من رمحه الخطى أفصح ناظم … وحسامه الهندي أبلع ناثر
عجزت نحاة الحرب يوم نزاله … عن كنه أفعال له ومصادر
لا تأتين بحاتم (١) وتذكّره … في مجلس فيه الشريف يحاضر
ذا واحد الكرم الذي لسماحه … في كل كف منه بحر زاخر
يعطي ويبسم في خلال عطائه … كالبرق يضحك في الغمام الماطر
حلل إذ نشرت ملآه نقعه … يوما فما وجه الصباح يسافر
وثنى مثقفة القنا معوجة … فمشى الردى منهن فوق قناطر
كم أضرمت نار الحروب وغادرت … عمرا خرابا دون ملك عامر
قمر يريك جواده من قربه … قمر لنريكة مع بلال الحافر
من محشر ورثوا على رغم العدى … أسمى المعالي كابرا عن كابر
مولاي يا أبا زاهرة من له … مجد على هام السماك الدائر
يهنيك إقبال السعادة والهنا … متضمن العيش الرغيد الناضر
مع دولة جاءت إليك جديدة … أبدية ما إن لها من آخر
وعناية صدرت إليك وكيف لا … تأتي إليك من المليك الظاهر
خذها فتى حسن كعوبا غادة … هيفا تهزأ بالغزال النافر
عربية مع أنها لم ترب في … نجد ولا عبقت بنفحة حاجر
بكر ضرائرها العداة كثيرة … فأعجب لبكر وهي ذات ضرائر
أبيوت شعر أم كؤس سلافة … وسطور مدح أم عقود جواهر
لولا فتى حسن لما جليت على … كفء ولا خطبت بمنحة ماهر
ولكان كسر خبابها أولى لها … من موقف لا يستقال لعاثر
أهديتها عذراء قد جليتها … بعلاك لا بخلاخل وأساور
. (٢) لمومل يرجو الغنى … أو مجرم يرجو سماح الغافر
стр. 597
وقال يمدح السلطان محمد شاه صاحب كنباية (١) وأنشدنيه كذلك: [الرمل]
ضحك الروض بأنواع الزهر … من بكا السحب
وترى المزن على الأرض نشر … وشى برد مذهب (٢)
وعلى الجو من الغيم ردا … وحمام الأيك في الدوح شدا
وكأن الزهر من قطر الدنا … لؤلؤ من سلك عقد انتثر
فوق نسيج الذهب فاكتسى الغصن … ثمارا من ذهب كالنجوم الشهب
لبس الآس وشاحا من أقاح … فكان النور في ضوء الصباح
أكؤس البلور صاغتها الرياح … وترى الأشجار في وقت السحر
مائسات القصب زهرات الحسن … تزهو بالثمر ازدهى معجب
رقت الخمر وقد رق النسيم … فانجلا الدهر سرورا ونعيم
اسقني الصهباء صرفا يا نديم … قهوة في الكأس ترمى بالشرر
عند رقص الحبب بشعاع كاد أن … يغشى البصر شبه نار تلهب
ظنها الساقي لفرط الاحمرار إذ … صبغت في الكأس من ما ونار
بدت في كأسها كالجلنار … فأعتمد للشرب أوقات البكر
من سلاف العنب واستعذ بالله … والندب الأغر من صروف النوب
عمدة الباري محمد شاه من … مهد الدنيا بعدك مؤتمن
وأقام الحق سرا وعلن … فاغتدت أيامه بيضا غرّ
وأضاءت الشهب الرعايا في … أمان مختصر عجمها والمحرب
سيد الخلفا مأمون الحجى … كعبة الجود ومنهاج الرجا
من سجا في مجده السامي نجا … من تصاريف الليالي والغير
فهو زاكى النسب هو ناصر الإسلام … وهّاب النذر ومزيل الكرب
стр. 598
الجواد الندب والملك الذي … مذ نشا در المعالي تغتدى
ذي أياد قال لها الباري: خذي … أنعما شتى وأخلاقا غرر
ماجد منتجب بالمعالي قد تسامى … وافتخر في أجل الرتب
أيها الحضّار في هذا المقام … اسمعوا هذه المعاني والنظام
تعجز الفصحاء عنها والسلام … من عطا البصري سيرها سمر
في سمير الأدب منية الراجين … محمود السير ومفيد الطلب
وصلاة الله على خير الورى … أحمد المختار من أم القرى
صاحب المعراج لما أن سرى … ليلة الإسراء قضى فيها وطر
باحتراق الحجب كلم الرحمن سرا … إذ حضر عند مقترب
[ومات في عصر الاثنين ثاني عشر شوال سنة ستين وثمانمائة في الهند، وصلّى عليه صبح يوم الثلاثاء] (١)
***
стр. 599
٣٥٠ - علي بن إبراهيم بن سليمان بن إبراهيم
(١) يعرف قديما بابن غنيمة-تصغير غنمة للحيوان المعروف-وبالقبانى نسبة إلى الصناعة المعروفة، القاضي نور الدين القليوبى الشافعي.
ولد في رمضان سنة خمس وستين وسبعمائة في قليوب، ثم انتقل به أبوه إلى القاهرة، فقرأ بها القرآن، وحفظ المنهاج [الفرعى] (٢) وعرضه على السراج بن الملقن.
واشتغل بالفقه على السراج البلقيني، وابن الملقن، والشمس القليوبى، والصدر الإبشيطى، وهو أجازه بالتدريس. وناب في الحكم لابن خلدون المالكي [ثم] (٣) لقاضي القضاة عماد الدين الكركي الشافعي ومن بعده، وباشر أمانة الحكم مدة.
وحج سنة سبع وثلاثين، وزار القدس، ودخل الإسكندرية، وأخبرني أنه سمع كتاب:
«الشفاء»، على الدمامينى وغيره، فليطلب من أثباته. وهو حسن الشكالة، وعنده تساهل في أمر القضاء.
سمع على: الجمال عبد اللّه بن علي بن محمد بن خطاب الباجي جميع الميعاد الثالث؛ وأوله من كتاب: دلائل النبوة، للبيهقي، عن سماعه من أول الكتاب إلى حد ما يستثنى على أبى المحاسن يوسف بن الختنى [عن] (٤) لاحق الأرتاحى، عن المبارك بن الطباخ بسنده، ذلك يوم الجمعة سادس عشرى رجب سنة ٧٨٤ (٥) بالمشهد الحسيني بالقاهرة، وأجاز المسمع بسؤال القارئ أحمد بن يوسف بن إبراهيم الأذرعى، ومن خطه في الطبقة نقلت وصحح المسمع. وسمع عليه أيضا جميع المجلدة الثالثة؛ وأولها: باب الهجرة الأولى إلى الحبشة، وينتهى إلى قوله: باب حالقى أصحاب النبي ﷺ من وباء المدينة، سماع الباجي من أول الكتاب إلى آخر هذا المجلد المذكور على البدر أبى المحاسن يوسف بن الجمال عمر بن حسين بن أبي بكر الختنى الحنفي، بقراءة
стр. 600
العلامة تقى الدين السبكي، سوى المجلد الثالث وهو من قوله: باب رضاع النبي ﷺ إلى قوله: جماع أبواب صفة رسول اللّه ﷺ ، ففات الباجي سماعه بسماع الختنى للمقروء عليه من لاحق بسنده في مجلس واحد بمشهد الحسين بالقاهرة في يوم الثلاثاء ثامن شعبان سنة ٧٨٤ هـ بقراءة أحمد بن يوسف الأذرعى، ومن خطه نقلت، وصحح المسمع وأجاز متلفظا.
وسمع النصف الأخير من المجلدة الرابعة، وهو من قوله: باب ما فعل رسول اللّه ﷺ في الغنائم والأسارى إلى آخرها، وهو قوله: خرج في يد عبد اللّه سيفا ويليه قوله: باب ما ذكر في المغازي من حد وقوع عين قتادة بن النعمان، على الجمال أبى محمد عبد اللّه ابن العلامة علاء الدين علي بن خطاب الباجي الشافعي بسماعه لهذه القطعة على الجمال أبى عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن عبد المنعم الكناني المصري-عرف بابن الصواف-بسماعه من أبى الكرم لاحق بن عبد المنعم بن قاسم الأرتاحى بإجازته من الحافظ أبى محمد المبارك بن علي بن الحسين بن الطباخ البغدادي، أنا أبو الحسن عبد القوى بن محمد بن أحمد البيهقي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي الحافظ، فذكره في ذلك في يوم الثلاثاء ٢٢ شعبان سنة ٧٨٤ هـ بمشهد الحسين بالقاهرة بقراءة أحمد بن يوسف بن إبراهيم الأذرعى ومن خطه نقلت، وصحح المسمع (١) وأجاز.
وسمع من المجلدة الخامسة من قوله: باب غزوة بنى النضير إلى آخره، وينتهى عند قوله: غزوة بنى المصطلق، على: الباجي أيضا بسماعه لها على: ابن الصواف، أنا لاحق بقراءة الأذرعى، يوم الخميس ٣ شعبان سنة ٧٨٤ هـ بالمشهد وأجاز، ومن خط القارئ نقلت وصحح المسمع.
[ومات يوم الاثنين سابع شوال سنة خمس وخمسين وثمانمائة بالقاهرة] (٢)
٣٥١ - علىّ بن إبراهيم بن علي المغربي الأصل ثم الدميري، الشهير بالأديب.
стр. 601
ولد سنة سبعين وسبعمائة تقريبا (١) في دميرة (٢) القبلية، وأسلمه والده إلى الشيخ علي بن الوحش يؤدبه، فعلمه الخط وأقرأه إلى سورة الصافات، ثم سافر به أبوه إلى الحجاز وهو صغير، فلما عاد علمه صنعة الأدم، فارتزق منها إلى الآن. وحج سبع مرات، وزار القدس، وتردد إلى القاهرة مرارا، وسكن بها عند أخيه القاضي شهاب الدين أحمد بن الإسكافى.
اجتمعت به يوم الثلاثاء ثامن عشرى شعبان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة بدميرة بالمسجد الأبيض، فأنشدنا لنفسه من لفظه وسمع:
بكى الغيم ضحك الروض … ورأيت في ذا دلائل
والعجب أسقاه دموعو … فضحك من دمع سائل
أصبح الروض عدة ألوان … قمت أميز فيه وأحقق
لبس الكتان قبا أخضر … لكن اتلثم بالأزرق
وحكى استعمال قبا القول … إلى منو المسك يعبق
واقبل البرسيم بشاسو … مثل شيخ جالس ومائل
وعليه طلاب يحيى لو … وصنوف حولوا تسّائل
وحديث القمح حكمه … عندما ويثمر ويبرز
يبق يحكى أقصاب زمرد … إل في عنبر مغرز.
يسق من ماء الغيث يقصب … فيه بزوج الدر طرّز
بشراريب عقد لؤلؤ … وذاويبها سوابل
وشهيب يبقى لنا قوت … وعليه بالسيف نقاتل
وحديث القمح والتبن:
قد رأيت التبن يبكى … ويقول للقمح منّك
كم … جا (٣) ويشكى … حين رماك الخولي في الغيط
стр. 602
عنّك أتحدث وأحكى … وأنت في الطين شبه ميّت
وعليك الناس تساءل … فطلع بالحق منك
كل من لو ذا الفضائل
وبقيت في البرد والريح … والخلائق ينظرونى
ورأيت في الأرض نبات … جت من أجلك يحرسونى
وحملتك فوق راسي … عند إدراكك خدونى
قطعوا وسطى لأجلك … بسكاكين المناجل
وبقيت مربوط ومحمول … حتى جيت للجرن عاجل
نفشونى بالهواجل … والنوارج كسرونى
وأقامونى في أجوال … بعد ما قد طيبونى
وأنت ناسى بالمدارى … حتى منك أفصلونى
فرأيتك رحت طيب … حرثوك في أعلى المنازل
وأنا بعضي راح إلى النار … والبقية في الطوائل
قلت للقمح استمعنى … كان سبب هذا تصدق
لمّا درونى ودروك … كنت ثابت حق
وأنت طعت الريح بجهلك … وال من طاع الهوى أحرق
ورموك في أنجس مواضع … في المرابد والمزابل
وكذا من طاوع الريح … للجحيم مثلك نقاتل
ونصلى يا جماعة … على من لو الضب سلم
والحصا سبّح في كفّه … والبعير جا لو تكلم
وانقسم لو البدر نصّين … وابن مالك جاله واسلم
وبجير أشاع بذكره … في المحاضر والمحافل
و [أبو] (١) جهل انهدم راح … في الجيوشات والجحافل
وأنا على الدميري … غصت في بحر الفكر
حتى نظمت الجواهر … واليواقيت والدرر
وأنت يا معنى غنى … للدميري في مصر
بكى الغيم ضحك الروض … فرأيت في ذا دلائل
والعجب أسقاه دموعو … فضحك من دمع سائل
стр. 603
وأنشدنا بالتاريخ والمكان واقترح بعض الأدباء على وزن من الكرك جاءنا الناصر بشرط أن يكون خمريا ويكون مناقبته وأراد أن يقيده لهم بصنعة أخرى فقال يكون عطار:
راح للمدام أكرع راحك … وعاود العود العطار
وأكرع لما عذر حلوه … كم راح لها واله سكار
أهوى إلا أكحل ألمى … سطى على الأعداء أرماها
وكم وكم كسر حساد … وأهل الملاحة أسماها
أو سلط صارم حول الآس … وكم صوارم أدماها
ولو سلاحه مع طلعه … وورد حوله صار عطار
ولو لما سكر معول عاطر … وكم عطل عطار
٣٥٢ - علىّ بن إبراهيم بن محمد بن عبد الرحيم بن [عبد الكريم] (١) بن عبيد بن
مسلّم بن سلامة الرباوى
الأصل، نسبة إلى قرية الربة-بفتح المهملة وتشديد الموحدة -بكرك الشوبك، الفاضل علاء الدين القدسي قاضيها.
ولد سنة اثنين وسبعين وسبعمائة، وعبيد في أجداده بالتصغير، ومسلّم بتشديد اللام المفتوحة. ولى قضاء القدس في أوائل سنة اثنين وثلاثين وثمانمائة عن الفوعى، بوساطة الشيخ عزّ الدين القدسي شيخ الصلاحية، فاستمر إلى أوائل سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، فصرف بالقاضي ناصر الدين البصروى.
ورحل إلى القاهرة للسعى عليه فلم يجب، فناب عن شيخ الإسلام أبى الفضل ابن حجر في باب الشعرية بواسطة القاضي ولى الدين بن قاسم، ثم رجع إلى القدس في أوائل سنة ست، واستمر.
[ومات سنة إحدى وأربعين وثمانمائة بالقدس في أحد الجماديين فيما أظن] (٢).
стр. 604
٣٥٣ - علىّ بن أبي بكر بن أحمد بن شاور، الشيخ علاء الدين البرلسى [البلطيمى] (١)
الشافعي الضرير.
ولد سنة ست أو سبع وثمانمائة ببلطيم (٢) من البرلس، وقرأ بها غالب القرآن.
وحصل له جدرى في السابعة من عمره فكف، وصار يحضر مجالس الصالحين فحصل له منهم لحظ، وفاضت عليه بركاتهم. ثم قدم عليهم واعظ فكان يخشع في وعظه ويبكى، فأشار عليه بالنقلة من هناك، فانتقل إلى القاهرة فأكمل بها القرآن. ثم انتقل إلى صفد للاشتغال بالعلم، ثم انتقل إلى دمشق لذلك، ثم إلى طرابلس، فحفظ بعض الحاوي، وجوّد القرآن على الشهاب بن البدر المغربي (٣)، وبحث في الفقه على الشمس بن زهرة، وفي الفرائض على البرهان السوبينى، وفي النحو على التقىّ بن الجوبان النحوي. ثم انتقل إلى حمص فأكمل بها حفظ الحاوي، وحفظ غالب الإلمام لابن دقيق العيد، وفرائض الخبرى، ولازم البدر بن العصياتى في الفقه والحساب والفرائض والنحو، وانتفع به كثيرا.
ثم قدم عليه أبوه فردّه إلى البرلس فلم تطب له، فزين لأبويه … (٤)، فانتقل [منها] (٥) إلى القاهرة فنزل بها. وحضر في بحث الأصول وغيره على الشمس البساطى.
ثم حصل بين أبويه فراق، فانتقل بأمه وإخوته إلى دمشق، ثم إلى بعلبك، فبحث في الفقه على البرهان بن المرحل. وسمع الحديث على التاج بن بردس، والنحو على الشهاب القعورى والشمس بن الجوف، والفرائض على: القطب بن الشيخ، وحضر مجلس البرهان ابن البحلاق في التفسير.
ثم رجع إلى دمشق فتولع بجامع (٦)، فكان يبحث فيه على شيخنا المحقق الصالح تاج الدين بن بهادر في حدود سنة تسع وعشرين، وسنه ثلاثين. وكنت أسمع قراءته.
стр. 605
وحصلت بيني وبينه صحبة. ثم انتقلت أنا إلى القدس، ثم القاهرة وحالت بيننا صحارى البعد وفيافى البين، وطال الأمد وما زلت ذاكرا له سائلا عنه متشوقا إلى لقائه، حتى اجتمعنا في سنة ستين وثمانمائة بالقاهرة، فإذا هو قد سافر بعد ذلك إلى الروم مرتين، وأقام نحو عشرين سنة وتعلم لسانهم، وحضر فتح ورنة وكوشوا (١) وقسطنطينية المشهورة الآن باصطنبول. وبحث في الفنون على عدة علماء هناك، منهم الشيخ فخر الدين الرازي وكان أعلم من في تلك الديار.
أنشدني من لفظه لنفسه، يوم الأحد ثاني شهر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وثمانمائة في مسجدى من رحبة باب العيد (٢) بالقاهرة، قصيدة مدح الزين أبا بكر ابن مزهر (٣) وكان إذ ذاك ناظر الإصطبل والجوالى أولها:
ثوى بين أحشائى هوى غاده لها … قوام كغصن البانة الخضل (٤) النضر
ووجه مضيء شفّ عنه لثامه … كما شف رقراق الغمام عن البدر
أقام شعاع الشمس فوق جبينها … براعمه ما اسودّ من ليله الشعر
ومن خدها المحمر في كل مهجة … أفاعيل تقطيع الفؤاد على الجمر
ومن ثغرها راح إذا ما رشفتها … قضيت على عقلي جعلك بالسكر
وإن أومضت برق الثنايا تبسما … حسبت ثناياها حبابا على خمر
إذا ما رنت أهدت لقلب شوت به … شهابا وراستها بخافية السحر
فاصمت بها مغرى حليف صبابة … يطارح في الظلماء نائحة القمر
إذا ما شدت ملت مراسيل أدمعى … فساجل صوبا هلّ من وابل القطر
أناجى هموما شاورتنى وغادرت … فؤادي صريع البحر في ربقة الأسر
стр. 606
تذكرنى عهدا مضى لي برامة … إذا رمت عنه سلوة خاننى صبري
ألفت بها نوحا تراسلنى به … على أنها ليست هنالك من أمرى
منازلها بالرقمتين ومنزلي … ربوع بأكنان المقطم من مصر
نعمت بها بعد التجنى بزورة … غفرت لها ما أسلفتنى يد الدهر
فيا شكر أيام أيادي صنيعها … فواضلها الحسنى تجل عن الحصر
كما أنها رقت على وأنعمت … بزين العلى والعالمين أبى بكر
واستمر هكذا إلى آخرها نظما منسجما جزلا، اللّه أعلم هل هو له أم سرقه؟ فإنه كان يحفظ شعرا كثيرا. وكانت له محاضرات حسنة، ورقة طبع راج بهما حتى اتصل بجانم أخي الأشرف (١) حين كان نائب دمشق في حدود سنة أربع وستين فانتقل لأجل ذلك إلى دمشق، وكان قد استعار منى كتابا فأدركه طبع أهل البرلس بعد إحسانى إليه، فسافر به من غير إذن حتى خلصه منه العلامة نجم الدين ابن قاضى عجلون بعد علاج طويل، واستمر هناك حتى مات بدمشق في [ربيع الأول سنة أربع وسبعين وثمانمائة، ودفن في مقابر الصوفية] (٢).
٣٥٤ - علي بن أبي بكر بن محمد، نور الدين التكرورى المالكي.
ولد سنة خمس وستين وسبعمائة (٣). [ومات في أواخر شهر ربيع الأول أو أوائل شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة بالقاهرة] (٤).
٣٥٥ - علي بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن علىّ، الإمام علاء الدين
القرقشندى
الشافعي.
стр. 607
ولد في أواخر سنة [ثمان و] (١) ثمانين وسبعمائة.
حدثنا بحضرة شيخ الإسلام ابن حجر، وصدقه على ذلك أن الشيخ يعقوب بن التباني قال: كتبت على التلويح للشيخ سعد الدين التفتازاني حاشية سميتها: التصريح على التلويح، فقال له القاضي صدر الدين ابن العجمي على الفور: في التلويح ما يغنى عن التصريح؛ فطرب لذلك الحاضرون، وكان من بدائع الجوابات.
[ومات في أواخر يوم الاثنين مستهل سنة ست وخمسين وثمانمائة بالقاهرة بعد مرض طويل بورم ينتقل في سائر جسده] (٢).
٣٥٦ - علىّ بن أحمد بن خليل بن ناصر بن علىّ بن طيء، الشيخ نور الدين المعروف
أولا بابن السقطي
- بالقاف-ثم بابن البصال.
ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة (٣) بحارة بهاء الدين (٤) من القاهرة، وقرأ بها القرآن وحفظ التبريزي في الفقه، والملحة، وأخبرني أنه عرضهما على الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي صاحب القاموس، والشيخ سراج الدين بن الملقن، والشيخ برهان الدين الأبناسى، وقاضى القضاة برهان الدين بن جماعة، وأنه اشتغل بالفقه على أبى الفتح البلقيني، والشهاب الحسيني والبرهان البيجورى، وأنه حضر دروس السراج البلقيني، وأنه حضر في علم النحو عند الشمس قاضى القضاة [أخو] (٥) أمين الدين، والبرماوى. ووقع في الإنشاء في بيوت الأمراء. وحج سنة ست [وثلاثين] (٦)، وسافر إلى دمشق وما دونها، وزار القدس والخليل، ودخل الإسكندرية ودمياط وطوف ببلاد الصعيد. [مات بالقاهرة في آخر يوم الأربعاء ثالث عشر شهر رجب سنة سبع وأربعين وثمانمائة] (٧).
стр. 608
٣٥٧ - علىّ بن أحمد بن علىّ، القاضي نور الدين السويفى (١)
سمع من البخاري على ابن أبي المجد».
٣٥٨ - علىّ بن أحمد بن علي، نور الدين الفارقي الشاذلي الشافعي (٢)
سمع بعض ابن ماجة على الجوهري والغماري والإبناسى.
٣٥٩ - علىّ بن أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد، الشيخ الإمام العلامة نور الدين
الأنصاري البوشى
نسبة إلى قرية بوش (٣) -بالموحدة والمعجمة-من الوجه القبلي من أدانى الصعيد، الشافعي الشهير قديما بالخطيب
ولد في حدود سنة تسعين وسبعمائة في مصر القديمة، وقرأ بها القرآن وحفظ المنهاج الفقهي (٤)، وألفية ابن مالك، وجمع الجوامع، وعرضهم على جماعة. وبحث في النحو على الشمس العجيمى سبط ابن هشام، وهو يشهر بابن هشام، وعلى الشمس ابن عمار، والشمس الشطنوفى، وجمع. وفي الفقه على التقىّ بن عبد الباري، والزين القمنى، والزكىّ الميدومى، وأثنى عليه جدا الولي العراقي والشمس البرماوى، والنور الآدمي وغيرهم، وأصول الفقه والدين والمنطق والمعاني والبيان على الشمس البساطى، والشمس القاياتى، والشمس بن عبد الرحيم، والشريف على شيخ الباسطية بالمدينة الشريفة. وسمع الحديث على الولىّ العراقي، والنور الآدمي، والزين القمنى وغيرهم.
وانتقل إلى الخانكة (٥) في حدود سنة ثلاثين وثمان مائة، وحج غير مرة وانتفع به الناس بها تدريسا وإفتاء وتصنيفا، وهو الآن يشرح كتاب الأنوار للأردبيلي في الفقه.
مات يوم الاثنين خامس (٦) شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين وثمانمائة بالخانكة،
стр. 609
وفي ذلك اليوم مات الشيخ طاهر (١) المالكي بالقاهرة، وكان كل منهما ريض الأخلاق حسن العشرة. رحمهما اللّه.
٣٦٠ - علىّ بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، الشيخ الصالح الرضى نور الدين بن
البكتمرى الشافعىّ
الشاهد بسويقة الفيل، سبط الشيخ شمس الدين الغماري.
ولد في ربيع الآخر سنة ثمانين وسبعمائة (٢) بالقاهرة، وقرأ بها القرآن، وحفظ العمدة والتنبيه وألفية ابن مالك ومنهاج البيضاوي، وعرضها على الشيخ زين الدين العراقي، والسراج ابن الملقن وغيرهما، وأجازا له.
وأخذ النحو عن الشيخ جمال الدين يوسف الضرير، وعن جده، والفقه عن الشيخ زين الدين الشهالى-بكسر المعجمة وآخره لام-وغيره. والأصول على الكمال الضرير والشهاب ابن المحمرة، وبحث عليه بالشيخونية (٣) جميع جمع الجوامع ومنهاج البيضاوي.
وحج مرتين أولهما سنة خمس عشرة وثمانمائة، ودخل إسكندرية. وهو عين العدول بسويقة الفيل بالقاهرة، كان اللّه له. أجاز باستدعائى وشافهنى. سمع البرهان الشامي والغماري والإبناسى وابن المطرز، وغيرهما.
٣٦١ - علي بن أحمد بن محمد بن سويدان
- بالتصغير-ابن خلف بن ظهير-مكبر- الشيخ نور الدين الشهير بلقب جده المنزلى الشافعي.
ولد سنة ثمانين وسبعمائة تقريبا بمنزلة بنى حسون جوار منية بدران (٤)، وحفظ
стр. 610
القرآن وحفظ العمدة في الأحكام، والملحة، وبعض الحاوي الصغير.
حج ست وثلاثين، وزار القدس مرارا، وسافر إلى دمشق مرارا للتجارة، وكذا إلى القاهرة، وحضر مواعيد السراج البلقيني، ودروس الشمس الغرّاقى-بالمعجمة وتشديد المهملة-والشهاب ابن المجدى، وشمس الدين الحنفي الصوفي، واشتغل في العروض على الشيخ أحمد البجاوى.
اجتمعت به يوم الثلاثاء سابع شهر شعبان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة بجامع منية بدران، فرأيت شيخا وقورا، مقبول الشكل، بهيا فكها، حلو النادرة، وله مشاركة في النحو وغيره، عنده ذكاء وسرعة جواب، وله غوص على النكت، ونظم الشعر الجيد المنسجم، والثناء عنه جميل، واللّه ينفع به. أجاز باستدعائى، وأنشدنا بالجامع المذكور في التاريخ ما صنعه لمن ختم القرآن:
طوبى لمن قرأ القرآن فأحكمه … ولمن وعاه بسمعه وتفهمه
ولمن تهجد في مصلاه به … ولمن تدبره وحل مترجمه
ولمن أحل حلاله وأتى على … تحريم ما فيه الحرام فحرمه
سعد الذي أحنى عليه ضلوعه … وطوى عليه كشحه وتأمّمه
ربحت تجارة من شرى بمنامه … سهرا وأحرز بالتلاوة مغنمه
وغدا يقال له به: اقرأ وارتقى … عدد الحروف بكل حرف سلّمه
والوالدان يلبّسان لأجله … حلل الكرامة يا لها من مكرمه
قد ضلّ من طلب الهدى من غيره … ومنه من طلب الغنى لم يعدمه
غضّا طريّا لا يزال وكلما … كررته يحلو ولن قط تسأمه
قد أعجز الفصحاء فلا منثوره … بمثاله يأتوا (١) ولا منتظمه
أنس الوجود وجنّه لم تقدروا … أن تظفروا من مثله بشريذمه
لو أنزلوه على الجبال رأيتها … من خشية اللّه العظيم مهدمة
لو أن قرآنا به قد سيرت … شم الجبال سعت له مستسلمة
لو أن قرآنا به قد كلم ال … موتى لكان الميت جاء مكلمه
فالمؤمن القارى كأترج له … ريح تطيّب في المجالس مطعمه
стр. 611
والمرء ليس بقارئ (١) … كالتمر حلو ريحه مستكتمه
أهل القرآن هم خواص اللّه من … بين الأنام وهم أهيل المرحمة
الحمد للّه المنزل خير ما … أوحى إلى خير العباد وقومه
صدق النبي ولم يزل متحلّيا … بالصدق في أقواله المستحكمة
خيرى لأهل الأكرمين وخيركم … من علّم القرآن ثمّ علّمه
فإليه منا ألف ألف تحية … نختص مضجعه بها ومخيمه
فلقد هدانا أوضح السبل التي … ... (٢) سالكها عليه مأثمه
فجزاه رب العرش أفضل ما جزى … وأناله من كل خير أعظمه
فهو الذي من نوره شمس الهدى … قد أشرقت من بعد كانت مظلمه
وهو الذي للمرسلين ختامهم … لكن نبوته لهم متقدمه
يا سيدا لمّا ارتقى لمليكه … جعل البراق إلى المعالي سلّمه
أشكو إليك نور نفس أصبحت … علىّ ظالمة ولى متظلمه
عاصيتها زمن الشباب وقد عصت … نى في المشيب وأصبحت متندمه
يا خيرها عن رشد يشهد أن … ليس لها من صالح ومقدّمه
وآها على عصر الشباب فإنه … ليل أضاء وحين أقمر أظلمه
أيام أمرح في مروج اللهو لا … أخشى على نفس الصبا من مظلمه
أيام لا جيد النزاهة عاطل … منى ولا غير الفكاهة معجمه
لو أن دينار الشباب بدرهم الش … يب التقى يوما لزيف درهمه
يا ضيعة العمر الذي أنفقته … في سيرة البطال لا في دلهمه
فبمن أعزك يا محمد في الورى … وأناف قدرك في الوجود وعظمه
فك ابن أحمد من حبائل أسرها … كم مسلم أسرت وكم من مسلمه
فلأنت أكرم شافع ومشفع … ومقامك المحمود يا ما أكرمه
صلّى عليك اللّه ما بكت السما … وأبان زهر في الرياض تبسمه
وعلى صحابتك الذين هم هم … نعم الكواكب في الدجى المظلمة
هكذا أنشدنا: ولن قط تسأمه. فقلت له: قط، إنما يكون الاستغراق ما مضى من الزمان كما صرح به أئمة العربية فينبغي أن تغيرها. فأذعن ذلك الوقت، ثم أصبح يحتج
стр. 612
علىّ بحديث عبد بن زمعة المشهور، وفيه: فلم تره سودة قط. قال: فهذا المراد به نهيها عن أن تراه في المستقبل. فقلت: ليس الأمر كذلك، فقد انقضى كلام النبي ﷺ عند قوله. واحتجبى منه يا سودة. ثم لما حدّث به الصحابي بعد موت سودة ﵂ أخبر أنها امتثلت الأمر، فلم تره من حين الأمر وإلى أن ماتت، وكأنه استمر على خياله ولم يرجع فإنه ما غيرها ولو قال: كررته، استحليته، لن تسأمه، لاستخراج من الاعتراض.
وأنشدنا في المكان ليلة الأربعاء ٧ الشهر في مسجد مبنى على البحر:
فخرت على المساجد طول ليلى … على مر الزمان وفي نهارى
بنانى البحر منفعة وجودا … كأحسن ما ترى والبحر جارى
وأنشدنا في ذلك شخص يقال له «ابن سبع»:
تصوّغ مذ نشا كرما وفضلا … فروّع كل ذي نظر وسمع
فراق نضارة وهو ابن خمس … ورق عبارة وهو ابن سبع
وأنشدنا لذلك مشيرا إلى أن جيم «جراب» مكسورة وقاف «قصعة» مفتوحة:
إذا ما رمت أن تحيا سعيدا … قرير العين ذا خفض ورفعه
فلا تفتح لمؤمن جرابا … ولا تكسر لمن وافاك قصعه
وأنشدنا كذلك:
يا بدر تم أعار جسمي … من سقم جفنيه ألف حله
ها خط دمعي أتاك يروى … له جرير عن ابن مقله
وأنشدنا كذلك:
ومليح أتمنى … طول عمرى منه وصلا
قلت: صلنى، قال: مه لن … قلت: مهلا، قال: مه لا
وأنشدنا يوم الأربعاء ثامن الشهر بسكنه بالمنزلة:
وعارية ملألأة الثنايا … ولكن ثغرها الخمرى كاسى
يقول لي: اصطبر والصبر مرّ … وكيف الصبر عن عار وكأس
стр. 613
وأنشدنا كذلك:
لا عبتها الشطرنج ثم ضربتها … بالرخ شاة سترت بالفيل
قالت: فنفسك، قلت: قد حصنتها … لكن خذي فرسى فداى وفيلى
وأنشدنا كذلك:
برزت بجارية فقلت: ترفقى … بفتى يروم الصلح منك وسالمى
قالت: فلم أبرح مصارمة له … ناديت عودي للّقاء وصارمى
وأنشدنا كذلك:
ومليحة راودتها فتمنعت … عنى فعينى مذ جفتنى ساهره
دارت بدائرة الصدود لصبها … أترى أرى في وسط تلك الدائرة
وكذلك:
تفاحتان بعثت لي فتذكرت … عيناي تفاح الخدود الزاهرة
بهما شطرت قلوب عذالى فيا … قمر الدجى ما أنت إلا شاطره
بهما فجرت عيون حسادى فيا … شمس الضحى ما أنت إلا فاجره
بهما قهرت فؤاد كل معاند … ما منية السودان أنت القاهرة
وكذلك:
شم بارقى بالمعهد المعهود … فلقد أخذت على العهاد عهودى
هطلت سحائب مقلتىّ فأبرقت … فيه بوارق زفرتى ورعودى
قد طل بين طلوله من مدمعى … ما عاد خدى منه كالأخدود
فكأننى بالأمس فيه لم أمس … كالعقد بين ترائب ونهود
حملت ليالي البين من زمن النوى … فولدن كل قطيعة وصدود
ووردن ماء تبعدى عن منيتي … فصدرن عن سقم وعن تسهيدى
عوضن عن أترابه بترابه … ومن النواهد كثرة التنهيد
قف بي على تلك الرسوم به وهل … يجدى الوقوف بها على الجلمود
وسل المناهل عن أهلّتها التي … كانت بها في مشهد مشهود
من كل بدر فوق غصن مايس … بكثيب عهن تحت ورد خدود
كالشمس نورا والغزال تلفتا … والدر ثغرا وايلها في الجيد
стр. 614
تختال عجبا من تختلس الحجا … وتميد حين تبيد كالأملود
أجفانها للبيض أجفان وكم … قدّ باسم قدها مقدود
قالت وقد نظرت إلى سقمى: أما … يكفيك هجرا، قلت: لا بل زيدي
قالت: أعيد لك الذي تعتاده … زمن التصابى، قلت: ذلك عيدى
قالت: فجسمك صفه لي لأعوده … قلت: السقام براه برية عودي
فتبسمت فبكيت قالت: لا ترع … ففنيت بين توعد ووعود
من عاذرى في حبها من عاذل … قد بات يرقبنى بعين حسود
مذ خيمت بالمنحنى من أضلعى … وبحاجر من مهجتي وزرود
أقطعتها وادى عقيق مدامعى … ونزلت عن وادى غضى توقيدى
ووهبتها طيب الكرى من مقلتى … وبذلت فيها طارفى وتليدى
ووقفت بين تغزلى لغزالها … والمدح للداعي إلى التوحيد
أزكى البرية أحمد ومحمد … والمصطفى الممدوح بالمحمود
المورد العذب الذي أضحت به … شمس الهداية في أتم سعود
نور محى ليل الضلال وشق عن … صبح الهدى للخلق خير (١) عمود
لم يخش في مولاه لومة لائم … في قتل طاغ أو جلاء يهودي
أصحابه مثل النجوم من اقتدى … بهم اهتدى للحق في التقليد
سبقوا إلى العليا فحازوا في العلا … قصبات سبق للمرام بعيد
تخذوا الأدارك كالأرائك في الواغى … فمتونها كالمهد في التمهيد
حزموا على كسر العدو فأقبلوا … في رفع ألوية ونصب بنود
نصروا الذي للأنبياء توسل … عند المضيق بظله الممدود
نوح من الطوفان نادى فاستوت … منه سفينته بأعلى الجودى
وبه الخليل دعا الجليل فأطفأت … أنواره نارا من النمرود
موسى الكليم دعى الكريم بجاهه … فنجى وأغرق صدّه إذ نودي
أعظم بدعوة صالح من صالح … صاحت ألا بعدا لقوم ثمود
يا من جميع الرسل يوم معادهم … يمشون تحت لوائه المعقود
وإذا الأوام على الأنام غدا غدوا … متسارعين لحوضه المورود
стр. 615
درّ امتداحك في النظام علا على … أعلى صحاح الجوهر المنقود
قفت القوافي إثر مدحك فاكتست … حبرات مجد كالبسيط يزيد
قصدت قصيدى المدح فيك وما درت … إن امتداحك بيت كل قصيد
فتقنعت خجلا بحلمك وانتمت … لعلىّ جودك يا علىّ الجود
فاغفر وسامح من لمدحك حامد … وأبوه أحمد منه للتحميد
وأنلهما من فوق منزلتيهما … بالمدح منزلتي رضى وسعود
صلّى عليك من اصطفاك لقربه … وحباك منه بحضرة وشهود
وعلى الصحابة وتابعي أتباعهم … ابدأ إلى يوم اللقا الموعود
وأنشدنا كذلك لغزا في إبريق:
ماذا تقولن في شخص له أذن … صماء عند سماع الصب والعذل
يرتاح للراح في حزن وفي فرح … يصبو إلى الصب بعد الصد والملل
تقلد اليد والأبصار تكثره … وفوه من كثرة التقبيل في خجل
كأنه ناصب إحدى يديه على … أردافه واليد الأخرى على البدل
ورفعه جائز حال السكون، ولم … يجز لنا كسره في سائر الملل
مر المذاقة ليس المر يشبهه … لكنّ ريقته أحلى من العسل
وعينه واسمه لا ينكران وفي … تعريف هيئته ضرب على القلل
روى المبرد من تصحيحه جملا … بين البرية في سهل وفي جبل
وأنشدنا كذلك في طيلسان:
كشف الغوامض والألغاز ليس لها … إلا فقيه على حل الرموز على
ثلث اسم من ألغزته في طيه ينتشر … والثلثان معرب على الضمير يخبر
وأنشدنا كذلك في الشيخ الصالح محمود بن علي الصفدي أخي قاضى القضاة بطرابلس ودمشق شمس الدين:
يا غائبا عن عيانى وهو في خلدى … قتلت عبدك من طول البعاد فدى
رأس المحبة قد آوى الغرام بها … وليس في الرأس محمود سوى الصفدي
стр. 616
أشار بذلك إلى عشب يسمى الصفد يجعل في الرأس فيطول الشعر ويحسنه وينفع لأشياء كثيرة.
وأنشدنا كذلك قصيدة سينية وهي:
غصن اعتدالك يا جميلة من غرس … وهلال جبهتك المنيرة من قوس
وسنا محياك الجميل وحسنه … وضياه من أي الكواكب مقتبس
عنت البدور لنور وجهك والقنا … لقوام قدك والملاحة للّعس (١)
أنت اختلست من الغزال تلفتا … عند النفار ومقلة أم هو اختلس؟
لا ما كأن السرب من غزلان وا … دى رامة في سربها إلا كنس
هب أن عين معنفى عن حسنها … عميت فهلا كان يلحقه الخرس؟!
ما خلت أن ضياء نور جبينها … تحت الدجى من شعرها إلا قبس
لم أنس ليلة ودعتني وهي من … حر العتاب على الذهاب تقول: بس
لم يخطر السلوان لمحة بارق … في خاطري زمن الصدود ولا هجس
بين الرضى والسخط منها مثل ما … بين الورى من الانشراح إلى عبس
في قربها وبعادها كم دارس … عمرت وكم من عامر منّى درس
فاحذر من الطرف الكحيل إذا رنا … وحذار ثم حذار منه إذا نعس
كم ليث غاب في الهوى أسرت وكم … من فارس فرسته في ظهر الفرس
لدغت عقارب هجرها قلبي وما … درياقه إلا التحدث عن أنس
كم من حديث قد رواه مصحح … عن سيد الكون المؤيد بالحرس
طه المطهر عرضه ولسانه … وفؤاده من كل غلّ أو دنس
في ليلة الوضع المبارك كم وهي … للأرض من صنم علاها وانتكس
قامت لهيبته الملوك وأذعنت … طوعا لتأخذ أمره لمّا جلس
إن كان عيسى أبرأ الأعمى فكم … من عين برأت به لمّا لمس
أو كانت انبجست لموسى أعين … من صخرة فالماء من إصبعه انبجس
طهّرت بالتوحيد يا أزكى الورى … أسرارنا والمشركون هم النجس
قل للملىّ من القريض اقصر فقد … حكم القريض على مديحك بالغلس
غالى الضريح من المديح إذا التقى … يوما بأيسر معجز منه انوكس
стр. 617
يا سيدا ما حل في قلب امرئ … إلا نأى الشيطان عنه وانخنس
عبد المديح بباب جودك واقف … وكأنه في بحر حجلته (١) انغمس
باع القريض مقصّر في مظهر … عن مدحه وعن التغزل والجلس
لكن يطفّل والكريم إذا أتى … لجنابه متطفل لا يبتئس
فأغث بفضلك ميتا في الحي لم … يبق القلا من شخصه إلا النّفس
واجعل لمنزلة ابن أحمد في غد … بالمدح منزلة بقربك تؤتنس
صلّى عليك اللّه عدة من مشى … فوق البسيطة في الظهيرة والغلس
وعلى صحابتك الذين من اهتدى … يوما بغير هداهم فقد انعكس
ما رنّحت ريح الصبا صبا وما … أرخت عزاليها السماء على اليبس
وأنشدنا كذلك:
ظبي إذا عاينته متبخترا … أبدى ظبا لك من لواحظ طرفه
أو كان فوق جواده فلجوده … أجرا لطالب رفده من طرفه
نصبت لواحظه شراكا في الهوى … نصبا على تمييزه أو ظرفه
فاصطاد حبات القلوب بأسرها … فغدوا أسارى في حبائل ظرفه
وأنشدنا كذلك:
فترت لواحظ أهيف لم تفتر … وأتى بصدق محاسن لم يفتر
حسن الدلال كأنّ وردة خدّه … وقعت عليها نقطة من عنبر
طلق المحيّا والقوام كأنه … بدر تبدى فوق غصن مزهر
هو مالكي ولشافعى من وجهه … خبر عن الزهري دون الأشعري
يروى حديث وصاله عن عزة … ولحاظه تروى لنا على عنبر
ذاك الرضاب عن المبرد قد روى … والثغر يروى عن صحاح الجوهري
فالأبرقان من الثنايا مورد … عذب يحل عن ارتشاف السكر
وهلال جبهته التي ما لاح في … إكليله إلا أغار المشترى
لأشمرنّ عن الذراع وأجتنى … من زهرة الوجنات منه وأجترى
يا أيّ هذا الساحر الطرف الذي … سفك الدماء ويدّعى دعوى البرى
стр. 618
منها:
سقمى يزيد وفضل وجدى خالد … جسدي أبو ذر ودمعي جعفري
حظى سعيد أن فنيت به ولم … أره المسيّب بل سعيد المقبري
وهواي دون الناس فيه محمد … واف علىّ رافع بمعمر
ما أحمد الثقلين إلا أحمد … وأعز محمود وأكرم منذر
طه المبشر نابه عيسى ومن … توارة موسى عنه أخبر مخبر
سيف بن ذي يزن تيقن أنه … سيقطّ هامة كل باغ منكر
ويذل كل منافق ومعاند … ويعز كل مهلل ومكبر
ويقيم للدين الحنيف قواعدا … مرفوعة بين الأسنّة والغر
بعصابة حلق الحديد تدرعوا … وتسربلوا بيض الظبا والسمهر
يصلون نار الحروب كأنما … فتنت لهم ريح الجلاد بعنبر
وكأنهم قد أمهم قمر الدجى … وأمدهم فلق الصباح المسفر
من كل قرم ماجد ندب ند … سمح جواد منجد جلد جرى
شهم شجاع أريحى (١) باسل … بطل مطاع لوذعى (٢) شمّرى
يغشى المنية والمنية تختشى … يوم الوغى تحت العجاج الأكدر
لو مثلت قدنا منيته له … يوما لنا ولها وكم يتأخر
من مثل أبى قحافة أو أبى … حفص وعثمان وهمة حيدر
هم كالنجوم وخير من وطئ الثرى … كالبدر حف بهالة من مغفر
إن أرملوا طعموا وإن ظمئوا همت … لهم أنامله كخمسة أنهر
فرد ولكن للسيادة جامع … وكأنه من جأشه في عسكر
وإذا انتضى صمصمامه ولسانه … لم تدر من أدرى لقطع الأبهر
فحسامه ولسانه وبنانه … للمعتدى والمقتدى والمعسر
كسرت يدا سلطانه وجنوده … كسرى وما أن قصّرت عن قيصر
وتتبعت أثر الذين تتبعوا … سبل الردى من تبع أو حمير
حتى اهتدت عصب الضلال وأذعنت … ونحا طريق الرشد كل محير
ورقى خطيب الدين أشرف منبر … وعلى مؤذنه بأرفع منور
فالعيش أخضر مذ حمى هذا الحمى … بالبيض من ذاك الحمام الأحمر
يا أيهذا الخاتم الرسل الذي … سبقت نبوته جميع الأعصر
стр. 619
عبد المديح ببابه مستشعر … خوفا من الشّعرا ومن لم يشعر
هو أكبر الأحباب فيك وهذه … جهد المقل من العبيد الأصغر
قد طال من تقصيرها تسآلها … عفوا لكل محلق ومقصر
قامت مقامة الاعتذار لأنها … قعدت كثيرا عن مقامات الحريري
هي كالنسيم لطافة لكنها … بمسامع الحساد مثل الصرصرى
عذراء بنت ثلاث عشرة ليلة … تجلو لنا لا بنت تسعة أشهر
وإذا ضرائرها احتجبن تبرجت … كتبرج الحسناء تحت المعجر (١)
فاقت على زهر الكمام لكونها … شغلت بجامع مدح طه الأزهر
مزجت فناظمها وعقد نظامها … كلّ علىّ في مقام البحتري
هو منزل للمنزلى بقربه … بالمدح منزله على من يزدرى
ما المدح إلا رافع بل جابر … كسر الفتى وأبو نعيم المجمر
صلّى وسلم ربنا الهادي على … هادي العباد إلى الطريق الأخير
وعلى صاحبته الذين تفيئوا … ظل النعيم بجاه نهر الكوثر
وأنشدنا كذلك:
آيات حسن أم كئوس جمال … تملى علىّ وتارة تملا لي
آي بدت من سورة في صورة … جلّت عن الإشكال والأشكال
من أهيف قد أرهفت أجفانه … بيض الصفاح بقده العسّال
سكن الفؤاد فبت استملى له … خبر المدامع عن أبي المنهال
متفقه يروى أحاديث الهوى … مرفوعة عن طرفه الغزّال
لم أدر من أىّ الوجوه أصابني … سهم التصدي للهوى القتّال
من وجهه الضحاك أم من لحظه ال … كشاف أم من جفنه القتال
قاضى حسام اللحظ ماض منه في … ماض وفي حال وفي استقبال
لا غرو أن نصب الخيال بمقلتى … نصبا على تمييز ذاك الخال
أنا في ربيع من محاسن وجهه … وهو المحرّم في هواه وصالى
سمعي الأصم ومدمعى رجب الأصب … وطيب نومى أيّما شوال
أصبحت أخطر في رداء تصبّر … بال ولم أخطر له في بال
стр. 620
ما مال غصن البان إلا مذ رأى … إشراق بدر قوامه الميّال
يا عاذلىّ على الهوى وهما على … علميهما من أكبر الجهّال
أهديتما ضيف الملام فعاض عن … طيف الخيال لناظرى الهطّال
لا تبقيا من ماء عذلكما لدى … سمعي بقاء فهو كالغربال
ومنها:
يا منعما إلا على وواصلا … إلا إلىّ ومحسنا إلا لي
هبك استلبت حشاشتى فامنن على … طرفي القريح بضيف طيف خيال
وجدى مقيم واشتياقى مقعد … وتصبرى في أهبة الترحال
إن كان أوصى بالبها لك يوسف … فأبوه كم حزن به أوصى لي
أو كان فيك تغزلى فمدائحى … خصت بأشرف مرسل مفضال
أزكى الورى وأجل من وطئ الثرى … وأعز متلوّ وأكرم تال
أعطاه رب العرش خمسا لم تكن … لسواه في حال من الأحوال
الأرض قد جعلت مسجدا وطهورا … وبرعب شهر نصره متوال
وله الغنائم حلّلت وشفاعة … عمت كما قد عمّ بالإرسال
ولكم له من معجزات أعجزت … كل الورى من كاتب أو قال
[مات بمنزلة بنى حسون المعروفة بمنزلة منية بدران في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة] (١).
٣٦٢ - علىّ بن إسماعيل بن حسن بن أحمد بن يوسف بن عبد اللّه
، نزيل مصر الشافعي الشهير بنقيش.
ولد في حلب سنة خمس وخمسين وسبعمائة تقريبا، وقرأ قليلا من القرآن، وسافر إلى القاهرة قبل القرن، ثم لما جاءت فتنة تمر (٢) انتقل إليها فقطنها. وحج وجاور وزار القدس كثيرا والخليل، وكان طلع على وجهه جدرى فبقى أثره فيه، فلقبوه نقيشا، فشهر بذلك. وخالط الأدباء وطارح الشعراء، فنظم في البحور ومهر في الزجل، حتى فاق الأقران، وسبق في حلبة الأدب فحول البرهان.
стр. 621
لقيته في دكانه بالكعكيين (١) من القاهرة في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثمانمائة، وهو شيخ هم، ردئ الهيئة والمنظر، يحسبه من يراه لا يحسن الكلام المتعارف، فإذا نطق كان كالبحر وأتى بالغرائب، باعه في الأدب طويل ومادته واسعة وذوقه نهاية، وهو يرتزق ببيع الكعك، وله همة حسنة وعنده شرف.
أنشدني هاهنا فأعطيته شيئا فما أجده إلا بعد مراجعة كثيرة، وأنشدني في التاريخ لنفسه مضمنا:
ولمّا أنعمت ليلى بليل … بطيب الوصل مذ شط المزار
حديث خرافة يا أم عمرو … كلام الليل يمحوه النهار
وأنشدني كذلك مقتبسا:
عيون الحب ما للكحل فيكم … وما للسحر في الأجفان سار
تبارك من توفاكم بليل … ويعلم ما جرحتم بالنهار
وأنشدني كذلك زجلا:
من نحبو جار على ضعفي … نصطبر والصبر لي أجمل
وإن لم اتصبر عليه وإلا قل … لي أيش في يدي ما نعمل
صدفه صبتو قلت لو باللّه … يا من أحرم ناظرى يغفى
في التميم نشتهي قبلة … يا من اختار بالجفا خلفي
قال: وأنا منك نريد خصلة … أن تبين للأنام ظرافى
قلت: قست الغصن لا قدك … صبت قدك في القياس أعدل
والصباح من نور ضيا فرقك … والظلام من سعدك المسبل
قال لي: قست الغصن لا قدى … قلت: أنا أخطيت في قياس قدك
قل وقلت: البدر يشبهني … قلت: سامح بالخطا عبدك
قال: نريد أن نهجرك حتى … أن نقيف يا عبد في حدك
قلت: أيش الذنب يا ولدى … قل لي: باللّه وأيش تريد تعمل
стр. 622
من نقيص ناقص إلى كامل … وتريد بذا الخطاه تحمل
قلت: آه ما أظلم أجفانك … قال: وما أعدل رشيق قدى
قلت: لو ما مر هجرانك … قال: ما أحلى الوصل من سعدى
قلت: أنا من بعض غلمانك … قال: نريد بعذرك جهدي
قلت: عذبنى وزيد قال لي … احمل إن كان تستطيع تحمل
قلت: نقتل في هواك قال لي … وأيش نبا لي بيك دعك تقتل
قلت: أنت سلطان صلاح عصرك … قال: نعم كل الملاح جندي
قلت: يوسف أنت في مصرك … قال: ويعقوب أنت من بعدى
قلت: قصدي ما حوى ثغرك … قال: وهجرك منتهى قصدي
قلت: هبني قبل في خدك … قال: نخاف عا الذي قبّل
قلت: أيش يجرا عليه قال لي: … من سهام ألحاظ لا يقتل
قلت: يا غصن النقا قال لي: … والغصون من قامتى تقصف
قلت: يا شمس الضحى قال لي: … والشموس من طلعتى تكسف
قلت: بوّرت القمر قال لي: … والقمر عند الكمال يخسف
قلت: لو قد صرت في التشبيه … دلني يا حب أيش اعمل
قال: تريد يا عاشقى تخضع … في المحبا لي وتدلل
قلت: لو جننتنى قال لي: … من عشقنى حق يتجنن
قلت: يا غبنى ذا بعشقه … قال: محبي قط ما يغبن
قلت: لو أحزنى الفراق قال لي: … والفراق مثلك كثير أحزن
قلت: لو يا غصنى الزاهر … قتل مثلي في هواك يحمل
قال لي: اصبر قلت: ضع صبري … قال لي: احمل قلت كم نحمل
قلت: لو قطعت أسبابى … قال: ودع ينقطع أسبابك
قلت: قد صار البكا دأبى … قال: ودع يبقى البكا دأبك
قلت: آه لو كنت تعنى بي … قال تموت باليأس ينعنى بك
قلت: قصة هجر يا حبى … ما لها آخر ولا أول
حرت أيش أعمل في ذا القصة … قال لي: روح أيش ما اشتهيت أعمل
قلت: آه من كسرة أجفانك … قال: بها يا عاشقى أبصر
قلت: قد الرمح قد زانك … قال: ومن لحظى سيوف تشهر
قلت: نسهر ليل من شانك … قال: ومن حب القمر يسهر
стр. 623
قلت: من عسل ترى ريقك … قال: تدرى ريق من عسل
قلت: من هو: قال لي يا عاقل … الذي لأجفانى قد كسل
قلت: يا قلبي الشقي المتعوب … قال: ودعني أشقى ودعني أتعب
قلت: تغلب في الهوى ما عوقل … قال: ودعني في هواه نغلب
قلت: عشقو صعب يا قلبي … قال: سلوى عن هواه أصعب
فليت سهم اللحظ يعبث بي … قال لي: حسك بي تكون تجهل
قلت جانى مقتلى قال لي: … وهو ما يقصد سوى المقتل
النقيش أسمى وذا نظمى … في الأدب سكر حلو رايق
ليس تجد في ذا الوجود مثلو … وأنا في ذا المقال صادق
والمليح لما قصد هجره … صرت أقول في المطلع اللائق
من نحبو جار على ضعفي … نصطبر والصبر لي أجمل
وإن لم أتصبر عليه وإلا … قال: إيش في يد ما نعمل
مرض نقيش هذا بعد لقائي له بيسير مرضا، احتاج في علاجه إلى لزوم المكث داخل الحمام، ثم انقطع عنى خبره وكأنه مات (١).
٣٦٣ - علىّ بن إسماعيل بن محمد بن بردس بن نصر بن بردس بن رسلان البعلى،
المؤذن بجامع الحنابلة بها.
ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة (٢).
[ومات في العشر الأخير من ذي الحجة سنة خمس وأربعين وثمانمائة ببعلبك، ثم رأيت بخط النجم: أن موته كان بدمشق فجأة يوم الثلاثاء العشرين من ذي الحجة، ودفن بتربة الشيخ رسلان] (٣).
стр. 624
٣٦٤ - علىّ بن بردبك الفخري الحنفي
، أبوه من مماليك الناصر فرج (١) بن برقوق.
ولد في شهر صفر من سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة في القاهرة، وحفظ القرآن، وحفظ القدوري [في الفقه] (٢)، وألفية وكافية ابن الحاجب في النحو، وأخذ الفقه عن التقىّ الشمنى، والنحو والتصريف عن الشيخ عمر بن قديد، ولازم التقىّ أبا بكر الحصني؛ فسمع عليه غالب ما قرئ عليه في أصول الدين والفقه والمنطق والحكمة والجدل والمعاني والبيان والتصريف، وأخذ حساب الغبار عن الشمنى والمفتوح عنه، وعن الشريف القرمى. والعروض عن الشهاب الأبشيطى، والشمنى. وحضر دروس الشيخ أبى الفضل [المغربي] (٣) من الكافية [الشافية] (٤) لابن مالك. ولازم المشايخ إلى أن فاق الأقران في زمن يسير، مع الاسترواح وقلة الكتب، وله ذهن فائق، وفهم رائق، وقريحة وقّادة، وفكرة منقادة، وطبع سليم، ونظر مستقيم.
ومات في نصف (٥) رمضان سنة اثنين وسبعين وثمانمائة بعد أن برص ولم يتحصل من الدنيا على طائل.
ونظم الشعر الحسن. أنشدني في ذي القعدة سنة ست وستين وثمانمائة من نظمه في مليح اسمه ولى الدين، على شفته عنده خيلان:
جنة الخلد بالمكاره حفت … وسلاف الرحيق بالسيئات
فعجبا لجنتى وجنتيه … كيف حفّا بخالص الشهوات
ولخمر بثغره حرموها … حيث صارت تحف بالحسنات
لا عجيب من الولي إذا ما … منه تبدو خوارق العادات
стр. 625
٣٦٥ - علىّ بن جمعة بن أبي بكر البغدادي
، خادم مقام الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، هو وآباؤه.
أخبرني بما يدل على أنه ولد سنة خمسين وسبعمائة أو بعدها، وأن سلفه ناس صالحون، وأنه كان لجده أخ اسمه عبد الملك، كان يركب السباع. ونشأ الشيخ على في بغداد، وتعلم صنائع، ثمّ ساح في البلاد، وطوف العراق والبحرين والهند وأرض العجم وما وراء النهر.
وأخبرني أنه رأى دمدمكى (١) بقريته المسماة باسمه، وهو الشيخ الذي شاع بين الناس أنه مات في التشهد، وأنه لم يدفن بل ترك جالسا في مكانه على حاله، وأنه إذا ذكر اللّه اهتز؛ فأخبرني أنه شاهده يهتز إذا قيل التحيات للّه والصلوات والطيبات واللّه أعلم.
وأنا لا أخشى أنه يكذب؛ فإنه صادق اللهجة، وإنما أخشى أن يكون ليس عليه، لسلامة صدره، وعدم تيقظه لمكر أهل الزوايا.
ثم حج وطوف البلاد الشامية، ثم قدم القدس وسكن به، وبالخليل ونابلس، وطوف في تلك البلاد، ثمّ قدم القاهرة وسكنها، وطوف في ريفها وارتزق بها من صنعة الشرائط.
وشاهدته بخط الخريزاتيين بين القصرين تجاه الظاهرية (٢) العتيقة يصنع ذلك. وشاع عنه في سنة ٨٤٤ أن السباع إذا مرّ بها السبّاعون عليه تأتيه تتلمس به على هيئة السلام عليه، فذهبت فشاهدت الأسد أتى إليه، فاعتنقه الأسد وشرع يحن إليه حنينا متصلا، وينقل رأسه من جانب عنقه الأيسر إلى جانبها الأيمن وبالعكس، ويتمسح به ويخرج لسانه كأنه يريد أن يلحسه، ولا يلحسه … (٣) إلا بحالة من ذهب واحدها، ثم وجدته بعد يأس وطول مدة، وطال الأمر على السبّاعين؛ فشرع أحدهم يرفع الأسد ليذهبوا به فلا يقدر، فقال له:
стр. 626
رفيقه اتركه لا يجرحك، وطال أيضا على الأسد وقوفه على الأرض؛ فطلع إلى دكان الشيخ علىّ وربض بها، فصارت رجلاه وعجزه في الدكان ويداه على كتفيه، وهو معانق له يحن إليه والشيخ علىّ يملّس على الأسد، ثم رفع الشيخ يد الأسد عن كتفه، وقال له:
نعمة ورفعة، فأخذه السبّاعون وذهبوا.
ثمّ شاهدت مرة أخرى السبّاعين أتوا بأسد من الجانب الذي تجاه دكانه، كأنهم يريدون أن يبعدوا بالأسد عنه ليعموا عليه أمره فينساه، فشرع يجذبهم إلى جهته جذبا منكرا وهم يسحبونه بالسلاسل إلى خلف، وهو لا يزاد إلا قوة في الجذب ويتقدم، فلما قرب منه صاح عليهم الناس ليطلقوه، ففعلوا، فأسرع الذهاب إليه واعتنقه وشرع يحن حنينا أقوى من الأول، فسألت الثقات المتثبتين من جيرانه في السوق الذين جاوروه نيفا وعشرين سنة عن دينه، فأخبروني: أنه يلازم الصلاة في أول وقتها مع الجماعة، وأنه كثير الذكر وأن ذكره تحن إليه القلوب وتخشع عند سماعه النفوس، ثم سمعت ذكره فوجدته لعمري كذلك، لا يظهر عليه تغير بكثرة اجتماع الناس، ولا يقلقهم. وأخبروني أنه إذا باع بيعة بدرهم ونصف، وأخرى بثلاثة أرباع مثلا، يسألهم أن يحسبوا له ذلك لعدم معرفته به، وأنه شديد الانقباض عن الناس، وفي خلقه حده، فكانوا في أوائل سكناه عندهم يثقلون عليه بالكلام فيتبرم منهم، وتظهر عليه تلك الحدة، فنسبوه إلى الجنون، وأنهم لم يروا عليه ما ينكر في بيع ولا غيره، ولا جربوا عليه كذبة.
فاجتمعت به وسألته الدعاء؛ فدعا لي دعاء منه: أن اللّه تعالى يؤيدني من فضله.
وسأله شخص بحضرتي عن رأس ماله، فقال: سبعة دراهم ونصف يعنى فلوسا، والذي في دكانه شاهد بذلك، فأعطيته قطعة فضة بنحو الاثني عشر فأخذه، وأخبرت بعد ذلك أن ناسا أعطوه فلم يقبل منهم، وأنه لما أخذ منى كان عليه ديّن صرفه فيه.
دعوته إلى مسجدى فأبى، فقلت له الحديث الذي فيه: «لو دعيت إلى كراع لأجبت». وقيل له أنى لست من أهل الدنيا؛ بل منقطع إلى اللّه تعالى اشتغل بالعلم فأجاب، وأطعمته فأكل عندي، وسألته عن نسبه، فأملاه علىّ. وسألته عن سبب مجيء السباع إليه في السنة المذكورة مع طول إقامته قبل ذلك بالقاهرة ولم يأتوه. فأخبرني وهو يظهر كراهة عليه الإخبار بذلك، أنه تقاول مع امرأة له فلعنت والديه، فقال لها: لا تلعنى، فإن بعض أجدادي كان يركب الأسد، وطلقها. وزاد أذى جيرانه في السوق له فقال
стр. 627
لبعضهم: كف عنى وإلا ربطت لك الأسد هنا. فاستخفوا به، فلما مرّ عليه الأسد قال له:
تعال. فجاءه. ثمّ صار كلما مرّ أسد دعاه فيجيء، ثمّ صاروا يأتونه بلا دعاء.
وهو شيخ منور، عليه سكينة، كثير التواضع والهضم لنفسه، والإظهار لمن يجتمع به أنه في بركة أهل العلم ونحو ذلك من الكلام، ولا يخلو من بله غير قليل. وشرع غالب العامة ومن في معناهم من الطلبة يتوقفون في أمره وينكرون عليه إظهار هذا الأمر، أو حكايته له في بعض الأوقات مع مبادرتهم إلى اعتقاد من يزينه لهم إبليس؛ ممن يكشف عورته ويتكلم بالهذيان، ولا ينكرون عليه لعمري صريح المعاصي؛ بل يعتذرون عنه بأنه يخرب على نفسه، يعنون أنه يفعل ما يغطى به أمر ولايته. ولهم في مثل هذا أحوال شديدة النكارة منابذة لشرائع الإسلام، ولا سيما إن خلط هذيانه بما يدل على كشف بل ولو لم يكن في كلامه ذلك، فإنهم يصرفونه إليه، ويرتكبون فيه التآويل البعيدة، ولا شك أن هذا إذا كان مقصودا له يمكن أن يكون من الشياطين باستراق السمع أو نحو ذلك. وأما حذّاق الطلبة الذين جملهم اللّه بنور العلم فلم أر أحد منهم يشك في صلاحه. فكان توقف المحجوبين بظلمات الجهل فيه، واعتقاد أولى البصائر من الأدلة على خيره، نفعنا اللّه وإياكم ببركات الصالحين أجمعين. وحمل السكن بعض الناس أن سأله التوجه معه إلى زاوية كنفوش وأدخله إلى الأسد الذي بها، ورأيته أنا-وهو كبير-فصنع معه من المعانقة والخضوع ما صنع غيره، وشاع الخبر بذلك. وممن حدثني به الشيخ على نفسه.
ثم صار الناس بعد ذلك يجتمعون عليه وهو في دكانه، ويزدحمون حتى يتضرر بذلك ويسألهم التفرق عنه، ويقول لهم إنه بطال، ونحو ذلك من العبارات التي يريد بها تزهيديهم فيه. ثم أخبرني بعض أصحابي من طلبة العلم: أن شخصا من جيران الشيخ علىّ حكى أنه سمع بقوله لزوجته عن ركوب بعض أجداده السبع في حين مقاولتهما. ثم أخبرني غير واحد ممن أثق به من جيرانه في السوق، منهم الذي كانت المقاولة معه أن الشيخ علىّ قال لهم ذلك، كما حكى لي وحلف لي بعضهم على ذلك باللّه وبالطلاق من زوجته، وقالوا: إن شخصا منهم كثير المزاح رصد الأسد حتى مرّ عليه، وقال له: يا شيخ علىّ هذا السبع قل له يجئ إليك؛ فقال له: تعال. وأشار إلى الأسد فجاء. قالوا:
فتعجبنا من ذلك ولكن لم يبلغ منا مبلغا كبيرا، وصار بعضنا يقول: هذا الأسد مربوط الفم، يدعو غيره. فصار كلما مرّ أسد دعاه فيجيء وأفواههم محلولة، فخضعنا جميعا
стр. 628
وقمنا من دكاكيننا نستعظفه، فقام هو أيضا من دكانه قائما وكشف رأسه ودعا لنا: فلا تتفرقون. فأخبرني من أثق به من طلبه العلم أنه سمعه يقول لهم: ما رأيتم شيطانا [ذاكرا] (١) غيرى. واستمرت الأسود تأتى إليه نحو خمسة أشهر من سنة أربع وأربعين، حتى كثر زحام الناس عليه لا سيما عند مجيء الأسد، فأخبرني في يوم الأربعاء رابع ذي الحجة أنه أخبر أنهم حلوا عن منديل شخص ذهبا وأخذوه، وكسر لبعض جيرانه أساور زجاج، واستشارنى في أنه إذا أحس مجيء الأسد يدخل إلى المدرسة الظاهرية العتيقة، فأشرت عليه بذلك وأعلمته أنى كنت أشتهي انقطاع ذلك عنه، وحمدت اللّه على إلهامه ما وقع في خاطري، وفي هذا اليوم أخبرت أنه فعل ذلك لما سمع بقرب الأسد.
[ومات يوم الأربعاء عاشر شهر رمضان سنة ثمان وستين وثمانمائة على ما بلغني بالقاهرة] (٢).
٣٦٦ - علىّ (٣) بن أبي على حسن بن أبي سريع عجلان بن أبي عرادة رميثة بن أبي
نمى محمد بن أبي سعد
، المكنى أبا علىّ، ابن أبي حسن علي بن أبي عزيز قتادة بن أبي مالك إدريس بن مطاعن بن أبي راجح عبد الكريم بن أبي فاضل عيسى بن أبي على حسين بن سليمان بن علي بن عبد اللّه بن محمد بن موسى بن عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو من جهة الأم ابن فاطمة بنت السلطان عنان بن مغامس بن رميثة المذكور.
ولد سنة سبع وثمانمائة تقريبا بمكة المشرفة، وحفظ القرآن بها، ونشأ بها وقرئ عنده البخاري مرارا، واشتغل بالصرف، ونشأ على الشجاعة البالغة، واستمر إلى أن ولى أمر مكة عن أخيه بركات سادس عشر جمادى الأولى سنة خمس وأربعين.
وسافر إلى مكة ثاني عشرى رجب منها، واستمر إلى أن نقل أعداؤه عنه أشياء أو غروا بها قلب السلطان الظاهر جقمق، فقبض عليه وعلى أخيه إبراهيم وبعض جماعتهم يوم
стр. 629
الثلاثاء رابع شوال سنة ست وأربعين، وقدم بهم في البحر إلى الطور، فوصلوا إلى القاهرة ثاني عشر ذي الحجة من السنة، فوضعوا في برج في القلعة، فلقيته به يوم الجمعة رابع عشر شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين.
وأنشدني قصيدة له طويلة جدا جزلة الألفاظ عذبتها، جيدة المعاني فحلتها، متمكنة القوافي غير أن اللحن بها فاش لعدم إلمامه بعلم النحو، منها:
وإن نال العلا قوم بقوم … رقيت علوها فردا وحيدا
ومنها:
وقد جاء في كتاب اللّه صدقا … يقول عزّ قائله الحميدا
ترى الحسنات نجزيها بخير … وبالسيّئات سيّات ستودى
وواعد أن بعد العسر يسرا … فلا عزّ يدوم ولا سعودا
وأنشدنا الشريف علىّ المذكور في البرج في التاريخ:
مراقي المجد والرتب العوالي … ببذل النفس في سوق المعالي
ووطئ المصعبات بلا توانى … عن الأخطار فالمطلوب غالى
ومن يك شأنه عند الثريا … فلا يصغى لقول أو قالى
ومنها:
ترا ذا يستوى وكذا يسوّى … ويحسب ما يكون من النوالى
وليس بقدرة الإنسان شئ … سوى ما قد قضى مولى الموالى
فإن قدّر الإله له بخير … ينله بلا اجتهاد ولا احتيال
وما الإنسان إلا شبه ظل … يزول ولم يكن ذاك الخيال
ومنها:
وزاحم بالمناكب من تعادى … وأعقب ما تقول ولا تبال
стр. 630
ومنها:
وخاطر فأنت محروس موقّى … إلى حين فلا تخش وبال
واصبر ساعة فالصبر مر … وليس يسوغه من كان خالى
فمن يكن العلاء له مراما … فذاك أسيرها في كل حال
ومن عشق الصعود إلى علوّ … فطعم المر في المطلوب حالي
وبعد الصبر عند بلوغ قصد … يحول مذاقه مثل الزلال
فإن يسعفك من مولاك رشد … فهو المطلوب عن فان وبال
فباب الجود مفتوح لداع … وليس سواه يدعى بابتهال
وليس مع الإله جواد معطى … لما منع الإله من النوال
ولا منّاع ما يعطى قدير … فلا ثان له في كل حال
فآيته أمات بها وأحيا … وأغنى من يشاء بلا سؤال
وإن لم يقدر الباري بشئ … فقد نبّئت عذرك في الفعال
فليس يلام من يعدى جهودا … ولم ينم الهواجر والليالي
ولا يثنى على أرض الدنايا … قنوع مهتنى برد الظلال
وليس على الفتى لوم إذا لم … يساعد من مليك قد وآل
فقلت: ولم تنم أعوام عيني … ولا قلبي عن المطلوب سالى
ولا سمعي يلد له استماع … بشئ دون ترجمة المعالي
بعيد صلاة مغربها عشاء … إذا ما صوّت الداعي بعال
إذا ما سرتم عشرا وعشرا … وعشرا بعد عشر للوصال
وأشرفتم ضحى روس الثنايا … ولبّيتم بأصوات عوالي
وإذ جئتم لأبطحها وفزتم … بنيل القصد فاغتنموا الوصال
فمن باب السلام لكم قدوم … إلى بيت المهيمن ذي الجلال
فيا طوبى لليلى ثم طوبى … لمن جا زائرا يبغى النوال
وقد رفع النقاب نقاب سلمى … وشمرت الذيول عن الجمال
وازدحموا على حال لسعدى … كورد … (١) قربوا ليالي
وطافوا سبع ثم سعوا وقصوا … وحلوا بعد حرمهم الحلال
وأوفيتم مناسككم ببيت … شريف لا يقاس له مثال
стр. 631
ففي ملقى الشعابة من جياد … قصور شوامخ شمّ عوال
منازل عرمة من روس قومي … شجاك الضد إذا ما الحرب شالى
أسود الغاب حاميين المحلى … زبون جواذى دن ثقال
ومن آل رميثة بن أبي نمى … مقاديم على دان وعال
فخصّ أبا زهير خذام … بتسليمى إذا عقد المضالى
وقبل كفه وابلغه منى … كتابا يحتوى صدق المقال
وبت على الملا يدعى يديها … كنظم جواهر درر لآل
وقل يا ابا زهير أتى حديث … تراواه الثقات من الرجال
بأن أبا خذام أتاك يبغى … أمورا قد سمت عنها الموالى
وقد كسبت أيادي أبا خذام … فجاءك مبينا ظفرا يلالى
بأوراق بكته لمن لا … على به زرا في كل حال
فإن كانت إلى حسنى فإني … قميء بما أقول وما يقال
وإن لك كتبت لصلات رحم … فلا خطأ بذاك ولا ضلال
وليس على ينقد ذا البيت سليم … من الريا لكم ولا لي
ولا نكرا ولا عجب وغيب … فيشمتكم ويضحككم مثالي
فلا واللّه يا عبد المقاوى … وزين المرهقين من النوالى
يحيك الضحك والتشميت فيمن … يجرعكم مذاقا للرحال
ولا من رام ما قد رمت جرعا … وإلا فالنعال (١)
وليس إلى أياديكم سرورا … عن الأقوال يفكر أو يبالي
وقد أوهمتكم وأنا بمصر … فعدتم عن بلادكم بحالي
وصرت حيال أعينكم وصرتم … ترد لي في المنام مع الخيال
ولم تهنوا الربيع ولا التلاهى … ببدرىّ الصقور والاشتغال
ماحشتم (٢) من أعوام سيغدو … بلا سكر يعد ولا جمال
فإن نلت الذي أرجو بقوم … شراكسة غنين عن الفعال
وسعد أبي سعيد نال مثلي … بمثلهم المراتب والمعالي
وإلا إن أشرافى شريفا … بموكبى الدقيسى غنم حال
وباب مدرج إن جئت فجر … أو باب القلة الثاني بدا لي
стр. 632
وباب القصر والأجناد عنى … يمين في اليمين وعن شمال
وقاعة قصر أبلغها إذا ما … وصلت لعلمه بهم اتصالى
وإن أعوزت من هذا وديا … وجئتكم فلى سعدى وفا لي
ولي معكم بهاجرى جديد … إذا لي مسعف لبى مقالى
ثم إن السلطان نقله مع أخيه وجماعته إلى الإسكندرية، ولقيته بها سنة خمسين وثمانمائة، ثم نقلهم إلى دمياط؛ فمات بها في طاعون سنة ثلاث وخمسين شهيدا- ﵀ وعفى عنه-وتعلم بها طرفا صالحا من العربية، ونظم النظم الحسن منه قصيدة على وزن «بانت سعاد» ورويها وقافيتها أجاد فيها.
٣٦٧ - علىّ بن عبد الحميد بن علي المغربي
الأصل، الغزي المولد والمنشأ، حصل له رمد قديم بعينيه منعه الكتابة.
ولد ....... (١) واشتغل بالنظم من البحور والفنون فأجاده، اجتمعت به بعد سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة مرارا وسمعت من نظمه كثيرا، وكتب لي بالإجازة، وهو القائل:
سار الأحبة قلت لما ودعوا … حركت ساكن لوعتى ما بيننا
قالوا: تمنى قبل حث ركابنا … فأجبتهم اللّه يجمع بيننا
[مات بغزة سنة خمسين وثمانمائة على ما بلغني] (٢).
٣٦٨ - علىّ بن عبد الرحمن بن محمد، الشيخ نور الدين الشلقامى
الشافعىّ، الإمام العالم.
ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة (٣).
[مات في عجرود في أواخر العشر الأوسط من محرم سنة اثنتين وأربعين] (٤).
стр. 633
٣٦٩ - علىّ بن عبد العزيز بن يوسف، الشيخ علاء الدين الرومىّ
الأصل الحلبىّ البانقوسي (١) الحنفي، الشهير بالشيخ علي بن فاقرة-بالفاء ثم القاف بعده مهملة، ويعرف أيضا باليتيم-بالتصغير والتثقيل-الشيخ الصالح الزاهد الفاضل.
ولد [في شهر ربيع الأول] (٢) سنة ثمان وخمسين وسبعمائة.
٣٧٠ - علىّ بن علىّ بن ناصر (٣) بن أحمد بن الحاج نصر بن علاء الدين بن نور الدين
ابن الفقيه، ناصر الدين الجوجرى
، المعروف بجده الشافعىّ.
ولد في رجب سنة عشر وثمانمائة (٤)، قرأ القرآن في جوجر وصلّى به بها، ثم رحل إلى القاهرة في حدود سنة ست وعشرين؛ فبحث بها في الملحة على الشهاب الإبشيطى، ثم انتقل إلى دمياط سنة ثمان وعشرين؛ فحفظ بها شذور الذهب لابن هشام وربع العبادات من منهاج النووي والملحة، وبحث الشذور والملحة على الشيخ ناصر الدين محمد بن سويدان الآتي، وبحث عليه عروض التبريزي. وأبطأ عنه الرزق فتكسب بصنعة الحصر، وعنى بنظم الشعر والفنون ففاق في ذلك.
اجتمعت به ليلة الأحد ثاني عشر شعبان سنة ثمان وثلاثين بدمياط؛ فأنشدني نظما رائقا ورأيت عنده ذكاء وتؤده وعقل، ونظمه في الفنون أحسن من نظمه في الشعر.
أنشدني في يوم الأحد المذكور لنفسه من لفظه وسمع ابن فهد وابن الإمام:
بروحى أفدّى من أحب ومالي … فما لعذولى في الغرام ومالي
يروم بتعنيفى سلوى وإنني … عن الحب لو أسليت لست بسالى
стр. 634
أيجمل بي صبر وبالى لنحو من … به ذقت في أمر الغرام وبالى
غزال له لحظ عن المحبة … فمن لي بسلم منه وهو غزالى
من الغيد في فيه إذا لحظه رنا … لمن يشتكى سقما لمى كزلال
وإن ضل صب في دجى الشعر يهتدى … بصبح جبين واضح كهلال
أباح لجفنى التسهد مذ حرم اللقا … وقد لذ تعذيبى به وحلالى
ولست أبالي أن طوى نشر هجره … ولو لحظة أصمى الحشا بنبالى
وكذلك:
قسما بحبك واليمين عظيم … إنّي ببعدك والغرام غريم
أعلمت ما صنع الهوى بي سيدي … للدّمن لي في الأنام رحيم
سالمت حبك ما سلمت وإنني … بالهجر قلبي من جفاك سليم
فارحم حشى ذابت عليك ومقلة … عميت وقلبا أنت فيه مقيم
البعد منه جهنم ووقودها … والقرب منه جنة ونعيم
يا للرجال خذوا بثأري من فتى … أفتى بقتلى ها أنا المهموم
ريم رماني ما رثى لمّا رنا … بسهام لحظ حكمه مختوم
قالوا: تسلى عن هواه أجبتهم … كيف السلوّ وفي الفؤاد جحيم
دعني أموت بحبه وتشنعوا … من قال قال ومن يلوم يلوم
وكذلك:
قوامك غصن والخدود شقائق … وأحداقك النجل المراض حدائق
وثغرك قد حلّى به الشهد والشذى … لقد فاز صب راشف منه ناشق
فديتك من غصن تضوع نوره … ومن بدر تمّ نوره العقل سارق
لساني وقلبي في الغرام صوامت … ولكن عيونى بالدموع نواطق
ومن عجب أنى غريق مدامعى … ونار الحشا تذكى أيحرق غارق؟!
وما ذاك إلا حب ظبي سبى المها … به كل معنى في الملاحة لائق
جميل المحيا يخجل الغصن إن مشى … وإن لاح حاضت في الخدور العواتق
стр. 635
وكذلك:
دمعي تخدر من فراق أحبتى … والقلب ذاب من القطيعة والجفا
والبين أضرم ناره بجوانحى … يا للبرية ما جرى منى كفى
وكذلك مخمسا قول:
بستان لحظك والقوام البابلي … الأبيات، فقال:
طاوعت حسنك مذ عصيت عواذلى
فقتلتنى ظلما بقدّ عادل
يا من هواه لست عنه بمائل
بستان لحظك والقوام البابلي … ها أنت من دون البرية قاتلي
يا من سطى باللحظ دع هذا الردى
واقصر من الهجران قد شمتوا العدى
أصبحت في معنى جمالك منشدا
يا مخجل الغصن الرطيب إذا بدى … ومعذب البدر المنير الكامل
٣٧١ - علىّ بن عبد المحسن بن عبد الدائم بن عبد المحسن بن محمد بن
أبي المحاسن عبد المحسن بن عبد الغفار الخراط البغدادىّ
الحنبلىّ، المعروف بابن الدواليبى، الخطيب الشيخ عفيف الدين أبو المعالي بن الشيخ جمال الدين أبى المحاسن بن نجم الدين أبى السعادات بن محى الدين أبى المحاسن، والخراط صفة. عبد الغفار، وكان خراطا حقيقة ولذلك لقب كل من أولاده ابن الدواليبى. هكذا أملى علىّ نسبه. وقال: إنه ولد في الساعة السابعة من يوم الأربعاء حادي عشر محرم سنة تسع وسبعين وسبعمائة ببغداد، وقرأ بها القرآن وتلا السبعة.