أحمد بن عبد الواحد البخاري، وهو أول سماعه من العلامة أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي في ربيع الآخر سنة ست وستمائة، وهو أول حديث سمعه منه في ذلك المجلس. أنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد البغدادي، وهو أول حديث سمعته منه. حدثني القاضي المسند الجليل أبو الحسن علي بن المفرج بن عبد الرحمن الصقلي من لفظه بمكة، وهو أول حديث سمعته منه. أنا الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي السجستاني، وهو أول. حدثنا أبو يعلي حمزة بن عبد العزيز المهلبي، وهو أول حديث سمعته منه بقراءتي عليه. أنا أبو حامد أحمد بن محمد بن بلال النيسابوري وهو أول بسنده، وقال: "ارحموا أهل الأرض"وهو أوله، وآخره"شعرا حده محجر أجفانه". وقرأت عليه الجزء فيه أحاديث عوالي شيوخ أبي القاسم النيسابوري، بسماعه من أول الجزء إلى حديث أبي أيوب:"من صام رمضان وأتبعه بست من شوال"الحديث، على العلامة تقى الدين محمد بن أحمد بن حاتم الشافعي، بسماعه لجميع الجزء على: النور أبي الحسن علي بن التاج أبي الطاهر إسماعيل بن إبراهيم بن قريش المخزومي. أنا الإمام عزّ الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي. أنا شيخ الشيوخ صدر الدين أبو الحسن عبد اللطيف بن إسماعيل بن أحمد بن محمد البغدادي. أنا والدي أبو البركات إسماعيل بن أحمد بن محمد الصوفي النيسابوري. أنا الزاهد أبو القاسم علي بن محمد بن علي الكوفي النيسابوري، قراءة عليه ببغداد. أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج، فذكر حديث جابر"ما بر الحج"وهو أوله، وأخره "تطلب ما ساءها لترضيني". وسمع غير ذلك على: العراقي، والبرهان الإبناسي، وعمه النور الهيثمي، ووالده شمس الدين محمد، والزين القمني. [مات يوم الاثنين مستهل صفر سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة] (١)

стр. 534

٣٠٢ - عبد الغني بن عبد الواحد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الوهاب، الشيخ الإمام الحافظ نسيم الدين الفوي (١) الأصل، ثم المكي، الشهير بابن المرشدي الحنفي. ولد بمكة سنة أربع وثمانمائة تقريبا. طلب بنفسه فتبحر في النحو والفقه، وحبب إليه فن الحديث فسمع على مشايخ بلده الكثير. ثم رحل إلى القاهرة والقدس والخليل ودمشق، ودخل قبل ذلك بلاد اليمن صحبة شيخنا العلامة شاطبيّ الزمان أبي الخير بن الجزري. وجمع وخرج لبعض مشايخه، فمن تصانيفه: أطراف صحيح ابن حبان، في مجلد ضخم. اجتمعت به سنة اثنين وثلاثين وثمانمائة بالقدس، وسمعت بقراءته على شيخنا الزيني القبابي جزء الأنصاري، فرأيته ذا حفظ وافر، وصدق زائد، وذكاء مفرط، طلق اللسان، جريء الجنان. بالغ شيخنا الحافظ العلامة تاج الدين بن الغرابيلي في الثناء عليه. فلما رجع من دمشق إلى القاهرة أدركه أجله سنة ثلاث وثلاثين بالطاعون المشهور، فعظمت فجيعة هذا الفن، وحصل التضعضع في أركانه بسببه. ﵀. ٣٠٣ - عبد الغني بن علي بن عبد الحميد بن عثمان بن عبد القادر بن ظهيرة، المغربي الأصل، المنوفي المولد القاهري المنشأ، القاضي تقي الدين، الحاكم بباب الشعرية الشافعي. ولد بعد سنة خمس وسبعين وسبعمائة تقريبا (٢) بمنوف، وقرأ بها القرآن، فحفظ المنهاج الأصلي، وألفية ابن مالك، والعمدة، وألفية الحديث. ثم أقبل على التفهم فأخذ الفقه عن السراجين: ابن الملقن والبلقيني، ولازم البرهان الإبناسي، وانتفع به كثيرا وأذن له في التدريس. وأخذ الأصول عن الشيخ نور الدين بن قبيلة البكري، والشيخ

стр. 535

شمس الدين القليوبي. وأخذ النحو عن البرهان الدجوي والشيخ محب الدين بن هشام، وغيرهما. وحج سنة إحدى وثمانمائة. وناب لمولانا قاضي القضاة ابن حجر، وذمت سيرته. والله تعالى يلطف به، آمين. [مات بالقاهرة بعد سنة خمس وخمسين وثمانمائة] (١) ٣٠٤ - عبد الغني بن محمد بن أحمد بن عثمان بن نعيم بن مقدم بن محمد الشاطبي، زين الدين، ولد قاضي القضاة علامة العصر شمس الدين، وجد جده نعيم، بالتكبير. ولد … (٢). ٣٠٥ - عبد الغني (٣) بن محمد السمنودي الشافعي الشهير بابن تمرية - بفتح الفوقانية، وسكون الميم، وكسر المهملة قبل ياء النسبة. سمع جميع البخاري، كانت له أفوات فأعيدت على العفيف أبي محمد عبد الله ابن محمد بن سليمان النشاوري، بسماعه من إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الطبري إمام المقام، أنا: أبو عبد الله محمد بن أبي البركات الهمداني، أنا: أبو الوقت في الإذن العام، أنا: الداودي. وقال الرضي: أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي حرمي فتوح بن بنين الكاتب، خلا من باب:"ولأحد من أخاهم شعيب"إلى باب:" مبعث النبي ﷺ وسلم"فأجازه. أنبأنا: أبو الحسن علي بن حميد الطرابلسي، أنا: ابن مكتوم عيسى بن أبي ذر، قال الرضي: وأنا: النجار عم والدي الحال يعقوب بن أبي بكر الطبري والعماد عبد الرحيم بن عبد الرحيم بن العجمي الحلبي، قال الأول: أنا:

стр. 536

الشريف يونس بن يحيى بن أبي الحسن الهاشمي، والثاني: أنا: أبو سعد ثابت بن مشرق المعروف بابن البناء، قالا: أنا: أبو الوقت به، صح بقراءة أحمد بن محمد السلاوي في ٣٤ مجلسا، آخرها سلخ شهر رمضان سنة ٧٨٥، وأجاز. ومن خط ولد القارئ محمد لخصت وصحح له النشاوري. ٣٠٦ - عبد القادر بن أبي القاسم بن أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد المعطي بن أحمد بن عبد المعطي بن مكي بن طراد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن عبد المعطي بن أحمد بن عبد المعطي بن علي بن عبد القادر بن أبي بكر بن أوس بن سلمان بن طراد بن إبراهيم بن سعيد بن سعد بن عبادة، الإمام العلامة قاضي القضاة محيي الدين الأنصاري الخزرجي السعدي العبادي المكي المالكي. ولد ثاني ربيع الآخر سنة أربع عشرة وثمانمائة (١) بمكة المشرفة، وقرأ بها القرآن، وتلا لأبي عمرو، على: الشيخ محمد الكيلاني عن ابن الجزري. وتفقه على جماعة منهم: الشيخ محمد بن موسى بن عائذ الوانوغي، والشيخ شمس الدين البساطي قاضي المالكية بمصر، وأجازه بالإفتاء والتدريس. وأخذ النحو عن قاضي القضاة البساطي، وقاضي الحنفية أبي البقاء بن الضياء، والقاضي شهاب الدين أحمد المغربي. وأخذ الأصول الفقهية عن الشيخ أمين الدين (٢)، وقاضي القضاة البساطي. وأخذ المعاني والبيان عن البساطي. وبحث ألفية العراقي على شيخنا الشيخ عبد الرحمن أبي شعر الحنبلي، وبحث جميع شرحها عليه. وسمع شيخنا أن الشيخ ابن الحسين قرأ عليه الصحيحين والموطأ والشفاء للقاضي عياض وغير ذلك. ولم يزل يركض خيل الشباب، ويفتح إلى طريق كل فن بحسب الطاقة أجلّ باب، إلى أن ظفر باللباب، وأتى من القول الصواب بالعجب العجاب. حسن المجالسة، كرم المحاضرة. له ذهن رائق، وتصور بديع مع السمت الحسن، والعقل الوافر. وكتب الخط الجيد الفائق في الرشاقة، الباهر في ملاحة الوصف والرياقة.

стр. 537

وولي القضاء سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، ودرس بالحرم وأفتى، وانتفع به الناس، وأهل بلده يثنون عليه خيرا. زادنا الله وإياه من فضله. واجتمعت به في سنة تسع وأربعين وثمانمائة بالحرم الشريف المكي، وسمعت دروسه، وبحث معي في بعض المسائل، وذهنه جيد، وقريحته وقادة، وكلامه متين، إلا أنه يحتاج إلى زيادة التحنيك بمجالسة العلماء وكثرة المزاحمة للطلبة في الدروس. أجاب عن أسئلتي الجهادية بأجوبة غالبها متوسط الحال. والله تعالى يزيده من نعمه، وينير قلبه من فضله وكرمه. ٣٠٧ - عبد القادر بن عبد الرزاق بن عبد القادر بن عبد الحليم، الأنصاري السكندري، شيخ الشيوخ وقاضي القضاة بها المالكي. ولد … (١)، مات بعد سنة أربعين وثمانمائة (٢). ٣٠٨ - عبد الكافي بن أحمد بن الجوبان بن عبد الله، القاضي [مجير الدين] (٣) أبو المعاطي ابن الذهبي الدمشقي الشافعي، نائب كاتب السر بدمشق، يسكن بالعقيبة الصغرى بقرب مسجد إسرائيل، ووالده يلقب شهاب الدين. ولد سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة (٤) تقريبا بدمشق، وقرأ بها القرآن وحفظ بعض التنبيه، وسمع كثيرا بقراءة شيخنا حافظ العصر وغيره، وحج مرات: أولها سنة ست وثمانمائة. وتردد إلى القاهرة، وزار القدس والخليل مرارا، وداس بلاد الروم فما دونها. وباشر نيابة كاتب السر بدمشق. لقيته بالقاهرة في أواخر سنة سبع وأربعين وثمانمائة

стр. 538

فأجاز باستدعائي. وسمعت عليه موافقات من مسموعات أبي عبد الله الرستمي تخريج أحمد بن المقري، وجزء لوين مع ما في آخره. [مات بدمشق في أوائل سنة ثمان وخمسين وثمانمائة، ثم رأيت بخط النجم ابن فهد أنه مات يوم السبت خامس شعبان سنة سبع وخمسين وثمانمائة] (١) ٣٠٩ - عبد الكريم (٢) بن عبد اللطيف بن صدقة المناوي العقبي، كاتب غيبة الصوفية بتربة السلطان بالصحراء. ٣١٠ - عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة القرشي العمري المقدسي الصالحي الحنبلي، الشهير بابن زريق. ولد في ثامن عشر ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وسبعمائة (٣). ٣١١ - عبد الله بن أبي الفرج بن التاج موسى بن السعد إبراهيم الشهير هنا بكاتب السعدي، القاضي أمين الدين بن الجناب العالي سعد الدين بن تاج الدين، ناظر الخواص الشريفة والده، الشهير بجده تاج الدين. ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة بالقاهرة، سمع من البخاري على: ابن أبي المجد، كما شاهدته في ثبت ابن السالمي بخط الشيخ غرس الدين خليل الأقفهسي. ﵀. وأخبرني صاحب الترجمة: أنه قرأ القرآن بالقاهرة بالسبع على: علي بن

стр. 539

الحاجب، وبحث من التدريب إلى كتاب البيوع على مصنفه السراج البلقيني، وبحث بعض التلخيص على النظام التفتازاني، وبحث عليه في النحو أيضا. ودخل في الفنون فلعب الرمح ورمى النشاب وصارع وحمل المقايرات، ولكن عنده ملل، إذا قارب أن يمهر في الشيء تركه وأقبل على غيره. وولى استيفاء خزانة الخاص، ونظر الاصطبلات الشريفة ونظر الخزانة الكبرى، ووالده كان ناظر الخاص وناظر الاصطبلات، وجده كان ناظر الخاص. وحج مرارا عديدة جدا، أولها قبل هذا القرن. وسافر إلى حلب فما دونها، وتردد إلى إسكندرية ودمياط. وهو رجل حاد المرارة، سريع الجواب، حلو النادرة، يتوقد ذكاء، ويسهل عليه إظهار ما في نفسه من المعاني بعبارة رشيقة، ويذكر عنه. أنشدني من لفظه لنفسه يوم الجمعة ثاني ذي الحجة سنة أربعين وثمانمائة، بالبرابخية من بولاق بشاطئ النيل، في السعد والفخر ابني غراب، وقد لبسا تشريفين في يوم واحد نظر الخاص والوزر، فقال: [الطويل] لقد شرف التشريف يوم لبسته … كما شرف السيف الحميلة والقدا فاسلم ودم وارقى على رغم حاسد … معنى كئيبا يحسد الفخر والسعدا وقال مواليا في مليح أزرق العينين، وأنشدنيه في اليوم والمكان: [البسيط] نبال لحظ الرشا في وسط قلبي مرق … ما البيض ما السمر ما سودا الزرد والدرق عاشقك أصفر مململ لهجته في الطرق … عذار أخضر وخد أحمر وعينين زرق ولعمري إن صاحب هذه الترجمة لجدير بأن يوصف بهذين البيتين، وما أظنهما قيلا إلا في جده فكأنه درب هذا الأمر كابرا عن كابر: [الرجز] قلت: لتاج الدين في خلوة … وقد علاه عبده الأكبر التاج يعلو فوق غيره؟ … قال: نعم ياقوت أو جوهر وأن ينشئ له حتى ينتشي هذه القصة التي أنشأها بعض الأدباء: وهمّ المملوك فلان يقبل اليد الفلانية، كثر الله عبيدها، وضاعف خدمها، وأضعف حسودها، وينهى بعد

стр. 540

دعاء يمتد وولاء يشتد، وثناء كأنه عنبر أو كافور أو ند، إن المولى ترحل والأعضاء سائرة، وكل عين لغيبته ناظرة، ولا يخفى شوق المريض إلى الشفاء، والظمآن إلى انصباب الماء، والمملوك قلق لسماع أخبار التشويش في البلاد، وتطرق أهل الجرائم والفساد، فمولانا يأمر بعض عبيده أن يشمر في خدمته ذيلا، وأن يسهروا عليه بالنوبة ليلا، بلغه الله من فضله مزيدا، وجعله يوما عليه مباركا وليلا عليه سعيدا. [مات بالقاهرة ليلة الأحد أو يومه، ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وثمانمائة] (١) ٣١٢ - عبد الله بن أحمد بن قاسم بن مناد النفزاوي القروي بلدا نسبة إلى القيروان المالكي. ولد في حدود سنة خمس وثمانين وسبعمائة (٢) في مدينة القيروان، وقرأ بها القرآن برواية نافع، علي سيدي محمد بن أبي زيد صاحب قصر المنستير (٣). وقرأ في الفقه على سيدي محمد بن مسعود وأخذ عنه التصوف. وقرأ صحيح مسلم والشفاء على سيدي أبي عبد الله محمد الرماح، وعلى سيدي أبي القاسم بن ناجي. وقرأ كتاب البردعي في الوعظ، وكذا المورد العذب فيه على سيدي حسن الحلفاوي. وقرأ الأذكار على سيدي محمد بن سيدي عبد الله [الشيبي] (٤) في مزار سيدي عبد الله بن أبي زيد، [وشغف بالتصوف وأهله فأخذ عن أبي زيد عبد الرحمن] (٥) البناء وسيدي سالم المرو، وغيرهما. وحج مرارا، أولها سنة تسع وعشرين. ودخل تونس، وأخذ عنه أصحابه قصيدته الصفوة شرح القهوة، ودخل قسنطينة (٦) وبسكرة (٧)، وصنف إنجاد الأنجاد في فضائل

стр. 541

الجهاد، أوله: الحمد لله الذي جعل الجهاد رهبانية الإسلام، ومن أفضل الأعمال بعد العلم بالله ومعرفة الحلال والحرام، وجعله فرض كفاية على من أسلم فأمن من جميع الآثام. ونظم قصيدة وعظية في الأهوال الأخروية، جعل لها خطبة أولها: الحمد لله الكريم المنان، القادر المقتدر العلي العظيم الشان، الكبير المتعال، الغني العزيز الرحمن. رتبها على أبواب: الباب الأول: في الوعظ بأقرب معنى وأسهل لفظ. الباب الثاني: في الموت، وما يعانيه المحتضر من الحسرة والفوت. الثالث: في أحوال القبر، وما يعانيه الميت من هول نكير ومنكر. الرابع: في البرزخ والقيامة، وما فيهما من المسرة والندامة. السادس (١): في الحشر والنشر، وما فيهما من شدة الهول وعظم الأمر. السابع: في الوقوف بين يدي الله- -وما يسأل عنه من القول والعمل. الثامن: تطاير صحف الأعمال وأخذها باليمين وبالشمال. التاسع: في الصراط، وما يسأل عنه وكيف يكون الاحتياط. العاشر: في النار وكيف فتحت [أبوابها] (٢) للكفار والفجار، وكيف سدت في وجوه الأخيار السادة الأبرار. وتمام العشرة تمت القصيدة الوعظية في الأهوال الأخروية مما تضمنته العاقبة من الأمور الواجبة، تنيف عن المائتين وثمانين بيتا، نفع الله بها قارئها وسامعها وناقلها، وليعامله بما يجب أن يعامل، فإن القول قاصر، والمنقد حاضر، والعقول أبدا تتفاوت، وما رئي عاقل إلا ناطق بخير أو صامت، وكفى ما جاء في الخبر عن سيد البشر:"رحم الله عبدا قال خيرا أو صمت". وما بعد الأعراف قصور، ولا ظن بنفسه خيرا إلا مغرور، ولا مقر بالعجز إلا معذور، فبالله أستخير وبه أستجير، وعلى الله أتوكل، وبالنبي أتوسل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. [الوافر] بحمد الله ابتدئ المسائل … وحمد الله عون لكل قائل وأثني بالصلاة على نبينا … شفيع الخلق في يوم الوسائل وأصحاب النبي نرضى عنهم … ونخصص بالرضا العشرة الكوامل وأشرع في قصيدة من مواعظ … وترد الصدر بالأوجال وأحل

стр. 542

وأنشدني قصيدة تسمى: أنوار الفكر في أسرار الذكر: [البسيط] إذا أردت بعون الله تتزر … داوم نصحتك ذكر الله تنتصر بالذكر فاز الذي من قبلنا سلكوا … لا شك أن بذكر الله يفتخر تالله لو يعلموا أسراره وبما … تحظون منه فما يبقوا ولا يذروا ثلاثة قسم بالله صادقة … ما دمتم ذاكري الله تحتضروا جاء إليك بأملاك تحاصركم … مع السكينة والرجاء وإلا صبر حلفت بالله أيمانا مؤكدة … لو ألزم الصبر أهل الذكر ما صبروا خل العواذل أهل اللهو عنك ولا … تغفل إذا غفلوا واذكر إذا ذكروا داوم على الذكر في سر وفي علن … فالذكر أفضل ما تصحبه يا بشر ذق من شراب أولى التحقيق كأس رضى … فأنفس القوم عند الذكر قد سكروا رقى أناس بذكر الله فأتبعوا … آثارهم واذكروا المولى كما ذكروا زين المجالس ذكر الله فابتدروا (١) … بذكر تظفروا مثل الذي ظفروا طيبوا وغيبوا عن الإحساس وارتقبوا … إلى هلال الهدى يبدو لكم قمر ضاءت قلوبكم يا ذاكرين به … فالذكر نور وصفو ما له كدر كفاكم شرفا ذكر الإله لكم … هذا هو الفخر لا فخر الذي فخروا لوذوا بذكر إله العرش واغتنموا … هذا المرام الذي جارت له الفكر ما عندكم نافذ قال الإله لنا … وما لنا عنده باق ومدخر نوار أنوار ذكر القلب هاج لكم … فما لكم عنه يا عشاق تصطبروا صباحكم قد بدا والقلب صار لكم … قليب نور وجا أملاكه حضروا ظعائن الفكر إن ندت شواردها … فالذكر قيد لها ما دام ذا الضرر عليكم فاذكروا بالقلب خالقكم … بعد اللسان فذكر القلب معتبر غيبوا عن الذكر بالمذكور تنتعشوا … حتى تغيبوا ولا عين ولا أثر

стр. 543

في ذا الفنا قد فني بشر (١) ورابعة (٢) … شبل (٣) ومعروفهم (٤) من هاهنا غبروا قالوا: وللروح بعد القلب ذكر خف … ومن خف لحق قال الذي صدروا سماع سر وسر قد أتاك به … شر الوجود ورا في الخبر والخبر شهودك شهود وأنت مقرب … وقلبك عرشي بل القلب أكبر هذي المعارف قد أبدت شواهدها … للذاكرين وحجوا البيت واعتمروا وما إمام هدى بل لا ولي تقى … إلا عليه لواء الذكر منتشر لا تحسب الذكر مجهولا مراتبه … أهل العليات يدوره الذي خبروا يا قوم اغدوا وروحوا واذكروا أبدا … فالذكر أعظم أن يقدر له قدر ثم الصلاة على المختار سيدنا … خير البرية من سادت به مضر وأنشدني كذلك قصيدة سماها الصفوة شرح القهوة: [مجزوء الوافر] أيا ساقي لنا صفوا … أدرها لي بغير مزاج وقل للسادة الصفوا … تديره صرف أو تمزاج أدرها لي وللأخوان … ولذّذنا بذا المشروب وغني لي على الألحان … بما نذكر به المحبوب وصفف حملة الكيسان … وروّي من له مرغوب جناها جنة المأوى … وفيها هاج من قد هاج منيرة نيرة أضوا … من البدر الضوى في داج أدرها لي على الأحباب … وروقها لي يا ساقي

стр. 544

فطاب الوقت بهيم طاب … وبها طابت أخلاقي وفيها عاب من قد عاب … فمن فاني ومن باقي ففيها المن والسلوى … ونهر من عسل عجاج ولكن أين من يقوى … يخوض البحر ذا الأمواج أبر واصرفها مثل … نهر أحلى لكم وأغلى وجيبوا من يغنّي لي … إذا ما كاسها يجلي ففيها لذ لي قتل … وقتل الكل كان أولى وطيبوا جملة الأخوان … وموجوا سرها مواج فما سعدى وما علوا … وما هي رية المغناج قديمة سبقت التقديم … مدامة تنعش الأرواح إذا تجلى وكان نديم … يطير القلب بالأفراح تمدد كل وقت نعيم … وقد هب حملة الأتراح شربها أدم مع حوا … وكانت مهره في الأزواج وعنها إبليس بلس وأغوى … من الحظرة طرد وإخراج وسارت سرها ميراث … إلى الأبنا من الأبا وكل نبي بها أبعث … يدعو الخلق إلى شربا فهي ما يحتمل إنكاث … فيا سعد الذي لبا مداما طيبة حلوا … فما في طعمها أوجاح تداوي جملة الأدواء … فما إن سفر لفلاح لشيث آدم بها أوصاه … وأرقى إدريس بها وأصعد وكل نبي ومن والاه … يدعو الخلق لها بجهد فمنهم من قبل وأهداه … ومنهم من عطائه رد دعاهم الأنبياء سرا … لدين مدامها الشجاج فمنهم من نكص ولوى … ومنهم من ولج ولما نوح وافاها … نجته من الطوفان

стр. 545

ولإبراهيم بأسناها … أطفأ نورها النيران ولموسى مناجاها … ولعيسى شفاة زمان وللهادي الذي أتروى … فمنها ليلة المعراج ففي الخطرة مع النحو … أو لما يبليه إعراج وأبو بكر انملي بها … وعمر مع عثمان وعلى شرب وأملى دنا … ولى بعده الحسنان وأتت بعدهم فضلا … بها المؤمنين إخوان شربوها أولو التقوى … وردوا الكل على المدراج فمنهم من لزم خلوا … ومنهم من خرج وإزعاج البصري (١) شرب وفضيل (٢) … مع سهل (٣) بن عبد الله وفيها أبو يزيد (٤) ثمل … وعتبة (٥) كان متوله وماذا من شهيد قتيل … هرق دمه رضى من الله فكالصابر على البلوى … وهو المعروف بالحلاج وطرح ابن أدهم (٦) الكسوى … وعن رأسه رمى بالتاج والشبل مع معروف … وجريري (٧) مع النوري (٨)

стр. 546

بها الخواص (١) كان يطوف … مع ذي النون (٢) والثوري (٣) وقال الجنيد (٤) بها معروف … وبشر ورابعة وسري (٥) ما وأخبارهم تروى … صحيحة ليس فيها لجاج فتاوي وصحة الفتوى … وهي يسكر فما عجاج كيلاني سكر واضحا … وشربها على المنبر وأبو مدين (٦) بها أضحى … على أهل الغفر يتبختر ورفاعي (٧) طفح طفحة … وأبو يوسف طلب وأظفر بعذراء زاهية زهوا … معاني مقصد المحاج مهرها أسقط الدعوى … فما تعطى سوى محتاج شرح لئن قلت أيش ذا العذرا … وهذه الخمر اين نبه وحضروا جملة الفقرا … عسى نشرح لهم معناه نقول لك أكثر الذكرى … وقوم ألهج بذكر الله بذا يكشف ما أطوى … وما في شرها ما أدراج ومن يعشق ومن يهوى … يبادر تلك المنهاج فبالله زدني في الشرح … على ذا الكاس والمشروب سألت العز عن ذا شح … واتته زدتني مرغوب

стр. 547

نعم إذا يصح الفتح … يتجلى لك المحبوب يعيد القلب له مثوى … يضئ بنوره الوهاج فهذا النور هو القهوة … وصار القلب كأس زجاج تزيدك في الفنى في الذكر … وكيف تشاهد المذكور فدع عنك المنى والفكر … وتذكر دائما بحضور حتى يوصل لسر السر … فيض عليك منه النور فزيد الذكر يتقوا … وينتج منه نور نتاج تغيب وتشهد وهوا … ينور أفواج بعد أفواح لئن قلت إيش هو المشكاة … وما هو الزيت والمصباح وما هو النفي والإثبات … ومعنى البيت وشر الراح نقل لك هو تجلى الذات … ويشهد عالم الأرواح فهذا الغاية القصوى … وذا أنوار ذا الإبهاج وهو السعي والمروة … وهذا البيت أين الحاج فهذا هو غزل صوفي … فمن ذا يغزل ويوصف فيا صوفي هو صوفي … إذا لم يغزله اتصف فما هو إلا لمن صوفي … فهو يغزله ويصف يسدي الغزل في المطوى … بفضل بعد ما أنساج يخيطوا بعد ماشا والبس … وأكسا حلل وديباج كل ذا الشرح في الخمرة … وفي معنى معانيها ومن يدخل إلى الحضرة … ويشرب دنها فيها فذاك ينادم الفقراء … يناولهم أوانيها ويجليها لهم حلو الشمس … وبدر وألف سراج ويسقى للذي أوى … ليه بقدر ما يحتاج عبد الله يصف خمرة … لأهل العقل ينعتها لها تمرة جنا شجه … في الفردوس منبتها أيا فقراء لكم بشرا … بالدنيا وما فيها

стр. 548

فهي بأرواحكم بحرا … علي سكرا بغير علاج عبيدكم طلب دعوى … فبسركم لا يحتاج يسمى الذي واتلال وبتروجي … وبن بنا فتصلح يا كريم حالي (١) … فليس فيه اعوجاج فمن يسلك بعد هوى … ومن يتبع طريقه ناج فيا ربي بما ألهم … ت من ذكر لأحبابك كل ما أنعمت … ولا تطردن عن بابك وبالهادي لك توسلت … ولا تشغلني إلا بك فما لي حيل ولا قوة … إلا بك خائف راج فمن هذا الذي سوى … .... (٢) نطفة أمشاج فمن لطفك بعثت لنا … نبي مكي عربي عليه صلاتنا تثني … كما يرضيك يا ربي على العشرة الرضا منا … ومنك على رسول ونبي فميم وتاء وصاد وواو … فطرف العز لهم إسراج فبختمها … (٣) … فمن أعطى اللوا والتاج ورأى الشهاب الحجازي بن تاج الدين هذا في مكان وقد لاقاه وحمل ساس وشخص اسمه سيس قال: فقلت: عجب ساس وسيس. قال: ففهم أني أقول وسوس. فقال: واسكت واسكت. ٣١٣ - عبد الله بن أحمد بن عمر بن عرفات بن عوض بن القطب أبي السعادات بن أبي الظاهر محمد بن أبي بكر بن أبي العباس أحمد بن الفخر موسى بن الرشيد عبد المنعم

стр. 549

ابن التقى علي بن الضياء أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي المعالي سالم ابن الأمير المجاهد عز العرب بن وهب بن مالك الناقل من الحجاز ابن عبد الرحمن بن مالك بن زيد ابن ثابت الأنصاري الخزرجي النجاري، جمال الدين القمني ابن الشهاب بن السراج القمني الشافعي، ابن أخي الشيخ زين الدين. عداده في الموقعين بالمركز الذي على باب المدرسة الصالحية بالقاهرة، وهو منسوب إلى الكذب. ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة في قمن (١)، وانتقل به والده إلى القاهرة، فقرأ بها القرآن على الشيخ شمس الدين الأبوصيري. وأخبرني-ولا يبعد صدقه في ذلك-أنه: حفظ المنهاجين الفقهي والأصولي (٢)، والألفية لابن مالك. واشتغل في الفقه على عمه الشيخ زين الدين، وسمع دروس الكمال الدميري والبهاء أبي الفتح البلقيني، وحضر دروس شيخ الإسلام السراج (٣) وحج مرارا قبل القرن وبعده وجاور. وأخبرني أنه سمع على الكمال (٤) بن ظهيرة. وسافر إلى دمشق وزار القدس مع عمه إذ كان شيخ الصلاحية (٥) وزعم أنه سمع النسائي الكبير وغيره على ابن الفصيح وغيره، فلتطلب مستندات ذلك. سمع الجمال القمني جميع سيرة ابن سيد الناس الكبرى على الشمس محمد بن حسن الفرسيسي، بسماعه لها على مصنفها خلا الفوت المعروف، وصح ذلك بقراءة الإمام شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد المحسن الشهير بابن الزكي المالكي في عشرة مجالس، آخرها ثامن شعبان سنة ست وتسعين وسبعمائة بمنزل الناصري قطاي بحارة الروم (٦) بضبط محمد بن علي بن عبد الخالق اليمنى، ومن خطه لخصت وصحح المسمع. [رأيت بخط النجم بن فهد أنه مات ليلة الثلاثاء العشرين من شعبان سنة ست وخمسين وثمانمائة] (٧)

стр. 550

٣١٤ - عبد الله بن خلف بن محمد بن عثمان، جمال الدين النابتي، نزيل الظاهرية العتيقة (١) بين القصرين من القاهرة. ولد سنة ست وستين وسبعمائة تقريبا ثم قرأ القرآن. ونشأ على مخالطة الناس والجرأة على السعي ومداخلة الأتراك، والحرص على تحصيل الدنيا، إلى أن حصل الكثير منها من العقارات وغيرها، وهو مع ذلك ضيق العيش، يظن من رآه أنه فقير. أجاز باستدعائي، سمع جميع الأدب المفرد للبخاري على شيخ الإسلام أبي زرعة قاضي القضاة ولي الدين أحمد ابن شيخ الإسلام أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي بسماعه على .... (٢). [مات يوم الثلاثاء العشرين من شهر رجب سنة سبع وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة] (٣) ٣١٥ - عبد الله بن عبد اللطيف بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد المحسن السلمى المحلي الشافعي، القاضي محب الدين ابن الإمام الفاضل الخير. ولد ثامن عشر ذي القعدة (٤) سنة ثمان وثمانين وسبعمائة بالمحلة العظمى. وقرأ بها القرآن، وتلا برواية [أبي] (٥) عمرو، وبها أيضا على الشيخ شهاب الدين النشرتي- بفتح النون والمعجمة، وإسكان المهملة، ثم الفوقانية-الحيسوب، وحفظ بها العمدة والمنهاجين: الفقهي (٦) والأصلي وألفية ابن مالك. ثم حج به والده سنة خمس

стр. 551

وثمانمائة، وجاور وأقرأ على الجمال بن ظهيره ألفية العراقي بحثا، وعرض الشاطبية والرائية على الشيخ شمس الدين [المعيد] (١) الخوارزمي وبحث بعضها عليه، وأنشده لنفسه: توطن في خير البلاد وجا … من خوارزم مشتاقا يسمى محمدا إذا هو لم يأنس بشيء من الورى … يؤانسه فضلا وحب محمدا وتلا بها (٢) برواية ابن كثير ونافع على الشيخ شهاب الدين القزاز، وجوّد بعض القرآن على الشيخ شهاب الدين بن عياش، وسمع بها البخاري وغيره على ابن صديق. ثم رجع إلى المحلة فبحث في الفقه على القاضي بهاء الدين أبي البقاء الششيني والشيخ شهاب الدين الباريني وغيرهما، والنحو على الشيخ بدر الدين حسين المغربي وغيره. وكان يتردد إلى القاهرة ثم قطعها بعد سنة ثلاثين وثمانمائة، وزار القدس والخليل، وسمع بالقدس على الشيخ شهاب الدين المارديني بعض البخاري، ورافقني إلى دمياط وإسكندرية، وكان ثقة مأمونا، وكان قبل ذلك يتردد إليهما، وناب في القضاء في بعض بلاد المحلة عن الجلال البلقيني ومن بعده. أخبرنا النجار الإمام العالم الصالح أقضى القضاة محب الدين أبو الطيب عبد الله، وأخوه الشيخ الإمام العالم أقضى القضاة كمال الدين أبو بكر ابن الشيخ الإمام أقضى القضاة بهاء الدين أبي البقاء عبد اللطيف ابن الشيخ الإمام العالم قاضي القضاة شهاب الدين أبي العباس أحمد السلمى الشافعي، الشهير بابن الإمام، بهذه الخمسة عشر حديثا المنتقاة من أول كتاب الشفاء للقاضي عياض، قراءة منى عليه بمدينة سمنود من أعمال الغربية بالقاهرة في يوم الثلاثاء حادي عشرى شعبان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، قالا: أخبرنا بجميع الكتاب الشيخ أبو الطيب محمد بن عمر بن علي السخوى اليمنى المكي، سماعا عليه بالمسجد الحرام سنة ست وثمانمائة، أنا شرف الدين أبي عبد الله الزبير بن علي بن سيد الكل المهلبي الأسواني، بسماعه من أبي الحسين يحيى بن أحمد بن تامتيت اللواتي، عن أبي الحسين يحيى بن محمد بن علي

стр. 552

الأنصاري ابن الصائغ، أخبرنا القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي إجازة بكتاب الشفاء، قال: حدثنا: أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه بقراءتي عليه، أنبأنا: الحسين بن محمد، أنا: أبو عمر النمري، أنا: أبو محمد بن عبد المؤمن، أنا: أبو بكر محمد بن بكر، أنا: سليمان ابن الأشعث، أنا: موسى بن إسماعيل، أنا: حماد، أنا: علي بن الحكم عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ "من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة". وحدثنا القاضي الشهيد أبو علي الحسين بن محمد الحافظ قراءة مني عليه، ثنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار وأبو الفضل أحمد بن خيرون، قالا، ثنا: أبو يعلى البغدادي، ثنا: أبو علي السنجي، نا: محمد بن أحمد بن محبوب، نا: أبو عيسى بن سورة الحافظ، نا: إسحاق بن منصور، حدثنا: عبد الرزاق، أنبأنا: معمر عن قتادة عن أنس: أن النبي- ﷺ "أتى بالبراق ليلة أسرى به ملجما مسرجا فاستصعب عليه، فقال له جبريل: أبمحمد تفعل هذا؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه، قال: فارفض عرقا". حدثنا الشيخ أبو علي الحسين بن محمد الجياني الحافظ فيما أجاز فيه وقرأته على الثقة عنه، نا: أبو عمر النمري، نا: أبو محمد بن عبد المؤمن، نا أبو بكر بن داسة، نا: أبو داود السجزي، نا: أبو الوليد الطيالسي، نا: شعبة عن منصور عن عبد الله بن يسار عن حذيفة عن النبي- ﷺ -قال:"لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان". حدثنا أبو محمد بن عتاب، نا: أبو القاسم حاتم بن محمد، نا: أبو الحسن القابسي، نا: أبو زيد المروزي، نا: أبو عبد الله محمد بن يوسف، نا: البخاري، ثنا: محمد بن سنان، نا: فليح، ثنا: هلال عن عطاء بن يسار،"قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني عن صفة رسول الله- ﷺ -قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفاته في القرآن"يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا

стр. 553

ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء؛ بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينا عميا، وأذانا صما وقلوبا غلفا". أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن وغير واحد عن القاضي أبي الوليد الباجي إجازة وعن أصله نقلت، ثنا: أبو ذر الحافظ، ثنا: أبو محمد الحموي، ثنا: إبراهيم بن خزيم الشاشي، ثنا: عبد بن حميد، نا: هاشم بن القاسم عن أبي جعفر عن الربيع بن أنس قال:"كان النبي- ﷺ -إذا صلّى قام على رجل ورفع الأخرى فانزل الله تعالى: ﴿طه﴾ (١) يعني طأ الأرض يا محمد، ﴿ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ (٢). حدثنا القاضي الشهيد أبو علي بقراءتي عليه، ثنا: أبو الفضل بن خيرون، وأبو الحسن الصيرفي، ثنا: أبو يعلي بن زوج الحرة، ثنا: أبو علي السنجي، ثنا: محمد بن أحمد بن محبوب المروزي، ثنا: أبو عيسى الحافظ، ثنا: سفيان بن وكيع، ثنا: ابن نمير عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عباد بن يوسف عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال:"قال رسول الله- ﷺ -أنزل الله علىّ أمانين لأمتي: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٣)، فإذا مضيت تركت فيكم الاستغفار". حدثنا القاضي حسين بن محمد الصدفي، ثنا: القاضي أبو الوليد (٤) سليمان بن خلف، ثنا: أبو ذر عبد بن أحمد، ثنا: أبو محمد السرخسي وأبو إسحاق وأبو الهيثم، نا: محمد بن يوسف (٤)، نا: محمد بن إسماعيل، ثنا: قتيبة بن سعيد، ثنا: يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو عن المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله- ﷺ قال:"بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت منه".

стр. 554

حدثنا أبو علي الصدفي الحافظ بقراءتي عليه، ثنا: أبو الفضل الأصفهاني، ثنا: أبو نعيم الحافظ، ثنا: سليمان بن أحمد، ثنا: أبو بكر بن سهل، ثنا: عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح أن يحيى بن جابر حدثه عن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله- ﷺ -قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب المسلم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه». حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن علي التغلبي وغيره، قالوا: ثنا: محمد بن عتاب، ثنا: أبو بكر بن وافد وغيره، ثنا: أبو عيسى، ثنا: عبيد الله، ثنا: يحيى بن يحيى، نا: مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت:"ما خير رسول الله- ﷺ -في أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله- ﷺ -لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها". حدثنا القاضي الشهيد أبو علي الصدفي، نا: القاضي أبو الوليد الباجي [و] (١) أبو ذر الهروي، نا: أبو الهيثم الكشمهيني وأبو محمد السرخسي وأبو إسحاق البلخي، قالوا: ثنا: أبو عبد الله الفربري، ثنا: البخاري، ثنا: محمد بن كثير، أنبأنا: سفيان عن ابن المنكدر، سمعت جابر بن عبد الله يقول:"ما سئل النبي- ﷺ -عن شيء قط، فقال: لا". حدثنا أبو علي الجياني فيما كتب إلى، ثنا: القاضي سراج، نا: أبو محمد الأصيلي، ثنا: أبو زيد الفقيه، ثنا: محمد بن يوسف، ثنا: محمد بن إسماعيل، ثنا: ابن بشار، نا: غندر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق، سمع البراء وسأله رجل: أفررتم يوم حنين عن رسول الله ﷺ ؟، قال: لكن رسول الله- ﷺ -لم يفر، ثم قال: لقد رأيته على بغلته البيضاء، وأبو سفيان آخذ بلجامها والنبي- ﷺ -يقول: «أنا النبي لا كذب»، وزاد غيره: «أنا ابن عبد المطلب»، فما رئي يومئذ أشد منه- ﷺ .

стр. 555

وحدثني أبو محمد بن عتاب بقراءتي عليه، نا أبو زيد المروزي، نا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل، نا عبدان، نا عبد الله، نا شعبة عن قتادة سمعت عبد الله مولى أنس عن أبي سعيد الخدري:"كان رسول الله- ﷺ -أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه- ﷺ ". حدثنا أبو الحسن علي بن مشرف الأنماطي فيما أجازنيه وقرأته على غيره، ثنا: أبو إسحاق الحبال، ثنا: أبو محمد النحاس، نا: ابن الأعرابي، نا: أبو داود، نا: هشام أبو مروان ومحمد بن المثنى، نا: أبو الوليد بن مسلم، نا: الأوزاعي، سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة عن قيس بن سعد قال: "زارنا رسول الله- ﷺ -وذكر قصة في آخرها فلما أراد الانصراف قرب له سعد حمارا وطّأ عليه بقطيفة، فركب رسول الله- ﷺ -ثم قال سعد: يا قيس اصحب رسول الله- ﷺ -قال قيس: فقال لي رسول الله ﷺ -اركب، فأبيت، فقال: إما أن تركب وإما أن تنصرف، فانصرفت". حدثنا الفقيه أبو محمد بن عبد الله بن محمد الخشني بقراءتي عليه، نا: إمام الحرمين أبو علي الطبري، ثنا: عبد الغافر الفارسي، نا: أبو أحمد الجلودي، ثنا: إبراهيم ابن سفيان، نا: مسلم بن الحجاج، ثنا: أبو الطاهر، أنبأنا يونس عن ابن شهاب قال: "غزا رسول الله- ﷺ -وذكر حنينا، قال: فأعطى رسول الله- ﷺ -صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة ثم مائة، قال ابن شهاب: حدثنا سعيد بن المسيب: أن صفوان قال: والله لقد أعطاني ما أعطاني وإنه لأبغض الخلق إلىّ فما زال يعطيني حتى أنه لأحب الخلق إلىّ ". حدثنا القاضي أبو عامر محمد بن إسماعيل بقراءتي عليه، نا: أبو بكر محمد بن محمد حدثنا أبو إسحاق الحبال، حدثنا أبو محمد النحاس، نا: ابن الأعرابي، نا: أبو داود، نا: محمد بن يحيى، نا: محمد بن سنان، نا: إبراهيم بن طهمان عن بديل عن عبد الكريم بن عبد الله بن شفيق عن أبيه عن عبد الله بن أبي الخمسا: «بايعت النبي ﷺ -ببيع قبل أن يبعث وبقيت لي بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت، فإذا هو في مكانه، فقال: يا فتى لقد شققت علي أنا هاهنا منذ ثلاث انتظرك».

стр. 556

وبسماع الأول وإجازة الثاني إن لم يكن سماعا، كتب الربيع بن أنس على المسند أبى محمد إبراهيم ابن محمد بن صديق الرسام أبوه الدمشقي في مسند عبد بن حميد بسماعه بجميع الكتاب على أبى العباس أحمد بن أبي طالب بن أبي النعم-نعمة الحجارة جارية من أبى بكر محمد بن مسعود بن بهروز الطبيب-وسماعه بجميعه خلا حديث عبد الرحمن ابن عثمان التيمي إلى حديث ابن عمر «من شهد إملاك امرئ مسلم، فكأنما صام يوما في سبيل الله» (١) على أبى المنجى عبد الله بن عمر بن علي بن اللتي، وإجازة منه لهذا الفوت إن لم يكن سماعا، قالا: أنبأنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي، أنبأنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد المظفر الداودي، أنبأنا أبو محمد الحموي فذكره. [ومات يوم الأربعاء ثاني ذي الحجة سنة ست وأربعين وثمانمائة بالقاهرة، فعاش ثمانيا وخمسين سنة لا تزيد شهرا ولا تنقصه] (٢) ٣١٦ - عبد الله (٢) بن علي بن يوسف-الملقب أيوب لكثرة بلاياه-ابن علي بن محمد البدر (٣) بن علي بن عثمان، الشيخ جمال الدين، الشيخ الإمام العالم الرباني المجمع على ولايته، أبي الحسن المشهور بابن أيوب المخزومي الدمشقي، نزيل القاهرة وخادم خانقاه سعيد السعداء بها. [ولد سنة ست وسبعين وسبعمائة تقريبا، هكذا كما ظهر لي وله مما نستحضره من سنة، ثم أخبرني سيدي يوسف بن تغرى بردى أنه ظهر له أنه ما ولد إلا بعد سنة ثمانين] (٤) كان الشيخ جمال الدين من أرباب المقامات العالية والكرامات الظاهرة، مع التضلع بفنون العلم، مجمعا على محبته وجلاله وعظمته عند جميع أهل المذاهب، وكان عقله أكثر من علمه، وكان لا يأكل إلا من كسب يده.

стр. 557

سمعت ذكره وما كان فيه من الأحوال من غير واحد، وأعظم ذلك أنى سمعت العلامة عزّ الدين المقدسي-وكان دأبه انتقاص الناس غالبا-يصفه بأنه على طريق السلف علما وعملا وبيانا، وبأنه ما رأى مثله وربما قال: إنّ وصفه يقصّر عن رتبته جمعا. وله كراسة في ترجمته منها، أنه قال: أرجو أني إذا وقفت بين يدي الله الحق- ﷻ -لم يقدر أحد يطلبنى بأني أكلت مالا أو تلوثت له بعرض. وقال: صحبت العلماء سنين منها ستة أعوام ما طفئ مصباحى فيها قبل السحر، في درس مختصرات العلم (١)، وكان سيرى فيها السير المبارك، كل يوم من أيامي بسنة من سنى الغير، فما استفدت من مجموع ذلك سوى أني أحطت علما بجهلي. وصحبت الصوفية مدة سنين، فما ارتسمت فيها بشيء من العرفان غير أني حرامي وعملتى ظاهرة، فما رفعت لي رأسا بعدها؛ وكيف يرفع رأسه جاهل حرامى. وكان ورده في بداءة أمره كل يوم ختمة وثلثا ختمة مع طلب العلم. قال (٢): وقال (٣) ﵀: وددت أنه لا يزال في صحبتي فقيه، كلما تحركت بحركة أو تنفست بنفس يقول لي يحل، لا يحل؛ حتى لا أخرج عن الوضع الشرعي، وأقسم بالله أن لفظة شيخ ما أدخلتها أذني، لأنى رأيت الجوهر فما رضيت بعده بالصدف. قال (٤): وكان جل عمله المراقبة بالقلب السليم. وكان من الرحمة والتواضع كالتراب والغيث. وكان قواما في الحق فإذا زجر الظلمة عن مرامهم جاءوا إليه بتنمر وقد ثارت نفوسهم، فليس بينه وبين أن يعدم نفسه وتصرفه أن يجلس بين يديه، فيقول الشيخ: أين هو اطلبوه؛ أي أصحاب النفوس الثائرة والرؤوس الشامخة. فلا يسع ذلك الظالم إلا الخضوع. وهكذا حال من بحثه ممتحنا، وكان إذا صار أحدهم بين يديه أمسك لحيته؛ وتحرك الظالم بعنف والعالم والصالح برفق، فيستلذ أحدهم تلك الحالة. وعوتب يوما على ذلك فقال: والله لو خطر في القلب لعجزت عن فعله. يعنى؛ أنه لا

стр. 558

يفعله إلا كالمضطر. وكان يجتمع به بعض من حصل له كشف، فإذا صار بين يديه عجز عن الأخذ عنه فيفكر في نفسه ذلك الرجل، فيقول له: مثلك مثل الضعيف البصر في الشمس القوية لا يرى شيئا لما يقوى به من الحال. قال: وكان من أكرم الناس وأقواهم جأشا وأزهدهم في المباح، وكان مغناطيس القلوب، بحيث أن من رآه أتبعه بصره غالبا ومن جالسه تعلق به. وأسلم على يده سبعة عشر نصرانيا ويهودي واحد. وقال: ما ولد لي ولد إلا صليت عليه صلاة الموت. وطلب منه أولاده في عيد أن يهبهم ثلاثة دراهم، فقال: بل درهما ونصف، وبكى وقال: من أين لأبيكم ثلاثة حلال، فبكوا. فقال: تدلون على يا أولادي، وعزة رب العزة ما أرجحكم في قلبي عن أولاد المسلمين مقدار ياسمينة. واتفق له أنه عزم على الحج مرة فتكلف جمع ألف درهم فضة، ثم كارى الجمّال ودفعها إليه فحمله نصف بريد (١)، ثم أخذ جماله وذهب إلى بعض شأنه فهرب، فلم يقدر عليه فرجع، ولم يتم له حج في ذلك العام. وأقسم بالله أنه ما تأثر لذلك ولا اختلجت فيه له شعرة. وكان لا يرى بالتأليف، ويقول: يا ما قال الناس. ولكنه في بعض الأوقات إذا تكلم يقول: هذا يكتب بماء الذهب. وكتب الشيخ خليل (٢) القابوني من كلامه نحو مائتي كراس، وكان إذا تكلم في مقام أشهد الحاضرين ذلك المقام وأوقف نفوسهم عليه. قال (٣): وقال (٤): شبهت قلبي مع لساني مثل قدمي مع طرفي، ترى العين بريدا فتنقل الرجل خطوة، والقلب ما يرى من المعاني ما يجل عن الوصف فيتكلم اللسان بكلمة، وإنه لتتوارد عليّ الأجوبة فأريد الكلام بمعنى فيسبقني غيره.

стр. 559

ومن كلامه البديع، وقد سئل من خير الناس؟ فقال: أتقياء الأجناس. وقال: خير الأمة أبرئها ذمة. وقال: إذا رأيت الفقيه طلب الدنيا فاغسل يديك منه. وقال: إن الملوك إذا صحبوا أحدا؛ فإن كان صالحا شغلوه، وإن كان عاصيا هتكوه، وإن كان ذا مال أكلوه، فما يصحبهم عاقل. وقال: عاهدت الله أن لا أوافق عادة أهل الزمان. قال: حدثت (١) عهدا ولا جمعت جماعة ولا رتبت (٢) حزبا ولا وجدت للنفس من حظ من عادة إلا جعلتها وراء الظهر. وسئل عن قوله ﷺ :"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده"الحديث. فقال: إن أمكنه وجب عليه-وبالغ في تأكد الوجوب- وإن لم يمكنه فمن حسن إسلامه تركه فإنه لا يعنيه إلا بقلبه. وقال: الفكر قطب من حسن التكاليف. وسئل عن الحلاج (٣) فقال: إن الحجاج (٤) قتل من العلماء خلقا كثيرا، وشتت شملهم وأبادهم، وقتل كبرائهم كسعيد (٥) بن جبير. وقال أهل العلم عنه: إنه مات مسلما. وقالوا في الحلاج: إنه مات كافرا، فلو أنهم يقولون بالهوى لقالوا فيمن شتت شمل كبرائهم وأبادهم بقتل فضلائهم. وتركوا من لم يشتغل بواحد منهم يوما قط، وإذا ثبت أنهم يقولون بغير الهوى وجب على الناس اتباعهم. وسئل عن ابن عربي (٦) فقال: أما ابن عربي، فإنه لم يوافق ملة من الملل في كفرها، بل كفر كفرا خرق به إجماع الملل وزاد عليهم. قال الشيخ كمال الدين ولده: نقلت هذا الكلام لبعض اتباع ابن عربي المعنيين بطريقته الملازمين لكلامه، فقال: لو كان ابن عربي حيا لقبل بين عيني الشيخ. وقال: إنه لم يعرفني أحد سواك، سرورا بأنه علم أنه اخترع طريقة ما سبق إليها وأبدع من المقال ما لم ينسج له على منوال.

стр. 560

قال: وسئل عن ابن الفارض (١)، فقال: في الصحيح ما يغني عن الجريح، وفي المتفق عليه ما يغني عن المختلف فيه، وفي هذه البيضاء مقنع. على أنه ﵀ لم يستفتح بذكر أحد من هؤلاء ولا مرة في عمره، لكنه لما سئل عنهم في المشهد العام راعى صيانة ظاهر الشريعة. وكان من أصحابه رجل قد ابتلي بالمراء والجدال بالهوى بحيث لا يطول لأحد بعده صحبة؛ حتى ولا جلسة إلا وقع بينهم شر. فقال له: يا سيدي رأيت منك عجبا في طول هذه المدة لم أختلف أنا وأنت في شيء. فقال له: وما موجب الاختلاف. أإذا قلت لك: هذه الشمس طالعة فتقول: لا. قلت: من الجائز أن الله تعالى قد أعمى البعيد، ومن أعماه الله فأنا عاجز عن تبصرته. فكشف عما كان فيه من المراء وتأدب. وكان صاحب كشف يتكلم غالبا مع أصحابه بحسب خواطرهم، فيقول لمن قاول (٢) زوجته: إن الشريك إذا كان أمينا ينبغي أن يغتفر له ما يقع من سوء الأخلاق، ونحو ذلك. وتكلم على النازلة العظمى-فتنة تمرلنك قبل وصوله-بما لو حفظ لبلغ مجلدة، مع كل صاحبة بما سيقع له. فأول ما وقع له في ذلك: أنه رجع من الحج في أول سنة ثلاث (٣) قبل وصول تمر بأشهر-وهو في الشرق إلى الآن-أن ظهر عليه من آثار الكمد شيء عظيم، فسئل عن ذلك فقال: شاهدت البيت في هذه السنة مشاهدة ما وقعت لي فيما مضى من حجاتي، وظهرت لي هذه الكائنة في تلك المشاهدة، فمن أمكنه السفر فليسافر. ثم أخذ أسباب السفر فاكترى، وشرع في التحميل فأتى إليه الشيخ برهان الدين (٤) ابن مفلح فقال له: ما حملك يا سيدي على هذا؟ فقال: الظلم العام وضعف

стр. 561

رؤوس الطبقات، وتولية القفا عند الملتقى. فقال: يا سيدي إن سفرك يهد من الناس أكثر مما تهد منهم هذه النازلة. فأقام، وقال: لئن اجتمع بي ليرين مني شيئا ما رآه من أحد قط، غير أنه لا يراني ولا أراه. فمات قبل دخوله دمشق بأيام قلائل. قال: وسأله الشيخ أحمد الحجيري-بفتح المهملة وكسر الجيم-بالجامع الأموي في الإقامة بدمشق فنهاه عنها، فقال: يا سيدي، إن السلطان قد وصلت طلائعه فبكا وقال: مثله كمثل شخص الجبال يرقص ساعة ويغطس. قال: وأخبرني الشيخ ناصر الدين التنكزي، قال: بينما أنا ورفيقي نتجاذب أمر السفر والإقامة، وهو يقول: والله ما أقيم، وأنا أقول: والله ما أرحل، ويقضي الله أمرا كان مفعولا، وإذا الشيخ قد أقبل فنظر إلى وقال: كل [ما] (١) ملكناه ذاهب، حنن الله عليك القلوب. وقال لرفيقي: لا تبت في البلد. فكان من أمري أنه ما سلم لي شيء قيمته درهم، غير أن الله عطف على القلوب. قال ولده: وخرج مع أصحابه يوم السبت ثالث شهر ربيع الآخرة إلى المقابر، فلما كان بين صلاتي الظهر والعصر، قال: في مثل هذا اليوم أكون تحتها-وأشار إلى الأرض- فمرض يوم الأحد، فكان يقول لولده في أيام مرضه بعد أذان الصبح: هات لي بفلسين ماء حارا من الحمام، فيتوضأ به. فلما كانت ليلة السبت عاشر الشهر قال: من نحو ثلث الليل الأخير: قم هات ماء حارا، ثم ولى ولده على حمام لا يغلق ليلا. فلما توضأ، ثم وضعت بين يديه مخدة وهو في النزع متوجه ذاكر، ويلتفت من نزعه وتوجهه فيقول: أذن؟ يفعل ذلك حينا بعد حين إلى أن قيل: أذن. فركع ركعتين خفيفتين ثم حمل إلى الفرش، فوالله ما استقر رأسه على المخدة حتى خرجت الروح من رجليه. ﵀. واجتمع في جنازته من الخلق ما لا يكاد تحت الحصر، ومشوا على غاية من الخفر والسكينة لا تكاد أنفاسهم تسمع، فضلا عن غير أن يقع كلام. فقال قاضي القضاة علاء الدين بن أبي البقاء-أكرمه الله-بعد موته بما كان يحبه في حياته من السكون ووقع، ولما أدخل لحده كانت في الوقت الذي قال لأصحابه فيه أكون تحتها. ﵀. وكان له من العمر يوم موته ستا وخمسين سنة. ﵀.

стр. 562

حدثني ابن أيوب: أن أباه لما مرض مرض موته سألهم يوما، ما هذا اليوم؟ فقيل: عاشر ربيع الآخرة كما تقوله العامة-بزيادة تاء التأنيث-فقال: عاشر ربيع الآخرة-يعني بفتح الشين والراء على أنه فعل ماض-يشير بذلك إلى موته في ذلك اليوم متفائلا بأنه يصير إلى نعيم الآخرة فكان كذلك. والشيخ جمال الدين فكه المحاضرة، مليح الهادرة، بليغ العبارة، دقيق الإشارة، قل أن جلست إليه إلا ملأ أذني دررا تستحق الكتابة، من ذلك: أنه قال لي إنه لما رأى ما في دولة الظاهر (١) من التقلبات، ورفع الأسافل ووضع الأعالي، وانقلاب الزمان، وتقلب الدهر: لعمري لقد باتت هذه الدولة عن الموت في قطع اللذات. وقال لي: إنه كان في باب البريد من جامع دمشق معبّر أعمى، فجاءه شخص يوما فقال: رأيت في المنام أني أكلت رمانة. فقال: الله! رمانة، وشرع يكرر ذلك ويوهمه أن في هذا أمرا عظيما، حتى زاد تشوف نفس الرائي إلى معرفة تأويله، ثم قال له: هات. فما زال به حتى أخذ منه نصف درهم. ثم قال له: هل أكلتها جميعا أو سقط منك شيء؟ فقال: بل جميعها. فقال: الله الله! وأعاد ما فعل أولا. ثم قال: هات. فأخذ منه ربع درهم. ثم قال له: ما قال المعبرون في تأويل ذلك. ثم لبث برهة، وسأل هل مضى السائل؟ فقيل نعم. فقال: ما أسقع لحيته؟ رمانة لو أكلها في اليقظة اشتراها بفلس قامت عليه في المنام بثلاثة أرباع درهم. وقال لي: إنه لما ولي المستعين بالله العباس (٢) من السلطنة-وكانت ولايته في صفر سنه خمس عشرة وثمانمائة-قيل: عباس بن محمد يحكم في صفر، وحسبت حروف ذلك بالجمّل وجمعت فكانت كعدة السنة التي ولي فيها، وكذا حروف خليفة ملك، فأخبر المستعين بذلك. وقيل: رجع الأمر إلى ما كان عليه واستراح الناس من دولة العجم. فلم يمض على ذلك إلا يسير حتى قبض عليه وسجن حتى مات. [ومات فجأة سابع شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثمانمائة بالقاهرة] (٣)

стр. 563

٣١٧ - عبد الله بن عمر بن إسماعيل الفقيه ابن أحمد البطناوي (١)، المعروف بالفيل، وسبب تلقيبه بذلك أنه صنع فيلا من ثلج، ويعرف بابن الفقيه إسماعيل، وأمه صالحة بنت الشيخ أبي هريرة عبد الرحمن ابن الحافظ أبي هريرة ابن الذهبي. ولد قبل سنة خمس وتسعين وسبعمائة (٢)، بكفر بطنا (٣) من غوطة دمشق. لقيته يوم السبت من عشري جمادي الأولى سنة تسع وخمسين وثمانمائة بجامع كفر بطنا في جماعة من أهل العلم، وأخبرنا أنه سمع جده لأمه لكنه لا يعرف ما سمع عليه، وأجاز لنا جميع ما يجوز له روايته، وأخبرني أنه قرأ على جده الفاتحة، ومن: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ إلى سورة الرحمن. ٣١٨ - عبد الله بن عبد الله بن جمال بن غنائم بن سليم البطناوي، المعروف بابن الجمال. ولد بعد سنة خمس وثمانين وسبعمائة، وأخبر أنه صلّى وراء أبي هريرة ابن الذهبي، وأنه لا يذكر أنه سمع عليه ولا أجازه، لكن الذي يغلب على الظن أنه لا يخلو من سماع عليه. لقيته في التاريخ والمكان مع المذكورين، وأجاز لنا ما يجوز له وعنه روايته. ٣١٩ - عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة ابن علي بن جماعة بن [حازم] (٤) بن صخر الكناني الحموي الأصل المصري الشافعي،

стр. 564

جمال الدين ابن الإمام العالم سراج الدين ابن قاضي القضاة عزّ الدين ابن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة. ولد سنة ست وستين وسبعمائة تقريبا. [مات ليلة الجمعة العشرين من محرم سنة أربعين وثمانمائة] (١) ٣٢٠ - عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن سليمان بن جمال الدين الهيثمي، ولد أخي الحافظ نور الدين (٢) نزيل التربة الظاهرية (٣) برقوق بالصحراء من القاهرة. ولد سنة ستين وسبعمائة. [مات بالقاهرة يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة ودفن من الغد] (٤) ٣٢١ - عبد الله بن محمد بن أبي القاسم بن علي بن فضل بن ثامر - بالمثلثة-ابن إبراهيم العكي الفزاري العبسي اليمنى الحنفي المشهور بالنجري-بفتح النون وسكون الجيم ثم مهملة-نسبة إلى قرية قديمة لا تعرف الآن، يقال أنها كانت لأحد أجداده. ولد في أحد الربيعين سنة خمس وعشرين وثمانمائة في قرية حوث-بضم المهملة وآخره مثلثة-من بلاد عبس، وقرأ بها القرآن. وبحث على والده في النحو والأصلين والفقه، وعلى أخيه علي بن محمد. ثم حج سنة ثمان وأربعين وفي التحريم رحل إلى القاهرة فوصل إليها في ربيع الأول سنة تسع وأربعين، فبحث بها في العربية والنحو والتصريف على الشيخ عمر بن قديد وأبي القاسم النويري، وفي المعاني والبيان على

стр. 565

التقي الشمني، وفي المنطق على الشيخ أبي بكر الحصبي وليس بالسامي، وفي علم الوقت على عبد العزيز الميقاتي، وحضر في الهندسة عند الشيخ أبي الفضل المشدالى البجائي قليلا في أقليدس، ففاضت عليه بركاته فحل غالب الكتاب بمفرده، وكان إذا أشكل عليه فيه شيء راجعه فبينه له. وطالع في الهيئة شرح الشريف الجرجاني على الجغميني، فكان لا يشكل عليه منه إلا قليل. قيل عنه الشيخ أبا الفضل. وكذا التبصرة لجابر بن أفلح. وفي الفقه على الشيخ أمين الدين بن الأقصرائي، والشيخ عبد الرحمن (١) شيخ الظاهرية. وتقدم في غير هذه العلوم، واشتهر فضله وامتد صيته لا سيما في العربية. أنشدني يوم الخميس ثاني عشري ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة بمسجده من رحبة العيد من لفظة لنفسه: بشاطئ حوث من ديار بنى حرب … لقلبى أشجان معذبة قلبي فهل إلى تلك المنازل عودة … فيفرج من همى ويكشف من كربى سألته عن ديار بنى حرب فقال: هم فخذ من عبس-بالباء الموحدة تعرف القرية بهم. ٣٢٢ - عبد الله بن محمد بن أبي جعفر أحمد بن أحمد بن محمد بن علي بن محمد ابن عبد الله بن جعفر بن زيد بن جعفر بن أبي (٢) إبراهيم الممدوح بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الحسيني الإسحاقي الحلبي الشافعي، السيد عفيف الدين-نقيب السادة الأشراف بحلب-ابن السيد الأمير النقيب بدر الدين ابن السيد النقيب الأمير أبى جعفر عزّ الدين، من بيت علم وفضل ودين وله شرف من الجهتين؛ الأب والأم. [ولد في عاشر ربيع الآخر سنة عشر وثمانمائة، ومات بعد سنة ستين] (٣)
следующие страницы →